← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

السلطان جلال الدين، طاويا المنازل طيا، لا يلوي على شيء (١) حتى يقرب من أرزنجان قبيل وصولهم إليها، فيقيم هناك (٢). ويحجز بين الجيشين جبل وإلى جانبه واد عظيم (٣). ومع الصباح الباكر من يوم السبت ٢٨ رمضان سنة ٦٢٧ هـ/ ٩ آب ١٢٣٠ م (٤)، والضباب يغشى المكان، قطع جلال الدين إليهم الوادي، ووقف على رأس جبل (٥)، وأشرف على عساكر علاء الدين والأشرف (٦)، فهالته كثرتهم، ولا سيما حين رأى عسكر الأشرف، فقد شاهد من تجملهم وفراهة دوابهم وحسن سلاحهم ما ملأ صدره هيبة منهم (٧). وأنشب القتال الأمير عز الدين عمر بن علي، مقدم جيش الأشرف، وهو من أمراء حلب المشهود لهم بالشجاعة (٨)، وتمكن جيش علاء الدين والأشرف، وقد باشر القتال بنفسه (٩) أن ينزل عساكر جلال الدين عن الجبل، وتوالت الحملات عليهم، فلم يثبتوا (١٠)، فأمر جلال الدين بقتل من فر من جيشه كي يثبت الباقي (١١)، فوقعوا بين قتيل وأسير (١٢)، ثم ولوا منهزمين، لا يلوي الأخ على أخيه (١٣)، وألجأهم ريح عاصف (١٤)، وخوف الموت (١٥) إلى واد ضيق (١٦)، وقد أعمى الضباب أبصارهم، فتردى

стр. 142

معظمهم في قعر الوادي (١) متهافتين من حر الطلب (٢)، فهلكوا (٣). وانطلق جلال الدين هاربا مع ما بقي من عساكره نحو خلاط (٤). * * * في يوم المعركة هذا، وهو السبت الأخير من رمضان - وفيه يختم سبط ابن الجوزي مجالس وعظه في جامع دمشق - حضر الصالح إسماعيل؛ نائب الأشرف، فقال لنجم الدين بن سلام: قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر. فأشار نجم الدين إليه، فدعا السبط له، وأمن الجماعة. وهنا وقع أمر من العجائب، على حد تعبيره، فلنستمع إليه، وهو يحدثنا عنه بقوله: «فثار في ساعة الدعاء ضباب عظيم، وغشي أهل المجلس ما غيبهم، وغبت أنا أيضا، فلما أفقت، قلت: نصر الأشرف اليوم. فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأن الضباب الذي كان عندنا كان عندهم، وأنهم نصروا في الساعة التي دعونا فيها» (٥). ولم ينتظر سبط ابن الجوزي إياب الأشرف إلى دمشق ظافرا، فقد آثر الرحيل عنها إلى الكرك، ليقيم عند الناصر داود؛ ابن صديقه الأثير (٦).

стр. 143

رجوعه إلى دمشق وعودة وده القديم مع الأشرف - ١ - لم تكن الكرك، وهي البلدة الصغيرة، تصلح لإقامة واعظ كبير كسبط ابن الجوزي، فراح يتردد بينها وبين القدس ونابلس، واستمر على ذلك نحو ست سنين (١). وكان يقيم بالكرك الشيخ شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، ملازما للناصر داود، وهو تلميذ المفسر أبي المعالي محمد بن عمر، المعروف بفخر الدين الرازي، فكان سبط ابن الجوزي يجالسه، فيحدثه عبد الحميد عن فضائل شيخه فخر الدين، وحسن عشرته، واعتنائه بالملة الإسلامية، نافيا عنه ما أشاعه خصومه من انحرافات. وقد أعجب سبط ابن الجوزي بعبد الحميد وتواضعه، وحسن سمته، فوصفه فيما بعد بقوله: «كان صديقنا الخسروشاهي من كبار الأماثل، جمع أشتات الفضائل، عاقلا، رئيسا، دينا، صالحا، متمسكا بالدين، سالكا طريق السلف الصالحين» (٢).

стр. 144

بيد أن إقامته الطويلة كانت إذ ذاك بالقدس، وكان يتفق له في أثناء إقامته فيها دخول كنيسة القيامة - التي يقال لها كذلك كنيسة القمامة - ولا سيما في يوم الفضح، ويحضر سبت النور، وكان يسمى عيد النور، وقد شغل زمنا في البحث عن مصدر ذلك النور الذي ينبعث فجأة في الكنيسة تلك الليلة، حتى وقف أخيرا على سره، وقد باح لنا بما رآه، فقال: «في وسط القمامة قبة فيها قبر يعتقد النصارى أن المسيح ﷺ صلب ودفن فيه، ثم ارتفع إلى السماء، فإذا كانت ليلة السبت في السحر دخلوا إلى هذه القبة، فغسلوا قناديلها، ولهم فيها طاقات مدفونة في الرخام، وفي الطاقات قناديل قد أوقدت من السحر، وللقبة شبابيك، فإذا كان وقت الظهر اجتمع أهل دين النصرانية من كل فج عميق، وجاء الأقساء فدخلوا القبة، وطاف النصارى من وقت الظهر حولها يتوقعون نزول النور، فإذا قارب غروب الشمس تقول الأقساء: إن المسيح ساخط عليكم. فيضجون ويبكون، ويرمون على القبر الذهب والفضة والنياب، فتحصل لهم جملة كبيرة، ويردد القسيس هذا القول وهم يبكون ويضجون ويرمون ما معهم، فإذا غربت الشمس أظلم المكان، فيغافلهم بعض الأقساء، ويفتح طاقة من زاوية القبة بحيث لا يراه أحد، ويوقد شمعة من بعض القناديل، ويصيح: قد نزل النور، ورضي المسيح. وتخرج الشمعة من بعض الشبابيك، فيضجون ضجة عظيمة، ويقولون: نزل النور. ويوقدون الفوانيس، ويحملون هذه النار إلى عكا وصور وجميع بلد الفرنج حتى رومية والجزائر، وقسطنطينية وغيرها، تعظيما لها» (١). وحدثه ذات يوم بعض المجاورين بالقدس: أن صلاح الدين لما فتح القدس وجاء يوم الفضح، دخل القبة التي فيها القبر، وقال: أريد أن أشاهد نزول النور. فقال له البطرك: تريد أن تضيع علينا وعليك أموالا عظيمة

стр. 145

بقعودك عندنا، فإن أردت المال فقم عنا! فقام، فما بلغ باب القبة حتى صاحوا: نزل النور (١). ولا ندري صحة ما رواه لنا سبط ابن الجوزي عن جماعة من أصحاب صلاح الدين، من أنه عزم على تخريب كنيسة القمامة، وتعفية أثرها، قائلا لأعيان دولته: نحضر البطرك والأقساء والنصارى، ونحفر مكان القبر حتى يطلع الماء، ونرمي التراب في البحر، ونقول: هذا تراب قبر إلهكم، لتنقطع أطماعهم عن زيارته، ونستريح منهم. فقالوا له: إن أطماعهم لا تنقطع بهذا، وليس مرادهم مكان القبر، إنما هم يعتقدون في نفس القدس، وقمامة عندهم أفضل من غيرها، وربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية والمساجد التي في بلادهم، وقتلوا من عندهم من المسلمين. ثم إنهم يصانعونك على القدس لأجل قمامة، فإذا فعلت ذلك زال ما يصالحونك لأجله، ثم تبطل عليك أموال عظيمة، فتنضر وهم لا ينضرون. فسكت عن خرابها (٢). - ٢ - وفي غياب سبط ابن الجوزي عن دمشق يتطلع الشيخ المحدث تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح إلى محله في الوعظ، ويبلغ ذلك الملك الأشرف موسى، فيقول له: لا تفعل، فإنك لا تقدر أن تكون مثل شمس الدين ابن الجوزي، ودونه فما يرضى لك. فيترك ذلك (٣). ويستمر سبط ابن الجوزي على تنقله ما بين الكرك والقدس حتى يقرر العودة فجأة إلى دمشق في منتصف سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م (٤)، كما قرر من قبل

