← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

سادساً: انْقِضاءُ عِدَّة الوَفاةِ: - تنقضي عدَّة الوفاة بمضيِّ زمانها حيث كانت المرأة؛ لأنَّ المكان ليس شَرْطاً لصحَّة الاعتداد.

стр. 1087

كتاب الرَّضاع أوَّلًا: تَعريفُ الرَّضَاعِ: الرَّضَاعُ لُغةً: بفَتْح الرَّاء وكَسْرِها: مصدرُ رَضَعَ الثَّدْيَ؛ إذا مَصَّهُ. واصطلاحاً: مَصُّ مَنْ دونَ الحَوْلَيْنِ لَبَناً اجتمعَ عَنْ حَمْلٍ، مِنْ ثَدْي امْرَأَةٍ، أو شُرْبِه، أو نحوه. ثانياً: أَثَرُ الرَّضاعِ في نَشْر الحُرْمةِ: الرَّضاع يُحرِّمُ كالنَّسبِ؛ دلَّ على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى في المُحرَّمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. - ومن السُّنَّة: ما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ : (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) [رواه البخاري ومسلم]. - وأمَّا الإجماع: فيقول البهوتي: «وأجمعوا على أنَّ الرَّضاع مُحرِّمٌ في الجملة». فإذا أرضعت المرأةُ طفلاً في الحَوْلين؛ ذَكَراً كان أو أُنثى، بلبن حَمْلٍ لاحقٍ نَسَبُه بالواطئ، كانت المُرضِعَةُ والواطئ أبويه في تحريم النكاح، وثبوت المَحْرَمِيَّة، وإباحة النَّظَر، والخَلْوة، وصار الرَّضيع ولَدَهما في ذلك، وأولاده أولاد ولَدِهما، وصار أولاد كُلٍّ من المُرضِعة والواطئ إخوانه وأخواته،

стр. 1088

وصار إخوانُهما وأخواتُهما أعمامَهُ وعمَّاتِه، وأخوالَه وخالاتِه، وهكذا؛ لأنَّ ذلك كُلَّه فرعُ ثُبوت الأُمومَة والأُبوَّة. لكن لا يثبتُ به بقيَّة أحكام النَّسَب؛ كالنَّفقة، والإرث، وولاية النِّكاح والمال، ونحو ذلك؛ لأنَّ النَّسَب أقوى من الرَّضاع؛ فلا يساويه إلَّا فيما ورد فيه النَّصُّ؛ وهو التَّحريم وما يتفرَّع عليه من المَحْرَمِيَّة والخَلْوة. ولا تنتشرُ حُرْمَةُ الرَّضاع إلى من هم بدرجة المُرتَضِع أو فوقه؛ وهم: أصوله وحواشيه؛ من أبٍ، وأُمٍّ، وأخٍ، وأختٍ، وعمٍّ، وعمَّةٍ، وخالٍ، وخالةٍ من النَّسَب؛ فتحلُّ مرضعة الولد لأبيه وأخيه من النَّسَب، وتحلُّ أمُّه وأخته من النَّسَب لأبيه وأخيه من الرَّضاع، إجماعاً. ثالثاً: شُروطُ التَّحْريمِ بالرَّضاعِ: يُشترطُ في التَّحريم بالرَّضاع شرطان: الأوَّل: أن يكون الرَّضاع في العامَيْن الأوَّلين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ولحديث أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ) [رواه الترمذي]. الثاني: أن يَرْتَضِعَ الطفلُ خَمْس رضعاتٍ فأكثر، فإن ارتضع أقلَّ من خمسٍ لم يثبت التحريم؛ لحديث عائشة ﵂: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ،

стр. 1089

فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) [رواه مسلم]. فلو ارتضع الطفلُ بعد العامَيْن ولو بلحظةٍ، أو ارتضع الخامسة بعد مضيِّ العامين، لم يثبت التَّحريم؛ لأنَّ الله تعالى جعل تمام الرَّضاعة حَوْلَيْن، فدلَّ على أنَّه لا حُكْم للرَّضاع بعدهما. رابعاً: مِنْ أَحْكَامِ الرَّضَاعِ: أ - يُكرَهُ استرضاعُ الكافِرَةِ والفاجِرَةِ؛ لما جاء عن عمر بن عبد العزيز قال: (اللَّبَنُ يُشْبِهُ عَلَيْهِ) [رواه البيهقي]؛ أي: أنَّ الرَّضيع ربما نَزَع به الشَّبَهُ إلى مُرضِعَتِه. كما أنَّ الارتضاع من الكافِرَةِ يجعلُها أُمًّا لها حُرْمَة الأُمِّ مع شِرْكها، فربَّما مال إليها في محبَّة دِينها. وكذا يُكرَه استرضاعُ سيِّئةِ الخُلُق؛ لأنَّ الرَّضاع يغيِّر الطِّباع، فيُخشَى تَعدِّي الضَّرر إلى الرَّضيع. كما يُكرَه استرضاعُ الجَذْماء والبَرْصاء؛ خشية وصول أثر ذلك إلى الرَّضيع. ب- إذا امتصَّ الطفلُ الثَّدْي، ثمَّ قَطَعَه ولو قَهْراً، أو لتنفُّسٍ، أو للانتقال عن مُرضِعَةٍ إلى أخرى، ونحو ذلك؛ فتلك رضعةٌ تُحسَبُ من الخَمْس، فإن عاد فامتصَّ الثَّدْي ثانيةً فرَضْعَةٌ أُخرى؛ لأنَّ المَصَّة الأُولَى زال حُكْمُها بتَرْكِ الارتضاع، فإذا عاد فامتصَّ، فهي غير الأُولَى. ولأنَّ قوله ﷺ : (لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ) [رواه مسلم] يدلُّ على أنَّ لكُلِّ

стр. 1090

مَصَّة أثراً. ج- إذا صُبَّ اللَّبن في أَنْف الرَّضيع مِنْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ -وهو ما يُسمَّى بالسَّعوط-، أو صُبَّ في حَلْقه من غير الثَّدْي -وهو ما يُسمَّى بالوَجُور-، فهو كالرَّضاع من الثَّدْي في التَّحريم؛ لوصول اللَّبَن بذلك إلى جَوْفِه، كوصوله بالارتضاع، ولقول ابن مسعودٍ ﵁: (لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ) [رواه أبو داود]. وهذا يحصلُ به إنباتُ اللَّحم، وشدُّ العَظْم، كما يحصلُ بالرَّضاع. وكذا لو صار اللَّبن جُبْناً فأكَلَه الرَّضيعُ، أو خُلِطَ بماءٍ مع بقاء صِفاته من لونٍ، وطعمٍ، ورائحةٍ، فإنَّه يثبت به التَّحريم؛ لأنَّ الحكم للأغلب، ولأنَّه واصلٌ من الحَلْق يحصل به إنبات اللَّحم، وشدُّ العَظْم. فإن غَلَبَه ما خالطه لم يثبتُ به التحريم؛ لأنَّه لا يُنبِتُ اللَّحمَ، ولا يَشُدُّ العَظْمَ. د - إذا شُكَّ في وجود الرَّضاع؛ هل حَصَل رَضاع أو لا؟ فإنَّه يُبنَى على اليقين؛ لأنَّ الأصل عدم الرَّضاع. وكذا لو شُكَّ في عدد الرَّضعات؛ هل هي خَمْس أو أقلُّ؟ فإنَّه يُبنَى على اليقين، وهو الأقلُّ؛ لأنَّ الأصل عدم الرَّضاع المُحَرِّم؛ فلا ينتقل عنه إلَّا بيقين. وكذا لو شكَّ في وقوعه في العامَيْن، ولا بَيِّنة، فلا تحريم.

