Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
٢) وإن كان الجنين رَقِيقاً: فتجبُ فيه قيمتُه؛ لأنَّ قِيمَةَ العَبْدِ بمنزلَةِ الدِّيَةِ في الحُرِّ.
د - لا يُقبَل في الغُرَّة العَبْدُ المَعيبُ عَيْباً يُرَدُّ به البَيْعُ، ولا الخَصِيُّ، ولا الخُنْثَى؛ لأنَّ الإطلاق في قول النَّبيِّ ﷺ : (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) يقتضي السَّلامَةَ.
ولا يُقبلُ من له دون سَبْع سِنين؛ لأنَّه لا يحصلُ به المقصودُ من الخِدْمَةِ، ويحتاج إلى من يَكْفُلُه ويَخْدِمُه.
رابعاً: الاخْتِلافُ والتَّنازُعُ في الجِنايَةِ على الجَنينِ:
أ - إذا اخْتَلفَ الجاني ووليُّ الجناية في خروج الجنين حيًّا أو ميِّتاً، ولا بيِّنةَ لأحدهما، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاني مع يَمينِهِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصل بَراءَةُ ذِمَّتِه من الدِّيَةِ الكامِلَة.
ب- إذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ أنَّه ضَرَبَها فَأَسْقَطَتْ جَنِينَها، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمينِهِ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
ج- إذا أَقَرَّ المدَّعَى عليه بالضَّرْب، أو قامَتِ البَيِّنةُ على ذلك، وأَنْكَرَ أن تكون قد أَسْقَطَتْ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمينِهِ أنَّه لا يَعلَمُ أنَّها أَسْقَطَتْ لا على البَتِّ؛ لأنَّها يَمينٌ على فِعْلِ الغَيْرِ، والأصلُ عَدَمُه.
стр. 1157
فصل دية الأعضاء ومنافعها
أوَّلًا: دِيَةُ الأَعْضاءِ:
أعضاء الإنسان منها ما منه شيءٌ واحدٌ: كالأنف، واللِّسان، والذَّكَر.
ومنها ما منه شيئان: كاليَديْن، والرِّجْلَين، والعَيْنَين، والأُذُنين، والحاجِبَين، والخُصْيتَين. ومنها ما هو أكثر من ذلك.
أ - فمن أَتْلَفَ في إنسانٍ ما منه شيءٌ واحدٌ، ففيه ديةٌ كاملةٌ، على ما سبق من تفصيلٍ في الحُرِّ والعَبْد، والذَّكَر والأُنْثَى، والذِّمِّي وغيره؛ لما جاء في حديث عمرو بن حزم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ … ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ) [رواه مالك، والنسائي]. ولأنَّ في إتلافه إذهاب منفعة الجِنْس؛ فهو كإذهاب النَّفْس، فوجبت فيه الدِّية كاملةً.
وتجب الدِّيَةُ كاملةً في الأنف ولو كان فيه عوجٌ، وفي الذَّكَر ولو كان لصغيرٍ، أو شيخٍ فانٍ، وفي اللِّسان الذي ينطق به كبيرٌ، أو يُحرِّكه صغيرٌ ببكاء.
ب- وإن أَتْلَفَ في إنسانٍ ما منه شيئان، ففي إتلاف الاثنين دِيَةٌ كاملةٌ، وفي إتلاف أحدهما نِصْف دِيَةٍ؛ لما جاء في حديث عَمْرو بن حَزْمٍ -السابق- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ … ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَة). ولأنَّ في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس،
стр. 1158
فوجبت فيهما الدِّيَة كاملةً.
وتجبُ الدِّيَة كاملةً في العَيْنَيْن ولو كان فيهما حَوَلٌ، أو عمشٌ، أو كانتا صغيرتين أو كبيرتين.
والقَدَمُ العْرَجاء كالصَّحِيحة، واليدُ المُرْتَعِشَةُ، والعَسْماءُ -وهو اعوجاج الرُّسغ- كاليد الصحيحة.
ج- وإذا أَتْلَفَ في الإنسان ما منه ثلاثة أشياء؛ ففي إتلافها جميعاً الدِّيَة كاملةً، وفي إتلاف واحد منها ثُلُثُ دِيَةٍ؛ كالأنف؛ فإنَّه يشمل المَنْخِران، والحاجز بينهما؛ فوجب توزيع الدِّيَة على عددها.
د - وإذا أَتْلَفَ في الإنسان ما منه أربعة أشياء؛ ففي إتلافها جميعاً الدِّيَة كاملةً، وفي إتلاف أحدها رُبْعُ دِيَةٍ؛ كأجفان العينين الأربعة؛ لأنَّها أعضاء فيها جمالٌ ظاهرٌ، ونفعٌ كاملٌ؛ لأنَّها تُكِنُّ العينَ وتحفظها من الحرِّ والبرد، ولولاها لقبح منظر العين.
وأجفان الأعمى كغيرها؛ لأنَّ ذهاب البصر عيبٌ غير الأجفان.
هـ- وإذا أَتْلَف في الإنسان ما منه عشرةُ أشياء، ففي إتلافها جميعاً دِيَةٌ كاملةٌ، وفي إتلاف أحدها عُشْرُ دِيَةٍ؛ كأصابع اليَدَيْن والرِّجْلَيْن؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (فِي دِيَةِ الأَصَابِعِ؛ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ) [رواه الترمذي، وابن حبَّان].
وعنه ﵁ -أيضاً- عن النَّبيِّ ﷺ قال: (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ -يَعْنِي
стр. 1159
الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ-) [رواه البخاري].
أمَّا الأَنْمُلَة لو قُطِعتْ ولو مع الظُّفْر؛ فإن كانت من الإبْهام؛ ففيها نِصْفُ عُشْر الدِّية؛ لأنَّ الإبْهام فيه مِفْصَلَان؛ فيكون لكلِّ مِفْصَلٍ نصف دِيَة الإصبع.
وإن كانت الإصبع المقطوعة غير الإبْهام؛ ففيها ثُلُثُ عُشْر الدِّيَة؛ لأنَّ غير الإبْهام فيه ثلاثة مَفاصِل؛ فيكون لكُلِّ مِفْصَلٍ ثُلُثُ دِيَة الإصبع. وقد رُوي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه قال: (فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ دِيَةِ الإِصْبَعِ) [رواه عبد الرزاق].
وأمَّا الظُّفُر إذا قُطِع وحده ولم يَعُدْ، أو عاد أسودَ: ففيه خُمسُ دِيَةِ الإصبع؛ لما رُوي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: (فِي الظُّفْرِ إِذَا أَعْوَرَ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ) [رواه ابن أبي شيبة].
و - وإذا قُلِعَ السِّنُّ أو النَّاب أو الضِّرْس من أصله، أو قلع الظاهر منه فقط، ولم يَعُدْ، أو عاد أسود واستمرَّ، أو عاد أبيض ثمَّ اسودَّ بلا عِلَّةٍ: ففيه خَمْسٌ من الإبل؛ لما جاء في حديث عمرو بن حزمٍ -السابق-: (وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ). وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ) [رواه أبو داود، وابن ماجه].
فيكون مجموع ما في الأسنان والأنياب والأضراس مائة وستون بعيراً؛ لأنَّها اثنان وثلاثون.
стр. 1160
ثانياً: دِيَةُ المَنافِعِ:
- إذا جَنَى إنسانٌ على منفعة أحد أعضاء جسم الإنسان مع بقاء العضو؛ كفَقْد العَقْل، أو حاسَّة الشمِّ، أو القُدْرَة على النُّطْق، أو التذوُّق، أو البَصَر، ونحو ذلك من منافع الأعضاء، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ كلَّ ما تعلَّقت الدِّيَةُ بإتلافه تعلَّقت بإتلاف منفعته. ولأنَّ ذهاب منفعة العضو تُصَيِّره كالمعدوم، كما لو قطعه.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في الجناية على العقل بالإجماع، ولأنَّه أكبر المعاني قدراً، وأعظمُ الحواسِّ نفعاً؛ إذ يتميَّزُ به الإنسان عن البهائم، وهو مناط التكليف، وبه تُدْرك الحقائق، ويُهتَدَى به إلى المصالح، إلى غير ذلك من المنافع.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في حَدَبٍ؛ لأنَّ انتصاب القامة من الجمال والكمال، وبه يتشرَّف الآدميُّ على سائر الحيوانات.
