← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30093

سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (233 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

• تراجم بعض الرواة: (أبو القاسم خالد بن خلي): هو الإمام أبو القاسم خالد بن خلى الكلاعى الحمصي. (الأوزاعي): هو الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبى عمرو الأوزاعي، هو إمام أهل الشام في زمانه، قال عنه ابن مهدى: ما كان بالشام أحدٌ أعلم بالسنة من الأوزاعى توفي سنة ١٥٧ هـ.

стр. 107

٢٠ - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (١). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ. وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. • وجه المناسبة بين الباب والباب الذي قبله: الأبواب السابقة كانت في بيان حال العالم والمتعلم، وهذا الباب يذكر فضلهما، وفضل العلم والتعليم.

стр. 108

• تراجم بعض الرواة: (محمد بن العلاء): هو الإمام أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الكوفي، قال عنه ابن نمير ما بالعراق أكثر حديثًا من أبى كريب الهمدانى، ولا أعرف بحديث بلدنا منه، توفي سنة ٢٤٧ هـ. (حماد بن أسامة): هو الإمام أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي قال عن نفسه: كتبت بأصبعى هاتين مئة ألف حديث، توفي سنة ٢٠١ هـ. (بُريد بن عبد الله): هو الإمام أبو بردة بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي. (أبو بردة): هو الإمام أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، قيل اسمه عامر بن عبد الله بن قيس أو الحارث الكوفي، توفي سنة ١٠٤، وقيل غير ذلك. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: قسم بعض العلماء العلم إلى قسمين وقسمها آخرون إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول من القسمين هو محل انتفاع وهو ينقسم إلى قسمين: أ) قسم ينتفع بنتائج مائه النازلة فيه وثمراته لا بعين الماء. ب) قسم ينتفع منه بعين الماء. فالأولى الأرض النقية التي طوت الماء وأنبتت الكلأ، والثانية هي الأرض الأجادب التي أمسكت الماء، فكلاهما نافع، لكنه لا ينتفع بأحدهما بعينه، ولكن ينتفع بالأثر الذي أخرجته، وأما الثانية فينتفع بعين الماء، فالذي ينتفع بالثمرة هؤلاء هم أهل الاجتهاد والعلم ينتفع الناس منهم بالثمرة، وهو ما استنبطوه من أحكام، وما ينتفع بمائه هم أهل الرواية نقلة الأحاديث، وسبق أنَّ النبي ﷺ قال: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، فهذا حامل للماء فقط،

стр. 109

ولكنه ينتفع به أيضًا. الفائدة الثانية: الوحي يشبه الماء في التطهير، فالماء يطهر البدن، والوحي والعلم يطهران القلوب والنفوس، ولذلك شبه النبي ﷺ الهدى والعلم بالغيث. الفائدة الثالثة: تشبيه الوحي بالماء في كمال التنظيف فكما أنَّ الماء يطهر من الخبائث ونحوها، كذلك الوحي فإنه يطهر القلب من الذنوب والمعاصي. الفائدة الرابعة: من الأمور التي يشبه الوحي الماء فيها أنَّ كلًّا منهما نازل من العلو. الفائدة الخامسة: الوحي والعلم عطاء وإيتاء لا يؤتاه كل الناس، وكذلك المطر قد يفضل الله تعالى أناسًا عن أناس، وفي الحديث "اسق حديقة فلان". الفائدة السادسة: استحباب ضرب الأمثلة، وأنها وسيلة من وسائل التعليم. الفائدة السابعة: قبول الهدي متوقف على نقاء القلوب وصفائها قال ﷺ (كان منها نقية قبلت الماء)، فلما قبلت الماء أتم الماء نظافتها وطهارتها. الفائدة الثامنة: بعض القلوب متهيئة للعلم، لكن ليس لها رسوخ فيه، فهي تأخذه وتقبله، ولكنها تمسكه حتى يأتي متعطش ويروى منها ويأخذ منها هذا العلم ويستنبط منها الأحكام. الفائدة التاسعة: شبه النبي ﷺ العلم بالغيث والغيث هو المطر، وللمطر أسماء متعددة؛ ولكن اختار النبي ﷺ اسم الغيث حيث إنَّ العلم غيث للناس من الجهل والضلال كما أنَّ المطر غيث للناس من الظمأ والعطش والهلاك. الفائدة العاشرة: العلم يشبه الغيث في أنَّ الغيث يسمى غيثا إذا أتى والناس محتاجون إليه، فكأن الله أغاث الناس بالوحي والعلم، وقد دعا النبي ﷺ في الاستسقاء فقال: اللهم أغثنا ثلاثًا، كذلك العلم فإنه يأتي إغاثة للناس من ظلمات

стр. 110

الجهل والضلال حيث إنَّ الإنسان الأصل فيه الجهل قال تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فهو إغاثة للناس في كل وقت. الفائدة الحادية عشرة: العلم حياة عامة كالمطر فكما أنَّ المطر يحيي الله به البلاد، فكذلك العلم يحيي الله به القلوب. الفائدة الثانية عشرة: قبول الحق والعمل به عزة للناس ورفعة للرأس قال النبي ﷺ "، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا "، فاعتبر النبي ﷺ من فقه في الدين كأن الله تعالى أعزه ورفع رأسه بخلاف الآخر. الفائدة الثالثة عشرة: الأخذ بالعلم والانتفاع به مراتب وليس كل الناس على درجة واحدة فيه، فمنهم من يحتفظ به لغيره، ومنهم من يستخرج منه ويستنبط لينتفع الناس به، ثم إنَّ من يستخرج ويستنبط يختلف أيضًا، فعلى قدر أخذه للماء أي للعلم يكون إخراج الأثر والانتفاع به. الفائدة الرابعة عشرة: فائدة العلم بالعمل وعلى قدر أخذ العلم على قدر نضوج ثمرته أي: أنه من نتائج العلم العمل. وهذا مستفاد من قوله (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فإنها لما أخذت الماء الكثير أنبتت العشب والكلأ الكثير، وكذلك كلما استفاد الإنسان من العلم استفاد من الفهم والأثر والنتائج.

