والنسائي، وابن ماجه].
الشرط الثالث: أن يكون مختاراً؛ فلو كان مُكرَهاً فلا حدَّ عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
الشرط الرابع: ألَّا يكون والِداً للمَقْذوف؛ فلو كان القاذف أباً للمَقْذوف أو أُمَّا أو جدًّا أو جدَّةً - وإن علو- فلا حدَّ عليه؛ لأنَّ حدَّ القَذْف عقوبةٌ تجبُ لحقِّ آدميٍّ، فلا يثبتُ للابن على أبيه؛ لمعنى الأُبوَّة، كما في القصاص.
وأمَّا ما يتعلَّق بالمَقْذوف؛ فشرطان:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون مُحْصَناً؛ لقوله الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … ﴾، والمُحْصَن هنا مَنْ اجتمعت فيه خمسة أمور:
أ - الإسلام؛ فلا يُحدُّ بقَذْف الكافر؛ لأنَّ حُرْمته ناقصة؛ فلا تنهض لإيجاب الحدِّ. والآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إنَّما وردَتْ في الحرّة المسلمة، وغيرها ليس في معناها.
ب- الحرِّية؛ فلا يُحدُّ بقَذْف العبد؛ لأنَّ حُرْمته أيضاً ناقصة؛ فلا تنهض لإيجاب الحدِّ، ولما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) [رواه البخاري، ومسلم]؛ فدلَّ على عدم إقامة الحدِّ عليه في الدنيا.
ج- العَقْل؛ فلا يُحدُّ بقَذْف المجنون؛ لأنَّ المجنون لا يُعيَّر بالزِّنا، ولا
стр. 1192
يلحقه شَيْنٌ بإضافة الزِّنا إليه؛ لعدم تكليفه.
د - العِفَّة عن الزِّنا في الظَّاهر؛ فلا يُحدُّ بقَذْف غير العفيف؛ لأنَّ القذف لا يُشينه، والحدُّ إنَّما وَجَب لأجل ذلك، وقد أسقط الله ﵎ الحدَّ عن القاذف إذا كان له بيِّنة بما قال.
هـ- كونُه ممَّن يَطأُ أو يُوْطَأُ مثله - وهو ابن عشر سنين وبنتُ تسعٍ فأكثر-؛ فلا يُحدُّ بقَذْف مَنْ كان دون ذلك؛ لأنَّه لا يُعيَّر بالقَذْف؛ للعِلْم بكذب القاذف. ولأنَّه لو زنى لم يجب الحدُّ عليه؛ فكذا لو قُذِف به.
لكنَّه إن لم يكن بالغاً؛ فلا يُحدُّ قاذفه حتَّى يَبْلُغ ويُطالِب بالحدِّ بعد بلوغه؛ لأنَّ الحقَّ في حدِّ القَذْف للآدميِّ المَقْذوف؛ فلا يُقام بلا طلبه، ومطالبته قبل البلوغ لا توجب الحدَّ؛ لعدم اعتبار كلامه، وليس لوليِّه المطالبة عنه؛ لأنَّه حقٌّ شرعيٌّ ثبت للتَّشفِّي؛ فلا يقوم غيره مقامه في استيفائه؛ كالقصاص.
الشَّرط الثَّاني: مطالبتُه بحدِّ القَذْف، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تيمية إجماعاً؛ فلا يقام الحدُّ دون طَلَبِه؛ لأنَّه حقٌّ له، فلا يُستوفَى بدون طَلَبِه؛ كبقيَّة حقوقه.
- مَنْ قَذَفَ غير المحُصَن؛ وهو من تخلَّف فيه شَرْطٌ من الشروط السابقة فإنَّه يُعزَّر؛ رَدْعاً له عن أعراض المعصومين، وكفًّا له عن إيذائهم.
- يثبت حدُّ القَذْف بأحد أمرين؛ إقرارُ القاذف مرَّةً واحدةً، أو شهادة رَجُلَيْن عَدْلَيْن على القَذْف.
стр. 1193
سادساً: ما يَسْقُطُ به حَدُّ القَذْف:
يسقطُ حدُّ القَذْف بأربعة أشياء:
الأوَّل: عَفْو المقذوف عن القاذف؛ لأنَّه حقٌّ للمقذوف، ولا يقام إلَّا بطلبه؛ فيسقط بعَفْوه؛ كالقصاص.
الثَّاني: إقامة البيِّنة؛ بأن يشهد أربعة رجال عدول على ما قَذَفَه به؛ لمفهوم قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً … ﴾.
الثَّالث: تصديقُ المقذوف للقاذف فيما قَذَفَه به؛ إذ هو إقرارٌ به، وهو أبلغ من إقامة البيِّنة.
الرَّابع: اللِّعان؛ كما لو كان القاذف زَوْجاً ولاعَنَ زوجته فإنَّه يسقط الحدُّ؛ لأنَّ لِعانه أُقيم مقام بيِّنته؛ والبيِّنة تُسقط الحدَّ؛ فكذا اللِّعان، وقد تقدَّم ذلك في باب اللِّعان.
سابعاً: أَلْفاظُ القَذْف:
تنقسم ألفاظ القَذْف إلى صريحٍ وكنايةٍ:
فأمَّا الصرَّيح؛ فهو ما لا يحتمل غير القَذْف؛ نحو: «يا زاني»، «يا زانية»، «يا عاهر»، وأصل العُهْر: إتيان الرَّجُل المرأةَ ليلًا للفُجور بها، ثمَّ غَلَب على الزاني، سواء جاءها أم جاءته، ليلًا أو نهاراً.
أَوْ يقول: «قد زَنَيْتَ، أو زَنَيْتِ»، أو «زَنا فَرْجُك»، أو «رأيتكُ تزني»، أو
стр. 1194
«يا ابن الزَّانية»؛ إذ هو قَذْفٌ لأُمِّه، أو «يا لوطِيُّ»؛ لأَنَّه في العُرف مَنْ يأتي الذُّكور؛ لأنَّه عمل قوم لوط. أو يقول له: «لستَ لأبيك»، أو «لستَ بولد فلانٍ»، أو «لستَ من قبيلة كذا»؛ إذ هو قذف لأُمِّه؛ لأنَّ ذلك يقتضي أنَّ أُمَّه أتت به من غير أبيه، وذلك قَذْف لها. ولقول الأشعث بن قيس ﵁: (لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، إِلَّا جَلَدْتُهُ الحَدَّ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
إلَّا أن يكون المقول له ذلك منفيًّا بِلِعانٍ، ولم يستلحقه المُلاعِنُ بعد نَفْيه ولم يُفسِّره قائل ذلك بزنا أُمِّه، فلا يكون قَذْفاً لها حينئذ؛ لصِدْقه في أنَّه ليس بولده.
وأمَّا الكناية؛ فهو ما يحتمل القَذْف وغيره؛ نحو: «زَنَتْ يداك، أو رِجْلاك»، أو «يدُك، أو بدُنك» ونحو ذلك؛ فهذا ليس صريحاً؛ لأنَّ زنا هذه الأعضاء
لا يوجب الحدَّ؛ ولما روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ) [رواه البخاري، ومسلم].
- ونحو: «يا مُخَنَّث»؛ لأنَّه يحتمل أنَّ فيه طباع التَّأنيث؛ أي التَّشبُّه بالنِّساء. ونحو: «يا فاجرة»؛ لأنَّه يحتمل الكاذبة، أو المخالفة لزوجها فيما يجب طاعته فيه. ونحو: «يا خبيثة»؛ لأنَّه يحتمل خُبث الشَّرِّ.
стр. 1195
- أو يقول لزوجة شخص: «قد فَضَحْتِ زَوْجَكِ»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون فَضحْتيه بشكواكِ، أو: «نَكَّستِ رأسَه»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون حياءً من النَّاس، أو: «علَّقتِ عليه أولاداً من غيره»؛ لأنَّه يحتمل أنَّها التقطتْ أولاداً ونَسبَتهم إليه. أو: «أَفْسَدْتِ فِراشَه»؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بالنُّشوز والشِّقاق، أو مَنْع الوطء.
