← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30093

سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (233 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل أنَّ الغضب والإنكار والتشديد في الموعظة قد يكون هو الحكمة، قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] قال بالحكمة وليس باللين، وإن كان اللين والرفق هو الأصل، لذلك غضب النبي ﷺ هنا، ومنه كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، لكن لما قال فرعون لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال له موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] يعني هالكًا؛ فهذا قول فيه شدة، لكن الحال يقتضي ذلك. الفائدة السادسة عشرة: فيه دليل لقاعدة: تزاحم الواجب مع السنة (١)، فإذا تزاحم الواجب مع السنة يُقدَّم الواجب كما يقول الأصوليون، وهنا الواجب هو عدم تنفير الناس وجمعهم في بيوت الله، وعدم إقامة الفتنة بينهم، وعدم تركهم لصلاة الجماعة، فكل هذه من الواجبات إذا تعارضت مع السنة وهي التطويل نقول يجب أن يُقدم الواجب وتُترك السنة. الفائدة السابعة عشرة: فيه دليل على قاعدة مهمة وهي "أنَّ الأمر المتعلق بذات العبادة يقدم على الأمر المتعلق بأمر خارج"، فالخشوع أمر متعلق بذات العبادة بخلاف التطويل فالتطويل أمر زائد، فلو أدى التطويل للخروج عن الخشوع يكون الخشوع أولى. الفائدة الثامنة عشرة: وفيه حسن بيان النبي ﷺ فإنه أوتي جوامع الكلم، فإنه أنكر على الصحابي وبين له الصواب وبين علة ما فعل، فإنه غضب عليه، وبين له سبب الغضب وهو نفور الناس، وعالج له الخطأ وأمره بالتخفيف، وبين له علة هذا الصواب، فإنَّ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.

стр. 142

• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: فيه دليل على أنَّ مال المسلم حرام على أخيه إلا بحق؛ لذلك قال النبي ﷺ له اعرف كذا وكذا حتى إذا جاء ربها تردها إليه، فهذا دليل أنه يحرم عليه أن يستمتع بمال أخيه المسلم بغير وجه حق. الفائدة الثانية: فيه الحفاظ على المال والانتفاع به ولا تعطل مصلحته؛ لذلك أجاز الشرع للمسلم أن ينتفع بهذا المال إن لم يجد صاحبه، فالمجتمع المسلم يحتاج أن ينتفع بهذا المال؛ لذلك أذن له النبي ﷺ إذا يئس من وجود صاحبه أن يستمتع بهذا المال. الفائدة الثالثة: أيضًا فيه من الفوائد أنَّ الإسلام دين كامل، صالح لكل الأحوال والأزمنة والأمكنة، فالنبي ﷺ لما قرر هذا الحكم لم يقرره للصحابة فقط فهم أهل الصدق والدين والأمانة والورع، ولكن وضعه لكل الأزمنة .. الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ القياس لابد من اكتمال أركانه وإلا فهو قياس فاسد، وهذا يدل على أنَّ الصحابي الذي سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل وغضب النبي منه أراد أن يقيس الإبل على المال والغنم، فلم يقبله النبي ﷺ لأنه قياس مع الفارق. الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ الحكم يدور مع علته، ولهذا قال بعض العلماء فلو أنَّ الإبل خيف عليها من الضياع يكون حكمها حكم الغنم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. الفائدة السادسة: وفيه أيضًا دليل على سد الذرائع للمحرمات (١)؛ لذلك أمره النبي ﷺ أن يعرف وكاءها وعفاصها، وهذا ليس طعنًا في المسلم، ولكن سدًّا للذرائع حتى لا يتهم المسلم، وكذلك حماية للملتقط من نفسه أن تميل.

стр. 143

الفائدة السابعة: أيضًا الحديث فيه دليل على جواز استخدام كلمة "رب" على البشر بشرط الإضافة مثل رب البيت، رب الإبل، وتكون بمعنى المالك لها والذي يقوم على أمورها. الفائدة الثامنة: قول فُضالة إنشائي خبري، يعني إنشائي اللفظ لكنه خبري المعنى كأنه يقول وكذلك ضالة الإبل، وإلا لو أنه مجرد سؤال فلماذا يغضب النبي ﷺ عليه وهو يسأل، فعُلِم أنه ليس مجرد سؤال فقط، ولكنه تقرير منه لما فهمه. الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على ارتباط الظاهر بالباطن، فالنبي ﷺ لما غضب احمر وجهه أو وجنتاه، والغضب أمر قلبي لكنه يظهر على الجوارح وهذا أيضًا يشهد لمسألة الإيمان، وأنه قول وعمل ليس بالاعتقاد فقط، ولا بقول اللسان فقط، ولا بالأعمال فقط؛ لأن المقرر في الشرائع وفي العقل أنَّ الظاهر لابد له من ارتباط بالباطن. الفائدة العاشرة: الحديث فيه من الفوائد إظهار الود والمحبة والإخاء بين المجتمع المسلم لذلك قال النبي ﷺ هي لك أو لأخيك، فليس المراد أخاه من النسب، ولكن أخوة الإسلام، وهذا كثير في الألفاظ والعبارات في لسان الشرع ولسان الصحابة، كقول النبي ﷺ «المسلم أخو المسلم»، وكقول أبي قتادة لكبشة زوجة ابنه أتعجبين يا ابنة أخي (١)، وغير ذلك.

