← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

لبقاء العِدَّة. ولا يُشترط في الرَّجعة رضا المرأة، ولا عِلْمها، كما لا يشترط فيها وَليٌّ ولا صداقٌ إجماعاً؛ لأنَّ الرَّجعة إمساكٌ للمرأة بحكم الزَّوجيَّة؛ فلا يعتبر فيها شيء من ذلك. رابعاً: كَيفيَّةُ الرَّجْعَةِ: تحصلُ الرَّجعةُ بالقول والوَطْء. فتحصل بقول الزَّوج: «راجعتُ امرأتي»، و «رجَّعتها»، و «ارتجعتها»، و «أمسكتُها»، و «رَدَدْتها»، ونحو ذلك من الألفاظ الدَّالة عليها. بخلاف قوله: «نَكحْتُها» أو «تزوَّجْتُها»؛ لأنَّ هذا كناية، والرَّجعةُ استباحةُ بُضْعٍ مقصودٍ، فلا تحصل بالكناية، كالنكاح. وتحصل الرَّجعةُ أيضاً بوطء الزَّوج لها؛ سواء نوى بذلك رَجْعَتَها أو لم ينو؛ لأنَّها زوجة يلحقها الطَّلاق، والظِّهار، والإيلاء، ويَرِثُ أحدُهما صاحبه إن مات، إجماعاً، فالوطءُ دليلٌ على رغبته فيها. خامساً: مِنْ أحْكامِ الرَّجْعَةِ: أ - يجوز للمطلَّقة رَجْعيًّا أن تتعرَّض لِمُطلِّقها؛ بأن تُرِيَه نفسَها، وأن تتزيَّن له كما تتزيَّن النِّساء لأزواجهنَّ، وللمُطلِّق أن يسافر بها، وأن يخلو بها، وأن يطأها -وبه تحصل الرَّجعة ولو لم ينوها؛ كما سبق-؛ لأنَّها في حُكم الزَّوجة.

стр. 1052

ب- إذا اغتسَلَتِ المطلَّقة رَجْعيًّا من الحيضةِ الثالثةِ، ولم يرتجعْها زوجها، فقد بانت منه، ولا تحلُّ له إلَّا بعقدٍ جديدٍ مستكملٍ لشروطه، إجماعًا؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: في العِدَّة. ج- إذا راجع الزَّوج زوجته في العِدَّة، أو لم يراجعها حتَّى انتهت عِدَّتُها، فتزوَّجها بعقدٍ جديدٍ؛ فإنَّها تعود إليه على ما بقي من مرَّات طلاقِها، ولو كان عَوْدُها بعد وَطْءِ زوجٍ آخر لها؛ لأنَّ وَطْءَ الثاني لا يُحتاج إليه في الإحلال للزَّوج الأوَّل؛ فلا يُغيِّر حكم الطلاق.

стр. 1053

فصل في ما تحلُّ به المطلَّقة ثلاثاً إذا طَلَّق الحُرُّ زوجته ثلاث طَلَقات، أو طَلَّق العَبْد الأَمَةَ ثنتين لم تحلَّ له إلَّا بشروطٍ: الأوَّل: أن تنكحَ زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الثاني: أن يطأها الزَّوجُ الثاني في قُبُلها مع الانتشار ولو لم يُنْزل؛ لقول النبيِّ ﷺ لامرأة رِفاعَة القُرَظِيِّ- وقد بانت منه وتزوَّجت بغيره-: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) [رواه البخاري، ومسلم]. والعُسَيْلَة هي الجِماع. ولأنَّ الوطء المعتبر في الزَّوجة لا يكون في غير القبل. الثالث: ألَّا يكون وَطْؤُه لها حال الحيض، أو النِّفاس، أو الإحرام، أو في صوم الفَرْض، وإلَّا لم تحلَّ؛ لأنَّه وطءٌ حُرِّم لحقِّ الله تعالى؛ فلم يُحِلَّها؛ كالوَطْء في النِّكاح الباطل. فإذا توفَّرت هذه الشروط حصل التَّحليل، وتعود إليه -إن طلَّقها الزَّوج الثَّاني- على ثلاث طلقات. حكاه ابن المنذر إجماعاً.

стр. 1054

- إذا طلَّقها الزَّوج الثَّاني، وادَّعت أنَّه وَطِئَها، فكَذَّبها، فالقول قوله في تنصيفِ المَهْر؛ لأنَّ الأصل براءته، إلَّا إذا أقرَّ بالخَلْوَة بها؛ فلها المَهْر كاملاً. والقولُ قولُها في وجود الوَطْءِ؛ لإباحتها للأوَّل؛ لأنَّها مؤتمنةٌ على نفسها، وعلى ما أخبرت به عنها، ولا سبيل إلى معرفة ذلك حقيقةً إلَّا من جهتها، فتعيَّن الرُّجوع إلى قولها؛ كما لو أخبرت بانقضاء عِدَّتها. إلَّا إذا كذَّبها الأوَّل في ادِّعاء وَطْءِ الثَّاني لها، فإنَّها لا تحلُّ له؛ لأنَّه مقِرٌّ على نفسه بتحريمها عليه.

стр. 1055

كتاب الإيلاء أوَّلًا: تَعريفُ الإِيلَاءِ: الإِيلاءُ لُغةً: الحَلِف، من آلَى يُولِي؛ إذا حَلَف، والأَلَيَّةُ هي اليمين. واصطلاحاً: الحَلِفُ على تَرْك وَطْءِ الزَّوجةِ أكثر من أربعة أشهرٍ. ثانياً: حُكمُ الإِيلَاءِ: الإيلاءُ حَرامٌ؛ لأنَّه يمينٌ على ترك واجبٍ؛ وهو الوَطْء، ولأنَّ فيه إضراراً بالمرأة، وسُوء عِشْرةٍ. والأصل فيه قول الله : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. قال ابن قتيبة: «يُؤلونَ من نِسائِهم: يَحْلِفون». قال ابن عبَّاس ﵄: «كَانَ إِيلَاءُ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَقَّتَ اللهُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» [رواه الطبراني، والبيهقي]. ثالثاً: شُروطُ صِحَّة الإِيلَاءِ: يُشترطُ لصحَّة الإيلاء الشروط التالية: أ - أن يكون من زوجٍ يصحُّ طلاقُه؛ فلا يصحُّ من غير الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. كما لا يصحُّ من المغمى عليه أو المجنون؛ لأنَّه لا قصد لهما، ولا حكم ليمينهما. ب- أن يكون الزَّوج ممَّن يمكنُه الوَطْء؛ فلا يصحُّ الإيلاء من العاجز عن

