← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص، ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما (١). * مسألة: هل كان النبي ﷺ متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته؟ مذهب مالك وأصحابه: أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقال آخرون: كان متعبدًا بشرع من قبله. قال القرافي: المختار أنه كان متعبِّدًا - بكسر الباء على أنه اسم فاعل-، ومعناه: أنه ﷺ كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقةٍ لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث أي: يتعبد، ويقترح أشياء لقربها من المناسب في اعتقاده، ولم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب حتى يطلع على أحوالهم، فيبعد مع هذا غاية البعد أن يعبد الله تعالى بتلك الشرائع؛ ولأنه لو كان يتعبد بذلك لكان يراجع علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر (٢).

стр. 947

قال المازري والإبياري في «شرح البرهان» وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة، وكذلك قاله التبريزي (١). قال الشوكاني: وهذا صحيح، فإنه لا يتعلق بذلك فائدة، باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تبعد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته. وأقرب هذه الأقوال: قول من قال: إنه كان متعبدًا بشريعة إبراهيم ﵇ (٢). وقال الدكتور محمد سليمان الأشقر: وقد نقل أصحاب السير وأصحاب السنن كثيرًا من أفعاله وأحواله ﷺ قبل البعثة، وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعًا لاستنباط الأحكام الشرعية، والاقتداء بما قال أو فعل، وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدل به على أحواله التي تنفع في المعرفة بنبوته، وصدقه (٣). قال ابن تيمية ﵀: فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرًا؛

стр. 948

ولهذا يذكر مثل ذلك من كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك بما يعلم أحواله، وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة أخص، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة، فإن تلك لا تذكر لتؤخذ، وتشرع فعله قبل النبوة، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض على عباده الإيمان به، والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة، وتخلى في الغيران، والجبال حيث لا جمعة، ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ لكونه كان متحنثًا في غار حراء قبل النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئًا، فإن النبي ﷺ بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء، أو نحو ذلك (١). لكن النبي ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها، بل تميز بمكارم الأخلاق قبل البعثة وبعدها، كما قالت خديجة ﵂: كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، ولم يذكر فيه إلا حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا

стр. 949

ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا ﷺ (١). وروى أبو داود في سننه، في كتاب الأدب: قول السائب بن يزيد لرسول الله ﷺ : كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري، ولا تماري (٢). أما ما يذكر في أنه اشترك في حرب الفجار، وأنه كان يجهز النبل لأعمامه، فلم يرد بذلك سند صحيح (٣). وقيل: لم يقاتل ﷺ في فجار البراض، وعليه اقتصر في الوفاء، أي لم يرم فيه بأسهم، بل قال: كنت أنبل على أعمامي، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه (٤).

стр. 950

الفصل السابع: قول الصحابي

стр. 951

قول الصحابي * تعريف الصحابي: اختلف العلماء في تعريف الصحابي على أقوال متباينة منها: الأول: هو كل مسلم رأى النبي ﷺ ولو لحظة، وعقل عنه شيئًا؛ فهو صحابي، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا، ومات على ذلك. قال البخاري في صحيحه: ومن صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه. قال الحافظ: والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين، وقول البخاري: من المسلمين. قيد يخرج به من صحبه، أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم، فإن كان قوله: من المسلمين. حالًا خرج من هذه صفته، وهو المعتمد، ويرد على التعريف من صحبه، أو رآه مؤمنًا به، ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًّا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه «ومات على ذلك»، مثال من ارتد ولم يعد، كربيعة بن أمية بن خلف أسلم في الفتح، وحدث بعد موت النبي ﷺ ، ثم ارتد في خلافة عمر، ولحق بالروم وتنصر.

