← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يكرر الحديث، فسكت، ولو أطلقته لضرب رقابنا كلنا. ونام، فما صدقت بنومه، وقمت في باقي الليل، أخذت العادل في محفة، ودخلت به القاهرة. ولما دخلنا القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت إلي مع غلماني. وقال لي مرة: بس يدي ورجلي. ويبدي سبط ابن الجوزي استغرابه مما يقال عن ابن صديقه، وهو يعرفه من صغره، فيقول للصالح أيوب: ما أظنه يبدو منه هذا، وهو رجل عاقل! فيقسم له الصالح أيوب بالله إن هذا وقع منه (١). ويحكي له الصالح أيوب فيما يحكي عن خديعة عمه الصالح إسماعيل له في أخذ دمشق منه، وكيف جرت وقائعها، وعما قام به نجم الدين ابن سلام في ذلك، ثم يردد بغضب قائلا: إن فتح الله على يدي دمشق لأفعلن به وأصنع (٢). * * * ويلوذ سبط ابن الجوزي بالصمت لعجزه عن الدفاع عن صديقه نجم الدين، وهو الذي عرفه بكرم أخلاقه، وحبه للصالحين، وفي الوقت نفسه لا يخفي امتعاضه منه لمناصرته الصالح إسماعيل على غدره وظلمه، فيقر بأنه «دخل في أشياء لا تليق بأبناء جنسه طمعا بالدنيا» (٣). وقد كان يبلغه ما يقع بدمشق وقتئذ من مظالم الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري (٤)، وحتى من قاضي قضاته رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي، فقد كان فاسد العقيدة، دهريا، مستهترا بأمور الشريعة، يخرج سكرانا إلى صلاة الجمعة ومجلس الحكم، وداره مثل الحانات، والنساء بالرجال مختلطات (٥).

стр. 177

ويحرك فشو ظلمهم شمس الدين محمد بن سعد المقدسي؛ كاتب الصالح إسماعيل على نظم قصيدة، ينصح له فيها بعزل وزيره أمين الدولة السامري، والقاضي الرفيع ونوابهما، آملا أن يجد منه أذنا صاغية، ولكن هيهات، ومما قاله له فيها: يا مالكا لم أجد لي من نصيحته بدا … وفيها دمي أخشاه منسفكا اسمع نصيحة من أوليته نعما … يخاف كفرانها إن كف أو تركا والله ما امتد ملك مد مالكه … على رعيته من ظلمه شبكا وزيره ابن غزال والرفيع به … قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا جماعة بهم الآفات قد نشرت .. والشرع قد مات والإسلام قد هلكا ويكتب نسخة منها بخطه لسبط ابن الجوزي بعيد عودته إلى دمشق، فيطرب لها، ويبلغ سروره بها أن يقول: «لو كتبت بماء الذهب على الأحداق لكان ذلك أقل من القليل (١)». -٢ - إذ لم يطل مكث سبط ابن الجوزي بالقاهرة، فنراه يعود منها إلى القدس، برغم الحفاوة التي لقيها من الصالح أيوب، بل إنه يفاجئنا برجوعه إلى دمشق سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (٢)، دون أن يوضح الأسباب التي دفعته للرجوع إليها في ذلك الزمن الصعب، فهل كان حقا يتوقع ترحيبا من صاحبها الصالح إسماعيل بعد ما شاع من صحبته لعدوه اللدود الصالح أيوب؟ فقد كان الصالح إسماعيل يتقلب في تلك الأيام على فراش الخوف من ابن أخيه الصالح أيوب، منذ أن غدر به، وانتزع دمشق منه، واعتقل ولده المغيث (٣). وكان يخشى أن يهاجمه مع حليفه الناصر داود (٤). فتلفت

стр. 178

حوله باحثا عن حليف قوي لمساعدته على محاربته، فلم يجد أمامه إلا الصليبيين، فكاتبهم، فأبوا أن يجيبوه لما طلب إلا بأن يسلم إليهم حضني شقيف أرنون وصفد (١)، وهما من أمنع الحصون (٢)، فوافق على ذلك (٣). وامتنع والي حصن شقيف أرنون من تسليمه للصليبيين، فخرج الصالح إسماعيل من دمشق، ومضى إلى الشقيف، فعذب واليه واستأصله لامتناعه من تسليمه، ثم سلمهم الحصن بنفسه، وكان عامرا. وسلم إليهم صفد، وكانت خرابا (٤). فلما تسلمهما الصليبيون (٥) سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (٦)، باشروا بعمارة صفد، وعظم بذلك الضرر على المسلمين، واشتد إنكارهم لما فعل واستعظموه (٧). وكان من أشد المنكرين له مفتي دمشق وخطيبها الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٨). ورأى الصالح إسماعيل، وقد تقوى بتحالفه مع الصليبيين، أن يبدأ غريمه بالحرب، فأرسل إلى المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، وإلى الحلبيين، وإلى الصليبيين أنه عازم على قصد مصر، ويطلب منهم النجدات. وأذن للصليبيين في دخول دمشق، وشراء السلاح منها. فأكثروا من ابتياع الأسلحة وآلات الحرب من أهل دمشق. فأنكر المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء، واستفتوهم (٩)، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنجة؛ لأنهم يشترونه لقتال المسلمين به، ولم يكتف بفتياه، بل قطع الدعاء للصالح إسماعيل في خطبته بجامع دمشق، وصار يدعو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك،

стр. 179

وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك. والناس يضجون بالدعاء (١). وبسط عز الدين لسانه فيه، وأكثر من التشنيع عليه، وساعده على ذلك إمام المالكية الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب (٢). وكان الصالح إسماعيل في ذلك الوقت غائبا عن دمشق، فكوتب بذلك، فورد كتابه بعزل الشيخ ابن عبد السلام واعتقاله هو والشيخ أبي عمرو بن الحاجب (٣). فسجنا بقلعة دمشق، وتولى الخطابة بجامع دمشق عماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي الشافعي (٤). ثم أفرج عنهما لما رجع إلى دمشق (٥)، وأمرهما بملازمة بيوتهما (٦)، وألزم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألا يفتي ولا يجتمع بأحد البتة، فاستأذنه الشيخ في صلاة الجمعة، وأن يأتي إليه طبيب أو حلاق إذا احتاج إليهما، وأن يذهب إلى الحمام، فأذن له (٧). * * * في غمرة تلك الأحداث المضطربة يقدم سبط ابن الجوزي دمشق، ويستقر بمسكنه بالتربة البدرية، ويعاود التدريس بالمدرسة الشبلية. فيوجس

стр. 180

الوزير أمين الدولة السامري خيفة من مجيئه، فيدس إليه مدرسا من أعوانه وعيونه، هو يوسف بن يعقوب. فيزور يوسف ذات يوم سبط ابن الجوزي في مسكنه، ويجري بينهما الحديث عن الصالح أيوب، وخروجه من الحبس بالكرك، واجتماعه به في القدس. ويسترسل سبط ابن الجوزي في حديثه، مطمئنا إليه. ويمضي يوسف مندفعا إلى الوزير السامري، وينهي إليه حديثه، ناسبا إليه كذبا وزورا أنه ما أخرج الصالح أيوب من الحبس إلا سبط ابن الجوزي. فيتلقف السامري هذه الوشاية، ويشير على الصالح إسماعيل بإخراجه على الفور من دمشق. فيخرج في حر شديد إلى حماة (١)، وفيها بيت حمية (٢)، ويضر الحر برأسه حتى كادت تتلف عينه، ويذهب بصرها، ولكن الله يمن عليه بالعافية (٣). ولم يتح له أن يشهد بدمشق وقتئذ وفاة شيخها الصوفي المشهور محيي الدين محمد بن علي ابن عربي الذي توفي في ذلك العام، وما كتبه عنه فيما بعد يشي بأنه لم يكن على صلة به (٤). - ٣ - ولم يتلبث سبط ابن الجوزي طويلا في حماة، إذ سرعان ما يغادرها إلى مصر، ليقيم فيها نحو ثلاث سنين، من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م (٥)، وحتى أواخر سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م (٦)، ليعود بعدها للإقامة في القدس (٧).