стр. 144

• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث: الفائدة الأولى: أنَّ من الأسئلة أشياء مكروهة وهي الأشياء التي لا فائدة فيها، أو الأشياء التي فيها التعنت، وهذا يبيح الغضب أحيانًا من المعلم أو المفتي. الفائدة الثانية: وفيه من الفوائد عدم التعنت والتنطع في السؤال، فالإنسان لا يسأل عن أشياء متنطعًا متعنتًا فيها، بل يسأل عما يحتاج، ويسأل عما يستفيد به وينفعه في آخرته. الفائدة الثالثة: وأيضًا فيه الحرص من غضب الأنبياء لأنه قد يجلب غضب الرب، والحرص أيضًا من غضب أهل العلم لأنه قد يحرم الإنسان من العلم والخير. الفائدة الرابعة: فيه أيضًا أنَّ الغضب قد يحمل في طياته الرحمة أحيانًا، فالنبي ﷺ كان يخاف أن يُسأل عن أشياء فيحرَّم أشياء من أجلها، فكان غضبه على السائل رحمة به ورحمة بالأمة بعد ذلك. الفائدة الخامسة: الحديث فيه دليل أنَّ الملازمة تفيد الفهم، فعندما قال النبي سلوني عما شئتم فهم بعض الناس أنه فتح لهم باب السؤال، لكن عمر فهم غير ذلك فهم أن مقولة النبي ﷺ سلوني عما شئتم غَضَبٌ منه؛ لذلك قام عمر ﵁ وقال إنا نتوب إلى الله، وفي رواية في الباب التالي: أنَّ عمر برك على ركبتيه وقال رضينا بالله ربًّا والإسلام دينًا، فسكن غضب النبي ﷺ بفعل عمر ﵁. الفائدة السادسة: وفيه دليل على أنَّ الأمة تحتاج أهل العلم وأنهم مواضع النجاة بالنسبة لها، فعمر لم يخطئ ولم يرد في النص أنه سأل شيئًا، ولكن سؤال الناس سبَّبَ غضب النبي، وقد يجلب ذلك غضب الرب، فقام عمر مستجيرًا من ذلك، ولذلك قال نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قالوا فسكن غضب النبي، فرفع الله تعالى عنهم غضب النبي ﷺ بسبب وجود عمر ﵁.

стр. 145

الفائدة السابعة: فيه جواز النيابة في الاعتذار كما فعل عمر ﵁. الفائدة الثامنة: وأيضًا فيه دليل على قبول اعتذار النائب. الفائدة التاسعة: فيه دليل أنَّ خطأ البعض قد يجلب الغضب على الناس، ويجلب الضرر والعاقبة لذلك قام عمر معتذرًا من أجل ذلك؛ لأن الغضب قد يعم في بعض هذه المسائل عياذًا بالله تعالى. الفائدة العاشرة: فيه دليل على الفرق بين الموعظة والتعليم وبين الفتوى والقضاء فالنبي ﷺ علمهم ووعظهم وهو غضبان، لكنه عند القضاء قال ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (١)، لأن هناك فرقًا بين القضاء والتعليم. الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه أنَّ النبي ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات لا الأمور الدنيوية، فإذا سئل عن غيرها كان يغضب؛ لذلك لما سئل من أبي من أبي؟ غضب ﷺ .

стр. 146

٢٩ - بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ المُحَدِّثِ قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: هذا الباب كالتكملة للباب السابق، وبين البابين مناسبة، وهي أنَّ الباب السابق كان [بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ، إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ] أي غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب ما يليق وينبغي؛ لأنَّ النبي ﷺ غضب لما أكثر الناس له السؤال. وأما في هذا الباب فإنه يذكر أدب المتعلم عند العالم خاصة إذا غضب، فهناك البخاري ﵀ قصد فعل النبي ﷺ وهو أنه غضب في الموعظة حال التعليم، وهنا يقصد ما فعله عمر ﵁ وهو أدب المتعلم عند العالم وبروكه على ركبتيه عنده. • في الباب فوائد منها: الحديث فيه فوائد سبق منها بعض الفوائد في الباب السابق ونزيد عليها ما يأتي: الفائدة الأولى: أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة؛ لذلك برك عمر ﵁ على ركبتيه خوفًا من هذه العقوبة، فكما أنَّ الأدب يجلب الخير والنعم، كذلك مخالفة الأدب قد يكون سببًا في العقوبات؛ قال ﷺ : " كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 147

يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لا، إِلَّا مِنْ طِينٍ " • قال ابن القيم: وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب. فانظر إلى الأدب مع الوالدين: كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة كيف امتُحِن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة، وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان (١). الفائدة الثانية: المخطئ إذا اعتَذَر أو اعتُذِر عنه، فعلى الإمام أو العالم أن يقبل. الفائدة الثالثة: كما أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة، كذلك فإنَّ الأدب قد يكون سببًا في رفع البلاء، لذلك تأدب عمر ﵁ وأظهر الإذعان والأدب والرضا حتى يرفع ذلك، فسكن النبي ﷺ بعدما كان غَاضِبًا. الفائدة الرابعة: الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا يقتضي التسليم لما جاء به النبي ﷺ ، وعدم التعنت في السؤال.

стр. 148

٣٠ - بَابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا؟». قال البخاري ﵀ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا». حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاةَ، صَلاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا». • رحم الله تعالى الإمام البخاري، كما ذكرنا أنه قد يذكر الباب، ويضع فيه الفقه الذي يريده وبيان الحكم، فهنا قال باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه، فبين أنه يجوز أن يُعاد الحديث ثلاثًا، وبين العلة في ذلك للفهم عنه، وأتى ببعض الأدلة على ذلك.