стр. 146

مغادرتها. ويطوي عنا سبب عودته إليها، مجتزئا بالقول: «ثم جرت أسباب أوجبت قدومي إلى دمشق» (١). ويبدو أن سبط ابن الجوزي قد اضطر إلى العودة إليها. ولعل من أهم أسبابها عزم من كان يقيم بكنفه، وهو الناصر داود؛ صاحب الكرك على السفر إلى بغداد، واعتصامه بالخليفة المستنصر بالله، لخوفه من قصد عمه الكامل له، بعد فساد العلاقة بينهما (٢). وهي أسباب تنفي دعوة الأشرف له، ولذلك ظل سبط ابن الجوزي حانقا عليه، لإهماله له، على ما كان بينهما من مودة، فلزم بيته بعد عودته، ولم يسع إلى لقائه، والتقرب إليه. وقد عبر عما يعانيه من ضيق في تلك الأيام بأبيات نظمها، وراح يرويها لمن يزوره من العلماء، وهي: عليك اعتمادي يا مفرج كربتي … ويا مؤنسي في وحدتي عند شدتي ويا من نقضت العهد بيني وبينه … مرارا فلم يظهر علي فضيحتي أغثني فإني قد عصيتك جاهلا … أغثني فقد طالت بذنبي بليتي فلو أن لي عينا تسح بأدمع … لنحت على نفسي وطالت نياحتي ولكن ذنوبي أرهبتني جراحها … فقلت دموعي من شقائي وقسوتي فأصبحت مأسورا بذنبي مقيدا … فوا سوء حالي من بلائي وغفلتي (٣) ويبدو أن يد الزمن قد محت ما في قلب الأشرف من جفاء له، ورأى من حسن السياسة كذلك أن يستميله إلى جانبه لما له من منزلة في قلوب الدمشقيين، فأظهر السرور بقدومه، وخف إلى زيارته، وأحسن إليه، وحرص أشد الحرص على إرضائه. ولم يكن إرضاؤه سهلا، فقد استعصم

стр. 147

سبط ابن الجوزي بعزة العالم، وتمادى في تأبيه عليه وامتناعه. حتى إن الأشرف زيادة في إكرامه، فصل له خلعة سنية ليلبسها، فامتنع من لبسها، فأصر عليه الأشرف أن يلبسها ولو ساعة، ليعلم الناس أنه قد رضي، وزال ما كان بينهما من وحشة. ثم بعث له بغلته الخاص، وعشرة آلاف درهم (١). وكان الأشرف قد شرع سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م ببناء مسجد بعد هدمه خان الزنجاري؛ وكان خانا مشهورا بالفجور والخواطئ وشرب الخمر (٢)، وفيه جميع أسباب الملاذ، ويجري فيه ما لا يحد ولا يوصف. وكان قيل للأشرف عنه: إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين (٣). فتم جامعا كبيرا حسنا (٤)، فسماه الناس «جامع التوبة»، كأنه تاب إلى الله تعالى، وأناب مما كان فيه (٥). وبعد عصر يوم عرفة (٦) سنة ٦٣٣ هـ/ ١٢٣٦ م، جلس فيه سبط ابن الجوزي للوعظ، وحضر مجلسه الأشرف موسى (٧)، وبكى بكاء شديدا تأثرا بما يسمع، وأعتق مماليكه وجواريه (٨). ثم التفت إلى سبط ابن الجوزي حين انتهى المجلس، قائلا له: قد رجع الحق إلى نصابه، ومثلك يصلح أن يكون في خرائب نابلس والقدس والكرك! والله إن دمشق تغار عليك أن تكون في غيرها (٩). وهكذا عاد الود القديم بين الصديقين، فصار الأشرف يزوره في بيته (١٠)، ويستفتيه فيما يشكل عليه من أحكام (١١)، ويستعين به في التقرب من بعض العلماء.

стр. 148

من ذلك ما وقع للأشرف مع الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مسألة كلام الله تعالى، والخلاف فيها مشهور بين الأشاعرة والحنابلة، وكان الأشرف يميل إلى رأيهم، ويتعصب له. فلما زال ما بينهما صار الأشرف يطلب أن يقرأ عليه تصانيف الشيخ عز الدين الصغار، مثل رسالته «مقاصد الصلاة». وذات يوم دخل سبط ابن الجوزي عليه، فناوله الأشرف «مقاصد الصلاة»، وقال له: اقرأها. فقرأها بين يديه واستحسنها، وقال: لم يصنف أحد مثلها. فقال له الأشرف: طرز مجلسك الآتي بذكرها، وحرض الناس عليها. فلما كان مجلس وعظه صعد سبط ابن الجوزي المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، وقال: اعلموا أن أفضل العبادات البدنية الصلاة، وهي صلة بين العبد وربه، فعليكم بمقاصد الصلاة، تصنيف ابن عبد السلام، فاسمعوها وعوها واحفظوها، وعلموها أولادكم، ومن يعز عليكم. فكان لكلامه وقع عظيم، وكتب منها من النسخ ما لا يحصى عدده (١). وتمضي الأيام به في صحبة الأشرف، وهو في أرغد عيش، وأحسن حال، وأهنأ بال، على حد تعبيره (٢). * * * ولم تدم طويلا هناءة باله، ورغد عيشه، إذ ألم بالأشرف مرض في رجب سنة ٦٣٤ هـ/ آذار ١٢٣٧ م، فصار سبط ابن الجوزي من عواده كل يوم (٣). وطال مرض الأشرف (٤) واشتد، وأخذت قواه في الضعف والانحلال (٥)، حتى إنه أحس بدنو أجله، فقال له سبط ابن الجوزي ذات

стр. 149

يوم: استعد للقاء الله، فما يضرك. فأجابه الأشرف: لا والله، بل ينفعني (١). ثم التفت إلى وزيره جمال الدين بن جرير، قائلا له: يا جمال الدين، في أيش تكفنوني؟ فقال: حاشاك من ذلك. فقال: دعني من هذا، فما بقي في قوة تحملني أكثر من نهار غد، وتواروني (٢). ثم طلب منه أن يكفنوه بثياب المشايخ الصالحين الذين التقاهم، وكان يحفظها لمثل هذا اليوم. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. وفاضت روحه إلى بارئها نهار يوم الخميس ٤ المحرم سنة ٦٣٥ هـ/ ٢٨ آب ١٢٣٧ م، عن نحو ستين سنة (٣).

стр. 150

إقامته بالقدس بعيد وفاة الأشرف واضطراب الأوضاع في دمشق -١ - وهكذا يجد سبط ابن الجوزي نفسه عقيب وفاة الأشرف ألا مكان له بدمشق، فيفارقها (١) إلى القدس (٢)، نائيا بنفسه عما قد يقع فيها من الاضطرابات. فقد كان يخيم على دمشق في تلك الأيام ترقب وحذر مما سيقع، إذ إن علاقة الأشرف بأخيه الكامل قد ساءت قبيل وفاته، لأمور نقمها عليه (٣). وعين أخاه الصالح إسماعيل بن العادل وليا لعهده (٤). فهل سيقبل الكامل، وهو كبير البيت الأيوبي، بقاء دمشق خارج سلطانه؟ وما كان يخشى منه سرعان ما وقع، فما إن بلغ الكامل وفاة الأشرف حتى شرع على الفور في إعداد العدة للمسير إلى دمشق للاستيلاء عليها. وشرع الصالح إسماعيل كذلك يستعد لحصارها المرتقب (٥). ومع صباح يوم الخميس ٢٣ صفر سنة ٦٣٥ هـ/ ١٥ تشرين الأول ١٢٣٧ م، خرج الكامل بعساكره من القاهرة، بعد أن استناب عليها ابنه العادل (٦).

стр. 151

ويبدو أن الشتاء أعاق عساكر الكامل، فلم تصل إلى دمشق إلا بعد نحو شهر من خروجها، وذلك في ٢٣ ربيع الأول سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢ تشرين الثاني ١٢٣٧ م، وكانت قد تحصنت (١)، وسدت أبوابها إلا باب الفرج وباب النصر، ونصبت عليها المجانيق (٢)، وجاءتها النجدات (٣). فأحدقت العساكر المصرية بها، ونزل الكامل عند مسجد القدم، ورد ماء بردى إلى ثورا، فقطع المياه عن دمشق (٤)، وضايقها حتى غلت الأسعار، وألح على أهلها بالقتال (٥). وخاف الصالح إسماعيل أن يستولى على أحيائها خارج السور، فخرج من غد ذلك اليوم بالحراقة والنفاطين، فأحرق العقيبة، وما فيها من الخانات والأسواق والدور (٦) والطواحين، وأحرق قصر حجاج والشاغور، وخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد مثله، حتى إن بعض أهلها احترقوا في دورهم (٧). ولما اشتد الحصار على دمشق في قوة الشتاء والبرد (٨)، أذعن الصالح إسماعيل بتسليمها إلى أخيه الكامل على أن يعوض عنها بعلبك والبقاع مضافا إلى بصرى والسواد، فأجابه الكامل إلى ذلك. وكان السفير بينهما خال سبط ابن الجوزي الصاحب محيي الدين يوسف؛ رسول الخليفة المستنصر بالله، وقد قدم من بغداد ليوفق بينهما، ويزيل ما وقع من الخلاف (٩). وتسلم الكامل دمشق في يوم الأربعاء ١٠ جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ/ ٢٩ كانون الأول ١٢٣٧ م (١٠)، وسار الصالح إسماعيل إلى بعلبك.