стр. 1091

هـ- إذا شَهِدت امرأةٌ مَرْضِيَّةٌ في دِينها أنَّها أَرضَعَتْه خَمْساً في الحَوْلين، أو أنَّ فلانة أرضَعَتْه خَمْساً في الحَوْلين؛ ثبتَ التَّحريم بشهادتها؛ لحديث عُقْبة بن الحارث ﵁ قال: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ. فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا! دَعْهَا عَنْكَ) [رواه البخاري]. و - كلُّ امرأةٍ يَحرُمُ عليك ابنتُها من النَّسب؛ كالأُمِّ، والجَدَّة، والأُخت، والبنت، ونحو ذلك، إذا أَرْضَعَتْ طفلةً حَرَّمَتْها عليك أبداً؛ لأنَّها صارت ابنتَها من الرَّضاع. فلو أرضعت الأُمُّ طفلةً، كانت هذه الطفلةُ أختك من الرَّضاع. ولو أرضعت الجَدَّةُ طفلةً، كانت عَمَّتَك أو خالَتَك من الرَّضاع. ولو أرضعت الأُختُ طفلةً، كانت ابنة أُختِكَ من الرَّضاع، وهكذا … ز - وكلُّ رَجُلٍ تَحرُم عليك ابنتُه من النَّسب؛ كالأخ، والأب، والابن ونحو ذلك، إذا أرضعت امرأتُه بلَبَنِه طفلةً، خَمْس رَضعاتٍ، حَرَّمَتْها عليك أبداً؛ لأنَّها صارت ابنةَ من تَحرُم ابنتُه عليك. فلو أرضعت زوجةُ الأخ طفلةً، صارت هذه الطفلةُ ابنة أخيك من الرضاع. ولو أرضعت زوجةُ الأب طفلةً، كانت أختك من الرضاع، وهكذا …

стр. 1092

والأصل في ذلك: حديث عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ) [رواه أحمد، والنسائي].

стр. 1093

كتاب النَّفقات أوَّلًا: تَعريفُ النَّفَقات: النَّفَقاتُ لُغةً: جمعُ نَفَقَةٍ؛ وهي الدَّراهِمُ ونحوها من الأَمْوالِ. واصطلاحاً: كِفايةُ مَنْ يَمُونُه قُوتاً، ومَسْكَناً، وكِسْوَةً، وما يَتْبَعُ ذلك. ثانياً: أنواعُ النَّفَقات: النَّفقةُ أنواع؛ فمنها نَفقةُ الزَّوْجات، ومنها نَفقةُ الأقارب، ومنها نَفقةُ البَهائِم. النوع الأوَّل: نَفَقةُ الزَّوْجات: أ - حُكمُها: يجبُ على الزَّوج أن يُنْفِقَ على زوجته بالمعروف، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهي في سياق أحكام الزَّوجات. - ومن السُّنَّة: حديث جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) [رواه مسلم]. - وقد أجمع العُلماء على وجوب نفقة الزَّوجة على الزَّوج إذا كانا بالغين ولم تكن ناشزًا؛ وهي العاصية لزوجها فيما له عليها ممَّا أوجبه له النِّكاح؛

стр. 1094

كالتي تمتنع من فِراشِه، أو من الانتقال معه إلى مَسْكَنِ مثلها، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو أَبَتِ السَّفَر معه، ونحو ذلك. ب- ما يَجبُ على الزَّوجِ نَفَقَتُه لزَوجَتِه: يجبُ على الزَّوج أن يَبْذل لزوجته ما يلي: ١) ما لا غِنَى لها عنه بالمعروف؛ من مَأْكَلٍ، ومَشْربٍ، ومَلْبَسٍ، ومَسْكَنٍ؛ للحديث السابق: (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ). فإن تنازعا في قَدْر ذلك، أو صِفَتِه، رُجِعَ فيه إلى تقدير القاضي؛ لأنَّه أمرٌ يختلفُ باختلاف حال الزَّوجين، فرُجِعَ فيه إلى اجتهاد القاضي؛ كسائر المختلفات. ويُقدِّره القاضي بحسب حالهما يَساراً وإعساراً، أو يَسارِ أَحَدِهما وإعسار الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. ٢) مَؤونَةُ نَظافَتِها؛ من صابونٍ ونحوه، ودُهْنٍ لرأسها، وثَمَنِ ماءٍ للشُّرْب، وللطَّهارة من الحَدَث والخَبَث، وغَسْل الثياب، وثَمَن مُشْطٍ، وأُجرَة الماشِطَة، ونحو ذلك ممَّا يعودُ بنظافتها؛ لأنَّ ذلك كلَّه من حوائجها المعتادة. ٣) تَعيينُ خادِمٍ لها إن كانت ممَّن يُخدَمُ مثلُها؛ لأنَّ ذلك من المعاشرة بالمعروف، ولأنَّه من حاجتها، كالنَّفقة. ٤) تَعيينُ مُؤْنِسَةٍ لها إذا احتاجت إلى ذلك؛ كما لو كانت بمكان مَخوفٍ، أو

стр. 1095

كان لها عدوٌّ تخاف على نفسها منه؛ لأنَّه ليس من المعاشرة بالمعروف أن تُقيمَ وَحْدَها بمكانٍ لا تأمَنُ على نفسها فيه. ج- نَفَقَةُ المُطَلَّقة والمُتوَفَّى عنها زَوجُها: ١) تجبُ النَّفقةُ -من مَأْكلٍ، ومَسْكَنٍ، وكِسْوَةٍ- للمُطلَّقة رَجعيًّا، سواءً كانت حاملاً أو غير حامل؛ لأنَّها زوجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٢) أمَّا البائنُ بطلاقٍ، أو فَسْخٍ، فلا شيءَ لها؛ لقول النبيِّ ﷺ لفاطمة بنت قيس -لمَّا أَبانَها زوجُها-: (لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى) [رواه مسلم]. إلَّا إذا كانت حاملاً؛ فيجب لها ما يجبُ للزَّوجة من المأْكَل، والمَسْكَنِ، والكِسْوَةِ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ولأنَّ الحَمْل وَلَدُه، والإنفاقُ عليه دونها مُتَعَذِّرٌ، فوجب كما وَجَبَت أُجْرةُ الرَّضاع. ٣) وكذا الزوجةُ النَّاشِزُ؛ لا شيء لها؛ لأنَّ النَّفقة في نظير تمكينها له من الاستمتاع، وهي ممتنعةٌ. إلَّا إذا كانت حاملاً منه، أو كان لها منه وَلَدٌ؛ فتجبُ عليه نفقته؛ لأنَّ النَّفقةَ واجبةٌ لوَلَدِه للقَرابَةِ؛ فلا يَسقُطُ حقُّه بمَعصِيتِها. ٤) وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها فلا نفقة لها من تَرِكَة زوجِها، ولو كانت حاملاً؛ لأنَّ التَّرِكة قد انتقلت للوَرَثة، وإنَّما يُنْفَقُ على الحَمْل من نَصيبِه من التَّرِكَة، لأنَّه مُوسِرٌ، فلا تجبُ نفقتُه على غيره، فإن لم يكن له ميراثٌ؛ وَجَبَتِ النَّفقة على وارِثِ الميِّت المُوسِرِ؛ للقَرابة.

