← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30093

سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

• تراجم بعض الرواة: (عثمان بن أبي شيبة): هو الإمام أبو الحسن عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، سُئل ابن نمير عنه فقال: سبحان الله ومثله يسأل عنه، إنما يسأل هو عنا، توفي سنة ٢٣٩ هـ. (جرير): هو الإمام أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، كان كثير العلم يُرحل إليه، وكان من العباد، توفي سنة ١٨٨ هـ. (منصور): هو الإمام أبو عتاب منصور بن المعتمر بن عبد الله الكوفي، فكان لا يروى إلا عن ثقة غالبًا، وكان أثبت أهل الكوفة، توفي ﵀ سنة ١٣٢ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: رحمة الله ولطفه بعباده، وأنَّ الشرع ينظر إلى المآلات ومراعاة النفوس، وأنَّ الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه. الفائدة الثانية: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاقتداء بالنبي ﷺ والمحافظة على سنته، فلما طلبوا من ابن مسعود: أن يحدثهم كل يوم، لم يفعل ورأى أنَّ اتباع هدي النبي ﷺ ومنهجه هو خير الهدي. الفائدة الثالثة: مراعاة الفقيه للمآلات وعدم النظر للحال فقط، وهذا يدل عليه فعل ابن مسعود، فمع همة من معه ونشاطهم وطلبهم المزيد، لكنه خشي عليهم الملل في المستقبل، وهذا يبين أهمية دور الفقيه والمعلم، فالفقيه ينبغي ألا ينظر إلى رغبات الناس، ولكنه ينظر إلى الحقائق والمآلات، فقد يطلب الإنسان أكثر من طاقته، ولكن الفقيه يكون أبصر بذلك فيجيبه على غير ما يريد، وقد كان النبي ﷺ يسأل عن بعض الأسئلة فيجيب عنها وزيادة كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ وفيه: أنَّ رجلًا جاء إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 72

ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١). وكما ثبت عند البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». فلما كبر كان يتمنى أن لو قبل رخصة النبي ﷺ ، فإنَّ النبي ﷺ كان يرشده إلى ما هو أفضل وأصلح له في كل حال. الفائدة الرابعة: على العالم والفقيه أن يراعي أحوال العامة وأن لا يراعي أحوال بعض الأفراد، كما في قول الرجل (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟) فهذا كلام لرجل واحد، وليس طلبًا عامًّا من الجميع. الفائدة الخامسة: قول الرجل (لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ) يدل على حب التابعين للعلم، فالعلم عندهم له متعة وحلاوة، وهكذا كل طالب علم يجد للعلم لذة وحلاوة. الفائدة السادسة: جواز تأخير بعض العلم للمصلحة، ومنها تأليف الناس وعدم نفورهم من العلم، ومنها ما ورد أنَّ النبي ﷺ أمر أبا هريرة فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا

стр. 73

قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، ولكن عمر أبى ذلك مخافة أن يتكل الناس فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَخَلِّهِمْ» (١).

стр. 74

١٣ - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: المناسبة واضحة بين هذا الباب والأبواب السابقة، فالأبواب السابقة جاءت في شأن من يُذَكِّر الناس ويعظهم ويعلمهم أمور دينهم، فهو ينفع الناس ولا يضرهم وليس هذا إلا شأن الفقيه، ومن الفقه والفهم وإرادة الخير بالعالم ألَّا يعظ الناس في كل وقت، وهذا هو سبب إيراد هذا الباب بعد الأبواب السابقة. • قوله ﷺ : (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قيل أنَّ المراد بالقسمة هنا: العلم، فالنبي ﷺ يبذل العلم والله يعطي الناس من الفهم والعلم بقدر، وقيل المراد قسمة المال بينهم، فالله هو الذي يقدر ويعطي، والنبي ﷺ هو الذي يقسمه بين الناس.

стр. 75

• تراجم بعض الرواة: (سعيد بن عفير): هو الإمام أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، قال عنه الحاكم: إنَّ مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، توفي سنة ٢٢٦ هـ. (ابن وهب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى المصري، قال عنه ابن حبان جمع ابن وهب وصنف، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة ١٩٧ هـ. (يونس): هو الإمام يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي، توفي سنة ١٥٩ هـ، وقيل ١٦٠ هـ. (ابن شهاب): هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المدني، قال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشاء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، و كنا تمنعنا الحداثة، توفي ١٢٥ هـ، وقيل قبلها. (حميد بن عبد الرحمن): هو الإمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو إبراهيم، وقيل: أبو عبد الرحمن، توفي سنة ١٠٥ هـ. • وفي الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فضل العلماء على سائر الناس، وأنهم هم الذين أراد الله بهم الخير. الفائدة الثانية: فضل علم الفقه، وإن كان الفقه المذكور في الحديث يراد به عموم الفهم إلا أنَّ تسمية علم الفقه بالفقه يدل على عظم مكانته.

стр. 76

الفائدة الثالثة: علاج النفوس وتطييبها مع الالتزام بالأوامر الشرعية، فليس معنى تطييب النفوس أن يترك الأمر الشرعي، ولا يعني تمسكه بالأمر الشرعي أن ينفر الناس، ولكن ينبغي أن يكونا جميعًا، ولذلك قال النبي ﷺ (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يعطي)، ففيه تطييب لنفس من لم يأخذ، كما طيب نفوس الأنصار لما أعطى مسلمة الفتح، فقال لهم ﷺ «إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَضِينَا (١). الفائدة الرابعة: مدح الفقه والفهم في الدين كما قال ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين». الفائدة الخامسة: الحث على طلب العلم والفهم فيه، فهو دليل لإرادة الخير بالعبد، ولو أراد الله بالعبد الخير تولى أمره، ووفقه ورعاه في أمور الدنيا والآخرة، والعلم طريق ذلك كله. الفائدة السادسة: الأخذ بمفهوم المخالفة من هذا الحديث، فمن لم يرد الله به خيرًا لا يفقهه في الدين، ولذلك اعتبر العلماء أنَّ كل الدنيا ظلمات إلا مجالس العلم فهي المجالس التي تفتح للإنسان طريق الخير كما قال النبي ﷺ «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٢). الفائدة السابعة: يدل الحديث على أنَّ إرادة الله بالعبد درجات كما أنَّ الفقه درجات، فكلما علا قدر المرء في الفقه والعلم دل ذلك على أنَّ إرادة الخير به أكثر، وعطاء الله له أكبر.