стр. 111

٢١ - بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ قال البخاري ﵀: وقَالَ رَبِيعَةُ: «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ». • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنه بالضد تتميز الأشياء، فالأبواب السابقة كانت في العلم وفضله وفضل التعليم، ثم جاء هنا بالضد لكي يتميز فضل العلم ويظهر، وفيه التحذير من الجهل وذمه. قوله (وقَالَ رَبِيعَةُ) هو ابن أبي عبد الرحمن فروخ شيخ مالك رحمهما الله تعالى، والمتوفى سنة ١٣٦ هـ، وهو فقيه مدني، وكان معروفًا بالرأي لكثرة استخدامه للاجتهاد، ولذلك كانوا يقولون ربيعة الرأي. • ليس في رواة الكتب الستة من اسمه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ولا ابن فروخ سواه. • من فوائد الأثر: في قول ربيعة «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ» يُحمل على أمور منها: أولًا: إن كان للإنسان فهم فلا ينشغل بأمور الدنيا فيضيع نفسه؛ لأن ترك سبيل الآخرة من أجل الدنيا ضياع، وذلك هو سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] حيث إنًّ بعض الأنصار أرادوا أن يتركوا الجهاد وينشغلوا

стр. 112

بأموالهم فنزلت الآية. ثانيًا: المراد الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، فيكون العالم قد ضيع نفسه بتضييعه للعلم، فلابد من نشر العلم بين أهله قبل أن يموت العالم فيرفع العلم بموته. ثالثًا: لابد للعالم أن يشهر نفسه حتى يتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه، فليس هذا من باب الرياء ولا طلب الشهرة، فقد يوجد علماء ولا يعرفهم الناس، فلا مانع من أن يظهر العالم نفسه ويبين للناس أنه من أهل العلم حتى يأخذ الناس عنه، فهو بذلك يمنع انتشار الجهل ورفع العلم. رابعًا: توقير العلم وتعظيمه، فعلى الإنسان أن لا يهين نفسه بأن يجعل هذا العلم عرضا للدنيا، فيضيع العلم بسبب ذلك. قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» (١). • تراجم بعض الرواة: (عمران بن ميسرة): هو الإمام أبو الحسن عمران بن ميسرة المنقرى البصري، توفي سنة ٢٢٣ هـ.

стр. 113

• من فوائد الحديث: الفائدة الأولى: رفع العلم يكون بموت أهل العلم. الفائدة الثانية: ظهور الجهل قرين رفع العلم، وهذه مسألة عامة، فإذا رفع العلم ظهر الجهل. الفائدة الثالثة: العلم حماية من ظهور أئمة الجهل والضلال وإضلال الأمة؛ لأن هذا مترتب على ما قبله. الفائدة الرابعة: بقاء العلم بقاء للدنيا، فإذا ارتفع العلم قامت الساعة قال النبي ﷺ (إنَّ من أشراط الساعة ..... ). الفائدة الخامسة: غياب العلم يكون سببًا في انتشار الكبائر والمحرمات كشرب الخمر وظهور الزنا؛ لذا قرن النبي ﷺ بينهما. قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ» (١). • قول أنس ﵁: (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي) لأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة، أو ربما أنه يقصد الصحابة عامة سواء في البصرة أو في غيرها؛ لأنه يعلم أن لا أحد من الصحابة يعلم هذا الحديث غيره؛ لأنه حدَّث به في

стр. 114

آخر حياته وقبل موته. • من فوائد الحديث: الفائدة الأولى: المانع من الفتن هو إظهار العلم، فإذا رفع العلم كثرت الفتن، وترتب على ذلك موت الرجال وقلتهم. الفائدة الثانية: رفع العلم يؤدي إلى الإخلال بضرورات الدين وأنها مرتبطة مع بعضها البعض، والضرورات الخمس هي حفظ الدين والعقل والعرض والمال والنفس، فذكر النبي ﷺ هذه الضرورات الخمس وعلى رأسها الدين فالدين يحدث الخلل فيه بسبب رفع العلم، والعقل يخل به شرب الخمر، والعرض يخل به الزنا، والنفس والمال كثرة الفتن تخل بهما، ففيه إشارة إلى أنَّ الضرورات الخمسة تختل في آخر الزمان، وكل ذلك بسبب اختلال العلم اولًا ورفعه. الفائدة الثالثة: فيه إيذانٌ بأنَّ اختلال الضرورات الخمسة يؤذن بخراب العالم وقيام الساعة. الفائدة الرابعة: الناس لا يُتركون سدىً ولا هملًا، فإذا حاد الناس عن الطريق أتاهم العقاب والنهايات وقامت الساعة قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].

стр. 115

٢٢ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ» (١) • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ في كلٍّ صفةً من صفات العلم، ففي السابق رفعه، وفي هذا فضله، ومعني الفضل هنا قيل هو الفضيلة، وقيل بمعني الزيادة أي: ما فضل عنه ﷺ ، لقوله ﷺ «ثم أعطيت فضلي عمر»، والفضل الذي تقدم في أول الكتاب هو بمعني الفضيلة فلا تكرار إذًا. • تراجم بعض الرواة: (عقيل): هو الإمام أبو خالد عقيل بن خالد بن عقيل الأيلى الأموي، توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل غير ذلك.

стр. 116

(حمزة بن عبد الله بن عمر): هو الإمام أبو عمارة حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى المدني، وهو من فقهاء المدينة. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: أهمية الرؤى، وأنَّ الرؤى جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة لذلك كان النبي ﷺ يرعيها اهتمامه. والرؤى لها ضوابط شرعية منها: أولًا: أنها وحي، ومعني أنها وحي أي لا يجوز الإستهزاء بها، ولا يجوز الفتوى فيها بغير علم؛ لذلك سأل الصحابة النبي ﷺ فما أولته يا رسول الله؟ ثانيًا: لابد من إثبات أنها رؤيا فلا تكون من الشيطان، أو حديث نفس، وهذا يعلمه أهل الفن والخبرة. ثالثًا: لا تُقَصُّ إلا علي عالم أو ناصح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " (١). رابعًا: لا يؤخذ منها أحكام، بل هي بشارات أو نذارات للعبد. الفائدة الثانية: وفيه أيضًا أنَّ النبي ﷺ يصور للصحابة الأمر؛ لأن هذا أدعي للفهم؛ لذلك استعمل النبي ﷺ المضارع فقال " يخرج من أظفاري ". الفائدة الثالثة: كذلك فيه عظم ما أعطي الله تعالى نبيه من العلم مع قوله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فإنَّ النبي ﷺ أُعطي من العلم كما أُعطي الإنسان الذي يشرب اللبن ويملأ جوفه وأعضاءه حتي يصل إلي أظفاره. الفائدة الرابعة: فيه فضيلة لعمر ﵁ وبيان لسعة علمه، وهذا من جهة أنه أخذ فضل النبي ﷺ في العلم، وهذا يدل علي أنَّ هذا العلم هو علم الشرع، وأنَّ عمر

