← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولتنفيد خطته تلك ذهب إلى أخيه الأشرف موسى في حران، حائثا له على توحيد جهودهما، وما زال به حتى استجاب له، واجتمعت العساكر في حران، فسار بهم المعظم، وقطع الفرات، ونزل على حمص. وسار الأشرف على إثره، ونزل في سلمية. ويخرج سبط ابن الجوزي من دمشق على نية الغزاة، ويجتمع بالمعظم على حمص في ربيع الآخر سنة ٦١٨ هـ/ حزيران ١٢٢١ م. ويبثه المعظم همومه، قائلا له: قد سحبت الأشرف إلى ها هنا بأسناني، وهو كاره، وأخاف من الفرنج أن يستولوا على مصر، وهو صديقك، فأشتهي تقوم تروح إليه، فقد سألني عنك مرارا. ثم كتب المعظم إلى الأشرف كتابا بخطه نحو ثمانين سطرا. فأخذ سبط ابن الجوزي الكتاب، ومضى به إلى سلمية. ولندع سبط ابن الجوزي يصف لنا وقائع تلك السفارة، ولقاءه بالأشرف، وما كان منه، فيقول: وبلغ الأشرف وصولي، فخرج من الخيمة، والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فضول، وقلت له: المسلمون في ضائقة، وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة والشام، وأنت تلعب! قم الساعة وارحل. فقال: ارموا الخيام والدهليز. وسبقته إلى حمص، والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: وصل فلان. ركب والتقاني، وقال: ما نمت البارحة، ولا أكلت اليوم شيئا. فقلت: غدا يصبح أخوك على حمص. فلما كان من الغد أقبلت الأطلاب (١)، وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ولا أحسن رجالا، ولا أكمل عدة. وسر المعظم سرورا عظيما، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السحر إلى طرابلس يشوشون على الفرنج، وكانوا على حال، فأنطق الله الأشرف على غير قصد، وقال للمعظم: يا خوند عوض ما ندخل الساحل، ونضعف خيلنا

стр. 107

وعساكرنا، ونضيع الزمان ما نروح إلى دمياط ونستريح؟ فقال له المعظم: قول رماة البندق؟ (١) قال: نعم. فقبل المعظم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط. وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك. وساق المعظم إلى دمشق، وتبعته العساكر. ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظهر، وانتبه، فدخل الحمام، فلم ير حول خيمته أحدا، فقال: وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر، فسكت، وساق إلى دمشق، فنزل القصير يوم الثلاثاء ٤ جمادى الأولى/ ٢٦ حزيران، فأقام إلى سلخه، وعرض العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة بالقلعة، وساروا إلى مصر غرة جمادى الآخرة/ ٢٣ تموز (٢). ويبدو أن سبط ابن الجوزي - وقد خرج من دمشق على نية الغزاة - لم يفسخ ما عزم عليه، وسافر معهما إلى مصر، وإن لم يصرح بذلك (٣). -٢ - وكان الصليبيون قد حشدوا قواتهم لمهاجمة القاهرة، وتقدموا يوم السبت ٢٥ جمادى الأولى ٦١٨ هـ/ ١٧ تموز ١٢٢١ م، من دمياط جنوبا، ووصلوا إلى فارسكور في اليوم التالي (٤). ونادى الكامل بالنفير العام، وألا يبقى أحد إلا خرج لقتال الفرنج (٥). واتجه بقواته شمالا، فعبر نحو بحر أشموم، وتقدم إلى شارمساح، غير أنه

стр. 108

آثر الرجوع ثانية إلى معسكره الحصين في المنصورة. ومن ثم وجد الصليبيون الطريق أمامهم مفتوحا، ولم يعترض مسيرهم سوى مناوشات يسيرة، فوصلوا إلى شارمساح، واستولوا عليها يوم السبت ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز، وكانت خرابا (١). ثم تابعوا مسيرهم، فخرجوا من شارمساح، ووصلوا في اليوم نفسه؛ أي: ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز (٢)، إلى طرف جزيرة دمياط (٣)، فأقاموا معسكرهم هناك دون مقاومة تذكر (٤)، وأصبحوا بذلك في مواجهة القوات الإسلامية، لا يفصل بينهما إلا بحر أشموم (٥)، وهم موقنون أشد اليقين أن مصر كلها قد غدت في قبضتهم (٦). وانشغل الصليبيون بتحصين معسكرهم الجديد كعادتهم، فأحاطوه بالخنادق والأسوار، وقبعوا فيه ما يقرب من شهر، كانوا خلاله يرمون العساكر الإسلامية بالمنجنيق والجروخ معتقدين أنهم منتصرون لا محالة (٧). ولغرورهم هذا لم يصحبوا معهم من المؤن إلا ما يكفيهم لأيام فحسب، لاعتقادهم أنهم لن يلاقوا مقاومة في طريقهم إلى القاهرة، وسيتزودون بالمؤن من القرى التي يسيطرون عليها في طريقهم (٨). في تلك الأثناء وصل الأشرف موسى إلى مصر في ٢٣ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٤ آب ١٢٢١ م (٩). وخف الكامل لاستقبال أخيه الأشرف، مستبشرا به (١٠)، واستقر الرأي

стр. 109

بينهما على التقدم إلى خليج بحر المحلة (١)، في البر الغربي (٢)، لضرب مؤخرة السفن الصليبية، ولقطع خطوط المواصلات البحرية التي تعتمد عليها القوات الصليبية في دمياط (٣). وهكذا سارت السفن الإسلامية، ومعها حراقة كبيرة عليها الأمير بدر الدين حسون إلى رأس بحر المحلة (٤)، المواجه لشارمساح، وهناك اشتبكت مع السفن الصليبية، واستولت عليه (٥). وفي الوقت نفسه تقدمت شواني المسلمين في فرع دمياط، واشتبكت مع السفن الصليبية المتقدمة الراسية بحذاء المعسكر الصليبي؛ شمالي المنصورة، وتمكنت من أسر ثلاث قطع من السفن الصليبية، بمن فيها من الرجال والمؤن والسلاح والأموال (٦)، ففرح المسلمون بذلك، واستبشروا، وقويت نفوسهم (٧). ثم وجه إليهم الكامل ضربته القاضية (٨)، إذ أوعز إلى جماعة من عسكر المسلمين، فعبروا بحر المحلة إلى بر دمياط، حيث يعسكر الصليبيون، وفتحوا بثقا عظيما في النيل، الذي كان في فورة زيادته، فغمر الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بين الصليبيين وبين دمياط، ولم يتبق للصليبيين من طريق يسلكونها غير الشريط الضيق المحاذي للنيل، ويمتد من معسكرهم حتى دمياط، عندئذ أمر الكامل بنصب جسور عند أشموم طناح، فعبرت العساكر عليها، وملكوا هذا الشريط الضيق، قاطعين على الصليبيين طريق العودة إلى دمياط، وهكذا سدت جميع الطرق في وجوه الصليبيين، وغدوا محصورين من الجهات كافة (٩)، وبذلك سيطر المسلمون على أرض

стр. 110

المعركة سيطرة تامة (١). وبينا الصليبيون على تلك الحال، وصل إليهم مركب عظيم يسمى مرمة، وحوله عدة حراقات يحمونه، وهي مشحونة بالميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه، فوقعت عليه شواني المسلمين، وقاتلوا عليه قتالا شديدا حتى ظفروا بالمركب وما معه من الحراقات، فاستولوا عليها، فلما رأى الصليبيون ذلك سقط في أيديهم (٢). وأدركوا حينئذ مع صباح يوم ٢٧ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٨ آب ١٢٢١ م (٣)، أن جيش المسلمين قد تفوق عليهم، واكتمل تطويقهم، ولم يعد لديهم ما يكفيهم من المؤن إلا لأيام، وأن طريق الرجوع إلى دمياط قد قطعت بعدما تمكنت البحرية الإسلامية من إغراق سفنهم التي حاولت العودة أو الاستيلاء عليها (٤). وتشاورت القيادة الصليبية فيما يجب عمله، وقد أحيط بهم (٥)، فلم يكن أمامهم إلا طريقان لا ثالث لهما: إما الاستسلام للمسلمين، ووقوعهم أسرى في أيديهم. وإما القيام بمحاولة يائسة للتراجع برا نحو دمياط، والتحصن بها (٦). واستقر رأيهم على التراجع، وهو عندهم أهون الشرين (٧). ففي الصباح الباكر من يوم الخميس ٦ رجب ٦١٨ هـ/ ٢٦ آب ١٢٢١ م، بدأ جيش الصليبيين في التراجع (٨)، ولم يكن انسحابه منظما، إذ رفض كثير من الجنود أن يريقوا نبيذهم على الأرض، وآثروا أن يشربوه، فثملوا، وكانوا فاقدين لوعيهم حين صدرت إليهم الأوامر بالمسير. ثم إن