стр. 1096

د - من أَحكامِ نَفَقَةِ الزَّوجات: ١) من سافرت لحاجتها، أو لنُزهةٍ، أو زِيارةٍ، ولو بإذن الزَّوج؛ فلا نفقةَ لها واجبة؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه التَّمكينَ من الاستمتاع بها؛ لحَظِّ نَفْسِها، وقضاء أَرَبِها، إلَّا أن يكون مسافراً معها، متمكِّناً من الاستمتاع بها، فلا تسقط حينئذٍ، لأنَّها لم تُفوِّت التمكين. ٢) إذا اختلف الزَّوجان في النَّفقة؛ فادَّعَى الزَّوج الإنفاق عليها، أو أنَّها أخذت نَفَقَتَها، أو أنَّها ناشِزٌ، فأنكرت؛ فالقولُ قولُها بيمينها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ ذلك. ٣) إذا أَعْسَرَ الزَّوجُ بالنَّفقة الواجبة، أو أَعْسَرَ ببعضِها، أو سافَرَ الزَّوجُ المُوسِرُ لكنَّه لم يترك نفقةً، وتَعَذَّر على الزَّوجة النَّفقةُ بالاستدانة وغيرها، فإنَّ لها فَسْخَ النِّكاح فوراً ومتراخياً؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والإمساك مع تَرْك النَّفقة ليس إمساكاً بالمعروف، فيتعيَّن التَّسريحُ بالإحسان، ولِلُحوقِ الضَّرر الغالب بذلك بها؛ إذ البَدَنُ لا يقومُ بدون كفايته. - ولا يصحُّ الفَسْخُ دون حُكْم الحاكم أو القاضي؛ لأنَّه فَسْخٌ مختلفٌ فيه، فلم يجز بغير الحاكم، ولا يفسَخُه الحاكم إلَّا بطَلَبِها؛ لأنَّه لِحَقِّها؛ فلم يجز من غير طَلَبِها. ٤) إذا امتنعَ الزَّوج المُوسِرُ عن النَّفقة أو الكِسْوَة أو بعضهما، وقَدِرَت الزَّوجة

стр. 1097

على أخذ ذلك من ماله، فلها الأَخْذُ منه بلا إِذْنِه بقَدْرِ كِفايَتِها وكفاية وَلَدِها الصغير؛ لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالمَعْرُوفِ) [رواه البخاري ومسلم]، فرخَّص لها النبيُّ ﷺ في أَخْذِ تمام الكفاية بغير عِلْمِه، لأنَّه موضع حاجةٍ؛ إذ لا غِنَى عن النَّفقة، ولا قوام إلَّا بها، فإذا لم يدفعها الزَّوج ولم تأخذها أَفْضَى ذلك إلى ضَياعِها وهَلاكِها. كما أنَّها تتجدَّد بتجدُّد الزَّمَن فتَشُقُّ المرافعة بها إلى الحاكم، والمطالبة بها كلَّ يوم. النوع الثاني: نَفَقَةُ الأَقارِب: أ - حُكمها: تجبُ النَّفقة -من مَأْكَلٍ، ومَسْكَنٍ، وكِسْوَةٍ- لأقارِبِ الرَّجُل الذين يَرِثُهُم بفَرْضٍ، أو تَعصيبٍ، وهم على النحو التالي: ١) الوالِدان وإن عَلَوا؛ لقول الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، ومن الإحسان: الإنفاقُ عليهما عند حاجتهما. ولحديث عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي]، وقد سَمَّى الله الجَدَّ أَباً؛ كما في قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة الوالدين الفقيرين، الذين

стр. 1098

لا كسب لهما ولا مال، واجبةٌ في مال الوَلَد». ٢) الأولادُ وإن نَزَلوا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنَّ وَلَدَ الإنسان بعضُه؛ فكما يجبُ عليه أن يُنفِقَ على نَفْسِه وأهلِه، كذلك يجبُ أن يُنفِقَ على بعضه. قال ابن المنذر: «وأجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العِلْم على أنَّ على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم». ٣) كلُّ قَريبٍ يَرِثُه بفَرْضٍ أو تَعْصيبٍ؛ كأخيه، وأُخته، وعمِّه، وعمَّته، وأخيه لأُمِّه، ونحو ذلك؛ لقول الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فأوجب على الأب نفقة الرَّضاع، ثمَّ أوجب على الوارث مثل ما أوجبه على الأب. ولحديث كُلَيْبِ بن مَنْفَعَة، عن جَدِّه (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ مَنْ أَبَرُّ؟، قَالَ: أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ) [رواه أبو داود]. فألزمه النبيُّ ﷺ البِرَّ والصِّلَة، والنَّفقة من الصِّلَة، وقد جعلها حقًّا واجباً. ب- شُروطُ النَّفَقَة على الأَقارِب: يُشترطُ لوجوب النَّفقة على الأقارب ثلاثة شروط: الشَّرط الأوَّل: أن يكونوا فقراء، لا مال لهم ولا كَسْب يُغْنيهم عن إنفاق

стр. 1099

غيرهم، فإن كانوا موسرين بمالٍ أو كَسْبٍ يكفيهم، فلا نفقة لهم؛ لأنَّ النَّفقة إنَّما تجبُ على سبيل المواساة، والغَنيُّ يملِكُها، والقادِرُ بالتَّكسُّب مُسْتَغْنٍ عنها. الشَّرط الثَّاني: أن يكون المُنفِقُ غنيًّا بمالِهِ أو كَسْبِهِ، وأن يَفْضُلَ عن قُوتِ نَفْسِه وزوجته ورَقيقِه يومه وليلته، وعن كِسْوتهم وسُكناهم؛ لما روى جابرٌ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي]. ولأنَّ وجوب نفقة القريب على سبيل المواساة، فلا تجبُ على المحتاج. الشَّرط الثَّالث: أن يكون المُنفِقُ وارثاً لهم بفَرْضٍ أو تعصيبٍ؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فإن لم يكن وارثاً لهم؛ كما لو وُجِدَ من هو أقربُ منه فحَجَبَه، فلا تجبُ عليه النَّفقة حينئذٍ، وإنَّما تجبُ على الوارث. ويُستثنى من ذلك الأصولُ والفروعُ؛ من الآباء وإن عَلَوا، والأبناء وإن نَزَلوا؛ فتجبُ النَّفقةُ لهم وعليهم مطلقاً؛ سواء وَرِثوا أو لا؛ لعموم الأدلَّة السابقة. ج- من أحكام النَّفَقَة على الأَقارِب: ١) إذا كان للقَريب الفقير ورثةٌ غير الأب، فتُوزَّع النَّفقة بينهم على قَدْر إرْثِهم منه؛ لأنَّ الله تعالى رَتَّب النَّفقة على الإِرث، بقوله : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فوجب أن يُرَتَّب مقدارُ النَّفقة على مقدار الإرث. فلو