стр. 1056

الوَطْء؛ لأنَّ الإيلاء هو اليمين المانعة من الجماع، ويمين مَنْ لا يُمكنه الجماع لا تمنعه؛ بل فعل ذلك متعذِّر منه. ج- أن يَحلفَ الزَّوجُ على تَرْك الوَطْء في القُبُل. د - أن يكون الحَلِفُ بالله تعالى، أو بصِفَةٍ من صِفاته؛ فإن حَلَفَ على تَرْك الوطء بنَذْرٍ؛ كما لو قال -مثلاً-: «عليَّ صوم الدَّهر إن وَطِئتُكِ قبل سَنَةٍ»، أو حَلَف بطلاقٍ؛ كما لو قال: «عليَّ الطَّلاق ألَّا أطأ زوجتي مدَّة سَنَةٍ»، ونحو ذلك، لم يكن مُولياً؛ لأنَّ الإيلاء المُطْلَق إنَّما هو القَسَم، والتعليق بشَرْطٍ ليس بقَسَم. هـ- أن يَحلِفَ على تَرْك الوَطْءِ أكثر من أربعة أشهرٍ؛ فإن حَلَفَ على أربعةٍ فما دونها لم يكن مُولياً؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ فدلَّ على أنَّه لا يكون مُولِياً بما دونها. رابعاً: أحكامُ الإِيلَاءِ: إذا توفَّرت الشروط السابقة؛ بأن حَلَفَ الزَّوجُ -الذي يمكنه الوَطْءُ- بالله تعالى، أو بصِفةٍ من صِفاته ألَّا يطأ زوجته أبداً، أو مدَّةً تزيد على أربعة أشهرٍ، كان الزوج مُولياً؛ فيُضرَبُ له حينئذٍ أجلُ الإيلاء (أربعة أشهر) من حين يمينه، ولا يُطَالب بالوَطْءِ فيهنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. فإذا مضت تلك المدَّة دون وَطْءٍ، ورَفَعَت الزَّوجةُ أَمْرَها إلى القاضي، أَمَرَهُ القاضي بالفَيْئَة؛ أي: الرُّجوع إلى الجماع، ويُكفِّر عن يمينه؛ لحديث أبي هريرة

стр. 1057

﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) [رواه مسلم]. فإن أَبَى الجماع؛ أَمَرَه القاضي بالطَّلاق إن طلبته المرأة؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، ولقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومَنْ امتنع من بَذْل ما وَجَبَ عليه لم يُمسِك بمعروفٍ؛ فيؤمَرُ بالتَّسريح بإحسانٍ. فإن أَبَى الطلاق؛ طلَّقها عليه القاضي طَلْقةً واحدةً، أو ثلاث طلقاتٍ؛ لأنَّ الطَّلاق تدخُلُه النِّيابة وقد تَعيَّن مُستحقُّه؛ فقام فيه القاضي مقام الزَّوج الممتنع؛ كأداء الدَّيْنِ.

стр. 1058

كتاب الظِّهار أوَّلًا: تَعريفُ الظِّهار: الظِّهار لُغةً: مشتقٌ من الظَّهر. وخُصَّ به؛ لأنَّه موضع الرُّكوب. واصطلاحاً: هو أن يشبِّه الزَّوجُ امرأتَهُ، أو عضواً منها بمن يَحرُمُ عليه -ولو إلى أمدٍ- من رجلٍ أو امرأةٍ، أو بعضو أيٍّ منهما. ثانياً: حُكْمُ الظِّهار: الظِّهار محرَّم؛ لقول الله تعالى -لمَّا ظاهَرَ أَوْسُ بن الصَّامِت ﵁ من زوجته -: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، وقول المنكر والزُّور من أكبر الكبائر. وحكى ابن المنذر الإجماع على تحريمه. ثالثاً: ألفاظُ الظِّهار: ألفاظُ الظِّهار منها ما هو صريحٌ لا يحتاج إلى نيَّةٍ أو قرينةٍ، ومنها ما هو كناية؛ يحتاج إلى ذلك: - فأمَّا ألفاظه الصريحة؛ فمثل أن يقول لها: «أَنْتِ، أو يَدُكِ كظهر أُمِّي»، أو

стр. 1059

«كبطن أُمِّي»، أو «بطن، أو عين عمَّتي، أو خالتي»، أو «أنت عليَّ كفلانةٍ» الأجنبيَّة، أو «كظهر أخت زوجتي، أو عمَّتها»، أو يقول لها: «أنتِ عليَّ حرامٌ»، أو قال: «الحِلُّ عليَّ حرامٌ»، ونحو ذلك من الألفاظ الصَّريحة التي لا تحتمل غير الظِّهار. - وأمَّا ألفاظه غير الصريحة؛ فمثل أن يقول لها: «أنتِ أُمِّي، أو كأُمِّي»، أو «عليَّ الظِّهار»، أو «يلزمني الظِّهار» أو «عليَّ الحرام»، ونحو ذلك من الألفاظ؛ فلا يكون ظِهاراً إلَّا مع النيَّة، أو القرينة الدَّالة عليه؛ كأن يقول ذلك حال الخصومة، أو الغضب؛ لأنَّ هذه الألفاظ تحتمل الظِّهار وغيره، فاشتُرطت النيَّة لتعيينه، والقرينة تقوم مقام النيَّة. - وإن قال لها: «أنتِ عليَّ كأُمِّي أو مثل أُمِّي»، أو «أنتِ عندي كأُمِّي أو مثل أُمِّي»، أو «أنتِ معي كأُمِّي» أو «معي مثل أُمِّي»، ولم ينوِ به ظِهاراً ولا غيره؛ فهو ظِهارٌ؛ لأنَّه المتبادر من هذه الألفاظ. فإن نوى بهذه الألفاظ غير الظِّهار؛ كالكَرامة والمحبَّة ونحو ذلك قُبِلَ منه ذلك حُكْماً؛ فلا يُعدُّ ظِهاراً؛ لأنَّ هذه الألفاظ تحتمل ذلك، وهو أعلم بمراده. - وإن قال لها: «أنتِ عليَّ كالميتة، أو الدَّم، أو الخنزير»، وقع به ما نواه؛ فإن نوى به طلاقاً؛ كان طلاقاً، لأنَّه يصلح أن يكون كناية فيه. وإن نوى به ظِهاراً؛ كان ظهاراً، لأنَّه يشبهه.

стр. 1060

وإن نوى به يميناً؛ بأن لا يطأها، كان يميناً؛ لأنَّ اللَّفظ يحتمله، وتجب فيه الكفَّارة بالحِنث. فإن لم ينوِ شيئًا من هذه الأمور كان ظِهاراً؛ لأنَّ معناه: أنتِ عليَّ حرامٌ كالميتة، والدَّم، والخنزير. رابعاً: مَنْ يَصِحُّ ظِهَارُهُ: يصحُّ الظِّهار من كلِّ من يصحُّ منه الطلاق؛ وهو الزَّوج العاقل المُميِّز؛ لأنَّ الظِّهار تحريمٌ كالطَّلاق؛ فجرى مجراه، وصحَّ ممَّن يصحُّ منه. خامساً: مَنْ يَصِحُّ الظِّهارُ مِنْهَا: يصحُّ الظِّهار من كلِّ زوجةٍ؛ كبيرةً كانت أو صغيرةً، مسلمةً كانت أو ذمِّيَّةً، يمكن وطؤها أو لا يمكن؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، ولأنَّها زوجة يصحُّ طلاقها فصحَّ ظِهارها. سادساً: تَنْجيزُ الظِّهار وتَعْليقُه وتَأْقيتُه: - يصحُّ الظِّهار مُنجَّزاً؛ كما لو قال لزوجته: «أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي». - ويصحُّ معلَّقاً بشرطٍ؛ كما لو قال لها: «إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي». ويصحُّ إذا حلف به وحنث؛ كما لو قال: «عليَّ الظِّهار إن دَخَلْتِ الدَّار»، ودَخَلَتْ.