- وتجبُ الدِّيَة كاملةً في ذهاب منفعة المشي؛ لأنَّ منفعته مقصودةٌ، أشبه منفعة الكلام.
- وتجبُ الدِّيَة كاملة في ذهاب منفعة نكاح، وأَكْل، وصَوْت، وبَطْشٍ؛ لأنَّ في كلٍّ منها نفعاً مقصوداً.
- ومن أفزع إنساناً، أو ضَرَبه، فصار لا يستمسك غائطاً، أو لا يستمسك بولًا، أو لا يستمسك ريحاً، ولم يَدُمْ؛ فعليه ثُلُث الدِّيةِ؛ لما ثبت (أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَضَى فِي الَّذِي يُضْرَبُ حَتَّى يُحْدِثَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ) [رواه عبد الرزاق].
стр. 1161
وإن دام فعليه الدِّيَة كاملةً؛ لأنَّ كلًّا منها منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها.
- ومن جَنَى على إنسانٍ فأَذْهَبَ عِدَّة حواسٍّ؛ كأن يُذهب سمعه، وبصره، وعقله، وشمَّه، وذوقه، وكلامه، ونكاحه، فعليه سبع دِياتٍ، وأَرْشُ تلك الجناية.
وإن مات من الجناية؛ فعليه دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه يندرج في النَّفْس ما عداها من المنافع.
ثالثاً: دِيَةُ الشِّجاجِ:
الشِّجَاجُ: جمع شَجَّة، وهي اسمٌ لجُرح الرأس والوجه. سمِّيت بذلك لقطعها الجلد. وفي غير الرأس والوجه يُسمَّى جَرْحاً.
والشِّجاجُ عشرةُ أنواع، تنقسم إلى قسمين:
الأوَّل: شجاجٌ فيها حُكُومَة، وهي خمسة أنواع:
أ - الحارِصَةُ: وهي التي تحْرِصُ الجِلْدَ؛ بمعنى تَشُقُّه ولا تُدْميه. وتُسمَّى: القاشِرَة، والقِشْرة.
ب- البازِلَةُ الدَّامية والدَّامعة: وهي التي تُدْمي الجِلْدَ. من بَزَلَ الشيء إذا سَالَ، وسُمِّيت دامعة: لقِلَّة سَيَلان الدَّم منها، تشبيهاً بخروج دَمْع العَيْن.
ج- الباضِعَةُ: وهي التي تبْضَعُ اللَّحْم؛ أي تشُقُّه بعد الجِلْد.
د - المُتَلاحِمَةُ: وهي الغائِصَةُ في اللَّحْم.
هـ- السَّمْحاقُ: وهي التي تصل إلى قِشْرةٍ رقيقةٍ فوق العَظْم.
стр. 1162
فهذه الشِّجاج الخمسةُ تجب فيها حُكُومَةٌ؛ لأنَّه لم يرد فيها شيءٌ مقدَّرٌ من الشرع، ولا قياسٌ يقتضيه.
ومعنى الحُكُومَة: أن يُقَوَّمَ المجنيُّ عليه كأنَّه عبْدٌ لا جناية به، ثمَّ يُقَوَّم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فللمجنيِّ عليه على الجاني كنسبته من الدِّيَةِ.
والقسم الثاني: شِجاجٌ ورد فيها شيءٌ مُقدَّرٌ، وهي خمسة أنواع:
أ - المُوضِحَةُ: وهي التي توضِحُ العَظْمَ في الرَّأْس أو الوَجْه؛ أي تُبْرزُه، ولو بقَدْر رأس إبْرةٍ. فيجب فيها نصف عُشْر دِيةِ الحُرِّ المُسلِم، وهي خَمْسٌ من الإبل؛ لما جاء في حديث عَمْرو بن حَزْمٍ: (وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) [رواه النسائي].
وإن كان بعض الموضحة في الرأس، وبعضها في الوجه، فحكمها حكم موضحتين، ويجب فيهما عَشْرٌ من الإبل؛ لحديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدِّه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (وَفِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ) [رواه الخمسة]. ولأنَّه أوضحه في عضوين، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حكم نفسه.
ب - الهاشِمَةُ: وهي التي تُوْضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه؛ أي: تُبْرِزُه وتَكْسِرُه. ويجب فيها عَشْرٌ من الإبل؛ لما جاء عن زَيْد بن ثابتٍ ﵁ أنَّه قال: (فِي الهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) [رواه عبد الرزاق].
ولا فرق فيها بين الهاشِمَة الصغيرة والكبيرة.
ج-المُنَقِّلَة: وهي التي تُوضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه وتَنْقُلُه. وفيها خمسة عشر
стр. 1163
بعيراً بالإجماع؛ لما جاء في حديث عَمْرو بن حَزْمٍ -السابق-: (وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ).
د - المَأْمُومَةُ: وهي الشَّجَّةُ التي تَصِلُ إلى جِلْدَة الدِّماغ التي تُسمَّى الآمَّة، وأمَّ الدِّماغ. وهذه يجب فيها ثُلُثُ الدِّيَة؛ لحديث عمرو بن حزم -السابق-: (وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ).
هـ- الدَّامِغَةُ: وهي الشجَّةُ التي تُخرِجُ جِلْدَةَ الدِّماغ. ويجب فيها ثُلُثُ الدِّيَة كالمأمومة؛ لأنَّها أبلغ من المأمومة، وصاحبها لا يَسْلَمُ غالباً.
رابعاً: دِيَةُ الجَائِفَةِ:
الجائفةُ: هي الجرح الذي يصلُ إلى باطن الجَوْف؛ كداخل البَطْن ولو لم يخرق الأمعاء، وداخل الظَّهْر، والصَّدْر، والحَلْق، والمثانة، وبين الخُصْيَتين، وداخل الدُبُر، ونحو ذلك.
ويجب في الجائفة ثُلُث الدِّيةِ؛ لما جاء في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -السابق-: (وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ).
- وإن جَرَحَ جانباً، فخرج ما جَرَحَ به من الجانب الآخر، فهما جائفتان؛ لما روى عمرو بن شعيب عن سعيد بن المُسيِّب: (أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَرْمُونَ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ خَطَأً، فَأَصَابَ بَطْنَ رَجُلٍ، فَأَنْفَذَهُ إِلَى ظَهْرِهِ، فَدُووِيَ فَبَرَأَ، فَرُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَضَى فِيهِ بِجَائِفَتَيْنِ) [رواه ابن أبي شيبة].
стр. 1164
باب العاقِلَة
أوَّلًا: تعريفُ العاقِلَة:
العاقِلةُ لغةً: جمع عاقِلٍ، وهو المؤدِّي للدِّية؛ وأصله من عَقْل الإبل؛ وهي الحِبالُ التي تثنى بها أيديها إلى رُكَبِها. وقيل: من العقل؛ أي المنع؛ لأنَّهم يمنعون عن القاتل. وقيل: لأنَّهم يعقلون لسان ولي المقتول.
أمَّا اصطلاحاً: فهم الذين يَغْرَمون ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثر بسبب جناية الغارم.
وعاقِلَةُ الجاني: هم ذُكور عَصَبَته نَسَباً ووَلاءً، حتَّى عَمودَي نَسَبِه ومَنْ بَعُدَ؛ كابن ابن ابن عمِّ جدِّ الجاني، سواء كان الجاني رجلًا أو امرأةً.
ودليل تحمُّل العاقِلَة دِيَة الجاني: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا) [متفق عليه].
ولأنَّ العَصَبَة يَشُدُّون أزْرَ قَريبِهِم ويَنْصُرونَه، فاستوى قَريبُهُم وبَعيدُهُم في العَقْل.
ولأنَّ الأب والابن أَحَقُّ بنُصْرَتِه من غيرهما، فوجب أن يَحْمِلا عنه؛ كالإخوة، وبني الأعمام.
ويدخلُ العَصَبَةُ بالوَلاء؛ لعموم الحديث السابق.
стр. 1165
ثانياً: ما تَحْمِلُه العاقِلَةُ وما لا تحمِلُهُ:
أ - تحملُ العاقِلَةُ دِيَةَ جناية الخَطَأ وشِبْهِ العَمْد؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ) [رواه البخاري ومسلم].
ب- ولا تحمِلُ العاقِلَةُ من الدِّيَات ما يلي:
١) جنايةُ عمْدٍ: سواءٌ كان ممَّا يجب القَوَدُ فيه، أو لا يجب؛ كالمَأْمومة والجائفة.