стр. 1100

كان يَرِثُه أمُّه وجَدُّه لأبيه -مثلاً-، فيجبُ على الأُمِّ ثُلُثُ النَّفقة، ويجب على الجَدِّ الباقي؛ لأنَّهما يرثانه كذلك. وكذا لو كان وارثُه أُمًّا وابناً -مثلاً-، وَجَبَ على الأُمِّ سُدُسُ النَّفقة، والباقي على الابن؛ كإرْثِهِما له. أمَّا إذا كان وارثه أباً مُوسِراً، فإنَّه ينفردُ بوجوب النَّفقة كُلِّها؛ لقول الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، ولقوله ﷺ لهِنْد بنت عُتْبَة ﵂ السابق: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ). ٢) إذا كان بعضُ وَرَثَتِه موسِراً، وبعضهم مُعسِراً؛ كما لو كان له أخوان؛ أحدُهما موسِرٌ، والآخرُ مُعسِرٌ؛ فلا يجبُ على الموسِرِ منهما في النَّفقة إلَّا بقَدْر إرْثِه فقط؛ لأنَّ الموسِرَ إنَّما يجبُ عليه مع يَسارِ الآخَرِ ذلك القَدْر، فلا يتحمَّلُ عن غيره إذا لم يجد الغيرُ ما يجبُ عليه، إلَّا إذا كان وارِثُه من عَمُودَي النَّسَب؛ كالجدِّ، أو الابن، وهو موسِرٌ، وغيرُه من الوَرَثَة مُعسِرٌ؛ فإنَّ النَّفقة كلَّها تجبُ عليه؛ لقوَّة القَرابة. ٣) من لَزِمَتْهُ النَّفقة، وكان قادراً على التَّكَسُّب والعمل أُجْبِرَ عليه؛ لنفقة من تجبُ عليه نفقتُه من قريبٍ وزوجةٍ؛ لأنَّ تَرْك التَّكَسُّب مع قُدْرَتِه عليه تضييعٌ لمن يَعُول، وهو منهيٌّ عنه. ٤) من وجبت عليه النَّفقة فامتنع منها، جاز لمستحقِّها أن يأخذ من ماله ما يكفيه بالمعروف بلا إذنه؛ لحديث هِنْدٍ ﵂ -السابق-: (خُذِي

стр. 1101

مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)، وقِيسَ عليه سائر من تجب له النَّفقة. ٥) إذا امتنع الزَّوجُ من النَّفقة على زوجته، أو امتنع القريبُ من النَّفقة على قريبه، فأنفقَ عليهما أجنبيٌّ بنِيَّة الرُّجوع عليه بها، رَجَع؛ لأنَّه أدَّى عنه الواجب؛ كما لو قَضَى عنه دَيْنَه. ٦) إذا كان دِينُ القَريبَيْن مختلفاً؛ فلا نفقة لأحدهما على الآخر؛ لأنَّه لا توارث بينهما، ولا ولاية، إلَّا الوارث بالولاء؛ فإنَّه تجبُ النَّفقةُ للعَتيق على مُعتِقِه وإن اختلف دِينُه؛ لثبوت إرْثِه من عَتيقِه مع اختلاف دِينهما. د - ترتيبُ النَّفَقَةِ على الأَقارِبِ: إذا لم يجد من النَّفقة ما يكفي لجميع من يجبُ عليه نفقتُه، فإنَّ النَّفقةَ تُرتَّب على النحو التالي: ١) يبدأُ بنَفْسِه؛ لما روى جابرٌ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) [رواه مسلم]. ٢) ثمَّ زَوجَتِه؛ لأنَّ نفقة الزَّوجة تجبُ على سبيل المعاوَضَةِ، فقُدِّمت على ما وَجَب مواساةً؛ كنفقة القريب، ولذا تجبُ نفقتُها مع اليَسارِ والإِعْسارِ، بخلاف نفقة القريب. ٣) ثمَّ رَقيقِه؛ لأنَّ نفقته تجبُ مع اليَسارِ والإعْسارِ؛ كنفقة الزَّوجة؛ فقُدِّمت على ما وَجَبَ مواساةً.

стр. 1102

٤) ثمَّ وَلَدِه؛ لوجوب نفقته بالنصِّ. ٥) ثمَّ أَبِيهِ؛ لانفرادهِ بالولاية على وَلَدِه، واستحقاق الأَخْذِ من ماله، ولإضافة النبيِّ ﷺ الوَلَدَ ومالَهُ لأبيه بِقَوْلِهِ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) [رواه أحمد، وابن ماجه]. ٦) ثمَّ أُمِّه؛ لما لها من فضيلة الحَمْل، والرَّضاع، والتربية. ٧) ثمَّ وَلَدِ ابْنِه؛ لأنَّه يَرِثُ ميراثَ ابنٍ، ولأنَّ وجودَه يُسقِطُ تعصيبَ الجَدِّ، فيقُدَّم عليه. ٨) ثمَّ جَدِّه؛ لأنَّ له مَزِيَّةَ الولادة والأُبوَّة. ٩) ثمَّ أَخِيهِ، ثمَّ الأقرب فالأقرب؛ لأنَّ النَّفقة صِلَةٌ وبِرٌّ، ومَنْ قَرُب أَوْلَى بالبِرِّ ممَّن بَعُد. النوع الثالث: نَفَقَةُ البَهائِم: أ - حُكمُها: يجبُ على مالك البهيمة إطعامها وسَقْيها، أو إقامة من يرعاها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) [رواه البخاري، ومسلم]. فإن امتنع من الإنفاق عليها أجبره الحاكم أو القاضي عليه؛ لأنَّه واجبٌ

стр. 1103

عليه؛ كسائر الواجبات. فإن أبى الإنفاق، أو عَجَزَ عنه، أجبرهُ الحاكمُ على بيعها، أو إجارتها، أو ذَبْحِها إن كانت تُؤكَل؛ لأنَّ بقاءها في يده مع تَرْك الإنفاق عليها ظُلْمٌ، والظُّلْمُ تجبُ إزالتُه، ولأنَّها تَتْلَفُ إذا تُرِكُت بلا نفقةٍ، وإضاعةُ المال منهيٌّ عنها. ب- ما يَحرُمُ في البَهائِم: يَحرُمُ في البهائم ما يلي: ١) لَعْنُها؛ لحديث عِمْران بن حُصَينٍ ﵁ قال: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ. قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ، مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ) [رواه مسلم]. ٢) تَحميلُها شيئاً شاقًّا؛ لأنَّ في ذلك تعذيباً لها، وإضراراً بها. ٣) حَلْبُها ما يَضُرُّ بوَلَدِها؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [رواه ابن ماجه]، ولأنَّ لَبَنَها مخلوقٌ له، وكِفايتُه واجبةٌ. ٤) ضَرْبُها في وَجْهِها، ووَسْمُها فيه؛ لحديث جابر ﵁ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ) [رواه مسلم]. ٥) ذَبْحُها إن كانت غير مأكولةٍ؛ لأنَّها مالٌ ما دامت حيَّةً، وذَبحُها إتلافٌ

стр. 1104

لها، وقد نُهِيَ عن إتلاف المال. ج- ما يَجوزُ في البَهائِم: يجوزُ في البهائم استعمالها في غير ما خُلِقَت له؛ كما لو استعمل البقر للرُّكوب والحَمْل، أو استعمل الإبل والحُمُر للحَرْث، ونحوه؛ لأنَّ مقتضى المِلْك جوازُ الانتفاع بها فيما يُمكن، وهذا ممكنٌ؛ كالذي خُلِقَت له، وقد جَرَت به عادةُ بعض الناس.