стр. 1061

- ويصحُّ الظِّهار مؤقَّتاً؛ كما لو قال لها: «أنتِ عليَّ كظهر أمي شهراً»، أو «حتَّى ينقضي شهرُ رمضان»، فإذا مضى الوقت زال حُكم الظِّهار، وحَلَّت المرأة بلا كفَّارة؛ لأنَّ التَّحريم صادف ذلك الزَّمن دون غيره، فوجب أن ينقضي بانقضائه، ولا تلزمه الكفَّارة إلَّا بالوطء في المدَّة؛ لحديث سَلَمَة (أو سَلْمان) بن صَخْر البَياضِيّ ﵁ أنَّه: (جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلاً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْتِقْ رَقَبَةً، قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَعْطِهِ ذَلِكَ العَرَقَ -وَهُوَ مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا- إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه]، فَلم يُنْكِرْ تَقَيُّدَهُ. - إذا قال الرَّجل لامرأةٍ أجنبيةٍ عنه: «أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي»، أو قال لها: «أنتِ عليَّ حرامٌ» ونوى أبداً، صحَّ ذلك ظِهاراً؛ لأنَّه إذا تزوج بها تحقَّق معنى الظِّهار فيها، ولأنَّ الظِّهار يمينٌ مُكفَّرة؛ فصحَّ عقدها قبل النكاح؛ كاليمين بالله تعالى. فإن تزوَّجها لم يطأها حتَّى يُكفِّر كفَّارة الظِّهار، بخلاف ما لو قال لها: «أنتِ عليَّ حرام»، ولم ينوِ أبداً، فلا يكون ظِهاراً؛ لأنَّه صادق في حرمتها عليه

стр. 1062

قبل عقد النكاح. سابعاً: الأحكامُ المترتِّبةُ على الظِّهار: أ - إذا صحَّ الظِّهار حَرُمَ على المظاهِر والمظاهَرِ منها الوطء ودواعيهِ؛ كالقُبْلة ونحوها قبل التَّكفير؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، ولو كان تكفيره بإطعامٍ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنِّي قَدْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ القَمَرِ، قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ) [رواه الترمذي]. ولأنَّ ما حَرَّم الوطءَ من القول حَرَّم دواعيه، كالطلاق والإحرام. ب- إذا وَطِئَها أو قَبَّلها ونحو ذلك قبل التَّكفير أثِم؛ لأنَّه عصى ربَّه بمخالفة أمره، وثبتت الكفَّارة في ذمَّته ولو جُنَّ بعد أن ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والعَوْدُ: هو الوطء؛ لأنَّ المُظاهِر حَرَّم الوطء على نفسه ومنعها منه، فالعَوْد فِعْلُه؛ فأوجب الله تعالى الكفَّارة عقب العَوْدِ؛ وذلك يقتضي تعلُّقها به.

стр. 1063

وأمَّا قبل الوَطْءِ؛ فإنَّ الكفَّارة لم تكن واجبةً، وإنَّما كانت شَرْطاً لحِلِّه. ويستمرُّ تحريم وطئها حتَّى يكفِّر لِظِهاره؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق-: (فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللّاه بِهِ). ج- لا يجب على المُظاهِر أكثر من كفَّارة، ولو تكرَّر منه الوَطْء؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمر سَلَمَة بن صخر بأكثر منها. د - إذا مات المُظاهِر أو ماتت زوجته المُظاهَر منها، أو طلَّقها قبل الوطء، سقطت كفَّارة الظِّهار؛ لأنَّه لم يوجد الحِنث. ثامناً: كفَّارةُ الظِّهار: كفارة الظِّهار على الترتيب، وهي كما يلي: أ - عِتْقُ رَقَبَةٍ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ويشترط فيها: ١) أن تكون مُؤمِنةً؛ لقول الله تعالى في كفَّارة القتل الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وأُلحِق بذلك سائر الكفارات؛ حملاً للمُطْلَق على المقيَّد. ٢) أن تكون سالمةً من العُيوب المُضِرَّة في العمل ضَرراً بَيِّناً، كعَمى، وشلل يدٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ المقصود تمليك العَبْد منفعته، وتمكينه من

стр. 1064

التَّصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع العيب المذكور. ومن العيوب المانعة من صحَّة الإجزاء: أن يكون العَبْدُ أخرسَ أصمَّ، ولو فُهمَتْ إشارتُه؛ لأنَّه ناقصٌ بفقد حاسَّتين تنقصُ بنقصهما قيمته نقصاً كثيراً. ومنها: أن يكون مجنوناً جنوناً مُطْبِقاً، وكذا الزَّمِنُ، والمُقْعَد؛ لعدم تمكُّنهم من العمل في أكثر الصنائع، أو كُلِّها. ومنها: أن يكون جَنيناً؛ لأنَّه لم تثبت له أحكام الحياة. ب- فإن لم يجد رقبةً ليشتريها، أو وجدها لكنَّه لا يملكُ مالًا فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته لشرائها؛ صام شهرين متتابعين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. ويُشترط فيه تَبْييتُ النيَّة من اللَّيل لصوم كلِّ يومٍ؛ لأنَّه صوم واجب، ويلزمه تعيينه لجهة الكفارة؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري]. ويَلزمُه التَّتابع في صيام الشَّهرين؛ بأن لا يُفرِّق الصوم حتَّى يقضي صيام الشهرين. فإن وطئ المُظاهِرُ امرأته المُظاهَرُ منها، ولو كان ناسياً، أو مع عذر المرض، أو السفر المبيح للفطر، أو كان وطؤه ليلًا، انقطع التتابع، واستأنف

стр. 1065

صياماً جديداً؛ لعموم الآية، ولأنَّه تحريم للوطء، فلا يختص بنهارٍ، ولا بتذكُّرٍ. وينقطع تتابعه بصوم غير شهر رمضان؛ لأنَّه فرَّقه بشيءٍ يمكن تحرُّزه منه، فصار كمن أفطر بلا عذرٍ، ويقع صومه عما نواه؛ لأنَّه زمانٌ لم يتعيَّن للكفَّارة. ج- فإن لم يستطع الصوم لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ، أو لشَبَقٍ؛ بحيث لا يصبر فيه عن جماع زوجته؛ لزمه إطعام ستِّين مسكيناً؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣]. ولمَّا أمر النبيُّ ﷺ سَلَمَة بن صَخْر ﵁ بالصِّيام قال: (يَا رَسُوُلَ اللّاهِ، وَهَلْ دَخَلَ عَلَيَّ مَا دَخَلَ مِنْ الْبَلَاءِ إِلَّا بِالصَّوْمِ؟ قَالَ: فَتَصَدَّقْ، أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) [رواه ابن ماجه]؛ فنقله إلى الإطعام لَمَّا أخبره أنَّ به من الشَّبَق والشَّهوة ما يمنعه من الصِّيام. فيُعطَى كلُّ مسكينٍ مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاعٍ من غير البُرِّ؛ قال به زيدٌ، وابن عبَّاس، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃، ولم يُعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً. - ويُشترطُ في المسكين: أن يكون مُسلِماً، حُرًّا، ولو أنثى؛ قياساً على الزكاة. - ولا يجزئ من الطعام إلَّا ما يجزئ في زكاة الفِطْر؛ من البُرِّ، والتَّمر، والشَّعير، والزَّبيب، والأَقِط؛ لأنَّ الكفَّارة وَجَبَت طُهْرةً للمُكفَّر عنه، كما أنَّ زكاة الفِطْر طُهْرةٌ للصائم، فاستويا في الحكم.

стр. 1066

- لا يُجزئ في الكفَّارة إخراجُ القيمة؛ لأنَّ الواجب هو الإطعام، وإعطاء القيمة ليس بإطعام. - ولا يُجزئ أن يُغَدِّيَ المساكين أو يُعَشِّيهم؛ لأنَّ المنقول عن الصَّحابة إعطاؤهم. - ويُشترط في كفَّارة الظِّهار النيَّة؛ فلا يجزئ العِتْق، ولا الصَّوم، ولا الإطعام إلَّا بالنيَّة؛ وهو أن ينوي ذلك عن جهة الكفَّارة؛ لقول النبي ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [البخاري]. ومحلُّ النيَّة في الصوم اللَّيل -كما سبق-، وفي العِتْق والإطعام معه أو قبله بيسيرٍ.