стр. 149

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الباب السابق (باب من برك على ركبتيه عند المُحَدِّث أو الإمام) كان هذا في شأن السائل المتعلم، وهذا الباب أيضا في شأن المتعلم، بمعنى أنَّ السابق يتحدث عن أدب المتعلم، وهذا الباب يتحدث عن فهم المتعلم، وهذا من شأنه أيضًا. • تراجم بعض الرواة: (عبدة بن عبد الله): هو الإمام أبو سهل عبدة بن عبد الله بن عبدة الصفار الخزاعى البصري، توفي سنة ٢٥٨ هـ، و قيل ٢٥٧ هـ. (عبد الصمد): هو الإمام أبو سهل عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمى العنبرى البصري، توفي سنة ٢٠٧ هـ. (عبد الله بن المثنى): هو الإمام أبو المثنى عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى البصري. (ثمامة بن عبد الله): هو الإمام ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى البصرى قال عن نفسه: صحبت جدى أنس بن مالك ثلاثين سنة فما رأيته يشرب نبيذًا قط. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: أنَّ المراد من الكلام هو البيان والإفهام وإن تكررت الموعظة. الفائدة الثانية: الزيادة لابد أن يكون لها سبب، فقد يكون السبب عدم الفهم، و قد يكون السبب عدم وصول الكلام إلى المستمع فيكرر الكلام حتى يصل إليه، وقد يكون للزجر، كما سبق عن النبي ﷺ قوله «ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا». قال الخليل الفراهيدي ﵀: يكثر الكلام ليُفهَم، ويُعلل ليُحفَظ (١).

стр. 150

٣١ - بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ قال البخاري ﵀: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ»، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الجواب: أنَّ السابق التعليم العام، أما هنا التعليم الخاص، وهو تعليم الرجل أَمَتَه أو أهله. • تراجم بعض الرواة: (المحاربي): الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربى الكوفي، قال عنه وكيع بن الجراج: ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال، توفي سنة ١٩٥ هـ.

стр. 151

(صالح بن حيان): هو الغمام صالح بن صالح بن حيان، و قيل صالح بن صالح بن مسلم بن حيان الثورى الهمدانى الكوفى توفي سنة ١٥٣ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: أنَّ للعالم أن يُعَرِّفَ المتعلم قدر ما أفاده من العلم وما خصه به. الفائدة الثانية: وفيه معرفة قدر العلم. الفائدة الثالثة: قوله (له أجران) يدل على أنَّ هناك أجرًا من أجل العتق والتزويج، وهناك أجر آخر وهو أجر التأديب والتعليم. الفائدة الرابعة: التعليم غير التأديب، لذلك قال النبي ﷺ أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، إذًا فالتأديب غير التعليم، فالتعليم المراد به تعليم الأمور الشرعية والدينية، أما التأديب في الغالب يراد به الأخلاق والمروءات، وما إلى ذلك. الفائدة الخامسة: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنه يجوز أن يكون صداق المرأة عتقها، وقيل لا يجوز: بل يعتقها ثم يصدقها ويتزوجها؛ حيث إنها لما أعتقت أصبحت حرة، والحرة لا تزوج بغير صداق. الفائدة السادسة: الحديث يظهر فيه أيضًا أنَّ من أسلم وحسن إسلامه أخذ أجرين أجر إيمانه وأجر العمل الصالح، والمعنى أنَّ الأعمال الصالحة ليست متداخلة، بل قد يكون لكل عمل أجر، بدليل أنَّ الشرع جعل على الأدب والعلم أجرًا، والعتق والتزويج أجرًا، فالله فضله واسع. الفائدة السابعة: الأجر يكون على قدر النصب، فالعبد الذي يؤدي حق الله وحق مواليه له أجران.

стр. 152

٣٢ - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ قال البخاري: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . • مناسبة هذا الباب للذي قبله: أنَّ الباب السابق كان في تعليم الرجل أهله وهذا باب خاص، وأما هنا فالتعليم لعامة النساء. • تراجم بعض الرواة: (سليمان بن حرب): هو الإمام أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل الأزدى الواشحى البصري، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة ٢٢٤ هـ. (عطاء): هو الإمام أبو محمد عطاء بن أبى رباح واسمه أسلم القرشى المكي، مناقبه لا تحصى، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة ١١٤ هـ، على المشهور، وقيل: بعدها.

стр. 153

• في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: يجب على الإمام تفقد الرعية وتعليمهم ووعظهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً. الفائدة الثانية: فضل العمل بما يتعلق به من الواقع والحاجة، فلقد أمر النبي ﷺ النساء بالصدقة خاصة؛ لأنه كان في وقت حاجة إلى مواساةٍ، والصدقة في وقت الحاجة قد تكون من أفضل البر. الفائدة الثالثة: عبادة الوقت هي العبادة الأفضل. الفائدة الرابعة: الاهتمام بالنساء ووعظهن وتعليمهن، فليس الأمر قاصرًا على الرجال فقط. الفائدة الخامسة: الموعظة تختلف بحسب حال المدعو؛ فهنا كانت الموعظة بالترغيب والترهيب، لذلك قال ﷺ : «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» (١)، فهذا من باب الترغيب والتخويف، التخويف من النار، والترغيب فى الصدقة. الفائدة السادسة: الصدقة تقي من النار قال ﷺ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». الفائدة السابعة: جواز تصدق المرأة من مالها بدون إذن زوجها. الفائدة الثامنة: وفيه التطبيق العملي لقول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فالنساء فهمن ذلك فتصدقن بالحلى - الذهب ونحوه-. الفائدة التاسعة: الحديث فيه دليل على أنَّ لفظ الشهادة ليس للطعن فى الذى يخبر الخبر، ولكن هو لتأكيد الوقوع؛ لذلك شهد ابن عباس على نفسه أنه سمعه