стр. 117

أُعْطِى علمًا عظيمًا. الفائدة الخامسة: فيه بيان فضيلة العلم إذ هو فضل الأنبياء ومايتبقى منهم للأمة، وهو يدل أنَّ «العلماء ورثة الأنبياء، فإنَّ الأنبياء لم يورثوا دهمًا ولا دينارًا إنما ورثوا العلم» (١). الفائدة السادسة: فيه دليل علي أنَّ العلم يشبه اللبن، والعلم يشبه اللبن في أمور كثيرة: أولًا: أنَّ اللبن تقوم به حياة الأبدان، والعلم تقوم به حياة القلوب لذلك أوَّل النبي ﷺ العلم باللبن. ثانيًا: اللبن خُلق من بين فرث ودم واستُخلِص من بينهما، وكذلك العلم فإنه يخلص المعرفة من بين الشك والجهل، ويبعد الإنسان عن الشبهات والظلمات، فاللبن سبب معاش الانسان وقوة بدنه، وكذلك العلم سبب لصلاح دنياه وآخرته، وهو حياة الروح. ثالثًا: اللبن يدل علي الخير كله؛ لأنه يدل علي الحمل، ويدل علي الإنجاب، ويدل علي ظهور الأسرار والخفايا، ويدل أيضا علي العطاء، كذلك قد يكون اللبن دواءً كما في الإبل، وقد يكون غذاءً كما في البقر، كل ذلك أيضا يوجد في العلم، فالعلم هو خير، وإنجاب للروح؛ لأن الولادة كما سبق نوعان: • ولادة يخرج بها العبد من بطن أمه. • وولادة الروح والقلب من مشيمة الظلمة والضلالات، وهذه الولادة تتم عن طريق العلم. وكذلك العلم فيه إظهار الأسرار والخفايا التي يمن الله ﵎ بها علي

стр. 118

من يشاء من عباده. وكذلك العلم هو دواء للقلوب من الفتن والجهل. وأيضًا هو يشبه اللبن في أنه غذاء للروح من الجهل والوحشة. وهو دليل أيضًا علي منة الله وعطائه. رابعًا: اللبن يدل على الإنجاب الذي هو امتداد لصاحبه بإنتاج نسله، وكذلك العلم فهو امتداد لصاحبه في حياته وبعد مماته بالعلم النافع للناس من بعده. خامسًا: وكذلك فإنه ليس شيء من الغذاء يجزئ إلا اللبن، كذلك العلم إذا أخذه الإنسان من محله ومن أهل العلم، وتجنب الآفات فإنه يكون فيه الخير كله. وغير ذلك من أوجه الشبه بين العلم واللبن لذا أول النبي ﷺ اللبن بالعلم. الفائدة السابعة: أنَّ العلم النافع الذي يسري في جوارح العبد ويظهر فيها، وهذا يدل علي أنَّ الإيمان قول وعمل، وأنَّ العلم أثره ونتائجه العمل، ولذلك شرب النبي ﷺ اللبن ثم انتشر في أعضائه حتي رآه في أظفاره. الفائدة الثامنة: أنَّ المراد بالعلم هنا علم الدين لأنه فضل الأنبياء وميراثهم. الفائدة التاسعة: فيه أيضًا جواز اختبار المعلم لتلامذته ففي رواية أخرى قال لهم النبي ﷺ أولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت منه فضلة فأعطيتها عمر، قال: أصبتم (١)، قال الحافظ ﵀ ويُجمع بينهما بأن هذا وقع أولًا، ثم احتُمل عندهم أن يكون في تأويلها زيادة علي ذلك، فقالوا يا رسول الله: فما أولتَها؟ - أي فما أولتَها أنت؟ - فقال إنما أولتُه بكذا وكذا بما يوافق قولهم وتأويلهم.

стр. 119

٢٣ - بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا قال الإمام البخاري ﵀ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق عن العلم وفضله، وهذا عن الفتيا، والفتيا من العلم. • تراجم بعض الرواة: (عيسى بن طلحة بن عبيد الله): هو الإمام أبو محمد عيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وهو من الحكماء العقلاء، وكان صديقًا لعروة بن الزبير، توفي ﵀ سنة ١٠٠ هـ.

стр. 120

• في الحديث فوائد منها: الفائدة الأولى: رفق المعلم بالمتعلم وإن كان له حاجة وقف له، وأقبل عليه لتلقي الأسئلة والجواب عنها، وما أعظم حاجات الناس فى الدين والعبادات؛ لذلك لما كان النبى ﷺ فى حجة الوداع علم أنَّ الناس يحتاجون السؤال عن أمور حجهم، والأخذ عن الله وعن رسوله ﷺ وقف ﷺ للجواب عن أسئلتهم. الفائدة الثانية: فيه أيضًا دلالة على يسر الشريعة ورفع الحرج؛ لذلك ما سُئل النبى ﷺ عن شاء قدم ولا أخر فى هذا اليوم إلا قال افعل ولا حرج. الفائدة الثالثة: أنَّ الأمر فى قوله «افعل ولا حرج» للجواز لأن هذا أمرٌ لما يتوهم حظره، والقاعدة الأصولية تقول " إذا كان الأمر جوابًا لما يتوهم حظره فلا يكون للوجوب " بل يكون للإباحة، وتوهم الوجوب لأن النبى ﷺ قال " خذوا عنى مناسككم "، والقاعدة الأصولية تقول " الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق له حكمه " وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب لكن هذا الأمر لما خالفه بعض الصحابة بمخالفة الترتيب الذى رتبه النبى ﷺ سألوا النبى ﷺ فأجابهم بقوله " افعل " فيكون الأمر للإباحة؛ لأن هذا الجواب لما يتوهم حظره. الفائدة الرابعة: يدل على أنه لا كفارة على فاعل ذلك ولا إثم، وذلك لقوله «افعل ولا حرج»، فرفع الحرج يقتضى رفع الإثم، ويقتضى أيضًا عدم الكفارة. الفائدة الخامسة: أنه يجوز سؤال العالم راكبًا وماشيًا، ويستفاد منه جواز سؤال العالم وهو مشغول لأن النبى ﷺ كان بحجة الوداع وهى فيها من الشغل فى أعمال الحج والدعاء والتسبيح وما إلى ذلك، والجمع بين هذه الأدلة والأدلة التي تنهى عن القضاء والفتوى عند انشغال الفكر: أنَّ لا يكون الشغل شغلًا كثيرًا يؤثر في الفتوى لذلك قال ﷺ «لا يقضى القاضى وهو غضبان» لأن الغضب يشغله، وقيس

стр. 121

عليه أنه لا يقضى وهو حاقن، ولا يقضى وهو جوعان، وغير ذلك من الأمور، وأيضًا لا يقضى وهو مشغول، لكن الشغل الذي يؤثر فى الفتوى والقضاء. الفائدة السادسة: أيضًا من الفوائد أنَّ النبى ﷺ أخذ حكم المجاورة فقوله وهو واقف على الدابة، وهذا يعنى أنَّ الدابة كانت واقفة والنبى ﷺ كان جالسًا عليها، وأخذ النبى ﷺ حكم القيام بمجاورته القائم وهى الدابة.