стр. 77

الفائدة الثامنة: في قوله ﷺ : «وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» دليل على عدم خلو العصر من مجتهد، وأنَّ العصر لا يخلو أبدًا من مجتهد قائم لله بالحجة، والقيام على أمر الله يكون بالفهم والعلم لا بالتقليد. الفائدة التاسعة: في الحديث دليل على أنَّ بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا فالأمة لا تضل أبدًا، وقد اختلف في هذه الطائفة من تكون؟ • قال البخاري ﵀: هم أهل العلم (١). • وقال أحمد بن حنبل ﵀: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم (٢). • قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذاهب أهل الحديث (٣). • قال الإمام النووي ﵀: يحتمل أنَّ هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير (٤)، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. الفائدة العاشرة: يدل الحديث على أنَّ النبي محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وذلك لأن الأنبياء يرسلون لإصلاح الأمم التي ضلت وحادت عن طريق الله تعالى، فهم يردون الناس إلى الدين، وأما هذه الأمة فإنها لن تضل كلها أبدًا، وأما من يضل منها فإنَّ العلماء يردونهم؛ لذا كان العلماء هم ورثة الأنبياء.

стр. 78

الفائدة الحادية عشرة: العلم والفقه ينالان بأمرين: • الأول: الاكتساب والجد. • الثاني: فتح الله تعالى على المتعلم وإرادة الخير به. الفائدة الثانية عشرة: تعظيم الخير الذي يناله أهل العلم كما قال ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا». فكلمة «خَيْرًا» جاءت نكرة في سياق الشرط وهي تفيد العموم (أي من يرد الله به كل خير)، وقد يكون التنكير هنا للتعظيم أي أراد الله به خيرًا عظيمًا، وهذا يدل على أنَّ الفقه في الدين من الخير العظيم والدرجات العلى التي لا يعطيها الله تعالى لكل أحد.

стр. 79

١٤ - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الفهم في العلم داخل في قول النبي ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فكأنه أراد أن يقول الفقه في الدين يكون بالفهم، وضرب مثالًا لذلك بحديث ابن عمر ﵄. فالبخاري ﵀ بوَّب التبويب ثم ضرب مثالًا في الباب التالي تطبيقًا عمليًّا له، وهذا من فقهه ﵀. • تراجم بعض الرواة: (علي): هو الإمام أبو الحسن على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح البصري، كان آية من آيات الله، قال البخارى عنه: ما استصغرت نفسى إلا بين يدى على، توفي سنة ٢٤٣ هـ.

стр. 80

(ابن أبي نجيج): هو الإمام أبو يسار عبد الله بن أبى نجيح واسمه يسار الثقفي المكي، لما مات عمرو بن دينار كان يفتى بعده ابن أبى نجيح كما قال سفيان. توفي سنة ١٣١ هـ، وقيل بعدها. • وفي الباب فوائد منها: حديث ابن عمر سبق ذكر بعض فوائده، وهنا بعض الفوائد الأخرى ومنها: الفائدة الأولى: ما كان عليه بعض الصحابة ﵃ من توقي رواية الحديث ونقله عن النبي ﷺ إلا لحاجة، وذلك مأخوذ من قول مجاهد: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وكان بعض الصحابة يتوقى رواية الحديث خشية الزيادة والنقصان كالزبير. سؤال: كيف يتوقى ابن عمر الرواية وهو من الرواة المكثرين للحديث؟ الجواب: لأن ابن عمر كان مفتيًا فكان يُسْأَلُ كثيرًا، فكان إذا سئل أجاب وذكر الحديث، فنقل عنه كثير من الحديث لهذا السبب. وفي هذا دليل أيضًا على عطاء الله وكرامته، فكان ابن عمر يتوقى رواية الحديث، ولكن قدر الله له أن ينقل عنه كثير من الأحاديث. الفائدة الثانية: أهمية صحبة وملازمة أهل العلم، فقد استفاد ابن عمر الفهم والعلم بملازمة النبي ﷺ وأصحابه، ومما يدل على ذلك أيضًا أنَّ النبي ﷺ قال يومًا: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ المُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ (١).

стр. 81

١٥ - بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا»، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ». قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١). وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ الباب السابق كان عن الفهم في العلم فأتى بعد الفهم بالاغتباط، فكلما زاد الفهم والعلم زادت الغبطة. • تراجم بعض الرواة: (إسماعيل بن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد، كان من حفاظ الناس كما قال الثوري، وكان يسمى الميزان كما قال مروان بن معاوية، توفي سنة ١٤٦ هـ.