فهذه الألفاظ كنايةٌ؛ لأنَّها تحتمل غير الزِّنا؛ فإن أراد بها حقيقة الزِّنا حُدَّ؛ للقَذْف، لأنَّ الكناية مع نيَّة أو قرينة كالصرِّيح في إفادة الحكم. وإن فسَّرها بأمرٍ محتمَل غير القَذْف -كما سبق- عُزِّر؛ لارتكابه معصيةً لا حدَّ فيها، ولا كفَّارة.
ثامناً: حُكْمُ قَذْفِ جَماعَةٍ:
- من قَذَفَ جماعةً أو أهل بَلْدةٍ لا يُتصوَّر الزِّنا منهم عادةً، فإنَّه لا يُحدُّ بذلك؛ لأنَّه لا عار عليهم بذلك، للقَطْع بكَذِب القاذف. وإنَّما يُعزَّر على ما أتى به من المعصية والزُّور؛ كما لو سبَّهم بغير القَذْف.
أمَّا إن كان يُتصوَّر الزِّنا منهم عادةً، وقَذَفَ كلَّ واحدٍ منهم بكلمةٍ؛ كأن يقول: «فلانٌ زانٍ، وفلانٌ، وفلانٌ»، فلكلِّ واحدٍ حدٌّ؛ لتعدُّد القَذْف، وتعدُّد مَحَلِّه، كما لو قَذَفَ كلَّ واحدٍ منهم وحده من غير أن يقذف الآخر.
وإن قَذَفهم إجمالًا بكلمةٍ واحدةٍ؛ كما لو قال: «هم زُناةٌ»، أو «كلُّ هؤلاء زناةٌ»، فإنَّه يُحدُّ حدًّا واحداً؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
стр. 1196
يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ولم يفرِّق بين قَذْفِ واحدٍ وقَذْفِ جماعةٍ، ولأنَّه قَذْفٌ واحدٌ؛ فلا يجب به أكثر من حدٍّ.
стр. 1197
باب حدِّ المُسْكِر
أوَّلًا: تعريفُ المُسْكِر:
المُسْكِر لُغةً: اسمُ فاعلٍ من أَسْكَرَ الشَّرَابُ فهو مُسْكِرٌ، إذا جعل صاحبه سَكْرانَ، أو كان فيه قوَّة تفعل ذلك.
واصطلاحاً: المُسْكِر هو ما ينشأ عنه السُّكْرُ، والسُّكْرُ: هو اختلاط العَقْل. وكلُّ شرابٍ أَسْكَر يُسمَّى خَمْراً.
ثانياً: حُكمُ شُرْبِ المُسْكِر:
شُرْب المُسكِر حرامٌ، وهو من كبائر الذنوب؛ لأنَّه خَمْرٌ، والخَمْر محرَّم بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- أمَّا الكتاب: فقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
- وأمَّا السُّنَّة: فما روى ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) [رواه مسلم].
وعنه -أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ : (لَعَنَ اللهُ الخَمْر، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) [رواه أبو داود].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن المنذر: «وأجمعوا على تحريم الخَمْر».
стр. 1198
ثالثاً: الحِكمَةُ من تَحريمِ المُسكِر:
حرَّمَ الله تعالى المُسكِرات؛ لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة التي لا تخفى؛ فهي تغتال العَقْل، والشَّرف، والمُروءة، وتُخرِج من الإنسان تعظيم محارم الله ، وتُذهب منه الغَيْرَة، وتدعوه إلى الزِّنا ولو من مَحارِمِه، وتهوِّن له ارتكاب القبائح والآثام، وتلحقه بالمجانين.
وما وُجِدَت في مجتمعٍ وانتشرت بين أفراده إلَّا رَمَتْهُم في جحيم الشَّهَوات العارمة واللذَّات الهَمَجيَّة التي سرعان ما تضمِحِلُّ لتَعْقُبها الأوبئة السَّارية، والأمراض المُعْدِيَة، ناهيك عن فساد الأخلاق، وانتشار الفوضى، وكثرة الجرائم المتعدِّدة.
وهي رِجْسٌ من عمل الشيطان، وسلاحه الفتَّاك الذي يَصُدُّ به عن ذِكْر الله، وإقام الصَّلاة، ويوقع به العَداوة والبغضاء بين الناس.
فهي أمُّ الخبائث، وجِماع الإثم، ومَجْمَع الأمراض، ولذا حرَّمها الإسلام، وشَرَع فيها العقوبة؛ رَدْعاً لمتعاطيها، وحماية للمجتمع.
رابعاً: حدُّ شَارِب المُسكِر:
أ - إذا شَرِبَ حُرٌّ مُسْكِراً مائعاً، أو شَرِبَ ما خُلِطَ به ولم يُسْتَهلكْ فيه، فإنَّه يُجلَدُ ثمانين جَلْدةً، وإن لم يَسْكَر؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]، ولحديث أنسٍ ﵁: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ جَلَدَ فِي الخَمْر بِالجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ
стр. 1199
أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الخَمْر؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ) [رواه مسلم]. ولقول عليٍّ ﵁: (إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى المُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً) [رواه النسائي في «الكبرى»].
ب- وإن كان رقيقاً جُلِدَ أربعين جَلْدة، ذكراً كان أو أنثى؛ لأنَّه حَدٌّ يتبعَّض؛ فأشبه الحدَّ في الزِّنا والقَذْف.
ج- وكذا من احتقن بالمُسْكِر، أو استَعَطَ به -بأن أَدْخَلَه إلى جوفه عن طريق الأَنْف-، أو أَكَل عَجيناً لُتَّ به؛ فإنَّه يُحَدُّ؛ لأنَّ ذلك في معنى الشُّرْب.
خامساً: شُروطُ إِقامَةِ حَدِّ شُرْبِ المُسْكِر:
يجب إقامة الحَدِّ على شارب الخَمْر بشروطٍ، وهي:
أ - أن يكون مُسلماً؛ فلا يُحَدُّ الكافر -ولو كان ذِميًّا- على شُرْب الخَمْر؛ لأنَّه يعتقد حِلَّه، وتلك شُبهةٌ يُدْرأُ بها الحَدُّ.
ب- أن يكون مُكَلَّفاً -عاقلاً بالغاً-؛ فلا يُحَدُّ الصَّبيُّ ولا المجنون؛ لما روى عليٌّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].
ج- أن يكون مختاراً لشُرْبِه؛ فلو كان مُكرَهاً فلا حَدَّ عليه؛ لحديث ابن
стр. 1200
عبَّاس ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
د - أن يكون عالماً أنَّ كثيره يُسْكِر؛ فإنْ كان جاهلاً بذلك فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحدود تُدْرأُ بالشُّبُهات. ولما رُوِيَ عن عمر وعثمان ﵄ أنَّهما قالا: (مَا الحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ) [رواه عبد الرزاق].
هـ- أن يكون عالماً بتحريم الخَمْر؛ وهذا خاصٌّ بمن لم ينشأ بين المسلمين؛ كمن نشأ بباديةٍ بعيدةٍ عن المسلمين، أو كان حديث عهدٍ بالإسلام؛ فلا حَدَّ عليه بشُرْبها جاهلاً تحريمها؛ لأنَّ الحدود تُدْرأُ بالشُّبهات، ولأثر عمر وعثمان ﵄ السَّابق. بخلاف مَنْ نشأ بين المسلمين وادَّعى جهله بتحريم الخَمْر؛ فإنَّه لا يُقبَلُ منه؛ لأنَّ تحريمها لا يكاد يخفى بين المسلمين.