٢) قِيمَةُ عبْدٍ قُتِل عَمْداً أو خطأً، أو قِيمَةُ طَرَفِه، أو جنايتُه.
٣) صُلْحُ إنكارٍ، وإقرارُ جانٍ على نَفْسِه بجنايةِ خَطأٍ، أو شِبْهِ عَمْدٍ تُوجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثر، إنْ لم تُصَدِّقْهُ العاقِلَةُ.
والأصل فيما لا تحمله العاقِلَةُ ما رُوي عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ قال: (لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا جَنَى المَمْلُوكُ) [رواه البيهقي].
٤) ما دون ثُلُث دِيَة ذَكَرٍ حُرٍّ مُسلِمٍ؛ كالجناية على ثلاث أصابع، وأَرْش المُوضِحَة؛ لما رُوي عن ابن وَهْبٍ قال: أخبرني ابن سَمْعان قال: سمعتُ رجالًا
стр. 1166
من عُلمائنا يقولون: (قَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي الدِّيَةِ أَنْ لَا يُحْمَلْ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى العَاقِلَةِ حَتَّى تَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَإِنَّهَا عَلَى العَاقِلَةِ -عَقْلُ المَأْمُومَةِ وَالجَائِفَةِ-، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ فَصَاعِدًا حُمِّلَتْ عَلَى العَاقِلَةِ) [ذكره ابن حزمٍ في المحلَّى].
ولأنَّ الأصل وجوبُ الضَّمان على الجاني، ولكن خُولِفَ في ثُلُث الدِّيَةِ فأكثر؛ لإجحافه بالجاني لكثرته، فيبقى ما عداه على الأصل.
ويُستثنَى من ذلك: غُرَّة جَنينِ الحُرَّة إذا مات مع أُمِّه أو بعدها بجنايةٍ واحدةٍ؛ فتَحْمِلُ العاقِلَةُ الغُرَّة تَبَعاً لدِيَةِ الأمِّ؛ لاتِّحاد الجناية.
٥) قِيمَةُ المُتْلَفِ؛ لأنَّ الأصل وجوبُ ضَمانِ الأموال على مُتْلِفِها؛ كقِيمَةِ العَبْدِ، والدَّابَّة.
ثالثاً: كيفيَّة تحمُّل العاقِلَة للدِّية:
أ - تَحَمُّلُ العاقلة لدِيَةِ الخطأ وشِبْه العَمْد يكون مؤجَّلًا على ثلاث سنين؛ بالإجماع. ولأنَّ العاقلة تحملها مواساةً، فاقتضت الحكمة تخفيفها.
ب- يكونُ ابتداءُ حَوْلِ القَتْلِ من حين زُهوق رُوح المَجْنيِّ عليه، وابتداءُ حَوْل الجُرْح من حين البُرْء منه؛ لأنَّ أَرْش الجُرْح لا يَسْتقِرُّ إلَّا بِبُرْئه.
ج- يجتهدُ الحاكم في تَحْميلِ العاقِلَة؛ فيُحَمِّلُ كُلًّا منهم ما يَسْهُل عليه؛ لأنَّ تحمُّلَها مواساةٌ للجاني، وتخفيفٌ عنه، فلا ينبغي أن يُشَقَّ على غيره.
стр. 1167
د - يَبدَأُ الحاكمُ بالأَقْرَب فالأَقْرَب، كالميراث؛ فيُقَسِّم على الآباء والأبناء، ثمَّ على الإخوة، ثمَّ بني الإخوة، ثمَّ على الأعمام، ثمَّ بَنِيهم، ثمَّ على أعمام الأب، ثمَّ بنيهم، ثمَّ على أعمام الجدِّ، ثمَّ بَنِيهم، وهكذا أبداً حتَّى تنتهي عَصَبةُ النَّسَب، ثمَّ على الوليِّ المُعتِق، ثمَّ عَصَبَتِه الأَقْرَب فالأَقْرَب؛ لأنَّ ذلك حُكمٌ يتعلَّق بالتَّعْصيب، فوجب أن يُقدَّم فيه الأَقْرَب فالأَقْرَب؛ كالميراث.
هـ- لا يُشترَطُ في العاقِلَة أن يكونوا وارثين في الحال لمن يَعْقِلُون عنه، وإنَّما يكفي أن يكونوا وارثين لولا الحَجْب ليَعْقِلوا؛ لأنَّ النبيِّ ﷺ لمَّا قضى بدِيَة المرأة المقتولة، قضى بها بين عَصَبَتِها، وهذا عامٌّ يدخلُ فيه من لا يرثون منها إلَّا ما فضل عن وَرَثَتِها، ولأنَّهم عَصَبَةٌ كسائر العَصَبَات؛ ذلك أنَّ العَقْلَ موضوعٌ على التَّناصُر، وهُمْ من أهله.
رابعاً: من لا يتَحَمَّلُ الدِّيَةَ من العاقِلَةِ:
لا يتحمَّل الدِّيَة من العاقِلَة الأصناف التالية:
أ - الفقيرُ: وهو من لا يملكُ نِصاباً عند حلول الحَوْل فاضلًا عنه. ولو كان هذا الفقير قادراً على العَمَل؛ لأنَّ العَقْلَ مُواساةٌ، والفقيرُ ليس من أهل المواساة. ولأنَّها وَجَبَت على العاقِلَة تخفيفاً على الجاني، فلا يجوز التثقيل بها على من لا جناية منه.
ب- الصغيرُ والمجنونُ: لأنَّهما وإن كانا لهما مالٌ، إلَّا إنَّهما ليسا من أهل
стр. 1168
النُّصْرَةِ والمُعاضَدَةِ؛ لغياب العَقْل الباعث لهما على ذلك.
ج- المرأةُ -ولو كانت مُعْتِقَةً-، والخُنْثَى المُشْكِل: لأنَّهما ليسا من أهل النُّصْرَةِ والمُعاضَدَةِ.
خامساً: من لا عاقِلَةَ له ومَنْ عَجَزَت عاقِلَتُه عمَّا وَجَبَ:
من لا عاقِلَةَ له، أو له عاقِلَةٌ وعَجَزَت عن جميع ما وَجَب بسبب جنايته، أو عَجَزَت عن تتمَّته، فلا يخلو أمره من حالين:
أ - أن يكون المَجْنِيُّ عليه مُسلماً، فالجاني لا دِيَةَ عليه، وإنَّما تكون الدِّيةُ في بيت مال المسلمين حالَّةً، كدِيَةِ من مات في زحمة صلاة جمعة أو طوافٍ؛ لما رَوى بُشَيْر بن يَسارٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ -يَعْنِي: دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ-) [رواه أبو داود]. وفي رواية: (فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ) [رواه البخاري].
فإن تعذَّر أخذُ الدِّيَة من بيت المال سَقَطَتْ عنه؛ لأنَّها إنَّما تَجِبُ ابتداءً على العاقِلَة دون القاتل؛ فلا تؤخذ من غير من وَجَبَتْ عليه.
ب- أن يكون المَجْنِيُّ عليه كافراً، فالواجب من الدِّيَة أو تتمَّته يكون في مال الجاني نَفْسِه حالًّا؛ لأنَّ بيت المال لا يتحمَّل الدِّية عن الكافر.
стр. 1169
باب كفَّارة القَتْل
أوَّلًا: تعريفُ الكَفَّارة:
الكفَّارَة لغةً: مأخوذةٌ من الكَفْر، وهو السَّتْر؛ لأنَّها تَسْتُرُ الذَّنْبَ وتُغَطِّيه.
واصطلاحاً: هي الفَعْلَة والخَصْلَة التي من شأنها أن تمحو الخطيئة وتسترها.
ثانياً: حُكْمُ كفَّارة القَتْل:
كفَّارة القَتْل واجبةٌ -في الجُملة- على من قَتَل نَفْساً خطأً أو شبه عمدٍ، وقد دلَّ على ذلك القرآن، والسُّنَّة، والإجماع.
- فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢].
- ومن السُّنَّة: حديث وَاثِلَة بن الأَسْقَع ﵁ قال: (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ -يَعْنِي النَّارَ- بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي في «الكبرى»].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «أجمع أهلُ العِلْم على أنَّ على القاتل خطأً كفَّارةً».