стр. 152

ودخل الكامل قلعتها في ١٩ جمادى الأولى/ ٧ كانون الثاني (١). ولم يمتع الكامل بانتصاره إذ بعيد دخوله قلعتها بمدة يسيرة (٢) أصابه زكام، ثم عرته حمى (٣)، أدت إلى وفاته في بيت صغير بدار الفضة في القلعة (٤) ليلة الخميس ٢٢ رجب سنة ٦٣٥ هـ/ ١٠ آذار ١٢٣٨ م، عن نحو اثنتين وستين سنة (٥)، ولما يمض على وفاة أخيه الأشرف إلا نحو ستة أشهر، وعلى تملكه دمشق إلا نحو شهرين ونصف (٦)، ولم يعلم أحد بموته، ولا حضره أحد من شدة هيبته، وإنما دخلوا عليه فوجدوه ميتا. فكتموا وفاته حتى دفن بالقلعة، ولم يعلنوها إلا يوم الجمعة، فاعترى أهل دمشق لموته المفاجئ دهشة وحيرة، ولكراهيتهم له لم يحزن عليه أحد (٧). * * *

стр. 153

واجتمع كبار أمراء الكامل ليلة الجمعة في قلعة دمشق (١)، واتفق رأيهم على تحليف الأجناد لابنه الملك العادل بن الكامل (٢)، وكان في نحو الثامنة عشرة من عمره (٣)، وأن يولوا على دمشق نائبا عنه (٤). بيد أنهم اختلفوا فيمن يولونه عليها (٥)، إذ لا يمكن حفظها إلا برجل من بيت بني أيوب (٦)، وكانوا مترددين بين الناصر داود والجواد يونس بن ممدود بن العادل أبي بكر بن أيوب (٧). ثم مالوا إلى تولية الجواد يونس (٨)، خوفا من استقلال الناصر داود بحكمها إن هو تولاها (٩). فأرسلوا إليه، وهو في دار سامة، يطلبون منه الخروج من دمشق (١٠). واستقر الأمر للجواد يونس في دمشق نائبا عن العادل بن الكامل. ورجعت أكثر العساكر المصرية إلى القاهرة (١١). -٢ - وما إن اطمأن الجواد يونس إلى تملكه دمشق، حتى أظهر ما كان يضمره من التفرد بها، فأبقى للعادل بن الكامل الخطبة فحسب، وأمر أن يخطب له بعده (١٢). وانفجر غضب العادل في مصر من استقلال ابن عمه بملك دمشق، وعصيانه بها (١٣)، وصار يعمل على خلعه (١٤). وبعث إليه لتلك الغاية عماد الدين بن شيخ الشيوخ، فخرج من القاهرة في ربيع الأول

стр. 154

سنة ٦٣٦ هـ/ تشرين الأول ١٢٣٨ م (١)، محمولا على محفة لمرض ألم به (٢). ولما وصل إلى المصلى قرب دمشق سارع الجواد إلى لقائه (٣). ثم ما لبث العماد أن تحدث مع الجواد في المسير إلى العادل (٤)، على أن يعوض عن دمشق الإسكندرية (٥). فأجابه الجواد بجواب ممغلط، على حد تعبير ابن واصل (٦)، وسوفه وماطله حتى فطن العماد بامتناعه، فأحضر حينئذ الولاة والنواب والدواوين بدمشق وأعمالها، وقال: قد عزل السلطان العادل الجواد عن نيابة دمشق، فلا تدفعوا إليه مالا، ولا تقبلوا له قولا (٧)، وأنا نائب السلطان (٨). فعز ذلك على الجواد، فقبض على عماد الدين (٩)، ورسم عليه أن يقيم بالدار، ومنعه من الركوب (١٠). وضاق على الجواد ما هو فيه، وكان سريع الضيق (١١)، ضعيف الرأي (١٢)، واستبد به القلق (١٣)، مستشعرا عجزه عن القيام بمملكة الشام (١٤)، مع تصميم العادل على انتزاعها منه، ولا طاقة له بقتاله، فرأى أن يتخفف من عبء حكم دمشق بحكم مدينة لا ينافسه عليها العادل، فسير الشيخ كمال الدين بن طلحة إلى الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وكانت له بلاد الشرق، يطلب منه أن يعوضه عن دمشق سنجار والرقة وعانة، ويسلم دمشق إليه (١٥)، معللا قراره لمن حوله بقوله: أيش أعمل بالملك؟ باز وكلب أحب إلي من هذا (١٦). وكان الجواد على ما يبدو مولعا بالصيد.

стр. 155

فسر الصالح أيوب بذلك (١)، وأجابه إلى ما طلب، وحلف له، وراح يتجهز إلى دمشق (٢). ثم رأى الجواد أن يبادر إلى قتل العماد كيلا يفسد عليه اتفاقه مع الصالح أيوب (٣). فبعث إليه بعد أيام يقول له: إن شئت أن تركب وتتنزه، فاركب إلى ظاهر البلد. فاعتقد العماد أن ذلك بوادر رضا، فأمر بتجهيز حصان له، وما إن خرج من باب دار المسرة في القلعة (٤) حتى قابله رجل دسه الجواد إليه (٥)، وبيده قصة، فاستغاث، فأراد حاجبه أن يأخذها منه، فقال: لي مع الصاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه. فتقدم إليه، وناوله القصة، وضربه بسكين على خاصرته بدد مصارينه، وجاء آخر، فضربه بسكين على ظهره، فكانت القاضية، فردوه إلى الدار ميتا (٦). وكان ذلك يوم الثلاثاء ٢٦ جمادى الأولى سنة ٦٣٦ هـ/ ٤ كانون الثاني ١٢٣٩ م (٧). وأظهر الجواد التألم لمقتله (٨).

стр. 156

قدوم الصالح أيوب بن الكامل إلى دمشق وتملكها - ١ - وأتم الصالح نجم الدين أيوب ترتيب بلاد الشرق، فأقام ابنه المعظم غياث الدين تورانشاه عليها، وألزمه المقام بحصن كيفا (١). ثم سار إلى دمشق، ومعه كاتب إنشائه الشاعر بهاء الدين زهير، وناظر جيشه الشاعر جمال الدين يحيى بن مطروح (٢)، وجاريته التركية شجر الدر، وكان شديد المحبة لها (٣)، لا يفارقها سفرا ولا حضرا (٤). فقطع الجواد حينئذ الخطبة للعادل، وخطب للصالح أيوب، وضرب السكة باسمه (٥). ووصل الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق في مستهل جمادى الآخرة (٦) سنة ٦٣٦ هـ/ كانون الثاني ١٢٣٩ م، وقد زينت لقدومه، وخرج الجواد لاستقباله، فدخل قلعة دمشق مع الجواد، ثم انتقل الجواد إلى دار السعادة عند باب النصر (٧).