стр. 181

وفي القاهرة يعاود صحبة ملكها الصالح أيوب، وكثيرا ما كان يبوح له الصالح بذكرياته عما جرى له في حياته، ولا سيما سجنه بالكرك. وقد حدثه ذات يوم من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م عن معاناته ليلة اعتقال أمراء الناصر داود له بنابلس، وسوقهم له إلى الكرك، فقال: «أركبوني بغلة بغير مهماز ولا مقرعة، وساروا بي إلى البرية في ثلاثة أيام، والله ما كلمت أحدا منهم كلمة، ولا أكلت لهم طعاما حتى جاءني خطيب البرية، ومعه ثردة عليها دجاجة، فأكلت منها. وأقاموا بي في البرية يومين، ولم أعلم أيش كان المقصود، إذا بهم يريدوا يأخذوا طالعا نحسا، يقتضي أنني لا أخرج من الكرك. ثم أدخلوني الكرك ليلا على الطالع الذي كان سبب سعادتي ونحوسهم. ووكل بي مملوكا له فظا غليظا، يقال له: زريق، فكان أضر علي من كل ما جرى. فأقمت عندهم إلى رمضان؛ سبعة أشهر. ولقد كان عندي خادم صغير، فاتفق أنه أكل ليلة كثيرا، فأتخم، وبال على البسط، فأخذت البساط بيدي والخادم، وقمت من الإيوان إلى قريب الدهليز، وفي الدهليز ثمانون رجلا يحفظوني، وقلت: يا مقدمين، هذا الخادم قد أتلف هذا البساط بالله انزلوا به إلى الوادي واغسلوه. فنفر في زريق، وقال: أيش جاء بك إلى هاهنا وصاحوا علي، فعدت إلى موضعي» (١). * * * ويبلغ سبط ابن الجوزي، وهو في القاهرة، أن صلاح الدين موسى بن (٢) شهاب الدين محمد بن خلف المقدسي (٣)، في سجن الصالح أيوب (٤). وكان والده وهو من زهاد المقادسة في صالحية دمشق - شيخا له (٥). وابنه موسى هذا كان خيرا فاضلا، يحب الفقراء، ويخدم المشايخ،

стр. 182

ويمشي في حوائج الناس، ويشتري الأسارى (١)، وذا معرفة بالشعر والأدب، وله قصيدة في رثاء العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (٢). فيسعى سبط ابن الجوزي لدى الصالح أيوب لخلاصه من سجنه، فيتلكأ في الاستجابة له، ولا يطلق سراحه إلا بعد جهد جهيد (٣). وإلى القرافة كان سبط ابن الجوزي يختلف إلى زيارة الشيخ الصالح الفاضل أبي العباس ابن تاميت المغربي، وقد صحب سلطان الموحدين في بلاد المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وانتفع به، واستفاد منه. فكان أبو العباس يحكي له من أخباره ما رآه وشاهده عيانا (٤). وكذلك كان يتردد إلى زيارة قبر الزاهد أبي الحسن علي بن محمد الصائغ الدينوري، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ/ ٩٤٢ م، وكان من كبار مشايخ مصر في عصره، فكان يدعو الله عنده، ويرى أثر الإجابة (٥) وككل زائر للقاهرة كان يمتع عينيه بمشاهدة الأهرامات (٦). ويلتقي فيها خطيبها الفقيه بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة، سبط ابن الجميزي، وهو إمام فاضل، عارف بمذهب الشافعي، على كرم فيه،

стр. 183

قل أن يدخل عليه أحد إلا ويطعمه، فكان يقف مع سبط ابن الجوزي، ويباسطه، ويدعو له، ويشكره (١). وفي القاهرة يجتمع به المؤرخ المشهور شمس الدين أحمد بن محمد ابن خلكان (٢)، ويصحبه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، ويقرأ عليه بعض مروياته عن شيوخه وجده أبي الفرج (٣). ويقع له، وهو في مصر، تاريخ لم يسمه، ينقل منه في «مرآته» أخبار دخول شمس الدولة تورانشاه أخي صلاح الدين إلى اليمن (٤). ويقف على كتاب «فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» للإمام أحمد ابن حنبل، برواية الإمام النسائي، وهو جزء من كتابه «فضائل الصحابة»، فيقتنيه، وهو أحد موارده في مصنفاته (٥). وكان له جلسات مع مشايخ مصر يحكون له فيها عما وقع لهم من أخبارها (٦). وفي جلسة من تلك الجلسات، تذاكروا في مكان دفن رأس الحسين بن علي ﵁، فأنشده زين الدين أحمد بن عبد الله بن عزاز النحوي، المعروف بابن قطنة (٧): لا تطلبوا المولى الحسين … بأرض شرق أو بغرب ودعوا الجميع وعرجوا … نحوي فمشهده بقلبي (٨)

стр. 184

وكان سبط ابن الجوزي، كجده أبي الفرج، لا يخفي محبته لآل البيت ولا سيما للحسين، ﵃ وأرضاهم (١). * * * ويزور الإسكندرية سنة ٦٤٠ هـ/ ١٢٤٢ م، ويشاهد منارتها المشهورة، ويصعد إلى أعلاها (٢). ويزور كذلك عمود السواري (٣). ثم يعاود زيارتها سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م، ويلتقي علماءها وزهادها، أمثال الشيخ محمد القباري (٤)، وهو من مشاهير زهادها، وقد بلغ من ورعه أنه إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره في بستانه، ولم يشاهد سقوطها من شجره، يتورع من أكلها، خوفا من أن تكون من شجر غيره، قد حملها طائر، فسقطت في بستانه (٥). وكانت الإسكندرية وقتذاك معمورة بالعلماء، مغمورة بالأولياء. وقد بلغ من أنسه بها أن استعار في وصفها بيتين للشاعر القيسراني قالهما في دمشق: أرض تحل الأماني من أماكنها … بحيث تجتمع الدنيا وتفترق

стр. 185

إذا شدا الطير في أغصانها وقفت … على حدائقها الأسماع والحدق ويسأله أهلها الجلوس للوعظ، فيجلس بها مجلسين (١)، في الجامع الجيوشي، ويحضر القضاة والعلماء، ويجتمع له من الخلق ما لم يجتمع لغيره (٢)، ويتوب فيهما نحو من ألفين. فلما عزم على العود إلى القاهرة، قام بعض أفاضلها، فأنشده قصيدة، من أبياتها: ذكرتم فراقا فاستهلت مدامعي … وزاد لهيب النار بين ضلوعي وأصبحت ميتا من سماع فراقكم … أود بأني لم أكن بسميع فيا أهل هذا الثغر ترضون غيبة … لشمس علوم آنست بطلوع قفي شمسنا قبل الفراق هنية … فلسنا على علم بوقت رجوع فقد وقفت شمس السماء ليوشع … وما ذاك من أفعالها بشنيع فنحن ضيوف والقراء ثلاثة … وجودك يا مولى الأنام شفيعي فكان البيت الأخير هو الباعث له على عقد مجلس ثالث لهم، ولم يستطع مغادرة الإسكندرية إلا ليلا، لتعلق أهلها ووجدهم به ولا كوجد المجنون بليلى، على حد تعبيره (٣).