стр. 1105

باب الحضانة أوَّلًا: تَعريفُ الحَضانَةِ: الحَضانةُ لُغةً: الضمُّ إلى الحِضْن، مأخوذةٌ من الحِضْن وهو الجَنْب؛ لأنَّ المُرَبِّيَ والكافِلَ يضُمُّ الطفل إلى حِضْنِه. واصطلاحاً: حِفْظُ صَغيرٍ ونحوه عمَّا يَضرُّه، وتربيتُه بعملِ مصالحه. ثانياً: حُكمُ الحَضانَةِ: الحضانةُ واجبةٌ للصَّغير ومَنْ في حُكْمِه من مجنونٍ ومعتوهٍ -وهو مُخْتلُّ العَقْل اختلالًا لا يصلُ إلى حَدِّ الجنون-؛ لأنَّهم يَهلَكونَ بتَرْكِها؛ فوَجَبَ حِفْظُهم عن الهَلاك، وإنجاؤهم من المَهالِك والضَّياع؛ كما يجبُ الإنفاق عليهم. ثالثاً: الحِكْمَةُ من مَشروعِيَّة الحَضانَةِ: شُرِعَتِ الحضانةُ للصَّغير ومن في حُكْمِه؛ لأنَّهم لا يستطيعون رعايةَ أنفسهم، ولا القيام بشؤونهم؛ لقُصورِهِم وعَجْزِهم؛ فكان من حِكْمَةِ الشارع الحكيم تشريعُ ولاية الحضانة؛ حِفْظاً لهؤلاء المحتاجين، ورحمةً بهم -لا سيما في حال فِراق الزَّوجين -؛ حتَّى لا يهلكوا، أو يضيعوا. رابعاً: ترتيبُ المُستَحِقِّينَ للحَضانَةِ: تجبُ الحضانةُ لمستحقِّيها على الترتيب التالي:

стр. 1106

أ - الأُمُّ -ولو بأجرة مثلها مع وجود متبرِّعة-؛ لحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: (أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي) [رواه أحمد، وأبو داود]. ولأنَّ الأب لا يَلِي حضانته بنفسه، وإنَّما يدفعه إلى امرأته، أو غيرها من النِّساء، وأُمُّه أَوْلَى ممَّن يدفعه إليها؛ لشَفَقَتِها. ب- ثمَّ أُمَّهاتُها (أمُّ الأمِّ وإن عَلَت) القُرْبَى فالقُرْبَى؛ لأنَّهن في معنى الأُمِّ من حيث كمال الشَّفَقة على المحضون، والأقرب أكمل شفقةً من الأبعد. ج- ثمَّ الأبُ؛ لأنَّه أصل النَّسب إلى الطفل، وأقرب من غيره، وأحقُّ بولاية مالِهِ. د - ثمَّ أمَّهاتُه (أمُّ الأب وإن عَلَت) القُرْبَى فالقُرْبَى؛ لأنَّهنَّ يُدْلِين بعَصَبةٍ قريبةٍ. هـ- ثمَّ الجَدُّ لأبٍ الأقرب فالأقرب؛ لأنَّه في معنى الأب. و - ثمَّ أمَّهاتُه (أم الجدِّ لأب، وإن عَلَت) القربى فالقربى؛ لأنهنَّ يدلين بعصَبة. ز - ثمَّ الأُخت لأَبَوَيْن؛ لقوَّة قَرابتها، ومشاركتها له في النَّسَب.

стр. 1107

ح- ثمَّ الأُخت لأُمٍّ؛ لإدلائها بالأُمِّ؛ فكانت أَوْلَى ممَّن يُدْلي بالأب؛ كالجَدَّات. ط- ثمَّ الأُخت لأبٍ؛ لأنَّها تقوم مقام الأُخت الشقيقة، وتَرِثُ ميراثها. ي- ثمَّ الخالَة لأبوين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ؛ لأنَّ الخالات يُدْلِين بالأُمِّ. ك- ثمَّ العَمَّة لأبوين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ؛ لأنَّهنَّ يُدْلِين بالأب. ل- ثمَّ خالَةُ الأُمِّ لأبوين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ، ثمَّ خالات الأب كذلك، ثمَّ عَمَّات الأب كذلك؛ لأنَّهنَّ نساءٌ من أهل الحضانة، فقُدِّمْنَ على مَنْ بِدَرَجَتِهنَّ من الرِّجال؛ كتقديم الأُمِّ على الأب. وتقديمُ الخالات على عَمَّات الأب؛ لأنَّهنَّ يُدْلِين بالأُمِّ، والعَمَّات يُدْلِين بالأب، فقُدِّم من يُدْلي بالأُمِّ. م- ثمَّ بناتُ إخْوَتِه وأخواتِهِ، ثمَّ بناتُ أعمامِهِ وعَمَّاته، ثمَّ بناتُ أعمام أبيه وبناتُ عَمَّات أبيه، على التفصيل السابق؛ فتُقدَّم لأبوين، ثمَّ لأمٍّ، ثم لأبٍ. ن- ثمَّ باقي العَصَبة؛ الأقرب فالأقرب؛ فيُقدَّم الإخوة الأشقَّاء، ثمَّ لأبٍ، ثمَّ بَنوهُم كذلك، ثمَّ الأعمام، ثمَّ بنوهم كذلك، ثمَّ أعمام الأب، ثمَّ بَنوهُم كذلك، ثمَّ أعْمامُ الجَدِّ، ثمَّ بَنوهُم كذلك، وهكذا؛ لأنَّ لهم ولايةً وتعصيباً بالقرابة، فتَثْبُتُ لهم الحضانة كالأب. - إذا كان المحضون أنثى بلغت سبع سنين، فيشترط في الحاضن أن يكون

стр. 1108

مَحْرَماً للمحضون، ولو برضاعٍ، أو مصاهرةٍ؛ لأنَّها محلُّ الشهوة. س- ثمَّ لِذِي رَحِمٍ ذَكَرٍ وأُنثَى غير ما تقدَّم؛ لأنَّ لهم رَحِماً وقَرابةً يَرِثون بها عند عدم من تقدَّم. خامساً: موانعُ استحقاق الحَضانَةِ: تسقطُ الحضانةُ عن مستحقِّها إذا وُجِدَ فيه مانعٌ من الموانع التالية: أ - الرِّق؛ فلا حضانة لمن كان فيه رِقٌّ؛ لأنَّ الحضانة ولاية كولاية النكاح؛ والرَّقيق ليس أهلاً لها. ب- الفِسْق؛ فلا حضانة لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يُوثَقُ به في أداء واجب الحضانة، وربما نشأ المحضون على أحواله. ج- الكُفْر؛ فلا حضانة لكافرٍ على مسلمٍ؛ لأنَّها إذا لم تثبت للفاسق فالكافِرُ أَولَى، ولأنَّه ربما فَتَنَهُ عن دِينِه. د - المرأةُ المتزوِّجةُ بأجنبيٍّ من المحضون؛ لقول النبيِّ ﷺ في الحديث السابق: (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي)، ولأنَّها تشتغل عن حضانته بحَقِّ الزَّوج. بخلاف ما لو تزوَّجت بقريبِ المحضون؛ كعَمِّه مثلًا؛ فإنَّ حضانتها لا تسقط؛ لأنَّ الزَّوج القريب يشاركها في القرابة والشَّفقة عليه. - إذا زال المانع من استحقاق الحضانة؛ كما لو أُعتِقَ الرَّقيقُ، أو أَسْلَم الكافر، أو تاب الفاسق، أو طُلِّقت المرأة من الأجنبيِّ، أو أسقط الأحقُّ بها

стр. 1109

حقَّه منها، ثمَّ عاد فطَلَبَها، عاد الحقُّ لهم في الحضانة، لأنَّ سببها قائم، وهو القرابة، وإنَّما امتنعت لمانعٍ، فإذا زال المانع عادَ الحقُّ بالسَّبب السابق. - إذا أراد أحد أبوي المحضون السفر لحاجة ثمَّ يرجع؛ فالمقيم منهما أحقُّ بالحضانة؛ لأنَّ في السفر بالولد إضراراً به، وقد قال النبيُّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [رواه ابن ماجه]. أمَّا إذا كان السَّفر إلى بلدٍ بعيد -مسافة القَصْر فأكثر من البلد الآخر- للسُّكْنَى فيه، فالأبُ هو الأحقُّ بالحضانة؛ لأنَّه الذي يقوم في العادة بتأديب الصغير، وحِفْظ نَسَبِه، فإذا لم يكن الولد في بَلَدِ أبيه ضاع. إلَّا إذا قَصَدَ الأبُ بذلك مُضارَّة الأُمِّ، وانتزاع الولد منها، فالأُمُّ حينئذٍ أحقُّ بالحضانة. وإن كان السَّفَر للسُّكنى إلى بلدٍ قريبٍ -دون مسافة القَصْر- فالأُمُّ أحقُّ بالحضانة؛ لأنَّها أتمُّ شَفَقةً، ولأنَّ مراعاة الأب له ممكنةٌ. سادساً: الحَضانَةُ بعد سِنِّ السَّابِعَة: أ - حضانةُ الصَّبيِّ إذا بَلَغَ سَبْعَ سِنين: إذا بلغ الصبيُّ المحضون سبعَ سنين عاقلاً، خُيِّر بين أبويه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا وَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ. فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ) [رواه أبو داود والنسائي].