стр. 82

(قيس بن أبي حازم): هو الإمام قيس بن أبى حازم واسمه حصين البجلى الكوفي، مخضرم وقيل له رؤية، توفي بعد ٩٠ هـ، أو قبلها. • مفردات الحديث: (الِاغْتِبَاطِ) الغبطة: تمني حال المغبوط دون زوال ما عنده، وهذا الفارق بين الحسد والغبطة، فالحسد: هو تمني ما عند الغير، وتمني زوال النعمة عنه. (قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) أي قبل أن تطلبوا السيادة، أو قبل أن تصيروا سادة، فلا يلزم أن يطلب الإنسان السيادة، ولكنه قد يصير سيدًا دون أن يطلبها. • وفي الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: العلم قد يكون سببًا للرياسة والسيادة وهذا مأخوذ من قول عمر ﵁ تفقهوا قبل أن تسودوا، والمعنى: تفقهوا واجتهدوا بالتفقه والفهم قبل أن تصيروا سادة في العلم، فتتصدرون قبل أن تتأهلوا، وقد يكون المعنى: تفقهوا قبل أن تصيروا سادة وورؤساء في الدنيا، فتشغلكم السيادة والرياسة عن العلم. الفائدة الثانية: التعجيل بالعلم والتعلم قبل وجود الموانع والأشغال. الفائدة الثالثة: لا مفهوم مخالفة من كلام عمر (تفقهوا قبل أن تسودوا)، وكذلك بعد أن يصير سيدًا فلابد كذلك من التفقه؛ ولذلك قال البخاري (وبعد أن تسودوا) دفعًا لهذا المفهوم المتوهم. الفائدة الرابعة: استحباب البعد عما يمنع الإنسان من العلم كالسيادة والرئاسة. الفائدة الخامسة: الانشغال بأمور الدنيا مؤثر في النفس ومؤثر في السير للآخرة، وكذلك السيادة والرئاسة.

стр. 83

• قال يحيى بن معين ﵀: من عاجل الرئاسة فاته علم كثير (١). • قال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير (٢). • قال مالك: إنَّ القاضي إذا عُزِلَ لا يرجع إلى مسجده الذي كان يتعلم فيه (٣). الفائدة السادسة: وفيه كما سبق دليل على أنَّ العلم قد يكون سببًا في السيادة، لكن هذا أمر تبع وليس أصليًّا، فالأصل في طالب العلم ألا يطلب ذلك، ولكنها تأتي دون أن يطلبها كالشهرة ونحوها. • قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ. قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ (٤). وأهل العلم ينالون الشهرة فتجدهم أشهر الناس في الأمة. • قال سليمان بن عبد العلى: حدثني أبو زرعة، فقال له رجل: من أبو زرعة؟

стр. 84

فقال: أبو زرعة أشهر من الدنيا في الدنيا (١). • وقال رجل للإمام أحمد هناك شاب بالري يدعى أبا زرعة. فغضب أحمد وقال تقول شاب، ثم رفع يديه وظل يدعو له، ويقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم ارحمه، اللهم اعف عنه (٢). وتجد أهل العلم ينالون المحبة في قلوب كثير من الناس ولا يبغضهم إلا حاسد أو جاهل لا يعلم قدرهم. فالعالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان يومًا جاهلًا، أما الجاهل لا يعرف قدر العالم؛ لأنه لم يكن عالمًا. • قال رجلٌ لابن تيمية: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيهما أعظم، بين محبة في قلوب العباد لا يبلغها عملي، وذنوب سترها الله تعالى عليَّ فلم يطلعها على غيره (٣). الفائدة السابعة: استحباب المنافسة وتمني ما عند الغير من الخير دون تمني زوال ما عندهم. الفائدة الثامنة: قهر النفس، فلابد للنفس أن تُقْهَر حتى يستطيع الإنسان أن يعمل الأعمال الصالحة؛ لذا قال ﷺ : ورجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق. الفائدة التاسعة: العلم والفهم هو الأصل لذلك قال سلط على هلكته في الحق،

стр. 85

والتسليط عليه في الحق لا يكون إلا بفهم وعلم. الفائدة العاشرة: فضيلة الحكمة (ورجل آتاه الله الحكمة) وهي وضع الشيء في موضعه، فالشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. الفائدة الحادية عشرة: أهمية النية فالذي يغبط أهل العلم وأهل المال ولا يستطيع أن يفعل فعلهم قد يأجره الله تعالى على ذلك، وبين النبي ﷺ أنه محمود، فعن أَبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ (١). الفائدة الثانية عشرة: من الفوائد أيضًا: أنَّ تبويب البخاري، وقول عمر ليس عامًّا، ولكنه باعتبار الغالب، فالسيادة تمنع العلم في كثير من الأحيان، وليس في كل الأحيان، فقد كان عبد الرزاق وأحمد والشافعي وغيرهم سادة، وما منعهم ذلك من التعلم، ولذلك قال البخاري: وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم. الفائدة الثالثة عشرة: فضيلة التعليم، فإنَّ الحكمة والعلم لا تغتبط إلا بالأثر، فالغبطة ليست بتعلم العلم فقط، بل وبتعليمه.

стр. 86

١٦ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ - فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] قال البخاري ﵀: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (١).

стр. 87

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: المناسبة من عدة أوجه: أولًا: أنَّ هذا الباب كالتطبيق العملي لما سبق، فقد كان في الباب السابق تفقهوا قبل أن تسودوا، والاغتباط في الحكمة والعلم، ثم جاء البخاري ﵀ بتطبيق عملي لسيد لم تمنعه السيادة من العلم وهو موسى ﵇. ثانيًا: العلم مما يغتبط عليه، وهنا غبط موسى الخضر لما علم أنه عنده علم فتحمل المشقة والتعب لكي ينال هذا العلم. ثالثًا: المغتبِط قد يكون من شأنه الاغتباط، فموسى يُغْتَبَط من أجل سيادته ونبوته وعلمه، ومع هذا فقد اغتبط هو الخضر، فليس المعنى أن من يُغتَبَط لا يَغتَبِط. • ترجمة بعض الرواة: (محمد بن غرير الزهري): هو الإمام محمد بن غرير بن الوليد الزهري المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، روى عنه البخاري خمسة أحاديث. (يعقوب بن إبراهيم): هو الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، توفي سنة ٢٠٨ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: جواز التماري والنقاش في مسائل العلم بشرط عدم الجدال والمشاحنة والبغضاء، فابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى.