стр. 111

الفرسان التيوتون أشعلوا النيران، حماقة منهم، بكل ما لم يستطيعوا حمله من خيام ومجانيق وأثقال بالمعسكر، فدلوا بذلك المسلمين على انسحابهم (١). وكان النيل يزداد ارتفاعا من الفيضان، فأصدر الكامل أوامره بفتح قناطر الشاطئ الشرقي للنيل، فتدفقت المياه إلى الأراضي المنخفضة المتاخمة للنهر، فأوحلت، وصار الصليبيون يشقون طريقهم وسط البرك والخنادق الموحلة، والفرسان المسلمون من خلفهم يطاردونهم (٢)، فتعثروا في تراجعهم وتثاقلوا، فعندما حل يوم الجمعة ٧ رجب/ ٢٧ آب لم يكونوا قد تراجعوا إلا مسافة قصيرة، والمياه محيطة بهم من كل جانب، والعساكر الإسلامية سدت عليهم طريقهم الوحيدة إلى دمياط (٣). ويبدو أن المعظم عيسى تصادف وصوله في هذا الوقت إلى مصر، وقد أخبر، وهو في الطريق، أن الصليبيين يتراجعون إلى دمياط، فاتجه على الفور نحوها، يسابقهم إليها (٤). وحاول الملك جان دي بريين إنقاذ القوات الصليبية مما حاق بها، فحث جنوده على المقاومة والصمود، وجمع بعض الفرسان الرهبان لدفع المسلمين، فنشبت معركة استمرت حتى فجر يوم السبت ٨ رجب/ ٢٨ آب، قتل فيها ألوف الصليبيين. ومع شروق الشمس كانت سهام المسلمين ما تزال تنهال عليهم من كل صوب، وقد عجزت خيولهم من الطمي والمياه الغامرة عن الحركة، فغدا الصليبيون كالضفادع في الماء، أو كالسمك في الشباك، على حد تعبير أحدهم، وقد هدهم الجوع والإرهاق، وحينئذ أدركوا ألا نجاة لهم مما هم فيه، فألقوا السلاح، ولم يعد يسمع منهم غير البكاء والنحيب

стр. 112

والأنين (١). ورأوا أن لا حل إلا بعرض الانسحاب بأمان لقواتهم كلها لقاء تسليم دمياط للمسلمين (٢). وبعد استطلاع آراء القادة العسكريين اتفقوا على إنفاذ رسول للكامل لعرض الأمر عليه (٣). وتشاور الكامل مع أهل بيته، فأشار عليه بعضهم ألا يؤمنهم، بل يأخذهم أخذا باليد، وقد صاروا في قبضته، وبذلك يأخذ منهم دمياط، وجميع ما بقي لهم من البلاد الساحلية في الشام. ولم ير الكامل هذا برأي، فقال: إن هؤلاء ليسوا جميع الفرنج، وإذا أبدناهم لا نقدر على أخذ دمياط إلا بمطاولة وحروب كثيرة (٤)، ولا سيما أنها ذات أسوار منيعة، والفرنج زادوا في تحصينها عندما استولوا عليها، ولا يؤمن مع طول محاصرتها أن يفد ملوك الفرنج نجدة لمن فيها (٥)، وحينئذ سيقدم إلينا منهم أضعاف هؤلاء، وتعود الحرب جذعة، والعساكر قد ضجرت من الحرب وكلت (٦). فاتفقت الآراء على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم (٧). وبينما كانت المراسلات مترددة بين الطرفين قدم المعظم من جهة دمياط، فازداد موقف المسلمين قوة، وموقف الصليبيين خذلانا ووهنا (٨). ودامت المفاوضات بينهم حتى يوم الإثنين ١٠ رجب ٦١٨ هـ/ ٣٠ آب ١٢٢١ م (٩) وتم الاتفاق على انسحاب قوات الصليبيين بأمان لقاء تسليم دمياط (١٠)، وتبادل الأسرى، وعقد هدنة مدتها ثماني سنين (١١)، يكون خلالها لأي ملك

стр. 113

أوروبي الحق في خرقها (١). على أن يأخذ الكامل رهائن من ملوكهم لا من أمرائهم إلى حين تسليم دمياط (٢). وفي يوم الأربعاء ١٢ رجب/ ١ أيلول، وهو اليوم الرابع لاستسلام الصليبيين، أمر الكامل بإقامة السدود، فانحسرت مياه الفيضان عن معسكرهم، المحصور بين النيل وبحر أشموم، وبذلك تمكن الصليبيون من السير شمالا حتى وصلوا إلى قرب العادلية، وهناك أقام لهم الكامل جسرا ليعبروا إلى جيزة دمياط، متجنبا بذلك دخولهم إليها. وبعد تكامل خروجهم من معسكرهم الغارق بالأوحال سلمت دمياط للمسلمين، بعد أذان العصر من يوم الأربعاء ١٩ رجب ٦١٨ هـ/ ٨ أيلول ١٢٢١ م (٣). وعهد الكامل باستلامها إلى الأمير شجاع الدين جلدك المظفري، وولاه إياها (٤). وفي اليوم الذي سلمت فيه دمياط جلس الكامل محمد بظاهر البرمون مجلسا فخما، في خيمة كبيرة عالية، ومد سماطا عظيما، وأحضر ملوك الصليبيين، ووقف المعظم عيسى والأشرف موسى والملوك في خدمته، فهال الصليبيين ما شاهدوه من عظمة وبهاء (٥)، وقام الشاعر الحلي، فأنشد بين يديه: هنيئا فإن السعد راح مخلدا … وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا … مبينا وإنعاما وعزا مؤيدا إلى أن يقول: أعباد عيسى إن عيسى وحزبه … وموسى جميعا يخدمون محمدا (٦)

стр. 114

وأشار عند قوله عيسى إلى المعظم، وعند قوله موسى إلى الأشرف، وعند قوله محمدا إلى الكامل، وهذا من أحسن شيء اتفق، على حد تعبير أبي شامة (١). وفي اليوم نفسه أطلقت الرهائن، وتم جلاء القوات الصليبية عن مصر، فرجع بعضها إلى أوربة، وبعضها الآخر إلى عكا (٢). ودخل المسلمون دمياط، ورأوا تحصين الصليبيين لها تحصينا عظيما، فغدت لا ترام، ولا يوصل إليها (٣). ثم دخلها من بعد الكامل بعساكره (٤)، وفي خدمته إخوته وملوك بيته، وكان لدخوله مسرة عظيمة، وابتهاج زائد، ثم رجع الكامل إلى القاهرة، فدخلها في ١٢ رمضان ٦١٨ هـ/ ٣٠ تشرين الأول ١٢٢١ م (٥). ولم ينس الكامل وقوف أخيه المعظم إلى جانبه في هذه المحنة العظيمة، ولعله في هذا الموطن قال لسبط ابن الجوزي مادحا له: ومن حفظ علي البلاد وأحياني بعد الموت غيره! (٦). وعمت البشائر برجوع دمياط إلى المسلمين (٧).

стр. 115

وتنافرت قلوب الإخوة - ١ - بعد هذا الانتصار العظيم في مصر على الصليبيين، رجع الأشرف موسى إلى بلاده في الشرق (١)، ورجع أخوه المعظم عيسى إلى دمشق (٢). وكان المعظم مزهوا بهذا الانتصار، لاعتقاده أن له اليد الطولى في إنجازه (٣)، ومن ثم تشوفت نفسه إلى توسيع مملكته بالشام بضم حمص وحماة إليها (٤)، ولعله ظن أن أخويه لمنزلته عندهما (٥) لن يمانعا في ذلك، فبات ينتظر الوقت المناسب لتحقيق ما عزم عليه. وقد بدا له أن الفرصة سنحت لتحقيق مآربه حين عن للأشرف سنة ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م أن يرجع إلى مصر متنزها، ويقيم عند أخيه الكامل (٦)، فتوجه المعظم إلى حماة بعساكره في ذي الحجة سنة ٦١٩ هـ/ كانون الثاني ١٢٢٣ م لمحاصرتها (٧)، تاركا صديقه سبط ابن الجوزي في دمشق يداوي ظهره إثر سقوطه عن هجين له نفر به في مشهد القدم، وهو يتهيأ للمسير مع القافلة إلى الحج (٨).