سادساً: كيفيَّة ثبُوت حَدِّ شُرْبِ المُسْكِر:
يثبت حَدُّ شُرْب المُسْكِر بأحد أمرين:
أ - إقرارُ الشَّارب به؛ إذ الإقرار أبلغ من البيِّنة. ويُقْبَل فيه إقرارُه مرَّةً واحدةً؛ لأنَّه حدٌّ ليس فيه إتلافٌ بحالٍ، فأشبه حدَّ القَذْف.
ب- البيِّنة؛ وهي شهادة رَجُلَين عَدْلَين يشهدان أنَّه شَرِب مُسْكِراً.
سابعاً: مِنْ أَحْكامِ شُرْبِ المُسْكِر:
أ - لا يجوزُ شُرْب المُسْكِر للتداوي؛ لحديث وائل بن حُجْر ﵁:
стр. 1201
(أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الجُعْفِيَّ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الخَمْر، فَنَهَاهُ -أَوْ كَرِهَ- أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ) [رواه مسلم].
وكذا لا يجوز شُرْبُه للعَطَش؛ لأنَّهُ لا يَحصُل به رِيٌّ، لأنَّ فيه من الحرارة ما يزيد العَطَش.
ب- يَحرُمُ التَّشبُّه بشُرَّاب الخَمْر في مجلسهم وآنيتهم، ولو كان المشروب مباحاً؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) [رواه أحمد، وأبو داود]. ويعزَّر فاعله.
ج- يَحرُمُ العصير من العِنَب، أو القَصَب، أو الرُّمَّان، أو غير ذلك إذا أتى عليه ثلاثة أيَّامٍ بليالهنَّ وإن لم يتخمَّر؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهَرَاقَهُ) [رواه مسلم]. ولأنَّ الشِّدَّة تحصل في ثلاث ليالٍ غالباً، وهي خفيَّةٌ تحتاج لضابطٍ، والثَّلاث تَصلُح لذلك، فوجب اعتبارها بها.
د - إذا طُبِخَ العصير -على النَّار- قَبْل تَخمُّره، وقبل إتيان الثلاث ليالٍ عليه، فإنَّه يَحِلُّ إن ذهب ثُلُثاه فأكثر؛ لما جاء عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ) [رواه النسائي]. ولأنَّ العصير إنَّما يتخمَّر لما فيه من الرُّطوبة، فإذا غَلَى على النَّار حتَّى ذهب
стр. 1202
ثُلُثاه فقد ذهب أكثر رطوبته، فلا يكاد يتخمَّر، وإذا لم يتخمَّر لم تَحصُل فيه الشِّدَّة.
стр. 1203
باب التَّعْزير
أوَّلًا: تعريفُ التَّعْزير:
التَّعْزيرُ لُغةً: المَنْعُ. يقال: عَزَّرتُه؛ أي: مَنَعْتُه.
واصطلاحاً: هو التَّأْديبُ؛ أو هو عُقوبَةٌ على فِعْلِ مَعْصِيةٍ لم يُقدَّرْ لها عُقوبةٌ شَرْعاً. وسُمِّي تعزيراً؛ لأنَّه يمنعُ ممَّا لا يجوز فِعْلُه.
ثانياً: حُكمُ التَّعْزير:
التعزيرُ واجبٌ على الحاكم أو من ينوبه في حَقِّ كُلِّ مُكلَّف أتى مَعْصيةً لا حَدَّ فيها ولا كَفَّارة؛ كالاستمتاع بالمرأة الأجنبيَّة فيما دون الفَرْج، وإتيان المرأةِ المرأةَ، وسَرِقَة ما لا قَطْع فيه؛ كسَرِقَة أقلَّ من رُبْع دينارٍ، والصَّفْع، والقَذْف بغير الزِّنا واللِّواطِ؛ كقول: «يا فاسق»، أو «يا شاهِدَ زُورٍ»، واللَّعْن، وسَبِّ الصحابة، وتَرْك الواجبات، ونحو ذلك من المحرَّمات التي لا حَدَّ فيها ولا كَفَّارة؛ لما روي عن عليٍّ ﵁ في الرَّجُل يقول للرَّجُل: يا خَبيثُ، يا فاسِقُ، قال: (لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، يُعَزِّرُ الْوَالِي بِمَا رَأَى) [رواه البيهقي].
ولأنَّ المعصية تفتقر إلى ما يمنع من فِعْلِها، فإذا لم يجب فيها حَدٌّ ولا كَفَّارةٌ وجب أن يُشرَّع فيها التَّعزير؛ لتحقيق المانع من فِعْلِها.
ثالثاً: الحِكْمَة من مَشْروعِيَّة التَّعْزير:
الحكمة من مشروعية التَّعزير؛ هي حماية النَّاس عن الوقوع في المعصية؛
стр. 1204
لأنَّ الخلق لا بُدَّ لهم من وازعٍ دِينِيٍّ، أو رادِعٍ سلطانيٍّ يمنعهم من التَّفريط في الواجبات والوقوع في المحرَّمات، فإذا وُجِدَ الوازِعُ الدِّينِيُّ فقد يُكتفَى به؛ لأنَّ النَّاس تصلح أحوالهم به، وإذا ضَعُف الوازِعُ الدِّينِيُّ بقي الرَّادِع السُّلْطانيُّ؛ فلذا اقتضت الحِكمَةُ مشروعيَّة التَّعزير؛ لما فيه من سياسة الخَلْق، وإلزامهم بطاعة الله ، وتَرْك معصيته؛ لأنَّه إذا ضَعُف الرَّادِع السُّلطانيُّ مع ضَعْف الوازِعِ الدِّينِيِّ فَسَدَت الأمور.
رابعاً: مِنْ أَحْكامِ التَّعْزير:
أ - التَّعزير من حقوق الله تعالى؛ فلا يحتاج في إقامته إلى مطالبةٍ؛ لأنَّه شُرِع للتأديب، فيُقِيمُه الحاكمُ أو من ينوبه دون مطالبةٍ؛ إلَّا إذا شَتَمَ الوَلَدُ وَالِدَه فإنَّه لا يجوز تعزيرُه إلَّا بطَلَبِ والِدِه؛ لأنَّ للوالِدِ تعزيره بنفسه للتَّأديب.
ب- لا يُعزَّرُ الوالد بشَتْمِ وَلَدِه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) [رواه أحمد، وابن ماجه]، وقياساً على عدم حَدِّه إذا قَذَفَه.
ج- يكون التَّعزير بالضَّرب، والحَبْس، والصَّفْع، والتَّوبيخ، والعَزْل من المَنْصِب، ونحو ذلك؛ بحسب ما يراه الحاكم أو من ينوبه؛ وذلك لتفاوت الجرائم شِدَّةً وضَعْفاً، واختلاف الأحوال والأزمان؛ فكان تقدير العقوبة راجعاً إلى اجتهاد ولاة الأمور بحسب الحاجة والمصلحة. وعن بَهْز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي].
стр. 1205
د - لا يُزاد في جَلْد التَّعزير على عَشْرة أسواطٍ؛ لحديث أبي بُرْدَة الأنصاريِّ ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللّاهِ) [رواه البخاري، ومسلم].
وللحاكم أن يُنْقصه عن العَشَرة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قَدَّر أكثره ولم يُقدِّر أقلَّه؛ فيُرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم بحسب حال الشَّخص.
إلَّا في شُرْبِ المُسْكر في نهار رمضان؛ فإنَّه يُعزَّر فاعله بعشرين سَوْطاً مع حَدِّ الشُرْب؛ لما رُوي عن عليٍّ ﵁ (أنَّه أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ-قَيْسِ ابنِ عَمْرو بنِ مَالك الحَارِثِيِّ- قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ، فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْغَدِ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ، وَقَالَ: إِنَّمَا ضَرَبْتُكَ هَذِهِ الْعِشْرِينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللّاهِ، وَإِفْطَارِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) [رواه البيهقي].