стр. 154

من النبي ﷺ ، فهذا ليس تشكيكًا فى ابن عباس، لكن ليبين أنَّ هذا الأمر مهم، وأنه واقع وموثوق به. الفائدة العاشرة: في الحديث علاقة بين الوعظ والأمر، فالوعظ يرقق القلب ويخيفه ويهيئه، ثم يأتي الأمر بعد ذلك. • شبهة: ثبت فى الروايات أنَّ هذا الحديث كان فى يوم عيد، وقد طعن بعض من يدَّعي العلم فى هذه الرواية من الناحية العقلية، فقال إنَّ العيد يوم فرح وأكل وشرب ومرح، ولا يليق بالنبي ﷺ صاحب الأخلاق والمروءة أن يذهب إلى النساء ويقول لهن يا معشر النساء إنكن أكثر أهل النار، كيف يقول ذلك فى هذا اليوم؟ والجواب عن هذا من وجوه: ١) أنَّ هذا قد ثبت فيجب التسليم به. ٢) أنَّ النبي ﷺ ذكر ذلك ليس لإدخال الهم والحزن على النساء، ولكن من أجل الصدقة ودفعهن إلى الطاعة والعبادة فى هذا اليوم المبارك. ٣) أنه ليس عندنا وقت نبتعد فيه عن العبادة والذكر لذلك بيّن النبي ﷺ أنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، فالتذكير بالله وبالآخرة حتى فى أيام العيد لا إشكال فيه، لذلك فرق الله بين السعي للآخرة والسعي للدنيا فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فعند العبادة تُتْرَك الدنيا، وأما عند الفراغ منها فلا بأس أن يطلب الناس معاشهم وأرزاقهم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، فإذا ابتغيتم الدنيا فاذكروا الله كثيرًا، وإذا جئت إلى الجمعة فذر البيع، فلا إنكار إذًا في فعل النبي ﷺ ذلك.

стр. 155

٣٣ - بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ المذكور هنا هو التعليم الخاص، فالنبي ﷺ أجاب أبا هريرة في ما سأله بالخطاب إليه خاصة، والجواب عن سؤال ما لا يعلم، فهنا تعليم خاص من الإمام، أما الباب السابق بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ، كان فيه التعليم عام.

стр. 156

• ترجمة بعض الرواة: (عبد العزيز بن عبد الله): هو الإمام أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى القرشي. (عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو): هو الإمام أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو واسمه ميسرة القرشى المدني، توفي بعد سنة ١٥٠ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: الحريص على الخير والعلم يبلغ بحرصه إلى أن يسأل عن غامض المسائل ودقيق المعاني، فيكون ذلك سببًا في إثارة فائدة يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. الفائدة الثانية: ينبغي للعالم أن يتفرس في متعلميه. الفائدة الثالثة: تنبيه العالم متعلميه على تفرسه فيهم. الفائدة الرابعة: للعالم أن يسكت حتى يُسأل ولا يكون بذلك كاتمًا للعلم، بل على الطالب أن يسأل، وعلى العالم أن يجيب ويبين إذا سُئِل. الفائدة الخامسة: فيه بيان فضل أبي هريرة ﵁. الفائدة السادسة: فيه فضل الحرص على تحصيل العلم. الفائدة السابعة: فيه دليل على حدوث الشفاعة، وهو رد على المعتزلة وغيرهم المنكرين لها. الفائدة الثامنة: الشفاعة درجات وأنواع لقوله ﷺ : «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».

стр. 157

٣٤ - بَابٌ كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ؟ وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ. قال البخاري ﵀ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: التنبيه على الاهتمام بتحصيل العلوم مع الحرص عليها لأنه مما يقبض ويرفع، فلابد للإنسان أن يستدرك هذه الغنيمة قبل فواتها.

стр. 158

• تراجم بعض الرواة: (عمر بن عبد العزيز): هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص القرشى الأموى المدني ثم الدمشقي، كان من أئمة العدل وأهل الدين والفضل، مناقبه كثيرة، توفي سنة ١٠١ هـ. (أبو بكر بن حزم): هو الإمام أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى الخزرجى، قال عنه الإمام مالك: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، توفي سنة ١٢٠ هـ، وقيل غير ذلك. (عباس): هو الإمام أبو الفضل عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة العنبرى البصري، كان من سادات المسلمين توفي سنة ٢٤٠ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: وجوب تتبع السنة وضبطها لذا أمر عمر بن عبد العزيز بذلك. الفائدة الثانية: ينبغي نشر العلم وإذاعته. الفائدة الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فطالما أنَّ السنة لا يحافظ عليها إلا بالكتابة فتجب الكتابة. الفائدة الرابعة: لا ينزع الله العلم بعد أن يهبه، فالله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده ما لم يحدثوا، وإنما يكون قبض العلم بالحرمان من التعلم، فلا يوجد من يخلف من مضى. الفائدة الخامسة: فيه دلالة على أنَّ أول تدوين للحديث كان في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀. الفائدة السادسة: أهل الدين والعلم يحملون هم هذا الدين، ويخافون من ضياعه، ويأخذون بأسباب بقائه.