стр. 186

استعانة الصالح أيوب بالخوارزمية وإعادتهم فتح بيت المقدس - ١ - وكان لا بد للحرب أن تقع بين الصالح إسماعيل والصالح أيوب، فاستعد كل منهما لها على طريقته. فداوم الصالح أيوب على مكاتبة الخوارزمية، يحثهم على القدوم إليه لنصرته على عمه (١). والصالح إسماعيل وحلفاؤه سعوا إلى الصليبيين لمعاضدتهم، وقد علموا أن الخوارزمية سيطرقون بلادهم عما قريب ليجتمعوا مع عسكر مصر، ولا طاقة لهم بحربهم جميعا (٢). ولم يكن الصليبيون في ذلك الوقت في أحسن حالاتهم (٣)، ومع ذلك استطاعوا انتزاع موافقة الصالح إسماعيل وحلفائه (٤) على تسليم بيت المقدس إليهم مع الحرم وما فيه من المزارات، وتسليمهم كذلك طبرية وعسقلان وكوكب، وأن يأذنوا لهم في عمارتها. وضمنوا لهم على ما اشتهر - أنهم إذا ملكوا الديار المصرية سيكون لهم بها نصيب. ودخل الصليبيون بيت المقدس للمرة الثالثة، وتسلموا الصخرة المقدسة والأقصى، وما في الحرم الشريف من المزارات (٥)، وعكفوا على

стр. 187

إعادة تحصينها. وأرسلوا إلى أوربة رسالة مثيرة يقصون فيها ما حققوه من مكاسب كبيرة (١). وعمروا قلعتي طبرية وعسقلان، وحصنوهما، وعزموا على عمارة كوكب (٢). واتفق في تلك الأيام الأخيرة من سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م أن دخل المؤرخ ابن واصل إلى بيت المقدس، وهو في طريقه إلى مصر، فساءه وأحزنه - كما ساء المسلمين جميعهم وأحزنهم - ما رآه من هتك الصليبيين الحرمة المسجد الأقصى والصخرة المقدسة، فكتب من بعد بألم، معبرا عن استيائه الحزين: «رأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة، وعليها قناني الخمر برسم القربان، ودخلت الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق، وأبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة، وأعلن فيه بالكفر» (٣). واستعدادا لهذه الحرب بعث الصالح إسماعيل عسكرا إلى غزة، فنزلوا بها، وراح يجهز عساكر دمشق ليسيرها مع المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، ليلقى بها مع الصليبيين عساكر مصر (٤). وبرز الصالح أيوب من القاهرة، ونزل ببركة الجب (٥)، منتظرا وصول الخوارزمية لمناصرته. * * * وكان الخوارزمية قد ساروا من الشرق في المحرم سنة ٦٤٢ هـ/ حزيران ١٢٤٤ م، فقطعوا الفرات، ومقدمهم حسام الدين بركة خان، وهم زيادة على عشرة آلاف فارس، وانضم إليهم جماعة من الأمراء القيمرية الأكراد (٦) مع كثير من أصحابهم وأتباعهم، منهم الأمير ناصر الدين القيمري. فأجفل الناس بين أيديهم، وما مروا بموضع إلا نهبوه وعاثوا فيه (٧).

стр. 188

ودب الرعب بعسكر الصالح إسماعيل النازلين بغزة، ففارقوها راجعين إلى دمشق، واعتصم الناصر داود بالكرك (١). ولما قارب الخوارزمية دمشق انقسموا إلى قسمين، قسم جاؤوا على بقاع بعلبك، وقسم على غوطة دمشق، ونهبوا وسبوا وقتلوا (٢). وتحصن الصالح إسماعيل بدمشق (٣)، وسد أبوابها (٤). ولحصانتها ومنعتها خلفوها وراءهم، ومضوا في سيرهم إلى الجليل، بعد أن تجاوزوا مدينة طبرية التي استولوا عليها، ثم اتجهوا جنوبا، فاجتازوا نابلس في طريقهم نحو بيت المقدس (٥). * * * وأدرك الصليبيون فجأة ما يحيق بهم من خطر، فأسرع البطريرك إلى بيت المقدس، ومعه مقدما الداوية والاسبتارية، وكانت استحكاماته قد فرغ من عمارتها قبيل وقت قصير، فعززوا حاميتها، ولم يجرؤوا على البقاء فيه، فغادروه على الفور. وهجم الخوارزمية على بيت المقدس في ٣ صفر سنة ٦٤٢ هـ/ ١١ تموز ١٢٤٤ م (٦)، وبذلوا السيف فيمن كان فيه من النصارى (٧)، واستطاعوا أن يشقوا طريقا لهم إلى دير الأرمن المعروف بدير القديس يعقوب، فأجهزوا على الرهبان والراهبات فيه. وحاول حاكم المدينة الصليبي أن يقوم بهجوم من القلعة، فلقي مصرعه، وقتل معه مقدم الاسبتارية. وقاومت الحامية ما استطاعت المقاومة، ولما يئست من قدوم نجدة إليها طلبت الأمان، فأمنت.

стр. 189

وفي ١٧ ربيع الأول سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٣ آب ١٢٤٤ م غادر بيت المقدس نحو ستة آلاف من المسيحيين من الرجال والنساء والأطفال. وبينما هم يسيرون على الطريق إلى يافا، التفت بعضهم، فرأى أعلام الصليبيين ترفرف على برج من أبراجها، فاعتقدوا أن نجدة وصلت إليه، فأصر عدد كبير منهم على العودة، وما إن قربوا منه حتى وقعوا في كمين تحت أسواره، فهلك منهم نحو ألفين، وتعرض من بقي منهم لهجمات البدو، وهم في طريقهم إلى البحر، فلم يصل منهم إلى يافا سوى ثلاث مئة رجل (١). ولم يبد الخوارزمية أية رأفة مع النصارى - كما هو ديدنهم دائما مع خصومهم - فاقتحموا كنيسة القيامة، وأشعلوا النيران فيها، وهدموا مبانيها، ونبشوا قبور ملوك الصليبيين، وأخرجوا عظامهم وأحرقوها، وأفنوا الرجال، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الدور والدكاكين، وأحرقوا الكنائس، ولم يغادروها إلى غزة حتى تركوها قاعا صفصفا، وقفرا موحشا (٢). -٢ - ما إن وصل الخوارزمية إلى غزة حتى أرسلوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بقدومهم (٣) لنصرته، ويطلبون منه تسيير العساكر إليهم ليحاربوا عمه

стр. 190

الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم، ويأخذوا بلادهما له. فخلع الصالح أيوب على رسلهم (١)، وسير لمقدميهم الخلع والخيل والأموال، وبعث في الرسالة إليهم جمال الدين بن مطروح، وأمرهم بالإقامة بغزة (٢). واشتغل بإنفاذ العساكر إليهم، وقدم عليهم الأمير ركن الدين بيبرس الصالحي، وهو من أجل مماليكه، وأخصهم به (٣)، فسار إلى غزة، وانضم إلى الخوارزمية (٤). ثم تقدم الصالح أيوب إلى الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني أن يمضي بطائفة أخرى من العساكر (٥)، ليقيم على نابلس (٦). وكان الصليبيون - في أثناء نهب الخوارزمية لبيت المقدس قد حشدوا خارج عكا أضخم جيش لهم منذ معركة حطين (٧)، وكان الصالح إسماعيل قد أتم تجهيز عسكر دمشق، وقدم عليهم المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص لشهامته وجرأته، وخبرته بمحاربة الخوارزمية في الشرق، وانتصاره عليهم مرتين فرجا الصالح إسماعيل أن يكون على يده هذه المرة أيضا كسر الخوارزمية ومن معهم من العساكر المصرية (٨) واتفق في أثناء ذلك أن مات غما المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب في ٢٢ ربيع الآخر سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٧ أيلول ١٢٤٤ م (٩) بقلعة دمشق، وهو معتقل ببرج من أبراجها، فاشتد جزع الصالح أيوب عليه، واشتد حنقه على عمه الصالح إسماعيل، واتهمه بقتله، وجد في حربه (١٠)