стр. 157

وما إن استقر الصالح أيوب بالقلعة حتى ندم الجواد على ما فعل، فقد استقل الجماعة الذين جاؤوا مع الصالح أيوب، وكان عسكر دمشق أكثر منهم، وخاف ألا يفي الصالح بما شرطه له (١)، فاستدعى المقدمين والجند واستحلفهم (٢) لنفسه ليثب على دمشق، ويخرج الصالح من القلعة (٣). فجمع الصالح أصحابه عنده في القلعة، وأراد أن يحرق دار السعادة، حيث يقيم الجواد (٤)، وكادت تقع فتنة عظيمة، فقام المظفر؛ صاحب حماة في إطفائها، فنزل من القلعة إلى دار السعادة، واجتمع مع الجواد، وعاتبه على ما فعل، وضمن له عن الصالح القيام بما شرط له، فطاب قلب الجواد بذلك، وخرج حينئذ (٥) إلى النيرب، واجتمع أهل دمشق على باب النصر، يشيعونه بالدعاء عليه، ويسبونه في وجهه (٦). وكان قد سلط عليهم خادما لزوجته يقال له الناصح (٧)، فأخذ أموالهم وصادرهم، وعلقهم وضربهم (٨). فبعث إليه الصالح أن يرد أموال الناس إليهم (٩)، فما التفت، وسافر (١٠) إلى سنجار (١١)، فكانت مدة ملكه لدمشق نحو أحد عشر شهرا (١٢). وانزعج العادل في مصر، وخاف خوفا شديدا، لقدوم أخيه الصالح أيوب إلى دمشق، وتملكه لها، وعلم أنه لا بد قاصده؛ لما يعرفه من ميل عسكر مصر إليه. فهو عندهم الأكبر سنا، والأحسن سيرة، والأعظم هيبة،

стр. 158

والأجدر بالقيام بأعباء الملك (١)، على خلاف أخيه العادل في تبديده الأموال، وإقباله على الملاذ واللهو واللعب، وإبعاده أهل الرأي والمعرفة ممن كان أبوه الكامل يعتمد عليهم في أموره (٢). وما خاف منه العادل سرعان ما وقع، فقد تواترت كتب أمراء مصر إلى الصالح أيوب تستدعيه إلى القاهرة، وتعده القيام بنضرته (٣)، ويعلمونه أنه متى دخل صحراء سيناء سارعت العساكر كلها إليه (٤). وجاءه رسول من ابن عمه النا صر داود؛ صاحب الكرك يبذل له مساعدته ومعاضدته على العادل، بشرط أن يسلم إليه دمشق، ويعيد إليه جميع البلاد التي كانت بيد أبيه المعظم فوعده الصالح بذلك إذا ملك مصر، فأبى الناصر داود إلا أن ينجز له ما طلب في الحال، فلم يتفق بينهما أمر (٥). وحده عمه الصالح إسماعيل؛ صاحب بعلبك لزم الصمت، ولم يبد موقفا منه، حتى إذا أرسل إليه الصالح أيوب يخطب وده، أجابه إلى ذلك، وقدم إلى دمشق، وأظهر له الموالاة والمصافاة، وحلف له، ثم رجع في يومه إلى بعلبك (٦). وورد إلى الصالح أيوب، وهو في دمشق، أن جماعة من أمراء عسكر مصر، خرجوا من القاهرة مع أتباعهم، متوجهين إليه، فلما وصلوا إلى غزة نزلوا بها (٧). فخرج من دمشق بعساكره يوم الأربعاء ٢٨ رمضان سنة ٦٣٦ هـ/ ٤ أيار ١٢٣٩ م، ومعه نحو خمسة آلاف فارس، وفيهم ولده الأكبر المغيث عمر، وعماه مجير الدين يعقوب، وتقي الدين عباس ابنا العادل، فوصل إلى خربة

стр. 159

اللصوص، وأقام بها (١) على عزم المسير إلى ديار مصر (٢). وكاتب عمه الصالح إسماعيل؛ صاحب بعلبك أن يصل إليه بنفسه، ليمضي معه إلى مصر، فتعلل واعتذر، وسير ولده المنصور نور الدين محمود نائبا عنه، ووعده الوصول إلى خدمته بعد ذلك، وشرع يعمل في الباطن لانتزاع دمشق منه (٣). وكان الناصر داود - حين لم يقع الاتفاق بينه وبين ابن عمه الصالح أيوب - قد سار إلى مصر (٤)، فخرج العادل إلى لقائه في ٨ شوال سنة ٦٣٦ هـ/ ١٤ أيار ١٢٣٩ م (٥)، فالتقاه بأحسن ملقى، وأكرمه، وأنزله بدار الوزارة، واتفقا على محاربة الصالح أيوب، ووعده العادل أن يستخلص دمشق وبلادها له (٦). فما إن علم الصالح أيوب بمسير الناصر داود إلى مصر، حتى رحل إلى نابلس (٧)، فاستولى عليها وعلى سائر بلاد الناصر داود (٨)، وأرسل ولاته إلى أعمال القدس والأغوار والخليل وبيت جبريل والساحل، وصولا إلى العريش (٩). وأقام بنابلس في دار المعظم عيسى (١٠)، وأقطعها من قدم عليه من أمراء مصر وأعمالها ليتقووا بمغلها (١١). وكان هؤلاء الأمراء يرددون على مسامعه ليل نهار أنه إذا توجه إلى القاهرة لا يرده عنها راد، وأن جميع

стр. 160

عساكرها حين وصوله يدخلون في طاعته، ويتخلون عن أخيه العادل. بل إن كتب أمراء مصر وجواسيسهم تواترت عليه، يستدعونه إليها في السر، وممن كتب إليه الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، وهو من أجل أمرائها وأعظمهم، يستحثه على سرعة القدوم. وبرغم ذلك كله فقد توقف الصالح أيوب عن المسير إلى مصر حتى تتبين له الأمور، خوفا من أن يكون ما يكاتب به لاستدراجه إلى مصر، وهو يعلم أن عسكره القليل لا طاقة له بحرب عسكرها (١). ولتكثير عدد جنوده راح يواصل كتبه إلى عمه الصالح إسماعيل ليسير إليه، فيعده إسماعيل أنه واصل إلى خدمته (٢)، بينما كانت دسائسه تحاك في دمشق لاستيلائه عليها، والأموال تفرق على مقدميها وأعيانها (٣). وفي انتظار وصول عمه إليه تقدم الصالح أيوب إلى جماعة من أمراء المصريين وجماعة من عسكر دمشق أن يتقدموا إلى غزة، فرحلوا إليها، ونزلوا بظاهرها. وأخذ هو في تهيئة أسباب المسير إلى مصر، وتقدم إلى الأمراء بأن يعملوا الأزواد استعدادا لدخول صحراء سيناء (٤). وكان العادل بن الكامل قد خرج بعساكر مصر من القاهرة يوم الثلاثاء آخر ذي الحجة سنة ٦٣٦ هـ/ ٢ آب ١٢٣٩ م، ونزل بلبيس (٥)، وهو خائف من أخيه الصالح أيوب، ولكنه يظهر قصد الشام وانتزاعها منه (٦). ولم يقم بها إلا أياما قلائل حتى تغير على الناصر داود، ففارقه الناصر على غير رضا عائدا إلى الكرك (٧)

стр. 161

استيلاء الصالح إسماعيل بن العادل على دمشق وسجن الصالح أيوب بالكرك - ١ - وفي الوقت الذي كان فيه الصالح إسماعيل يكتب للصالح أيوب بأنه قادم إليه، كان يكاتب العادل في مصر، ويخبره بما هو عازم عليه من أخذ دمشق من الصالح أيوب، وأنه إذا ملك دمشق كان نائبه فيها، ويخطب له، ويضرب السكة باسمه. وكتبه متواترة كذلك إلى المجاهد أسد الدين؛ صاحب حمص في تقرير ما عزم عليه (١). وأمواله وخلعه تصل إلى دار نجم الدين ابن سلام، لتفرق في دمشق على مقدميها. ولا يصدق سبط ابن الجوزي، وهو البعيد في القدس، بمشاركة صديقه نجم الدين بهذا الغدر، فيقول مشككا: «على ما قالوا» (٢). ولما استبطأ الصالح أيوب وصول عمه الصالح إسماعيل، سير إليه الحكيم سعد الدين الدمشقي، لحثه على سرعة القدوم إلى نابلس، وأصحب سعد الدين قفصا فيه حمام ليطالعه بالأخبار يوما بيوم. وحين وصل سعد الدين إلى بعلبك، أنزله الصالح إسماعيل عنده. وبدهاء ومكر أبدل حمام قلعة بعلبك بحمام سعد الدين، وهو لا يشعر بذلك. وشرع على الفور في جمع الرجال والاحتشاد والاحتفال لقصد دمشق، ويشاهد سعد الدين ما يقوم به الصالح إسماعيل، فيكتب في البطائق إلى الصالح أيوب بما يشاهده من غدر الصالح إسماعيل وسعيه في قصد

