ب- أحكامُه:
من قَتَل آدميًّا معصوماً قَتْل شِبْه عَمْدٍ؛ وجب عليه أمران:
١) الكفَّارة في مال الجاني على الترتيب، وهي: عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم يجد، أو وجدَ ولم يقدر على ثمنها، صام شهرين متتابعين، كما في قتل الخطأ؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ إذ الخطأ موجود في صورة شِبْه العَمْد؛ لأنَّه لم يقصد قَتْلَه بفعله ذلك.
٢) الدِّيَةُ مغلَّظةً في مالِ عاقِلَةِ الجاني؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا) [رواه البخاري، ومسلم].
القسم الثالث: قَتْلُ الخَطَأ:
أ - أنواعُه:
ينقسم قَتْل الخطأ إلى نوعين:
الأوَّل: خَطأٌ في الفِعْل: وهو أن يفعلَ ما يجوزُ له فِعْلُه؛ كأن يَدُقَّ شيئاً، أو يرميَ صَيْداً أو هَدَفاً، فيصيبُ آدميًّا معصوماً لم يقصده، أو ينقلب وهو نائمٌ على
стр. 1122
إنسانٍ، فيموت بذلك.
الثاني: خَطأٌ في القَصْد: مثل أن يرميَ ما يظنُّه صَيْداً، أو من يظنُّه مباحَ الدَّمِ؛ كالحَرْبيِّ والمرتدِّ، فيقتلُ آدميًّا معصوماً.
ب- أحكامُه:
١) يجبُ بالقَتْل الخطأ شيئان: الكفَّارة في مال القاتل على الترتيب -كما سبق في شِبْه العَمْد-، والدِّيَةُ في مالِ عاقِلَةِ الجاني؛ لقوله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
أمَّا وجوب الدِّيَة على عاقلة القاتل؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ؛ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا) [رواه البخاري، ومسلم]. أي: عصبة الجانية.
٢) عَمْدُ الصغير والمجنون يجري مجرى القَتْل الخطأ؛ لأنَّه ليس لهما قصدٌ؛ فهما كالمكلَّف المخطئ.
٣) ويجري مجرى القَتْل الخطأ أيضاً: القَتْل التسبُّب؛ مثل أن يحفر شخصٌ بئراً أو حفرةً في طريقٍ، فيتلف بسبب ذلك إنسانٌ معصومٌ.
٤) من قتل مسلماً في صفِّ الكفَّار يظنُّه كافراً؛ فلا يجب فيه إلَّا الكفَّارة، ولا
стр. 1123
دِيَة تلزمه؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
٥) إذا قتل مسلمٌ معاهداً خطأً؛ وجبت الكفَّارة في مال القاتل، والدِّية على عاقلته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ج- أحكامٌ متفرِّقةٌ في القَتْل:
١) إذا قال إنسانٌ لآخر: «اقتلني»، أو «اجرحني»، فقتله أو جرحه، لم يلزم الفاعل شيءٌ؛ لأنَّ ذلك جنايةٌ أذِنَ له المجنيُّ عليه فيها، فسقط ضمانها.
٢) لو دفع إنسانٌ آلة قَتْلٍ لغير مكلَّفٍ؛ صغيرٍ أو مجنونٍ، ولم يأمره بالقَتْل، فقتل بالآلة إنساناً، لم يلزم مَنْ دَفَع له الآلةَ شيءٌ؛ لأنَّ الدَّافع ليس بآمرٍ، ولا مباشرٍ.
стр. 1124
باب شروط القصاص في النَّفس
أجمع العلماءُ على مشروعيَّة القصاص في القَتْل العَمْد؛ لقول الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
ويُشترطُ لوجوب القصاص في النَّفْس (القَوَد) أربعة شروطٍ:
الشرط الأوَّل: أن يكون القاتلُ مكلَّفاً: بأن يكون بالغاً عاقلًا قاصداً، فلا قصاص على صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا معتوهٍ، ولا زائل عقلٍ بسببٍ يُعْذَرُ فيه؛ كالنائم، والمغمَى عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود]. ولأنَّ القصاص عقوبةٌ مغلَّظةٌ، فلم تجب على غير المكلَّف، كالحدود؛ ولأنَّه ليس له قصدٌ صحيحٌ؛ فهو كالقاتل خطأً.
ومع عدم وجوب القصاص على غير المكلَّف، إلَّا أنَّه تجبُ الكفَّارة في مالِهِ، والدِّية على عاقلته؛ كما في القتل الخطأ.
الشرط الثاني: عِصْمَةُ المَقْتولِ: بأن لا يكون مُهْدَرَ الدَّم؛ كالكافر الحربيِّ، أو المرتدِّ قبل توبته، أو الزاني المُحْصَن؛ لأنَّ القصاص شُرع لحَقْن الدِّماء، ومُهْدَرُ الدَّم غير محقونٍ.
стр. 1125
والقاتل المُستَحِقُّ للقتل معصومُ الدَّم بالنسبة لغير وليِّ المقتول؛ لأنَّه لا سببَ فيه يُبِيحُ دَمَهُ لغَيْر وليِّ المقتول، ولأنَّ قتله غير متحتِّمٍ؛ إذ قد يعفو وليُّ الدَّم عنه.
الشرط الثالث: التكافؤ بين المقتول وقاتله حال جنايته؛ بأن يتساويا في الدِّين، والحُرِّيَّة، والمِلْكِ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
- فيُقتَلُ الحُرُّ المُسلِمُ، بالحُرِّ المُسلمِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى؛ لتساويهما في الإسلام والحُرِّيَّة.
- ويُقتَلُ الرَّقيق المسلمُ بالرَّقيق المُسلمِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى؛ لتساويهما في الإسلام والرِّقِّ.
ولا أثر لكون أحدهما مُكاتَباً، أو مدبَّراً، أو أمَّ ولدٍ، والآخر ليس كذلك؛ للتساوي في الإسلام والرِّقِّ.
- ويُقتَلُ الحُرُّ الذِّمِّيُّ والمستأمَنُ، بالحُرِّ الذِّمِّيِّ والمُستأمَنِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخر أُنْثَى، أو خُنْثَى.
- ويُقتَل الرَّقيق الذِّمِّيُّ والمستأمَنُ، بالرَّقيق الذمِّيِّ والمُستأمَنِ، ولو كان أحدُهما ذَكَراً والآخرُ أُنْثَى أو خُنْثَى.
- ويُقتَلُ كتابيٌّ بمجوسِيٍّ، وعكسه، وذمِّيٌّ بمستأمنٍ، وعكسه.
- ويُقتَلُ الإنسانُ بقَتْلِه مَنْ هو أَعْلَى منه؛ فيُقْتَلُ الكافِرُ الحُرُّ بالمُسلم الحُرِّ،
стр. 1126
والرَّقيقُ المُسلم بالحُرِّ المُسلم، والرَّقيق الذِّمِّيُّ بالحُرِّ الذِّمِّيِّ.
- ويُقتَلُ مُكلَّفٌ بغير مُكلَّفٍ؛ لتساويهما في النَّفس والحُرِّيَّة، أو الرِّقِّ.
فإن لم يكن بينهما تكافؤٌ في الدِّين، أو الحُرِّيَّة، أو المِلْك حال الجناية؛ فلا قِصاص:
- فلا يُقْتَلُ مُسلِمٌ -ولو كان عَبْداً- بكافرٍ -ولو كان حُرًّا-؛ لقول النبيِّ ﷺ : ( … لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) [رواه البخاري].
- ولا يُقتَلُ حُرٌّ -ولو ذِمِّيًا- بعَبْدٍ -ولو مُسلِماً-؛ لأنَّ المقتول إذا لم يكن مساوياً للقاتل، كان أخْذُه به أَخْذاً لأكثر من الحقِّ.
- ولا يُقتَلُ مُكاتَبٌ بعَبْدِه، ولو كان عَبْدُه ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ له؛ لأنَّ المُكاتَب أفضلُ من العَبْدِ، وهو مالكٌ لرَقَبَتِه، فلا يُقْتَلُ به كالحُرِّ.
ولا أثر للتَّفاضُل بين القاتل والمقتول في غير ما ذُكِرَ من دِينٍ، وحُرِّيَّةٍ، ورِقٍّ، فيُقتلُ الجميل بالدَّميم، والشريف بالوضيع، والكبيرُ بالصغير، والذَّكَرُ بالأُنْثَى، والصحيحُ بالمجنون والمعتوه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨].