стр. 1067

كتاب اللِّعان أوَّلًا: تَعريفُ اللِّعانِ: اللِّعانُ لُغةً: مشتقٌّ من اللَّعْنِ؛ وهو الطَّرْدُ والإبْعادُ. واصطلاحاً: هو شَهاداتٌ مُؤكَّداتٌ بأَيْمانٍ من الجانبين -الزَّوج والزَّوجة- مقرونةٌ بلَعْنٍ من الزَّوج، والدُّعاء بغَضَب الله من الزَّوجة. ثانياً: سَبَبُ اللِّعانِ: سببُ اللِّعان: هو قَذْفُ الرَّجل لزوجته بالزِّنا، والأصل أنَّ من قذف غيره بالزِّنا فكذَّبه أن يأتي بالبيِّنة على ذلك؛ وهي أربعة شهود، أو يقام عليه حَدُّ القَذْف إن كان المقذوف مُحْصَناً؛ أي: مُسلماً، حُرًّا، عاقلاً، عفيفاً عن الزِّنى؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. فإن لم يكن مُحْصَناً عُزِّرَ؛ رَدْعاً له عن أَعْراض المعصومين، وكَفًّا له عن إيذائهم. والزَّوج كذلك إذا رَمَى زوجته بالزِّنا، إلِّا أنَّه زِيدَ في حقِّه اللِّعان؛ فمن رَمَى زوجته بالزِّنا وكَذَّبته، فعليه أن يُقيمَ البيِّنة أو يُلاعنَها، وإلَّا أُقيم عليه الحدُّ، أو التعزير؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦].

стр. 1068

ثالثاً: حُكْمُ اللِّعانِ: اللِّعان مشروعٌ بالكتاب، والسُّنَّة. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. - ومن السُّنَّة: حديث عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَلَاعَنَا، كَمَا قَالَ اللهُ، ثُمَّ قَضَى بِالوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ) [رواه البخاري]. ولأنَّ الزَّوج يُبتلَى بقَذْف امرأته؛ لينفي العار والنَّسب الفاسد، وتتعذَّر عليه البيِّنة، فجُعل اللِّعان بيِّنةً له، ولهذا لمَّا نزلت آية اللِّعان، قال النَّبي ﷺ : (أَبْشِرْ يَا هِلَالُ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا) [رواه أحمد، وأبو داود]. رابعاً: صِفَةُ اللِّعانِ: صفة اللِّعان؛ أن يقول الزَّوج أربع مرَّات: «أشهدُ بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزِّنا»، ويشير إليها إن كانت حاضرة، أو يُسمِّيها إن كانت غائبة، ثمَّ يقولها في المرَّة الخامسة، ويزيد عليها: «وأنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين». ثمَّ تقول الزوجة -أربع مرَّات-: «أشهدُ بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما رَماني به

стр. 1069

من الزِّنا» وتشير إليه إن كان حاضراً، وتسمِّيه إن كان غائباً، ثمَّ تزيد في الخامسة: «وأنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين»؛ وذلك لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]. خامساً: سُنَنُ اللِّعانِ: يُسنُّ في اللِّعان ما يلي: أ - أن يتلاعنا قياماً؛ لما جاء في حديث ابن عبَّاس ﵄ -في قصَّة قَذْف هِلال بن أُميَّة امرأته-: (فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ … ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ) [رواه البخاري]. ب- أن يكون اللِّعان بحضرة جماعة؛ لأنَّ جَمْعاً من الصحابة حضروه مع النبيِّ ﷺ ، كما في حديث سَهْل بن سَعْدٍ ﵁ (فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ [رواه البخاري]. ولأنَّ اللِّعان بُنِيَ على التَّغليظ، مبالغةً في الرَّدع به والزَّجر، وفِعْلُه في الجماعة أبلغ في ذلك. ج- ألَّا يقلَّ عدد الحضور عن أربعة رجال؛ لأنَّ الزوجة ربما أقرَّت بالزِّنا؛ فيشهدون عليها.

стр. 1070

د - أن يتلاعنا بوقتٍ ومكانٍ معظَّمين؛ كبعد العصر يوم الجمعة، وبين الرُّكن والمقام بمكَّة، وعند المنبر في باقي المساجد. هـ- أن يأمر القاضي مَنْ يضع يده على فم الزَّوج والزَّوجة عند الخامسة، ويقول: «اتقِ الله؛ فإنَّها الموجِبة -أي: الموجِبة للَّعنة أو الغضب على الكاذب منهما-، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة»؛ لما جاء في قصَّة هِلال بن أُميَّة، وفيه: (فَلَمَّا كَانَتِ الخَامِسَةُ قِيلَ لَهُ يَا هِلَالُ: اتَّقِ اللّاهَ؛ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ المُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا، فَشَهِدَ الخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: اشْهَدِي، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّاهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ الخَامِسَةُ قِيلَ لَهَا: اتَّقِي اللّاهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ المُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ … ) [رواه أحمد، وأبو داود]. والحكمة في ذلك هي تخويفهما؛ ليتوب الكاذب منهما ويرتدع. سادساً: شُروطُ اللِّعانِ: يُشترط في اللِّعان ثلاثة شروط: أ - أن يكون بين زوجين مُكلَّفيْن (عاقِلَيْن بالِغَيْن)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.

стр. 1071

وأمَّا اعتبار التكليف، فلأنَّ قَذْف غير المكلَّف لا يُوجب حدًّا، واللِّعان إنَّما وَجَبَ لإسقاط الحدِّ. ب- أن يتقدَّمه قَذْفٌ بالزِّنا لَفْظاً، ولو في دُبُرٍ؛ بأن يقول لها: «زنيتِ»، أو «يا زانية»، أو «رأيتُك تزنين»، ونحو ذلك؛ لأنَّه قَذْف يجبُ به الحدُّ. فإن لم يقذفها بالزِّنا أو قال لها: وُطِئتْ مكرهةً، أو وُطِئتْ نائمةً، أو وُطِئتْ مع إغماءٍ، ونحو ذلك، فلا لِعانَ بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾، ولأنَّه لم يقذفها بما يُوجِبُ الحدَّ. ج- أن تكذِّبه الزَّوجةُ في قَذْفِه إيَّاها، ويستمرَّ تكذيبُها إلى انقضاء اللِّعان؛ لأنَّ اللِّعان إنَّما يُشرع حيث تُنكر المرأة، أمَّا إن صدَّقته فيما رماها به من الزِّنا، أو سكتت؛ فلا لعان حينئذٍ؛ لعدم وجود شرطه، ولحقه النَّسَب؛ لأنَّ الولد للفراش. سادساً: ما يترتَّبُ على اللِّعانِ: إذا تمَّ اللِّعان بين الزَّوجين ترتَّب عليه أربعةُ أحكامٍ: أ - سُقوطُ الحدِّ أو التَّعزير الذي أوجبه القَذْف؛ فلا يقام الحدُّ على الزوج؛ لأنَّ لِعانه أُقيم مقام بيِّنته؛ والبيِّنة تُسقِطُ الحدَّ؛ فكذا اللِّعان. وكذا لا يقام الحدُّ على الزَّوجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]. ب- التَّفريقُ بينهما؛ لقول عمر بن الخطَّاب ﵁: (المُتَلَاعِنَانِ يُفَرَّقُ