стр. 952

أما من ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لكن لم يره ثانيًا بعد عوده، فالصحيح أنه معدود في الصحابة مثاله: الأشعث بن قيس. وهذه الرؤية والنبي ﷺ على قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته، وقبل دفنه فليس بصحابي كأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، وهو شاعر مخضرم أسلم، وأخبر بمرض النبي ﷺ فسافر ليراه، فوجده ميتًا مسجى، فحضر الصلاة عليه والدفن، فلم يعد صحابيًّا. وكذلك الرؤية مقيدة باليقظة، فمن رآه في المنام، وإن كان قد رآه حقًّا فليس بصحابي، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، والله أعلم (١). قال ابن الصلاح: المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي ﷺ فهو من الصحابة. وهذا القول اختاره ابن الحاجب في مختصره (٢). وقال ابن حجر في تعريف الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. والمراد باللقاء: ما هو أعم من المجالسة والمماشاة، ووصول

стр. 953

أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر. والتعبير باللقى أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي ﷺ ؛ لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم، ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد، واللقى في هذا التعريف كالجنس (١). الثاني: أن الصحابي من رأى النبي ﷺ ، وصحبه ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته. قاله الآمدي ناقلًا له عن أكثر الشافعية: فهذا التعريف زاد عليه ما يطلق عليه اسم الصحبة، ولو ساعة لطيفة، ومنهم من اشترط أن يكون بالغًا، لكن رده ابن حجر. الثالث: أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه، حكاه الآمدي عن جماعة. الرابع: من طالت صحبته للنبي ﷺ ، وأخذ عنه العلم أي يجمع بين الصحبة الطويلة، والرواية عنه. الخامس: قول سعيد بن المسيب: لا يعد الصحابي إلا من أقام مع

стр. 954

النبي ﷺ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا (١). قال العلائي: في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي، ومن شاركه مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي ممن لا خلاف في عدهم من الصحابة. وقال ابن حجر: والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع (٢). هذه أشهر المذاهب في تعريف الصحابي، والحاصل أن الصحبة لها اعتباران: ١ - باعتبار الوضع اللغوي: تنطلق على القليل والكثير، سواء في مجالسة أو مماشاة، ولو ساعة يسيرة. ٢ - من حيث العرف: أنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة، لكن لا حد لتلك الكثرة إلا بما ينطبق عليه الاسم. فجمهور المحدثين اعتبروا المعنى اللغوي للصحبة، فعدوا في الصحابة كل من لقي النبي ﷺ اكتفاءً منهم باللقاء لقبول رواية الراوي، ولشرف رؤية النبي ﷺ ؛ وهذا لأن تعلق المحدثين بالرواية لا

стр. 955

بالاجتهاد. فشرف الصحبة حاصل للجميع سواء لازمه أم لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدًا، أو كلمه أو ماشاه قليلًا، أو رآه من بعيد، أو في حال طفولته، ولكن من ليس له سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة؛ لما نالوه من شرف الرؤية (١). أما الأصوليون فاعتبر فريق منهم المعنى العرفي؛ قالوا لأن الأمر عندهم يتعلق بأقوالهم، وأفعالهم، وفتاويهم، واجتهادهم، ولا ريب أن أقوال الصحابة واجتهادهم يتميز عن أقاويل غيرهم بما نالوا من صحبة رسول الله ﷺ ، وهذه الصحبة إنما تؤثر في الاجتهاد والاستنباط إذا كان فيها ملازمة، أو طول صحبة، أو مشاهدة الوقائع والقضايا منه ﷺ ، ولا تؤثر بمجرد الرؤية من بعيد، أو رؤية الأطفال، فكثير من الأعراب رأى النبي ﷺ ، ثم ارتدوا بعد وفاته، لذلك اشترط جمهور الأصوليين طول الصحبة بحسب العرف. والحاصل: أنه لا يشترط فى الصحابى الملازمة لأن الصحبة فى اللغة جنس، فكل من لقي شخصًا يطلق عليه أنه صحبه، وإن كان زمنًا قليلًا، ولو كانت الملازمة أو طول الصحبة شرطًا لانتفت صحبة كثير من