الشرط الرابع: أن لا يكون المقتولُ وَلَداً للقاتِلِ: فلا يُقتلُ أبٌ -وإن عَلا-، ولا أُمٌّ -وإن عَلَتْ- بولدٍ، ولا بولدِ ولدٍ وإن سَفَلَ؛ لما روى عمر بن الخطَّاب
стр. 1127
﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ) [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه].
أمَّا الولد فيقتلُ بكُلٍّ من الأبوين؛ لعموم قول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
- ويُورَث القِصاصُ على قَدْر المِيراثِ؛ فمتى وَرِثَ القاتِلُ شيئاً من القِصاصِ، سقط؛ لأنَّ القِصاص لا يتبعَّض، ولا يتصوَّر وجوبه للإنسان على نفسه.
مثاله: أن يقتل رجلٌ أخا زوجته، فتكون الزوجة من ورثة الدم، فإذا ماتت الزوجة، وَرِثَها زوجُها، فيصير القاتل من ورثة الدم بسبب ميراثه من زوجته.
- وكذا لو وَرِثَ وَلَدُ القاتل شيئاً من القِصاص، سقط القصاص؛ لأنَّه لو لم يسقط لوَجَب للوَلَدِ على الوالد قِصاصٌ، وهو ممنوع.
مثاله: لو قتل رجلٌّ زوجته، وكان له منها ولدٌ؛ كان ذلك الولد من ورثة الدم، فيسقط بذلك القصاص؛ لعدم وجوب القصاص له على والده.
стр. 1128
باب شروط استيفاء القصاص
أوَّلًا: تعريفُ استيفاء القِصاص:
استيفاء القصاص: هو فِعْلُ مجْنيٍّ عليه -فيما دون النَّفْس-، أو فِعْلُ وَلِيِّه -إن كانت على النَّفْس- بجانٍ مثلَ فِعْلِه، أو شِبْهِه.
ثانياً: شروطُ استيفاء القِصاص:
إذا وَجَبَ القِصاص على الجاني، فإنَّه لا يجوز تنفيذُه، أو استيفاؤه إلَّا بتحقُّق ثلاثة شروطٍ:
الشرط الأوَّل: أن يكون مُسْتَحِقُّ القِصاص مكلَّفاً؛ بأن يكون بالغاً عاقلًا؛ لأنَّ غير المكلَّف ليس أهلًا للاستيفاء، ولا تدخله النيابة.
فإن كان مُستَحِقُّ القِصاص أو أحدُ مستحقِّيه صغيراً، أو مجنوناً، حُبِسَ الجاني إلى حين بلوغ الصغير، وإفاقة المجنون، وليس لوليِّهما -ولو كان أباً- استيفاؤه نيابةً عنهما؛ لما رُويَ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ حَبَسَ هُدْبَةَ بْنَ الخَشْرَمِ سَبْعَ سِنِينَ فِي قَتْلِ ابْنِ عَمِّهِ زِيَادَةَ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى بَلَغَ ابْنُ القَتِيلِ المِسْوَرُ ابْنُ زِيَادَةَ» [رواه ابن عساكر في «تاريخه»]، وكان ذلك في عصر الصحابة، ولم يُنكر، فكان كالإجماع.
ولأنَّ من حكمة القِصاص حصول التشفِّي والانتقام لمستحقِّه، فلا يحصلُ ذلك له باستيفاء غيره، فتفوت الحكمة.
стр. 1129
فإن احتاج الصَّغير أو المجنون إلى نفقةٍ، فلوليِّ المجنون العفو إلى الدِّيةِ، ولا يصحُّ ذلك لوليِّ الصَّغير؛ لأنَّ المجنون ليست له حالة معتادةٌ يُنتظر فيها إفاقته ورجوع عقله، بخلاف الصَّغير.
الشرط الثاني: اتِّفاقُ المُستحِقِّين للقِصاص على استيفائه؛ فليس لبعضهم أن ينفرد بالقِصاص دون البعض الآخر إلَّا بإذنهم؛ لأنَّ الاستيفاء حقٌّ مشتركٌ لا يمكن تبعيضُه، فإذا استوفى بعضهم، كان مستوفياً لحقِّ غيره بغير إذنه، ولا ولاية له عليه.
فإن كان أحد المستحقِّين للقصاص غائباً أو غيرَ مُكلَّفٍ، انتُظِرَ قدوم الغائب، وبلوغ الصَّغير، وإفاقة المجنون؛ لأنَّهم شركاء في القِصاص. ولأنَّه قِصاصٌ غير متحتِّمٍ، ثبت لجماعةٍ معيَّنين، فلم يجز لأحدهم الاستقلال به؛ لجواز أن يعفو الغائب أو غير المكلَّف عند تكليفه.
- وإذا مات أحد المستحقِّين للقصاص، انتقل الحقُّ إلى وارثه، فقام مقامه؛ لأنَّه حقٌّ للميِّت، ينتقل بموته إلى وارثه كسائر حقوقه.
- وإذا عفا بعض مستحقِّي القِصاص عنه وكان ممَّن يصحُّ عفوه، سقط القِصاص؛ لأنَّه لا يتبعَّض، ولو كان العفو من زوجٍ أو زوجةٍ؛ لأنَّ أحد الزَّوجين من جملة الورثة، فيدخل في عموم حديث أبي شُرَيحٍ الكَعْبيِّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( … فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ) [رواه أحمد، والترمذي].
стр. 1130
وإذا أقرَّ بعضُ مستحقِّي القصاص بعفو شريكه، أو شَهِدَ بذلك، سقط القِصاصُ، ولو كان الشاهد فاسقاً؛ لأنَّ شهادته إقرار منه بأنَّ نصيبه من القصاص سقط، والقصاص لا يتبعَّض؛ فيسري إلى الباقين. ويكون للباقين الذين لم يعفوا حقُّهم من الدِّيَة على الجاني؛ لأنَّها بدلٌ عمَّا فاتهم من القصاص.
الشرط الثالث: أن يؤمَنَ في استيفائه القصاص تعدِّيه إلى غير القاتل؛ لقول الله ﵎: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
فإذا كان القاتل امرأةً حاملًا، ووجب عليها القصاص، أو حَمَلت بعد وجوب القصاص عليها، لم تُقْتَل حتَّى تضع حَمْلَها وتسقيه اللَّبَأ (أوَّل اللَّبن في النتاج)؛ لأنَّ قتلها إسرافٌ في القتل؛ لتعدِّيه إلى الجنين.
ثمَّ إن وُجدَ من يُرضعه قُتِلَت؛ لأنَّ غيرها يقوم مقامها في إرضاع الولد وتربيته، وإلَّا فإنَّها لا تُقتل حتَّى تُرضِعَه حَوْلَين كامِلَين؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال للغامديَّة التي اعترفت بالزِّنا وكانت حاملًا: (حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ)، فلمَّا وضعت قال: (إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللّاهِ. قَالَ: فَرَجَمَهَا) [رواه مسلم].
ولأنَّه إذا أُخِّر الاستيفاء لحفظه وهو حملٌ، فلأن يؤخَّر لحفظه بعد وضعه أَوْلى.
ثالثاً: كيفيَّةُ استيفاء القِصاص:
أ - إذا أُريدَ استيفاء القِصاص، فيجب أن يكون استيفاؤه بحَضْرَة السُّلطان،
стр. 1131
أو نائبه، ويَحرُمُ استيفاؤه بغير حضور أحدهما؛ لأنَّ القِصاص يفتقر إلى اجتهاد، ويَحرُم الحَيْف فيه، ولا يُؤمَن ذلك مع قصد المُقْتصِّ التشفِّي بالقصاص.
فإنِ اقتصَّ وليُّ الدَّم بغير حضور السلطان أو نائبه، وقع القصاص موقعه؛ لأنَّه استوفى حقَّه، وللإمام أو نائبه تعزيرُ المُقْتصِّ؛ لافتياته بفعلِ ما مُنِعَ منه.
وإذا كان وليُّ الدم يُحسِنُ استيفاءَ القِصاص على الوجه الشرعيِّ، مكَّنه منه الحاكم أو نائبه، وإلَّا أمَرَه أن يُوكِّلَ من يستوفيه له؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ب- ويُشترط في الآلة التي يُنفَّذ بها القصاص أن تكون حادَّةً؛ لأنَّ القصاص بالآلة الكالَّة إسرافٌ في القتل، وتعذيب للمقتول، والنبيُّ قد أمر بالإحسان؛ فعن شَدَّاد بن أَوْسٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) [رواه مسلم].