стр. 159

الفائدة السابعة: حمل الهم طريق المنة، ويدل عليه حديث عبد الله بن زيد في الأذان. الفائدة الثامنة: فيه منقبة لعمر بن عبد العزيز أنه أول من جمع السنة وكتبها أي بأمره. الفائدة التاسعة: ينبغي رفق أهل العلم بالمتعلم لقول عمر ﵁ (ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يَعْلَم). الفائدة العاشرة: عدم كتمان العلم حفاظًا عليه؛ لأن كتمان العلم ضياع للعلم. الفائدة الحادية عشرة: الجزاء من جنس العمل، وعدم شكر النعمة يجعلها تتبدل، فلما لم يشكر الناس الله على العلم بالتعلم والحفاظ على العلماء يبدلهم الله تعالى رؤوسًا وعلماء ضلالًا يفتونهم فيضلونهم. الفائدة الثانية عشرة: الفتوى بغير علم من صفات علماء السوء. الفائدة الثالثة عشرة: خطورة الفتوى بغير علم لأنها ضلال وإضلال. الفائدة الرابعة عشرة: تحذير الأمراء من تولية علماء السوء. الفائدة الخامسة عشرة: موت العالم خسارة عظيمة. الفائدة السادسة عشرة: محو العلم من الصدور وإن كان جائزًا في القدرة إلا أنَّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه.

стр. 160

٣٥ - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الباب السابق كان عن كيفية قبض العلم، وكان من فوائده الحث على حفظ العلم، ومن ذلك تعليم النساء، وهذا ما أشار إليه في هذا الباب. • تراجم بعض الرواة: (ابن الأصبهاني): هو الإمام عبد الرحمن بن عبد الله ابن الأصبهانى الكوفي، مات فى إمارة خالد بن عبد الله على العراق. (أبو حازم): هو الإمام أبو حازم سلمان الأشجعي الكوفي، توفي فى خلافة عمر بن عبد العزيز.

стр. 161

• في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فيه سؤال النساء عن أمر دينهن. الفائدة الثانية: جواز كلام النساء مع الرجال فيما فيه حاجة لهن، ودليل ذلك أنَّ العلم أخذ عن أزواج النبي ﷺ وعن غيرهن من النساء، لكن بشرط أمن الفتنة. الفائدة الثالثة: عظم أجر المصيبة في الولد. الفائدة الرابعة: ينبغي للعالم أن يجعل يومًا للنساء. الفائدة الخامسة: الأدب من النساء مع النبي ﷺ ، كما في قولهن: اجعل لنا يومًا من نفسك، فلم يحددن يومًا بل تركن الاختيار للرسول ﷺ . الفائدة السادسة: فيه فضيلة الصبر على موت الولد. الفائدة السابعة: فضيلة الفهم حتى في كيفية السؤال، وأنه يجلب الخير. الفائدة الثامنة: دليل على مفهوم المخالفة، ففهمت الحصر وأرادت زيادة الفضل. الفائدة التاسعة: وفيه جواز الوعد. الفائدة العاشرة: فيه أنَّ أطفال المسلمين في الجنة. الفائدة الحادية عشرة: هذا الحكم وإن ورد في النساء، لكنه لا اختصاص لهن فيه بل هو للرجال أيضًا. الفائدة الثانية عشرة: المصيبة في الصغير الذي لم يبلغ تكون أكبر؛ لأنه لم ينسب إليه العقوق بعد.

стр. 162

٣٦ - بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَتْ لا تَسْمَعُ شَيْئًا لا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ " (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الباب السابق فيه وعظ النساء وتعليمهن، وفي فهمهن قصور، وربما يحتجن إلى مراجعة العلم، وهذا ما أشار إليه في هذا الباب. • تراجم بعض الرواة: (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ): هو الإمام أبو محمد سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف ب (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ المصري)، توفي سنة ٢٢٤ هـ.

стр. 163

(نافع): هو الإمام نافع بن عمر بن عبد الله القرشي الجمحي المكي، قال عنه عبد الرحمن بن مهدى: كان من أثبت الناس، توفي سنة ١٦٩ هـ. (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ): هو الإمام عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة القرشي التيمي، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنًا له. قال عن نفسه: أدركت ثلاثين من الصحابة. توفي سنة ١١٧ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: يجوز المراجعة للإفهام. الفائدة الثانية: أنَّ العرض غير التعليم قال تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا … ﴾ [البقرة: ٣١]، فآدم ﵇ مُعلَّم، أما الملائكة معروض عليهم. الفائدة الثالثة: بيان فضيلة عائشة وحرصها على التعلم والفهم. الفائدة الرابعة: إثبات الحساب والعرض يوم القيامة. الفائدة الخامسة: جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب إن كان المراد الفهم والبيان لا المجادلة، وضرب الأدلة بعضها ببعض. الفائدة السادسة: تفاوت الناس في الحساب، وأنَّ تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب؛ لأن حسنات العبد موقوفة على القبول، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النجاة. الفائدة السابعة: حلم النبي ﷺ وسعة صدره، فلم يكن يتضجر من المراجعة. الفائدة الثامنة: بعض الأسئلة مستثناه من قوله تعالى ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].