стр. 122

٢٤ - بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: «وَلَا حَرَجَ» قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: «وَلَا حَرَجَ» (١). وقال أيضًا: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: «هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ» (٢). وقال أيضًا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟

стр. 123

فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الإشارة باليد صورة من صور الفتيا، والفتيا أيضًا هي من العلم فيجوز للإنسان أن يفتى بالإشارة باليد أو الرأس ولا يلزم الكلام. • تراجم بعض الرواة: (وهيب): هو الإمام أبو بكر وهيب بن خالد بن عجلان الباهلى البصري صاحب الكرابيس، يقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، توفي سنة ١٦٥ هـ، وقيل بعدها. (أيوب): هو الإمام أبو بكر أيوب بن أبى تميمة واسمه كيسان السختيانى

стр. 124

البصري، وقال عنه حماد بن زيد: كان أيوب عندى أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة. توفي سنة ١٣١ هـ. (مكي بن إبراهيم): هو الإمام أبو السكن مكى بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمى البلخي، قال: حججت ستين حجة، و كتبت عن سبعة عشر نفسًا من التابعين، توفي سنة ٢١٥ هـ. • ليس من رواة الكتب الستة من اسمه مكي سواه. (حنظلة بن أبي سفيان): هو الإمام حنظلة بن أبى سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشى الجمحى المكى، توفي سنة ١٥١ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فيه دليل على جواز إطلاق القول على الفعل. الفائدة الثانية: وفيه أيضًا جواز الفتيا بالإشارة، لكن يشترط فى الاشارة أن تكون إشارة مفهمة تقوم مقام القول. الفائدة الثالثة: وفيه حجة لمن قال بجواز لعان المرأة الصماء والبكماء ومبايعتها ونكاحها؛ لأن ذلك كله سيحدث بالإشارة، وكأن الإمام مالك قال إذا كانت الفتيا ستقع بالإشارة وهى بيان لما أراد الله تعالى وأراد رسوله ﷺ وبيان لحكم شرعي، فأمور الدنيا من البيع والنكاح ونحوها من باب أولى. الفائدة الرابعة: وفيه تسمية الشيء وتعريفه بأثره ولازمه لتعريف النبي ﷺ الهرج بالقتل؛ إذ القتل لازم للهرج وليس هو؛ لأن الهرج تعنى الفتنة، وقيل الهرج بلسان الحبشة يعنى القتل. الفائدة الخامسة: أيضًا فيه جواز الإشارة فى الصلاة ولا تبطل به الصلاة حتى وإن كانت الإشارة كثيرة لكن يحتاجها المصلى، فالنبي ﷺ أجاز قتل الأسودين فى الصلاة ونحو ذلك، لكن بشرط أن تكون لحاجة.

стр. 125

الفائدة السادسة: المراد بالناس هنا بعضهم وهو المسمى بالعام الذي أريد به الخاص. الفائدة السابعة: تجلاني الغشي: جلال الشيء هو ما غطى به، والغشي طرف من الإغماء، وهذا يعني أنَّ التجلي يطلق على كل شيء يحيط بالإنسان وينزل عليه. الفائدة الثامنة: وفيه أيضًا استحباب الخطبة فى صلاة الكسوف. الفائدة التاسعة: وفيه أيضًا مشروعية صلاة الكسوف. الفائدة العاشرة: وفيه أيضًا أهمية صلاة الكسوف، وأنَّ الله يجعل الكسوف تخويفًا للناس، ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ رأى فى مقامه كل شيء لم يكن رآه، والمعنى: رأى الكثير من أمور الغيب قال حتى الجنة والنار، وفيه أنَّ فتنة القبر وسؤال القبر يدلان على ثبوت عذاب القبر. الفائدة الحادية عشرة: وفيه أنَّ هؤلاء الملائكة يعلمون أحوال العباد بإذن الله تعالى حيث قالوا " قد علمنا إن كنت لموقنًا به " أي نعلم أنك كنت موقنًا به.

стр. 126

٢٥ - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ. وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ». قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ " قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ». • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الباب السابق: بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ، فالباب عبارة عن سؤال وجواب وهما لا يخلوان غالبًا من التحريض لأنهما تعليم وتعلُّم، فبعد أن ذكر باب الفتيا والسؤال والجواب والتعلم ذكر باب التحريض؛ حيث إنَّ العلم والتعلم يحتاج إلى تحريض.

стр. 127

• تراجم بعض الرواة: (غندر): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي البصري ولقبه غندر، وهو أثبت الناس في شعبة، اختلف في وفاته فقيل: ٢٩٣ هـ، وقيل: ٢٩٤ هـ. (أبو جمرة): هو الإمام أبو جمرة نصر بن عمران بن عصام الضبعي البصري، قال عنه ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. توفي سنة ١٢٨ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فيه أنَّ أعمال الإسلام تُسَمَّى إيمانًا، فقال النبي ﷺ لهم: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ثم ذكر لهم بعض الأعمال، وهذا يدل على أنَّ العمل من الإيمان. الفائدة الثانية: وفيه أيضًا من الفوائد الترحيب بالوفود التي أقبلت لطلب العلم، فقال النبي ﷺ : مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى. الفائدة الثالثة: فيه استحباب اختيار من يلقى الأكابر والعظماء؛ لأن الوفد هم الجماعة المختارة للتقدم ليلقوا العظماء، فهم اختاروا وفدًا من عظمائهم ليلقى النبي ﷺ ، أيضًا هذا الوفد كانوا كما جاء في الروايات أربعة عشر، وكان قائدهم الأشجّ ﵁، وهو الذي قال له النبي ﷺ : إنَّ فيك خصلتين يحبها الله وهما الحلم والأناة (١)، فهذا دليل على أنهم اختاروا العظماء من قومهم وأرسلوهم كوفد، واختاروا أفضلهم وأحلمهم قائدًا وهو الأشجُّ ﵁. الفائدة الرابعة: قول النبي ﷺ : مَنِ القوم؟ فيه دليل على استحباب سؤال القاصد أو الذي يأتي للتعلم عن نفسه، والسبب في ذلك ليعرف منزلته فينزله منزلته. الفائدة الخامسة: فيه جواز التعبير بالكل عن البعض فإنهم قالوا ربيعة، وهم