ج- يَحرُمُ استيفاء القِصاص في النَّفْس بغير السَّيْف في العُنُق (١)؛ سواء كان
стр. 1132
القاتل قَتَل بالسَّيْف أو بغيره؛ كقتله بسِحْرٍ، أو حَجَرٍ، أو تغريقٍ، أو خَنْقٍ، أو غير ذلك من وسائل القتل؛ لما رُوي عن النُّعمان بن بشير أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ) [رواه ابن ماجه].
- ويَحرُمُ أن يُستوفَى قِصاصٌ في قَطْع طَرَفِ الجاني بغير سكِّينٍ ونحوها من آلةٍ صغيرةٍ؛ لئلَّا يَحيفَ عند الاستيفاء.
стр. 1133
باب شروط القِصاص فيما دون النفس
أوَّلًا: المقصودُ بالقِصاص فيما دُونَ النَّفْس وأنواعُه:
يقصدُ بالقِصاصِ فيما دون النَّفْس: العقوبةُ المقرَّرة شرعاً على جنايةٍ ليست بقَتْلٍ؛ من جِراحٍ، وقَطْع أَطْرافٍ، ونحو ذلك.
والقصاصُ فيما دون النَّفْس نوعان:
أ- قصاصٌ في الأطراف.
ب- قصاصٌ في الجروح.
ثانياً: مشروعيَّة القِصاص فيما دُونَ النَّفْسِ:
القِصاص فيما دون النَّفْس ثابت بكتاب الله، وسُنَّة نبيِّه ﷺ ، وإجماع الأُمَّة على ذلك.
- فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
- ومن السُّنَّة: ما روى أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ
стр. 1134
ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ … ) الحديث [رواه البخاري، ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن القطَّان: «وأجمع المسلمون جميعاً على أنَّ الرَّجُل إذا كان حُرًّا مُسلماً، وقَطَع عُضْواً من أعضاء رَجُلٍ مُسلِمٍ حُرٍّ، وَجَبَ بينهما القِصاصُ».
ثالثاً: شُروطُ وُجوب القِصاصِ فيما دُونَ النَّفْس:
كلُّ من أُخذ بغيره في قَتْل النَّفْس أُخذ به فيما دون النَّفْس، ومن لا يجري القِصاص بينهما في النَّفْس لا يجري بينهما فيما دونها.
ولا يجبُ القِصاص فيما دون النَّفْس إلَّا بخمسة شروط:
الشرط الأوَّل: العَمْدُ العُدْوان؛ فلا قصاص في الخطأ بالإجماع، ولا في شِبْه العَمْدِ؛ لأنَّه لا يوجب القِصاص في النَّفْس وهي الأصل، ففيما دونها أَوْلَى.
الشرط الثاني: إمكانُ استيفاء القِصاص فيما دون النَّفْس بلا حَيْفٍ؛ بأن يكون القَطْع من مفصَلٍ، أو ينتهي إلى حدٍّ، كمارِنِ الأَنْف (وهو ما لَانَ منه دون القَصَبَة).
وعليه؛ فلا قصاص في جائفةٍ (الجُرْح الواصل إلى باطن الجَوْف)، ولا في كَسْرِ عَظْمٍ غير سِنٍّ أو ضِرْسٍ، ولا في قطع قَصَبةِ الأَنْف، أو قطع بعض ساعِدٍ، أو بعض ساقٍ، أو بعض عَضُدٍ، أو بعض وَرِكٍ؛ لأنَّه لا يمكن الاستيفاء منها
стр. 1135
بغير حَيْفٍ، إذ ربما يأخذ أكثر من الفائت، أو يَسْري إلى عضوٍ آخر، أو إلى النَّفْس، وهذا ظُلْمٌ وجَوْرٌ؛ فلذا يُمنع منه.
والأمن من الحَيْف شرطٌ لجواز استيفاء القِصاص، لا لوجوبه؛ فقد يثبتُ حقُّ القِصاص، لكن الاستيفاء غير ممكن؛ لخوف العُدوان.
فإن خالف المقتصُّ فاقتصَّ بقَدْر حقِّه، ولم يَسْرِ، وقع القِصاص موقعه، ولم يلزم المقتصَّ شيءٌ؛ لأنَّه حقُّه، وإنَّما مُنِعَ منه لتوهُّم الزيادة.
الشرط الثالث: المساواةُ والتماثلُ بين عُضْوي الجاني والمجنيِّ عليه في الاسم والموضع؛ فتؤخذ العَيْن بالعَيْن، والأَنْف بالأَنْف، والأُذُن بالأُذُن، والسِّنُّ بالسِّنِّ. ولا تؤخذ يمينٌ بيسارٍ، ولا جَفْنٌ علويٌّ بجَفْنٍ سفليٍّ، ولا جِراحةٌ في الوَجْه بجِراحةٍ في الرأس، ولا يدٌ برِجْلٍ، ولا عكسه، ونحو ذلك؛ لأنَّ القِصاص يقتضي المساواة والمماثلة، والاختلاف في الاسم دليل الاختلاف في المعنى؛ إذ كلُّ واحدٍ منها يختصُّ بمنفعةٍ.
الشرط الرابع: استواءُ عُضْوي الجاني والمجنيِّ عليه في الصِّحَّة والكمال؛ فلا تؤخذ يدٌ أو رِجْلٌ صحيحة بيدٍ أو رِجْلٍ شلَّاء، ولا تؤخذ يدٌ أو رِجْلٌ كاملةُ الأصابع أو الأظفار بناقصتها.
- ولا تؤخذ عَيْنٌ صحيحة بعين قائمةٍ (وهي ما كان بياضها وسوادها صافيان، لكن لا يُبْصِر بها صاحبها)؛ لأنَّ منفعتها ناقصة، فلا تؤخذ بها عينٌ
стр. 1136
كاملة المنفعة.
- ولا يؤخذ لسانٌ ناطقٌ بلسانٍ أخرسَ؛ لأنَّ المقصود من اللِّسان النطق، والأخرس ناقص المنفعة، فانتفت المساواة.
- ولا يؤخذ ذَكَرُ فَحْلٍ بذَكَرِ خَصِيٍّ، أو ذَكَرِ عِنِّين؛ لأنَّه لا منفعة فيهما من حيث إمكان الوطء، والإنزال، والولد؛ فانتفت المماثلة.
- ويؤخذ مَارِنُ أَنْفٍ صحيحٍ بمَارِنِ أَنْفٍ أَشَلَّ لا يجد رائحة شيءٍ؛ لأنَّ ذلك لعِلَّةٍ في الدِّماغ. أمَّا الأَنْف فصحيحٌ.
- وتؤخذ أُذُنٌ صحيحةٌ بأُذُنٍ شلَّاء؛ لأنَّ القصد الجمال.
- أمَّا إن كان عضو الجاني معيباً وعضو المجنيِّ عليه صحيحاً؛ فيؤخذ العضو المعيب في كلِّ ما سبق بالصحيح من غير أَرْشٍ؛ لأنَّ المعيب من ذلك كالصحيح خِلْقَةً، وإنَّما نَقَصَ صِفَةً.
الشرط الخامس: وهو خاص بالقِصاص في الجروح؛ حيث يُشترط فيه مع ما سبق من الشروط شرطٌ آخر، وهو:
أن ينتهي الجُرْحُ إلى عَظْم؛ كجُرْح عَضُدٍ، وساعِدٍ، وفَخِذٍ، وساقٍ، وقَدَمٍ، ومُوضِحَةٍ (الشَّجَّة التي تُبْدي بياض العَظْم) في رأسٍ أو وَجْهٍ. فكلُّ هذه الجراح يجوز القِصاص فيها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولأنَّها تنتهي إلى عَظْمٍ، ويمكن الاستيفاء فيها بلا حيف ولا زيادة.
стр. 1137
أمَّا ما لا ينتهي إلى عَظْمٍ من الجِراحات والشِّجاج؛ سواء كان دون المُوضِحَة، أو أَعْظَم منها، فلا يجوز القِصاص فيه، وإنَّما تجب له الدِّية؛ فلا قصاص في الجائفة، ولا المَأْمُومَةِ، ولا في المُنَقِّلةٍ، ولا في الهاشِمَةِ (سيأتي تعريفها في فصل: دية الأعضاء ومنافعها).
والأصل في المنع من القِصاص في هذه الشِّجاج: ما روى طلحة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَيْسَ فِي المَأْمُومَةِ قَوَدٌ) [رواه ابن ماجه]. ولأنَّ هذه الشِّجاج لا تنتهي إلى حدٍّ يمكن القِصاص فيه من غير حَيْفٍ أو زيادةٍ.