стр. 956

الصحابة ممن ثبتت صحبتهم يقينًا كما سبق، وهذا لا يعني أن الصحابة على درجة واحدة، من رآه فقط، كمن صحبه زمنًا، كمن طالت صحبته وملازمته. لذلك قسم العلائي الصحابة إلى أقسام، فقال: والحاصل: أن تسمية الجميع باسم الصحابي له اعتبارات: أحدها: من يصدق عليه الاستعمال العرفي قطعًا، وهؤلاء هم جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه ﷺ ، ومن هاجر إليه من القبائل، وغزا معه، ولا ريب في أمثال هؤلاء. الثاني: من يقرب من هؤلاء الذين هاجروا إليه، وأقاموا عنده أيامًا قلائل، ورجعوا إلى أماكنهم كوفد عبد القيس، ووفد ثقيف، وأمثالهم، وكمثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي، وجرير بن عبد الله البجلي، ومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة من الأيام والليالي، ولكن حفظ وتعلم منه، وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضًا وأمثالهم يطلق عليهم اسم الصاحب حقيقة عرفية، وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة لتحقق الاسم فيهم، وصدق الاتصاف بالصحبة لهم. الثالث: من لقيه ﷺ بمجالسة يسيرة، أو مبايعة، أو مماشاة، وكان مسلمًا إما بالغًا أو مميزًا، وعقل من النبي ﷺ شيئًا ما بأن أجلسه في حجره، أو مج في وجهه ماء، أو غير ذلك.

стр. 957

فلا ريب أن الإطلاق العرفي منتف عن أمثال هؤلاء، وأما الإطلاق اللغوي فهو قريب. الرابع: من لم يجتمع به ﷺ أصلًا، وإنما رآه من بعيد، وحكى شيئًا من أفعاله، أو لم يحك شيئًا مثل: أبي الطفيل عامر بن واثلة، وغيره ممن ليس له إلا مجرد الرؤية إما في حجة الوداع، أو غزوة الفتح، أو غزوة حنين، أو غير ذلك، أو كان مع أبيه فأراه النبي ﷺ من بعيد. فلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعًا فضلًا عن الاستعمال العرفي. وإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له ﷺ ، ولدخولهم في القرن الذي أثبت ﷺ أنهم خير القرون من أمته (١). قلت: هكذا ذكر أبا الطفيل في القسم الرابع، وأبو الطفيل قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن (٢). بل قال: أدركت ثمان سنين من حياة رسول الله ﷺ وولدت عام

стр. 958

أحد (١)، فالله أعلم. * حجية أقوال الصحابة: يمكن تقسيم أقوال الصحابة إلى عدة أقسام لتحرير محل النزاع: الأول: إذا أجمعوا على قول في مسألة فإجماعهم حجة قطعًا، ودليله أدلة الإجماع، وقد سبقت. الثاني: قول الصحابي إذا انتشر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، وهو ما يسمى الإجماع السكوتي. ١ - فمذهب مالك، وبعض الشافعية، وقديم قولي الشافعية أنه حجة، ويقدم على القياس (٢). وجعله ابن القيم أصلًا من أصول فتاوى الإمام أحمد. قال في أصول الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول لا أعلم شيئًا

стр. 959

يدفعه (١)، وقدم الصفي البغدادي هذه الرواية لأحمد (٢). ٢ - مذهب عامة المتكلمين، وجديد قولي الشافعي، واختاره أبو الخطاب أنه ليس بحجة، وهو الرواية الثانية للإمام أحمد، وهو مذهب الأشاعرة، والمعتزلة، والكرخي (٣). قال العلائي ﵀: ويحتمل أن ينزل القولان للإمام الشافعي على حالين، وذلك بأحد طريقين: أحدهما: أن يكون حيث أثبت القول أنه إجماع، أراد بذلك عصر الصحابة ﵃؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت عن مثل ذلك مع مخالفتهم فيه، لما عرف من عادتهم، وهذا لا يجيء في حق غير الصحابة. وحيث قال: لا ينسب لساكت قول. أراد بذلك من بعد الصحابة، وهذا أولى من أن يجعل له قولان متناقضان في المسألة من أصلها. الثانية: أن يحمل نفيه على ما لم يتكرر من القضايا، أو لم تعم به البلوى، ويحمل القول الآخر «أي كونه إجماعًا أو حجة» على ما كان يتكرر، أو تعم به البلوى؛ لأن العمل بخبر الواحد بالقياس مما يتكرر،