стр. 1170
ثالثاً: ما تجبُ فيه الكفَّارة من أنواع القَتْل:
- لا كفَّارة في القَتْل العمْد العدوان؛ لأنَّ الله تعالى لمَّا ذَكَر القَتْل العَمْد لم يذكر فيه كفَّارةً؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ولأنَّ الله تعالى لمَّا ذكر الكفَّارة في قَتْل الخطأ، دلَّ ذلك على تخصيصها به، ونفيها في غيره.
- أمَّا قَتْل الخطأ فتجبُ فيه الكفَّارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢].
- وتجبُ الكفَّارةُ أيضاً في قَتْل شِبْه العَمْد؛ لأنَّه أُجْرِيَ مجْرَى الخطأ في نفي القصاص، وحَمْل العاقلة ديته، وكونها مؤجَّلة في ثلاث سنين، فأجري مجراه في وجوب الكفَّارة كذلك.
- وتجبُ الكفَّارة على القاتل سواءٌ انفرد بالقَتْل، أو شارك فيه غيره؛ فيلزمُ كلَّ واحدٍ من الشركاء كفَّارةٌ؛ لأنَّ الكفارة موجب قتل آدميٍّ، فوجب إكمالها على كلِّ الشُّركاء فيه، كالقصاص.
- وتجبُ الكفَّارة على القاتل سواء كان مباشراً للقَتْل، أو مُتَسَبِّباً فيه.
- وتجبُ الكفَّارة على القاتل، سواء كان كبيراً أو صغيراً، أو مجنوناً، وسواء
стр. 1171
كان حُرًّا أو عَبْداً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
- وتجبُ الكفَّارة على القاتل ولو كان المقتول جَنيناً. فإنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً
لم تَتَصَوَّر، فلا كفَّارة.
- أمَّا إذا كان القَتْل مباحاً؛ كمن قَتَل زانٍ مُحصَناً، أو قَتَل مُرْتَدًّا، أو كافراً حَرْبِيًّا، أو باغٍ، أو من وَجَب عليه القِصاصُ، أو قَتَلَ صائلًا دَفْعاً عن نَفْسِه؛ فلا يجبُ على القاتل كفَّارة؛ لأنَّ قَتْل هؤلاء لا يَحرُم.
رابعاً: مِقْدارُ كفَّارة القَتْل:
كفَّارةُ القَتْل هي: عِتْقُ رَقَبةٍ مُؤمِنَةٍ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فإن لم يجد القاتل رَقَبَةً، وجب عليه صِيامُ شَهْرين مُتتابِعَين؛ لقوله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
فإن لم يستطع الصَّوْم، بَقِيَ في ذِمَّتِه، ولم ينتقل منه إلى الإطعام، ولو أَطْعَم لم يُجْزئه؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر الإطعام، والأَبْدال في الكفَّارات توقيفيَّةٌ، فلا تُقاس على غيرها.
- وتَتعدَّد الكفَّارة بتعدُّد المقتول؛ فمن قَتَل اثنين فعليه كفَّارتان، ومن قَتَل ثلاثةً فعليه ثلاثُ كفَّارات، وهكذا؛ لأنَّ كُلَّ قَتْلٍ يقوم بنَفْسِه، وهو غير
стр. 1172
مُتعَلِّق بغيره، فوجب أن يكون في كُلِّ قَتْلٍ كفَّارة، كما يجبُ في كُلِّ قَتْلٍ دِيَةٌ.
خامساً: تَحَمُّل كفَّارة القَتْل:
- تجبُ كفَّارة القَتْل في مال القاتل، ولو كان القاتل غير مكلَّف؛ كالصَّغير والمجنون؛ فيُعْتِق وليُّهما من مَالِهما رَقَبةً؛ لعَدَم إمكان الصَّوم منهما، وهو ممَّا لا تَدخله النِّيابة.
- فإن كان القاتل رقيقاً؛ فيُكفِّر بالصَّوم؛ لأنَّه لا يَمْلِك مالًا يُعْتِقُ منه.
- وإن كان القاتل كافراً؛ فيُكفِّر بعِتْقِ رَقَبةٍ؛ لأنَّ الصَّوم لا يَصِحُّ منه.
стр. 1173
كتاب الحدود
أوَّلًا: تعريفُ الحُدود:
الحُدودُ لُغةً: جَمْعُ حَدٍّ، وهو المَنْعُ.
واصطلاحاً: عقوبةٌ مُقدَّرةٌ شَرْعاً في مَعصِيةٍ؛ لتَمْنَع من الوقوع في مِثْلِها.
ثانياً: حُكْمُ إقامَةِ الحُدودِ:
إقامة الحدِّ على من اقترف معصيةً موجبةً له واجبٌ في الجملة، دلَّ له الكتاب، والسنَّة، وإجماع الأمَّة.
قال البهوتي في «المنح الشافيات»: «ومشروعيَّتها بالكتاب والسنَّة والإجماع».
وسيأتي بيان أدلَّة كلِّ حدٍّ في بابه.
ثالثاً: الحِكْمةُ من تَشْريع الحُدود:
شَرَع الله الحدود لحِكَمٍ عظيمةٍ وغاياتٍ جليلةٍ:
- منها: أن تكون زواجر تمنع النُّفوس من اقتراف مثل هذه الجرائم، فيَشيعُ الأَمْنُ، ويتحقَّقُ الأَمانُ في البلاد.
- ومنها: أن تكون كَفَّارةً وتطهيراً لمن زَلَّت قَدَمُه؛ فقارف شيئاً منها، فإنَّ الحدَّ إذا أُقيم عليه لم يؤاخذه الله عليه في الآخرة؛ كما قال النبيُّ ﷺ قال: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ في الدُّنْيَا؛ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [رواه
стр. 1174
البخاري، ومسلم].
- ومن أتى حدًّا من حدود الله استُحبَّ له أن يستر نفسه، ولا يُسَنُّ أَنْ يُقِرَّ به عند الحاكم؛ لما روى ابنُ عمرَ ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ بعد أن رجم الأسلميَّ قال: (اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ [رواه الحاكم والبيهقي].
رابعاً: مُوجِباتُ الحدِّ:
موجبات الحد سبعةٌ، وهي: الزنا، والقذف، وشُربُ المُسْكِر، والسَّرِقَة، وقَطْع الطريق، والبغْي، والرِّدَّة. وسيأتي بيان أحكام كلٍّ منها في بابه.
خامساً: شُروطُ إقامَةِ الحَدِّ:
يُشترط فيمن يُقام عليه الحدُّ ثلاثة شروط:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون مُكلَّفاً؛ وهو البالغ العاقل؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. ولأنَّ غير المكلَّف إذا أُسقِطَ عنه التَّكليف في العبادة، والإثم في المعصية، فأَوْلَى أن يَسقُطَ عنه الحَدُّ المَبْنيُّ على الدَّرْءِ بالشُّبْهَة.
الشَّرط الثَّاني: أن يكون ملتزماً أحكام المسلمين، سواء كان مسلماً أم ذِمِّيًّا؛ إذ الذِّمِّي ملتزمٌ أحكام الإسلام في ضمان النَّفْس، والمال، والعِرْض، وإقامة
стр. 1175
الحُدود فيما يَعتقد تحريمه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وعن ابن عمر ﵄ (أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا) [رواه البخاري، ومسلم].
فإن كان غير مُلتزمٍ أحكام المسلمين؛ كالكافر الحربيِّ، والمستأمَن، والمعاهَد، فإنَّه لا تقام عليه الحُدود؛ لأنَّه لا ولاية عليه، ولأنَّه غير ملتزم أحكام الإسلام، إلَّا إذا كان الحَدُّ لآدمي؛ كقَذْفٍ، وقَتْلٍ، وسَرِقَةٍ، فإنَّه يقام عليه.
الشَّرط الثَّالث: أن يكون عالماً بالتحريم؛ فإن كان جاهلًا به فلا حَدَّ عليه؛ لما رُويَ عن عمر وعثمان ﵄: (لا حَدَّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ) [رواه عبد الرزاق].
سادساً: الشَّفاعَةُ في الحَدِّ:
- تَحرُمُ الشفاعة في حَدٍّ من حدود الله تعالى إذا بلغ الإمام؛ لحديث أُسامة ابن زيد ﵄ لمَّا شَفَعَ في المَخْزومِيَّةِ التي سَرَقَت، فغَضِبَ النبيُّ ﷺ ، وقال: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللّاهِ؟) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأَنَّ ذلك إسقاط حقٍّ وَجَبَ لله تعالى.