стр. 164

٣٧ - بَابٌ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قال البخاري ﵀: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (١). قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ

стр. 165

مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ (١). • مناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الباب السابق كان (بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ) وفيه مراجعة المتعلم للعالم، وفيه معنى التبليغ من المُراجَع إلى المُراجِع، فكأنَّ المُراجِع كان كالغائب عند سماعه فلم يفهم ما سمعه. • تراجم بعض الرواة: (عبد الله بن عبد الوهاب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي البصري، اختلف في وفاته، فقيل توفي سنة ٢٢٨ هـ، وقيل ٢٢٩ هـ. (حماد): هو الإمام أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمى البصري، قال عنه ابن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا من سفيان، ولا من مالك توفي سنة ١٧٩ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: الأدب مع أهل المنزلة، وإنزال الناس منازلهم. الفائدة الثانية: اللين والرفق أدعى لقبول الدعوة والنصيحة لذلك قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. الفائدة الثالثة: التأكيد على العلم وتحقيقه، وليس ذلك للتهمة فقط، بل يكون

стр. 166

للأهمية ولبيان أنه سنة، وليس اجتهادًا. الفائدة الرابعة: أدوات التعلم ثلاثة إذا اجتمعت فهي أقوى أنواع التعلم وأوكده، وهي السمع والبصر والقلب لذا جمعها. الفائدة الخامسة: الدقة في النقل والوصف، فإنه لم ينقل محل الشاهد فقط، بل قال (حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ). الفائدة السادسة: إذا تعلق الحكم بعين رجع عرفًا وشرعًا لما جعلت له هذه العين (١)، فلابد من البيان، وهذا يظهر في قوله ﷺ : إن مكة حرمها الله … فماذا حرم فيها؟ فكان لابد من البيان وقد جاء البيان. الفائدة السابعة: السنة وحي، فقوله ﷺ : «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ»، فالتحريم جاء على لسان النبي ﷺ : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. الفائدة الثامنة: الإجمال قبل التفصيل أدعى للانتباه والتشويق، وأدعى للانقياد والقبول. الفائدة التاسعة: قوله: «فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ» لا يؤخذ منه مفهوم المخالفة: ١) فليس المعنى أنَّ من فعل ذلك كفر بالله، ولكنها كبيرة من الكبائر. ٢) كذلك لا يدل على أنَّ من لا يؤمن بالله يجوز له القتل. ٣) وكذلك لا يحل القتل في غير مكة ولا سفك الدماء ولكن في مكة يزداد التحريم. الفائدة العاشرة: قوله: «وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» خص في بعض الأحاديث

стр. 167

بالإذخر، وهو يرد قول من قال بجواز قطع الشوك قياسًا على الخمس الفواسق؛ لأنه خلاف النص. الفائدة الحادية عشرة: أنَّ حل مكة كان خاصًّا للنبي ﷺ ولم يحل لأحد بعده، والتخصيص للنبي ﷺ فقط، وكذلك هو للنبي ﷺ في هذه الساعة فقط دون غيرها. الفائدة الثانية عشرة: الأمر بإبلاغ الدعوة وأنه واجب، وكذلك فيه قبول خبر الواحد. الفائدة الثالثة عشرة: جواز إخبار الشخص عن نفسه إن علم ثقته وضبطه لما سمعه. الفائدة الرابعة عشرة: إنكار العالم على الحاكم فيما يغيره من الأمور الدينية. الفائدة الخامسة عشرة: الخروج من عهدة التبليغ والصبر على المكاره. الفائدة السادسة عشرة: قيل إنَّ هذا التبليغ كان عينًا على من حضره، وكفاية على من بعدهم. الفائدة السابعة عشرة: في قول عمرو بن سعيد (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) ظاهره الحق لكنه أريد به باطل؛ لأنَّ ابن الزبير لم يرتكب حدًّا، ولا نحوه. الفائدة الثامنة عشرة: في الحديث دليل على شرف مكة. الفائدة التاسعة عشرة: تقديم الحمد والثناء على الله قبل القول. الفائدة العشرون: المسلمون يتساوون مع النبي ﷺ في الأحكام إلا ما خصه الدليل. الفائدة الحادية والعشرون: فيه دليل على وقوع النسخ.

стр. 168

الفائدة الثانية والعشرون: وفيه فضل أبي شريح. الفائدة الثالثة والعشرون: تحليل المحرم لا يكون إلا بإذن الشرع. هذا ما يتعلق بالحديث الأول من الفوائد، أما الحديث الثاني فقد سبق، ولله الحمد.

стр. 169

٣٨ - بَابُ إِثْمِ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ - قال البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ» (١). وقال: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢). وقال: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ

стр. 170

مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). وقال: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢). وقال: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٣). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق التبليغ للعلم، وفى هذا التحذير من الكذب فى التبليغ أى فى العلم.

стр. 171

• تراجم بعض الرواة: (علي بن الجعد): هو الإمام أبو الحسن على بن الجعد بن عبيد الجوهرى البغدادي، قال عنه موسى بن داود: ما رأيت أحفظ من على بن الجعد، توفي سنة ٢٣٠ هـ. (ربعي بن حراش): هو الإمام أبو مريم ربعى بن حراش بن جحش الغطفاني ثم العبسي الكوفي، قال عنه الحارث: فلقد أخبرنى غاسله أنه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا. توفي سنة ١٠٠ هـ، وقيل غير ذلك. (أبو الوليد): هو الإمام أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: أبو الوليد شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدًا من المحدثين، توفي سنة ٢٢٧ هـ. (جامع بن شداد): هو الإمام أبو صخرة جامع بن شداد المحاربى الكوفي، اختلف في وفاته فقيل ١٢٧ هـ، وقيل: ١٢٨ هـ. (عامر بن عبد الله بن الزبير): هو الإمام أبو الحارث عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشى المدني، أثنى عليه الأئمة، اختلف في وفاته فقيل: ١٢١ هـ، وقيل: ١٢٤ هـ، وقيل ١٢٥ هـ. (عبد العزيز): هو الإمام عبد العزيز بن صهيب البنانى الأعمي، توفي سنة ١٣٠ هـ. (يزيد بن أبي عبيد): هو الإمام أبو خالد يزيد بن أبى عبيد الأسلمي، اختلف في وفاته فقيل: ١٤٢ هـ، وقيل غير ذلك. (أبو حصين): هو الإمام أبو حصين عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، قال عنه ابن مهدي: لا ترى حافظًا يختلف على أبى حصين. توفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل غير ذلك.