стр. 191

ورحل المنصور إبراهيم بعسكره وعسكر دمشق إلى عكا، وانضم إلى الصليبيين (١)، وساروا جميعا نحو غزة (٢) في ٢٩ ربيع الآخر سنة ٦٤٢ هـ/ ٤ تشرين الأول ١٢٤٤ م، سالكين طريق الساحل (٣)، ترفرف فوق رؤوس عساكر المسلمين أعلام الصليبيين وصلبانهم، والقساوسة يصلبون عليهم، وبأيديهم كاسات الخمر يسقونهم (٤). ولم تك عواطف عامة المسلمين مع ذلك الجيش، فنبزوهم بالمنافقين (٥). وقد بعث المنصور إبراهيم للناصر داود ليحضر معهم، فاعتذر عن الحضور، وبعث عسكرا (٦) انضم إليهم في الطريق مع الظهير بن سنقر الحلبي (٧). وقرب غزة، في سهل رملي إلى الشمال الشرقي منها تقارب الجيشان، وكان رأي المنصور إبراهيم أن يلزموا مكانهم، ويحصنوا معسكرهم إزاء أي هجوم من قبل الخوارزمية؛ لأن الخوارزمية - كما خبرهم في حروبهم - يكرهون مهاجمة كل موضع منيع، ولا يتحملون الانتظار، وليس بوسع المصريين الاستغناء عنهم في الهجوم، ولعلهم إذا طال انتظارهم يدب القلق فيهم، فيؤثرون الانسحاب إلى مصر. ووافقه على رأيه عدد كبير من قادة الصليبيين، بيد أن واحدا منهم ألح أشد الإلحاح على المبادرة بالهجوم؛ لأن عددهم يفوق عدد الجيش المصري، ورآها فرصة مناسبة للقضاء على تهديد الخوارزمية، ولإذلال الصالح أيوب. وقد غلب رأيه كل الآراء، فتحركوا للهجوم. والتحم الجيشان في ١٣ جمادى الأولى سنة ٦٤٢ هـ/ ١٧ تشرين الأول ١٢٤٤ م (٨)، وكان الصليبيون في الميمنة، وعسكر الناصر داود في الميسرة،

стр. 192

والمنصور إبراهيم في القلب (١)، وبينما كانت العساكر المصرية ترد هجوم الصليبيين حمل الخوارزمية على القلب، فصمد المنصور إبراهيم وعساكره من حمص في القتال، وحافظوا على مواقعهم، ولكن عساكر دمشق لم تتحمل الصدمة، فاستدارت وولت الأدبار، وحذا حذوهم عساكر الناصر داود (٢)، وأسر الظهير بن سنقر الحلبي، وجرح في عينه (٣). وبينما كان المنصور إبراهيم يشق طريقه للخروج من المعركة، انقض الخوارزمية على الصليبيين (٤)، وأحاطوا بهم، وما هي إلا ساعة حتى حصدتهم سيوفهم حصدا (٥)، فتحطم جيشهم، ولقي قادتهم الكبار مصرعهم (٦)، وأسر منهم ثمان مئة أسير (٧)، ولم يفلت منهم إلا الشاذ النادر (٨)، إذ لاذوا بالفرار إلى عسقلان، ثم أبحروا إلى يافا (٩). وأسر من عسكر دمشق وعسكر الناصر داود جماعة مقدمون، ونهبت جميع أثقال الدمشقيين (١٠). ولم تفق خسائر الصليبيين في هذه المعركة سوى خسائرهم في معركة حطين (١١). ومضى المنصور إبراهيم ومن نجا من عسكره وعسكر دمشق في أسوأ حال، ودخل دمشق وهو لا يصدق بالنجاة. وكان المنصور فيما بعد يقول: والله لقد حضرت الحرب ذلك اليوم، وأوقع الله في قلبي أنا لا ننتصر، لانتصارنا بالكفار على المسلمين (١٢). * * * وكان سبط ابن الجوزي وقتئذ مقيما بالقدس (١٣) منذ عودته من

стр. 193

مصر (١)، فيسير في اليوم التالي لهذه الوقعة العظيمة بين الخوارزمية والصليبيين (٢) إلى غزة ليشهد موقعها، منتشيا بهزيمة الصليبيين هذه الهزيمة المنكرة، إذ لم يجر مثلها في زمن نور الدين وصلاح الدين، على حد تعبيره. وحين وصل إليها وجد الناس يعدون القتلى بالقصب، وقالوا: هم زيادة على ثلاثين ألفا. وبعثت الخوارزمية بالأسارى ورؤوس القتلى إلى مصر، ومعهم الظهير بن سنقر وجماعة من المسلمين (٣). ولعل سبط ابن الجوزي عاد مع العائدين إلى القاهرة عقيب هذا الانتصار (٤)، فعلقت رؤوس القتلى على أبوابها، وامتلأت حبوسها من الأسرى. وقد أصبح الطريق إلى دمشق ممهدا أمام عساكر الصالح أيوب، فراح يجهز الأمير معين الدين بن شيخ الشيوخ لحصارها (٥). أما الصليبيون فقد أرسلوا في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٧ تشرين الثاني ١٢٤٤ م - أي: بعد نحو شهر من هزيمتهم الكبيرة بغزة - أسقف بيروت إلى أمراء الغرب، للدعوة إلى حملة صليبية جديدة إلى الشرق، كيلا تتعرض مملكتهم بأسرها للفناء. وكان الملك لويس التاسع؛ ملك فرنسة قد أعلن في ذلك الوقت عن رغبته الشديدة في القيام بحملة صليبية، وأشاعت رغبته تلك في الغرب الارتياح والسرور. ولذلك لما سمع البابا أنوسنت الرابع ما قاله أسقف بيروت عن حال الصليبيين القاتم في الشرق، أقر عن طيب خاطر ما بذله الملك لويس من وعود للقيام بحملة صليبية، وبدأ على الفور في الدعوة لها (٦).

стр. 194

عودة دمشق للصالح أيوب وأوبة سبط ابن الجوزي إليها - ١ - وفي القاهرة، يعاود سبط ابن الجوزي لقاءاته بالشيخ أبي العباس ابن تاميت سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م، وتجري بينهما مذاكرة في القرافة في تارك الصلاة، وما حكمه. وينشده أبو العباس أبياتا لأبي الفضل طاهر النحوي في حكم تاركها (١). بيد أننا لم نعد نراه يذكر لنا شيئا عن لقاءاته مع الصالح أيوب، كما كان عهده في أول قدومه مصر (٢). ولعل طبيعة الصالح أيوب، وما فطر عليه من محبته للعزلة والانفراد، وعدم ميله إلى مطالعة الكتب والعلوم، وقلة مخالطته للعلماء وغيرهم (٣)، وبطشه وتجبره (٤)، لم تسعف سبط ابن الجوزي في توثيق عرى صداقته له، كما كان شأنه مع عميه المعظم عيسى، والأشرف موسى. ثم إن الصالح أيوب كان منشغلا في تلك الأيام بالانتقام من عمه الصالح إسماعيل لما كان من غدره وخيانته، واسترداد دمشق منه، وها هو الآن قد أتم تجهيز جيشه، وتقدم إلى وزيره معين الدين بن شيخ الشيوخ بالمسير إليها، مطلقا يده فيما يراه دون الرجوع إليه. فيخرج معين الدين بعساكر مصر من القاهرة، ويصل إلى غزة، وينضم إليه هناك الخوارزمية، ومن فيها من العساكر المصرية. ثم يرحل إلى

стр. 195

بيسان، فينزلها، ويقيم بها مدة يرتب فيها أموره. ثم يشرع بالزحف نحو دمشق (١). ولم يكن الصالح إسماعيل في تلك الأيام في أحسن حالاته، فقد شل تفكيره الرعب الساكن بقلبه عقب هزيمته بغزة مع حلفائه الصليبيين، فراح يتهيأ للحصار في دمشق على عجل، فخرب كثيرا من الأبنية حول سورها، وهدم جسر باب توما، وسد النهر هناك، فطفا الماء حتى أغرق المساكن التي على حافة بردى بين جسري بابي توما والسلامة (٢). وسير وزيره أمين الدولة السامري إلى بغداد مستشفعا بالخليفة المستعصم بالله، متوسلا إليه ليصلح ما بينه وبين ابن أخيه الصالح أيوب. فرجع ولم يظفر بطائل. فازداد خوفا على خوف، لعلمه أن لا طاقة له مع حليفه المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص بعساكر مصر لكثرتها، وقلة عسكرهما، مع فناء ما بقلعة دمشق من الذخائر. وينازل الصاحب معين الدين دمشق، ويضايقها (٣)، ويقطع الخوارزمية على الناس الطرق، زاحفين عليها من كل ناحية (٤). وتنصب عليها المجانيق، ويرمى بها من بابي الجابية والصغير، وتنصب المجانيق من داخل البلد أيضا، ويترامى الفريقان. وفي يوم الإثنين ٨ المحرم سنة ٦٤٣ هـ/ ٥ حزيران ١٢٤٥ م يبعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين استهزاء به، بسجادة وإبريق وعكاز، قائلا له: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك. فيبعث إليه معين الدين بجنك (٥) ومزمار وغلالة حريري أحمر وأصفر، وقال: السجادة تصلح لي، وأنت أولى بهذا (٦).