стр. 960

وتعم به البلوى، وكل من هذين الطريقين محتمل (١). وفرق الماوردي في كتابه «الحاوي» بين أن يكون فيما يفوت استدراكه كإراقة دم، أو استحلال فروج، فيكون إجماعًا؛ لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على ترك إنكار المنكر، وبين أن يكون مما لا يفوت استدراكه، فيكون حجة؛ لأن الحق لا يخرج عنهم، وفي كونه إجماعًا يمنع الاجتهاد وجهان سواء كان القول حكمًا أو فتيا. وقد سبق الكلام على مسألة الإجماع السكوتي في باب الإجماع. القسم الثالث: قول الصحابي إذا لم يشتهر، ولم يخالفه غيره: أن يقول الصحابي قولًا أو يحكم بحكم، ولم يثبت فيه اشتهار، ولا يؤثر عن غيره من الصحابة مخالفة في ذلك. وهذه الصورة هي أكثر ما يوجد عنهم، وهي محل النزاع هنا، وللعلماء فيها أقوال متعددة والذي يتحصل من مذاهبهم: الأول: أنه حجة مطلقًا، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه، وسفيان الثوري، وجمهور أهل الحديث، وكثير من الحنفية كأبي يوسف، وأبي سعيد البرذعي، وأبي بكر الرازي، والشافعي في قوله

стр. 961

القديم، وهو رواية مشهورة عن أحمد، وبه قال أكثر أصحابه، وهو مقتضى أجوبته وتصرفاته في كثير من المسائل (١). واحتجوا بأدلة منها: قال ابن القيم: وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا، فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكي أقوالًا للصحابة في الجديد، ثم يخالفها، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها، وهذا تعلق ضعيف جدًّا، فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل خالف دليلًا لدليل أرجح عنده منه، وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقًا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص، بل يعضدها بضروب من الأقيسة، فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها، وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها، بل يعضدها بدليل آخر، وهذا أيضًا تعلق أضعف من الذي قبله؛ فإن تظاهر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديمًا

стр. 962

وحديثًا، ولا يدل ذكرهم دليلًا ثانيًا وثالثًا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل (١). وقال الشافعي في «الرسالة» في ذكر أقاويل الصحابة: قال: أفرأيت إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلافًا، أتجد لك حجة باتباعه في كتاب، أو سنة، أو أمر أجمع الناس عليه، فيكون من الأسباب التي قلت بها خبرًا؟ قلت له: ما وجدنا في هذا كتابًا، ولا سنة ثابتة، ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحدهم مرة، ويتركونه أخرى ويتفرقون في بعض ما أخذوا به منهم. قال: فإلى أي شيء صرت من هذا؟ قلت: إلى اتباع قول واحد إذا لم أجد كتابًا، ولا سنة، ولا إجماعًا، ولا شيئًا في معناه يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا (٢). ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة. الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة. الثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ ، ولا نعلم له مخالفًا منهم.

стр. 963

الرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ ، ورضي عنهم. الخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات. وذكر الشافعي ﵁ في كتاب «الرسالة القديمة»، بعد ذكر الصحابة ﵃ والثناء عليهم بما هم أهله، فقال: وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله أعلم (١). حجة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومن كان مرضيًّا عنه كيف لا يقتدى بفعله، ويتبع في قوله، والله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا لم يخالف كتابًا ولا سنة، فاتبعهم متبع عليه كان محمودًا عليه على ذلك، ويستحق الرضوان (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 964

قال ابن القيم: شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف، ولا نهى فيها عن منكر، إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضى أن قوله حجة (١). إيضاحه: أن قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره في نازلة أو مسألة إذا كان خطأً، ولم يخالفه أحد يكون الصحابة لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، ويكونون قد اجتمعوا على ضلالة، وهذا ممتنع. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وجه الاستدلال: أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة وسطًا أي: خيارًا عدولًا هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم، وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم، ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم، عليهم فلو

стр. 965

كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأً مخالفة لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول، أو بدون اشتهارها؛ كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين قسمًا أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل؛ فإن الحق لا يعدوهم، ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعًا، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. فإذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى؛ فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، والله المستعان (٢).