стр. 1110

ولأنَّه إذا مال إلى أحد أبويه دلَّ على أنَّه أرفق به، وأشفق عليه. ١) فإن اختار أباهُ كان عنده ليلًا ونهاراً؛ ليَحْفظه ويُعلِّمه ويؤدِّبه، وليس له أن يمنعه من زيارة أُمِّه، ولا يمنع أُمَّه من زيارته؛ لما في ذلك من الإغراء بالعُقوق وقطيعة الرَّحِم، إلَّا إذا خِيفَ أن تُفْسِدَ قَلْبَه، فتُمنَعُ من الخَلْوة به. ٢) وإن اختار أُمَّه؛ كان عندها ليلًا فقط؛ لأنَّه وقتُ السَّكَن إلى البيوت، ويكون عند أبيه نهاراً؛ ليؤدِّبه ويعلِّمه؛ لئلَّا يضيع. ب- حضانةُ الأُنْثَى إذا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنين: إذا بلغت الأُنثى المحضونة سبعَ سنين، كانت عند أبيها وُجوباً إلى أن تتزوَّج؛ لأنَّه أحفظُ لها، وأحقُّ بولايتها من غيره، فوجب أن تكون تحت نَظَرِه؛ ليأْمَنَ عليها. ولا تُمنَعُ الأُمُّ من زيارتها، ولا هي من زيارة أُمِّها على العادة، لأنَّ الحاجة داعيةٌ إلى ذلك، إلَّا إذا خِيفَ أن تُفْسِد قَلْبَها فتُمنَعُ حينئذٍ من الخَلْوةِ بها. سابعاً: حَضانَةُ المَجْنونِ والمَعْتوهِ: - إذا كان المحضونُ مجنوناً، أو معتوهاً، فإنَّه يكون عند أُمِّه مُطلقاً؛ صغيراً كان أو كبيراً، ذَكَراً كان أو أُنثى؛ لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنِّساء أعرفُ بذلك، وأُمُّه أشفقُ عليه من غيرها. ثامناً: انتقالُ الحَضانَةِ: - إذا كان الحاضنُ لا يصون المحضون ولا يقوم بمصالحه؛ فإنَّ الحضانة

стр. 1111

تنتقلُ عنه إلى من يليه؛ لأنَّ وجودَه كعدَمِه، والقاعدة في الحضانة هي القيام بمصلحة المحضون، فإذا لم يقم بها الحاضن انتقلت إلى مَنْ بعده؛ ليقوم بها.

стр. 1112

كلمة الإدارة الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجمعينَ. أمَّا بعدُ: فيسُرُّ إدارة الإفتاء بدولة الكويتِ أن تُقدِّم لكم الجزءَ الرابعَ من كتاب (التسهيل في فقه الجنايات والحدود وما بقي من أبواب الفقه)، وهو الجزء الأخير من سلسلة كتاب (التَّسهيل في فقه الإمام أحمد بن حنبل)، حيث تضمَّن هذا القسم أبواب الجنايات، والديات، والحدود، والجهاد، والأطعمة، والصيد، والأيمان، والقضاء، والشهادات، والإقرار. وقد سِرْنا في هذا الكتابِ وَفْق المنهجيَّة العلميَّة التي جَرَيْنا عليها في الأجزاء الثلاثة السابقة المتعلِّقة بفقه العبادات، وفقه المعاملات، وفقه الأحوال الشخصيَّة؛ من حيث اعتمادُ القول الراجح في المذهب، والتَّدليلُ عليه من الأدلَّةِ الشرعيَّةِ المعتبرةِ، وسهولةُ العبارةِ، وتفقيرُ المسائلِ. وقد قامَ بإنجازِ هذا العملِ وحدةِ البحثِ العلميِّ بإدارةِ الإفتاءِ، المكوَّنة من: الشيخ/ تركي عيسى المطيري رئيساً الدكتور/ أيمن محمَّد العُمَر عضواً الدكتور/ أحمد عبد الوهَّاب سالم عضواً

стр. 1113

وبعد الفراغِ من العَمَل العِلْميِّ في الكتاب؛ قامت الإدارة بعَرْضِه على الشيخَين الفاضِلَين: - الشيخ/ د. عُثمان محمَّد الخَميس. - والشيخ/ وليد محمَّد الدّيولِي. فقاما مشكورَيْن بمُراجَعتِه، واستدراكِ ما ينبغي استدراكُه، فجَزاهُما اللهُ خيرَ الجزاءِ. ونسألُ اللهَ العَليَّ القديرَ أن يجعلَ هذا العملَ صالحاً، ولوجه خالصاً، وأن يكتبَ له القبولَ، وأن ينفعَ به عمومَ المسلمين، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين. إدارة الإفتاء

стр. 1114

كتاب الجنايات أوَّلًا: تعريفُ الجِنايَة: الجِنايةُ لغةً: بكسر الجيم، مصدر جَنَى يَجْنِي، بمعنى الذَّنْب والجُرْم، وهي ما يفعلُه الإنسانُ على وجه التعدِّي على نفسٍ، أو مالٍ، أو عِرْضٍ. واصطلاحاً: التعدِّي على البَدَنِ بما يُوجِبُ قِصاصاً، أو يُوجِبُ مالًا. والمراد بيان حُكْمِه هنا: هو الاعتداءُ على النَّفْس بإزهاقِها، أو إتلاف عضوٍ من أعضائها، أو إصابته بجرحٌ، بغير حقٍّ. ثانياً: تعريفُ القَتْل وحُكْمُه: القَتْل: هو فِعْلُ ما يكون سبباً لزُهوق النَّفْس، وهو مفارقة الرُّوح البَدَن. وقتل النَّفْس بغير حَقٍّ محرَّمٌ في شرع الله تعالى، وكبيرةٌ من كبائر الذُّنوب، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة. - فمن الكتاب: قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. - ومن السُّنَّة: ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّاهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ

стр. 1115

لِلْجَمَاعَةِ) [رواه البخاري، ومسلم]. - أمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على تحريم القَتْل بغير حقٍّ». ثالثاً: أقسامُ القَتْل: القَتْل ثلاثة أقسام: الأوَّل: القَتْل العَمْدُ العُدْوان؛ ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. الثاني: القَتْل شِبْهُ العَمْدِ؛ ويدلُّ له حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ؛ … وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ فِي عِمِّيَّا فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ) [رواه أحمد، وأبو داود]. الثالث: القَتْل الخطأُ؛ ويدلُّ له قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. القسم الأوَّل: القَتْل العَمْدُ العُدْوان: أ - تعريفُه: هو أن يقْصِد الجاني مَنْ يَعْلَمُه آدميًّا معصوماً، فيقتُلَه بما يَغْلِب على الظنِّ موتُه به.