стр. 162

دمشق، ويعلق البطائق في أجنحة الحمام، فيقع الحمام في برج قلعة بعلبك، وهناك تغير البطائق، ويكتب بدلا منها على لسان سعد الدين بأن المولى الصالح إسماعيل مهتم بالمسير إلى المعسكر المنصور بنابلس بنفسه، وما يتأخر قدومه عن السلطان. ويصل الحمام إلى الصالح أيوب، فيطيب نفسا بذلك، وينتظر مطمئنا وصول عمه الصالح إسماعيل. ويتم للصالح إسماعيل بهذا التدبير الماكر ما أراده من جمع الرجال والاحتشاد لقصد دمشق، وانقطاع الأخبار بذلك عن الصالح أيوب. ثم يبعث إلى ولده المنصور نور الدين محمود يستدعيه من نابلس، موهما الصالح أيوب أنه إنما يطلبه ليجعله نائبا عنه في بعلبك قبل مسيره إليه. فيتوجه نور الدين بأصحابه إلى والده، ويسير الصالح أيوب ابنه مغيث الدين عمر إلى دمشق ليحفظها، ويقيم بقلعتها (١). ويخرج الصالح إسماعيل من بعلبك بعساكره، متخذا طريق نابلس، ويبيت بالمجدل، ويكتب بطاقة إلى الصالح أيوب أنه في طريقه إليه. حتى إذا كان وقت السحر ينعطف على الفور نحو دمشق (٢). ويصل إلى الصالح أيوب خبر مسير عمه الصالح إسماعيل إلى دمشق (٣)، فيستبد به غضب مكتوم لخداعه له، فما كان يخطر له على بال أن عمه سينكث بأيمانه، وينقض عهوده ومواثيقه (٤)، فيكتم الخبر (٥)، ويتقدم إلى أستاذ داره الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني أن يسارع إلى دمشق لحفظها قبل أن يصل عمه إليها. فيسير إليها مسرعا، وما إن يصل إلى الكسوة حتى يرد إليه الخبر بمنازلة الصالح إسماعيل دمشق، فيعلم أنه لم يبق له من سبيل إلى دخولها، فيتركها لمصيرها، ويعود أدراجه خائبا إلى الصالح أيوب (٦).

стр. 163

وكان الصالح إسماعيل قد وصل إلى دمشق من جهة عقبة دمر، ووقف منتظرا وصول المجاهد أسد الدين؛ صاحب حمص الذي كان هو الآخر في طريقه إلى دمشق، وأصبح قريبا من وادي منين، ويلتقي الاثنان على دمشق (١). ولم يشعر أهل دمشق إلا وهما على أبوابها بكرة نهار (٢) يوم الثلاثاء ٢٧ صفر سنة ٦٣٧ هـ/ ٢٨ أيلول ١٢٣٩ م (٣) في جمع عظيم من الخيالة والرجالة، وليس فيها من يدافع عنها. فيتسلق جماعة من أصحاب الصالح إسماعيل خان المقدم قرب باب الفراديس، فينزلوا منه، ويكسروا قفل الباب، ويساعدهم على ذلك جماعة ممن تآمروا معهما، ويدخل الصالح إسماعيل والمجاهد دمشق، ويطيب الصالح إسماعيل قلوب أهل دمشق الحيارى المذهولين، قائلا لهم: ادعوا للسلطان الملك العادل، فأنا نائبه وغلامه. ثم يمضي مطمئنا إلى داره بدرب الشعارين، وينزل المجاهد في داره قرب جامع دمشق (٤). وأول من يدخل على الصالح إسماعيل في داره نجم الدين بن سلام، فيهنئه ويرقص بين يديه، ويقول له: إلى بيتك جئت (٥). ويمتنع المغيث عمر بن الصالح أيوب في قلعة دمشق، مع جماعة قليلة (٦)، فيزحف إليها الصالح إسماعيل صباح يوم الأربعاء ٢٨ صفر/ ٢٩ أيلول من ناحية باب الفرج، وينقبها (٧)، وتخرب بذلك دار الحديث الأشرفية، وغيرها من الدور والحوانيت تحت القلعة (٨)، ويضطر المغيث عمر في آخر النهار (٩) إلى تسليمها له بالأمان، فيصعد إليها الصالح إسماعيل، ويعتقل المغيث عمر في برج من أبراجها (١٠)، ويستولي على ما

стр. 164

فيها، ولم يكن بها ذخائر ولا عدة (١). ويفوض الصالح إسماعيل أمور مملكة دمشق إلى وزيره أمين الدولة أبي الحسن بن غزال السامري، وكان يهوديا، وأسلم في صباه (٢). وفي دمشق كان يقيم وقتئذ الواعظ العماد الواسطي، المتهم بشرب الخمر (٣)، وكان من المشبهة، فقد ذكر مرة على المنبر أن الله خلق آدم بيديه، وأومأ إلى يدي نفسه. وكان يعظ في الأعزية، فيستثقل ولا يلتفت إليه، فيتعصب له الوزير أمين الدولة السامري، ويقيمه في الوعظ مقام سبط ابن الجوزي، ويعينه على ذلك نجم الدين ابن سلام. ويأسي سبط ابن الجوزي لما آل إليه الحال في دمشق، ولا يخفي شماتته بكراهية أهلها لهذا الواعظ الدخيل، فيقول: «وظهر في تلك الأيام من النفاق ما كان يبدو من المنافقين زمن النبي ﷺ ، ورد الله كيدهم في نحورهم، وانعكست عليهم الأمور، وكان الدماشقة إذا جلس في الجامع يصيحون من جوانب الجامع: لا عاش المشبهون!» (٤). - ٢ - وكان الصالح أيوب، بعيد مسير الأمير حسام الدين بن أبي علي، قد رحل من نابلس بمن معه من العساكر، فلما وصل إلى بيسان من الغور بلغه خبر دخول عمه الصالح إسماعيل دمشق، ثم ما لبث أن رجع إليه الأمير حسام الدين عائدا من الكسوة، فأمر بتحليف الجند، وهو يظن أن قلعة دمشق ستبقى عصية عليه، فإذا سارع إلى دمشق استطاع دفع المجاهد والصالح إسماعيل عنها.

стр. 165

فرحل على الفور بالعسكر، وقطع نهر الأردن، ونزل على القصر المعروف بقصر معين الدين. وهناك تواترت الأخبار بتسلم الصالح إسماعيل قلعة دمشق (١)، فأسقط في يده، وشاع في عسكره أخذ دمشق، وبدأت تتوارد إليهم مكاتبات الصالح إسماعيل تستميلهم إليه، ففسدت نياتهم (٢)، وتناجوا فيما بينهم بتعذر مقامهم معه، وقد تلاشى أمره، والبلاد قد صارت لغيره (٣)، ولن تقوم بعدها له قائمة (٤). ثم إنهم خافوا على أهليهم وأولادهم وقد تركوهم بدمشق (٥)، فبعثوا إليه يقولون له: لا يمكننا المقام معك ها هنا، فإن أهلنا وأولادنا بدمشق، فأذن لنا في الرحيل إليها. وكان معه من أهل بيته عماه مجير الدين يعقوب وتقي الدين عباس، فأذن لهم. فضربوا كوساتهم ورحلوا، وهو يشيعهم بنظرات حزينة. بل إن أقرب خدامه إليه نهب شيئا كثيرا من قماشه وخزائنه، واستصحب جماعة من مماليكه الأصاغر وغلمانه، وهرب مع العسكر بهم. وحتى القاضي بدر الدين يوسف بن الحسن؛ قاضي سنجار، وهو من أجل أصحابه، جاءه يستأذنه في المضي إلى دمشق، فأذن له. وهكذا رحل عسكر الصالح أيوب كلهم، ومن كان معه من الكتاب والمتصرفين والغلمان إلى دمشق، ولم يبق معه من أمرائه سوى خمسة أو ستة، منهم الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني. ومن مماليكه نحو سبعين مملوكا، وبقي معه كاتب إنشائه الشاعر بهاء الدين زهير (٦)، وجاريته شجر الدر أم خليل (٧). وأقام الصالح أيوب بمنزلته تلك بقية يومه بعد أن فارقه أصحابه