هـ - يَحْرُم في التَّعزير حَلْقُ لِحْيَتِه، وقَطْع طَرَفِه، وجَرْحه؛ لما في ذلك من المُثْلَة. وكذا يَحرُمُ أخذ مالِهِ أو إتلافه؛ لأنَّ الشرَّع لم يَرِدْ بشيءٍ من ذلك.
و - يُعزَّر من قال لذمِّيٍّ: «يا حاجُّ»؛ لما في ذلك من تشبيههم في قصد كنائسهم بقُصَّاد بيت الله الحرام، أشبه بمن شبَّه أعياد الكفار بأعياد المسلمين، وفي هذا تعظيمٌ لفِعْلِهم.
ز - وكذا يعزَّر مَنْ لعنَ ذِمِّيًّا معيَّناً؛ لأنَّه معصومٌ، وعِرْضُه مُحرَّمٌ، فيؤدَّبُ لَاعِنُه أَدَباً خفيفاً؛ لأنَّ حُرْمة الذِّمِّي دون حُرمَة المُسلِم. إلَّا إذا صَدَر من
стр. 1206
الذِّمِّي ما يقتضي لَعْنَه، فلا شيء على المُسلِم حينئذٍ (١).
- من الألفاظ الموجبة للتَّعزير أيضاً؛ قوله لغيره: «يا كافر»، «يا فاسق»، «يا فاجِرُ»، «يا كَلْبُ»، «يا حِمارُ»، «يا تَيْسُ»، «يا رافضِيُّ»، «يا خَبيثُ»، «يا عَدوَّ الله»، «يا ظالِمُ»، «يا كذَّابُ»، «يا خائنُ»، «يا شاربَ الخَمْر»، «يا مُخنَّثُ»، «يا دَيُّوثُ» -وهو الذي يرى زوجته تزني، ويُقِرُّها عليه، ولا يفارقها-، «يا قَوَّادُ»، ونحو ذلك من كُلِّ لفظٍ أَشْعَر بالسَّبِّ؛ فيعزَّرُ قائلُه؛ لارتكابه معصيةً، ولكفِّه عن أذى المعصومين.
стр. 1207
باب القطع في السَّرقة
أوَّلًا: تعريفُ القَطْع في السَّرِقَة:
القَطْع لُغةً: هو الفَصْلُ بين الشَّيئين، وفَصْلُ الشيءِ عن الشيءِ، والمرادُ به هنا: قَطْعُ اليَدِ مِنَ السَّارِقِ.
والسَّرِقَةُ لُغةً: مأخوذةٌ مِنْ: سَرَقَ الشَّيءَ، إذا أَخَذَهُ على وَجْه الخُفْية.
وأمَّا اصطلاحاً: فهي أَخْذُ مالٍ مُحترمٍ للغَيْر على وَجْهِ الاخْتِفاءِ، من مَالِكِه، أو نائِبِه.
ثانياً: حُكْمُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ:
السَّرقة محرَّمةٌ، وهي كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب، دلَّ على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والذي يسرق آكلٌ للمال بالباطل.
- ومن السُّنَّة: حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [رواه البخاري، ومسلم].
وقد أوجب الشَّرع فيها قَطْعَ اليد؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ) [رواه البخاري، ومسلم].
стр. 1208
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «أجمع المسلمون على وجوب قطع السَّارق في الجملة».
ثالثاً: الحِكْمَةُ في مَشْروعِيَّة القَطْع في السَّرِقَة:
شَرَعَ الله القَطْع في السَّرقة؛ صيانةً لأموال النَّاس، وحِفْظاً لها من اعتداء المعتدين؛ فكما أمر سبحانه بحفظ الدِّين، والنَّفس، والعِرْض، أَمَرَ كذلك بالقَطْع في السَّرقة؛ حمايةً لأموال النَّاس، وكَبْحاً لجِماح الأنفس الدَّنيئة التي تعتدي على أموال الغير، وفي ذلك ما فيه من تحقيق الأمن والسَّلامة في المجتمع.
رابعاً: شُروطُ وُجُوب القَطْع في السَّرِقَة:
يجبُ إقامةُ حَدِّ القَطْع في السَّرقة بثمانية شروط:
الشَّرط الأوَّل: أن يأخذَ المالَ سَرِقَةً؛ أي: يأخذه من مالِكِه أو نائبِه على وجه الاختفاء؛ فلو أخذه نُهْبةً؛ بأن أخذ المال على وجه الغنيمة؛ كما كان يقع في الغارات التي بين البوادي مثلًا، أو أخذه اختلاساً؛ بأن خَطَفَه بحضرة صاحبه في غفلةٍ منه وهرب به، أو أخذه غَصْباً، أو خيانةً؛ بأنِ اؤتُمِن على شيءٍ كوديعة فأخفاه أو جحده؛ فلا قَطْع عليه؛ لما روى جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]، ولأنَّ ذلك لا يدخل في مُسمَّى السَّرقة.
стр. 1209
بخلاف جاحد العارِيَّة؛ فإنَّه يقطع؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا) [رواه مسلم].
الشَّرط الثَّاني: أن يكون السَّارق مُكلَّفا - عاقلًا بالغاً-؛ لأنَّ غير المكلَّف مرفوعٌ عنه القَلَم؛ كما في الحديث: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].
- وأن يكون مختاراً؛ فلا قطع على السَّارق المُكْره؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
- عالماً بأنَّ السَّرقة محرَّمةٌ، وأنَّ ما سَرَقَه يساوي نصاباً -وسيأتي النِّصاب-؛ فلو سَرَق شيئاً ظنَّ أنَّ قيمته دون النِّصاب فلا قَطْع عليه؛ لما رُوِيَ عن عمر وعثمان ﵄: (مَا الحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ) [رواه عبد الرزاق].
الشَّرط الثَّالث: أن يكون المسروق مالًا مُحترماً؛ لأنَّ ما ليس بمالٍ ليس له حُرْمَةُ المال ولا يساويه؛ فلم يجب به قَطْعٌ. وعلى ذلك:
- فلا قَطْعَ بسَرِقَة الماء؛ لأنَّ الماء في الأصل مباح؛ ولا يتموَّل عادةً.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة ما حرَّمته الشريعة؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، ونحو ذلك؛ لأنَّها أعيانٌ محرَّمةٌ؛ فلم تكن محترمةً شرعاً.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة إناءٍ فيه خَمْرٌ أو ماء؛ لأنَّه متَّصلٌ بما لا قَطْع بسرقته،
стр. 1210
وهو الخمر والماء.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة المصحف؛ لأنَّ المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو ممَّا لا يجوز أَخْذُ العِوَض عنه.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة ما على المصحف من حُليٍّ، ككيسه مثلًا؛ لأنَّ ذلك تابع للمصحف، ولا قَطْعَ بسرقته.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة كتب البِدَع ونحوها من الكتب المشتملة على المحرَّمات؛ كالمجلَّات الخليعة ونحو ذلك؛ لوجوب إتلافها، لأنَّها مُحرَّمةٌ.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة آلة اللَّهْو؛ كالمِزْمار ونحوه؛ لأنَّها تُستعمَل في المعصية؛ فأشبهتِ الخمر.
- ولا قَطْعَ بسَرِقَة صَليبٍ أو صَنَمٍ من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ؛ لأنَّه مُجمَعٌ على تحريمه، ولأنَّ في سرقته شُبْهةً؛ إذ قد يَقْصِدُ السَّارقُ كَسْرَه؛ ولا حدَّ مع الشُّبْهة.