стр. 1116

ب- شُروطُه: - يشترط لاعتبار القَتْل عَمْداً عُدْواناً ما يلي: ١) إرادة القاتل القَتْل وقَصْدُه. ٢) علمُ القاتل أنَّ المقتول آدميٌّ معصوم الدَّم. ٣) أن تكون آلةُ القَتْل التي قتل بها ممَّا يقتلُ عادةً. ج- صُورُه: للقتل العَمْد العدوان تسعُ صورٍ، عُلِمَت بالاستقراء؛ وهي: ١) أن يجرحه بمُحدَّدٍ له نفوذٌ في البدن؛ كسكِّينٍ، وسَيْفٍ، وإبرةٍ عظيمةٍ، ونحو ذلك. - وكذا لو جَرَحَه جُرْحاً صغيراً كشرطِ حجَّامٍ، فمات، أو كان الجُرْح في غير مقتل. - وكذا لو جَرَحَه بشيءٍ صغيرٍ؛ كإبرةٍ، وشوكةٍ صغيرةٍ في مقتل كالقلب، والخُصْيتين، أو في غير مقتل كالفخذ، واليد، فتطول علَّته من ذلك، أو يصير يتألَّم من ذلك إلى أن يموت. ٢) أن يَضْرِبَه بمُثقَّلٍ كبيرٍ أكبر من عمود الفُسْطاط (الخيمة العظيمة)، لما روى المُغيرة بن شُعْبَة: (أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأُتِيَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا بِالدِّيَةِ … ) [رواه مسلم]. فلمَّا قضى على العاقلة بالدِّية، دلَّ على أنَّ القتل بعمود الفسطاط ليس بعَمْدٍ؛ لأنَّ

стр. 1117

العاقلة لا تحمل العَمْد، فإن كان أعظم من عمود الفسطاط فهو عمدٌ؛ لأنَّه يقتل غالباً. وكذا لو ضَرَبَه بما يَغلِبُ على الظنِّ موتُه به لثِقَلِه؛ كسَنْدان الحدَّاد، والحَجَر الكبيرٍ ونحوهما. ويدلُّ له ما روى أنسُ بن مالكٍ ﵁ قال: (خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، … فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ) [رواه البخاري، ومسلم]. ومثل ذلك: ما لو دَهَسَه بسيَّارةٍ، أو أسقط عليه جداراً، أو ألقاه من شاهقٍ، ونحو ذلك؛ فقتله؛ لأنَّ ذلك يقتلُ غالباً. ٣) أن يُلقِيَه إلى حيوانٍ مفترسٍ بحفرته؛ كأسدٍ، أو نَمِرٍ، فيقتله، أو يجمع بينه وبين حيَّةٍ في مضيقٍ فتنهشه فيموت. ٤) أن يُلقيَه في ماءٍ يُغْرِقُه، أو نارٍ تُحرقُه، ولا يمكنه التخلُّص، فيموت. فإن أمكنه التخلص فيهما ولم يتخلَّص، فهدْرٌ؛ لأنَّه مهلكٌ لنفسه. ٥) أن يخْنُقَه بحَبْلٍ أو غيره، فيموت، أو يخْنُقَه بِسَدِّ فَمِهُ وأَنْفِه زمناً يموت في مثله عادة؛ فيموت. ٦) أن يَحبِسَه ويَمنَعَه الطعامَ والشَّرابَ، فيموت بذلك في زمنٍ يموت فيه غالباً، ولا يمكنه الطَّلب. ٧) أن يَسقِيَه سُمًّا يقتلُ غالباً، لا يعلمُ به شاربُه، أو يخلطه بطعامٍ، أو يُطعِمَه

стр. 1118

لمن لا يَعلَم به. ٨) أن يَقتُلَه بسِحْرٍ يقتلُ غالباً. ٩) أن يَتعمَّدَ شهودٌ قَتْلَ شخصٍ، بأن يشهدوا عليه بما يُوجِبُ قَتْلَه؛ من زنًا، أو رِدَّةٍ، فيُقتَل، ثمَّ يرجع الشهودُ عن شهادتهم. د - أحكامُه: ١) يختصُّ القَتْل العَمْد العُدْوان بالقَوَد؛ وهو قَتْلُ القاتِلِ بمَنْ قَتَلَهُ. فلا يثبت في غيره من أنواع القَتْل، لا شِبْه العَمْد، ولا الخطأ. ٢) يُخيَّرُ وَليُّ المقتول بين القَوَدِ، أو أخذ الدِّيَة -وهي المال المؤدَّى إلى المجنيِّ عليه أو وَلِيِّه بسبب جنايةٍ-؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا يُودَى، وَإِمَّا يُقَادُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ الدِّيَة أحد بَدَلَي النَّفْس؛ لأنَّها تتعيَّن وجوباً في كلِّ موضعٍ لا يمكن القِصاص فيه. ٣) لوليِّ المقتول أن يعفو عن القاتل مجَّاناً من غير أن يأخذ شيئاً، وهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولحديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا) [رواه أحمد]. وليس على الجاني بعد العفو تعزيرٌ. ٤) إذا اختار الوليِّ الدِّية ابتداءً تعيَّنت وسقط القصاص، وإن اختار

стр. 1119

القصاص أوَّلًا فله أن يُصالح القاتل على أكثر من الدِّيَة، ويكون ذلك حينئذٍ بدلًا عن القصاص وليس الدِّيَة الواجبة بالقتل. ٥) إذا تعمَّد جماعةٌ قتلَ شخصٍ واحدٍ؛ فإن كان فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهم يَصلُحُ للقَتْل لو انفرد، قُتِلوا به جميعاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ فلو لم يُشرع القصاص في الجماعة بالواحد، لبطلت الحكمة من مشروعيَّة القِصاص. ولما روى سعيد بن المسيِّب: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا) [رواه مالك]. ٦) إذا جَرَحَ واحدٌ شخصاً جُرْحاً، وجَرَحهُ الآخر مائة جرحٍ، فمات منها جميعاً، فهما سواء في القصاص أو الدِّية؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما فَعَل فِعْلًا يَصلُحُ لإزهاق النَّفْس لو انفرد، وزهوق النَّفْس لا يتبعَّض ليُقْسَم على الفعل، فوجب تساويهما في موجَبِه. ٧) إذا جَرَحَ ثلاثةٌ شخصاً، فمات بسبب فِعْلِهم، فلوليِّ المقتول أن يقتصَّ منهم جميعاً؛ لاشتراكهم في القَتْل، وله العفو عنهم إلى الدِّية، فيأخذ من كلِّ واحدٍ ثُلُثَ الدِّية، وله أن يعفو عن واحدٍ منهم، فيأخذ ثُلُثَ الدِّية، ويقتصَّ من الآخرَيْن، وله أن يعفو عن اثنين، فيأخذ منهما ثُلُثَي الدِّية، ويقتصَّ من الثالث.

стр. 1120

٨) من قَطَعَ أو شَقَّ سِلْعَةً خطِرَةً من آدميٍّ مكلَّف بغير إذنه، أو من غير مكلَّفٍ بغير إذن وَلِيِّه؛ ليُخرِجَ ما فيها، فمات، فعليه القَوَد؛ لتعدِّيه بجرحه بلا إذنٍ. والسِّلْعَةُ: غُدَّةٌ تظهر بين الجِلْد واللَّحم، تتحرَّك إذا حُرِّكت. ٩) إذا أمسك شخصٌ إنساناً لآخر، يعلمُ أنَّه يقتُلُه، حتَّى قتله أو قطع طرفه، فمات، أو فتح فمه حتَّى سقاه سُمًّا، فمات، قُتِل القاتلُ؛ لأنَّه قَتَل عَمْداً من يكافئه بغير حقٍّ، وحُبِس المُمْسكُ حتَّى الموت؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ) [رواه الدارقطني]. القسم الثاني: القَتْل شِبْه العَمْد: أ - تعريفُه: هو: أن يقْصِدَ الجناية على شخصٍ بما لا يقتُلُ غالباً، ولم يَجرَحْه بها؛ فيموت بها، سواء كان ذلك بقَصْد العدوان عليه، أو بقَصْد التأديب، فيُسْرِف في ذلك. وسُمِّي شِبْه العَمْد؛ لأنَّ الجاني قَصَدَ الفِعْل، وأخطأ في القَتْل. ويُسمَّى أيضاً: «خطأ العَمْد»، و «عَمْد الخطأ»؛ لاجتماعهما فيه. مثاله: كمن ضرب شخصاً بسَوْطٍ، أو عصًا، أو حجرٍ صغيرٍ، أو ألقاهُ في ماءٍ قليلٍ لا يُغْرِقُه مثلُه غالباً، أو ضَرَبَه بيده في غير مقتلٍ، أو صاحَ بغافلٍ على سطحٍ فسقط فمات، ونحو ذلك.