стр. 88

وقد ورد ذلك عن السلف والعلماء فقد كانوا يتناظرون ويتناقشون ويتمارون في مسائل دون الوصول إلى المشاحنة والبغضاء. فَحِكَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، فَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَأْتُوهُ بِصِيعَانِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الصَّاعُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَدِّي بِهِ - يَعْنِي صَدَقَةَ حَدِيقَتِهَا - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ. فَقَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ: أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَكْذِبُونَ؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُ هَؤُلَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: فَأَنَا حَرَّرْت هَذَا بِرِطْلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا. فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ: قَدْ رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت (١). • وحدث ذلك بين الشافعي ومحمد بن الحسن في مسألة من الأعلم بالقياس هل هو مالك أم أبو حنيفة؟ فقال الشافعي لمحمد بن الحسن: بالإنصاف أم بالمكابرة؟ فقال: بل بالإنصاف.

стр. 89

فقال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم أي مالك. قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بسنة النبي ﷺ أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بآثار السلف أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. فقال الشافعي: من كان أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وآثار السلف كان أعلم بالقياس (١). الفائدة الثانية: الرجوع إلى أهل العلم للترجيح عند الخلاف، فلما تمارى ابن عباس ﵄ مع الحر رجعا إلى أبي بن كعب ﵁ يسألانه عن ذلك. الفائدة الثالثة: الأدب عند الجدال والمناظرة، ويظهر ذلك في قول ابن عباس لأبيٍّ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، فعبر عنه بالصاحب. وذلك لأن الأصل أنَّ المناقشة والمماراة في الحق تكون من أجل الوصول للحق، وليس من أجل الانتصار للنفس. • قال الشافعي: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة إلا على الحق (٢). • وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يُوَفَّق ويُسَدَّد ويُعَان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ (٣).

стр. 90

• وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه (١). الفائدة الرابعة: جواز حمل الظاهر على غير ظاهره إن وجدت قرائن على ذلك، فَفَهْمُ ابن عباس وحسن أدبه كان معروفًا جليًّا؛ لذا وجه العلماء مقالته حيث إنه دعا أبيًّا، قالوا "فدعاه" ليست على ظاهرها، ولكن المعنى أنه قام إليه وسأله، وذلك لما يعرف عن ابن عباس في باب الأدب الشيء الكثير، فقد كان ابن عباس إذا رأى أُبيًّا يسير على ناقة كان يمسك بخطامها، فيقال له أتفعل هذا برجل من الأنصار وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ، فيقول: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف (٢). • وكان إذا رأى زيد بن ثابت يأخذ بناقته فيقال له: تفعل ذلك وأنت ابن عم رسول الله ﷺ فيقول: هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا (٣). الفائدة الخامسة: حسن المسألة، فحسن المسألة نصف العلم كما سبق مرارًا، وذلك أنه لم يقل له ما تقول في كذا؟ بل قال هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فكأنه يسأله عن المسألة ودليلها. الفائدة السادسة: استحباب نسبة العلم والفضل والخير لله تعالى والاعتراف بذلك من الشكر، فقد أوحى الله إلى موسى أنَّ هناك من هو أعلم منك لما سئل: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، وإن كان الخضر ليس أعلم من موسى في كل شيء؛ ولكنه عنده علم ليس عند موسى.

стр. 91

الفائدة السابعة: بيان لمعنى العبودية وعظم فضلها، فقد كان النبي ﷺ يُذكَر بالعبودية في المقامات العالية، مثل ذكره عند الإسراء قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وعند الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وعند نزول الكتاب ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وغير ذلك؛ لذلك قال بلى عبدنا خضر. الفائدة الثامنة: الهمة في طلب العلم والإسراع وعدم التسويف، فسأل موسى ربه لقاء الخضر، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب. الفائدة التاسعة: التشويق في البحث عن العلم، فلم يخبر الله موسى بأنَّ الخضر في مكان كذا، ولكن جعل له آية وهي الحوت ليجعله الله تعالى مترقبًا لأحوال الحوت وطلب الخضر دائمًا. الفائدة العاشرة: قوله (فتاه) والفتى بمعنى العبد أو الخادم، ولم يكن عبدًا لموسى؛ ولكن سماه الله عبدًا لأنه متتلمذ على يديه. • يقول أبو بكر النحوي: إِذَا تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ، وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ، فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَتلْمِذًا لَهُ، مُتَّبِعًا لَهُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ (١). • قال شعبة: إذا سمعتُ الحديث من الرجل صرتُ له عبدًا ما حيي (٢).

стр. 92

الفائدة الحادية عشرة: لا بأس بخدمة المفضول للفاضل وخدمة المتعلم للمعلم، وليس هذا ثمنًا للعلم. الفائدة الثانية عشرة: الدنيا لا تساوي شيئًا بجوار الدين والعلم؛ فموسى ﵇ طلب الطعام من غلامه، وكان ذلك بعد شدة ومشقة قال تعالى ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، فلما علم أنه فقد الحوت نسي أنه كان جائعًا قال تعالى ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي مسرعين، فالتعب والنصب تبدل إلى نشاط وحيوية وإسراع. الفائدة الثالثة عشرة: الرحلة لطلب العلم وتحمل المشاق؛ لأجل ذلك فإنَّ موسى رحل وتحمل المشاق من أجل أن يصل للخضر. الفائدة الرابعة عشرة: التواضع في طلب العلم، فموسى مع مقامه ومكانته تواضع للخضر وتعلم منه. الفائدة الخامسة عشرة: لا يحيط أحد بالعلم ولو كان نبيًّا مكلمًا. الفائدة السادسة عشرة: عدم التكبر في طلب العلم، وأنَّ الأعلى والأكبر قد يطلب العلم من الأدنى، كما قال ابن عيينة: لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يأخذ عمن فوقه، وعمن هو دونه، وعمن هو مثله (١). الفائدة السابعة عشرة: الصبر لأجل العلم أمر لازم؛ ولذلك هو أول ما نبه الخضر إليه موسى قال: "إنك لن تستطيع معي صبرًا". الفائدة الثامنة عشرة: مقام التعليم لا بد أن يلازمه شيء من الدأب والخضوع والمعاناة في الطلب.