الشَّرط الرَّابع: أن يكون المسروق نِصاباً؛ وهو رُبْع دينارٍ من الذَّهب
-ويُعادل في زماننا (١. ٠٦) غراماً من الذَّهب-، أو ثلاثة دراهمَ من الفِضَّة - ويعادل في زماننا (٨. ٩١) غراماً من الفِضَّة-، أو ما يساوي أحدهما وقت إخراج المسروق من الحِرْز؛ فلا قَطْع بسَرِقَة ما كان دون ذلك؛ لحديث عائشة ﵂، أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ) [رواه مسلم]. ولحديث ابن عمر ﵄: (قَطَعَ النَّبِيُّ
стр. 1211
ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) [رواه البخاري، ومسلم]. والمِجَنُّ: هو التُّرْس الذي يواري حامله أثناء القتال.
واعتُبرت القيمة بوقت إخراج المسروق من الحِرْز؛ لأنَّه وقت السَّرِقَة التي وَجَبَ بها القَطْع.
الشَّرط الخامس: إخراج المسروق من حِرْزه - وحِرْز كلِّ مالٍ: ما حُفظ فيه ذلك المال عادةً-؛ لحديث عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الثِّمَارِ، فَقَالَ: مَا أُخِذَ فِي أَكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ، فَثَمَنُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ الْجِرَانِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ ذلك ثَمَنَ الْمِجَنِّ) [رواه أبو داود، وابن ماجه]، والجِرَانُ: جمع جَرينٍ، وهو الموضع الذي يُجمَعُ فيه التَّمْر ويُجَفَّف.
- فلو سَرَقَ إنسانٌ من غير حِرْزٍ؛ بأن وجد باباً مفتوحاً، أو حِرْزاً مَهْتوكاً، فأخذ منه ما يبلغ نصاب السَّرقة؛ فلا قَطْع عليه؛ لفوات شَرْطِه.
- وإذا اشترك جماعةٌ في السَّرقة؛ بأن هتكوا الحِرْز، وأخرجوا المسروق منه؛ قُطعوا جميعاً؛ لوجود سبب القَطْع منهم. بخلاف ما لو هَتَكَ الحِرْز أحدهم، ودخل الآخرون، فأخرجوا المال، فلا قَطْع عليهم؛ لأنَّ الأوَّل لم يسرق، والآخرون لم يهتكوا الحِرْز.
- يختلف الحِرْزُ باختلاف جنس المال؛ فحِرْز الذَّهب والفضَّة والنقود ليس كحِرْز الماشية، ويختلف باختلاف البلدان كِبَراً وصِغَراً؛ كما يختلف باختلاف عَدْل السُّلطان وجَوْرِه، وقوَّته وضَعْفه.
стр. 1212
الشَّرط السَّادس: أن يكون المسروق ممَّا لا شبهة للسَّارق فيه؛ لأنَّ الحدود تُدرأ بالشُّبهات إجماعاً؛ كما حكاه ابن المنذر، وعليه؛ فلا قطع في السَّرقة من:
- مال الوَلَد وإن سَفَل؛ لقول النبيِّ ﷺ : (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
- مال الوالد -ذكراً أو أُنثى- وإن عَلَا؛ لأنَّ النفقة تجب للولد في مال أبيه حفظاً له، ولأنَّ بينهما قرابةً تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه، فلم يُقطَع بسَرِقَة ماله.
- مال الزَّوج أو الزَّوجة؛ لأنَّ كلًّا منهما يَرِثُ صاحبَه بغير حَجْبٍ، ويتبسَّط في ماله، أشبه الوَلَد مع الوالد. ولأنَّ نفقة الزوجة واجبةٌ على زوجها، ولها الأخذ من ماله بغير إذنه في بعض الأحوال بقدر نفقتها ونفقة أولادها.
- المال الذي له فيه شِرْكٌ، أو المال الذي لأحدٍ ممن سبق ذكرهم فيه شِرك؛ كالأب، أو الابن، أو الزَّوج، أو الزَّوجة؛ لأنَّ له فيه شُبْهة.
الشَّرط السَّابع: ثبوت السَّرقة؛ لأنَّ الله تعالى أوجب القَطْع على السَّارق، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بثبوت السَّرقة، وثبوتها بأحد أمرين:
أ - شهادة رَجُلَيْن عَدْلين؛ لقول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا بدَّ أن يَصِفا السَّرقة في شهادتهما، ويَصِفا الحِرْز، وجِنْس المسروق وقَدْره؛ وذلك لاختلاف العلماء في هذه الأمور؛ فربَّما ظنَّ الشَّاهد القَطْع بما لا يراه القاضي موجباً للقَطْع.
стр. 1213
ولا تُسمَع شهادة العَدْلَيْن قبل الدَّعوى من مالك المسروق، أو ممَّن يقوم مقامه.
ب- إقرار السَّارق مرَّتين؛ لما رُوي أنَّ رجلًا أتى إلى عليٍّ ﵁؛ فقال: (إِنِّي سَرَقْتُ، فَانْتَهَرَهُ وَسَبَّهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَرَقْتُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اقْطَعُوهُ، قَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ) [رواه عبد الرزاق]. ولأنَّه إقرارٌ يتضمَّن إتلافاً؛ فكان من شَرْطِه التَّكرار، كما في حدِّ الزِّنا.
ويُشترَطُ أن يستمرَّ في إقراره ولا يرجع عنه حتَّى يُقْطَع. فإن رَجَع تُرِك.
الشَّرط الثَّامن: مطالبة المسروق منه بماله، أو مطالبة وكيله، أو وَلِيِّه؛ لأنَّ المال يُباح بالبَذْل والإباحة، فيحتمل أن يكون مالكه قد أباحه إيَّاه، أو أَذِنَ له في دخول حِرْزِه، ونحو ذلك ممَّا يُسقط القَطْع، فإذا طالب ربُّ المال به زال هذا الاحتمال، وانتفت الشُّبْهة.
خامساً: إِقامَةُ حَدِّ القَطْع وَقْتَ المَجَاعَة:
-لا يُقامُ حَدُّ القَطْع بالسَّرقة حال وقوع مجاعةٍ سَبَّبَها غلاءٌ، بشرط ألَّا يجد السَّارق ما يشتريه أو ما يشتري به؛ لوجود شُبْهةٍ يُدْرأ بها الحدُّ؛ وهي أنَّ السَّارق سَرَقَ طعامه مضطرًّا؛ لإحياء نفسه.
سادساً: كَيْفِيَّةُ القَطْعِ في السَّرِقَة:
متى توفَّرت الشُّروط السَّابقة وَجَبَ قَطْع يد السَّارق اليُمْنى بالإجماع؛
стр. 1214
لقراءة ابن مسعود ﵁؛ فعن إبراهيم النَّخعي قال: «فِي قِرَاءَتِنَا: (وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتِ تُقْطَعُ أَيْمَانُهُمْ)» [رواه سعيد بن منصور]. وهذا إمَّا أن يكون قراءةً، أو تفسيراً سمعه من النبيِّ ﷺ ؛ إذ لا يُظنُّ بمثله أن يُثْبِت في القرآن شيئاً لم يسمعه من النبيِّ ﷺ . ولأنَّ السَّرقة جنايةُ اليد اليَمْنى في الغالب، فناسب ذلك قَطْعها.
-ويكون القَطْع من مَفْصَل الكفِّ؛ لأنَّ اليد تُطْلَق عليها إلى الكُوع، وإلى المِرْفَق، وإلى المَنْكِب، وإرادة الأوَّل مُتَيقَّنة، وما سواه مشكوكٌ فيه، ولا يجب القَطْع مع الشكِّ.
- ويَجبُ أن يُغْمَس موضعُ القَطْع من اليد في زَيْتٍ مَغْليٍّ؛ وذلك لتنسدَّ أفواه العروق فينقطع الدَّم؛ إذ لو تُرك بلا غمسٍ لنَزَف حتَّى يُفْضي إلى موته.
- ويُسَنُّ تعليقُ يد السَّارق المقطوعة في عُنُقِه ثلاثةَ أيَّامٍ إن رأى الإمام ذلك؛ لأنَّه أبلغ في الزَّجر، ولتتَّعظ به اللُّصوص.