стр. 128

ليسوا كل ربيعة. الفائدة السادسة: فيه دليل على استحباب تأنيس القادم وكان هذا هو فعل النبي ﷺ في الترحيب بهم وتأنيسهم ليهدأ روعهم ويطمئنوا لذلك، وهذا أدعى للتعلم وأخذ ما جاءوا له. الفائدة السابعة: فيه فضل من يُسلم طواعية ويُمدَح لذلك؛ لذلك قال النبي ﷺ : غير خزايا ولا ندامى، غير خزايا يعني أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. الفائدة الثامنة: أيضًا فيه التبشير لمن عمل الصالحات، فقال النبي ﷺ : ولا ندامى؛ لأنكم لن تندموا على إسلامكم ولا على ما فعلتم من الصالحات، بل إنَّ عليكم أن تستبشروا بذلك وتنتظروا العاقبة الخير إن شاء الله تعالى. الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على جواز الثناء على العبد أمام نفسه إن أُمِنَت الفتنة، أو كانت هناك مصلحة راجحة، وهذا يجمع بين أحاديث النهي والفعل الوارد في ذلك. الفائدة العاشرة: أيضًا في قولهم: يا رسول الله دليل على أنهم كانوا مسلمين قبل أن يأتوا إليه. الفائدة الحادية عشرة: قولهم شقة بعيدة، والشقة البعيدة دليل المشقة، وهو دليل على أنهم تحملوا المتاعب والمشقة للتعلم، ولجلب الخير لأنفسهم ولأهليهم. الفائدة الثانية عشرة: أيضًا فيه دليل على أنَّ الغُنْمَ بالغُرْمِ والأجر على قدر النصب، فإنَّ أول جمعة جُمِعَت مع مسجد النبي ﷺ هي مسجد عبد القيس كما قال ابن عباس ﵁ (١)، وأصبحوا يُذكَرون بذلك، فهذه مكافأة من الله تعالى لأنهم

стр. 129

أسلموا طواعية، ولأنهم بادروا بالإسلام وأتوا إلى النبي ﷺ من شقة بعيدة ليتعلموا فكافأهم الله ﵎ أن يكون مسجدهم أول مسجد تُقام فيه الجمعة بعد مسجد النبي ﷺ . الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ حسن المسألة نصف العلم، والمراد هنا العدل والقصد والبيان فكان سؤالهم سؤالًا مختصرًا واضحًا بينًا. الفائدة الرابعة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الأعمال الصالحة تُدخل الجنة إذا قُبِلَت؛ لذلك طلبوا من النبي ﷺ أعمالًا يتعلمونها، ويعلمونها قومهم، ويدخلون بها الجنة، فدلهم على أركان الإسلام والأعمال الصالحة. الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل على أهمية الصلاة، وأنها أول الأوامر وأهم الأوامر، وربما ذكر النبي ﷺ هنا الشهادتين للتبرك بهما؛ ولأنهما أول أركان الإسلام مع أنَّ القوم كانوا مسلمين. الفائدة السادسة عشرة: فيه أيضًا التشويق وتَشَوُّف النفس، فذِكْرُ العدد قبل التفسير يجعل في النفس شوقًا للبيان الذي يأتي بعد ذلك، وهذا من حسن بيان النبي ﷺ . الفائدة السابعة عشرة: فيه أيضًا جواز إطلاق المحل وإرادة الحال في قوله: الحنتم، والحنتم هي الجرّة، والمراد ما يُنبَذ في الحنتم، وكذلك الأمور الأخرى. الفائدة الثامنة عشرة: فيه أيضًا دليل لباب سد الذرائع، فالنهي عن هذه الأشياء ليس لذاتها، بل لأن الإسكار يُسرع إليها، وإن كان النبي ﷺ أذن بعد ذلك فيها، ونهى عن كل مسكر. الفائدة التاسعة عشرة: فيه دليل على قبول خبر الواحد؛ لذلك أمرهم النبي ﷺ أن يخبروا بهن من وراءهم.

стр. 130

٢٦ - بَابُ الرِّحْلَةِ فِى المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق كان فيه التحريض على العلم وأتى هنا فى باب الرحلة فى المسألة النازلة، والمحَرَّض من شدة تحرضه قد يرحل إلى المواضع فى طلب العلم، ولا سيما النازلة التي تنزل به. • تراجم بعض الرواة: (عمر بن سعيد بن أبي حسين): هو الإمام عمر بن سعيد بن أبى حسين القرشى المكى.

стр. 131

• في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: استحباب الرحلة فى طلب العلم، والبحث عن الحق لذلك قال الشعبي ﵀: " لو أنَّ رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقى من عمره لم أر سفره يضيع " (١). الفائدة الثانية: الأخذ بشهادة المرأة فيما يخص النساء؛ لأن النبى ﷺ أخذ بشهادة المرأة فى مسألة الرضاع؛ وهذا لأن مسألة الرضاعة تخص النساء. الفائدة الثالثة: أيضًا من الفوائد أنَّ الأصل فى المسلم العدالة لذا قبل النبى ﷺ شهادتها دون السؤال عن عدالتها أو عن صدقها. الفائدة الرابعة: الحديث فيه دليل على أنَّ الأصل فى الإبضاع التحريم، فعند الشك يرجع إلى الأصل؛ لذلك لما قال عقبة لم أسمع بهذا قبل هذا، فقال النبى ﷺ كيف وقد قيل، وإن شك فى الإرضاع، فالأصل فى الإبضاع التحريم وهى لا تحل إلا بعقدٍ أو بدليلٍ يدل على ذلك، فأرجعه النبى ﷺ إلى الأصل وهو التحريم، وأمره بمفارقتها. الفائدة الخامسة: وفيه أيضًا دليل على فضل العلم، وأنه من المنازل العالية التى يرحل إليها.