стр. 196

وأصبح معين الدين، فركب بالعساكر، وزحفوا من كل ناحية، ورموا النيران في قصر حجاج (١)، والشاغور، واستولى الحريق على مساجد وخانات ودور عظيمة (٢). وبعث الصالح إسماعيل الزراقين يوم الثلاثاء ٩ المحرم، فأحرقوا قصر العادل (٣)، وأمر بتخريب عمارة العقيبة خارج باب الفراديس، وباب السلامة وباب الفرج، وأحرق حكر السماق خارج باب النصر (٤)، ونهبت أموال الناس، ورموا على الطرق، واحترق بعضهم، وجرى عليهم ما لم يجر في بلد آخر (٥)، واشتد الغلاء وعظم البلاء. ثم أحرقت العقيبة في أول ربيع الأول (٦). ويعيد الوزير أمين الدولة السامري في أوائل جمادى الأولى محاولة الصلح، فيرسل إلى الصاحب معين الدين يسأله الأمان ليجتمع به. فيبعث إليه بثياب له، فيلبسها ويخرج ليلا، فيتحادثان، ويرجع إلى دمشق. ثم يخرج في ليلة أخرى، فيتم الاتفاق على أن يسلم الصالح إسماعيل دمشق، وأن يخرج منها هو والمنصور إبراهيم بأموالهما، ولا يتعرض لأحد من أصحابهما ولا لشيء مما معهم. وأن يعوض الصالح إسماعيل عن دمشق بعلبك وبصرى وأعمالهما وجميع بلاد السواد، وأن يكون للمنصور حمص وتدمر والرحبة (٧). ولم يعلم معين الدين الخوارزمية بهذا الصلح (٨)، إذ لم يكن راغبا بدخولهم دمشق، ودبر الأمر أحسن تدبير، فلمنعهم من دخولها أقطعهم الساحل بمناشير كتبها لهم (٩). وشاع خبر هذا الصلح في ٨ جمادى الأولى سنة ٦٤٣ هـ/ ١ تشرين

стр. 197

الأول ١٢٤٥ م، ورحل ليلتئذ عن دمشق الصالح إسماعيل بن العادل نحو بعلبك، والمنصور إبراهيم نحو حمص. ودخل دمشق من الغد في ٩ جمادى الأولى/ ٢ تشرين الأول الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ، ونزل في دار سامة، وهي الدار المعظمية الناصرية (١)، نائبا بها عن الصالح أيوب (٢)، واستبشر الناس بهذا الفتح لخلاصهم من ظلم الصالح إسماعيل وأعوانه (٣) - ٢ - وكان الصالح أيوب يتحرق للانتقام من عمه الصالح إسماعيل، فأرسل إلى معين الدين ألا يؤمنه، ويقبض عليه، ويرسله إليه. فوصل كتابه بعد إتمام الصلح. فأنكر الصالح أيوب (٤) على الأمراء كيف مكنوا الصالح إسماعيل من الوصول إلى بعلبك، وقال: إن معين الدين حلف له، وأما أنتم فما حلفتم (٥). وكان لا يرى إلا إعدامه حنقا عليه، بسبب اتهامه بقتل ولده المغيث عمر، ولما بدا منه في حقه (٦). ثم أمر أن يسير الوزير أمين الدولة السامري تحت الحوطة إلى مصر، فسير واعتقل بقلعة الجبل (٧) ويغادر سبط ابن الجوزي مصر عائدا إلى دمشق بعد رحيل الصالح إسماعيل عنها، والقبض على وزيره أمين الدولة السامري، ويأوي إلى مسكنه بالتربة البدرية بقاسيون (٨)، مظهرا شماتته بما حل بوزيرها (٩)، متهما إياه بأنه لم يكن مسلما، ولا سامريا، بل كان يتستر بالإسلام، ويبالغ في هدم شريعة المصطفى ﵊ (١٠).

стр. 198

ويعتري معين الدين المرض، ولما يمض على دخوله دمشق سوى أربعة أشهر (١)، فيكتب الصالح أيوب إلى الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني، وهو بنابلس، أن يسير إلى دمشق ويتسلمها (٢). وبعد وصوله إليها بأيام (٣) توافي المنية معين الدين ليلة الأحد ٢٢ رمضان سنة ٦٤٣ هـ/ ١٠ شباط ١٢٤٦ م (٤) عن نحو ست وخمسين سنة، فكان بين بلوغ أمنيته وحلول منيته أربعة أشهر وخمسة عشر يوما، على حد تعبير سبط ابن الجوزي (٥) وبوفاة معين الدين لم يبق من أولاد شيخ الشيوخ صدر الدين (٦) إلا ابنه فخر الدين يوسف، فيفرج عنه الصالح أيوب - وكان قد ألزمه بيته - ويخلع عليه ويؤمره، ويقدمه، ويحسن إليه إحسانا كثيرا (٧). * * * وأصيب الخوارزمية بخيبة أمل، وقد منعوا من دخول دمشق، كما منعوا من قبل من دخول مصر. وكانوا يظنون أنهم بمساعدتهم الصالح أيوب على أعدائه سيقاسمهم البلاد، ويمكنهم من الاستيلاء على أكثرها،

стр. 199

وسيقطعهم إقطاعات عظيمة في الديار المصرية (١). أما وقد صاروا الآن في الساحل، ولم يحصلوا على ما أملوه، فقد تغيرت نياتهم، واتفقوا على الخروج عن طاعة الصالح أيوب. فغادروا الساحل عائدين نحو دمشق (٢)، فنهبوا داريا، وأتلفوا ثمارها (٣). ثم راحوا يبحثون عن حلفاء لهم، فكاتبوا الأمير ركن الدين بيبرس الصالحي بغزة، وهو من أكبر أمراء الصالح أيوب (٤)، فحسنوا له أن يكون معهم يدا واحدة، ويزوجوه امرأة منهم (٥). فألقى إليهم سمعه، ولعله مال إليهم بعض الميل (٦)، فلم يمهله الصالح أيوب، فما إن بلغه خروج الخوارزمية عن طاعته، وميل ركن الدين إليهم - على ما نقل إليه - حتى استدعاه إلى القاهرة، واعتقله بقلعة الجبل سنة ٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م، فكان آخر العهد به (٧). وكاتب الخوارزمية الناصر داود؛ صاحب الكرك، وهو العدو القديم للصالح أيوب، فمال إليهم، واتفق معهم، ونزل إليهم، واجتمع بهم، وتزوج امرأة منهم، بيد أنه رجع إلى الكرك، ولم يقم معهم (٨). وللاستفادة من هذا الحلف الجديد سارع إلى استرجاع ما كان له من البلاد، وهي الآن بيد الأمير حسام الدين بن أبي علي (٩)، فبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار (١٠). وخوفا من أن يبقى الصالح إسماعيل وحيدا في بعلبك بين عدوين: الصالح أيوب والخوارزمية، كاتب الخوارزمية باذلا لهم صداقته، وقدم إليهم، فحلفوا له على القيام بنصرته (١١).