- ويَحرُمُ على الإمام قبولها؛ لحديث صَفْوان بن أُمَيَّة ﵁ (أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَهُ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَلَوْلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ، فَقَطَعَهُ رَسُولُ
стр. 1176
اللّهِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه].
- أمَّا إذا لم يبلغ الإمامَ فتجوز الشفاعة فيه؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (تَعَافُّوا الحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ) [رواه أبو داود، والنسائي].
سابعاً: مَنْ يَقومُ بتَطْبيقِ الحُدود:
- لا يجوزُ أن يُقيمَ الحدَّ إلَّا الإمام، أو من يُنيبه في ذلك؛ سواء كان الحدُّ لله تعالى؛ كحدِّ الزِّنى، أم كان الحدُّ لآدميٍّ؛ كحدِّ القَذْف؛ لأنَّه استيفاءُ حقٍّ يَفْتَقِر إلى الاجتهاد، ولا يُؤمَنُ معه الحَيْف، فوَجَبَ تفويضُه إلى الإمام أو نائبه. ولأنَّه ﷺ كان يُقيمُ الحُدود في حياته، وكذا خُلفاؤه مِنْ بعده.
ويقوم نائبُ الإمام فيه مقامه؛ لحديث زيد بن خالد وأبي هريرة ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) [رواه البخاري، ومسلم].
- يجوز للسيِّد المُكَلَّف العَالِم بالحدِّ وشروطه إقامةُ حَدِّ الجَلْد -دون غيره- على رقيقه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبيِّ ﷺ يقول: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا … ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ السَّيِّد يَملِكُ تأديبَ رقيقه وضَرْبَه على الذَّنب، وهذا من جِنْسِه.
стр. 1177
ثامناً: صفة إقامة حدِّ الجلد:
أ - يُضْرَبُ الرَّجُلُ الحَدَّ حال كونه قائماً؛ لأنَّ قيامه وسيلةٌ إلى إعطاء كلِّ عُضْوٍ حظَّه من الضَّرْب.
ب- ويكون الضَّرْبُ:
١) بِسَوْطٍ: خَيْزَرانَةٍ، أو عَصًا، أو ما أشبه ذلك من نوع الشجر، ولا يكون من الجِلْد.
٢) وَسَطٍ؛ لا جديدٍ، ولا قديمٍ بالي؛ لأنَّ الجديد يجرحه، والبالي لا يؤلمه. ولما روي عن زَيْدِ بن أَسْلَم: (أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ، فَقَالَ: دُونَ هَذَا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلَانَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجُلِدَ) [رواه مالك].
ج- ينبغي أن لا يُبَالَغُ في الضَّرْب بحيث يَشُقُّ الجِلْد؛ لأنَّ الغَرَضَ تأديبُه وزَجْرُه عن المعصية، لا قَتْلُه، والمبالغة تُؤدِّي إلى ذلك.
د - يجبُ اتِّقاءُ الوَجْه، والرَّأس، والفَرْج، والمَقْتَل؛ كالفُؤادِ، والخُصْيتين؛ لئلَّا يؤدِّي ضَرْبُه في هذه المواضع إلى قَتْلِه، أو ذهاب منفعته، والمقصود أَدَبُه فقط.
هـ- تُضْرَبُ المرأةُ الحَدَّ حال كونها جالسةً، وتُشَدُّ عليها ثيابها، وتُمسَكُ
стр. 1178
يداها؛ لئلَّا تتكشَّف؛ لأنَّ المرأة عَوْرةٌ، وفِعل ذلك أَسْتَر لها.
و - يَحرُمُ بعد إقامة الحَدِّ حَبْسُ المَحْدود، أو إيذاؤه بكلامٍ، كالتعيير؛ لنَسْخ ذلك بمشروعيَّة الحدِّ، ولأنَّه يكون تعزيراً، ولا يجمع بينهما.
ز - إذا اجتمعت حدودٌ لله تعالى، وكانت من جِنْسٍ واحدٍ؛ كما لو زَنَى مِراراً، أو سَرَق مِراراً، أو شَرِبَ الخَمْر مِراراً، فلا يُحدُّ إلَّا مرَّةً واحدةً؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً؛ لأنَّ المقصود الزَّجْر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وهو حاصلٌ بحدٍّ واحدٍ.
ح- وإذا اجتمعت حدودٌ لله تعالى وكانت من أجناسٍ مختلفةٍ، ولم يكن فيها قَتْلٌ؛ كما لو زَنَى وهو غير مُحصَنٍ، وسَرَقَ، وشَرِبَ الخَمْر؛ فإنَّه يُحدُّ لكلِّ واحدٍ منها، لكن يجب أن يُبدأ بالأخفِّ فالأخفِّ؛ فيُحدُّ أوَّلًا لشُرْب الخَمْر، ثمَّ يُحدُّ للزِّنا، ثمَّ يُقطع للسَّرقة. ولا يُوَالى بين هذه الحدود؛ لأنَّه ربَّما يُفضي إلى التَّلف.
وإن كان فيها قَتْلٌ؛ كما لو زَنَى وهو مُحصَنٌ، وشَرِبَ، وسَرَق، فلا يُستَوفَى إلَّا القَتْل فقط، ويسقط ما عداه؛ لأنَّ هذه الحدود تُراد لمجرَّد الزَّجر، ومع القَتْل لا حاجة إلى زجره؛ لأنَّه لا فائدة فيه.
ط- أشدُّ الجَلْدِ في الحُدود: جَلْد الزِّنا، ثمَّ جَلْد القَذْف، ثمَّ جَلْد شُرْب الخَمْر، ثمَّ جَلْد التَّعزير؛ لأنَّ الله تعالى خصَّ الزِّنا بمزيد تأكيدٍ بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، فاقتضى مزيد تأكيد، ولا يُمكن ذلك في
стр. 1179
العدد، فيكون في الصِّفة. ولأنَّ ما كان أخفَّ في العدد، كان كذلك في الصِّفة.
ي- يَحرُمُ إقامةُ الحُدود في المساجد؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ) [رواه الترمذي، وابن ماجه]. ولأنَّه لا يُؤمَن من حدوث ما يُلوِّث المسجد.
стр. 1180
باب حدِّ الزِّنا
أوَّلًا: تعريفُ الزِّنا:
الزِّنا لغةً: بالمدِّ والقَصْر لغتان؛ مصدر زَنَى يَزْنِي زِناً وزِناءً، ويُطلق على معانٍ عِدَّة؛ فيأتي بمعنى الفجور والبِغاء، وبمعنى الصعود، وبمعنى الضِّيقُ.
واصطلاحاً: هو فِعْلُ الفاحِشَةِ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ.
ثانياً: حُكمُ الزِّنا:
الزِّنا من أعظم المحرَّمات في الشريعة، ومن أكبر الكبائر عند الله ، وقد دلَّ على ذلك القرآن، والسُّنَّة، والإجماع.
- فمن القرآن: قول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
- ومن السُّنَّة: ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللّاهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلّاهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن المنذر: «وأجمعوا على تحريم الزِّنا».
стр. 1181
ثالثاً: الحِكمَةُ من تَحريمِ الزِّنا:
الزِّنا حرَّمه الله في جميع الشرائع؛ لعِظَم فُحْشِه، وكَثْرة أَضْراره؛ فهو يُفسِدُ الأنساب، ويُدمِّر الأفراد والمجتمعات، ويقضي على العِفَّة والفَضيلة، ويُحوِّل الإنسان إلى شبه حيوانٍ لا هَمَّ له إلَّا إفراغ شهوته بأيِّ وسيلةٍ؛ فكان من رحمة الله تعالى بعباده أن حرَّمه عليهم، وزَجَرَهم عنه بالحدود الشديدة التي تختلف باختلاف حال الزَّاني.
رابعاً: عُقوبَةُ الزَّاني:
الزَّاني إمَّا أن يكون مُحْصَناً أو غير مُحْصن، والمُحْصن: هو من وَطِئَ زوجتَه في قُبُلِها بنكاحٍ صحيحٍ، وهما حُرَّان بالغان عاقلان. فإنْ تخلَّف قيدٌ من هذه القيود لم يكن مُحْصَناً. وكذا المرأة تكون مُحْصَنةً بتلك القيود.
أ - فإذا كان الزَّاني مُحْصناً -رجلًا أو امرأةً- وَجَبَ رَجْمُه بحجارةٍ متوسِّطةٍ كالكفِّ حتَّى يموت؛ حكاه ابن حَزْم إجماعًا؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ)
стр. 1182
[رواه البخاري، ومسلم].