стр. 116

ووصلت أخبار حصار المعظم لحماة إلى أخويه الكامل والأشرف في مصر، فغضب الأشرف، وخاف أن يهدد المعظم بلاده في الشرق، فقال للكامل: إن تركنا المعظم يحاصر حماة ويأخذها تعدى إلى غيرها، وأطمعته نفسه بالاستيلاء على البلاد كلها، والمصلحة الإنكار عليه، وتهديده وتخويفه من مغبة فعله، والتقدم إليه بالرجوع إلى بلاده. فأرسل الكامل إلى المعظم بالرحيل عن حماة، فأسقط بيده، ولم يكن أمامه إلا السمع والطاعة لأخيه السلطان (١). فصالح صاحبها الناصر قليج أرسلان على مضض، ورحل مغضبا حانقا على أخويه. وابتدأت الوحشة بين المعظم وأخويه الكامل والأشرف (٢)، وأسلمته هذه الوحشة - وقد رأى اتفاقهما عليه - إلى التوهم منهما، وأنهما يخططان لقصد بلاده وانتزاعها منه (٣)، فازداد نفورا منهما (٤). * * * في غمرة تلك الأحداث يتزوج سبط ابن الجوزي سنة ٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م، وهو في نحو التاسعة والثلاثين من عمره، من زينب ابنة قاضي حماة أبي القاسم الحسين بن حمزة بن الحسين. ولا ندري هل هي أولى زوجاته، أم أنه خصها بالذكر لمنزلة أبيها؟ فقد كان كما وصفه - رجلا فاضلا سمحا، كريما، لا تنزل قدره عن النار، يضيف الخاص والعام، وما اجتاز بحماة أحد من الملوك والأكابر إلا وأضافه، وكان السلطان صلاح الدين بن أيوب يحبه ويحترمه. وكان لا يقبل بر أحد، لا من صلاح الدين ولا من غيره. فلما مات سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م، ترك ابنته زينب وهي صغيرة، فتزوجها حين بلغت رجل من أهل حماة، ثم مات عنها، فتزوجها سبط ابن الجوزي في ذلك العام (٥).

стр. 117

وكانت زينب صالحة دينة، متفقهة، سمعت الحديث من بعض مسندي عصرها. وورثت عن أبيها الكرم، إضافة إلى مهارتها في عمل ألوان الطبايخ والحلاوات، فصار أصدقاؤه من الملوك يرغبون في صنعتها، ويعجبهم طعامها (١). وأما المعظم فقد راح في تلك الأثناء يسعى للتحالف مع أعداء أخويه (٢)، وهو المحصور بينهما: الأشرف في الشمال والشرق، والكامل في مصر، وظهر له ذلك الحليف في أقصى الشرق. كان السلطان جلال الدين منكبرتي قد عاد إلى بلاده من الهند بعد أن قضى فيها نحو ثلاث سنين هاربا من التاتار (٣)، ووصل إلى كرمان سنة ٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م (٤)، ثم أعاد السيطرة على معظم بلاده (٥) بعد أن خفت عنها هجمات التاتار (٦). ولم يكن جلال الدين، طوال سنوات محنته، لينسى عداوته للخليفة الناصر لدين الله، فهو في رأيه السبب في هلاك أبيه السلطان علاء الدين محمد بن تكش، ومجيء التاتار إلى بلاده (٧). ومن ثم كان عازما على قصد بغداد في أول سانحة تسنح له (٨).

стр. 118

فلما استولى على أذربيجان سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م (١)، وجه من هناك القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخوارزمي رسولا إلى الأشرف والمعظم والكامل، يبلغهم تملكه أذربيجان، وعزمه على غزو بلاد الكرج، ورغبته في موالاتهم (٢). واهتبل المعظم هذه السفارة، فأرسل إلى جلال الدين الملق الصوفي رسولا إليه (٣)، صحبة القاضي مجير الدين (٤)، يخطب وده (٥). ويموت الخليفة الناصر لدين الله (٦) في آخر ليلة من شهر رمضان سنة ٦٢٢ هـ/ ٥ تشرين الأول ١٢٢٥ م، وهو يرى تنامي قوة عدوه اللدود جلال الدين، ويلي الخلافة بعده ابنه الظاهر بأمر الله (٧).

стр. 119

في تلك الأيام كان سبط ابن الجوزي في جامع الحنايلة بالصالحية يقرأ كتاب «غريب الحديث» لابن قتيبة على الشيخ بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي (١)؛ ابن عم الحافظ الضياء (٢)، بعد قدومه من نابلس (٣). وربما شاركته في القراءة عليه والسماع منه زوجته زينب بنت أبي القاسم (٤). ويسمع كذلك من أبي المجد محمد بن الحسين بن أبي المكارم أحمد القزويني «شرح السنة» و «معالم التنزيل» للحسين بن مسعود البغوي (٥). -٢ - وفي بغداد تزداد منزلة خاله محيي الدين يوسف ابن الجوزي علوا، فيرسله الخليفة الظاهر بأمر الله سنة ٦٢٣ هـ/ ١٢٢٦ م رسولا للمعظم، وهي سفارته الأولى إليه، ليثنيه عن تحالفه مع جلال الدين عدو الخلافة (٦)، وقد أمره أن يخاطب المعظم بشهريار الشام (٧). وينقل لنا سبط ابن الجوزي ما دار بينهما من حوار بهذا الشأن، كما حدثه به المعظم في خلوة من خلواته معه، وكأنه يعتذر له عن قبول هذه الوساطة قائلا له: «قال خالك: المصلحة رجوعك عن هذا الخارجي إلى إخوتك، ونصلح بينكم. فقلت له: إذا رجعت عن الخوارزمي وقصدني إخوتي، تنجدوني؟ قال: نعم. قلت: ما لكم عادة تنجدون أحدا، هذه كتب الناصر عندنا، ونحن على دمياط، ونحن نستصرخ به، فيجيء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم

стр. 120

يفعلوا. وقلت له: مثلي معكم كمثل رجل كان يخرج من وقت السحر من داره يصلي في المسجد، وبيده عكاز خوفا من الكلاب التي للمحلة، فقال له بعض أصدقائه: أنت شيخ كبير، وهذا العكاز يثقلك، وأنا أعلمك شيئا يغنيك عن حمله، قال: وما هو؟ قال: تقرأ سورة يس عند خروجك من الدار، وما يقربك كلب. وأقام مدة، فرأى الشيخ في بعض الليالي حامل العكاز فقال له: ما قد علمتك ما يغنيك عن حمله؟ فقال: هذا العكاز لكلب لا يعرف القرآن! وقد اتفق إخوتي علي، وقد أنزلت الخوارزمي على خلاط، إن قصدني الأشرف منعه، وإن قصدني الكامل في له» (١). وكان محيي الدين يوسف قد قدم بخلعة الخليفة، وكان رسول جلال الدين قد سبقه بيومين، ومعه خلعة وفرس وحربتان. فقال يوسف لابن أخته: أبصر أيش يعمل، إن لبس خلعة الخوارزمي قبل خلعة الخليفة كان وهنا علينا. فكتب سبط ابن الجوزي ورقة للمعظم، يعرفه فيها ما يجب من طاعة الإمام، ويقول له: إن خالي سألني في هذه القضية، فبيض وجه هذه الشفاعة. فكتب المعظم إليه: السمع والطاعة، مهما أمرت ما أخالف. وفعلا لبس المعظم خلعة الخليفة قبل خلعة جلال الدين، فسار إليه سبط ابن الجوزي بعد يومين ليشكره، وكان المعظم عند مشهد القدم، فبينا هو عنده إذ قدم خاله محيي الدين يوسف، فسلم عليه، فقال المعظم للسبط: تعال معي، فلي إليك شغل، وهذا خالك أريد أن أضيفه. ورجعوا جميعا حتى إذا وصلوا إلى قلعة دمشق، قال المعظم للسبط: فبالله ادخل معنا، واقعد ساعة. فدخل سبط ابن الجوزي، وعمل المعظم سماطا عظيما، فلما أكل خاله وانصرف، وتفرق الناس، وأذن للظهر، قال للمعظم: أيش قعودي؟ فقال المعظم: وأيش تم من الحوائج؟ قال السبط: فأنت من مشهد القدم تقول تقدم، وتقول الساعة: وأيش تم من الحوائج!