стр. 1072

بَيْنَهُمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا) [رواه ابن أبي شيبة]. ج- التَّحريمُ المؤبَّد؛ فلا تحلُّ له بعد ذلك أبداً؛ لقول سَهْل بن سَعْدٍ ﵁: (فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي المُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا) [رواه أبو داود]. د - انتفاءُ الوَلَدِ عنه؛ فلا يُنْسَبُ إليه؛ لما جاء في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ -في قصَّة قَذْف هِلال بن أُميَّة امرأتَه-: (فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الحَدُّ) [رواه أبو داود]. لكن يُشترط ذِكْرُ ذلك صراحةً في اللِّعان؛ بأن يقول في كلِّ مرَّةٍ: «أشهدُ بالله لقد زَنَتْ، وما هذا وَلَدِي»، أو يَذْكُرُه ضِمْناً؛ كأن يقول: «أشهدُ بالله لقد زَنَتْ في طُهْرٍ لم أُجامعها فيه». كما يُشترط لنفي الولد باللِّعان أن لا يسبقه إقرارٌ، أو ما يدلُّ على إقراره به؛ كأن يُهنَّأ به، فيسكت، أو يُؤمِّن على الدُّعاء، ونحو ذلك.

стр. 1073

فصل فيما يلحق من النَّسب أ - مَنْ وَلَدَت زوجتُه بعد ستَّة أشهر -وهي أقلُّ مدَّةٍ للحَمْل- منذ أمكن اجتماعه بها، أو وَلَدَت لدون أربع سنوات -وهي أكثر مدَّةٍ للحَمْل- منذ أبانها زوجها: لَحِقَهُ نَسَبُه؛ ولو كان الزَّوج ابن عشر سنين؛ لما روت عائشة ﵂، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) [متفق عليه]. ولإمكان كونه منه؛ فيُحتاط؛ حِفْظاً للنَّسَب. ب- لا يترتَّب على لُحوق النَّسَب به الحكم ببلوغه إن كان مشكوكاً فيه؛ لأنَّ الحكم بالبلوغ؛ يستدعي يقيناً؛ لما يترتَّب عليه من الأحكام والتكاليف، ووجوب الغرامات، فلا يُحكم به مع الشكِّ. ج- كما لا يترتَّب عليه ثبوت كامل المَهْر للزَّوجة، إلَّا إذا ثبت الدُّخول أو الخَلْوة؛ لأنَّ الأصل براءة ذِمَّته، فلا يثبت عليه دون ثبوت سَبَبه المُوجِب له. د - وكذا لا يثبتُ به عِدَّةٌ ولا رَجْعةٌ؛ لأنَّ السَّبَب المُوجِب لهما غير ثابتٍ، فلو طلَّقها بعد أن وَلَدت، وكان ذلك قبل الدُّخول أو الخَلْوة، فلا عِدَّة عليها، بل لها أن تتزوَّج في الحال. وكذا لا يملك رجعتها، بل تَبِين بطَلْقةٍ، لأنَّ مُوجِبَ العِدَّة وثبوت الرَّجعة هو الدُّخول أو الخَلْوة، وذلك غير محقَّقٍ، وإنَّما

стр. 1074

أُلحِقَ الوَلَد به؛ حِفْظاً للنَّسَب واحتياطاً. هـ- أمَّا إن وَلَدَت لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ -وعاش المولود-: لم يَلْحَقْه نَسَبُه؛ لأنَّها مدَّةٌ لا يمكن أن تَحمِلَ وتَلِدَ فيها، فعُلِمَ أنَّها كانت حاملاً به قبل زواجه بها. وكذا لو وَلَدَت لأكثر من أربع سنوات منذ أبانها لم يلحقه نَسَبُه؛ للعِلْم بأنَّها حَمَلَت به بعد بينونتها؛ إذ لا يمكن بقاؤها حاملًا به بعد البينونة إلى تلك المدَّة. وكذا لو عُلِمَ أنَّه لم يجتمع بها؛ كما لو تزوَّجها بحضرة جماعةٍ، ثمَّ أبانها في المجلس أو مات، لم يَلْحَقْه نَسَبُه؛ للعِلْم بأنَّه ليس منه. و - يَتبعُ الوَلَدُ أباه في النَّسَب إجماعاً؛ لقول الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ز - ويَتبعُ في الدِّين؛ خَيْرَهما دِيناً؛ فلو تزوَّج المُسلِمُ من كِتابيَّةٍ؛ فإنَّ وَلَدَه منها يكون مُسلِماً.

стр. 1075

كتاب العِدَّة أوَّلًا: تَعريفُ العِدَّة: العِدَّةُ لُغةً: -بكَسْر العَيْن- مأخوذةٌ من العَدَد، وهي ما تَعُدُّه المرأةُ من أيَّام أَقْرائِها أو حَمْلِها. واصطلاحاً: مُدَّةٌ معلومةٌ تَتربَّصُ -أي تنتظر- فيها المرأةُ بسببِ فُرْقَةِ نكاحٍ، وما أُلْحِقَ به. ثانياً: حُكمُ العِدَّة: العِدَّة واجبةٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع. فأمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. - ومن السُّنَّة: قول النبيِّ ﷺ لفاطمة بنت قَيْسٍ ﵂: (اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) [رواه أبو داود]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «وأجمعت الأُمَّةُ على وجوب العِدَّة في الجملة».

стр. 1076

ثالثاً: الحِكْمَةُ مِنْ مَشْروعِيَّة العِدَّة: فُرِضَت العِدَّة لحِكَمٍ جليلةٍ، ومقاصدَ عظيمةٍ؛ منها: أ - معرفةُ بَراءة رَحِم المرأةِ من الحَمْل قبل أن تتزوَّج بآخر، كي لا تختلط الأنساب. ب- بيانُ عِظَم حقِّ الزَّوج. ج- بيانُ عِظَم عَقْد الزَّواج، وأنَّ حَلَّهُ ليس بالأمر السَّهل. د - تطويلُ زمن مدَّة الرَّجعة، لعلَّ الزَّوج يُراجع فيها زوجته. رابعاً: أقسامُ العِدَّة وأحكامُها: المرأةُ التي فارقها زوجها لا تخلو من حالين: الحال الأُولى: المفارَقَةُ بالوفاة: وهي المرأة التي مات عنها زوجها، فتجب عليها العِدَّة مطلقاً؛ سواء كان الزَّوج صغيراً أو كبيراً، دَخَل بها أو لا، يمكنه الوَطْءُ أو لا، كبيرةً كانت الزَّوجة أو صغيرةً؛ لعموم قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ولقول النبيِّ ﷺ في رَجُلٍ تزوَّج امرأةً فمات عنها، ولم يَدْخُل بها، ولم يَفْرِضْ لها الصَّداق، فقال: (لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ) [رواه أبوداود]. وهذه المرأة التي تُوفِّي عنها زوجها لا تخلو من حالين: أ - أن تكون حاملاً من الميِّت؛ فهذه عِدَّتها إلى أن تضع كُلَّ حَمْلِها، أو الأخير من عددٍ، طال الزَّمَن أو قَصُر، حُرَّةً كانت أو أَمَةً؛ لقول الله تعالى:

стр. 1077

﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. والحَمْلُ الذي تنقضي به العِدَّة: ما يَتبيَّن فيه شيءٌ من خَلْق الإنسان؛ كالرَّأس، واليد، والرِّجْل؛ قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ مَنْ نحفظ عنه من أهل العِلْم على أنَّ عِدَّة المرأة تنقضي بالسَّقْط إذا عُلِم أنَّه وَلَدٌ». ب- أن لا تكون حامِلاً من الميِّت، ولها حالتان: ١) أن تكون حُرَّة؛ فهذه تكون عِدَّتها أربعة أشهر وعشر ليالٍ بأيَّامها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ولما روت زينبُ بنت أبي سَلَمَة ﵂، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [متفق عليه]. ٢) أن تكون أَمَةً؛ فهذه عِدَّتها على النصف من عِدَّة الحُرَّة؛ أي: شَهْران وخمسة ليالٍ بأيَّامها؛ لإجماع الصحابة ﵃ على أنَّ عِدَّة الأَمَةِ على النِّصف من عِدَّة الحُرَّة في الطلاق، فكذا في عِدَّة الوفاة. الحال الثَّانية: المفارقة حال الحياة: وهي المرأة التي فارقها زوجها بطلاقٍ، أو فَسْخٍ، أو غير ذلك، فتجبُ عليها العِدَّة بشروط: أ - أن يكون الزَّوج قد وَطِئَها أو خَلَا بها؛ لما رُوِيَ عن زُرارة بن أَوْفَى قال: (قَضَى الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ أَنَّهُ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا، أَوْ أَرْخَى سِتْرًا، فَقَدْ وَجَبَ المَهْرُ، وَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ) [رواه ابن أبي شيبة].

стр. 1078

فإنْ طلَّقها قبل الدُّخول أو الخَلْوة فلا عِدَّة عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ب- أن يكون الزَّوج ممَّن يَطَأُ مثلُه؛ وهو ابن عشر سنين. ج- أن تكون الزَّوجة ممَّن يُوطَأُ مثلُها؛ وهي بنت تسع سنين؛ لأنَّه مظنَّة لاشتغال الرَّحِم بالحَمْل، فتجب العِدَّة لاستبرائه. فإن وَطِئَ من كان دون العشر، أو وُطِئَت من كانت دون التِّسْع، فلا عِدَّة لذلك الوَطْءِ؛ لتحقُّق براءة الرَّحِم من الحَمْل. فإذا تحقَّقت هذه الشروط وَجَبَت العِدَّة على الزَّوجة، وذلك على النحو التالي: أ - أن تكون حامِلاً؛ فعدَّتها بوضع الحَمْل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ب- وإن لم تكن حاملًا، فلا يخلو ذلك من أحوال: ١) أن تكون من ذوات الحَيْض؛ فعدَّتها ثلاث حيضات إن كانت حُرَّة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والقُرْءُ: الحَيْض. وإن كانت أَمَةً فعِدَّتها حَيْضَتان؛ لقول عمر ﵁: (عِدَّةُ الْأَمَةِ إِذَا لَمْ تَحِضْ شَهْرَيْنِ، وَإِذَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ) [رواه البيهقي]، ولقول ابن عمر رضي

стр. 1079

الله عنهما: (وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ) [رواه مالك، والدارقطني]. ولا يُعرَف لهما مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً. ٢) أن لا تكون من ذوات الحَيْض؛ بأن كانت صغيرةً، أو بالغةً لكنَّها لم تَرَ حَيْضاً ولا نِفاساً، أو كانت آيِسَةً -وهي من بلغت خمسين سنةً فانقطع حيضها عن عادتها- فعدَّتها ثلاثة أشهر من وقت الفُرْقة إن كانت حُرَّة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. وشهران إن كانت أَمَةً؛ لقول عمر ﵁ السابق: (عِدَّةُ الْأَمَةِ إِذَا لَمْ تَحِضْ شَهْرَيْنِ). ٣) أن تكون المُطَلَّقة من ذوات الحَيْض، ثمَّ ارتفع حَيْضُها قبل أن تَبْلغَ سِنَّ الإِياس، ولم تعلمْ سَبَب رَفْعِه، فإنَّها تتربَّص غالب مدَّة الحَمْل، وهو تسعة أشهر؛ لتعلم براءة رَحِمِها، فإن تبيَّن حَمْلٌ أكملت عِدَّة الحامل، وإن نزل الحيض اعتدَّت به، وإلَّا جلست بعد ذلك عِدَّة الآيسة؛ ثلاثة أشهر؛ لقول عمر ﵁: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ حَلَّتْ) [رواه مالك]. وإن عَلِمَت سببَ رَفْعِه؛ من مَرضٍ، أو رَضاعٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها تتربَّص حتَّى يعود الحيض فتعتدَّ به، وإن طالت المدَّة؛ لأنَّها مطلَّقة، ولم تيأس من الحيض، فيتناولها عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾،

стр. 1080

ولقضاء عثمان ﵁ بذلك في قصَّة حبَّان بن مُنْقِذ ﵁ لمَّا طَلَّق امرأته. [رواه الشافعي، والبيهقي]. فإن لم يَعُدِ الحيضُ حتَّى بلَغَت سِنَّ الإياس؛ فإنَّها تعتدُّ عِدَّة الآيسة؛ كغيرها من الآيسات. * أحكام عِدَّة المَوْطوءَة بشُبْهَةٍ أو زِناً: - إذا زنا رَجَلٌ بامرأةٍ في حال عِدَّتها، أو وَطِئها بشُبهةٍ، أو بنكاحٍ فاسدٍ، فإنَّها تُتِمُّ عِدَّة الأوَّل، ثمَّ تعتدُّ للثاني؛ لأنَّهما حقَّان اجتمعا لرَجُلَين، فلم يتداخلا، وقُدِّم أسبقهما. ولأنَّ عليًّا ﵁ «قَضَى فِي الَّتِي تَتَزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَتُكْمِلُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَتَعْتَدُّ مِنَ الآخَرِ» [رواه الشافعي، والبيهقي]. إلَّا إذا حَمَلَت من الثَّاني؛ فإنَّها تنقضي عِدَّتها منه بوَضْع الحَمْل، ثمَّ تُتمِّم عِدَّة الأوَّل. - وإن وَطِئَها عمداً من أبانها من غير شبهةٍ، فكالأجنبي؛ تُتمُّ العِدَّة الأُولَى، ثمَّ تبتدئ العِدَّة الثانية للزِّنا؛ لأنَّهما عِدَّتان من وَطْأَيْن، يَلْحَقُ النَّسَب في أحدهما دون الآخر، كما لو كانا من رَجُلَيْن. فإن كان وَطْؤه لها بشُبهةٍ استأنفت العِدَّة من جديد؛ لأنَّ الوطء قَطَع العِدَّة الأُولَى، ودخلت فيها بقيَّة العِدَّة الأُولَى؛ لأنَّهما عِدَّتان من واحدٍ لوَطْأَيْن،

стр. 1081

يَلْحَقُ النَّسَب فيهما لحوقاً واحداً فتداخلا، كما لو طَلَّق الرَّجعيَّةَ في عِدَّتها بعد أن راجعها، فإنَّها تستأنف العِدَّة. - تتعدَّدُ العِدَّةُ بتعدُّد الواطئ بالشُّبْهة؛ فلو وَطِئها أكثرُ من واحدٍ في نكاح شُبْهةٍ، فإنَّها تعتدُّ لكُلِّ واحدٍ عِدَّةً مستقِلَّةً؛ لقول عمر ﵁: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنْ الخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ) [رواه مالك]. ولأنَّ كلَّ واحدٍ من الواطِئِين له حَقٌّ في عِدَّته، للحوق النسب في وطء الشُّبْهة. بخلاف ما لو كان تعدُّد الوَطْء من زناً؛ فإنَّ العِدَّة لا تتعدَّد؛ لعدم لُحُوق النَّسَب في الزِّنا، فيبقى القَصْد إلى العِلْم ببراءة الرَّحِم، وهذا يحصل باعتدادها من آخر وَطْءٍ. - من وُطِئَتْ زوجتُه بزناً، أو بنكاح شُبْهةٍ، فإنَّه يَحرُم عليه وَطْؤها في الفَرْج حتَّى تعتدَّ من هذا الوَطْء؛ لئلَّا تختلط الأنساب.