стр. 132

٢٧ - بَابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لا»، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الباب السابق هو باب الرحلة فى المسألة النازلة وتعليم أهله، وهنا باب التناوب فى العلم، والمناسبة هى الحرص على العلم واتخاذ الوسائل للتعلم، ففي

стр. 133

الباب السابق رحل عقبة فى العلم، وفى هذا الباب كان عمر ﵁ مع الأنصارى يتناوبان فى العلم، كل ذلك لتحصيل العلم، وتحمل مشاقه، والبحث عن طرق التعلم، فإن كان طريق التعلم بالرحلة يرحل، أو بالتناوب يتناوب، وهكذا. • تراجم بعض الرواة: (أبو اليمان): هو الإمام أبو اليمان الحكم بن نافع البهرانى الحمصي، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة ٢٢٢ هـ. (شعيب): هو الإمام أبو بشر شعيب بن أبى حمزة واسمه دينار الحمصي، كان من كبار الناس، توفي سنة ١٦٢ هـ، أو بعدها. (يونس): هو الإمام أبو يزيد يونس بن يزيد بن أبى النجاد، قال عنه الإمام أحمد بن صالح المصري: نحن لا نقدم فى الزهرى على يونس أحدًا، توفي سنة ١٥٩ هـ. • وفي الحديث فوائد منها: الفائدة الأولى: الحرص على طلب العلم بدليل التناوب، فهو يتعلم يومًا بنفسه ويومًا بواسطة. الفائدة الثانية: أنَّ الصحابة كانوا يقولون قال رسول الله ﷺ ويخبر بعضهم عن بعض، وهذا مشهور عن الصحابة؛ لأنهم كانوا لا يكذب بعضهم بعضًا، فكان عمر ﵁ من الممكن أن يقول قال رسول الله ﷺ وهو لم يسمعه من النبي ﷺ مباشرةً، وإنما سمعه من الأنصارى الذى بلغه عن النبي ﷺ ، وهذا دليل على انتشار الصدق والأمانة والدين فى هذا الزمان.

стр. 134

الفائدة الثالثة: الحديث فيه روايات أخرى تبين سبب الفزع الذى أصاب عمر لما قال " فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ "، وسبب هذا الفزع أنهم كانوا يسمعون أنَّ بنى الأصفر وهم الروم، يجمعون للإتيان إلى المدينة، فلما رأى طرق الباب وصاحبه الأنصاري يسأل عنه، ففزع عمر ﵁ وظن أنَّ الروم قد أتوا إلى المدينة. الفائدة الرابعة: جواز ضرب الباب، وضرب الباب يعنى الطرق بشدة، وإن كان هذا على خلاف الأصل، لكنه قد يكون هناك داعٍ إلى ذلك، وأنه يدل على أنَّ هناك أمرًا عظيمًا، وهذا هو السبب الذى جعل عمر يفزع. الفائدة الخامسة: جواز دخول الأب على ابنته دون إذن الزوج، فقد أتى عمر ﵁ ودخل على حفصة وكان النبي ﷺ غائبًا، وهذا من الأمور التى يتسامح فيها الشرع. الفائدة السادسة: الحديث فيه دليل على أنَّ على الأب التفتيش والبحث عن حال ابنته ومراعاة أحوالها، لذلك فزع عمر لما علم باعتزال النبي ﷺ ، وخشى أن يكون النبي ﷺ طلق النساء، وهذا أمرٌ عظيم على المسلمين، وأمرٌ عظيم على عمر أيضًا؛ لأن حفصة ابنته زوجة للنبي ﷺ ، لذلك دخل على ابنته وسألها: هل طلقكن رسول الله ﷺ . الفائدة السابعة: جواز السؤال قائمًا لذلك قال عمر ﵁: فقلت وأنا قائم أَطَلَّقْتَ نساءك، والسؤال وهو قائم لا يخالف الأدب، لكن الحال يستدعى ذلك، فكأنَّ عمر ﵁ كان متعجلًا لعظم المصيبة. الفائدة الثامنة: استحباب التناوب فى طلب العلم، فيجوز للإنسان أن ينيب غيره ويأخذ منه العلم، بل يصبح ذلك أحيانًا واجبًا إن لم يتم العلم إلا به، من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 135

الفائدة التاسعة: وفيه أيضًا دليل على الأخذ بخبر الواحد، ورد قول من يقول أنَّ أخبار الآحاد لا يؤخذ بها سواء كان ذلك فى العقائد أو فى غيرها؛ لأن عمر ﵁ كان يتناوب مع الأنصارى، ويبلغه الأنصاري ما قاله النبي ﷺ ، ويبلغه عمر ما قاله النبي ﷺ ، وهو فرد واحد، وبالطبع كانوا يتعلمون من النبي ﷺ العقائد وغيرها، فهذا يدل على أنَّ خبر الواحد يؤخذ به فى كل الدين طالما أنه منقول ثابت. الفائدة العاشرة: فيه أيضًا أنَّ الطالب لا يغفل عن النظر فى أمر معاشه ليستعين به على طلب العلم وغيره، وليس معنى طلب العلم أن يترك الإنسان المعاش وما يكفله وما إلى ذلك، وعليه أن يجمع بين هذا وهذا، وإن كان ذلك بالتناوب فلا بأس. الفائدة الحادية عشرة: يجب على الإنسان ألا ينشغل بالدنيا عن العلم، فعمر كان بحر العلم، وشرب فضلة اللبن من النبي ﷺ كما سبق فى الأبواب السابقة، وقد أَوَّلَ النبي ﷺ ذلك بالعلم مع أنَّ عمر كان يعمل يومًا، ويحضر مجلس العلم يومًا؛ لكن الله يكافئ الإنسان ويفتح عليه. الفائدة الثانية عشرة: لا يلزم إدراك العلم بسندٍ عالٍ وإن كان هو الأصل، فالأصل أنَّ الإنسان يتعلم من أقرب المصادر وأعلاها، فإن لم يتمكن من ذلك فيأخذ من الأدنى، لذلك كان عمر ﵁ يأخذ العلم بسندٍ عالٍ فى يوم من النبي ﷺ مباشرةً، واليوم الذى لا يستطيع أن يأخذه من النبي ﷺ لا يتركه، ولكن يأخذه بسندٍ أنزل. الفائدة الثالثة عشرة: يجب التحرى فى نقل الوقائع، وأنَّ الأَوْلَى أن ينقل الإنسان الواقعة بحالها لا بفهمه، لذلك فإنَّ الصحابي الذى نقل الأمر إلى عمر ﵁ فى رواية أنه قال: طلق النبي ﷺ نساءه، وهذا لم يكن على الحقيقة، بل فهم

стр. 136

ذلك لأن النبي ﷺ اعتزلهن، لكن لما تبين عمر ﵁ علم أنَّ هذا الأمر ليس على الحقيقة. الفائدة الرابعة عشرة: يجب التثبت من الأخبار وإن كان الناقل ثقة لا شك فيه إذا كان الحدث جللًا، ويترتب عليه أمور عظيمة فلا بد من التثبت، وليس ذلك طعنًا في الناقل. الفائدة الخامسة عشرة: متابعة الصحابة لأخبار النبي ﷺ ، وأنَّ المصاب فى أى أمر من حياة النبي ﷺ كان مصابًا للناس أجمعين. الفائدة السادسة عشرة: وفيه جواز الخوف الجبلي؛ لذلك فزع عمر - وهو عمر - لكن فزع ظنًّا منه أنَّ بنى الأصفر قد هاجموا المدينة.

стр. 137

٢٨ - بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَوِّل بنا فلان، فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، فقال " أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإنَّ فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة " (١). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (٢).