стр. 172

• في الباب فوائد منها: • أولًا: فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: فيه حرمة الكذب على النبى ﷺ ، ولا عذر ولا حجة لأحد في ذلك. الفائدة الثانية: صيغة النهى تدل على التحريم، وهذه الصيغة قد ترد بالنهى، وقد ترد بالتوعد بالعقاب، والأسلوب هنا أسلوب إنشائى خبرى "فليلج النار"، والمعنى: فسوف يلج النار. الفائدة الثالثة: أنَّ فيه تحذيرًا من الكذب على النبى ﷺ ، وأيضًا من باب أولى الكذب على الله فهو أعظم، فإن قيل: الكذب على الناس حرام فما فائدة ذلك؟!، قيل لأنه أشد. الفائدة الرابعة: لا يدل الحديث على أنَّ رواية الحديث بالمعنى تدخل في هذا النهي، لكن بشرط أن تكون للعالم بمواقع الخطاب ومعانى الألفاظ. الفائدة الخامسة: أنَّ اللفظ هنا لفظ عام، فهو يدل على أنَّ الكذب ولو مرة واحدة يعتبر كذبًا. الفائدة السادسة: كذلك الحديث يرد قول من قال أنَّ الكذب الذى هو للمصلحة جائز، حيث قالوا المحرم هو الكذب الذى يضل به الناس، واستدلوا بزيادة ضعيفة «من كذب علي ليضل به الناس» (١) وهي زيادة ضعيفة، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهذا خطأ لأنَّ المعنى في الآية أنَّ مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العام بالذكر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا

стр. 173

أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فهذا ومثله لتأكيد الأمر لا لاختصاص الحكم. الفائدة السابعة: الحديث يشمل كل أنواع الوضاعين سواء كانوا زنادقة وضعوا للتحريف، أو كانوا مرتزقة، أو كان السبب فى الكذب هو التعصب لمذهب معين، أو غير ذلك. الفائدة الثامنة: الحديث يدل على حرمة الكذب عليه فى الأحكام، وكذلك فى الترغيب، وهذا بالإجماع، فكل هذا كذب محرم. الفائدة التاسعة: وفيه وجوب تعلم العلوم الأخرى كعلوم اللغة وغيرها إن كان سيروى الحديث بالمعنى، وهذا من باب " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " أو تحت قاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب "؛ لذلك قال الأصمعى: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فى قوله ﷺ «من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» لأنه لم يكن لحانًا ولم يلحن في حديثه، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه (١). • ثانيًا: من فوائد الحديث الثانى: الفائدة الأولى: جواز حمل إطلاق العموم وإرادة الغالب لقول الزبير لم أفارقه، فهذا يُرَاد به الغالب. الفائدة الثانية: التعبير عن الكلام بلازمه، فمراد الزبير من عدم المفارقة السماع، أي أنه سمع منه كثيرًا؛ حيث إنَّ لازم الملازمة السماع، ولازم السماع التحديث.

стр. 174

الفائدة الثالثة: العمل بقاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب" (١) فاعتبر الزبير أنَّ الإكثار قد يؤدى إلى الخطأ، والعمل بقول الثقة مع الخطأ يجعل الناس يعملون بما ليس فى الشرع. الفائدة الرابعة: فيه شاهد أيضًا لقاعدة " سد الذرائع "، فاعتبر الزبير التحديث قد يؤدى إلى الخطأ فامتنع عن ذلك سدًّا لذريعة الخطأ فى الحديث. الفائدة الخامسة: أنه يحمل قول من أكثر منهم أنهم كانوا واثقين بأنفسهم، وأنهم طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، وأنهم خافوا من كتمان العلم. الفائدة السادسة: فيه أنَّ من كان له عذر من الخوف من الخطأ أو الإثم ونحوه فامتنع لا يُعَدُّ كاتمًا للعلم. • ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث: الفائدة الأولى: فيه أنَّ الإكثار لا يعنى عدم التحديث، ولكن الذى يُتَخَوَّفُ منه الإكثار. الفائدة الثانية: وفيه أنَّ العمل قد يختلف باختلاف الواقع والحال فقد يكثر الإنسان لأنه طالت حياته واحتيج إليه فأكثر، أو أنه يثق في حفظه ونقله، والآخر تورع وعمل بباب سد الذرائع فامتنع، ولكل وجه. • رابعًا: من فوائد الحديث الرابع: الفائدة الأولى: فيه قوله ﷺ " مَنْ قال عَلَىَّ مالم أقل "، فيدخل فيه الفعل للأحاديث السابقة، فليس المراد مجرد القول، ولكن من قال فعل النبى ﷺ وهو لم يفعل، وهو يعلم ذلك، فهذا كذب على النبى ﷺ . الفائدة الثانية: استدل البعض بالحديث على حرمة رواية الحديث بالمعنى،