стр. 1082

فصل في الإحداد أوَّلًا: تَعريفُ الإحْدادِ: الإحْدادُ لُغةً: المَنْعُ؛ إذِ المرأةُ تَمنَعُ نَفْسَها ممَّا كانت تتهيَّأُ به لزَوْجِها من تَطَيُّبٍ وتَزَيُّنٍ. واصطلاحاً: اجتنابُ المرأةِ كُلَّ ما يَدْعو إلى الزَّواج بها، ويُرَغِّبُ في النَّظَرِ إليها. ثانياً: حُكمُ الإحْداد: - الإحدادُ واجبٌ على المرأة التي تُوفِّي عنها زوجها في نكاحٍ صحيحٍ ما دامت في العِدَّة؛ لحديث أمِّ حَبيبة ﵂، أنَّها سمعت النبي ﷺ يقول: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [رواه البخاري ومسلم]. وعن أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالت: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا-، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) [رواه البخاري ومسلم]. - ويُباحُ الإحدادُ للمرأة البائن؛ كالمطلَّقة ثلاثاً والمختلعة؛ بالإجماع، لكنَّه ليس بسُنَّة.

стр. 1083

ثالثاً: ما تَجْتَنبُه المرأةُ المُحادَّة: يجبُ على المرأة المحادَّة اجتناب ما يلي: أ - الطِّيب؛ لحديث أمِّ عطيَّة الأنصاريَّة ﵂، أنَّ النبي ﷺ قال لها في شأن المحادَّة: (وَلَا تَمَسُّ طِيبًا) [رواه البيهقي]. ويدخل في ذلك استعمال الأَدْهان المُطيِّبة، كدُهن الوَرْد، والبَنَفْسَج، والياسمين، ونحو ذلك؛ لأنَّ الادِّهان بذلك استعمالٌ للطِّيب. ب- الزِّينة؛ وهي كلُّ ما يُتزيَّن به، ومن ذلك: ١) لبس الحُليِّ ولو كان خاتماً؛ لحديث أُمِّ سَلَمَة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ … وَلَا الحُلِيَّ … ) [رواه أبو داود]. ٢) الملوَّن من الثياب للزينة؛ كالأحمر، والأصفر، والأخضر، ونحو ذلك؛ للحديث السابق: (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ … ). ويجوز لها لبس الأبيض، ولو كان حريراً؛ لأنَّ حُسْنَهُ من أصل خِلْقَته، فلا يلزم تغييره؛ كالمرأة حسناء الخِلْقة لا يلزمها تغيير نفسها في عِدَّة الوفاة ولا تشويهها. ٣) التجمُّل بالحِنَّاء، والمكياج، وحَفِّ الوجه، ونحو ذلك؛ لحديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: (وَلَا تَخْتَضِبُ)، ولأنَّه يدعو إلى الجِماع، أشبه الحُليَّ، بل هو أَوْلَى.

стр. 1084

٤) الاكتحالُ بالأسود لغير حاجة؛ لحديث أمِّ سَلَمَة السابق: (وَلَا تَكْتَحِلُ)، ولأنَّه أبلغُ في الزِّينة، فإن كان لحاجةٍ؛ كدواءٍ ونحوه جاز لها. رابعاً: المكانُ الذي يجبُ فيه قَضاءُ العِدَّة: - يجبُ على المرأة قضاء عِدَّة الوفاة في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنةٌ فيه؛ سواء كان مملوكاً لزوجها، أو مؤجَّراً، أو مُعاراً؛ لحديث الفُرَيعَة بنت مالكٍ ﵂، وفيه: (امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [رواه أبوداود، والترمذي]. إلَّا لحاجة تدعو إلى خروجها منه؛ كخوفها على نفسها أو مالها، أو لا تجد أُجرة كِرائه، ونحو ذلك، فتنتقلُ حيث شاءت؛ للضَّرورة، ولسقوط الواجب؛ للعُذْر. خامساً: خُروجُ المُعتدَّة وسَفَرُها أثناء العِدَّة: - لا تخرجُ معتدَّةٌ لوفاةٍ إلَّا نهاراً لحاجتها؛ من بيعٍ، أو شراءٍ، ونحو ذلك، ولو كان لها من يقوم بمصالحها؛ لأنَّ اللَّيل مظنَّة الفساد. - ومن سافرت بإذن زوجها، أو سافرت معه؛ لتنتقل من بلده إلى بلدٍ آخر، فمات قبل مفارقة البنيان، رجعت واعتدَّت في منزله؛ لأنَّها في حكم المقيمة. - ولو سافرت المعتدَّة لتجارةٍ، أو زيارةٍ، أو حجٍّ ولم تُحرِم، ومات زوجُها

стр. 1085

قبل مسافة القَصْر، رجعت واعتدَّت في منزله؛ لما روى سعيد بن المسيِّب قال: «رَدَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ نِسَاءً حَاجَّاتٍ -أَوْ مُعْتَمِرَاتٍ- تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، مِنْ ظَهْرِ الكُوفَةِ» [رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة]. ولأنَّها أمكنها أن تعتدَّ في منزلها قبل أن تبعد، فلزمها؛ كما لو لم تفارق البنيان. - وإن مات زوجُها بعد مفارقة البنيان إن كان سفرها للانتقال، أو بعد مسافة القَصْر إن كان لغير الانتقال، خُيِّرت المرأة بين الرُّجوع فتعتد في منزلها، وبين المضيِّ إلى مقصدها؛ لأنَّ كلا البلدين سواء بالنسبة لها؛ لأنَّها كانت ساكنةً في الأوَّل، ثمَّ خرج عن كونه منزلًا لها بإذنه لها بالانتقال عنه. والثاني لم يَصِرْ منزلًا لها؛ لأنَّها لم تسكنه. - وإن أَحْرَمَت للحجِّ بإذن زوجها ومات قبل مسافة القَصْر، وأمكن الجمعُ بين اعتدادها بمنزلها وبين الحجِّ؛ بأن كان في الوقت مُتَّسعٌ لهما؛ فإنَّها تعود لمنزلها فتعتدُّ به. وإن لم يُمكن الجمعُ قُدِّم الحجُّ مع بُعْدِها عن بلدها؛ بأن كانت سافرت مسافة قَصْرٍ فأكثر؛ لوجوب الحجِّ بالإحرام. ولأنَّ في منعها من إتمام سفرها ضررٌ عليها بتضييع الزَّمان، والنَّفقة، ومنع أداء الواجب. ومتى رجعت من الحجِّ وبقي من عدَّتها شيءٌ أتمَّته في منزلها. وإن لم تبتعد مسافة قَصْرٍ، فإنَّها تُقدِّم العِدَّة؛ لأنَّها في حكم المقيمة؛ وتبقى على إحرامها حتَّى تنقضي عِدَّتها، ثمَّ تتحلَّل بعُمْرةٍ لفوات الحجِّ.

стр. 1086

سادساً: انْقِضاءُ عِدَّة الوَفاةِ: - تنقضي عدَّة الوفاة بمضيِّ زمانها حيث كانت المرأة؛ لأنَّ المكان ليس شَرْطاً لصحَّة الاعتداد.