стр. 200

حصار الخوارزمية دمشق وهزيمتهم وسفر سبط ابن الجوزي إلى بغداد - ١ - وعادت الخوارزمية إلى دمشق (١)، ونازلوها (٢) في شوال سنة ٦٤٣ هـ/ شباط ١٢٤٦ م (٣)، ولم يكن فيها عساكر كثيرة، فقام أميرها حسام الدين بن أبي علي الهذباني على حفظها أحسن قيام، وضبط أبوابها وأسوارها بالرجالة والمقاتلة، وباشر ذلك بنفسه ليلا ونهارا (٤). وضايقها الخوارزمية بالحصار، وقطعوا عنها المواد، فاشتد بها الغلاء اشتدادا لم تعهده من قبل (٥). وقدم الصالح إسماعيل من بعلبك في ٣ ذي القعدة/ ٢٢ آذار، مؤازرا لهم في حصارها (٦)، وألح على قتالها (٧)، فتفاقم بها الغلاء (٨)، وعدمت فيها الأقوات (٩)، حتى قيل: إن سجينا مات في الحبس، فأكل لحمه أهل الحبس (١٠)، وأكل الناس القطط والكلاب (١١)، وهلك كثير من أهلها بالجوع والوباء (١٢). ولم يجد الصالح أيوب بدا للانتصار على الخوارزمية من فضم عرى التحالف بين الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، فراح

стр. 201

يكاتب المنصور إبراهيم، ويستميله إليه ويمنيه (١)، وما زال به حتى مال إليه (٢)، ثم كتب إلى الحلبيين يقول: هؤلاء الخوارزمية قد أخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم. فأجابوه (٣). وهكذا اتفق الحلبيون والمنصور إبراهيم والصالح أيوب على محاربة الخوارزمية، وطردهم من البلاد (٤). وخرج الأمير شمس الدين لؤلؤ؛ مدبر دولة الناصر يوسف بن عبد العزيز بالعساكر من حلب، واجتمعوا مع عساكر حمص (٥)، وتقدم عليها المنصور إبراهيم، واستعد للقاء الخوارزمية (٦). ولما بلغهم أن المنصور إبراهيم يريد قصدهم، قال مقدمهم حسام الدين بركة خان: دمشق ما تفوتنا، والمصلحة أن نسير إليهم (٧). فرحل الخوارزمية عن دمشق (٨)، ومعهم الصالح إسماعيل (٩)، قبيل عيد الأضحى (١٠)، بعد حصار استمر نحو ثلاثة أشهر (١١)، إلى مرج الصفر (١٢)، وانضم إليهم هناك الأمير عز الدين أيبك المعظمي؛ صاحب صرخد (١٣)، ولم ينزل إليهم الناصر داود من الكرك، بل بعث عسكره، ثم ساروا نحو حمص (١٤) يريدون لقاء المنصور إبراهيم. ووجد أهل دمشق برحيلهم فرجا، ووصلت إليهم الميرة (١٥)، ورخصت الأسعار (١٦).

стр. 202

وفي يوم الجمعة ١ المحرم سنة ٦٤٤ هـ/ ١٩ أيار ١٢٤٦ م (١) التقى المنصور إبراهيم في عيون القصب (٢)، قبلي (٣) ظاهر حمص (٤) الخوارزمية (٥). وكانوا في كثرة كاثرة بالنسبة لجيش المنصور، فقال له أحد غلمانه: أيما أحب إليك تأخذ بركة خان أسيرا، أو نحمل رأسه إليك؟ فقال إبراهيم: رأسه. وتصادم الجيشان، وما هي إلا ساعة (٦) وإذا بمملوك من مماليك أمراء حلب الكبار (٧)، يحمل رأسا مليح الصورة، ليس في وجهه سوى شعيرات يسيرة، هو رأس مقدمهم حسام الدين بركة خان (٨). وانهزمت الخوارزمية هزيمة قبيحة، تبدد بها شملهم (٩)، وسبيت نساؤهم، وغنمت أموالهم (١٠)، وأسر كثير منهم (١١). وهرب الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك، ومن سلم من العساكر عراة جياعا، وقد نهبت أموالهم حتى وصلوا إلى حوران، فانعطف عز الدين أيبك نحو الكرك (١٢)، وأما الصالح إسماعيل، فتحير أين يذهب، إذ لم يبق له بالشام مكان يأوي إليه (١٣)، فقد خاف إن هو دخل بعلبك، أن يحاصر

стр. 203

بها، ويؤخذ باليد، فيقتله الصالح أيوب بابنه المغيث عمر. فلم ير بدا من أن يمضي إلى حلب، مستجيرا بصاحبها الناصر يوسف بن عبد العزيز (١). ومضت طائفة ممن نجا من الخوارزمية إلى البلقاء، فنزل إليهم الناصر داود من الكرك، وصاهرهم، واستخدمهم، وأطلع عائلاتهم إلى الصلت، ثم ساروا فنزلوا نابلس (٢). وحمل رأس بركة خان إلى حلب، فنصب بباب قلعتها. ووردت البشائر بذلك إلى الديار المصرية، فزينت المدينتان: القاهرة والفسطاط، والقلعتان: قلعة الجبل وقلعة الجزيرة. وصلح ما بين المنصور إبراهيم والصالح أيوب، وحصل بينهما التصافي والتواد، وكذلك صلح ما بين الصالح أيوب والحلبيين، واتفقت كلمة الجميع (٣). وربما أثر حصار دمشق على صحة سبط ابن الجوزي، فألم به مرض، ولعله أحب أن يستجم بمدينته بغداد، ويجدد العهد بمراتع الطفولة والصبا، وقد طال غيابه عنها، فغادر دمشق متجها إليها عن طريق حلب (٤). * * * وأما الصالح أيوب فقد رأى الفرصة سانحة للقضاء على الخوارزمية، وعلى حليفهم الناصر داود، فجهز الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بالعساكر إلى الشام. فلما وصل إلى غزة عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت، فقصدهم فخر الدين (٥)، وأوقع بهم، ومعهم الناصر داود (٦)، وعز الدين أيبك المعظمي، وكسرهم وبدد شملهم، وذلك في ١٧ ربيع الآخر سنة ٦٤٤ هـ/ ١ أيلول ١٢٤٦ م (٧). فهرب الناصر داود إلى الكرك،

стр. 204

وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم من صعود القلعة، وسار عز الدين إلى صرخد متحصنا بها. ويحرق فخر الدين الصلت، ثم يرحل عنها (١). ويستولي على ما كان بيد الناصر داود من البلاد: القدس ونابلس وبيت جبريل والبلقاء. ثم يسير نحو الكرك، فيخرب ما حولها من الضياع، ويضعفها إضعافا شديدا، ثم ينازل الكرك بعد ذلك، ويحاصرها، وهي منيعة، فيقيم على محاصرتها أياما، ثم يسير عنها (٢) إلى بصرى فينازلها، حتى إذا أشرف على أخذها، يلم به مرض يشفي منه على الموت، فيبقي العساكر على حصارها، ويحمل هو في محفة عائدا إلى القاهرة (٣). ثم يتسلم بصرى نواب الصالح أيوب. ويصل الصالح إسماعيل بن العادل إلى حلب في ربيع الآخر/ أيلول في طائفة من الخوارزمية، هاربا من الصالح أيوب (٤)، وملتجئا إلى صاحبها الناصر يوسف بن العزيز (٥). وكان سبط ابن الجوزي إذ ذاك مقيما في حلب، وهو يستعد للسفر إلى بغداد، فيرى ما آل إليه حال عدوه الصالح إسماعيل؛ شريدا طريدا، لا مكان يؤويه. ويتلقاه الناصر يوسف وإلى جانبه الأمير شمس الدين لؤلؤ، فيهمس في أذن الناصر، وكأنه يحذره: أبصر عواقب الظلم كيف صارت. ويتتبع الناصر يوسف الخوارزمية، ويملأ منهم السجون (٦). - ٣ - ويحط سبط ابن الجوزي رحاله في بغداد في رمضان سنة ٦٤٤ هـ/ كانون الثاني ١٢٤٧ م (٧)، بعد غياب عنها دام نحو ثلاثين سنة، منذ آخر