стр. 166

وعساكره (١). وقد اختلفت آراء من حوله، فمنهم من أشار عليه بالمضي إلى الشقيف والتحصن به. فلم يره الصالح أيوب برأي، خوفا من أن يقصده فيه عمه الصالح إسماعيل ويحاصره، ويقبض عليه. ومنهم من أشار عليه بأن يمضي إلى الشرق - مستغلا انشغال عمه عنه بملك دمشق - فإن له به حصن كيفا، وهو حصن منيع، وقلعة الهيثم وغيرها من معاقل آمد. وكذلك لم ير الصالح أيوب هذا برأي، فقد خاف أن يتبع ويؤخذ والشقة بعيدة، وقال: ما أرى إلا التوجه إلى نابلس، والتجئ إلى ابن عمي الناصر داود. فلما جنه الليل أمر أن لا تشعل الفوانيس ولا المشاعل (٢)، ورحل، وقد فت في عضده مفارقة العسكر له، وأيقن بزوال ملكه (٣). حتى إذا أشرقت الشمس، ورأى مماليكه ما هم فيه من القلة والحالة التي دفعوا إليها انخرطوا في البكاء والنحيب (٤). وفي الطريق طمع فيه أهل الغور (٥) وطائفة من العربان يريدون أخذه (٦)، فقاتلهم الصالح أيوب، وانتصر عليهم، ثم تابع طريقه نحو نابلس، ونزل بظاهرها (٧). وأما عسكره الذين أرسلهم إلى غزة، فحين بلغهم ما جرى له، وتحققوا منه، آثر أكثرهم الرجوع إلى مصر (٨). وأرسل الناصر داود إلى ابن عمه الصالح أيوب يطيب قلبه، ويعده النصرة والمساعدة، وزيادة في طمأنته أشار عليه أن يدخل نابلس، وينزل في دار المعظم عيسى التي نزلها من قبل (٩)، وأذن له أن يبعث ولاته إلى

стр. 167

غزة والساحل (١). ثم بعث إليه الأميرين عماد الدين بن موسك والظهير بن سنقر الحلبي في ثلاث مئة فارس، فالتقاهم الصالح أيوب، فقالوا له: طيب قلبك، إلى بيتك جئت. فقال معتذرا عما بدر منه في حق الناصر: لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلت، فهذا شأن الملوك، وقد جئت إليه أستجير به. فقالوا: قد أجارك، وما عليك بأس. وأقاموا أياما حول داره (٢)، يتحينون الفرصة للقبض عليه وحده. وتمكنوا من ذلك أخيرا مساء الجمعة ١٢ ربيع الأول سنة ٦٣٧ هـ/ ١٢ تشرين الأول ١٢٣٩ م (٣)، بحيلة احتالوها عليه، فقد ضربوا في تلك الليلة بوق النفير، ونادوا في أرجاء نابلس موهمين أن الفرنج قد أغاروا على بعض النواحي، فركب الناس ومماليك الصالح أيوب لمطاردتهم، وبقي الصالح أيوب وحده دون حام يدافع عنه (٤)، فأحاط بداره العسكر، ودخل عليه الظهير بن سنقر الحلبي، وقال له: تطلع إلى الكرك، فإن ابن عمك له بك اجتماع. وأخذ سيفه (٥)، ثم أركبه على بغلة بإهانة وذلة (٦)، وساروا به ليلا نحو الكرك، ولم يصحبه في رحلته تلك إلا مملوك واحد من مماليكه هو الأمير ركن الدين بيبرس (٧)، وجاريته شجر الدر (٨)، وكانت

стр. 168

حاملا (١)، حتى إذا وصلوا به إلى الكرك اعتقله الناصر داود بقلعتها، ووكل به مملوكا له فظا غليظا يحرسه (٢)، وأرسل إليه يقول: إنما فعلت هذا احتياطا عليك، فلا يصل إليك مكروه من أخيك ولا من عمك، ولو لم أسيرك إلى الكرك لقصداك وأهلكاك (٣). وخير الناصر داود أصحاب الصالح أيوب بين أن يقيموا عنده، وبين أن يسافروا حيث شاؤوا، ووعدهم بإخراجه ذات يوم من الاعتقال، والقيام بنضرته حين يمكنه ذلك. فاختار مماليك الصالح أيوب المقام عنده، وحده الأمير حسام الدين بن أبي علي طلب إذنا بالذهاب إلى دمشق، فأذن له (٤). وما إن وصل إلى دمشق حتى اعتقله الصالح إسماعيل في قلعتها مع من اعتقله من أصحاب الصالح أيوب، واستولى على جميع ما كان معه (٥). وأكثر من حظي منهم بحسن استقباله واحترامه بدر الدين؛ قاضي سنجار، لقدم معرفته به (٦). وبلغ العادل ما جرى على أخيه الصالح أيوب من أخذه ذليلا، ونهب أمواله، وسجنه بالكرك، وظن أنه قد أمن جانبه (٧)، فأظهر الفرح والسرور، وأمر بضرب البشائر، وتزيين القاهرة (٨)، وعمل سماطا عظيما تحت القلعة، فيه الطعام والشواء، وصنع قصورا من حلوى، وأحواضا ملئت بالسكر والليمون، ودعا العادل أهل مصر لحضور هذه الوليمة الضخمة، فحضروا إليها على اختلاف طبقاتهم. وبلغت الصالح أيوب في معتقله أخبار تلك الأفراح بالقاهرة.

стр. 169

ثم إن العادل لم يقنع بسجن أخيه، فبعث إلى الناصر داود يطلب منه أن يبعثه إليه في قفص من حديد، ويبذل له مقابل ذلك أربع مئة ألف دينار، ويعطيه دمشق، وحلف على ذلك أيمانا عظيمة. وأطلع الناصر داود الصالح أيوب على كتاب أخيه، ثم كتب إلى العادل: أما الذهب فهو عندك كثير، وأما دمشق، فإذا أخذتها ممن هي معه، وسلمتها إلي، سلمت أخاك إليك. فلما ورد هذا الجواب على العادل أمر أن يتجهز العسكر ليخرج إلى الشام (١). وكان الصليبيون قد أخلوا بشرط من شروط الهدنة مع الكامل، وهو أن يبقى القدس خرابا، ولا يجدد فيه عمارة أصلا. فبنوا قلعة في غربيه، وجعلوا برج داود من أبراجها، وكان هذا البرج قد سلم من الهدم حين خرب المعظم عيسى أسوار القدس (٢). فنازل الناصر داود هذه القلعة في ١٨ ربيع الثاني ٦٣٧ هـ/ ١٧ تشرين الثاني ١٢٣٩ م، ورمى عليها بالمجانيق، ولم يزل مصابرا لها (٣) حتى استولى عليها عنوة بعد واحد وعشرين يوما، في ٩ جمادى الأولى سنة ٦٣٧ هـ/ ٦ كانون الأول ١٢٣٩ م، وتأخر استيلائه على برج داود إلى ١٥ جمادى الأولى/ ١٢ كانون الأول، فأخذه من الصليبيين بالأمان على أنفسهم دون أموالهم (٤). فهدم القلعة والبرج، واستولى على القدس، وأخرج من كان فيه من الصليبيين (٥)، فساروا نحو الساحل (٦). وهكذا عاد القدس مرة أخرى إلى المسلمين بعد أن تنازل عنه للصليبيين الكامل بن العادل (٧).

стр. 170

اجتماع سبط ابن الجوزي بالصالح أيوب في القدس وتملك الصالح مصر - ١ - ولبث الصالح أيوب في سجنه نحو سبعة أشهر (١)، كان الناصر داود خلالها يتضاءل أمله في قدرة العادل على استرجاع دمشق له (٢). فنفض يده من التحالف معه، وعزم على تنفيذ ما خطط له طويلا، فأفرج عن الصالح أيوب في ١٧ رمضان سنة ٦٣٧ هـ/ ١١ نيسان ١٢٤٠ م، واستدعاه إليه وهو بنابلس (٣)، فرحل إليه الصالح أيوب، وهو في غاية السرور والاستبشار (٤)، ولما وصل إلى نابلس، التقاه الناصر داود وأجله (٥)، وضرب له دهليز السلطنة، فنزل به. واجتمع إليه مماليكه وأصحابه الذين لم يفارقوه في محنته (٦). ولما أهل عيد الفطر تقدم الناصر داود إلى خطيب نابلس (٧) بقطع الخطبة للعادل، وأن يخطب للصالح أيوب، ويدعو له. وأظهر أمره وأشاع ذكره، فتسامع أصحاب الصالح أيوب به، فتواردوا إليه يقصدونه من كل ناحية (٨).