стр. 121

فقال له المعظم: هذا وأنت بغدادي! ما أردت إلا أن يرى خالك منزلتك عندي، فيحكي للخليفة ذلك. فدمعت عينا سبط ابن الجوزي، وقال له: حرام علي صحبة غيرك (١). ولم يكن سبط ابن الجوزي يرى تحالفه مع جلال الدين، وكان يقول للمعظم ناصحا له: «الله الله لا تغتر بالخوارزمي فما يدوم، والخلافة في بني العباس باقية، ومعاداة الخلفاء ما هي هينة» (٢). * * * ويتوفى الأمير شبل الدولة كافور بن عبد الله الحسامي؛ صديق سبط ابن الجوزي في رجب من هذه السنة؛ أي: سنة ٦٢٣ هـ/ تموز ١٢٢٦ م، ويوقف داره (٣)، وهي قبالة التربة البدرية (٤)، مدرسة لأصحاب أبي حنيفة، ويدفن في تربة إلى جانبها (٥). فيفوض المعظم إلى سبط ابن الجوزي تدريسها، ويحضر درسه عند افتتاحها أعيان دمشق، لا يتخلف منهم أحد (٦)، وممن كان يحضر دروسه فيها المحدث الفقيه ابن الصلاح (٧).

стр. 122

وفاة المعظم والصراع على دمشق - ١ - ولصرف المعظم عن تحالفه مع السلطان جلال الدين منكبرتي، رأى الكامل أن يلجأ إلى خطة قد تكون أنجع في فصم عرى هذا التحالف الذي اقترب خطره من مصر (١)، وينذر بزوال حكم البيت الأيوبي، وذلك بإشغال المعظم بخطر يتهدده، ويشعره بالحاجة إلى إخوته والاستعانة بهم، وهل غير الخطر الصليبي يفعل ذلك؟ فأرسل الكامل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ إلى الإمبراطور فريدريك الثاني، يدعوه للقدوم إلى عكا، ويعده بإعطائه بيت المقدس، وهو تابع للمعظم، وبعض البلاد الساحلية التي فتحها عمه السلطان صلاح الدين بن أيوب (٢). وحين بلغ المعظم خبر هذه السفارة، قرر عندئذ أن يقطع كل صلة له بالبيت الأيوبي، ويفزع إلى حليفه جلال الدين، مستنجدا به على أخيه الكامل، ويعده أن يدخل في طاعته، فيخطب له، ويضرب السكة باسمه. ووافق جلال الدين على هذه التبعية، وسير إليه خلعة، فلبسها المعظم، وشق بها سكك دمشق، معلنا انتماءه الجديد، وقطع خطبة الكامل (٣). * * *

стр. 123

وكانت هدنة الكامل مع الصليبيين تنتهي سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م (١)؛ أي: بعد نحو سنتين من الآن، وكانت الأخبار تصل إليه من هناك، كما تصل إلى المعظم (٢)، متحدثة عن إعداد حملة صليبية جديدة، يقودها الإمبراطور فردريك الثاني (٣). فمنذ هزيمة الصليبيين في دمياط سنة ٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م، قام الملك جان دي بريين بزيارة إلى أوربة، ملتمسا مساعدتها، وباحثا عن زوج لابنته يولاند التي ورثت عرش مملكة بيت المقدس بعد وفاة والدتها (٤)، وقد اختير الإمبراطور فردريك الثاني زوجا لها، وعقد قرانهما سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م (٥)، فأصبح فردريك بذلك إمبراطورا على ما يسمى مملكة بيت المقدس (٦). وبارك البابا هونوريوس الثالث هذا الزواج، آملا من ورائه أن يفي الإمبراطور أخيرا بوعوده، ويتوجه إلى الشرق بحملته الصليبية (٧). ومع أن الإمبراطور فردريك الثاني استقبل سفارة الكامل أحسن استقبال، إلا أنه لم يبذل وعودا في قبولها، إذ كان منهمكا في إعداد حملة صليبية قوية. ولكي يبقي باب المفاوضات مفتوحا، أرسل رسولا إلى القاهرة (٨)، ومعه هدية وتحف غريبة، فتلقاه الكامل بالقرب منها، وأكرمه إكراما زائدا، واهتم بتجهيز هدية سنية للإمبراطور، وعين للمسير بها الأمير جمال الدين ابن منقذ الشيزري (٩). ثم قدم رسول الإمبراطور هذا إلى دمشق، للاجتماع بالمعظم، وليتعرف إلى رأيه فيما عرضه أخوه الكامل؛ لأن بيت المقدس تابع له،

стр. 124

فأغلظ له المعظم في الجواب، قائلا، وهو يعرض بأخيه الكامل: قل لصاحبك، ما أنا مثل الغير، ما له عندي سوى السيف (١). وراح يجهز عساكره إلى نابلس، خوفا من اتفاق الكامل مع الإمبراطور (٢)، وفي أثناء ذلك وقع مريضا بالدوسنطاريا (٣) في منتصف شوال سنة ٦٢٤ هـ/ ٢٨ أيلول (١٢٢٧ م) (٤)، ثم ما لبث أن توفي في صبيحة يوم الجمعة الفاتح من ذي الحجة سنة ٦٢٤ هـ/ ١٢ تشرين الثاني ١٢٢٧ م (٥)، عن نحو سبع وأربعين سنة (٦). وكان يقول في مرضه: لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به (٧). وبكلمات تقطر بالألم يصور لنا صديقه سبط ابن الجوزي ساعاته الأخيرة، بقوله: «وآخر عهدي به ليلة الجمعة تاسع عشرين ذي القعدة، دخلت عليه آخر النهار، وعنده ولده الملك الناصر داود، وكريم الدين الخلاطي، ويعقوب الحكيم، وقد تغيرت أحواله، وطلع الموت في محاسن وجهه المليح، فبكيت، فقال: حاشاك، حاشاك. وتحته طراحة خفيفة، ومخدة ولحاف، وعلى رأسه كوفية، وعند رأسه صينية فيها تراب، فقلت

стр. 125

لكريم الدين: ما هذه؟ قال: يتيمم لكل صلاة. وكان المعظم يقول: والله ما فاتتني صلاة قط» (١). ثم يحدثه كريم الدين الخلاطي عن تلك الساعات التي أعقبت انصرافه، فيقول: بات تلك الليلة ساهرا، فغفت عينه قبل الفجر، وكان قد قام قياما عظيما، ففتح عينيه وقد كادت الشمس أن تطلع، فلم يقدر على التيمم، فصلى بالإيماء. وكان يقول: الموت خير من الحاجة إلى الناس، ويقول: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبدا» (٢)، وكم في منخري من تراب في سبيل الله (٣). ويفقد سبط ابن الجوزي بوفاة المعظم عيسى أعز أصدقائه من الملوك، ويتجلى حزنه عليه بما أغدق عليه من صفات، فقد «كان شجاعا، مقداما، كثير الحياء، متواضعا، مليح الصورة، ضحوكا، غيورا، جوادا، حسن السيرة والعشرة، محافظا على الصحبة والمودة» (٤). وينتشر خبر وفاته بدمشق، ويحزن عليه أهلها لحبهم له، فقد كان محسنا إليهم، ذابا عن حريمهم، رفيقا بهم، يعرف صغيرهم وكبيرهم. ويصور لنا سبط ابن الجوزي حزن أهل دمشق عليه بقوله: «وجرى على الرعية في وفاته ما لم يجر عليهم عند موت أحد من الملوك. ورأيت بنات البيوت اللواتي لم يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل يأتين إلى تحت القلعة، وقد شققن ثيابهن ونشرن شعورهن، يلطمن عليه، ثم يمشين في الأسواق، ويلطمن إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرا. وكذا في الميادين».