ب- وإن كان الزاني غير مُحصَنٍ -رجلًا أو امرأةً-، وهو حُرٌّ، فإنَّه يُجلَد مائة جَلْدَةٍ، ويُغرَّب عاماً؛ لقول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ) [رواه مسلم]. ولأنَّ الخلفاء الرَّاشدين فعلوا ذلك بالحُرِّ غير المُحصَن وانتشر، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع.
- ويكون التَّغريب إلى بلدٍ تبعُدُ عن بلده مسافة القَصْر؛ لأنَّ ما دون ذلك في حكم الحَضَر؛ فلا يتحقَّق به التغريب.
- وتُغرَّب المرأة مع مَحرْمٍ لها وجوباً؛ لعموم نَهْيِها عن السَّفر بلا مَحْرمٍ.
ج- وإن كان الزَّاني رقيقاً؛ فإنَّه يُجلَد خمسين جَلْدةً -بِكْراً كان أو ثيِّباً-؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعذاب المذكور في القرآن مائةُ جلدةٍ لا غير؛ فينصرف التنصيف إليه دون غيره، ولا ينصرف إلى الرَّجْم؛ إذ لا يتأتَّى تنصيفه.
ولا يُغرَّب؛ لأنَّه مشغول بخدمة سيِّده، فتغريبه إضرارٌ بسيِّده دونه؛ إذ العبد لا ضرر عليه في التَّغريب؛ لأنَّه غريب في موضعه، بل يترفَّه فيه بترك الخدمة.
د - إذا زنا الذِّمِّيُّ بمُسلمةٍ فإنَّه يُقتل؛ لانتقاض عهده بذلك، ولما روي عن عمر ﵁ أنَّه رُفع إليه يهوديٌّ أراد استكراه امرأةٍ مسلمةٍ على الزِّنا،
стр. 1183
فقال له عمر ﵁: (وَاللهِ مَا عَلَى هَذَا عَاهَدْنَاكُمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ) [رواه البيهقي].
هـ- إذا زنا مُحْصَنٌ بغير مُحصَنٍ فعلى كُلِّ واحدٍ منهما حَدُّهُ؛ لحديث أبي هُريرة وزَيْد بن خالد ﵄ في رَجُلَين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، وكان ابن أحدهما أجيراً عند الآخر، فزَنَى بامرأته، وهو غير مُحصَنٍ؛ فقال ﷺ : (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) [رواه البخاري، ومسلم].
و - مَنْ أتى بهيمةً فإنَّه يُعَزَّر ولا يُحدُّ؛ لما جاء عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: (مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) [رواه الترمذي]. ولا يصحُّ قياسه على فَرْج الآدميِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَة له، والنُّفوس تَعافُه.
وتقتل البهيمة المأتيَّة؛ سواء كانت مأكولةً أم غير مأكولةٍ، وسواء كانت مملوكةً له أم لغيره؛ لئلَّا يُعيَّر بها، ويضمن الآتي لها قيمتها لصاحبها إن لم تكن مملوكةً له؛ لإتلافها بسببه؛ أشبه ما لو قَتَلَها.
خامساً: شُروطُ وُجوبِ الحَدِّ:
يُشترط لوجوب إقامة حدِّ الزِّنا ثلاثة شروط:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون الوَطْء في فَرْجٍ أصليٍّ لآدميٍّ حَيٍّ؛ قُبُلاً كان أو دُبُراً، وذلك بتغييب حَشَفَةٍ أصليَّةٍ -رأس الذَّكَر- أو قَدْرِها، فلو غَيَّب بعض الحَشَفَة فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لا يُسمَّى حينئذٍ زِناً؛ إذ الوَطْء لا يتمُّ بدون تغييب
стр. 1184
جميع الحَشَفَة، لأنَّه القَدْر الذي تثبتُ به أحكامُ الوَطْء.
- وكذا لو وَطِئَ دون الفَرْج؛ فلا حدَّ عليه؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَخَذْتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ فَأَصَبْتُ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَمْ أَنْكِحْهَا، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتَ. فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا، يُذْكَرُ، وَطَلَعَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) [رواه أحمد، والنسائي في «الكبرى»].
- وكذا لو تساحقت امرأتان؛ بأنْ أتت المرأةُ المرأةَ؛ فلا حدَّ؛ لأنَّه لا يتضمَّن إيلاجاً.
وكذا لو وَطئ الخُنْثى بذَكَرِه فلا حَدَّ؛ لاحتمال أن يكون أُنْثى، فلا يكون ذَكَراً أصليًّا، أو جُومِع الخُنْثى فِي قُبُله؛ فلا حَدَّ؛ لاحتمال أن يكون ذَكَراً. ويُعزَّرون في ذلك كُلِّه؛ لأنَّه معصيةٌ.
الشَّرط الثَّاني: انتفاء الشُّبْهة؛ فلو وَطِئَ امرأةً وَجَدَها على فِراشِه أو في منزله ظَنَّها زوجته، أو وَطِئَ امرأةً بنكاحٍ باطلٍ اعتقد صِحَّته، أو وَطِئَ في نكاحٍ مُختَلَفٍ في صِحَّته وهو يعتقد تحريمه؛ كالنكاح بلا وَليٍّ ونحو ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لقول عبد الله مسعود ﵁: (ادْرَءُوا القَتْلَ وَالجَلْدَ عَنِ المُسْلِمِينَ، مَا اسْتَطَعْتُمْ) [رواه ابن أبي شيبة، والطبراني].
قال ابن المنذر: «أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْه مِنْ أهلِ العلمِ، أنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ
стр. 1185
بالشُّبُهاتِ».
ولأنَّ الحَدَّ عقوبةٌ على معصيةٍ، فلا بُدَّ من تحقُّق تلك المعصية، ومع الشُّبْهة
لا تَحَقُّق.
الشَّرط الثَّالث: ثبوت الزِّنا، وله صورتان:
الأُولَى: أن يُقِرَّ الزَّاني به أربعَ مرَّات؛ لحديث أبي هُريرة ﵁ قال: (أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) [رواه البخاري، ومسلم].
وسواء كان ذلك الإقرار في مجلسٍ واحدٍ أو في مجالس؛ لأنَّ ماعزاً ﵁ أَقَرَّ أربعَ مرَّاتٍ عنده ﷺ فِي مجلسٍ واحدٍ، والغامديَّة أقرَّت عنده بذلك في مجالس. [رواه مسلم].
ويُشترط في الإقرار أمران:
أ - أن يُصرِّح المقِرُّ بذكر حقيقة الوطء؛ لما جاء في حديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللّاهِ، قَالَ: أَنِكْتَهَا؟ -لَا يَكْنِي-، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ) [رواه البخاري].
ب- أن يستمرَّ على إقراره حتَّى يَتِمَّ الحَدُّ، فإن رَجَع أو هَرَب تُرِك؛ لحديث
стр. 1186
ماعزٍ ﵁، وفيه: ( … فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ، حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ وَمَسَّ المَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
الثَّانية: أن يَشهَدَ عليه بالزِّنا أربعةُ رِجالٍ مُسلمين عُدول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. فإن كان أحدهم غير عَدْلٍ حُدُّوا جميعاً للقَذْف؛ لعدم كمال شهادتهم.
ويُشترَطُ أن يَصِفَ الشهودُ الزِّنا؛ بأن يقولوا: رأينا ذَكَرَه في فَرْجِها كالْمِرْوَدِ في المُكْحُلَة؛ لأنَّ الحدَّ يُدرأُ بالشُّبهة، فلا تكفي فيه الكناية.
ويُشترط أن يجيء الأربعةُ للشَّهادة في مجلسٍ واحدٍ؛ سواء جاءوا متفرِّقين أو مجتمعين؛ لأنَّ عمر ﵁ حَدَّ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا لَمَّا تَخَلَّفَ الرَّابِعُ عَنِ الشَّهَادَةِ. [رواه عبد الرزاق]. فلولا اشتراط اتِّحاد المجلس لم يَجُز أن يحدَّهم؛ لاحتمال أن يُكمِلوا برابعٍ في مجلسٍ آخر.