стр. 171

ثم سار الناصر داود والصالح أيوب إلى القدس، وتحالفا عند قبة الصخرة على أن تكون ديار مصر للصالح أيوب، والشام والشرق للناصر داود (١). وفي القدس التقى سبط ابن الجوزي الصالح أيوب (٢)، وكأنه تفرس فيه قدرته على أخذ مصر، فرغب إليه أن يتعاهد سور القدس بالعمارة، فما زال خرابا مذ هدمه المعظم سنة ٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م (٣)، فوعده الصالح أيوب بذلك (٤). ثم سار الصالح أيوب والناصر داود إلى غزة (٥). وعلم العادل بن الكامل والصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم بن المجاهد؛ صاحب حمص، بإخراج الصالح أيوب من الحبس، فاتفقوا على محاربة الناصر داود وقصده، وكان العادل أول من خرج من القاهرة ونزل بلبيس بالعساكر يريد الشام (٦). وأرسل إلى الصالح إسماعيل بأن يخرج بالعساكر الدمشقية لتلتقي عليهما عساكر دمشق ومصر، ويقبض عليهما، وينتزع البلاد من يد الناصر داود (٧). فرحل الصالح إسماعيل من دمشق بعساكره إلى الفوار من أرض السواد، ومعه المنصور إبراهيم بن المجاهد بعساكره (٨)، وخيم به (٩). وخشي الصالح أيوب والناصر داود، وهما بغزة، من إطباق عساكر الشام ومصر عليهما (١٠)، ولم يأتهما كتاب من أي أمير من أمراء مصر،

стр. 172

وكانا يظنان أنهما إذا نزلا غزة كاتبهما أمراؤها، وانضم إليهما بعض عساكرها، فارتدا على آثارهما إلى نابلس، وأقاما بها على خوف وفزع (١). وفرح الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم برجوعهما إلى نابلس، وكانا خائفين أن يكون مضيهما إلى غزة بمكاتبة وردت إليهما من مصر، فلما رجعا، وتحققا اجتماع العساكر المصرية ببلبيس لحربهما، طمعا فيهما (٢). واشتد خوف الناصر داود لما جرى، ولم يعد يدري ما يفعل، هل يذهب هو والصالح أيوب إلى الكرك ليعتصما بها ويتحصنا؟ أم يعيد الصالح أيوب إلى الاعتقال، ويأخذ في مداراة عمه الصالح إسماعيل وابن عمه العادل (٣)؟ وأما الصالح أيوب فلم يجد متنفسا لما يكابده في صدره من ضيق وكرب، إلا أن ينفرد بنفسه، ويصعد إلى جبل الطور؛ قبلي نابلس، حيث ثمة مزار مشهور، فيصلي فيه، ويبتهل إلى الله سبحانه أن يكشف عنه ما هو فيه. وبينما هو في صلاته وابتهاله، إذ جاءه نجاب يبشره بقبض الأمراء على أخيه العادل، واستدعائهم له ليملكوه مصر. فطفح قلبه بالبشر والسرور، إذ أتاه من الفرج ما لم يكن في حسبانه ولا حسبان أحد من الناس (٤). وكان أمراء مصر قد ضاقوا ذرعا بالعادل، وانشغاله باللهو واللعب، وتقديمه الصبيان والمساخر (٥)، ومن لا يصلح للتقدم، وإعراضه عن أكابر الدولة وعظمائها (٦)، وربما بلغهم أنه يريد التخلص من بعضهم (٧)، فاتفقوا

стр. 173

على القبض عليه (١). فركبوا ليلة الجمعة ٨ ذي القعدة سنة ٦٣٧ هـ/ ١ حزيران ١٢٤٠ م (٢)، وأحاطوا بدهليز العادل، ورموه، وانتهبوا ما حوله، وجعلوا العادل في خيمة صغيرة، ووكلوا به من يحفظه (٣). ولم يتحرك أحد من الأمراء لنصرته (٤). * * * ولم يتخل الصالح أيوب حين جاءته تلك البشرى عن حذره، فقد خاف أن تكون خدعة للقبض عليه (٥)، فلما تحقق هو والناصر داود القبض على العادل سارا مسرعين يطويان المراحل، ودخلا صحراء سيناء، وكان يصل إليهما في كل منزلة ينزلانها جمع بعد جمع، وأمير بعد أمير حتى وصلا إلى المعسكر ببلبيس، وتسلم الصالح أيوب أخاه العادل، وصار في قبضته (٦). ويبدو أن الناصر داود أحب أن يختبر الصالح أيوب، ومدى التزامه بما اتفقا عليه، فطلب منه أن يسلم إليه قلعة الشوبك، وكانت أثيرة لديه (٧)، فلم يستجب الصالح أيوب له. فانزعج الناصر داود، وزاد من انزعاجه ما أبداه الصالح أيوب من فتور تجاهه، فقد كان يظن أنه سيبعث معه على الفور العساكر المصرية ليستعيد دمشق وسائر البلاد التي انتزعت من مملكة أبيه المعظم (٨). ولعل ندما تسلل إلى قلبه لتحالفه معه، ففي ليلة جمعه الشراب مع الصالح أيوب، فانتشى، فقال للصالح أيوب وقد شطح به السكر: أريد أن اجتمع بالعادل. وكان معتقلا في خيمة إلى جانب خيمة الصالح، فأذن له. فمضى الناصر داود إلى خيمة العادل، وقال له: تبصر أي شيء فعلت، وكيف أوقعتك في هذه الحال؟ وأنا قادر أن أردك إلى

стр. 174

ملكك. فتغاضى الصالح أيوب عما سمع منه، وغاظه فعله (١). ورحل الصالح أيوب إلى القاهرة، ودخل قلعة الجبل بكرة الأحد ٢٤ ذي القعدة سنة ٦٣٧ هـ/ ١٧ حزيران ١٢٤٠ م (٢)، واعتقل أخاه العادل ببعض دوره، واستحلف الأمراء (٣). وزينت القاهرة والقلعة، وفرح الناس بقدومه لنجابته وشهامته واستحقاقه الملك، ونزل الناصر داود بدار الوزارة على عادته (٤). وما إن استقر الصالح أيوب بالقاهرة حتى بدأت تساوره الشكوك من أفعال الناصر داود، لكثرة اجتماعه سرا ببعض الأمراء (٥)، وكان يتأول أيمانه التي حلفها له أنه حلفها مكرها (٦) تحت القهر والسيف؛ لأنه كان في قبضته. وما تم الاتفاق عليه بينهما مستحيل التنفيذ (٧)، ولذلك عزم على التخلص من عبء صحبته. ولأنه لا يمكنه اعتقاله لكيلا ينسب إلى الغدر، أرسل إليه شخصا بهيئة الناصح المشفق يقول له: إني جئت إليك لحق أنعمك، فاكتم عني ما أقول لك، لئلا يؤذيني ابن عمك الصالح أيوب، فإنه قد أمر بالقبض عليك، فخذ حذرك منه (٨). فدب الرعب في قلب الناصر داود وآثر السلامة، فطلب الإذن من الصالح أيوب (٩)، بالرحيل إلى الكرك (١٠)، وسار مسرعا بأصحابه وهو خائف يترقب (١١)، حتى رجع إلى بلاده وهو بين الطائع والعاصي (١٢)

стр. 175

سبط ابن الجوزي في مصر - ١ - لا ندري متى سافر سبط ابن الجوزي من القدس إلى مصر (١)، هل كان ذلك عقب مسير الصالح أيوب والناصر داود إليها، أم بعد رجوع الناصر منها؟ ولكن ما ندريه أنه أقام بالقاهرة بصحبة ملكها الجديد الصالح أيوب، حتى غدا من جلسائه، وصار يبوح له ببعض ما جرى له مع الناصر داود في القدس، وفي طريقه إلى مصر. ومما قاله له: حلفني على شيء ما تقدر عليه ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر وغيرها، ونصف ديار مصر، ونصف ما في الخزائن من المال والجواهر والخيل والثياب وغيرها، فحلفت من تحت القهر والسيف. ثم إنه لما أخرجني ندم وعزم على حبسي، فرميت روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن يتوجه إلى دمشق أولا، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر. وليلة وصلنا إلى بلبيس شرب، وشطح إلى العادل، فخرج من الخركاة، وقبل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك، ولم تقبل مني؟ فقال العادل: يا خوند التوبة. فقال: طيب قلبك، الساعة أطلقك. ثم أردف الصالح: وجاء، فدخل علينا الخيمة، ووقف، فقلت: بسم الله، اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل. فقلت: اقعد. وهو