стр. 966

وقريب من هذا المعنى: ٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (١). قال ابن حجر: قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» أي: المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين (٢). والحاصل: أن الصحابة أولى الناس بهذا الحكم من غيرهم. ٥ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة

стр. 967

أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقًا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم، وسائرهم لم يفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب مَنْ بعدهم، وأخطأوا هم؛ لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه (٢). ٦ - أن الصحابة ﵃ حضروا التنزيل، وفهموا كلام الرسول الله ﷺ ، واطلعوا على قرائن القضايا، وما خرج عليه الكلام من الأسباب والمحامل التي لا تدرك إلا بالحضور، وخصهم الله تعالى بالفهم الثاقب، وحدة القرائح، وحسن التصرف لما جعل الله فيهم من الخشية والزهد والورع إلى غير ذلك من المناقب الجليلة فهم أعرف بالتأويل، وأعلم بالمقاصد، فيغلب على الظن مصادفة أقوالهم، وأفعالهم الصواب، أو القرب منه، والبعد عن الخطأ هذا ما لا ريب فيه، فيتعين المصير إلى أقوالهم (٣).

стр. 968

قال ابن القيم: الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا، أو حكم بحكم، أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به؛ فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاهًا، أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ ، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق ﵁، والفاروق، وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله، وفعله، وهديه، وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة، لكنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ، ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله ﷺ (١). ٧ - قال العلائي: وهو المعتمد أن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به من غير نكير من أحد منهم، وكانوا من أهل الاجتهاد أيضًا، ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصحابي فيما

стр. 969

ليس فيه كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ثم هذا مشهور أيضًا في كل عصر لا يخلو عنه مستدل بها، أو ذاكر لأقوالهم في كتبه، ولا يقال فيكون المخالف في ذلك خارقًا للإجماع؛ لما تقدم أن مخالفة الإجماع الاستدلالي والظني لا يقدح، وما نحن فيه من ذلك (١). القول الثاني: أنه ليس حجة مطلقًا. قال العلائي: وإليه ذهب جمهور الأصوليين من أصحابنا «الشافعية»، والمعتزلة، وعزاه الأصحاب إلى الجديد من قولي الشافعي. وأومأ إليه أحمد بن حنبل، فجعل ذلك رواية ثانية عنه، واختاره أبو الخطاب من أصحابه، وإليه يميل محمد بن الحسن (٢). واحتجوا بأدلة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى مذهب الصحابي يكون تركًا لهذا الواجب. وجوابه: أن الرد إلى الله والرسول إنما يكون إذا كان الحكم المطلوب موجودًا في الكتاب أو السنة، فأما إذا لم يوجد ذلك في الكتاب

стр. 970

ولا في السنة؛ فلا يكون في الرجوع إلى أقوال الصحابة تركًا للواجب، والقول باتباع مذهب الصحابي مشروط بعدم معارضته للكتاب أو السنة، إلا في تخصيص، أو حمل على أحد المحملين على ما في ذلك من الخلاف. ٢ - أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، فتجوز مخالفته، فلو كانت حجة لما جازت مخالفته، وأيضًا فإن الصحابي ليس معصومًا، فيجوز عليه الخطأ والنسيان. والجواب: أن هذا خارج محل النزاع، فإن صورة المسألة أن يوجد قول لصحابي، ولم يحفظ عن غيره مخالفته، أما إذا اختلفوا فيقدم من أقوالهم ما كان أقرب للكتاب والسنة. القول الثالث: اتفاق الخلفاء الأربعة حجة: وإليه ذهب أبو حازم القاضي من الحنفية، وحكاه جماعة من المصنفين رواية عن الإمام أحمد، والصحيح: أنه ليس بإجماع. وحجة هذا القول: حديث العرباض بن سارية وفيه: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (١).