стр. 126

ويقام العزاء له في جامع دمشق ثلاثة أيام، ويتكلم سبط ابن الجوزي أول يوم في عزائه، فيتهدج صوته، ويغلبه البكاء على فراقه (١). ولعله عناه حين أجاز يوما بيت أبي العتاهية: وإني لمشتاق إلى ظل صاحب … يروق ويصفو إن كدرت عليه فيقول السبط: يوافقني في كل أمر أرومه … ويغفر ذنبي إن أسأت إليه (٢) وكان المعظم قد وصى أن يحمل إلى جبل قاسيون، ويدفن على باب تربة والدته تحت الشجرة، فلم تنفذ وصيته، ودفن في قلعة دمشق (٣). -٢ - لم تثن الكامل وفاة أخيه المعظم عن انتزاع دمشق من ابنه الناصر داود الذي ولي بعده، إذ كان عليه أن يحصد أخطاء سياسات أبيه، وتحالفه مع جلال الدين. وإلى أن تواتي الكامل اللحظة المناسبة لذلك، أرسل إليه في ٨ صفر سنة ٦٢٥ هـ/ ١٨ كانون الثاني ١٢٢٨ م منشور الولاية له (٤). وربما في خطوة يمهد بها لذلك أرسل الكامل إلى الناصر داود يرغب إليه أن يتنازل له عن قلعة الشوبك، ليجعلها خزانة له. فقابل الناصر داود هذه الرغبة بالرفض، وجاهر بالجفاء، وهذا ما كان الكامل يتوقعه، فشرع حينئذ في انتزاع دمشق منه (٥). وتجهز لمحاربته في شهر رجب سنة ٦٢٥ هـ/

стр. 127

أيار ١٢٢٨ م، واستناب على مصر ابنه الصالح نجم الدين أيوب، ومعه لتدبير أمورها الأمير يوسف بن شيخ الشيوخ (١). وخرج الكامل بعساكره من القاهرة يوم الأحد ١٩ شعبان سنة ٦٢٥ هـ/ ٢٥ تموز ١٢٢٨ م، فوصل إلى تل العجول، وأقام معسكره فيه (٢)، وبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل، وهي تابعة للناصر داود (٣)، فولاهم عليها (٤). وانزعج الناصر داود من استيلاء عمه الكامل على بلاده (٥)، وخاف أن يقصده، ويأخذ دمشق منه (٦)، فحلف عساكره، واستعد للحرب. وقدم لمؤازرته عمه الصالح إسماعيل بن العادل، والأمير عز الدين أيبك المعظمي، فقويت بهما نفسه (٧). ورأى الناصر داود أن يستعين بعمه الأشرف موسى كذلك، فأشار عليه الأمير عز الدين أيبك بمداراة الكامل، وقال له: لا تبعث إلى الأشرف، وداو الأخطر. فلم يلتفت الناصر إلى قوله (٨)، وأرسل إلى عمه الأشرف يستنجد به، ويطلب حضوره إلى دمشق (٩). فوجدها الأشرف فرصة لا تفوت، وطالما تشوف إليها، لما في قلبه من محبة لدمشق، وميل إلى تملكها، وكان يعمل على ذلك سرا (١٠). فأسرع إلى دمشق مع قلة من عساكره (١١)، تاركا جيشه في الشرق خوفا من جلال الدين (١٢). ووصل إليها في العشر الأخير من رمضان سنة ٦٢٥ هـ/ آب ١٢٢٨ م (١٣)، فزينت دمشق

стр. 128

لقدومه، وضربت بها البشائر، ونصبت القباب، وخرج الناصر داود لاستقباله (١). وكان الكامل قد سار إلى بيت المقدس، ثم قدم إلى نابلس (٢)، ونزل بدار المعظم فيها (٣)، وشحن تلك البلاد بالعساكر (٤). فلما بلغه قدوم أخيه الأشرف موسى إلى دمشق، رحل من نابلس، وعاد إلى معسكره في تل العجول (٥). * * * ويصل الإمبراطور فردريك الثاني بعد أيام إلى عكا في ٥ شوال سنة ٦٢٥ هـ/ ٧ أيلول سنة ١٢٢٨ م (٦). ويرسل فور وصوله رسولا إلى الكامل، وهو في تل العجول، يقول له: كان الجيد والمصلحة للمسلمين أن يبذلوا كل شيء، ولا أجيء إليهم، والآن فقد بذلتم لنائبي في زمان حصار دمياط الساحل كله، وإطلاق الحقوق بالإسكندرية، وما فعلنا. وقد فعل الله لكم ما فعل من ظفركم وإعادتها إليكم، ومن نائبي؟ إن هو إلا أقل غلماني، فلا أقل من إعطائي ما كنتم بذلتموه له. فتحير الكامل (٧)، وشعر بالضيق والحرج لاستغنائه عن الإمبراطور الآن؛ لأن السبب في استدعائه كان المعظم، وقد توفي، ولا يمكنه الآن دفعه ومحاربته، لما تقدم بينهما من السفارات، فاضطر إلى مراسلته وملاطفته (٨)، وعين الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ سفيرا بينهما (٩). وأما الأشرف فكان منشرح الصدر، فها هو الآن يقيم في دمشق، ويتنزه في بساتينها، وهي في الصيف في غاية النضارة وحسن الفواكه،

стр. 129

فيزداد تعلقه بها، ويتخذ خطوة لامتلاكها، فيرسل إلى أخيه الكامل رسولا من ثقاته، يشفع في العلن للناصر داود، ويطلب منه إبقاء دمشق عليه (١). أما في السر فيستعطفه، ويعرفه أنه ما جاء إلى دمشق إلا طاعة له، وموافقة لأغراضه (٢). فيلين الكامل لرجائه، ويخاطب رسوله بما فيه إطماع له بملك دمشق. فيطمئن الأشرف حينئذ لذلك، ويسعى لإخراج الناصر من دمشق تمهيدا لاستيلائه عليها، فيشير عليه إشارة الناصح المشفق بأن يمضي في صحبته إلى نابلس، ويتابع هو طريقه إلى الكامل، ويصلح الأمر معه. وبغفلة الواثق يجيبه الناصر داود إلى ذلك (٣). ويصلا إلى نابلس، فيقيم الناصر داود بها، ويرحل الأشرف إلى غزة للاجتماع بالكامل (٤). فيصل إليها ليلة عيد الأضحى ١٠ ذي الحجة سنة ٦٢٥ هـ/ ١٠ تشرين الثاني سنة (١٢٢٨ م) (٥). ويخرج الكامل لاستقباله، ويعود به إلى معسكره في تل العجول (٦). وكما هو متوقع، فقد تم الاتفاق أخيرا بين الكامل والأشرف على انتزاع دمشق من الناصر داود، وأن تكون للأشرف وما معها من البلاد إلى عقبة فيق (٧). وأن يتنازل للكامل من بلاده في الشرق عن حران والرقة والرها وسروج ورأس عين وجملين والموزر (٨). ويبلغ الناصر داود ما اتفق عليه عماه، فيرحل من نابلس عائدا إلى دمشق قلقا خائفا، ويستعد للحصار (٩).

стр. 130

تسليم الكامل القدس للصليبيين ومعاداة سبط ابن الجوزي له وإنكاره عليه - ١ - كان على الكامل أن يتم أمر الصلح مع الإمبراطور فردريك الثاني، ليتفرغ من بعد للناصر داود. وكان الإمبراطور متمسكا بما عرضه عليه الكامل قبل وفاة المعظم عيسى، من تسليم بيت المقدس إليه، مع بعض البلاد الساحلية التي فتحها عمه السلطان صلاح الدين بن أيوب (١). أما الآن، وقد تغيرت الأحوال، فإن الكامل لم يعد ملزما بما عرضه عليه، وفي الوقت نفسه لم يكن راغبا بالحرب، فهي إن اشتعلت قد تتسع، وتفسد عليه خططه في ترتيب البيت الأيوبي. وأقصى ما يمكن أن يقدمه للإمبراطور بيت المقدس دون المسجد الأقصى وقبة الصخرة، على أن يبقى سوره خرابا، وهو يعلم أن الصليبيين لا يمكنهم الامتناع به مع خراب سوره، وأنه يستطيع إخراجهم منه بيسر حين تستتب له الأمور (٢). وبعد مفاوضات طويلة، وتردد الرسل بينهما (٣)، أرسل الإمبراطور معلنا موافقته على الشروط النهائية للاتفاق (٤). وفي يوم الأحد ٢٢ ربيع الأول سنة ٦٢٦ هـ/ ١٨ شباط سنة ١٢٢٩ م حلف كل من الإمبراطور والكامل