стр. 176

يكرر الحديث، فسكت، ولو أطلقته لضرب رقابنا كلنا. ونام، فما صدقت بنومه، وقمت في باقي الليل، أخذت العادل في محفة، ودخلت به القاهرة. ولما دخلنا القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت إلي مع غلماني. وقال لي مرة: بس يدي ورجلي. ويبدي سبط ابن الجوزي استغرابه مما يقال عن ابن صديقه، وهو يعرفه من صغره، فيقول للصالح أيوب: ما أظنه يبدو منه هذا، وهو رجل عاقل! فيقسم له الصالح أيوب بالله إن هذا وقع منه (١). ويحكي له الصالح أيوب فيما يحكي عن خديعة عمه الصالح إسماعيل له في أخذ دمشق منه، وكيف جرت وقائعها، وعما قام به نجم الدين ابن سلام في ذلك، ثم يردد بغضب قائلا: إن فتح الله على يدي دمشق لأفعلن به وأصنع (٢). * * * ويلوذ سبط ابن الجوزي بالصمت لعجزه عن الدفاع عن صديقه نجم الدين، وهو الذي عرفه بكرم أخلاقه، وحبه للصالحين، وفي الوقت نفسه لا يخفي امتعاضه منه لمناصرته الصالح إسماعيل على غدره وظلمه، فيقر بأنه «دخل في أشياء لا تليق بأبناء جنسه طمعا بالدنيا» (٣). وقد كان يبلغه ما يقع بدمشق وقتئذ من مظالم الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري (٤)، وحتى من قاضي قضاته رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي، فقد كان فاسد العقيدة، دهريا، مستهترا بأمور الشريعة، يخرج سكرانا إلى صلاة الجمعة ومجلس الحكم، وداره مثل الحانات، والنساء بالرجال مختلطات (٥).

стр. 177

ويحرك فشو ظلمهم شمس الدين محمد بن سعد المقدسي؛ كاتب الصالح إسماعيل على نظم قصيدة، ينصح له فيها بعزل وزيره أمين الدولة السامري، والقاضي الرفيع ونوابهما، آملا أن يجد منه أذنا صاغية، ولكن هيهات، ومما قاله له فيها: يا مالكا لم أجد لي من نصيحته بدا … وفيها دمي أخشاه منسفكا اسمع نصيحة من أوليته نعما … يخاف كفرانها إن كف أو تركا والله ما امتد ملك مد مالكه … على رعيته من ظلمه شبكا وزيره ابن غزال والرفيع به … قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا جماعة بهم الآفات قد نشرت .. والشرع قد مات والإسلام قد هلكا ويكتب نسخة منها بخطه لسبط ابن الجوزي بعيد عودته إلى دمشق، فيطرب لها، ويبلغ سروره بها أن يقول: «لو كتبت بماء الذهب على الأحداق لكان ذلك أقل من القليل (١)». -٢ - إذ لم يطل مكث سبط ابن الجوزي بالقاهرة، فنراه يعود منها إلى القدس، برغم الحفاوة التي لقيها من الصالح أيوب، بل إنه يفاجئنا برجوعه إلى دمشق سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (٢)، دون أن يوضح الأسباب التي دفعته للرجوع إليها في ذلك الزمن الصعب، فهل كان حقا يتوقع ترحيبا من صاحبها الصالح إسماعيل بعد ما شاع من صحبته لعدوه اللدود الصالح أيوب؟ فقد كان الصالح إسماعيل يتقلب في تلك الأيام على فراش الخوف من ابن أخيه الصالح أيوب، منذ أن غدر به، وانتزع دمشق منه، واعتقل ولده المغيث (٣). وكان يخشى أن يهاجمه مع حليفه الناصر داود (٤). فتلفت

стр. 178

حوله باحثا عن حليف قوي لمساعدته على محاربته، فلم يجد أمامه إلا الصليبيين، فكاتبهم، فأبوا أن يجيبوه لما طلب إلا بأن يسلم إليهم حضني شقيف أرنون وصفد (١)، وهما من أمنع الحصون (٢)، فوافق على ذلك (٣). وامتنع والي حصن شقيف أرنون من تسليمه للصليبيين، فخرج الصالح إسماعيل من دمشق، ومضى إلى الشقيف، فعذب واليه واستأصله لامتناعه من تسليمه، ثم سلمهم الحصن بنفسه، وكان عامرا. وسلم إليهم صفد، وكانت خرابا (٤). فلما تسلمهما الصليبيون (٥) سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (٦)، باشروا بعمارة صفد، وعظم بذلك الضرر على المسلمين، واشتد إنكارهم لما فعل واستعظموه (٧). وكان من أشد المنكرين له مفتي دمشق وخطيبها الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٨). ورأى الصالح إسماعيل، وقد تقوى بتحالفه مع الصليبيين، أن يبدأ غريمه بالحرب، فأرسل إلى المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، وإلى الحلبيين، وإلى الصليبيين أنه عازم على قصد مصر، ويطلب منهم النجدات. وأذن للصليبيين في دخول دمشق، وشراء السلاح منها. فأكثروا من ابتياع الأسلحة وآلات الحرب من أهل دمشق. فأنكر المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء، واستفتوهم (٩)، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنجة؛ لأنهم يشترونه لقتال المسلمين به، ولم يكتف بفتياه، بل قطع الدعاء للصالح إسماعيل في خطبته بجامع دمشق، وصار يدعو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك،

стр. 179

وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك. والناس يضجون بالدعاء (١). وبسط عز الدين لسانه فيه، وأكثر من التشنيع عليه، وساعده على ذلك إمام المالكية الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب (٢). وكان الصالح إسماعيل في ذلك الوقت غائبا عن دمشق، فكوتب بذلك، فورد كتابه بعزل الشيخ ابن عبد السلام واعتقاله هو والشيخ أبي عمرو بن الحاجب (٣). فسجنا بقلعة دمشق، وتولى الخطابة بجامع دمشق عماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي الشافعي (٤). ثم أفرج عنهما لما رجع إلى دمشق (٥)، وأمرهما بملازمة بيوتهما (٦)، وألزم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألا يفتي ولا يجتمع بأحد البتة، فاستأذنه الشيخ في صلاة الجمعة، وأن يأتي إليه طبيب أو حلاق إذا احتاج إليهما، وأن يذهب إلى الحمام، فأذن له (٧). * * * في غمرة تلك الأحداث المضطربة يقدم سبط ابن الجوزي دمشق، ويستقر بمسكنه بالتربة البدرية، ويعاود التدريس بالمدرسة الشبلية. فيوجس

стр. 180

الوزير أمين الدولة السامري خيفة من مجيئه، فيدس إليه مدرسا من أعوانه وعيونه، هو يوسف بن يعقوب. فيزور يوسف ذات يوم سبط ابن الجوزي في مسكنه، ويجري بينهما الحديث عن الصالح أيوب، وخروجه من الحبس بالكرك، واجتماعه به في القدس. ويسترسل سبط ابن الجوزي في حديثه، مطمئنا إليه. ويمضي يوسف مندفعا إلى الوزير السامري، وينهي إليه حديثه، ناسبا إليه كذبا وزورا أنه ما أخرج الصالح أيوب من الحبس إلا سبط ابن الجوزي. فيتلقف السامري هذه الوشاية، ويشير على الصالح إسماعيل بإخراجه على الفور من دمشق. فيخرج في حر شديد إلى حماة (١)، وفيها بيت حمية (٢)، ويضر الحر برأسه حتى كادت تتلف عينه، ويذهب بصرها، ولكن الله يمن عليه بالعافية (٣). ولم يتح له أن يشهد بدمشق وقتئذ وفاة شيخها الصوفي المشهور محيي الدين محمد بن علي ابن عربي الذي توفي في ذلك العام، وما كتبه عنه فيما بعد يشي بأنه لم يكن على صلة به (٤). - ٣ - ولم يتلبث سبط ابن الجوزي طويلا في حماة، إذ سرعان ما يغادرها إلى مصر، ليقيم فيها نحو ثلاث سنين، من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م (٥)، وحتى أواخر سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م (٦)، ليعود بعدها للإقامة في القدس (٧).
следующие страницы →