ولكن يجوز لمن جُرِحَ بجُرْحٍ أعظم من المُوضِحَة أن يقتصَّ مُوضِحَةً؛ لأنَّه يقتصُّ بعضَ حَقِّه، ومِنْ مَحلِّ جنايته، ويأخذُ مع القصاص وجوباً ما بين دِيَةِ المُوضِحَة ودِيَةِ تلك الشَّجَّة التي هي أعظم منها؛ لتعذُّر القِصاص فيه، فينتقلُ إلى البَدَل؛ فيأخذُ في هاشِمَةٍ إذا اقتصَّ مُوضِحَةً: خَمْساً من الإبل، وفي مُنَقِّلَةٍ: عَشْراً من الإبل، وفي مَأْمومةٍ: ثمانيةً وعشرين بعيراً وثُلُثَ بعيرٍ.
* حُكْمُ سِرَايَةِ القِصاصِ والجِنايَةِ:
يَحْرُمُ القِصاص في طَرَفٍ أو جُرْحٍ حتَّى يَبْرَأَ؛ لما رُوي عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ) [رواه الطحاوي].
فإذا اقتصَّ المجنيُّ عليه من الجاني بعد اندمال جُرْحِه، فسَرَى أثرُ القَوَدِ إلى النَّفْسِ ومات الجاني، فلا ضمان فيه؛ لما جاء عن عمر ﵁ -في الذي
стр. 1138
يقتصُّ منه ثمَّ يموت- قال: (قَتْلُهُ حَقٌّ -يَعْنِي أَنْ لَا دِيَةَ-) [رواه عبد الرزق]، ولأنَّ القَطْعَ بحقٍّ غير مضمون، فكذلك سِرايتُه غيرُ مضمونةٍ.
- أمَّا إذا قَطَعَ المجنيُّ عليه أو وليُّه الجانيَ قهراً بلا إذنه -أي الجاني-، ولا إذن الإمام أو نائبه، مع حالٍ لا يؤمن فيه الخوف من السِّراية، أو قطعه بآلةٍ كالَّةٍ أو مسمومةٍ، فمات بسبب ذلك، لَزِمَ المُقْتَصَّ دِيَة النَّفْس منقوصاً منها دَيِة ذلك العُضْو الذي وَجَب له القِصاص فيه.
- وسراية الجناية مضمونةٌ بقَوَدٍ ودِيَةٍ، في النَّفْس وما دونها، ولو بعد أن اندمل الجُرْح واقتصَّ المجنيُّ عليه من الجاني، ثمَّ انتقض الجُرحُ فَسَرَى؛ لأنَّ التَّلَف حَصَلَ بفِعْل الجاني.
مثاله: لو أنَّ رجلًا جَرَحَ آخر في رأسه، فَسَرَى إلى ذهاب بصره، ثمَّ مات، اقتصَّ منه في النَّفْس، وأُخِذَ منه دِيَة بَصَرِه.
- وأمَّا إذا اقتصَّ المجنيُّ عليه قبل بُرْء جُرْحِه، فالسِّراية هدرٌ؛ لما روى عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ! أَقِدْنِي. قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ. ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَأَقَادَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ! عَرِجْتُ. قَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ. ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ) [رواه أحمد، والدارقطني].
стр. 1139
ولأنَّه باقتصاصه قَبْلَ أن يَنْدَمِل الجُرْح، رَضِيَ بِتَرْك ما يزيد عليه بالسِّرايَةِ، فبَطَلَ حَقُّه منه، كما لو رَضِيَ بِتَرْك القِصاص.
стр. 1140
كتاب الدِّيَات
أوَّلًا: تعريفُ الدِّيَات:
الدِّياتُ لغةً: جمع دِيَةٍ، وهي مصدر وَدَى؛ يقال: وَدَيْتُ القتيل، أي: أدَّيْتُ ديَتَه. والهاء فيها بدل عن الواو المحذوفة؛ مثل عِدَة من الوَعْدِ.
واصطلاحاً: هي المالُ المؤدَّى إلى مجنيٍّ عليه أو وليِّه بسبب جنايةٍ.
ثانياً: حُكْمُ الدِّيَةِ:
الدِّية واجبة في الجناية الخطأ وشبه العَمْد، وتجبُ في العَمْد عند العَفْو عن القِصاص، أو تَعذُّر استيفائه، وقد دلَّ على وجوبها: الكتاب العزيز، والسُّنَّة المطهَّرة، وإجماع الأُمَّة.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
- ومن السنَّة: ما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ) [رواه البخاري، ومسلم]. وعن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْمٍ عن أبيه: (أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ: أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ) [رواه مالك، والنسائي].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «وأجمع أهل العلم على وجوب الدِّيَة في الجُملة».
стр. 1141
ثالثاً: أحكامُ الدِّيَة:
أ - على من تجبُ الدِّيَة:
من أتْلَفَ إنساناً مُسلِماً، أو ذِمِّيًّا، أو مُعاهَداً، أو أتْلَفَ جُزْءًا منه، بمباشرةٍ أو سَبَبٍ؛ فلا يخلو ذلك من أن يكون عَمْداً، أو غير عَمْدٍ.
١) فإن كان عَمْداً: وجبت الدِّيةُ في مال المُتْلِف؛ لأنَّ الأصل يقتضي أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يجبُ على مُتْلِفِه، وأَرْشُ الجناية على الجاني، ولأنَّ العاقلةَ لا تحملُ عمْداً؛ لأنَّ العامِدَ غير معذورٍ، فلا يوجد فيه المعنى المقتضي للتخفيف والمواساة كما في الخطأ.
٢) وإن كان غير عَمْدٍ: كالخطأ وشِبْهِ العَمْد، وجبت الدِّيةُ على عاقلة الجاني؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا … ) [رواه البخاري، ومسلم].
ولأنَّ جنايات الخطأ تقع كثيراً، ودِيَةُ الآدمي كثيرةٌ، فإيجابها على الجاني في ماله فيه إجْحافٌ به، ولمَّا كان معذوراً بفعله، أوجبها الشرع على العاقلة مواساةً للقاتل.
ب- ضمانُ الجناية بالمُباشَرَةِ والسَّبَب:
من القواعد المهمَّة في باب الضمان: أنَّه «إذا اجتمع المُباشِرُ والمُتَسَبِّبُ
стр. 1142
أُضِيفَ الحُكْمُ إلى المُباشِرِ»؛ فإذا اجتمع على إتلاف نَفْسٍ شخصان أحدُهما بفِعْلِه المُباشِرِ، والآخرُ أَتْلَفَ بِسَبَبٍ بعيدٍ، ولم يكن للسَّبَبِ تأثيرٌ قَويٌّ يؤدِّي إلى الإتلاف لو انْفَرَدَ، فإنَّ الحُكْمَ يُضافُ إلى المُباشِرِ دون المُتَسَبِّب.
لكن في بعض الأحوال يُقدَّم المُتَسَبِّبُ على المباشر؛ فيكون الضَّمانُ عليه، وقد يَجتمِعُ سَبَبان، فيكون الضمان على أحدهما دون الآخر، وقد يكون الضَّمانُ عليهما معاً. ولذلك صورٌ وأحوال:
١) إذا حفَرَ إنسانٌ تعدِّياً بئراً قصيرةً، فجاء آخرُ وعمَّقها، فضمان مَنْ تلف فيها يكون بينهما على عاقِلَتِهما مناصفةً؛ لأنَّ السَّبَب حصل منهما.
وإن جاء ثالثٌ فوَضَع فيها سكِّيناً، فوَقَع إنسانٌ على ذلك السِّكِّين فمات؛ فالدِّيةُ على عاقِلَة الثلاثةِ أثلاثاً؛ لأنَّهم تسبَّبوا في قَتْلِه.
٢) إذا وَضَعَ إنسانٌ حَجَراً في طريقٍ تَعَدِّياً، فعَثَرَ فيه إنسانٌ، فوَقَع في بئرٍ، فالضَّمان على واضع الحَجَر دون الحافِر؛ لأنَّ واضِعَ الحَجَرِ كالدَّافع.
وإن كان الحافرُ هو المُتَعَدِّي بحَفْرِه في طريق الناس، دون واضع الحَجَر؛ بأن كان وَضَعَه لمصلحة الناس ليَدوسوا عليه، كان الضمان على الحافِر دون واضع الحَجَر.