- إذا شَهِدَ عليه أربعةٌ أنَّه زَنَى بفلانةِ، فشَهِدَ أربعةٌ آخرون أنَّ الشُّهود الأربعة هم الزُّناة بها وليس المشهود عليه، صُدِّقوا، ولم يُحَدَّ المشهود عليه؛ للقَدْح في الشهادة عليه، ويُحَدُّ الأربعة الأوَّلون للقَذْف؛ لأنَّهم شَهِدوا بزِناً لم يثبت، وللزِّنا؛ لثبوته عليهم بشهادة الآخرين.
стр. 1187
وتُحَدُّ المرأةُ أيضاً؛ لثبوت زِناها بشهادة الآخرين، لكن لا بُدَّ في ذلك من الشهادة على مُطاوَعَتِها من الأربعة.
سادساً: حُكمُ ثُبوتِ الزِّنا بالحَمْل:
- إذا حَمَلَت امرأةٌ لا زوج لها ولا سيِّد لم تُحَدَّ بمجرَّد ذلك الحَمْل؛ لاحتمال أن يكون من غير زِناً. وتُسأل استحباباً -ولا يجبُ سؤالها؛ لأنَّ في سؤالها عن ذلك إشاعة الفاحشة، وذلك منهيٌّ عنه- فإن ادَّعت أنَّها أُكرِهَت على الزِّنا، أو وُطِئَت بشُبْهةٍ، أو لم تعترف بالزِّنا أربع مرَّاتٍ، لم تُحَدَّ؛ لإمكان صِدْقها، والحَدُّ يُدْرأ بالشُّبْهة، وقد روي عن عمر ﵁: (أنَّه أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالُوا: بَغَتْ. قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَائِمَةً فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِرَجُلٍ رَمَى فِيَّ مِثْلَ الشِّهَابِ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَمَانِيَةٌ نَؤُومَةٌ شَابَّةٌ! فَخَلَّى عَنْهَا وَمَتَّعَهَا). [رواه البيهقي].
سابعاً: حَدُّ اللِّواط:
اللِّواطُ: هو عملُ قوم لوطٍ؛ وهو إيلاجُ ذكرٍ في دبر ذكرٍ.
وحَدُّ اللِّواط -الفاعل والمفعول به- كحدِّ الزنا؛ إن كان مُحصَناً رُجم، وإن كان غير مُحصَن وهو حرٌّ جُلد مائة، وغُرِّب عاماً، وإن كان رقيقاً جُلد خمسين؛ لأنَّه فَرْجٌ مقصودٌ بالاستمتاع أشبه فَرْج المرأة، ولأنَّه فاحشة، فكان زناً، كالفاحشة بين الرَّجل والمرأة.
стр. 1188
بابُ حدِّ القَذْف
أوَّلًا: تعريفُ القَذْف:
القَذْفُ لُغةً: الرَّمي، يقال: قَذَفَ بالشيء؛ إذا رَمَاهُ. ثمَّ استعير للشتم والعيب.
واصطلاحاً: الرَّمْيُ بزِناً أو لِوَاطٍ، أو الشَّهادةُ بأحدهما ولم تَكْمُلِ البَيِّنةُ.
ثانياً: حُكْم القذف:
القَذْف مُحرَّمٌ بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
- ومن السُّنَّة: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ باللّاهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) [رواه البخاري، ومسلم]. - وأمَّا الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريمه، بل عَدُّوه من الكبائر.
- هذا هو الأصل في حكم القذف، لكن يستثنى من ذلك موضعان:
أ - الموضع الأوَّل: أن يرى الزَّوج زوجته تزني في طُهرٍ لم يطأها فيه، فيعتزلها،
стр. 1189
ثمَّ تلد لستَّة أشهر فأكثر من حين الوطء، أو يراها تزني في طُهرٍ وطئها فيه، ثمَّ تَلِدُ ولداً يغلب على ظنِّه أنَّه من الزَّاني، لشَبَهِه به، أو لكون الزوج عقيماً؛ فيجب عليه حينئذٍ قَذْفها ونَفْي الولد؛ لجريان ذلك مجرى اليقين في أنَّ الولد من الزاني، فإذا لم يَنْفِه لَحِقه، ووَرِثَه، ووَرِثَ أقاربه، ووَرِثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وذلك كلُّه لا يجوز، فوجب نَفْي الولد إزالةً لذلك، ولا يُمكن نَفْيه إلَّا بالقَذْف وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب.
ولحديث أبي هريرة ﵁، أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ) [رواه أبو داود، والنسائي]. فكما حُرِّم على المرأة أن تُدخل على قومٍ مَنْ ليس منهم فالرَّجل مثلها.
الموضع الثَّاني: أن يراها تزني لكنَّها لم تلد أو ولدتْ ما لا يغلِبُ على ظنِّه أنَّه من الزَّاني، أو أن يستفيض زناها بين النَّاس، أو يرى رجلًا معروفاً بالزِّنا عندها، ونحو ذلك، فيُباح له في هذه الحال قَذْفها؛ لأنَّ ذلك كلَّه ممَّا يَغلِب على الظنِّ زناها، ولا يجب القذف حينئذٍ؛ لأنَّه لا ضرر على غيرها؛ حيث لم تلد، وفراقها أَوْلَى من قَذْفها؛ لأنَّه أستر، ولأنَّ قَذْفها يلزم منه أن يحلف أحدُهما كاذباً إن تَلاعَنا، أو تُقِرَّ فتَفْتَضح.
ثالثاً: الحِكمَةُ من تَحريم القَذْف:
حرَّم الله القَذْف؛ صيانةً للأعراض عن الانتهاك، وحمايةً لها عن
стр. 1190
التدنيس، وهذا من محاسن الشَّريعة؛ فإنَّ الناس لو تسلَّط بعضُهم على أعراض بعض لأدَّى ذلك إلى وقوع البغضاء والعَدَوات، وربما نُشوب الحروب الضَّروس بينهم؛ لذا كان من حكمة الشَّريعة أنْ حرَّمت القَذْف، وأوجبت فيه العقوبة في الدنيا.
رابعاً: حَدُّ القَاذِف:
مَنْ قَذَفَ غيره بالزِّنا أو اللِّواط؛ فإنَّه يُجلَدُ ثمانين جَلْدةً إن كان حرًّا؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. وأربعين جَلْدةً إن كان رقيقاً، لقول عبد الله بن عامر بن ربيعة: (أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَالخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا. فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً جَلَدَ عَبْداً فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ) [رواه مالك]، ولأنَّه حدٌّ يتبعَّض؛ فكان الرَّقيق فيه على النِّصف من الحرِّ، كما في حدِّ الزِّنا.
خامساً: شُروطُ وُجوبِ حَدِّ القَذْف:
يجب إقامة حدِّ القَذْف بشروطٍ؛ منها ما يتعلَّق بالقاذف، ومنها ما يتعلَّق بالمقذوف؛ فأمَّا ما يتعلَّق بالقاذف فأربعة شروط:
الشرط الأوَّل والثاني: أن يكون بالغاً عاقلاً؛ فلو كان صغيراً أو مجنوناً؛ فلا حدَّ عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي،
стр. 1191
والنسائي، وابن ماجه].
الشرط الثالث: أن يكون مختاراً؛ فلو كان مُكرَهاً فلا حدَّ عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
الشرط الرابع: ألَّا يكون والِداً للمَقْذوف؛ فلو كان القاذف أباً للمَقْذوف أو أُمَّا أو جدًّا أو جدَّةً - وإن علو- فلا حدَّ عليه؛ لأنَّ حدَّ القَذْف عقوبةٌ تجبُ لحقِّ آدميٍّ، فلا يثبتُ للابن على أبيه؛ لمعنى الأُبوَّة، كما في القصاص.
وأمَّا ما يتعلَّق بالمَقْذوف؛ فشرطان:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون مُحْصَناً؛ لقوله الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … ﴾، والمُحْصَن هنا مَنْ اجتمعت فيه خمسة أمور:
أ - الإسلام؛ فلا يُحدُّ بقَذْف الكافر؛ لأنَّ حُرْمته ناقصة؛ فلا تنهض لإيجاب الحدِّ. والآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إنَّما وردَتْ في الحرّة المسلمة، وغيرها ليس في معناها.
ب- الحرِّية؛ فلا يُحدُّ بقَذْف العبد؛ لأنَّ حُرْمته أيضاً ناقصة؛ فلا تنهض لإيجاب الحدِّ، ولما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) [رواه البخاري، ومسلم]؛ فدلَّ على عدم إقامة الحدِّ عليه في الدنيا.