стр. 1087

كتاب الرَّضاع أوَّلًا: تَعريفُ الرَّضَاعِ: الرَّضَاعُ لُغةً: بفَتْح الرَّاء وكَسْرِها: مصدرُ رَضَعَ الثَّدْيَ؛ إذا مَصَّهُ. واصطلاحاً: مَصُّ مَنْ دونَ الحَوْلَيْنِ لَبَناً اجتمعَ عَنْ حَمْلٍ، مِنْ ثَدْي امْرَأَةٍ، أو شُرْبِه، أو نحوه. ثانياً: أَثَرُ الرَّضاعِ في نَشْر الحُرْمةِ: الرَّضاع يُحرِّمُ كالنَّسبِ؛ دلَّ على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى في المُحرَّمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. - ومن السُّنَّة: ما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ : (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) [رواه البخاري ومسلم]. - وأمَّا الإجماع: فيقول البهوتي: «وأجمعوا على أنَّ الرَّضاع مُحرِّمٌ في الجملة». فإذا أرضعت المرأةُ طفلاً في الحَوْلين؛ ذَكَراً كان أو أُنثى، بلبن حَمْلٍ لاحقٍ نَسَبُه بالواطئ، كانت المُرضِعَةُ والواطئ أبويه في تحريم النكاح، وثبوت المَحْرَمِيَّة، وإباحة النَّظَر، والخَلْوة، وصار الرَّضيع ولَدَهما في ذلك، وأولاده أولاد ولَدِهما، وصار أولاد كُلٍّ من المُرضِعة والواطئ إخوانه وأخواته،

стр. 1088

وصار إخوانُهما وأخواتُهما أعمامَهُ وعمَّاتِه، وأخوالَه وخالاتِه، وهكذا؛ لأنَّ ذلك كُلَّه فرعُ ثُبوت الأُمومَة والأُبوَّة. لكن لا يثبتُ به بقيَّة أحكام النَّسَب؛ كالنَّفقة، والإرث، وولاية النِّكاح والمال، ونحو ذلك؛ لأنَّ النَّسَب أقوى من الرَّضاع؛ فلا يساويه إلَّا فيما ورد فيه النَّصُّ؛ وهو التَّحريم وما يتفرَّع عليه من المَحْرَمِيَّة والخَلْوة. ولا تنتشرُ حُرْمَةُ الرَّضاع إلى من هم بدرجة المُرتَضِع أو فوقه؛ وهم: أصوله وحواشيه؛ من أبٍ، وأُمٍّ، وأخٍ، وأختٍ، وعمٍّ، وعمَّةٍ، وخالٍ، وخالةٍ من النَّسَب؛ فتحلُّ مرضعة الولد لأبيه وأخيه من النَّسَب، وتحلُّ أمُّه وأخته من النَّسَب لأبيه وأخيه من الرَّضاع، إجماعاً. ثالثاً: شُروطُ التَّحْريمِ بالرَّضاعِ: يُشترطُ في التَّحريم بالرَّضاع شرطان: الأوَّل: أن يكون الرَّضاع في العامَيْن الأوَّلين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ولحديث أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ) [رواه الترمذي]. الثاني: أن يَرْتَضِعَ الطفلُ خَمْس رضعاتٍ فأكثر، فإن ارتضع أقلَّ من خمسٍ لم يثبت التحريم؛ لحديث عائشة ﵂: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ،

стр. 1089

فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) [رواه مسلم]. فلو ارتضع الطفلُ بعد العامَيْن ولو بلحظةٍ، أو ارتضع الخامسة بعد مضيِّ العامين، لم يثبت التَّحريم؛ لأنَّ الله تعالى جعل تمام الرَّضاعة حَوْلَيْن، فدلَّ على أنَّه لا حُكْم للرَّضاع بعدهما. رابعاً: مِنْ أَحْكَامِ الرَّضَاعِ: أ - يُكرَهُ استرضاعُ الكافِرَةِ والفاجِرَةِ؛ لما جاء عن عمر بن عبد العزيز قال: (اللَّبَنُ يُشْبِهُ عَلَيْهِ) [رواه البيهقي]؛ أي: أنَّ الرَّضيع ربما نَزَع به الشَّبَهُ إلى مُرضِعَتِه. كما أنَّ الارتضاع من الكافِرَةِ يجعلُها أُمًّا لها حُرْمَة الأُمِّ مع شِرْكها، فربَّما مال إليها في محبَّة دِينها. وكذا يُكرَه استرضاعُ سيِّئةِ الخُلُق؛ لأنَّ الرَّضاع يغيِّر الطِّباع، فيُخشَى تَعدِّي الضَّرر إلى الرَّضيع. كما يُكرَه استرضاعُ الجَذْماء والبَرْصاء؛ خشية وصول أثر ذلك إلى الرَّضيع. ب- إذا امتصَّ الطفلُ الثَّدْي، ثمَّ قَطَعَه ولو قَهْراً، أو لتنفُّسٍ، أو للانتقال عن مُرضِعَةٍ إلى أخرى، ونحو ذلك؛ فتلك رضعةٌ تُحسَبُ من الخَمْس، فإن عاد فامتصَّ الثَّدْي ثانيةً فرَضْعَةٌ أُخرى؛ لأنَّ المَصَّة الأُولَى زال حُكْمُها بتَرْكِ الارتضاع، فإذا عاد فامتصَّ، فهي غير الأُولَى. ولأنَّ قوله ﷺ : (لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ) [رواه مسلم] يدلُّ على أنَّ لكُلِّ

стр. 1090

مَصَّة أثراً. ج- إذا صُبَّ اللَّبن في أَنْف الرَّضيع مِنْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ -وهو ما يُسمَّى بالسَّعوط-، أو صُبَّ في حَلْقه من غير الثَّدْي -وهو ما يُسمَّى بالوَجُور-، فهو كالرَّضاع من الثَّدْي في التَّحريم؛ لوصول اللَّبَن بذلك إلى جَوْفِه، كوصوله بالارتضاع، ولقول ابن مسعودٍ ﵁: (لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ) [رواه أبو داود]. وهذا يحصلُ به إنباتُ اللَّحم، وشدُّ العَظْم، كما يحصلُ بالرَّضاع. وكذا لو صار اللَّبن جُبْناً فأكَلَه الرَّضيعُ، أو خُلِطَ بماءٍ مع بقاء صِفاته من لونٍ، وطعمٍ، ورائحةٍ، فإنَّه يثبت به التَّحريم؛ لأنَّ الحكم للأغلب، ولأنَّه واصلٌ من الحَلْق يحصل به إنبات اللَّحم، وشدُّ العَظْم. فإن غَلَبَه ما خالطه لم يثبتُ به التحريم؛ لأنَّه لا يُنبِتُ اللَّحمَ، ولا يَشُدُّ العَظْمَ. د - إذا شُكَّ في وجود الرَّضاع؛ هل حَصَل رَضاع أو لا؟ فإنَّه يُبنَى على اليقين؛ لأنَّ الأصل عدم الرَّضاع. وكذا لو شُكَّ في عدد الرَّضعات؛ هل هي خَمْس أو أقلُّ؟ فإنَّه يُبنَى على اليقين، وهو الأقلُّ؛ لأنَّ الأصل عدم الرَّضاع المُحَرِّم؛ فلا ينتقل عنه إلَّا بيقين. وكذا لو شكَّ في وقوعه في العامَيْن، ولا بَيِّنة، فلا تحريم.
следующие страницы →