٣) إذا تجاذبَ شخصان حُرَّان مكلَّفان حَبْلًا، أو ثوباً، فانقطع، فسَقَطَا مَيِّتيْن، فديةُ كُلٍّ منهما على عاقِلَة الآخر؛ لتسبُّب كلٍّ منهما في قَتْل الآخرِ.
وإن اصْطَدَما، فماتا، فدِيَةُ كلٍّ منهما على عاقِلَة الآخر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما
стр. 1143
مات من صَدْمةِ صاحبه، وذلك خَطأٌ، فكانت دِيَةُ كُلِّ واحدٍ منهما على عاقِلَةِ صاحبه.
٤) من أَرْكَبَ صغيرَيْن لا وِلايَةَ له على واحدٍ منهما، فاصْطَدَما وماتا، فَدِيَتُهما من مال الذي أَرْكَبَهُما؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بذلك.
وإن أَرْكَبَهُما وَلِيُّهما لمَصْلَحةٍ وكانا يثبتان بأنفسهما، أو رَكِبا من عند أَنْفُسِهِما، فدِيَةُ كُلِّ واحدٍ منهما على عاقِلَةِ الآخَرِ.
٥) إذا أَرْسَلَ شخصٌ صغيراً لحاجة ولا ولاية له عليه، فأَتْلَفَ الصَّغِير نَفْساً أو مالًا، فالضَّمانُ على مُرْسِلِه؛ لأنَّه خطأ منه.
٦) إذا أَلْقَى إنسانٌ ثقلًا كبيراً؛ كحَجَرٍ ونحوه داخل سفينةٍ، فغَرِقَتِ السفينة بسبب ذلك، كان على المُلْقِي ضمانُ جميع ما فيها؛ لحصول التَّلَفِ بسبب فِعْلِه، كما لو خرقها.
٧) إذا اضطرَّ إنسانٌ إلى طعامِ إنسانٍ غير مُضطرٍّ، أو شَرَابِه، فطَلَبَهُ المُضْطرُّ منه، فمَنَعَهُ صاحبُ الطَّعام أو الشَّرابِ منه، حتَّى مات، كان الضَّمان على صاحب الطَّعام أو الشَّراب؛ لأنَّه إذا اضطرَّ إليه صار أحقَّ به ممَّن هو في يده، فإذا منعه إيَّاه في تلك الحال كان متسبِّباً في إهلاكه؛ فلزمه ضمانه.
٨) إذا أَخذ إنسانٌ طعامَ غيره، أو شرابَه، أو دابَّتَه، أو أَخذ ما يَدفعُ به عن نَفْسِه من حيوانٍ مُفْتَرِسٍ ونحوه، والمأخوذُ منه عاجزٌ عن دَفْع الآخذ، فتَلِفَ، أو تَلِفَت دابَّتُه، ضَمِنَ الآخِذُ ما تَلِفَ من ذلك؛ لأنَّه سببُ هلاكِه.
стр. 1144
٩) إذا ماتتْ حامِلٌ أو مات حَمْلُها بسبب رائحةِ طعامٍ أو كَبْريتٍ، ضَمِنَ صاحبُ الرَّائِحَة إن كان يَعْلَمُ أنَّ الرَّائِحَةَ تُسبِّبُ ذلك في العادة، وأنَّ الحامِلَ موجودةٌ في المكان الذي فيه الرَّائِحَةُ. وإلَّا لا إثم عليه، ولا ضمان.
стр. 1145
فصل ضمان التعدِّي
من فَعَلَ فِعْلاً مَأْذوناً به شَرْعاً، ولم يكنْ مُتَعَدِّياً فيه، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ بذلك الفِعْل؛ ومن صور ذلك:
أ - إذا وَقَعَ إنسانٌ على شخصٍ نائمٍ غير مُتَعَدٍّ بنَوْمِه؛ فإنْ تَلِفَ الواقِعُ، فهَدْرٌ، ولا ضَمانَ على النائم؛ لأنَّه لم يَجْنِ ولم يَتَعَدٍّ. وإنْ تَلِفَ النائمُ، فعَلَى الواقِعِ الضَّمانُ؛ لحصول التَّلَفَ منه.
ب- لو وَضَعَ إنسانٌ جَرَّةً أو حَجَراً أو نحوهما على سَطْح بيتِه، أو حائِطِه، فسقط ما عليه بفعل ريحٍ، أو طيرٍ، أو هِرَّةٍ، فوَقَعَ على إنسانٍ فقَتَلَه، أو وَقَعَ على شيءٍ فأَتْلَفه، لم يكن على واضِعِ الجَرَّة أو الحَجَر ضمانٌ؛ لأنَّ السقوط كان بغير فِعْلِه، وزَمَنُ وَضْعِه كان في مِلْكِهِ.
فإنْ دَفَعَها عن نَفْسِه من سَقَطَتْ عليه حال سُقوطِها؛ فأَتْلَفَتْ شيئاً، لم يكن على الدَّافِع ضَمانٌ؛ لأنَّه غيرُ متعدٍّ بفِعْلِه.
ج- إذا سَلَّمَ مُكَلَّفٌ بالغٌ عاقلٌ نَفْسَه، أو ولَدَهُ إلى مُعَلِّم سِباحةٍ حاذِقٍ ليعلِّمه السِّباحَةَ، فغَرِقَ المُتَعلِّمُ، فلا ضمان على المعلِّم؛ لأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ؛ إذ هو فَعَلَ ما أُذِنَ فيه.
د - إذا أَمَرَ إنسانٌ مُكَلَّفٌ أو غيرُ مُكَلَّفٍ شخصاً مُكَلَّفاً أن يَنْزِلَ بِئْراً، أو يَصْعَدَ شَجَرَةً، فهَلَك بنُزُولِهِ البِئْرَ، أو صُعودِه الشَّجَرَةَ، فلا ضمان على الآمر؛
стр. 1146
لأنَّه لم يَجْنِ عليه، ولم يتَعَدَّ، أَشْبَهَ ما لو أَذِنَ له به ولم يأْمُرْه.
فإنْ كان المأمورُ غيرَ مُكلَّفٍ، ضَمِنَه الآمِرُ؛ لتَسَبُّبِه في إتلافِه.
هـ- إذا استأجَرَ رَجُلٌ أَجِيراً لحَفْر بئرٍ، أو بِناءِ حائطٍ بِهَدْمٍ ونحوه، فتَلِفَ الأَجيرُ، فلا ضمان على المُسْتأجِرِ؛ لأنَّه لم يفعل شيئاً يكون سَبَباً في التَّلَفِ، فكان غير مُتَعَدٍّ.
و - إذا أدَّبَ الأبُ وَلَدَه ولو كان كبيراً، أو أدَّبَ زوجَتَه في نُشُوزٍ، أو أدَّبَ مُعلِّمٌ صَبِيَّه، أو أدَّبَ سُلْطانٌ رَعِيَّتَه، وكان تأديبُهُم من غير إسرافٍ ولا تَعَدٍّ؛ من حيث العَدَدُ المُعتادُ فيه، والشدَّةُ، فلا ضمان على المُؤدِّب في جميع هذه الصور؛ لأنَّه فَعَلَ ما هو مَأْذونٌ له فيه شَرْعاً، ولم يَتَعَدَّ بفِعْلِه، فلمْ يَضْمَنْ سِرايَتَهُ، أَشْبَهَ سِرايَةَ القَوَد والحَدِّ.
فإنْ أَسْرَفَ المُؤدِّب في تأديبه، أو زادَ على ما يحصلُ به المقصودُ، فتَلِفَ بسبب فِعْلِه، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه مُتَعدٍّ بإسْرافِه؛ إذ لا يحصلُ المقصود بتأديبهم بذلك.
وكذا إذا ضَرَبَ من لا عَقْلَ له من صَبِيٍّ صغيرٍ غير مُميِّزٍ، أو مجنونٍ، أو مَعْتوهٍ، فتلف بسبب فعله، ضمنه؛ لأنَّ الشَّرْع لم يأْذَن في تأديب من لا عَقْلَ له.