стр. 205

زيارة له إليها، وهو في طريقه إلى الحج (١)، ومعه ابنه إبراهيم، ومملوكاه بلبان (٢) بن عبد الله الرومي (٣) وسالم. ويستقبله خاله محيي الدين يوسف، وينزله في داره بدار الخلافة، ويقوم على خدمته، وتوفير أسباب الراحة له. وتنعقد بينه وبين مؤيد الدين محمد ابن العلقمي؛ وزير الخليفة المستعصم بالله صحبة ومودة، فيلازمه مدة إقامته، ويدعو له أن يديم الله تعالى سعده (٤). ولعل الوزير ابن العلقمي اصطحبه ذات يوم إلى الكرخ، ووقفا معا على دار الشاعر الشريف الرضي، وقد خربت. فحكى له الوزير أن رجلا مر بالكرخ على هذه الدار، وأنشد: ولقد مررت على ديارهم … وطلولها بيد البلى نهب فوقفت حتى عج من عجب … نضوي ولج بعذلي الركب (٥) وتلفتت عيني فمذ خفيت … عني الطلول تلفت القلب وهي أبيات مشهورة، فقال له بعض الجيران: أتدري لمن هذا الشعر؟

стр. 206

قال: لا والله. فقال له: هذا للرضي، وهذه داره (١). ويلتقي في بغداد ثقات مشايخها، ويتفاوضون في أخبار الخليفة المستنصر بالله؛ والد الخليفة الحالي المستعصم بالله، ولم يكن مر على وفاته سوى أربع سنوات. وكان المستنصر بالله جوادا سمحا، عادلا، قريبا من الناس، رحيم القلب. وقد بنى في بغداد فيما بنى المدرسة المستنصرية على الجانب الشرقي لدجلة، ولم يكن عنده تعصب على مذهب معين، فوقفها على المذاهب الأربعة، ووقف عليها الأوقاف الكثيرة (٢). ومما ذكروه له من أحواله الجليلة: أنه كان يزور الشيخ عبد العزيز الناسخ بالحريم الطاهري، ويغشاه كثيرا، فقال له يوما: أنا لا أثاب على ما أفعله. فقال له عبد العزيز: الله الله يا مولانا، إذا لم تثاب (٣) أنت من يثاب! فقال: لأن المال الذي أنفقه في أبواب البر ما له عندي قدر، بل مثل التراب، والثواب إنما يكون على قدر المشقة. وذكروا له أن الخليفة الناصر لدين الله كان قد بنى عنده في الدار بركة للمال، فكان يقول: ترى أعيش حتى أملأها ذهبا؟ فلما ولي المستنصر وقف عليها، وقال: ترى أعيش حتى أفرغها (٤)؟ ومن غرائب ما حكوه له: أن المستنصر بالله ركب يوما للصيد في رمضان، فاجتاز بين الحربية ودار القز - محلتين بالجانب الغربي من بغداد - فرأى شيخا كبيرا، معه قدح فيه طبيخ قد أخذه من محلة العتابيين، وهو يريد أن يدخل الحربية - وكان في كل محلة دار مضيف في رمضان - فقال له المستنصر يا شيخ، ممن أنت؟ قال: من الحربية. قال: أما عندكم دار مضيف؟ قال: بلى. قال: فلم تأخذ من الموضعين؟ فبكى الشيخ، وقال:

стр. 207

والله ما أخذت من المحلتين، وإنما أنا رجل كان الله علي نعمة، وكان لي مال كثير، فافتقرت، وذهب المال والولد، وأستحيي من أهل محلتي أن آخذ من دار المضيف، فأنا أمضي إلى المحلة التي لا أعرف فيها، فآخذ الطعام في القدح، وآتي إلى باب الحربية، فإذا أذن المغرب، ودخل الناس في الصلاة، دخلت بيتي، ولا يراني أحد. فبكى الخليفة، وقال لنفسه: ويحك يا منصور! ما جوابك غدا إذا سألك الله عن هذا الفقير المحتاج؟ ثم أعطاه ألف دينار، وقال: إذا نفدت، فتعال إلى باب البدرية. فأخذ المال، ومن فرحته انشق قلبه، فعاش عشرين يوما، ومات. وطولع الخليفة، فقيل له: ما نقص منه إلا دينار واحد. فقال: إن كان له ورثة، فادفعوه إليهم، وإلا فأذنت لكم أن تتصدقوا به في الحربية على الفقراء، فهذا مال أخرجناه لله فلا نرجع فيه، ولا يدخل إلينا (١). ويزور سبط ابن الجوزي في بغداد فيمن يزوره ابن شيخه محمود بن عثمان النعال الحنبلي (٢)، وكان ولدا صغيرا حين كان سبط ابن الجوزي يختلف إلى زاوية أبيه، وقد غدا الآن من الزهاد، وساح في البلاد، وحصل له فضل من فنون العلم، فسأله سبط ابن الجوزي أن يتصدى للوعظ، فأجابه: إنه يعظ في الأحايين (٣). * * * ويبلغه، وهو في بغداد، خبر وفاة زوجته زينب بنت قاضي حماة أبي القاسم (٤) الحسين بن حمزة بن الحسين (٥)، وأنها دفنت في تربته

стр. 208

بقاسيون (١) عند ولدها علي. ولا ريب أنه حزن لفقدها، وإن لم يجر بذلك قلمه، ويستعيد بذاكرته ما كانت تتحلى به من صفات حميدة ولا سيما الكرم، وإن كانت إلى الإسراف أقرب (٢). ولم يحدثنا سبط ابن الجوزي عما جرى له في رحلته إلى بغداد إلا بهذه الإشارات العابرة، وقد ألغز في بعضها قائلا: «غير أن ما ربحناه في سورة يوسف خسرناه في سورة النور، وجرى لنا عجائب» (٣). بيد أنه لم يشأ أن يبوح لنا بتلك العجائب. ويكتفي بإخبارنا أنه زار جامع فخر الدولة الحسن بن هبة الله، المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/ ١١٨٣ م (٤)، وكان فخر الدولة من صدور بغداد وأغنيائها (٥)، وله فيها آثار جميلة منها جامعه هذا، غربي بغداد، ويشرف على دجلة، وقد دفن فيه. فيسوءه أن يرى دجلة قد طغا ماؤه فخرب بعضه باستيلائه عليه، وما يخشاه أن يأتي على الباقي (٦). وبقي سبط ابن الجوزي في بغداد ملازما للوزير مؤيد الدين ابن العلقمي حتى خروجه منها، عائدا إلى الشام في صفر سنة ٦٤٥ هـ/ حزيران ١٢٤٧ م. ويصل إلى حلب، وفيها يفجع بوفاة ابنه إبراهيم في ربيع الآخر/ آب، فينقله إلى دمشق، ويدفنه في تربته بقاسيون عند أمه وأخيه (٧) ورحلته هذه إلى بغداد هي آخر رحلاته، يقيم بعدها في دمشق، ولا يبرحها حتى وفاته.

стр. 209

عودة سبط ابن الجوزي إلى مجالس وعظه في دمشق وتوليه نظر أوقاف الأمير عز الدين أيبك - ١ - في أثناء غياب سبط ابن الجوزي في بغداد، قدم الصالح أيوب إلى دمشق يوم الخميس ١٩ ذي القعدة ٦٤٤ هـ/ ٢٨ آذار ١٢٤٧ م (١)، ومعه الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ (٢). وكان يوم دخوله يوما عظيما لكثرة من خرج في استقباله من الناس والزينة (٣). فأحسن إلى أهلها، وتصدق على المدارس والربط، وخلع على أعيانها الخلع السنية (٤)، وفرق الأموال على فقرائها. وأقام فيها خمسة عشر يوما (٥). بينما سار الأمير فخر الدين يوسف إلى طبرية، ونازل الصليبيين فيها (٦). ثم رحل إلى بعلبك، فرتب أمورها، وأمر بإصلاح أسوارها وتحصينها (٧). ثم عاد إلى دمشق، ليسير منها إلى بصرى (٨)، وكان نوابه قد