стр. 93

• قَالَ الخطيب البغدادي: إَنَّ فِيمَا عَانَاهُ مُوسَى مِنَ الدَّأَبِ وَالسَّفَرِ وَصَبَرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِلْخضرِ بَعْدَ مُعَانَاةِ قَصْدِهِ مَعَ مَحِلِّ مُوسَى مِنَ اللَّهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ دَلَالَةٌ عَلَى ارْتِفَاعِ قَدْرِ الْعِلْمِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَةِ أَهْلِهِ، وَحُسْنِ التَّوَاضُعِ لِمَنْ يَلْتَمِسُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ عَنْهُ، وَلَوِ ارْتَفَعَ عَنِ التَّوَاضُعِ لِمَخْلُوقٍ أَحَدٌ بِارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ، وَسُمُوِّ مَنْزِلَةٍ لَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ مُوسَى، فَلَمَّا أَظْهَرَ الْجَدَّ وَالِاجْتِهَادَ، وَالِانْزِعَاجَ عَنِ الْوَطَنِ وَالْحِرْصِ عَلى الِاسْتِفَادَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْحَاجَةِ إِلَى أَنْ يَصِلَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَ لَيْسَ فِي الْخَلْقِ مَنْ يَعْلُو عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا يَكْبُرُ عَنْهَا (١). الفائدة التاسعة عشرة: يعطى العبد من العلم على قدر صبره، فإنَّ موسى أخذ من العلم بقدر ما صبر. الفائدة العشرون: وفيه أدب المتعلم مع المعلم، وهو أدب موسى مع الخضر. الفائدة الحادية والعشرون: جواز تعنيف المعلم للمتعلم إن خالف أمره حتى وإن كان المتعلم فاضلًا. الفائدة الثانية والعشرون: ينبغي الاعتذار عن الخطأ وخاصة من المتعلم للمعلم إن خالف أمره. الفائدة الثالثة والعشرون: إنكار المنكر الظاهر، فقد أنكر موسى على الخضر القتل وإفساد الأموال. الفائدة الرابعة والعشرون: قد يفعل المنكر لدفع منكر أعظم، وهو ما يسميه الأصوليون ب"تزاحم المحرمات"، ويسمى في القواعد الفقهية ب"تزاحم المفاسد".

стр. 94

الفائدة الخامسة والعشرون: في قوله (أعلم منك) فيه دليل على مناسبة الحال فإنَّ الخضر ليس بأعلم من موسى في كل شيء، ولكن الله تعالى أطلق هذه العبارة حتى يصل بأنبيائه إلى الدرجات العلى؛ لأن موسى لما سئل قال: لا أحد أعلم مني، فكان ينبغي له أن ينسب الأمر لله تعالى. الفائدة السادسة والعشرون: يجب على العالم ألا يكتفي بما عنده، بل إن وجد علمًا عند غيره رحل إليه، واستزاد منه. الفائدة السابعة والعشرون: حمل الزاد وإعداده للسفر، وأنَّ الأخذ بالأسباب من الدين، وهو أيضًا من شريعة من قبلنا. الفائدة الثامنة والعشرون: العمل بخبر الواحد الثقة فقد سأل ابن عباس أُبيًّا فقط، وأخذ منه الحديث. الفائدة التاسعة والعشرون: جواز ركوب البحر في طلب العلم، وهذا ليس فيه إهلاك للنفس. الفائدة الثلاثون: فضيلة المعلم وأنها تكون بفضل تلامذته، وفي هذا الحديث دليل على فضل الخضر حيث قدر الله له من تتلمذ على يديه وهو موسى ﵇. الفائدة الحادية والثلاثون: مهما أوتي العبد من العلم لم يؤت إلا القليل. الفائدة الثانية والثلاثون: العلم هو الهداية والرشاد قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦].

стр. 95

١٧ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: في الباب السابق كان فيه غلبة ابن عباس للحر بن قيس في تماريهما لصاحب موسى لما رجع إلى أبي بن كعب ﵁، وأيد قول ابن عباس في قوله، وذاك من كثرة علمه وغزارة فهمه، فإنَّ الغلبة كثيرًا ما تدل على غزارة العلم والفهم. وفي هذا الباب إشارة إلى سبب هذا العلم، وأنَّ هذا العلم الغزير والفهم والفضيلة كانت ببركة دعاء النبي ﷺ . وأيضًا مناسبة أخرى، وهي أنَّ الباب السابق فيه استفادة المتعلم وهو موسى من المعلم وهو الخضر، وهنا استفاد ابن عباس من النبي ﷺ ، ولكن في الأولى استفاد موسى من علم الخضر مباشرة، وأما هنا فقد استفاد ابن عباس من دعوة النبي ﷺ ففتح له أبواب العلم.