ز- إذا أَرْسَلَ سُلْطانٌ في طَلَب امرأةٍ حاملٍ، أو هَدَّدَها، فأَسْقَطَ حَمْلَها، أو ماتَتْ، أو ذَهَبَ عَقْلُها، وَجَبَ الضَّمانُ على السُّلْطان؛ لما روى الحسن البصريُّ قال: (أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى امْرَأَةٍ مُغَيَّبَةٍ كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهِا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقِيلَ لَهَا: أَجِيبِي عُمَرَ، فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا
стр. 1147
وَلِعُمَرَ. قَالَ: فَبَيْنَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ فَزِعَتْ، فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَدَخَلَتْ دَارًا، فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا، فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ: أَنْ لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، إِنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ. قَالَ: وَصَمَتَ عَلِيٌّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاكَ، فَلَمْ يَنْصَحُوا لَكَ، أَرَى أَنَّ دِيَتَهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّكَ أَنْتَ أَفْزَعْتَهَا، وَأَلْقَتْ وَلَدَهَا فِي سَبَبِكَ. قَالَ: فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَقْسِمَ عَقْلَهُ عَلَى قُرَيْشٍ. يَعْنِي يَأْخُذُ عَقْلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ لأَنَّهُ خَطَأٌ) [رواه عبد الرزاق].
أمَّا إذا كان استدعاء السلطان لها بسبب استِعْداءٍ أحدٍ، ضمن المُستَعْدي ما كان بسبب استِعْدائه؛ لأنَّه الداعي إلى طلب السُّلطان لها، فكان موتها أو سقوط حملها أو ذهاب عقلها بسببه، فاختصَّ به الضمان.
ح- إذا ناَمَ شخصٌ على سَقْفٍ، فهَوَى به السَّقْفُ على قَوْمٍ، لم يَضْمَن ما تَلِفَ بسُقوطِهِ؛ لأنَّ السُّقوطَ ليس من فِعْلِه.
ويَلْزَمُهُ المُكْثُ بعد السُّقوط؛ لئلَّا يَهْلَكَ أحدٌ بانتقالِهِ، فإنْ تلف شيءٌ من نَفْسٍ أو مالٍ بدوامِ مُكْثِهِ أو انتقالِهِ ضَمِنَه؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بسَبَبِهِ.
стр. 1148
فصل مَقادير دِيات النَّفْس
أوَّلًا: أصولُ الدِّيَةِ:
أصول الدِّية: خمسةٌ، وهي: الإبلُ، والذهبُ، والفضَّةُ، والبقرُ، والغنمُ؛ لحديث أبي بكرٍ محمَّد بن عَمْرو بن حَزْمٍ عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَات … ) وفيه: (وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ … وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) [رواه النسائي].
وعن عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ قام خطيباً فقال: (أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ … ) [رواه أبو داود].
ولا تُعَدُّ الحُلَلُ أصلًا؛ لأنَّها تختلفُ ولا تَنْضَبطُ.
فإذا أَحْضَرَ من عليه دِيَةٌ أحَدَ هذه الخمسة، لَزِمَ وَليَّ الجناية قبولها، سواء كان من أهل هذا النوع، أو لم يكن.
والدِّيةُ المعتبرةُ شرعاً هي السَّالِمَة من العيوب في كُلِّ الأنواع؛ لأنَّ الإطلاق يقتضي السلامة.
ولا يُعتبرُ في الدِّيَةِ بُلوغ قِيمَةِ الإِبل والبَقْر والغَنَم قِيمةَ النقدِ؛ لعموم حديث: (وَفِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ) [رواه البيهقي]؛ إذ هو مُطلَقٌ، فلا
стр. 1149
يجوزُ تقييدُه إلَّا بدليل، ولأنَّ قيمة الإبل (كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمَانُ مِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ)، وقول عمر ﵁: (إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ … ) [رواه أبو داود] دليلٌ على أنَّها حال رخصها كانت أقلَّ قيمةً من ذلك.
ثانياً: مقاديرُ الدِّياتِ:
تختلفُ دِيةُ النِّفْس باختلاف المجنيِّ عليه؛ وذلك على النحو التالي:
أ - دِيَةُ الحُرِّ المُسلِم -صغيراً كان أو كبيراً-: مائةٌ من الإِبل، أو مائتا بَقَرَةٍ، أو أَلْفا شاةٍ، أو أَلْفُ مِثْقالٍ ذَهَباً، أو اثنا عشر أَلْفَ دِرْهمٍ إسلاميٍّ فِضَّةً.
ب- دِيَةُ الحُرَّة المُسلِمَة: على النِّصْف من دِيَةِ الحُرِّ المُسلِم إجماعاً؛ فتكون خمسين بَعيراً، أو مائة بَقَرَةً، أو أَلْف شاةٍ، أو خمسمائة مثقالٍ ذَهَباً، أو سِتَّة آلاف دِرْهَمٍ فِضَّةً؛ فعن شُرَيحٍ قال: (أَتَانِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ: أَنَّ جِرَاحَاتِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ تَسْتَوِي فِي السِّنِّ وَالمُوضِحَةِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَدِيَةُ المَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ) [رواه ابن أبي شيبة].
ج- دِيَةُ الكتابيِّ الحُرِّ: على النِّصف من دِيَة الحُرِّ المُسلِم؛ سواءٌ كان ذمِّيًّا، أو مُعاهَداً، أو مُستأمَناً؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: (دِيَةُ المُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ) [رواه أبو داود].
د - دِيَةُ الكِتابِيَّة: على النِّصْف من دِيَة الكِتابيِّ الحُرِّ؛ لعموم أثر شريح السابق.
стр. 1150
هـ - دِيَةُ المجوسيِّ الحُرِّ: ثمانمائة دِرْهمٍ، سواءٌ كان ذِمِّيًّا، أو مُعاهداً، أو مُستأمَناً، لما روى سعيد بن المسيِّب: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَضَى فِي دِيَةِ المَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) [رواه البيهقي].
و - ديةُ المجوسيَّة: على النِّصْف من دِيَةِ المَجوسيِّ الحُرِّ.
ز - دِيَةُ الرَّقيق: قِيمتُه، سواءٌ قَلَّت القيمةُ أو كَثُرَت، ولو بَلَغَت أكثر من دِيَةِ الحُرِّ. من غير فَرْقٍ بين قَتْلِ العَمْد أو الخطأ.
ولا فَرْقَ في ذلك بين أن يكون الرَّقيقُ ذَكَراً أو أُنْثَى، صغيراً أو كبيراً، مُدَبَّراً، أو مُكاتَباً، أو أُمَّ ولد.
ح- دِيَةُ الخُنْثَى المُشْكِل: -على حسب إسلامه وحرِّيَّته- نصفُ دِيَةِ رَجُلٍ، ونصف دِيَةِ امرأةٍ؛ لأنَّه يرثُ على هذا النحو، وهو يحتمل الذُّكوريَّة والأُنوثيَّة احتمالًا متساوياً، فوجب التوسُّط بينهما، والعمل بكلا الاحتمالين.
ط- دِيَةُ الكافرِ الحَرْبيِّ، وعَبَدَة الأوْثان، وسائرِ من لا كِتابَ له: إن كان لهم أمانٌ وعهدٌ، فدِيَتُهم ديةُ مجوسيٍّ؛ لكونهم كفَّاراً لا تحلُّ ذبائحهم، فأشبهوا المجوس. وإن لم يكن لهم أمانٌ ولا عهدٌ، فلا دِيَةَ لهم؛ لأنَّ دِماءَهم مُهْدَرةٌ.
ي- يَستوي الذَّكَرُ والأُنْثَى في قَطْعٍ أو جَرْحٍ مُوجِبٍ دون ثُلُثِ ديةٍ، فإن بلغ القطع أو الجرح الثُّلُث أو زاد عليه رجعت إلى نصف دِيَة الرَّجُل.
مثاله: لو قَطَعَ رَجُلٌ حُرٌّ ثلاث أصابع من امرأةٍ مسلمةٍ حُرَّةٍ، لَزِمَه ثلاثون بعيراً. فإن قَطَع إصبعاً رابعاً قبل بُرْءِ الثلاث، رُدَّت الدِّيةُ إلى عشرين بعيراً.
стр. 1151
فعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنَّه قال: (سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ المَرْأَةِ؟ فَقَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا، وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا، نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ … : هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي) [رواه مالك].
ثالثاً: صفةُ إخراج الدِّية في القَتْل:
تختلف صفة إخراج الدِّيَة باختلاف نوع القتل، وذلك على النحو التالي:
أ - دِيَةُ القَتْل العَمْد:
إذا كان القَتْل عَمْداً عُدْواناً وتعذَّر استيفاءُ القِصاص فيه؛ لعَفْو أَوْلياء المقتول، أو لشُبْهةٍ، أو لأنَّ القاتل والدٌ للمقتول، ونحو ذلك، وَجَبَتِ الدِّيةُ على القاتل في ماله حالَّةً مُغلَّظةً أرباعاً: خَمْسٌ وعشرون بنت مَخاض، وخَمْسٌ وعشرون بنت لَبون، وخَمْسٌ وعشرون حِقَّة، وخَمْسٌ وعشرون جَذَعةً؛ لما روى الزُّهْريُّ عن السائب بن يزيد قال: (كَانَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةَ أَسْنَانٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ … ) الحديث [رواه الحارث في مسنده، بإسنادٍ ضعيف (١).