ج- العَقْل؛ فلا يُحدُّ بقَذْف المجنون؛ لأنَّ المجنون لا يُعيَّر بالزِّنا، ولا
стр. 1192
يلحقه شَيْنٌ بإضافة الزِّنا إليه؛ لعدم تكليفه.
د - العِفَّة عن الزِّنا في الظَّاهر؛ فلا يُحدُّ بقَذْف غير العفيف؛ لأنَّ القذف لا يُشينه، والحدُّ إنَّما وَجَب لأجل ذلك، وقد أسقط الله ﵎ الحدَّ عن القاذف إذا كان له بيِّنة بما قال.
هـ- كونُه ممَّن يَطأُ أو يُوْطَأُ مثله - وهو ابن عشر سنين وبنتُ تسعٍ فأكثر-؛ فلا يُحدُّ بقَذْف مَنْ كان دون ذلك؛ لأنَّه لا يُعيَّر بالقَذْف؛ للعِلْم بكذب القاذف. ولأنَّه لو زنى لم يجب الحدُّ عليه؛ فكذا لو قُذِف به.
لكنَّه إن لم يكن بالغاً؛ فلا يُحدُّ قاذفه حتَّى يَبْلُغ ويُطالِب بالحدِّ بعد بلوغه؛ لأنَّ الحقَّ في حدِّ القَذْف للآدميِّ المَقْذوف؛ فلا يُقام بلا طلبه، ومطالبته قبل البلوغ لا توجب الحدَّ؛ لعدم اعتبار كلامه، وليس لوليِّه المطالبة عنه؛ لأنَّه حقٌّ شرعيٌّ ثبت للتَّشفِّي؛ فلا يقوم غيره مقامه في استيفائه؛ كالقصاص.
الشَّرط الثَّاني: مطالبتُه بحدِّ القَذْف، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تيمية إجماعاً؛ فلا يقام الحدُّ دون طَلَبِه؛ لأنَّه حقٌّ له، فلا يُستوفَى بدون طَلَبِه؛ كبقيَّة حقوقه.
- مَنْ قَذَفَ غير المحُصَن؛ وهو من تخلَّف فيه شَرْطٌ من الشروط السابقة فإنَّه يُعزَّر؛ رَدْعاً له عن أعراض المعصومين، وكفًّا له عن إيذائهم.
- يثبت حدُّ القَذْف بأحد أمرين؛ إقرارُ القاذف مرَّةً واحدةً، أو شهادة رَجُلَيْن عَدْلَيْن على القَذْف.
стр. 1193
سادساً: ما يَسْقُطُ به حَدُّ القَذْف:
يسقطُ حدُّ القَذْف بأربعة أشياء:
الأوَّل: عَفْو المقذوف عن القاذف؛ لأنَّه حقٌّ للمقذوف، ولا يقام إلَّا بطلبه؛ فيسقط بعَفْوه؛ كالقصاص.
الثَّاني: إقامة البيِّنة؛ بأن يشهد أربعة رجال عدول على ما قَذَفَه به؛ لمفهوم قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً … ﴾.
الثَّالث: تصديقُ المقذوف للقاذف فيما قَذَفَه به؛ إذ هو إقرارٌ به، وهو أبلغ من إقامة البيِّنة.
الرَّابع: اللِّعان؛ كما لو كان القاذف زَوْجاً ولاعَنَ زوجته فإنَّه يسقط الحدُّ؛ لأنَّ لِعانه أُقيم مقام بيِّنته؛ والبيِّنة تُسقط الحدَّ؛ فكذا اللِّعان، وقد تقدَّم ذلك في باب اللِّعان.
سابعاً: أَلْفاظُ القَذْف:
تنقسم ألفاظ القَذْف إلى صريحٍ وكنايةٍ:
فأمَّا الصرَّيح؛ فهو ما لا يحتمل غير القَذْف؛ نحو: «يا زاني»، «يا زانية»، «يا عاهر»، وأصل العُهْر: إتيان الرَّجُل المرأةَ ليلًا للفُجور بها، ثمَّ غَلَب على الزاني، سواء جاءها أم جاءته، ليلًا أو نهاراً.
أَوْ يقول: «قد زَنَيْتَ، أو زَنَيْتِ»، أو «زَنا فَرْجُك»، أو «رأيتكُ تزني»، أو
стр. 1194
«يا ابن الزَّانية»؛ إذ هو قَذْفٌ لأُمِّه، أو «يا لوطِيُّ»؛ لأَنَّه في العُرف مَنْ يأتي الذُّكور؛ لأنَّه عمل قوم لوط. أو يقول له: «لستَ لأبيك»، أو «لستَ بولد فلانٍ»، أو «لستَ من قبيلة كذا»؛ إذ هو قذف لأُمِّه؛ لأنَّ ذلك يقتضي أنَّ أُمَّه أتت به من غير أبيه، وذلك قَذْف لها. ولقول الأشعث بن قيس ﵁: (لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، إِلَّا جَلَدْتُهُ الحَدَّ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
إلَّا أن يكون المقول له ذلك منفيًّا بِلِعانٍ، ولم يستلحقه المُلاعِنُ بعد نَفْيه ولم يُفسِّره قائل ذلك بزنا أُمِّه، فلا يكون قَذْفاً لها حينئذ؛ لصِدْقه في أنَّه ليس بولده.
وأمَّا الكناية؛ فهو ما يحتمل القَذْف وغيره؛ نحو: «زَنَتْ يداك، أو رِجْلاك»، أو «يدُك، أو بدُنك» ونحو ذلك؛ فهذا ليس صريحاً؛ لأنَّ زنا هذه الأعضاء
لا يوجب الحدَّ؛ ولما روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ) [رواه البخاري، ومسلم].
- ونحو: «يا مُخَنَّث»؛ لأنَّه يحتمل أنَّ فيه طباع التَّأنيث؛ أي التَّشبُّه بالنِّساء. ونحو: «يا فاجرة»؛ لأنَّه يحتمل الكاذبة، أو المخالفة لزوجها فيما يجب طاعته فيه. ونحو: «يا خبيثة»؛ لأنَّه يحتمل خُبث الشَّرِّ.
стр. 1195
- أو يقول لزوجة شخص: «قد فَضَحْتِ زَوْجَكِ»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون فَضحْتيه بشكواكِ، أو: «نَكَّستِ رأسَه»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون حياءً من النَّاس، أو: «علَّقتِ عليه أولاداً من غيره»؛ لأنَّه يحتمل أنَّها التقطتْ أولاداً ونَسبَتهم إليه. أو: «أَفْسَدْتِ فِراشَه»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بالنُّشوز والشِّقاق، أو مَنْع الوطء.
فهذه الألفاظ كنايةٌ؛ لأنَّها تحتمل غير الزِّنا؛ فإن أراد بها حقيقة الزِّنا حُدَّ؛ للقَذْف، لأنَّ الكناية مع نيَّة أو قرينة كالصرِّيح في إفادة الحكم. وإن فسَّرها بأمرٍ محتمَل غير القَذْف -كما سبق- عُزِّر؛ لارتكابه معصيةً لا حدَّ فيها، ولا كفَّارة.
ثامناً: حُكْمُ قَذْفِ جَماعَةٍ:
- من قَذَفَ جماعةً أو أهل بَلْدةٍ لا يُتصوَّر الزِّنا منهم عادةً، فإنَّه لا يُحدُّ بذلك؛ لأنَّه لا عار عليهم بذلك، للقَطْع بكَذِب القاذف. وإنَّما يُعزَّر على ما أتى به من المعصية والزُّور؛ كما لو سبَّهم بغير القَذْف.
أمَّا إن كان يُتصوَّر الزِّنا منهم عادةً، وقَذَفَ كلَّ واحدٍ منهم بكلمةٍ؛ كأن يقول: «فلانٌ زانٍ، وفلانٌ، وفلانٌ»، فلكلِّ واحدٍ حدٌّ؛ لتعدُّد القَذْف، وتعدُّد مَحَلِّه، كما لو قَذَفَ كلَّ واحدٍ منهم وحده من غير أن يقذف الآخر.
وإن قَذَفهم إجمالًا بكلمةٍ واحدةٍ؛ كما لو قال: «هم زُناةٌ»، أو «كلُّ هؤلاء زناةٌ»، فإنَّه يُحدُّ حدًّا واحداً؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
следующие страницы →