стр. 971

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالتمسك بسنتهم والعض عليها بالنواجذ، وذلك مجاز كناية عن ملازمة الأخذ بها، وعدم العدول عنها، ولا يلزم من ذلك مساواتها لسنة النبي ﷺ ، بل هي مأمور بالعمل بها بشرط عدم وجود سنة للنبي ﷺ . وأما كونه مختصًّا بالخلفاء الأربعة دون من بعدهم؛ فلما روى الترمذي عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان. ثم قال لي: أمسك خلافة علي. قال: فوجدناها ثلاثين سنة (١). ولكن قد يقال: الأحاديث الواردة في فضل الصحابة واتباعهم عامة، وهذا خاص. فالجمع ممكن بأن الجميع حجة، ولكن عند التعارض -وعدم المرجح من السنة- يقدم قول الخلفاء الأربعة على قول غيرهم. تنبيه: ما ثبت مخالفته للحديث، أو ما ثبت رجوعهم عنه للسنة؛ فلا يقتدى بهم فيه بلا شك.

стр. 972

القول الرابع: أنه حجة إذا وافق القياس: فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي. قال الزركشي: نص عليه الشافعي ﵀ في كتاب «الرسالة»، فقال: وأقوال أصحاب النبي ﷺ إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس، وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له موافقة، ولا خلافًا صرت إلى اتباع قول واحدهم، وإذا لم أجد كتابًا، ولا سنة، ولا إجماعًا، ولا شيئًا يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس. وقال ابن الرفعة في «المطلب»: حكى القاضي الحسين، وغيره من أصحابنا عن الشافعي أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضده القياس، وكذا حكاه ابن القطان في كتابه، فقال: نقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس. وكذا قال القفال الشاشي، والقاضي في «التقريب»، وابن أبي هريرة في «تعليقه» في باب الربا: عندنا أن الصحابي إذا كان له قول، وكان معه قياس، وإن كان ضعيفًا، فالمعنى إلى قوله أولى خصوصًا إذا كان إمامًا، ولهذا منع الشافعي بيع اللحم بالحيوان المأكول بجنسه، وغيره لأثر

стр. 973

أبي بكر الصديق ﵁ (١). القول الخامس: أنه حجة إذا خالف القياس: قالوا: لأن قوله إذا خالف القياس لا يكون إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك، وإن كان له فيه مجال لكنه عدل عما يقتضيه القياس، فعدوله عنه إنما يكون لخبر عنده فيه، وإلا يلزم أن يكون قائلًا في الدين بالتشهي من غير مستند، وذلك يقدح في دينه وعلمه، ولا ينبغي المصير إليه، فيتعين اتباع قوله (٢). وحكاه الزركشي قولًا للشافعي، قال: تصرفات الشافعي في الجديد تقتضي أن قوله حجة بشرطين: أحدهما: أن لا يكون للاجتهاد فيه مجال. الثاني: أن يرد في موافقة قوله نص، وإن كان للاجتهاد فيه مجال، كما فعل في مسائل الفرائض مقلدًا زيدًا فيها؛ لقوله ﷺ : «أفرضكم زيد» (٣).

стр. 974

وإليه ذهب الجويني إذا قطع الصحابي فيه القول ولم يتردد. قال في البرهان: وأما ما قطعوا القول به، ولم تكن المسألة في مظنة الاجتهاد، فقالوا قولًا مخالًفا للقياس ما أرشد إليه نظر، ولا يدل عليه اعتبار من تقليد، أو غيره، ورأيناهم حاكمين قاطعين، فتحسين الظن بهم يقتضي أن يقال ما نراهم يحكمون من غير بينة، ولا مستند لهذا الحكم من قياس، فلعلهم لاح لهم مستند سمعي قطعي من نص حديث كان حكمهم بذلك، فيجب اتباعهم لهذا المقام (١). القسم الرابع: أن يختلف الصحابة في الحكم على قولين فأكثر: أولًا: إذا كان مع أحد القولين سنة فهو المقدم بلا شك؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. مثاله: حديث التيمم للجنابة: عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهًرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]،