стр. 1152
ب- دِيَةُ القَتْلِ شِبْهِ العَمْدِ:
إذا كان القَتْل شِبْه عَمْدٍ، وَجَبَت الدِّيَة على عاقِلَة الجاني أرباعاً -كما في دِيَة العَمْد-، إلَّا أنَّها لا تكون حالَّة، وإنَّما تؤدَّى على ثلاث سنين، كما في دِيَة الخَطَأ. فشِبْه العَمْد يُغلَّظ من جهة قَصْد الجاني الفِعْل، ويُخفَّف من جهة كونه لم يُرِد القَتْل، فاقتضى تَغْليظ الدِّية من جهة أَسْنان الإبل، وتَخْفيفَها من جهة حَمْل العاقِلَة لها وتأجيلِها.
ج- دِيَةُ القَتْل الخَطَأ:
إذا كان القَتْل خطأً وَجَبت الدِّيَةُ على عاقِلَة الجاني من الإبل أخماساً؛ تؤدَّى على ثلاث سنين: عشرون بنت مَخاضٍ، وعشرون ابن مَخاضٍ، وعشرون بنت لَبونٍ، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعَةً؛ لحديث ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (فِي دِيَةِ الخَطَإِ عِشْرِونَ حِقَّةً، وَعِشْرِونَ جَذَعَةً، وَعِشْرِونَ بَنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِونَ بَنتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِونَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُرٍ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي].
ومن البَقَر: النِّصْف مُسنَّات، والنِّصْف أَتْبِعَة.
ومن الغَنَم: النِّصْف ثَنايا، والنِّصْف أَجْذِعَة.
لأنَّ دِيَة الإبل من الأسنان المُقدَّرَة في الزكاة، فكذلك البقرُ والغنمُ. ولأنَّ
стр. 1153
هذا مقتضى العَدْل؛ فلو أُخِذَ الكلُّ مُسِنَّاتٍ، أو ثَنايا كان فيه إجحافٌ بالجاني، وبالعكس فيه إجحاف بالمجنيِّ عليه.
* تَغليظُ الدِّيةِ الخَطأ:
تُغَلَّظُ دِيةُ قَتْل الخَطأ في أحوالٍ ثلاثةٍ؛ فيُزادُ في كُلِّ واحدٍ منها ثُلُث دِيَةٍ، وهذا من مفردات المذهب.
وهذه الأحوال هي:
أ - إذا وَقَعَ القَتْلُ في حَرَم مكَّةَ.
ب- إذا وَقَعَ القَتْلُ في حال الإحرام.
ج- إذا وَقَعَ القَتْلُ في الشَّهْر الحرام.
وذلك لما روى ابن أبي نَجِيحٍ عن أبيه: (أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ قُتِلَتْ فِي الحَرَمِ بِدِيَةٍ وَثُلُثِ دِيَةٍ) [رواه ابن أبي شيبة].
فإذا اجتمعت الأحوال الثلاث المُغَلَّظة وَجَبَ دِيَتان؛ لأنَّ القَتْل تجبُ فيه دِيَةٌ، وكُلُّ حالٍ من الثلاث المُغَلَّظة فيه ثُلُث دِيَةٍ، فكان الواجب دِيَتَين.
- وإذا قَتَلَ مُسلِمٌ كافراً ذمِّيًّا أو مُعاهَداً عَمْداً، أُضعِفَتْ دِيَةُ الكافِر على المُسلِم في مقابل إزالة القَوَدِ، فتكون كدِيَة المُسلِم؛ وذلك لما روى ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَمْدًا، فَرُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ مِثْلِ دِيَةِ المُسْلِمِ) [رواه عبد الرزاق].
стр. 1154
فصل دِية الجَنِين
أوَّلًا: تعريفُ الجَنَينِ:
الجَنينُ لغةً: مشتقٌّ من الاجْتِنان، وهو الاسْتِتار؛ يقال: أَجَنَّ عنه: أي اسْتَتَرَ.
واصطلاحاً: هو الوَلَدُ ما دام في بَطْنِ أُمِّه؛ سُمِّي بذلك، لاسْتِتارِه فيه.
ثانياً: مقدارُ دِيَةِ الجَنينِ:
لا يخلو الجنين المجنيُّ عليه من أحد الأحوال التالية:
أ - أن يكون الجنينُ مُسلِماً حُرًّا:
فإذا جَنَى إنسانٌ على امرأةٍ حامِلٍ جنايةً عَمْداً أو خَطَأً، أو ما يقوم مقام الجناية؛ كما لو أَفْزَعَها ذو سُلْطانٍ باستدعاءٍ أو تهديدٍ، فخافَتْ، وأَلْقَتْ بسبب ذلك في الحال جَنيناً مُسلِماً حُرًّا، ذَكَراً أو أُنثى، أو بقيت متألِّمَةً حتَّى سَقَطَ، فقد وَجَبَ على الجاني دِيَةُ ذلك الجنين؛ وهي: غُرَّةٌ عَبْدٌ أو أَمَةٌ.
وقِيمَتُها: عُشْرُ دِيَةِ أُمِّه، وهي: خَمْسٌ من الإِبِل.
ويدخلُ في هذا أيضاً: ما لو كان إسقاطُ الجنين بفِعْلِ الحامِلِ نَفْسِها؛ كما لو أجهضت نفسها بشُرْب دواءٍ، أو شمِّ رائحةٍ.
والأصل في وجوب دِيَةِ الجَنِين ومِقْدارها: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: (اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا
стр. 1155
فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- أن يكون الجنينُ رَقيقاً: فدِيَتهُ عُشْر قِيمَةِ أُمِّه نَقْداً يوم الجناية؛ لأنَّه جَنينُ آدَمِيَّةٍ، وقِيمَةُ الأَمَةِ بمنزلَةِ دِيَةِ الحُرَّة. ولأنَّه جزءٌ منها، فقُدِّر بَدَلُه من قيمتها، كسائر أعضائها.
ج - أن يكون الجنينُ مَحكوماً بكُفْرِه: كجنين الذِّمِّيَّة من زوجها الذِّمِّي؛ فدِيَتُه غُرَّةٌ؛ قيمتُها عُشْرُ دِيَةِ أُمِّه؛ لأنَّ جنين الحُرَّة المسلمة مضمون بعُشْر ديةِ أُمِّه، فكذلك جنين الكافرة.
د - أن يكون جَنينَ دَابَّةٍ: فيجبُ فيه ما نَقَصَ من قِيمَةِ أُمِّه.
ثالثاً: أحكامٌ تتَعَلَّق بدِيَةِ الجَنين:
أ - تتعدَّدُ الغُرَّة بتعدُّد الجنين.
ب- تُوْرَثُ دِيَةُ الجنين عنه كأنَّه سقط حيًّا ثمَّ مات؛ لأنَّ الدِّيَةَ بَدَلُه، ولأنَّها دِيَةُ آدميٍّ حُرٍّ، فوجب أن تُوْرَث عنه كسائر الدِّيَات.
ج- إذا أَلْقَتْ الحامِلُ الجنينَ حيًّا لوَقْتٍ يعيشُ لمِثْلِه، وهو سِتَّة أشْهُرٍ فأكثر، ولو لم يَسْتَهِلَّ صارخاً، ثمَّ ماتَ، نظرنا؛ فإن كان:
١) الجنين حُرًّا: وَجبتْ فيه دِيَةُ حُرٍّ كاملةً؛ لأنَّه حُرٌّ مات بسبب جنايةٍ، أَشْبَهَ ما لو مات بقَتْلِه مُباشَرَةً.
стр. 1156
٢) وإن كان الجنين رَقِيقاً: فتجبُ فيه قيمتُه؛ لأنَّ قِيمَةَ العَبْدِ بمنزلَةِ الدِّيَةِ في الحُرِّ.
د - لا يُقبَل في الغُرَّة العَبْدُ المَعيبُ عَيْباً يُرَدُّ به البَيْعُ، ولا الخَصِيُّ، ولا الخُنْثَى؛ لأنَّ الإطلاق في قول النَّبيِّ ﷺ : (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) يقتضي السَّلامَةَ.