سابعاً: العَوْد في السَّرِقَة:
- إذا عاد السَّارق إلى السَّرقة بعد قَطْع يده اليُمْنى قُطعت رِجْلُه اليُسْرى؛ لما روى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ وَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) [رواه الدارقطني]، وإنَّما قُطِعَت الرِّجْلُ اليُسرى دون اليُمنى؛ قياساً على القَطْع في المحاربة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولأنَّ قَطْع الرِّجْل اليُسْرى أرفق به؛
стр. 1215
ليتمكَّن من المشي على خشبةٍ ونحوها، بخلاف ما لو قُطِعَت الرِّجْل اليُمنى فإنَّه لا يُمكنه ذلك. ويجب غَمْس موضع القَطْع في زَيْتٍ مَغْليٍّ؛ كما في قَطْع اليد.
- ويكون القَطْع من مِفْصَل الكَعْب مع ترك العَقِب ليمشي عليها؛ لما روي عن عليٍّ ﵁ (أنَّه كان يَقطَعُ مِنْ شَطْرِ الْقَدَمِ، ويَدَعُ العَقِبَ يَعتَمِدُ عَلَيها). [رواه البيهقي].
- فإن عاد إلى السرقة بعد قَطْع يده ورِجْله لم يُقْطَع منه شيءٌ، وإنَّما يُحبَس حتَّى يموت، أو يتوب؛ لما روي عن عبد الرَّحمن بن عائذٍ قال: (أُتِيَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ برَجُلٍ أقطَعِ اليَدِ والرِّجلِ قَدْ سَرَقَ، فأمَرَ به عُمَرُ أن تقطَعَ رِجلُه، فقالَ عليٌّ: إنَّمَا قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ. فَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ هَذَا وَرِجْلُهُ، فَلَا يَنبَغِي أَنْ تَقْطَعَ رِجْلَهُ فَتَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ قَائِمَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ تُعَزِّرَه، وَإِمَّا أَنْ تَسْتَوْدِعَهُ السِّجْنَ. قَالَ: فَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ) [رواه البيهقي].
ثامناً: ضَمَانُ المَالِ المَسْرُوق:
يَضمَنُ السَّارقُ -مع إقامة حدِّ القَطْع عليه- المالَ المسروقَ؛ لأنَّ القَطْع والضَّمان حقَّان لِمُسْتَحِقَّيْن؛ فجاز اجتماعهما؛ كما في اجتماع الدِّيَة والكفَّارة في قَتْل الخطأ؛ فيُرَدُّ المسروق لمالكه إن كان باقياً؛ لأنَّه عين ماله. وإن كان تالفاً
стр. 1216
وله مِثْلٌ فعلى السَّارق مثله، وإن لم يكن له مِثْلٌ فعليه قيمته؛ لأنَّه مالُ آدميٍّ تلف تحت يدٍ عَادِيَة؛ فوجب ضمانه. ويُعيدُ كذلك ما خَرِبَ من الحِرْز؛ لتَعَدِّيه.
стр. 1217
باب حدِّ قُطَّاع الطَّريق
أوَّلًا: تعريفُ قُطَّاع الطَّريق:
القُطَّاعُ لُغةً: جَمْع قاطِعٍ. والطَّريق: ما يَطْرُقُه النَّاسُ بأقدامِهِم ويَسْلُكونَه.
وقُطَّاعُ الطَّريق: الَّذين يَقْطَعونَه؛ أي: يَمْنَعون النَّاسَ مِنَ السَّيْر فيه؛ وذلك لعُدْوانِهِم عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِ.
واصطلاحاً: هم المُكَلَّفون المُلْتزِمون -أي: بأحكام الشريعة- مِنَ المسلمين وأَهْل الذِّمِّة الذين يخرجون على النَّاسِ بسِلاحٍ -ولو عصا ونحوها-، فيَغْصِبونَهُم مَالًا مُحتَرماً مُجاهَرَةً.
ثانياً: حُكمُ إِقامَةِ الحَدِّ على قُطَّاع الطَّريقِ:
يجبُ إقامةُ الحَدِّ على قُطَّاع الطَّريق؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
ثالثاً: الحِكْمَةُ من مَشْروعِيَّة حَدِّ قُطَّاع الطَّريق:
شَرَعَ الله حَدَّ الحِرَابَةِ، أو حَدَّ قُطَّاع الطُّرق؛ زَجْراً لمن تُسَوِّل له نفسُه قَطْع الطَّريق، وتَرْويع الآمنين، والاعتداء على حقوق الآخرين، وفي هذا تحقيقٌ للأَمْنِ، وحفظٌ للأرواح، وصيانةٌ للأموال، وغير ذلك ممَّا لا يخفى من وجوه الحِكْمَة.
стр. 1218
رابعاً: شُروطُ إِقامَةِ الحَدِّ على قَاطِعِ الطَّريق:
يُشترط لوجوب إقامة الحَدِّ على قاطِع الطَّريق ثلاثة شروط:
الشرط الأوَّل: ثبوتُ قَطْع الطَّريق؛ وذلك بأحد أمرين:
أ - شهادة رَجُلَيْن عَدْلَيْن؛ لقول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ب- إقرارُ قاطِع الطَّريق مرَّتين؛ كما في السرقة؛ لما رُوي (أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: إِنِّي سَرَقْتُ، فَانْتَهَرَهُ وَسَبَّهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَرَقْتُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: (اقْطَعُوهُ قَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ) [رواه عبد الرزاق]. ولأنَّه إقرار يتضمَّن إتلافاً؛ فكان من شرطه التَّكرار كما في حدِّ الزِّنا.
الشَّرط الثَّاني: أن يأخذ المال من الحِرْز؛ وذلك بأن يأخذه من يد مستحِقِّه؛ فلو وجد المال مطروحاً على الأرض ليس بيد أحدٍ، أو أخذه من يد مَنْ غَصَبَه، لم يكن محارباً.
الشَّرط الثَّالث: أن يَبْلغَ ما أَخَذَه النِّصاب الذي يُقطَعُ به السَّارق؛ وهو رُبع دينارٍ من الذَّهب، أو ثلاثة دراهم من الفِضَّة، أو ما يعادل قيمة أحدهما -وقد مرَّ بيان ذلك في باب القَطْع في السَّرقة-؛ فلو أَخَذَ ما دون النِّصاب لم يُقْطَع.
خامساً: حَدُّ قُطَّاع الطَّريق:
قُطَّاع الطُّرق لهم أربعةُ أحكامٍ بحسب الجريمة التي ارتكبوها:
стр. 1219
الأوَّل: إذا قَتَلُوا ولم يأخذوا مالًا؛ فإنَّهم يُقْتَلون جميعاً دون صَلْبٍ.
الثَّاني: إذا قَتَلُوا وأَخَذُوا مالًا؛ فإنَّهم يُقَتَّلُون، ثمَّ يُصَلَّبون بقَدْر ما يَشْتَهِروا؛ لأنَّ جنايتهم بالقَتْل وأَخْذِ المال تزيدُ على الجناية بالقَتْل وَحْدَه؛ فكانت العقوبةُ مع أَخْذِ المال أَغْلَظ.
والحِكْمَة في صَلْبهم: أن يشتهروا فيَرْتدع غيرُهم.
الثَّالث: إذا أَخَذوا مالًا ولم يَقْتُلُوا؛ فإنَّه تُقَطَّعُ أيديهم وأرْجُلُهم من خِلافٍ.
فتُقطع اليدُ اليُمنى، ثمَّ يُغْمَسُ موضِعُ القَطْع في الزَّيْت المَغْليِّ وجوباً؛ لينقطع الدَّم؛ لقول النبيَّ ﷺ في السارق: (اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ) [رواه الدارقطني]. ثمَّ تُقْطَع الرِّجْلُ اليُسرى، ثمَّ يُغْمَسُ موضِعُ القَطْع في الزَّيْت المَغْليِّ وجوباً، ويكون ذلك في مقامٍ واحدٍ؛ فلا يُنتَظَر بقَطْع إحداهما انْدِمالُ الأخرى؛ لأنَّ الله تعالى أَمَرَ بقَطْعِهما من غير تعرُّضٍ للتأخير، والأمرُ للفَوْر.