стр. 975

فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه، فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟! (١). ثانيًا: أقوالهم إذا انفردت عن معارض من السنة: قال الآمدي في الإحكام: اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين إمامًا كان أو حاكمًا أو مفتيًا (٢). ولا ريب أن ذلك بالنسبة إلى آحادهم بعضهم على بعض، وأما بالنسبة إلى من بعدهم إذا اختلفوا يرجع إلى الترجيح بأحد المرجحات المتصلة أو المنفصلة. قال الموفق ابن قدامة في «الروضة»: إذا اختلف الصحابة على قولين

стр. 976

لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل خلافًا لبعض الحنفية، وبعض المتكلمين أنه يجوز ذلك ما لم ينكر على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين، ولهذا رجع عمر إلى قول معاذ في ترك رجم المرأة، وهذا فاسد؛ فإن قول الصحابة لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح، ولأننا نعلم أن أحد القولين صواب، والآخر خطأ، ولا نعلم ذلك إلا بدليل، وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به، فكلَّا، وأما رجوع عمر إلى معاذ؛ فلأنه بان له الحق بدليله فرجع إليه (١). مسائل ذكرها العلائي: ١ - التخصيص بقول الصحابي: قال الآمدي: مذهب الشافعي الجديد، وأكثر الفقهاء، والأصوليين أن مذهب الصحابي لا يكون تخصيصًا للعموم سواء كان هو الراوي، أم لم يكن، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، والحنابلة، وعيسى بن أبان، وجماعة من الفقهاء.

стр. 977

٢ - أن يكون الخبر محتملًا لأمرين، فيحمله الصحابي الراوي، أو المطلع عليه على أحدهما. قال الآمدي: إن قلنا إن اللفظ المجمل ظاهر في جميع محامله كالعامِّ، فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي، وإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافًا في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه؛ لأن الظاهر من حال النبي ﷺ أنه لا ينطق باللفظ المجمل لقصد التشريع، وتعريف الأحكام، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام. والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه. ٣ - أن يكون الخبر ظاهرًا في شيء، فيحمله الصحابي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو بغير ذلك من وجوه التأويل، فالذي ذهب إليه أكثر العلماء أن يعمل بظاهر الحديث، ولا يخرج عنه لمجرد عمل الصحابي أو قوله، وذهب أكثر الحنفية إلى اتباع قول الراوي في ذلك. وقال بعض المالكية: إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرك إلا بشواهد الأحوال والقرائن المقتضية لذلك، وليس للاجتهاد مساغ في ذلك اتبع قوله، وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون بضرب من

стр. 978

الاجتهاد تعين الرجوع إلى ظاهر الخبر. ٤ - أن تكون المخالفة بترك مدلول الحديث بالكلية. مثل حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا (١)، ثم روي عن أبي هريرة بالتثليث (٢)، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعدل عن الخبر الظاهر أو النص إلى مذهب الراوي (٣). قال العلائي ﵀: ويتحصل فيما إذا اختلفت أقوال الصحابة ﵃ ثلاثة أقوال: أحدها: سقوط الحجية، وأنه لا يعتمد قول منها. الثاني: أن يؤخذ بأي قول منها بغير ترجيح. الثالث: أنه يعدل إلى الترجيح وهو الأظهر. والقول بالتخيير حكاه ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز،

стр. 979

والقاسم بن محمد، وعن سفيان الثوري إن صح عنه. قال: وهذا مذهب ضعيف، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر. ثم بين ﵀ المذهبين وأورد آثارًا عن عمر بن عبد العزيز والقاسم في مدح اختلاف الصحابة، وأنه توسعة على الأمة. قال: وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما، وهو قول الليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي ثور، وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه، والتشاكل، وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله ﷺ : «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يريبك» (١).