ولا يُقبلُ من له دون سَبْع سِنين؛ لأنَّه لا يحصلُ به المقصودُ من الخِدْمَةِ، ويحتاج إلى من يَكْفُلُه ويَخْدِمُه.
رابعاً: الاخْتِلافُ والتَّنازُعُ في الجِنايَةِ على الجَنينِ:
أ - إذا اخْتَلفَ الجاني ووليُّ الجناية في خروج الجنين حيًّا أو ميِّتاً، ولا بيِّنةَ لأحدهما، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاني مع يَمينِهِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصل بَراءَةُ ذِمَّتِه من الدِّيَةِ الكامِلَة.
ب- إذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ أنَّه ضَرَبَها فَأَسْقَطَتْ جَنِينَها، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمينِهِ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
ج- إذا أَقَرَّ المدَّعَى عليه بالضَّرْب، أو قامَتِ البَيِّنةُ على ذلك، وأَنْكَرَ أن تكون قد أَسْقَطَتْ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمينِهِ أنَّه لا يَعلَمُ أنَّها أَسْقَطَتْ لا على البَتِّ؛ لأنَّها يَمينٌ على فِعْلِ الغَيْرِ، والأصلُ عَدَمُه.
стр. 1157
فصل دية الأعضاء ومنافعها
أوَّلًا: دِيَةُ الأَعْضاءِ:
أعضاء الإنسان منها ما منه شيءٌ واحدٌ: كالأنف، واللِّسان، والذَّكَر.
ومنها ما منه شيئان: كاليَديْن، والرِّجْلَين، والعَيْنَين، والأُذُنين، والحاجِبَين، والخُصْيتَين. ومنها ما هو أكثر من ذلك.
أ - فمن أَتْلَفَ في إنسانٍ ما منه شيءٌ واحدٌ، ففيه ديةٌ كاملةٌ، على ما سبق من تفصيلٍ في الحُرِّ والعَبْد، والذَّكَر والأُنْثَى، والذِّمِّي وغيره؛ لما جاء في حديث عمرو بن حزم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ … ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ) [رواه مالك، والنسائي]. ولأنَّ في إتلافه إذهاب منفعة الجِنْس؛ فهو كإذهاب النَّفْس، فوجبت فيه الدِّية كاملةً.
وتجب الدِّيَةُ كاملةً في الأنف ولو كان فيه عوجٌ، وفي الذَّكَر ولو كان لصغيرٍ، أو شيخٍ فانٍ، وفي اللِّسان الذي ينطق به كبيرٌ، أو يُحرِّكه صغيرٌ ببكاء.
ب- وإن أَتْلَفَ في إنسانٍ ما منه شيئان، ففي إتلاف الاثنين دِيَةٌ كاملةٌ، وفي إتلاف أحدهما نِصْف دِيَةٍ؛ لما جاء في حديث عَمْرو بن حَزْمٍ -السابق- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ … ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَة). ولأنَّ في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس،
стр. 1158
فوجبت فيهما الدِّيَة كاملةً.
وتجبُ الدِّيَة كاملةً في العَيْنَيْن ولو كان فيهما حَوَلٌ، أو عمشٌ، أو كانتا صغيرتين أو كبيرتين.
والقَدَمُ العْرَجاء كالصَّحِيحة، واليدُ المُرْتَعِشَةُ، والعَسْماءُ -وهو اعوجاج الرُّسغ- كاليد الصحيحة.
ج- وإذا أَتْلَفَ في الإنسان ما منه ثلاثة أشياء؛ ففي إتلافها جميعاً الدِّيَة كاملةً، وفي إتلاف واحد منها ثُلُثُ دِيَةٍ؛ كالأنف؛ فإنَّه يشمل المَنْخِران، والحاجز بينهما؛ فوجب توزيع الدِّيَة على عددها.
د - وإذا أَتْلَفَ في الإنسان ما منه أربعة أشياء؛ ففي إتلافها جميعاً الدِّيَة كاملةً، وفي إتلاف أحدها رُبْعُ دِيَةٍ؛ كأجفان العينين الأربعة؛ لأنَّها أعضاء فيها جمالٌ ظاهرٌ، ونفعٌ كاملٌ؛ لأنَّها تُكِنُّ العينَ وتحفظها من الحرِّ والبرد، ولولاها لقبح منظر العين.
وأجفان الأعمى كغيرها؛ لأنَّ ذهاب البصر عيبٌ غير الأجفان.
هـ- وإذا أَتْلَف في الإنسان ما منه عشرةُ أشياء، ففي إتلافها جميعاً دِيَةٌ كاملةٌ، وفي إتلاف أحدها عُشْرُ دِيَةٍ؛ كأصابع اليَدَيْن والرِّجْلَيْن؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (فِي دِيَةِ الأَصَابِعِ؛ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ) [رواه الترمذي، وابن حبَّان].
وعنه ﵁ -أيضاً- عن النَّبيِّ ﷺ قال: (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ -يَعْنِي
стр. 1159
الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ-) [رواه البخاري].
أمَّا الأَنْمُلَة لو قُطِعتْ ولو مع الظُّفْر؛ فإن كانت من الإبْهام؛ ففيها نِصْفُ عُشْر الدِّية؛ لأنَّ الإبْهام فيه مِفْصَلَان؛ فيكون لكلِّ مِفْصَلٍ نصف دِيَة الإصبع.
وإن كانت الإصبع المقطوعة غير الإبْهام؛ ففيها ثُلُثُ عُشْر الدِّيَة؛ لأنَّ غير الإبْهام فيه ثلاثة مَفاصِل؛ فيكون لكُلِّ مِفْصَلٍ ثُلُثُ دِيَة الإصبع. وقد رُوي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه قال: (فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ دِيَةِ الإِصْبَعِ) [رواه عبد الرزاق].
وأمَّا الظُّفُر إذا قُطِع وحده ولم يَعُدْ، أو عاد أسودَ: ففيه خُمسُ دِيَةِ الإصبع؛ لما رُوي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: (فِي الظُّفْرِ إِذَا أَعْوَرَ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ) [رواه ابن أبي شيبة].
و - وإذا قُلِعَ السِّنُّ أو النَّاب أو الضِّرْس من أصله، أو قلع الظاهر منه فقط، ولم يَعُدْ، أو عاد أسود واستمرَّ، أو عاد أبيض ثمَّ اسودَّ بلا عِلَّةٍ: ففيه خَمْسٌ من الإبل؛ لما جاء في حديث عمرو بن حزمٍ -السابق-: (وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ). وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ) [رواه أبو داود، وابن ماجه].
فيكون مجموع ما في الأسنان والأنياب والأضراس مائة وستون بعيراً؛ لأنَّها اثنان وثلاثون.
стр. 1160
ثانياً: دِيَةُ المَنافِعِ:
- إذا جَنَى إنسانٌ على منفعة أحد أعضاء جسم الإنسان مع بقاء العضو؛ كفَقْد العَقْل، أو حاسَّة الشمِّ، أو القُدْرَة على النُّطْق، أو التذوُّق، أو البَصَر، ونحو ذلك من منافع الأعضاء، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ كلَّ ما تعلَّقت الدِّيَةُ بإتلافه تعلَّقت بإتلاف منفعته. ولأنَّ ذهاب منفعة العضو تُصَيِّره كالمعدوم، كما لو قطعه.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في الجناية على العقل بالإجماع، ولأنَّه أكبر المعاني قدراً، وأعظمُ الحواسِّ نفعاً؛ إذ يتميَّزُ به الإنسان عن البهائم، وهو مناط التكليف، وبه تُدْرك الحقائق، ويُهتَدَى به إلى المصالح، إلى غير ذلك من المنافع.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في حَدَبٍ؛ لأنَّ انتصاب القامة من الجمال والكمال، وبه يتشرَّف الآدميُّ على سائر الحيوانات.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في ذهاب منفعة المشي؛ لأنَّ منفعته مقصودةٌ، أشبه منفعة الكلام.
- وتجبُ الدِّيَة كاملة في ذهاب منفعة نكاح، وأَكْل، وصَوْت، وبَطْشٍ؛ لأنَّ في كلٍّ منها نفعاً مقصوداً.
- ومن أفزع إنساناً، أو ضَرَبه، فصار لا يستمسك غائطاً، أو لا يستمسك بولًا، أو لا يستمسك ريحاً، ولم يَدُمْ؛ فعليه ثُلُث الدِّيةِ؛ لما ثبت (أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَضَى فِي الَّذِي يُضْرَبُ حَتَّى يُحْدِثَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ) [رواه عبد الرزاق].