стр. 131

على ما تم الاتفاق عليه (١). وينص الاتفاق على أن يأخذ الإمبراطور بيت المقدس ويبيعه على ما هو عليه من الخراب (٢)، لا يجدد فيه عمارة (٣)، ولا يجدد سوره (٤)، وأن يكون سائر قرى القدس للمسلمين، لا حكم فيها للفرنج، وأن الحرم بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى يكون بأيدي المسلمين، لا يدخله الفرنج إلا للزيارة فقط، ويتولاه قوام من المسلمين، ويقيمون فيه شعار الإسلام من الأذان والصلاة وأن تكون القرى التي بين عكا ويافا، وبين لد والقدس، بأيدي الفرنج دون ما عداها من قرى القدس (٥)؛ لأنها طريقهم إلى القدس، خشية أن يغتالهم أحد من المسلمين (٦). وعقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنين وخمسة أشهر وأربعون يوما، تبدأ في ٢٨ ربيع الأول سنة ٦٢٦ هـ/ ٢٤ شباط سنة ١٢٢٩ م (٧). ودافع الكامل عن هذا الاتفاق بقوله: إنا لم نسمح للفرنج إلا بكنائس وآدر خراب، والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله (٨). وغداة توقيع الاتفاق، بعث الكامل إلى القدس من ينادي بخروج المسلمين منه، وتسليمه للصليبيين. وكان المؤرخ ابن واصل الحموي مقيما فيه وقتئذ، وقد وصف لنا وقع ذلك على المسلمين، فقال: «لما نودي

стр. 132

بالقدس بخروج المسلمين، وتسليم القدس إلى الفرنج، وقع في أهل القدس الضجيج والبكاء، وعظم ذلك على المسلمين، وحزنوا لخروج القدس من أيديهم، وأنكروا على الكامل هذا الفعل واستشنعوه منه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف واستنقاذه من الكفار أعظم مآثر عمه الناصر صلاح الدين (١). ولم يكتف أهل القدس بذلك، بل إن الأئمة والمؤذنين فيه حضروا إلى مخيم الكامل في تل العجول، وأذنوا على بابه في غير وقت الأذان، تعبيرا عن رفضهم تسليم القدس. فعز عليه ذلك، وأمر بأخذ ما كان معهم من الستور والقناديل الفضة والآلات، وزجرهم، وقيل: امضوا إلى حيث شئتم. واشتد الإنكار على الكامل، وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار (٢). فأرسل الكامل جمال الدين الكاتب الأشرفي إلى البلاد الشرقية وإلى الخليفة لتسكين قلوب الناس، وتهدئة انزعاجهم لتنازله عن القدس (٣). وتم إخلاء بيت المقدس من المسلمين، وتسليمه للصليبيين في أول ربيع الآخر سنة ٦٢٦ هـ/ ٢٧ شباط ١٢٢٩ م (٤). - ٢ - ولما وصل إلى دمشق الخبر بإخلاء بيت المقدس توغرت قلوب أهلها على الكامل (٥)، وأخذ الناصر داود في التشنيع عليه. وأشار على سبط ابن الجوزي أن يجلس بجامع دمشق، ويذكر ما جرى على بيت المقدس (٦)، ويذكر فضائله، وما ورد فيه من الأخبار والآثار، وأن يحزن الناس، ويذكر ما في تسليمه إلى الكفار من الصغار للمسلمين والعار، قاصدا من وراء ذلك تنفير الناس من عمه، ليناصحوه في قتاله (٧).

стр. 133

وكان عند سبط ابن الجوزي من الغضب والألم لتسليم القدس، ما جعله يستجيب على الفور لما طلبه منه الناصر داود، ويحدثنا عن مجلسه ذاك، فيقول: «فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته. فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود على باب مشهد علي، وكان يوما مشهودا، ولم يتخلف من أهل دمشق أحد» (١). ويصدح صوت سبط ابن الجوزي في أرجاء الجامع، مستثيرا عواطف مستمعيه بعباراته، مزوقا كلامه بأسجاعه، وقد تعالى بكاؤهم، فكان مما قال: «انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات» (٢). وكان صديقه (٣) الرئيس الفاضل شهاب الدين أبو يوسف يعقوب بن محمد الشيباني الدمشقي، المعروف بابن المجاور (٤)، قد نظم قصيدة حسنة في رثاء بيت المقدس حين خرب المعظم سوره، وهج الناس منه (٥)، فرأى سبط ابن الجوزي أن الحال يقتضي إنشادها الآن، فمما قاله منها:

стр. 134

أعيني لا ترقي من العبرات … صلي بالبكا الآصال بالبكرات وأذري دموعا كالشرار يطيره … لهيب الحشا من عاصف الزفرات لعل سيول الدمع يطفئ فيضها … توقد ما في القلب من جمرات ويا فم بح بالشجو منك لعله … يروح ما ألقى من الكربات على المسجد الأقصى الذي جل قدره … على موطن الإخبات والصلوات على سلم المعراج والصخرة التي … أنافت بما في الأرض من صخرات على القبلة الأولى التي اتجهت لها … صلاة البرايا في اختلاف جهات ومنها: خلا من صلاة لا يمل مقيمها … توشح بالآيات والسورات خلا من جسوم بالعبادة نخل … ومن أوجه بالخوف ممتقعات خلا من أنين النادمين على الذي … بدا منهم من سالف الفرطات لتبك على القدس البلاد بأسرها … وتعلن بالأحزان والترحات ويختمها بقوله: أما علمت أبناء أيوب أنهم … بمسعاته عدوا من السروات وأن افتتاح القدس زهرة ملكهم … وهل ثمر إلا من الزهرات فمن لي بنواح ينحن على الذي … شجانا بأصوات لهن شجاة يرددن بيتا للخزاعي قاله … يؤبن فيه خيرة الخيرات مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي موحش العرصات (١) وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم، ولم ير في ذلك اليوم إلا باك أو باكية (٢).

стр. 135

رحيل سبط ابن الجوزي عن دمشق بعد تملك الأشرف لها - ١ - وسارع الأشرف عقيب الاتفاق مع الصليبيين بالمسير مع العساكر في ربيع الآخر سنة ٦٢٦ هـ/ آذار ١٢٢٩ م لحصار دمشق، ونزل وراء مسجد القدم (١)، ثم أحاط بها، محاصرا لها (٢). وقطع عنها أنهارها: باناس، والقنوات، ثم يزيد وثورا. ونهبت البساتين، وأحرقت الجواسق، وتأذت الأشجار من العطش (٣). فخرج إليه عسكر دمشق، وقاتلوه أشد قتال، وساعدهم في قتالهم أهل دمشق لمحبتهم للناصر داود حتى أعادوا الماء (٤). فراح الأشرف يستحث أخاه الكامل على الحضور (٥)، للتضييق على دمشق. فما إن اطمأن الكامل إلى رحيل الإمبراطور من عكا، حتى اتجه بعساكره من تل العجول نحو دمشق (٦)، فوصل إليها في ٩ جمادى الآخرة سنة ٦٢٦ هـ/ ٥ أيار ١٢٢٩ م، ونزل بالقرب من مسجد القدم، وأمر بإجراء نهري يزيد وثورا لأجل سقي الأراضي (٧)، وقطع عنها نهري باناس والقنوات (٨)، فاشتد الحصار، وعظم الخطب على أهل دمشق (٩)، لانقطاع

стр. 136

الماء عنهم، ومع ذلك لم يستسلموا، فكانوا لمحبتهم للناصر داود وأبيه المعظم، يخرجون مع العسكر، ويقاتلون أشد قتال (١). وكثرت القتلى والجرحى بين الفريقين، ووقع حريق ونهب من ناحية باب توما، وخربت بعض قرى الغوطة، ونزح عنها أهلها، منها جوبر وجديا وزملكا وسقبا، فانقطع الجلب عن دمشق من غوطتها، وأحرقت في الميدان الأخضر مدرسة أسد الدين شيركوه، وخانقاه خاتون وما يليها من الخانات والدور، وخربت خانقاه الطواويس (٢). وانحاز سبط ابن الجوزي في هذا الصراع بين ملوك بني أيوب للناصر داود، حتى إنه أفتى بوجوب قتال الأشرف والكامل على المنبر. وبلغتهما فتياه، فأرعدا وأبرقا، وتواعدا عليه وتهددا، على حد تعبيره. فلم يبال بغضبهما، وسلم أمره الله، قائلا: «فتوكلت على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، واعتمدت عليه، ومن يعتمد عليه يصف له شربه» (٣). وكان من أشد الأمور على الناصر داود قلة المال في خزائنه، فقد أودع أمواله بالكرك، ولثقته بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا (٤)، فنفد ما عنده، واضطر إلى ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها كلها حتى لم يبق لديه منها شيء. وطالت مدة الحصار (٥)، وكان أقسى حصار تشهده دمشق (٦)، وأصاب بعض عسكرها اليأس، فراحوا يلوذون بالكامل (٧)، حينئذ أدرك الناصر أنه لا قبل له بعمه الكامل، وأن الأصلح له الخروج إليه، ليرى فيه رأيه (٨).