стр. 96

• تراجم بعض الرواة: (أبو معمر): هو الإمام أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبى الحجاج واسمه ميسرة التميمى البصري المعروف بالمقعد، توفي سنة ٢٢٤ هـ. (عبد الوارث): هو الإمام أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمى العنبرى البصري، قال عنه أبو عمر الجرمى النحوى: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، توفي سنة ١٨٠ هـ. (خالد): هو الإمام أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري، قال فهد بن حيان وكان رجلًا مهيبًا لا يجتراء عليه أحد. اختلف في وفاته، فقيل ١٤٢ هـ، وقيل غير ذلك. (عكرمة): هو الإمام أبو عبد الله عكرمة القرشى الهاشمى المدني مولى عبد الله بن عباس قال له ابن عباس: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون. توفي ١٠٤ هـ، وقيل غير ذلك. • من فوائد الباب: الفائدة الأولى: فضل ملازمة أهل الفضل والصلاح وأنه به يكثر العطاء والمنن، فسبب هذه الدعوة أنَّ ابن عباس كان ملازمًا للنبي ﷺ من صغره فوفق الله له دعاء النبي. الفائدة الثانية: أسباب نيل العلم، فالعلم قد ينال بسبب الدعاء فقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] سواء كان هذا الدعاء من المتعلم نفسه أو من غيره له. الفائدة الثالثة: الحض على تعليم القرآن والدعاء لذلك لقوله ﷺ : اللهم علمه الكتاب؛ لأن القرآن هو أصل كل العلوم. الفائدة الرابعة: جواز ضم الصغير بشرط أن يكون بغير شهوة لقول ابْنِ عَبَّاسٍ:

стр. 97

(ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على منقبة لابن عباس وقربه من النبي ﷺ ، ليس نسبًا فقط، ولكن تَعَلُّمًا وملازمة، ففتح الله له أبواب العلم من أجل ذلك، فنال بعد ذلك ابن عباس ألقابًا منها حبر الأمة، وبحرها، ورئيس المفسرين، وترجمان القرآن. الفائدة السادسة: الحديث يدل على أهمية انتباه المتعلم، وأنه بمتابعته للمعلم قد يُجْلَب له كثير من الخيرات كما يقول ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» قيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ». الفائدة السابعة: في الحديث فائدة ارتباط الأمور القدرية بالعطاء الشرعي، فالله أعطى ابن عباس فهمًا وعلمًا وحكمة فارتبط ذلك بأمور قدرية وهي أنه كان موجودًا في وقت دخل فيه النبي ﷺ الخلاء، ووفق الله ابن عباس في وضع الماء للنبي ﷺ ، ففاز بدعوته.

стр. 98

١٨ - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» (١). وقال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» (٢). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ دعوة النبي ﷺ في الباب السابق لابن عباس كانت له وهو غلام، والمذكور هنا حال الغلام عند السماع هل يؤخذ بسماعه وتحمله أم لا.

стр. 99

كذلك القضية هنا وفي الباب السابق كانت لابن عباس، وفيهما دلالة على فهم ابن عباس وعلمه. وفي الباب حديثان الأول لابن عباس والثاني لمحمود بن الربيع وهما يدلان على معنى واحد. • ترجمة بعض الرواة: (أبو مسهر): هو الإمام أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الدمشقي، قال عنه ابن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادى أحدًا أشبه بالمشيخة الذين أدركتهم من أبى مسهر، توفي سنة ٢١٨ هـ. (محمد بن حرب): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن حرب، المعروف بالأبرش (كاتب الزبيدى)، قال عنه خشنام بن الصديق: كان من خيار الناس. توفي سنة ١٩٢ هـ، وقيل ١٩٤ هـ. (الزبيدي): هو الإمام أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى، وكان أعلم أهل الشام بالفتوى كما قال ابن سعد. اختلف في وفاته فقيل: سنة ١٤٦ هـ، وقيل سنة ١٤٧ هـ، وقيل سنة ١٤٩ هـ. • من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: جواز سماع الصغير وضبطه للسنن. الفائدة الثانية: جواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا بشرط أن يكونوا قد علموه وميزوه في الصغر، كما ورد في حديث محمود بن الربيع، وقد ورد ذلك في رواية عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ؟ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا

стр. 100

رَجَعْتُ، جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (١). قيل: أنَّ عمره آنذاك ثلاث سنوات أو أربع لكنه كان مميزًا. سؤال: لماذا لم يذكر البخاري ﵀ حادثة ابن الزبير؟ الجواب: قد استدرك بعضهم على البخاري ذلك حيث إنهم رأوا أنَّ هذه الحادثة أولى من حادثة ابن عباس وابن الربيع؛ ولكن أجيب عن ذلك فقيل: أولًا: أنَّ البخاري أراد أن ينقل سننًا نبوية، لا ينقل أحوالًا وجودية. فابن الزبير يحكي أمرًا حدث بينه وبين أبيه، بينما ابن عباس وابن الربيع ينقلان سنة. ثانيًا: ذكر حديث محمود بن الربيع أولى، وإن كان أكبر من ابن الزبير لأنه تحدث به فضيلة لمحمود بن الربيع وهي الصحبة. الفائدة الثالثة: يدل الباب على أهمية التعامل مع الأطفال وأنه ربما يكون الطفل مغمورًا بأحداث الصبا والصغر كما سبق، ولكنه قد يظهر نبوغه إن فتش فيه عن ذلك، فقد كان النبي يتفقد الصبيان الصغار في الغزوات ويردهم، وقد تعاهد ابن عباس، فكان يقول له "يا غلام احفظ الله يحفظك" (٢). • عن أحمد بن النضر الهلالي قال: سمعت أبى يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر الى صبي دخل المسجد، فكأنَّ أهل المجلس تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان: كذلك كنتم من قبل فمَنَّ الله عليكم، ثم قال: يا نضر لو رأيتني ولى عشر سنين، طولى خمسة أشبار، ووجهى كالدينار، وأنا كشعلة نار،