стр. 210

تسلموها من نائب الصالح إسماعيل (١). ثم مضى منها إلى صرخد، وتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك المعظمي (٢)، فيقدم عز الدين إلى دمشق، وينزل بالنيرب (٣). ويرحل الصالح أيوب إلى بلاد بانياس، ويتسلم حصن الصبيبة من السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل (٤)، فيقطعه إقطاعا بمصر (٥)، ويتسلم حصن الصلت من الناصر داود (٦). وكان من قبل قد تسلم عجلون. وهكذا صفت البلاد كلها للصالح أيوب، ولم يبق خارجا عن سلطانه إلا الكرك، وبها الناصر داود بن المعظم عيسى، وهو في حكم المحصور (٧). ويرجع الصالح أيوب إلى مصر، ويبقي عساكره بالساحل محاصرين الصليبيين في طبرية (٨)، وفي طريقه إلى مصر يمر بالقدس، ويأمر بعمارة سوره، كما تمنى عليه سبط ابن الجوزي من قبل (٩)، ثم يصل إلى القاهرة في أوائل المحرم سنة ٦٤٥ هـ/ أيار ١٢٤٧ م (١٠). ويشدد الأمير فخر الدين يوسف حصاره لطبرية حتى يفتحها عنوة في ١٠ صفر سنة ٦٤٥ هـ/ ١٦ حزيران ١٢٤٧ م (١١)، فيهدم قلعتها (١٢) التي أعاد الصليبيون عمارتها، وسرعان ما يستولي بعدها على جبل الطور، وحصن شقيف أرنون. ثم يتحرك لمنازلة عسقلان (١٣)، فيحاصرها، ويقاتل عليها قتالا عظيما (١٤)، حتى يستولي عليها عنوة في ١٢ جمادى الآخرة سنة ٦٤٥ هـ/ ١٤ تشرين الأول ١٢٤٧ م (١٥)، ويلقى معظم المدافعين عنها

стр. 211

مصرعهم، ومن تبقى منهم يقع في الأسر (١). ويعود الأمير فخر الدين يوسف ليقيم في دمشق (٢)، ويسكن في دار سامة. وكان سبط ابن الجوزي قد عاد إليها من بغداد، فيزوره فخر الدين يوسف في مسكنه بالتربة البدرية، ويرغب إليه في العودة إلى مجالس وعظه في جامع دمشق، كما كان في أيامه السالفة، فلا يسعه إلا الاستجابة له (٣). ويعقد سبط ابن الجوزي أول مجالسه في جامع دمشق يوم السبت الأول من شهر رجب، وحتى آخر يوم سبت من رمضان، كما جرت عادته في ذلك (٤)، بعد انقطاع دام نحو إحدى عشرة سنة، منذ مغادرته دمشق عقب وفاة الأشرف موسى (٥). ويحركه الشوق إلى زيارة الشيخ الفقيه محمد بن أحمد اليونيني بعلبك (٦)، وهو شيخ الحنابلة بها (٧)، وتلميذ شيخه الأثير أسد الشام عبد الله اليونيني (٨)، ويتذاكر معه أخبار الملك الأشرف موسى، وما رؤي له من منامات صالحة تدل على حسن خاتمته (٩). وكان عقب رجوعه إلى دمشق من بغداد، قد سعى لدى نواب الصالح أيوب في إطلاق سراح أمة اللطيف ابنة منافسه في ميدان الوعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن النجم الحنبلي (١٠). وكانت أمة اللطيف قد قامت على خدمة

стр. 212

الصاحبة ربيعة خاتون؛ أخت السلطان صلاح الدين مدة، فحصل لها منها أموال عظيمة (١)، وهي التي أرشدتها إلى وقف مدرستها الصاحبة على الحنابلة (٢). وبعد وفاتها سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م، لاقت أمة اللطيف الشدائد والأهوال (٣)، بسبب هذه المدرسة (٤)، فحبست بقلعة دمشق، وصودرت وأخذت أموالها. فدخل سبط ابن الجوزي في قضيتها، وبالغ في أمرها، وكللت مساعيه بالإفراج عنها بعد نحو سنة، وكانت أقامت في محبسها ثلاث سنين (٥). - ٢ - وتتجدد بدمشق صلة سبط ابن الجوزي بالأمير عز الدين أيبك المعظمي. وكانت علاقته به تعود إلى أيام الملك المعظم عيسى بن العادل، فهذا الأمير كان من مماليكه المقربين النجباء، اشتراه سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١١ م، وهو يبني قلعة الطور (٦)، وفوض إليه أستاذ داريته، وظهر منه من العقل والسداد ما أوجب تقديمه على الأولاد، وأعطاه قلعة صرخد، فأقام بها يضاهي الملوك (٧)، حتى انتزعها منه الصالح أيوب بن الكامل في هذا العام (٨). وكان عز الدين أيبك قد بنى من المدارس في دمشق مدرستين للحنفية: المدرسة العزية البرانية، وفيها قبة لتكون تربته (٩)، والمدرسة العزية

стр. 213

الجوانية (١)، وذكر له مدرسة ثالثة كانت في جامع دمشق؛ هي أشبه بحلقة تدريس (٢). ومن أولى من صديقه القديم سبط ابن الجوزي ليتولى النظر في شؤونه؟ ولذلك يفوض إليه في هذا العام - أي: سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م - النظر في أوقافه ومدارسه، ويقبل سبط ابن الجوزي هذا التفويض على كره منه وحياء من الأمير (٣). وكان أمير دمشق وقتئذ جمال الدين بن مطروح يكن العداوة لعز الدين، فتواطأ مع جماعة من الأمراء على الإيقاع به، فزوروا رسالة إليه، وادعوا أنها جاءته من حلب من عند الصالح إسماعيل؛ عدو الصالح أيوب اللدود. فاتهموه بمكاتبته، وكتبوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بذلك (٤). وكان الصالح أيوب يطوي قلبه على بغضه لوقوفه في السنين السالفة مع أعدائه (٥)، فأمر على الفور باعتقاله، وأن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فاعتقل في ١٣ ذي القعدة سنة ٦٤٥ هـ/ ١١ آذار ١٢٤٨ م، وحمل إلى القاهرة، واعتقل فيها. وزاد الأمر سوءا أن إبراهيم بن الأمير عز الدين (٦)، لأمر ما مضى إلى

стр. 214

الصالح أيوب بمصر، ووشى بأبيه، قائلا: إن أموال أبيه قد بعث بها إلى الحلبيين، وأول ما نزل بها من صرخد أودعها عند سبط ابن الجوزي. ثم سعى بحاشية أبيه كذلك قائلا: عندهم أمواله فأمر الصالح أيوب باعتقال الحاشية، وحملهم إلى مصر، فحملوا، ولم يظهر عليهم مما قيل درهم. ويبدو أن الصالح أيوب لم يجرؤ على اعتقال سبط ابن الجوزي معهم. ولما بلغ عز الدين، وهو في اعتقاله، اجتماع ابنه إبراهيم بالصالح أيوب، وقع إلى الأرض، وقال: هذا آخر عهدي بالدنيا. ولم يتكلم بعدها (١) حتى توفي في أوائل جمادى الأولى سنة ٦٤٦ هـ/ ٨ آب ١٢٤٨ م (٢)، ودفن بباب النصر. ويأسى سبط ابن الجوزي لما حل بصاحبه الأمير عز الدين، وموته غريبا مظلوما، فينقلب على الصالح أيوب، وعلى أمير دمشق جمال الدين بن

стр. 215

مطروح. ويسعى جاهدا إلى نقل عز الدين من القاهرة إلى دمشق، ودفنه في قبته في المدرسة العزية البرانية. فيتم له ذلك بعد حين على يد أحد مماليك عز الدين، فيحمله في تابوت إلى دمشق. ويرثيه سبط ابن الجوزي بكلمات فيها حزن وعزاء، قائلا: «ختم للأمير عز الدين بالشهادة، كما عاش في دنياه تحت تلك السعادة … ودفناه في قبته بين العلماء والفقهاء والمحدثين والقراء، وأعطاه الله في آخرته ما كان يتمناه في دنياه، وأناله أرفع الدرجات، والأعمال بالنيات» (١).
следующие страницы →