الرَّابع: إن أَخافوا النَّاس، ولم يأخذوا مالًا؛ فإنَّهم يُنْفَوْنَ من الأرض؛ وذلك بأنْ يُشَرَّدوا ويُطارَدوا، فلا يُتْرَكون يَأْوون إلى بلدٍ حتَّى تظهر توبتُهم.
- وتُنْفَى الجماعة متفرِّقة؛ كلٌّ إلى جهة؛ لئلَّا يجتمعوا على المحاربة ثانية.
ودليل ما سبق قول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
стр. 1220
سادساً: تَوْبَةُ قاطِعِ الطَّريقِ:
- من تاب من قُطَّاع الطَّريق قبل القُدْرةِ عليه سَقَطَت عنه حقوق الله تعالى من نَفْيٍ، وصَلْبٍ، وقَطْع يدٍ ورِجْلٍ، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
وأمَّا حقوق الآدميِّين؛ من القِصاص في الأَنْفُس، والجِراح، وغَرامَة المال، وحَدِّ القذف، ونحو ذلك؛ فإنَّهم يؤاخذون بها؛ لأنَّ حقوق الآدميين مبناها على المُشاحَّة؛ فلا تُسْقِطها التوبة؛ كما في الضَّمان. إلَّا أن يعفو من له الحقُّ؛ إذ هو حقُّه وقد أسقطه.
- وأمَّا من تاب منهم بعد القُدْرَة عليه؛ فلا يَسْقُط عنه شيءٌ ممَّا وجب عليه؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
ولأنَّ ظاهر حال من تاب قبل القُدْرَة عليه أنَّ توبته توبة إخلاصٍ، وأمَّا بعدها فالظَّاهر أنَّه إنَّما فعل ذلك تَقيَّةً؛ حتَّى لا يُقام الحَدُّ عليه.
стр. 1221
فصل دفع المعتدين
- مَنْ أُريدَ بأذىً في نَفْسِه أو مالِهِ أو حَريمِه فله أن يدفع المعتدي بأسهل ما يغلب على ظنِّه دَفْعُه به من قولٍ أو فِعْلٍ؛ لأنَّه لو مُنِعَ من دَفْعِه لأدَّى ذلك إلى تَلَفِه وأَذاه في نَفْسِه وحُرْمَته ومالِهِ، ولتَسَلَّط النَّاسُ بعضهم على بعض؛ فيُفْضِي إلى الهَرَج والمَرَج. لكنَّه إذا اندفع بالأسهل حَرُمَ دَفْعُه بالأصعب؛ لعدم الحاجة إليه.
- فإن لم يندفع الأذى إلَّا بقَتْل المُعْتدي فَلَهُ أن يقتله ولا شيء عليه، وإن قُتِلَ الدافع أثناء ذلك كان شهيداً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ) [رواه مسلم].
- يجب على كلِّ مُكلَّف أن يدفع عن حَريمِه؛ فمَنْ رأى مع امرأته أو ابنته أو أخته أو نحوهنَّ رَجُلًا يزني بها، أو رأى رَجُلًا يَلوطُ بابنه، أو نحوه، وَجَبَ عليه قَتْلُه إن لم يَنْدَفِع بدونه؛ لأنَّه يؤدِّي بذلك حَقَّ الله تعالى من المنع من الفاحشة، وحقَّ نَفْسِه بالمنع عن أَهْلِه؛ فلا يَسَعُه إضاعة الحقَّيْن.
- وكذا يجب على كلِّ مُكلَّف أن يَدْفع عن حريم غيره وماله إذا ظنَّ سلامته وسلامة المعتدي؛ بحيث لا يُفْضِي إلى الجناية على نَفْسِه، أو على شيءٍ من
стр. 1222
أعضائه؛ لما روى أنسٌ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) [رواه البخاري]. ولئلَّا تذهب الأَنْفُس، والأموال، وتُستَباح الحُرُمات. فإن ظنَّ عدم السَّلامة حَرُم الدَّفع حينئذٍ؛ لأنَّه يُفضي إلى التَّهلكة.
- ويجب عليه أن يدفع عن نفسه -في غير فتنةٍ-؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فكما يَحرُم عليه قَتْل نَفْسِه يَحرُم عليه إباحة قَتْلِها.
-وكذا يجب عليه أن يَدْفَع عن نَفْسِ غيره -في غير فتنةٍ- قياساً على وجوب إحياء نَفْسِ غيره ببذل طعامه له. ولقول النبيِّ ﷺ : (اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا).
- فإنْ كانت هناك فتنة لم يجب عليه الدَّفع عن نَفْسه ولا عن نَفْس غيره؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لأبي ذرٍّ ﵁ حال وقوع فتنةٍ: ( … تَلْزَمُ بَيْتَكَ. قُلْتُ: فَإِنْ دُخِلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قَالَ: فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ) [رواه أبوداود، وابن ماجه].
ولأنَّ عثمان ﵁ ترك القتال على من بَغَى عليه مع القُدْرة عليه، ومنع غيره من قتالهم، وصبر على ذلك، ولو لم يَجُز ذلك لأنكر عليه الصَّحابة رضوان الله عليهم.
- ولا يجب عليه دَفْع من أراد مالَهُ؛ لأنَّه ليس فيه من المَحْذور ما في النَّفْس؛
стр. 1223
فإنَّ المال لا حُرْمَة له كحُرْمَة النَّفْس، فلا يجب عليه أن يفعل بسبب المال
ما فيه الخَطَرُ على نفسه. وله أن يبذله لمن أراده منه ظلماً؛ إبقاءً لنفسه؛ إذ لا عِوَضَ لها.
стр. 1224
باب قتال البُغاة
أوَّلًا: تعريفُ البُغاةِ:
البَغْيُ لُغةً: مصدر بَغَى يَبْغِي؛ إذا اعتدى.
والبُغاةُ: هم الخارجون على الإمام الأعظم بتأويلٍ سائغٍ، ولهم شَوْكةٌ (أي قوَّة). وسُمُّوا بُغَاةً؛ لعُدولِهِم عن الحقِّ وما عليه أئمَّة المسلمين.
ثانياً: حُكمُ قِتالِ البُغاةِ:
قتال أهل البَغْي واجبٌ بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- أمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فأوجب الله تعالى قتال الباغين على أهل الإيمان.
- وأمَّا السُّنَّة: فما روى عَرْفَجَة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ) [رواه مسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «وأجمعت الصَّحابة ﵃ على قِتال البُغاة؛ فإنَّ أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعليٌّ ﵁ قاتل أهل الجمل وصِفِّين وأهل النهروان».
ثالثاً: شُروطُ البَغْي:
يُشترط فيمن يوصفون بالبُغاة ما يلي:
стр. 1225
أ - أن يكونوا عدداً كثيراً لهم شوكةٌ وقوَّةٌ ومَنَعةٌ.
ب- أن يخرجوا على الإمام.
ب- أن يكون خروجهم بتأويلٍ سائغٍ.
فإن لم يخرجوا على الإمام؛ كما لو خرجوا على أمير منطقةٍ مثلًا، أو خرجوا على الإمام بلا تأويل، أو بتأويل غير سائغٍ، أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم، فهم قُطَّاع طريقٍ، وليسوا بُغاةً.
رابعاً: حُكمُ نَصْبِ إمامٍ للمُسلِمين:
إقامة إمامٍ للمُسلمين فَرْضُ كِفايةٍ عليهم؛ لحاجة النَّاس لذلك؛ حمايةً لبَيْضَة الإسلام، والدِّفاع عن حَوْزَته، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر.