стр. 1121

ب- أحكامُه: من قَتَل آدميًّا معصوماً قَتْل شِبْه عَمْدٍ؛ وجب عليه أمران: ١) الكفَّارة في مال الجاني على الترتيب، وهي: عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم يجد، أو وجدَ ولم يقدر على ثمنها، صام شهرين متتابعين، كما في قتل الخطأ؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ إذ الخطأ موجود في صورة شِبْه العَمْد؛ لأنَّه لم يقصد قَتْلَه بفعله ذلك. ٢) الدِّيَةُ مغلَّظةً في مالِ عاقِلَةِ الجاني؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا) [رواه البخاري، ومسلم]. القسم الثالث: قَتْلُ الخَطَأ: أ - أنواعُه: ينقسم قَتْل الخطأ إلى نوعين: الأوَّل: خَطأٌ في الفِعْل: وهو أن يفعلَ ما يجوزُ له فِعْلُه؛ كأن يَدُقَّ شيئاً، أو يرميَ صَيْداً أو هَدَفاً، فيصيبُ آدميًّا معصوماً لم يقصده، أو ينقلب وهو نائمٌ على

стр. 1122

إنسانٍ، فيموت بذلك. الثاني: خَطأٌ في القَصْد: مثل أن يرميَ ما يظنُّه صَيْداً، أو من يظنُّه مباحَ الدَّمِ؛ كالحَرْبيِّ والمرتدِّ، فيقتلُ آدميًّا معصوماً. ب- أحكامُه: ١) يجبُ بالقَتْل الخطأ شيئان: الكفَّارة في مال القاتل على الترتيب -كما سبق في شِبْه العَمْد-، والدِّيَةُ في مالِ عاقِلَةِ الجاني؛ لقوله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. أمَّا وجوب الدِّيَة على عاقلة القاتل؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ؛ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا) [رواه البخاري، ومسلم]. أي: عصبة الجانية. ٢) عَمْدُ الصغير والمجنون يجري مجرى القَتْل الخطأ؛ لأنَّه ليس لهما قصدٌ؛ فهما كالمكلَّف المخطئ. ٣) ويجري مجرى القَتْل الخطأ أيضاً: القَتْل التسبُّب؛ مثل أن يحفر شخصٌ بئراً أو حفرةً في طريقٍ، فيتلف بسبب ذلك إنسانٌ معصومٌ. ٤) من قتل مسلماً في صفِّ الكفَّار يظنُّه كافراً؛ فلا يجب فيه إلَّا الكفَّارة، ولا

стр. 1123

دِيَة تلزمه؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ٥) إذا قتل مسلمٌ معاهداً خطأً؛ وجبت الكفَّارة في مال القاتل، والدِّية على عاقلته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ج- أحكامٌ متفرِّقةٌ في القَتْل: ١) إذا قال إنسانٌ لآخر: «اقتلني»، أو «اجرحني»، فقتله أو جرحه، لم يلزم الفاعل شيءٌ؛ لأنَّ ذلك جنايةٌ أذِنَ له المجنيُّ عليه فيها، فسقط ضمانها. ٢) لو دفع إنسانٌ آلة قَتْلٍ لغير مكلَّفٍ؛ صغيرٍ أو مجنونٍ، ولم يأمره بالقَتْل، فقتل بالآلة إنساناً، لم يلزم مَنْ دَفَع له الآلةَ شيءٌ؛ لأنَّ الدَّافع ليس بآمرٍ، ولا مباشرٍ.

стр. 1124

باب شروط القصاص في النَّفس أجمع العلماءُ على مشروعيَّة القصاص في القَتْل العَمْد؛ لقول الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ويُشترطُ لوجوب القصاص في النَّفْس (القَوَد) أربعة شروطٍ: الشرط الأوَّل: أن يكون القاتلُ مكلَّفاً: بأن يكون بالغاً عاقلًا قاصداً، فلا قصاص على صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا معتوهٍ، ولا زائل عقلٍ بسببٍ يُعْذَرُ فيه؛ كالنائم، والمغمَى عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود]. ولأنَّ القصاص عقوبةٌ مغلَّظةٌ، فلم تجب على غير المكلَّف، كالحدود؛ ولأنَّه ليس له قصدٌ صحيحٌ؛ فهو كالقاتل خطأً. ومع عدم وجوب القصاص على غير المكلَّف، إلَّا أنَّه تجبُ الكفَّارة في مالِهِ، والدِّية على عاقلته؛ كما في القتل الخطأ. الشرط الثاني: عِصْمَةُ المَقْتولِ: بأن لا يكون مُهْدَرَ الدَّم؛ كالكافر الحربيِّ، أو المرتدِّ قبل توبته، أو الزاني المُحْصَن؛ لأنَّ القصاص شُرع لحَقْن الدِّماء، ومُهْدَرُ الدَّم غير محقونٍ.

стр. 1125

والقاتل المُستَحِقُّ للقتل معصومُ الدَّم بالنسبة لغير وليِّ المقتول؛ لأنَّه لا سببَ فيه يُبِيحُ دَمَهُ لغَيْر وليِّ المقتول، ولأنَّ قتله غير متحتِّمٍ؛ إذ قد يعفو وليُّ الدَّم عنه. الشرط الثالث: التكافؤ بين المقتول وقاتله حال جنايته؛ بأن يتساويا في الدِّين، والحُرِّيَّة، والمِلْكِ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. - فيُقتَلُ الحُرُّ المُسلِمُ، بالحُرِّ المُسلمِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى؛ لتساويهما في الإسلام والحُرِّيَّة. - ويُقتَلُ الرَّقيق المسلمُ بالرَّقيق المُسلمِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى؛ لتساويهما في الإسلام والرِّقِّ. ولا أثر لكون أحدهما مُكاتَباً، أو مدبَّراً، أو أمَّ ولدٍ، والآخر ليس كذلك؛ للتساوي في الإسلام والرِّقِّ. - ويُقتَلُ الحُرُّ الذِّمِّيُّ والمستأمَنُ، بالحُرِّ الذِّمِّيِّ والمُستأمَنِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى. - ويُقتَل الرَّقيق الذِّمِّيُّ والمستأمَنُ، بالرَّقيق الذمِّيِّ والمُستأمَنِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخرُ أُنْثَى أو خُنْثَى. - ويُقتَلُ كتابيٌّ بمجوسِيٍّ، وعكسه، وذمِّيٌّ بمستأمنٍ، وعكسه. - ويُقتَلُ الإنسانُ بقَتْلِه مَنْ هو أَعْلَى منه؛ فيُقْتَلُ الكافِرُ الحُرُّ بالمُسلم الحُرِّ،
следующие страницы →