стр. 137

فخرج إليه ليلة الأربعاء ١٤ رجب سنة ٦٢٦ هـ/ ٩ حزيران ١٢٢٩ م (١)، مع نفر يسير من أصحابه. ولما بلغ الكامل مجيئه خرج إليه وتلقاه، وأكرمه إكراما عظيما، وتحدث معه وباسطه، وطيب قلبه بعد أن عاتبه عتابا كبيرا، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق، فعاد إليها. وفي يوم الجمعة دخل القلعة الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، فصلى الجمعة بجامع القلعة، ثم خرج ومعه الناصر داود إلى الكامل، فتم الصلح بينهما، فأبقى عليه الكرك والشوبك وأعمالهما، والصلت والبلقاء والأغوار جميعها، ونابلس وأعمال القدس وبيت جبريل، وبقي للكامل الخليل وغزة وطبرية وعسقلان والرملة ولد وسائر الساحل الذي بأيدي المسلمين. وأقر الكامل الأمير عز الدين أيبك المعظمي على صرخد. ثم إن الناصر داود اضطر للتنازل عن الشوبك للكامل (٢)، وكان قد أظهر الحزن عليه، فقال له الكامل: أنا ما لي حصن يحمي رأسي، وهب أنك وهبتني إياه. فسكت على مضض (٣) ورجع الناصر داود إلى القلعة (٤)، وفتحت أبواب دمشق يوم الإثنين مستهل شعبان ٦٢٦ هـ/ ٢٥ حزيران ١٢٢٩ م (٥)، وهو أوان إقبال المشمش والفواكه. ومع أن أهل دمشق انفرج عنهم ما كانوا يعانونه من الضيق لانعدام الخضروات والفواكه والثلج عنهم، وانقطاع الماء، فقد وقع في قلوبهم من الحزن والأسف ما لا مزيد عليه، فتعالى بكاؤهم ونحيبهم، وهم يشاهدون دخول العسكر المصري من جميع الأبواب حتى امتلأت مدينتهم بهم، فكأن كل واحد منهم لحزنه قد فجع بموت ولد أو والد (٦). ورحل الناصر داود يوم الجمعة ١٢ شعبان/ ٦ تموز (٧) بأهله وإخوته

стр. 138

ومن يتعلق به من دمشق إلى الكرك (١). ودخلها الكامل وإخوته يوم الثلاثاء ١٦ شعبان/ ١٠ تموز، فزار قبر والده في المدرسة العادلية الكبرى (٢)، ثم خرج إلى مقامه بجوسق العادل، ثم دخل قلعة دمشق هو والأشرف يوم الخميس ١٨ شعبان/ ١٢ تموز (٣). ولما تسلم الكامل دمشق سلمها إلى أخيه الأشرف (٤)، فأقام بها (٥). ورحل الكامل في ١٩ رمضان ٦٢٦ هـ/ ١١ آب ١٢٢٩ م (٦) إلى حماة (٧)، ثم تابع طريقه إلى الديار الجزرية (٨). وكان الحاجب حسام الدين علي - نائب الأشرف في خلاط - قد أرسل إلى الأشرف، حين بلغه اتفاقه مع أخيه الكامل، ينكر عليه التخلي عن بعض بلاده في الشرق مقابل دمشق. فوقع كتابه بيد الكامل، وكان غاضبا منه لأمور بدرت منه، فكتب الكامل كتابا إلى عز الدين أيبك الأشرفي بخلاط يأمره بقتله، ودفع الكتاب إلى الأشرف ليعلم عليه بخاتمه؛ فلم يمكنه الامتناع، وعلم على الكتاب قائلا: «مسكين الحاجب علي كتب الكامل كتابا لهلاكه، وعلمت عليه» (٩). ولا يفوت سبط ابن الجوزي هذه الفرصة، لينفس عما في قلبه تجاه صديقه القديم، فيكتب مشنعا عليه فعله: «سبحان الله، كيف سمحت نفس الأشرف بهلاك رجل مسلم قد خدمه مدة سنين، وحفظ بلاده من السلاطين، وكسر جيوش المخالفين! وكان الأشرف يكون تارة بمصر، وتارة بالشام، والحاجب علي يسوس الملك بتدبيره على أحسن نظام، وما خان

стр. 139

الحاجب في درهم ولا دينار، ولا قصر في خدمة آناء الليل وأطراف النهار، ولكن حبه لدمشق هو الذي هون عليه هلاك الحاجب، وأنساه خدمة المشفق الصاحب» (١). - ٢ - وينزوي سبط ابن الجوزي في زاويته بالتربة البدرية، لا يكاد يبرحها، متجنبا اللقاء بحاكم دمشق الجديد الملك الأشرف موسى، حياء منه، لأياديه التي سلفت لديه أيام مقامه عنده في بلاده (٢). وكان الأشرف كذلك متجافيا عنه، لتأليبه الناس في جامع دمشق، وتشنيعه على تسليم القدس للصليبيين (٣). وسر لهذا الجفاء بينهما الفقيه الواعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم الحنبلي، إذ طالما كان متشوفا لمنزلة سبط ابن الجوزي في الوعظ، فصعد إلى قلعة دمشق، وسأل الأشرف أن يجلس في جامع دمشق، قائلا له: أريد أذكر فضائل السلطان، وما أولى الناس من العدل. ولندع سبط ابن الجوزي يحدثنا عما جرى، مظهرا شيئا من التشفي من خصمه العتيد، فيقول: «وكان مقصوده أن يأتي بعكس ما أتيت به ليتقدم عند الأشرف، ثم قال: وأريد السلطان يحضر عندي. فقال: أنا اشتغالي كثير، بلى السلطان الصالح إسماعيل يحضر عندك وعماد الدين بن موسك. وجلس بباب المشهد في المكان الذي يجلس فيه الصالح والعماد في القبة، وشرع في الكلام وبالغ، وقال وأطال، ولم يخشع قلب، ولم تدمع عين، ووقع في شمل المجلس الشتات والبين. وكان من عادتي يوم الخميس أن لا أنزل حتى تصل الشمس.

стр. 140

إلى المنبر، وقد ألف الناس ذلك، فهم به أخبر، فقال عماد الدين للصالح: متى تنزل إلى موضعها؟ فقال الصالح: الشمس ترديه. وقاموا، وحكوا للأشرف صورة المجلس، فأعجبه جواب الصالح، وقال: والله صدقت» (١) * * * وبقي الأشرف على جفائه له، واستمر سبط ابن الجوزي في عزلته، حتى إنه لم يشهد تشييع صديقه الملك المعظم حين أخرجوا تابوته من القلعة في مستهل المحرم سنة ٦٢٧ هـ/ تشرين الثاني ١٢٢٩ م ليدفنوه في تربته، وكان تشييعه على حال غير مرضي على ما بلغه فلم يوقد بين يدي نعشه كما جرت العادة سوى نصف شمعة. ولم يحضر عزاءه في جامع دمشق (٢) ولما أهل شهر رجب سنة ٦٢٧ هـ/ ١٦ أيار ١٢٣٠ م، وهو موعد بدء جلوسه في جامع دمشق للوعظ من كل عام، في كل سبت حتى نهاية شهر رمضان (٣)، بادر إلى جامع دمشق، وراح الناس كعادتهم يتسابقون إلى مجلسه، بيد أن ما بينه وبين الأشرف من الوحشة كان يمنعه من الدعاء له (٤). ويتفق خروج الأشرف من دمشق، متحالفا مع السلطان علاء الدين كيقباذ؛ سلطان سلاجقة الروم، لقتال السلطان جلال الدين منكبرتي بعد تعاظم نفوذه (٥). وقد استخلف عليها أخاه الصالح إسماعيل بن العادل (٦). ويصل الأشرف إلى سيواس، ويجتمع فيها بالسلطان علاء الدين كيقباذ (٧)، ثم يسيران حتى يصلا إلى صحراء أشهر (٨). فيركب إليهما