وكلُّ من ثبتت إمامَتُه وَجَبتْ طاعتُه، وحَرُم الخروج عليه وقتاله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ولحديث عُبادَة بن الصَّامِت ﵁ قال: (دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ) [رواه البخاري، ومسلم].
ولأنَّ في الخروج عليه شَقًّا لعصا المسلمين، وإراقةً لدِمائهم، وإذهاباً لأموالهم.
стр. 1226
خامساً: شُروطُ الإِمامَةِ العُظْمَى:
يُشترَطُ فيمن يتولَّى الإمامَة العُظْمى ما يلي:
أ - أن يكون قُرَشيًّا؛ لما روى أنس بن مالك ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) [رواه أحمد]. ولحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ) [رواه أحمد].
ب- أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأنَّ غير البالغ العاقل يحتاج إلى من يَلِي أَمْرَه؛ فلا يَلِي أَمْرَ غيره.
ج- أن يكون سميعاً بصيراً ناطقاً؛ لأنَّ من لم يكن كذلك لا يَصْلُح لأمور السياسة.
د - أن يكون حُرًّا؛ لأنَّ الإمام له الولاية العامَّة، فلا يكون غيرُه وليًّا عليه. ولأنَّ العبد منقوص بِرِقِّهِ، ومشغولٌ بحقوق سيِّده.
هـ- أن يكون ذَكَراً؛ فلا يكون أُنثى؛ لحديث أبي بَكْرَة ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) [رواه البخاري].
و - أن يكون عَدْلاً؛ لأنَّ ذلك شرطٌ في ولاية القضاء، وهي دون الإمامَة العُظْمَى، فكان اشتراطه في الإمامَة العُظْمَى أَوْلَى.
ز - أن يكون عالِماً بالأحكام الشرعيَّة؛ لأنَّه يحتاج إلى مراعاتها في أوامره ونواهيه.
стр. 1227
ح- أن يكون ذا بَصيرةٍ؛ أي: صاحب معرفةٍ وفِطْنةٍ.
ط- أن يكون كُفُؤاً ابتداءً ودواماً؛ أي: قائماً بأمر الحرب والسياسة، وإقامة الحدود، والذَّبِّ عن الأُمَّة، ابتداءً في ذلك، ودواماً.
- ولا ينعزل الإمام بفِسْقِه؛ لما يترتَّب على ذلك من المفسدة، ولما روى عبادة بن الصامت ﵁، عن النبيِّ ﷺ : (وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [رواه البخاري، ومسلم].
سادساً: كَيفيَّةُ تعامُلِ الإِمامِ مع البُغاةِ:
أ - يلزم الإمام مراسلة أهل البَغْي، وإزالة ما عندهم من الشُّبَه، وما يدَّعونه من المظالم؛ لأنَّ ذلك طريقٌ إلى الصُّلْح المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، ووسيلةٌ إلى رجوعهم إلى الحقِّ؛ وهو المطلوب.
ولما اعتزلت الحَرورِيَّةُ عليَّ بن أبي طالب ﵁، بعث إليهم عبد الله ابن عبَّاسٍ ﵄؛ فَرَجَع منهم أربعة آلاف. [رواه أحمد].
ب - فإن رجعوا عمَّا هم فيه من البَغْي وطَلَب القِتال تَرَكَهم، وإلَّا لَزِمَه قتالهم إن كان قادراً؛ لقول الله : ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
ج- يجب على الرعيَّة معاونة الإمام على قتال البُغاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 1228
د - إذا تَرَك البُغاةُ القتال؛ إمَّا بالرُّجوع إلى الطَّاعة، أو بإلقاء السِّلاح، أو بالعجز عن القتال، ونحو ذلك، حَرُم قَتْلُهم واتِّباعُ مُدْبِرِهم وقَتْل جَريحِهِم؛ لما روي أنَّ عليًّا ﵁ أَمَرَ مُنادِيهِ يوم الجَمَل أن ينادي: (لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ طَرَحَ السِّلَاحَ آمِنٌ) [رواه سعيد بن منصور]. ومعنى «وَلَا يُذَفَّف على جريح»: أي ولا يُجْهَز على جريح.
هـ- وكذا لا يُغْنَم مالُهُم، ولا تُسْبى ذَراريهم؛ لأنَّ مالَهُم معصومٌ؛ لأنَّهم لم يَكْفُروا ببَغْيِهم، وعِصْمةُ الأموال تابعةٌ لدِينِهِم. وذُرِّيَّتهم أيضاً معصومون؛ إذ لا قتال منهم ولا بَغْي.
وإن أُخِذَ منهم شيءٌ من ذلك وَجَبَ رَدُّه إليهم؛ لأنَّ أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنَّما أُبيحَ قِتالُهم لرَدِّهم إلى الطَّاعة.
و - لا يَضْمَنُ أهلُ العَدْل ما أَتْلَفوه على أهل البَغْي حال الحَرْب من نَفْسٍ ومالٍ؛ لأنَّهم فعلوا ما أُمِروا به، وقَتَلوا من أَحَلَّ الله قَتْلَهم؛ فلم يلزمهم شيءٌ للباغين؛ لأنَّهم مُتَعدُّون بقِتالِهم.
وكذا لا يَضْمَن أهلُ البَغْي ما أَتْلَفوه على أَهلِ العَدْل حال الحَرْب من نَفْسٍ ومالٍ؛ لأنَّهم قَتَلوا وأَتْلَفوا بتأويلٍ، فلا يلزمهم الضَّمان؛ لأنَّ تضمينهم يُفْضي إلى تَنْفيرِهِم من الرُّجوع إلى الطَّاعة.
ز - أهلُ البَغْي في شهادتهم، وإمضاءِ حُكْم حاكِمِهم كأهلِ العَدْل؛ فيُقضَى
стр. 1229
بشهادة عُدولِهم، وتَنْفُذ أحكامُ قاضِيهِم -إلَّا ما خالف نصًّا من كتابٍ، أو سُنَّةٍ، أو خالف إجماعاً-؛ لأنَّ التَّأويل السَّائغ في الشَّرع لا يُوجِبُ تَفْسيقَ قائِلِه؛ أشبه المُخْطِئ من الفقهاء في فَرْعٍ من الأحكام الشرعية.
стр. 1230
باب حكم المُرتدِّ
أوَّلًا: تعريفُ المُرْتَدِّ:
المُرْتدُّ لغةً: الرَّاجع، يقال: ارْتَدَّ فهو مُرْتَدٌّ: إذا رَجَعَ.
واصطلاحاً: هو مَنْ خَرَجَ عن دِينِ الإسلامِ إلى الكُفْرِ طَوْعاً، ولو كان هازِلًا.
ثانياً: مَا يَحصُلُ بِهِ الكُفْرُ:
يحصلُ الكُفْرُ بأحَدِ أربعةِ أمورٍ:
الأوَّل: القول؛ كسَبِّ الله تعالى، أو رسولٍ من رُسُلِه، أو مَلَكٍ من ملائكته؛ لأنَّه لا يَسُبُّ واحداً منهم إلَّا وهو جاحِدٌ به.
- ومن الكُفْر بالقول: ادِّعاء النُّبوَّة، أو تصديق من ادَّعاها، لأنَّ ذلك تكذيبٌ لله تعالى في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وتكذيبٌ للنبيِّ ﷺ في قوله: (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) [رواه البخاري، ومسلم].
- ومن الكُفْر بالقول كذلك: ادِّعاء شَريكٍ لله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
الثاني: الفِعْل؛ كالسجود للصَّنَم، أو للشمس، أو للقمر، ونحو ذلك؛ لأنَّه إشراكٌ مع الله تعالى.
- ومن الكُفْر بالفعل: إلقاءُ المُصحَف في القاذورات، أو تَضْميخُه بالنَّجاسة؛