стр. 138

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ»، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ هذه الأبواب تدور على صفات العلم، فقد سبق التحريض في العلم، والرحلة لطلب العلم، والتناوب في العلم، وهنا مسألة أخرى متعلقة بالمعلم وهي أنه يجوز الغضب على المتعلم إذا رأي منه ما يكره، والمعنى: ليس لأنه يرحل ويجتهد ويتناوب أنه لا يجوز للمعلم أن يغضب، لا. من الممكن أن يغضب عليه عند التعليم إذا فعل ما يُكرَه كأن يكون سؤاله غير مناسب. • تراجم بعض الرواة: (محمد بن كثير): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، توفي سنة ٢٢٣ هـ. (ابن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد الكوفي قال عنه الشعبي: إسماعيل يحسو العلم حسوًا، توفي سنة ١٤٦ هـ. (عبد الله بن محمد): هو الإمام أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن

стр. 139

جعفر الجعفى البخاري المعروف بالمسندي، قال الحسن بن شجاع للبخاري: من أين يفوتك الحديث وقد وقعت على هذا الكنز، يعنى: المسندى. توفي سنة ٢٢٩ هـ. (أبو عامر): هو الإمام أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسى العقدى البصرى، اختلف في سنة وفاته فقيل سنة ٢٠٤ هـ، وقيل: سنة ٢٠٥ هـ. (سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال القرشى التيمى المدني، قال محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة، عاقلًا، و كان يفتى بالبلد وولى خراج المدينة، و كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة ١٧٧ هـ. • في الباب فوائد منها: • أولًا: من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا عُلِم من عادة الإمام التطويل الزائد، لذلك عَدَّ بعض العلماء التطويل الزائد من الأعذار المبيحة لترك الجماعة، ومعنى لا أدرك الصلاة، لا أصلي صلاة الجماعة أي أتركها كلية بسبب تطويل فلان. الفائدة الثانية: فيه من أبواب الأدب: عدم ذكر اسم الفاعل إن كان الشيء مذمومًا، فقال: مما يُطَوِّل بنا فلان، حيث كان في معرض الشكوى. الفائدة الثالثة: فيه جواز الغضب لما يُنكَر من أمور الدين. الفائدة الرابعة: فيه الإنكار على من فعل منهيًّا عنه، فأنكر النبي ﷺ على مَنْ طَوَّلَ في الصلاة. الفائدة الخامسة: فيه التعزير لمن أطال في الصلاة؛ لأنه خالف بذلك السنة، والسنة هي مراعاة أحوال الناس ليست هي التطويل دائمًا، والتعزير في غضب النبي ﷺ .

стр. 140

الفائدة السادسة: وفيه جواز التعزير بالكلام والتأنيب واللوم. الفائدة السابعة: فيه دليل على الأمر بالتخفيف في الصلاة، وهذا أمر مطلوب شرعًا. الفائدة الثامنة: فيه بيان أنَّ الدين يسر. الفائدة التاسعة: فيه أيضًا دليل على وجوب مراعاة الواقع وأنَّ هذا هو السنة، فالنبي ﷺ كان يطيل في صلاته، لكنه أنكر هنا على من أطال؛ لأن الواقع مختلف، كما أنكر على معاذ في حديث آخر وقال له: أفَتَّان أنت! أفَتَّان أنت!. الفائدة العاشرة: فيه دليل على البعد عن كل ما ينفر الناس وإن كان من العبادة. الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه التعريض عند الإنكار، فالنبي ﷺ أنكر إنكارًا عامًّا. الفائدة الثانية عشرة: الحديث هنا من العام الذي أريد به الخصوص، فقول النبي ﷺ : أيها الناس، لا يراد بها كل الناس ولكن هذا عام أريد به فئة خاصة وهي الفئة الموجودة، لكنَّ الحكم عامٌّ لجميع الأمة. الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل أنَّ المشقة تجلب التيسير، فالنبي ﷺ بيَّن أنَّ فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة فهؤلاء أصحاب الحاجات، فأمر النبي ﷺ بالتيسير من أجلهم، وهو دليل على القاعدة الفقهية التي تقول " المشقة تجلب التيسير "، ولذلك في حديث آخر قال النبي ﷺ "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم"، وهذا يدل على أنَّ الإمام إمام في الحركات والسكنات؛ لكن في المقدار هو مأموم مقتد بالأضعف. الفائدة الرابعة عشرة: وفيه صحة قياس غير هؤلاء عليهم، فإذا كان هناك عارض غير هذه العوارض الثلاثة نقول أيضًا يقاس عليها، فالنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم فأعطى قواعد عامة للتخفيف.

стр. 141

الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل أنَّ الغضب والإنكار والتشديد في الموعظة قد يكون هو الحكمة، قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] قال بالحكمة وليس باللين، وإن كان اللين والرفق هو الأصل، لذلك غضب النبي ﷺ هنا، ومنه كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، لكن لما قال فرعون لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال له موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] يعني هالكًا؛ فهذا قول فيه شدة، لكن الحال يقتضي ذلك. الفائدة السادسة عشرة: فيه دليل لقاعدة: تزاحم الواجب مع السنة (١)، فإذا تزاحم الواجب مع السنة يُقدَّم الواجب كما يقول الأصوليون، وهنا الواجب هو عدم تنفير الناس وجمعهم في بيوت الله، وعدم إقامة الفتنة بينهم، وعدم تركهم لصلاة الجماعة، فكل هذه من الواجبات إذا تعارضت مع السنة وهي التطويل نقول يجب أن يُقدم الواجب وتُترك السنة. الفائدة السابعة عشرة: فيه دليل على قاعدة مهمة وهي "أنَّ الأمر المتعلق بذات العبادة يقدم على الأمر المتعلق بأمر خارج"، فالخشوع أمر متعلق بذات العبادة بخلاف التطويل فالتطويل أمر زائد، فلو أدى التطويل للخروج عن الخشوع يكون الخشوع أولى. الفائدة الثامنة عشرة: وفيه حسن بيان النبي ﷺ فإنه أوتي جوامع الكلم، فإنه أنكر على الصحابي وبين له الصواب وبين علة ما فعل، فإنه غضب عليه، وبين له سبب الغضب وهو نفور الناس، وعالج له الخطأ وأمره بالتخفيف، وبين له علة هذا الصواب، فإنَّ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.