стр. 141

السلطان جلال الدين، طاويا المنازل طيا، لا يلوي على شيء (١) حتى يقرب من أرزنجان قبيل وصولهم إليها، فيقيم هناك (٢). ويحجز بين الجيشين جبل وإلى جانبه واد عظيم (٣). ومع الصباح الباكر من يوم السبت ٢٨ رمضان سنة ٦٢٧ هـ/ ٩ آب ١٢٣٠ م (٤)، والضباب يغشى المكان، قطع جلال الدين إليهم الوادي، ووقف على رأس جبل (٥)، وأشرف على عساكر علاء الدين والأشرف (٦)، فهالته كثرتهم، ولا سيما حين رأى عسكر الأشرف، فقد شاهد من تجملهم وفراهة دوابهم وحسن سلاحهم ما ملأ صدره هيبة منهم (٧). وأنشب القتال الأمير عز الدين عمر بن علي، مقدم جيش الأشرف، وهو من أمراء حلب المشهود لهم بالشجاعة (٨)، وتمكن جيش علاء الدين والأشرف، وقد باشر القتال بنفسه (٩) أن ينزل عساكر جلال الدين عن الجبل، وتوالت الحملات عليهم، فلم يثبتوا (١٠)، فأمر جلال الدين بقتل من فر من جيشه كي يثبت الباقي (١١)، فوقعوا بين قتيل وأسير (١٢)، ثم ولوا منهزمين، لا يلوي الأخ على أخيه (١٣)، وألجأهم ريح عاصف (١٤)، وخوف الموت (١٥) إلى واد ضيق (١٦)، وقد أعمى الضباب أبصارهم، فتردى

стр. 142

معظمهم في قعر الوادي (١) متهافتين من حر الطلب (٢)، فهلكوا (٣). وانطلق جلال الدين هاربا مع ما بقي من عساكره نحو خلاط (٤). * * * في يوم المعركة هذا، وهو السبت الأخير من رمضان - وفيه يختم سبط ابن الجوزي مجالس وعظه في جامع دمشق - حضر الصالح إسماعيل؛ نائب الأشرف، فقال لنجم الدين بن سلام: قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر. فأشار نجم الدين إليه، فدعا السبط له، وأمن الجماعة. وهنا وقع أمر من العجائب، على حد تعبيره، فلنستمع إليه، وهو يحدثنا عنه بقوله: «فثار في ساعة الدعاء ضباب عظيم، وغشي أهل المجلس ما غيبهم، وغبت أنا أيضا، فلما أفقت، قلت: نصر الأشرف اليوم. فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأن الضباب الذي كان عندنا كان عندهم، وأنهم نصروا في الساعة التي دعونا فيها» (٥). ولم ينتظر سبط ابن الجوزي إياب الأشرف إلى دمشق ظافرا، فقد آثر الرحيل عنها إلى الكرك، ليقيم عند الناصر داود؛ ابن صديقه الأثير (٦).

стр. 143

رجوعه إلى دمشق وعودة وده القديم مع الأشرف - ١ - لم تكن الكرك، وهي البلدة الصغيرة، تصلح لإقامة واعظ كبير كسبط ابن الجوزي، فراح يتردد بينها وبين القدس ونابلس، واستمر على ذلك نحو ست سنين (١). وكان يقيم بالكرك الشيخ شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، ملازما للناصر داود، وهو تلميذ المفسر أبي المعالي محمد بن عمر، المعروف بفخر الدين الرازي، فكان سبط ابن الجوزي يجالسه، فيحدثه عبد الحميد عن فضائل شيخه فخر الدين، وحسن عشرته، واعتنائه بالملة الإسلامية، نافيا عنه ما أشاعه خصومه من انحرافات. وقد أعجب سبط ابن الجوزي بعبد الحميد وتواضعه، وحسن سمته، فوصفه فيما بعد بقوله: «كان صديقنا الخسروشاهي من كبار الأماثل، جمع أشتات الفضائل، عاقلا، رئيسا، دينا، صالحا، متمسكا بالدين، سالكا طريق السلف الصالحين» (٢).

стр. 144

بيد أن إقامته الطويلة كانت إذ ذاك بالقدس، وكان يتفق له في أثناء إقامته فيها دخول كنيسة القيامة - التي يقال لها كذلك كنيسة القمامة - ولا سيما في يوم الفضح، ويحضر سبت النور، وكان يسمى عيد النور، وقد شغل زمنا في البحث عن مصدر ذلك النور الذي ينبعث فجأة في الكنيسة تلك الليلة، حتى وقف أخيرا على سره، وقد باح لنا بما رآه، فقال: «في وسط القمامة قبة فيها قبر يعتقد النصارى أن المسيح ﷺ صلب ودفن فيه، ثم ارتفع إلى السماء، فإذا كانت ليلة السبت في السحر دخلوا إلى هذه القبة، فغسلوا قناديلها، ولهم فيها طاقات مدفونة في الرخام، وفي الطاقات قناديل قد أوقدت من السحر، وللقبة شبابيك، فإذا كان وقت الظهر اجتمع أهل دين النصرانية من كل فج عميق، وجاء الأقساء فدخلوا القبة، وطاف النصارى من وقت الظهر حولها يتوقعون نزول النور، فإذا قارب غروب الشمس تقول الأقساء: إن المسيح ساخط عليكم. فيضجون ويبكون، ويرمون على القبر الذهب والفضة والنياب، فتحصل لهم جملة كبيرة، ويردد القسيس هذا القول وهم يبكون ويضجون ويرمون ما معهم، فإذا غربت الشمس أظلم المكان، فيغافلهم بعض الأقساء، ويفتح طاقة من زاوية القبة بحيث لا يراه أحد، ويوقد شمعة من بعض القناديل، ويصيح: قد نزل النور، ورضي المسيح. وتخرج الشمعة من بعض الشبابيك، فيضجون ضجة عظيمة، ويقولون: نزل النور. ويوقدون الفوانيس، ويحملون هذه النار إلى عكا وصور وجميع بلد الفرنج حتى رومية والجزائر، وقسطنطينية وغيرها، تعظيما لها» (١). وحدثه ذات يوم بعض المجاورين بالقدس: أن صلاح الدين لما فتح القدس وجاء يوم الفضح، دخل القبة التي فيها القبر، وقال: أريد أن أشاهد نزول النور. فقال له البطرك: تريد أن تضيع علينا وعليك أموالا عظيمة

стр. 145

بقعودك عندنا، فإن أردت المال فقم عنا! فقام، فما بلغ باب القبة حتى صاحوا: نزل النور (١). ولا ندري صحة ما رواه لنا سبط ابن الجوزي عن جماعة من أصحاب صلاح الدين، من أنه عزم على تخريب كنيسة القمامة، وتعفية أثرها، قائلا لأعيان دولته: نحضر البطرك والأقساء والنصارى، ونحفر مكان القبر حتى يطلع الماء، ونرمي التراب في البحر، ونقول: هذا تراب قبر إلهكم، لتنقطع أطماعهم عن زيارته، ونستريح منهم. فقالوا له: إن أطماعهم لا تنقطع بهذا، وليس مرادهم مكان القبر، إنما هم يعتقدون في نفس القدس، وقمامة عندهم أفضل من غيرها، وربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية والمساجد التي في بلادهم، وقتلوا من عندهم من المسلمين. ثم إنهم يصانعونك على القدس لأجل قمامة، فإذا فعلت ذلك زال ما يصالحونك لأجله، ثم تبطل عليك أموال عظيمة، فتنضر وهم لا ينضرون. فسكت عن خرابها (٢). - ٢ - وفي غياب سبط ابن الجوزي عن دمشق يتطلع الشيخ المحدث تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح إلى محله في الوعظ، ويبلغ ذلك الملك الأشرف موسى، فيقول له: لا تفعل، فإنك لا تقدر أن تكون مثل شمس الدين ابن الجوزي، ودونه فما يرضى لك. فيترك ذلك (٣). ويستمر سبط ابن الجوزي على تنقله ما بين الكرك والقدس حتى يقرر العودة فجأة إلى دمشق في منتصف سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م (٤)، كما قرر من قبل
следующие страницы →