стр. 101

ثيابي صغار، وأكمامى قصار، وذيلى بمقدار، ونعلى كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهرى وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتى كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمى كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، قال: ثم تبسم ابن عيينة، وضحك (١). • وقد أورد الخطيب ﵀ من طريق أبي عاصم قال: ذهبت بابني إلى ابن جريج وهو ابن ثلاث سنين فحدثه (٢). الفائدة الرابعة: إن فعل الصحابي شيئًا بين يدي النبي ﷺ وسكت عنه النبي فهو حجة، فسكوت النبي ﷺ عن ترك ابن عباس الأتان يدل على جوازه، ولكن هذا يستلزم أن يكون النبي ﷺ رآه وسكت عنه؛ واعتُرِض بأنَّ ابن عباس أرسل الأتان بين يدي الصف ولم ير النبي ﷺ ذلك. وأجاب بعضهم: بأنَّ الله رأى ذلك، ولو كان خطأ لأعلمه نبيه ﷺ ، ونبهه عليه. الفائدة الخامسة: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، فهذا لا يعارض السكينة والمشي لصلاة الجماعة. الفائدة السادسة: فيه جواز الصلاة لغير سترة، قال ابن عباس ورسول الله يصلي إلى منى بغير جدار، وعند البزار قال: والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره (٣)، فرواية البزار تنفي الجدار وغير الجدار. ونَفْيُ ابن عباس للأمر يدل على أنه ليس معتادًا، فغالب حاله ﷺ أنه كان يصلي إلى سترة. • وهذا يؤيد من قال بأنَّ السترة سنة وليست واجبة.

стр. 102

الفائدة السابعة: وفيه جواز التحمل قبل البلوغ. الفائدة الثامنة: استدل البعض بهذا الحديث على أنَّ المرأة لا تقطع الصلاة وهو مأخوذ من قوله حمار أتان، والأتان هي أنثى الحمار، فمن باب أولى أنَّ المرأة إذا مرت فهي لا تقطع الصلاة؛ لأنها لا شك أشرف من الأتان، وهذا قياس مع الفارق؛ لأن العلة في المرأة أنها ترتبط بها شهوة بخلاف أنثى الحمار. الفائدة التاسعة: قوله "ناهزت الاحتلام" يدل على أنَّ عدم الإنكار للجواز، وإلا لو كان صغيرًا لكان عدم الإنكار لصغره، وهذا من فقهه ﵁. الفائدة العاشرة: جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، فالمفسدة الخفيفة هنا هي المرور بين يدي الصف، وأما المصلحة فهي إدراك الصلاة. الفائدة الحادية عشرة: عدم الإنكار دليل على الجواز أو الرضا. • من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: الحديث أوضح في الباب من حديث ابن عباس في الدلالة على جواز سماع الصغير. الفائدة الثانية: يدل على سن التحمل، وضابطه هو التمييز حيث قال "عقلت مجة". الفائدة الثالثة: إباحة مج الماء في وجه الصغير وخاصة إذا كان ذلك من باب المداعبة، وليس من باب الإيذاء. الفائدة الرابعة: دليل على تواضع النبي ﷺ ، إن كان فعل ذلك مازحًا. الفائدة الخامسة: دليل على رحمته بأمته إن كان المج يريد به البركة. الفائدة السادسة: طهارة ريق المسلم، فإن قيل أنَّ هذا كان خاصًّا بالنبي ﷺ ،

стр. 103

يجاب أن الأصل في الأحكام أنها عامة، فكل حكم للنبي ﷺ هو حكم للأمة ما لم يرد دليل بالتخصيص. الفائدة السابعة: فيه أيضًا جواز إحضار الصبيان لمجالس الحديث والعلم. الفائدة الثامنة: فيه دليل على زيارة الإمام لأصحابه في دورهم وملاعبة صبيانهم. الفائدة التاسعة: تفقد الإمام للرعية واهتمامه بهم.

стр. 104

١٩ - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَاوَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، قَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ". ذكر البخاري ﵀ حديث ابن عباس في أكثر من باب، وسبقت الفوائد منه.

стр. 105

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق: والمناسبة أنَّ ابن عباس أقبل على رسول الله ﷺ ، ودخل معه في الصلاة، وكأنه استحضر في ذلك معنى طلب العلم، فكأنه يتعلم من النبي ﷺ الصلاة. وقد ذكر في هذا الباب أثر جابر وقد وصله البخاري ﵀ في الأدب المفرد، وأنه رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، وهو أراد أن يذكر أنَّ هذا واقع حال لجابر ﵁ لكي يأخذ حديثًا واحدًا. وثبت أيضًا أنَّ أبا أيوب ﵁ رحل إلى عقبة بن عامر الجهني من المدينة إلى مصر ليسأله عن حديث واحد، فقد أخرج عبد الرزاق عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مَسْلَمَةَ بنِ مُخَلَّدٍ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا، فَكَّ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ». قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: وَرَكِبَ أَبو أَيُّوبَ إِلَى عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بِمِصْرَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَبْقَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا أَنَا وَأَنْتَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: فِي سَتْرِ المُؤْمِنِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى عَوْرَةٍ، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ وَمَا حَلَّ رَحْلَهُ». • وهذا يدل على قيمة العلم حتى وإن كان علمًا قليلًا لكنه يركب إليه ويرحل له. • وذكر البخاري حديث ابن عباس مع الحر بن قيس وذكر قصة موسى والشاهد فيها: أنَّ موسى ﵇ رحل إلى الخضر ليتعلم منه. هذه فائدة الباب ومناسبته بما قبله، وقد ذكرنا باقي الفوائد المتعلقة بالحديث في الأبواب السابقة.

стр. 106

• تراجم بعض الرواة: (أبو القاسم خالد بن خلي): هو الإمام أبو القاسم خالد بن خلى الكلاعى الحمصي. (الأوزاعي): هو الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبى عمرو الأوزاعي، هو إمام أهل الشام في زمانه، قال عنه ابن مهدى: ما كان بالشام أحدٌ أعلم بالسنة من الأوزاعى توفي سنة ١٥٧ هـ.