стр. 142

• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: فيه دليل على أنَّ مال المسلم حرام على أخيه إلا بحق؛ لذلك قال النبي ﷺ له اعرف كذا وكذا حتى إذا جاء ربها تردها إليه، فهذا دليل أنه يحرم عليه أن يستمتع بمال أخيه المسلم بغير وجه حق. الفائدة الثانية: فيه الحفاظ على المال والانتفاع به ولا تعطل مصلحته؛ لذلك أجاز الشرع للمسلم أن ينتفع بهذا المال إن لم يجد صاحبه، فالمجتمع المسلم يحتاج أن ينتفع بهذا المال؛ لذلك أذن له النبي ﷺ إذا يئس من وجود صاحبه أن يستمتع بهذا المال. الفائدة الثالثة: أيضًا فيه من الفوائد أنَّ الإسلام دين كامل، صالح لكل الأحوال والأزمنة والأمكنة، فالنبي ﷺ لما قرر هذا الحكم لم يقرره للصحابة فقط فهم أهل الصدق والدين والأمانة والورع، ولكن وضعه لكل الأزمنة .. الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ القياس لابد من اكتمال أركانه وإلا فهو قياس فاسد، وهذا يدل على أنَّ الصحابي الذي سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل وغضب النبي منه أراد أن يقيس الإبل على المال والغنم، فلم يقبله النبي ﷺ لأنه قياس مع الفارق. الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ الحكم يدور مع علته، ولهذا قال بعض العلماء فلو أنَّ الإبل خيف عليها من الضياع يكون حكمها حكم الغنم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. الفائدة السادسة: وفيه أيضًا دليل على سد الذرائع للمحرمات (١)؛ لذلك أمره النبي ﷺ أن يعرف وكاءها وعفاصها، وهذا ليس طعنًا في المسلم، ولكن سدًّا للذرائع حتى لا يتهم المسلم، وكذلك حماية للملتقط من نفسه أن تميل.

стр. 143

الفائدة السابعة: أيضًا الحديث فيه دليل على جواز استخدام كلمة "رب" على البشر بشرط الإضافة مثل رب البيت، رب الإبل، وتكون بمعنى المالك لها والذي يقوم على أمورها. الفائدة الثامنة: قول فُضالة إنشائي خبري، يعني إنشائي اللفظ لكنه خبري المعنى كأنه يقول وكذلك ضالة الإبل، وإلا لو أنه مجرد سؤال فلماذا يغضب النبي ﷺ عليه وهو يسأل، فعُلِم أنه ليس مجرد سؤال فقط، ولكنه تقرير منه لما فهمه. الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على ارتباط الظاهر بالباطن، فالنبي ﷺ لما غضب احمر وجهه أو وجنتاه، والغضب أمر قلبي لكنه يظهر على الجوارح وهذا أيضًا يشهد لمسألة الإيمان، وأنه قول وعمل ليس بالاعتقاد فقط، ولا بقول اللسان فقط، ولا بالأعمال فقط؛ لأن المقرر في الشرائع وفي العقل أنَّ الظاهر لابد له من ارتباط بالباطن. الفائدة العاشرة: الحديث فيه من الفوائد إظهار الود والمحبة والإخاء بين المجتمع المسلم لذلك قال النبي ﷺ هي لك أو لأخيك، فليس المراد أخاه من النسب، ولكن أخوة الإسلام، وهذا كثير في الألفاظ والعبارات في لسان الشرع ولسان الصحابة، كقول النبي ﷺ «المسلم أخو المسلم»، وكقول أبي قتادة لكبشة زوجة ابنه أتعجبين يا ابنة أخي (١)، وغير ذلك.

стр. 144

• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث: الفائدة الأولى: أنَّ من الأسئلة أشياء مكروهة وهي الأشياء التي لا فائدة فيها، أو الأشياء التي فيها التعنت، وهذا يبيح الغضب أحيانًا من المعلم أو المفتي. الفائدة الثانية: وفيه من الفوائد عدم التعنت والتنطع في السؤال، فالإنسان لا يسأل عن أشياء متنطعًا متعنتًا فيها، بل يسأل عما يحتاج، ويسأل عما يستفيد به وينفعه في آخرته. الفائدة الثالثة: وأيضًا فيه الحرص من غضب الأنبياء لأنه قد يجلب غضب الرب، والحرص أيضًا من غضب أهل العلم لأنه قد يحرم الإنسان من العلم والخير. الفائدة الرابعة: فيه أيضًا أنَّ الغضب قد يحمل في طياته الرحمة أحيانًا، فالنبي ﷺ كان يخاف أن يُسأل عن أشياء فيحرَّم أشياء من أجلها، فكان غضبه على السائل رحمة به ورحمة بالأمة بعد ذلك. الفائدة الخامسة: الحديث فيه دليل أنَّ الملازمة تفيد الفهم، فعندما قال النبي سلوني عما شئتم فهم بعض الناس أنه فتح لهم باب السؤال، لكن عمر فهم غير ذلك فهم أن مقولة النبي ﷺ سلوني عما شئتم غَضَبٌ منه؛ لذلك قام عمر ﵁ وقال إنا نتوب إلى الله، وفي رواية في الباب التالي: أنَّ عمر برك على ركبتيه وقال رضينا بالله ربًّا والإسلام دينًا، فسكن غضب النبي ﷺ بفعل عمر ﵁. الفائدة السادسة: وفيه دليل على أنَّ الأمة تحتاج أهل العلم وأنهم مواضع النجاة بالنسبة لها، فعمر لم يخطئ ولم يرد في النص أنه سأل شيئًا، ولكن سؤال الناس سبَّبَ غضب النبي، وقد يجلب ذلك غضب الرب، فقام عمر مستجيرًا من ذلك، ولذلك قال نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قالوا فسكن غضب النبي، فرفع الله تعالى عنهم غضب النبي ﷺ بسبب وجود عمر ﵁.

стр. 145

الفائدة السابعة: فيه جواز النيابة في الاعتذار كما فعل عمر ﵁. الفائدة الثامنة: وأيضًا فيه دليل على قبول اعتذار النائب. الفائدة التاسعة: فيه دليل أنَّ خطأ البعض قد يجلب الغضب على الناس، ويجلب الضرر والعاقبة لذلك قام عمر معتذرًا من أجل ذلك؛ لأن الغضب قد يعم في بعض هذه المسائل عياذًا بالله تعالى. الفائدة العاشرة: فيه دليل على الفرق بين الموعظة والتعليم وبين الفتوى والقضاء فالنبي ﷺ علمهم ووعظهم وهو غضبان، لكنه عند القضاء قال ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (١)، لأن هناك فرقًا بين القضاء والتعليم. الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه أنَّ النبي ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات لا الأمور الدنيوية، فإذا سئل عن غيرها كان يغضب؛ لذلك لما سئل من أبي من أبي؟ غضب ﷺ .
следующие страницы →