стр. 980

وأورد ابن عبد البر بسنده عن ابن وهب قال: قال لي مالك: يا عبد الله، أد ما سمعت وحسبك، ولا تحمل لأحد على ظهرك، واعلم إنما هوخطأ وصواب، فانظر لنفسك فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره. قال إسماعيل القاضي: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في اجتهاد الرأي، فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا. وعن المزني قال: قال الشافعي في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : أصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس (١). القسم الخامس: قول الصحابي الذي لم يعرف عنه الأخذ من أهل الكتاب فيما ليس من الرأي والاجتهاد، وإنما هو من الغيب حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وإن لم يصرح هذا الصحابي بنسبة هذا القول إلى النبي ﷺ ، فقول الصحابي في أشراط الساعة، وعذاب القبر، والجنة والنار، وأسباب النزول ممن لم يعرف عنه الأخذ من أهل

стр. 981

الكتاب، كعمر وابن مسعود، وغيرهم إن قالوا مما لا يدرك بالاجتهاد ولا بالعقل؛ فهذه الأقوال حجة لها حكم الرفع، وإن لم يصرحوا بنسبتها إلى النبي ﷺ (١). خلاصة ما سبق: أن قول الصحابي حجة بشروط، وهي: ١ - أن يكون الصحابي من الفقهاء المعتبرين، فإن كان من الصحابة الذين ليسوا بمعتبرين، ولا ممن عهد منهم العلم، فقوله ليس بحجة كقول سائر الناس مثل رجال البادية. ٢ - ألا يخالف نصًّا، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص مهما كان الصحابي، ولو كان من أفقه الصحابة. ٣ - ألا يعارضه قول صحابي آخر، فإن عارضه قول صحابي آخر طلب المرجح من الكتاب والسنة، واتبع ما ترجح من القولين.

стр. 982

ب- إذا فعل الصحابي فعلًا، واشتهر بين الصحابة، ولم ينكر فهو قويٌّ يقوى بعدم الإنكار (١). تتمة وتلخيص: في حجية قول الصحابي، يقول الدكتور محمود عبد الرحمن: نكتة المسألة والتي ذهل عنها الذاهلون أن قول الصحابي إن تضمن دليلًا كان حجة وإن لم يصرح بالدليل، وإن لم يتضمن دليلًا كان غير حجة في نفسه، ويرجح بينه وبين غيره من الأقوال المرجحات المعلومة، وهذا الدليل المتضمن يعرف بالقرائن، وكلهم حائمون في أقوالهم حول القرينة، فمنهم من يجعلها ما لا مجال للرأي فيه، وبعضهم يعبر عنها بموافقة القياس، وبعضهم رأى العكس، وهو أن مخالفة القياس قرينة وجود نقل لم ينقل، وإنما نقل مدلوله، وهو على صورة فتوى الصحابي، ومن قبل مطلقًا، فالقرينة عنده كونه صحابيًّا وَرِعًا لا يصدر في قول إلا عن دليل، وهذا هو المعهود في الصحابة، وأما القائل بالمنع مطلقًا فاكتفى بالرواية إذ ما من شيء يهم من أمر الدين إلا نقل (٢).

стр. 983

* مسائل فقهية بنيت على أقوال الصحابة: ١ - مسألة القصر للمسافر: قال ابن رشد: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد «البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال فيكون الأربعة برد ستة عشر فرسخًا = ٤٨ ميلًا، والميل البري = ١٦٠٩ مترًا، والميل البحري = ١٨٥٢ مترًا» (١). وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق. وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظ؛ وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك فيجب القصر حيث المشقة. أما الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد روي عن ابن عمر، وابن عباس، ومذهب الثلاثة

стр. 984

أيام مروي أيضًا عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما (١). وانظر الآثار الواردة عن هؤلاء الصحابة في مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، وابن عمر: كان يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد مما فوق ذلك (٢). ٢ - إذا طهرت الحائض بعد العصر أو قبل الغروب تصلي الظهر، والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر تصلي المغرب والعشاء. قال ابن قدامة في «المغنى»: وإذا تطهرت الحائض، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس صلوا الظهر والعصر، وإن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض قبل أن يطلع الفجر صلوا المغرب والعشاء، وروي هذا القول في الحائض تطهر عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول، إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأن وقت الأولى خرج في حال عذرها.

стр. 985

ولنا: ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعًا (١). ٣ - سجود التلاوة: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، والدليل ما رواه مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، ولم ينقل عن
следующие страницы →