стр. 175

وأجاز المجيزون ذلك بأنَّ المراد بالكذب يعنى الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم، والإتيان باللفظ لا شك أولى. • خامسًا: من فوائد الحديث الخامس: الفائدة الأولى: حرمة الكذب على النبى ﷺ فى اليقظة والمنام. الفائدة الثانية: حسن الترتيب فهو مطلوب عند اجتماع الأدلة وهنا البخارى ﵀ رتب الأحاديث ترتيبًا حسنًا كالتالي: فبدأ بحديث علىٍّ الذى فيه مقصود الباب، وهو النهى عن تعمد الكذب وما إلى ذلك، ثم ثنى بحديث الزبير الذى فيه توقى الصحابة وتحرزهم عن الكذب عليه حتى أنهم يتركون التحديث من باب سد الذرائع، وهو يدل على التطبيق العملي للصحابة ﵃ وخوفهم من هذا الباب. ثم ثلث بحديث أنس الدال على أنَّ امتناعه كان من الإكثار للخوف من وقوعه فى الخطأ لا من أصل التحديث. وختم بحديث أبى هريرة الذى فيه الإشارة الى تحريم الكذب عليه سواء كان فى اليقظة أو فى المنام.

стр. 176

٣٩ - بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (١). حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ".

стр. 177

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ (١). • وفيه (اكتبوا لأبي فلان): هو أبو شاه اليماني. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ» (٢). تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ»، قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ» (٣).

стр. 178

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق فيه الحث على الاحتراز عن الكذب على رسول الله ﷺ ، وفي هذا الحث على الاحتراز عن ضياع كلام رسول الله ﷺ ولا سيّما من أهل الزمان لقصور هممهم في الضبط وتقصيرهم في النقل. • تراجم بعض الرواة: (مطرف): هو الإمام مطرف بن طريف الحارثى الكوفي، قال عن نفسه: ما يسرنى أنى كذبت كذبة وأنَّ لى الدنيا وما فيها. توفي سنة ١٤١ هـ، وقيل بعد ذلك. (شيبان): هو الإمام أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمى المؤدب، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: شيبان ثبت فى كل المشايخ. توفي سنة ١٦٤ هـ. (وهب بن منبه): هو الإمام أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، قال عنه المثنى بن الصباح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء و الصبح وضوءًا. اختلف في وفاته فقيل: ١١٤، وقيل: ١١٦ هـ، وقيل غير ذلك. (أخيه): هو الإمام أبو عقبة همام بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، اختلف في وفاته، فقيل: ١٣١ هـ، وقيل ١٣٢ هـ.

стр. 179

• في الباب فوائد منها: • من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: فيه إباحة كتابة العلم وتقييده. الفائدة الثانية: وفيه أيضًا بيان لقاعدة (ما لا يتم الواجب به فهو واجب) (١)، فحفظ العلم واجب فإن لم يتم حفظ العلم إلا بالكتابة والتقييد والتدوين يصبح التدوين والكتابة والتقييد واجبًا. الفائدة الثالثة: فيه أنَّ تغير العمل قد يتغير بتغير الحاجة والحال؛ لذلك فإنَّ البعض نهى عن الكتابة وكرهها واعتلوا بأنها سبب ضياع الحفظ، والقول الآخر أيضًا أنه يجوز الكتابة، واستدلوا بكتابة المصحف، وهو أصل العلوم وإنما كُرِه ذلك لأنهم كانوا حُفَّاظًا، وليس كذلك مَنْ بعدهم، فلو لم يُكتب ما بقي منه شيء، لذلك قال الشعبي: (إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط) (٢). الفائدة الرابعة: وفيه إبطال زعم الشيعة بأنَّ النبي ﷺ خص عليًّا وآل البيت بشيء من علوم الشريعة. الفائدة الخامسة: فيه إرشاد أنَّ للعالم الفهم والاستنباط، وأنه يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا. الفائدة السادسة: فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها. الفائدة السابعة: وفيه جواز سؤال العالم فيما يتعلق بخاصيته. الفائدة الثامنة: وفيه أنه لا يُقتل مسلم بكافر.

стр. 180

الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الاختصاص بالفهم أو زيادة الفهم منة من الله وعطاء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. • من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: وفيه جواز كتابة العلم أيضًا. الفائدة الثانية: وفيه دليل أنَّ الخطبة تكون على موضع عالٍ منبر أو نحوه. الفائدة الثالثة: واستدل به من قال أنَّ النبي ﷺ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه. الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ ولي القتيل بالخيار بين القصاص والدية. الفائدة الخامسة: وفيه اهتمام النبي ﷺ بأمور المسلمين. الفائدة السادسة: واستدل به من يقول أنَّ الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، ولكن رُدَّ عليهم بأنَّ الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا أو في حكم المتصل؛ لأن قوله " إلا الإذخر " في حكم المتصل. الفائدة السابعة: وفيه مراعاة الشريعة لحاجة الناس، كرفعها الحرج بإباحة الإذخر لحاجة الناس إليه. الفائدة الثامنة: وفيه أنَّ الحكم يكون بالمجاورة، وفضل مجاورة الأخيار والأماكن المقدسة حتى للشجر وللشوك وغيرها، فأكرمه الله ﵎ وحرم قطعه والاعتداء عليه. • مناسبة فعل ابن عمر بالباب الذي قبله؟ الجواب: أنَّ عبد الله بن عمر من أفاضل الصحابة وكان يكتب ما يسمعه، ولو لم تكن الكتابة جائزة ما فعل ذلك ﵁.
следующие страницы →