стр. 107

٢٠ - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (١). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ. وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. • وجه المناسبة بين الباب والباب الذي قبله: الأبواب السابقة كانت في بيان حال العالم والمتعلم، وهذا الباب يذكر فضلهما، وفضل العلم والتعليم.

стр. 108

• تراجم بعض الرواة: (محمد بن العلاء): هو الإمام أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الكوفي، قال عنه ابن نمير ما بالعراق أكثر حديثًا من أبى كريب الهمدانى، ولا أعرف بحديث بلدنا منه، توفي سنة ٢٤٧ هـ. (حماد بن أسامة): هو الإمام أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي قال عن نفسه: كتبت بأصبعى هاتين مئة ألف حديث، توفي سنة ٢٠١ هـ. (بُريد بن عبد الله): هو الإمام أبو بردة بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي. (أبو بردة): هو الإمام أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، قيل اسمه عامر بن عبد الله بن قيس أو الحارث الكوفي، توفي سنة ١٠٤، وقيل غير ذلك. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: قسم بعض العلماء العلم إلى قسمين وقسمها آخرون إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول من القسمين هو محل انتفاع وهو ينقسم إلى قسمين: أ) قسم ينتفع بنتائج مائه النازلة فيه وثمراته لا بعين الماء. ب) قسم ينتفع منه بعين الماء. فالأولى الأرض النقية التي طوت الماء وأنبتت الكلأ، والثانية هي الأرض الأجادب التي أمسكت الماء، فكلاهما نافع، لكنه لا ينتفع بأحدهما بعينه، ولكن ينتفع بالأثر الذي أخرجته، وأما الثانية فينتفع بعين الماء، فالذي ينتفع بالثمرة هؤلاء هم أهل الاجتهاد والعلم ينتفع الناس منهم بالثمرة، وهو ما استنبطوه من أحكام، وما ينتفع بمائه هم أهل الرواية نقلة الأحاديث، وسبق أنَّ النبي ﷺ قال: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، فهذا حامل للماء فقط،

стр. 109

ولكنه ينتفع به أيضًا. الفائدة الثانية: الوحي يشبه الماء في التطهير، فالماء يطهر البدن، والوحي والعلم يطهران القلوب والنفوس، ولذلك شبه النبي ﷺ الهدى والعلم بالغيث. الفائدة الثالثة: تشبيه الوحي بالماء في كمال التنظيف فكما أنَّ الماء يطهر من الخبائث ونحوها، كذلك الوحي فإنه يطهر القلب من الذنوب والمعاصي. الفائدة الرابعة: من الأمور التي يشبه الوحي الماء فيها أنَّ كلًّا منهما نازل من العلو. الفائدة الخامسة: الوحي والعلم عطاء وإيتاء لا يؤتاه كل الناس، وكذلك المطر قد يفضل الله تعالى أناسًا عن أناس، وفي الحديث "اسق حديقة فلان". الفائدة السادسة: استحباب ضرب الأمثلة، وأنها وسيلة من وسائل التعليم. الفائدة السابعة: قبول الهدي متوقف على نقاء القلوب وصفائها قال ﷺ (كان منها نقية قبلت الماء)، فلما قبلت الماء أتم الماء نظافتها وطهارتها. الفائدة الثامنة: بعض القلوب متهيئة للعلم، لكن ليس لها رسوخ فيه، فهي تأخذه وتقبله، ولكنها تمسكه حتى يأتي متعطش ويروى منها ويأخذ منها هذا العلم ويستنبط منها الأحكام. الفائدة التاسعة: شبه النبي ﷺ العلم بالغيث والغيث هو المطر، وللمطر أسماء متعددة؛ ولكن اختار النبي ﷺ اسم الغيث حيث إنَّ العلم غيث للناس من الجهل والضلال كما أنَّ المطر غيث للناس من الظمأ والعطش والهلاك. الفائدة العاشرة: العلم يشبه الغيث في أنَّ الغيث يسمى غيثا إذا أتى والناس محتاجون إليه، فكأن الله أغاث الناس بالوحي والعلم، وقد دعا النبي ﷺ في الاستسقاء فقال: اللهم أغثنا ثلاثًا، كذلك العلم فإنه يأتي إغاثة للناس من ظلمات

стр. 110

الجهل والضلال حيث إنَّ الإنسان الأصل فيه الجهل قال تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فهو إغاثة للناس في كل وقت. الفائدة الحادية عشرة: العلم حياة عامة كالمطر فكما أنَّ المطر يحيي الله به البلاد، فكذلك العلم يحيي الله به القلوب. الفائدة الثانية عشرة: قبول الحق والعمل به عزة للناس ورفعة للرأس قال النبي ﷺ "، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا "، فاعتبر النبي ﷺ من فقه في الدين كأن الله تعالى أعزه ورفع رأسه بخلاف الآخر. الفائدة الثالثة عشرة: الأخذ بالعلم والانتفاع به مراتب وليس كل الناس على درجة واحدة فيه، فمنهم من يحتفظ به لغيره، ومنهم من يستخرج منه ويستنبط لينتفع الناس به، ثم إنَّ من يستخرج ويستنبط يختلف أيضًا، فعلى قدر أخذه للماء أي للعلم يكون إخراج الأثر والانتفاع به. الفائدة الرابعة عشرة: فائدة العلم بالعمل وعلى قدر أخذ العلم على قدر نضوج ثمرته أي: أنه من نتائج العلم العمل. وهذا مستفاد من قوله (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فإنها لما أخذت الماء الكثير أنبتت العشب والكلأ الكثير، وكذلك كلما استفاد الإنسان من العلم استفاد من الفهم والأثر والنتائج.
следующие страницы →