← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

خامساً: شُروطُ الإِمامَةِ العُظْمَى: يُشترَطُ فيمن يتولَّى الإمامَة العُظْمى ما يلي: أ - أن يكون قُرَشيًّا؛ لما روى أنس بن مالك ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) [رواه أحمد]. ولحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ) [رواه أحمد]. ب- أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأنَّ غير البالغ العاقل يحتاج إلى من يَلِي أَمْرَه؛ فلا يَلِي أَمْرَ غيره. ج- أن يكون سميعاً بصيراً ناطقاً؛ لأنَّ من لم يكن كذلك لا يَصْلُح لأمور السياسة. د - أن يكون حُرًّا؛ لأنَّ الإمام له الولاية العامَّة، فلا يكون غيرُه وليًّا عليه. ولأنَّ العبد منقوص بِرِقِّهِ، ومشغولٌ بحقوق سيِّده. هـ- أن يكون ذَكَراً؛ فلا يكون أُنثى؛ لحديث أبي بَكْرَة ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) [رواه البخاري]. و - أن يكون عَدْلاً؛ لأنَّ ذلك شرطٌ في ولاية القضاء، وهي دون الإمامَة العُظْمَى، فكان اشتراطه في الإمامَة العُظْمَى أَوْلَى. ز - أن يكون عالِماً بالأحكام الشرعيَّة؛ لأنَّه يحتاج إلى مراعاتها في أوامره ونواهيه.

стр. 1227

ح- أن يكون ذا بَصيرةٍ؛ أي: صاحب معرفةٍ وفِطْنةٍ. ط- أن يكون كُفُؤاً ابتداءً ودواماً؛ أي: قائماً بأمر الحرب والسياسة، وإقامة الحدود، والذَّبِّ عن الأُمَّة، ابتداءً في ذلك، ودواماً. - ولا ينعزل الإمام بفِسْقِه؛ لما يترتَّب على ذلك من المفسدة، ولما روى عبادة بن الصامت ﵁، عن النبيِّ ﷺ : (وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [رواه البخاري، ومسلم]. سادساً: كَيفيَّةُ تعامُلِ الإِمامِ مع البُغاةِ: أ - يلزم الإمام مراسلة أهل البَغْي، وإزالة ما عندهم من الشُّبَه، وما يدَّعونه من المظالم؛ لأنَّ ذلك طريقٌ إلى الصُّلْح المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، ووسيلةٌ إلى رجوعهم إلى الحقِّ؛ وهو المطلوب. ولما اعتزلت الحَرورِيَّةُ عليَّ بن أبي طالب ﵁، بعث إليهم عبد الله ابن عبَّاسٍ ﵄؛ فَرَجَع منهم أربعة آلاف. [رواه أحمد]. ب - فإن رجعوا عمَّا هم فيه من البَغْي وطَلَب القِتال تَرَكَهم، وإلَّا لَزِمَه قتالهم إن كان قادراً؛ لقول الله : ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. ج- يجب على الرعيَّة معاونة الإمام على قتال البُغاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 1228

د - إذا تَرَك البُغاةُ القتال؛ إمَّا بالرُّجوع إلى الطَّاعة، أو بإلقاء السِّلاح، أو بالعجز عن القتال، ونحو ذلك، حَرُم قَتْلُهم واتِّباعُ مُدْبِرِهم وقَتْل جَريحِهِم؛ لما روي أنَّ عليًّا ﵁ أَمَرَ مُنادِيهِ يوم الجَمَل أن ينادي: (لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ طَرَحَ السِّلَاحَ آمِنٌ) [رواه سعيد بن منصور]. ومعنى «وَلَا يُذَفَّف على جريح»: أي ولا يُجْهَز على جريح. هـ- وكذا لا يُغْنَم مالُهُم، ولا تُسْبى ذَراريهم؛ لأنَّ مالَهُم معصومٌ؛ لأنَّهم لم يَكْفُروا ببَغْيِهم، وعِصْمةُ الأموال تابعةٌ لدِينِهِم. وذُرِّيَّتهم أيضاً معصومون؛ إذ لا قتال منهم ولا بَغْي. وإن أُخِذَ منهم شيءٌ من ذلك وَجَبَ رَدُّه إليهم؛ لأنَّ أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنَّما أُبيحَ قِتالُهم لرَدِّهم إلى الطَّاعة. و - لا يَضْمَنُ أهلُ العَدْل ما أَتْلَفوه على أهل البَغْي حال الحَرْب من نَفْسٍ ومالٍ؛ لأنَّهم فعلوا ما أُمِروا به، وقَتَلوا من أَحَلَّ الله قَتْلَهم؛ فلم يلزمهم شيءٌ للباغين؛ لأنَّهم مُتَعدُّون بقِتالِهم. وكذا لا يَضْمَن أهلُ البَغْي ما أَتْلَفوه على أَهلِ العَدْل حال الحَرْب من نَفْسٍ ومالٍ؛ لأنَّهم قَتَلوا وأَتْلَفوا بتأويلٍ، فلا يلزمهم الضَّمان؛ لأنَّ تضمينهم يُفْضي إلى تَنْفيرِهِم من الرُّجوع إلى الطَّاعة. ز - أهلُ البَغْي في شهادتهم، وإمضاءِ حُكْم حاكِمِهم كأهلِ العَدْل؛ فيُقضَى

стр. 1229

بشهادة عُدولِهم، وتَنْفُذ أحكامُ قاضِيهِم -إلَّا ما خالف نصًّا من كتابٍ، أو سُنَّةٍ، أو خالف إجماعاً-؛ لأنَّ التَّأويل السَّائغ في الشَّرع لا يُوجِبُ تَفْسيقَ قائِلِه؛ أشبه المُخْطِئ من الفقهاء في فَرْعٍ من الأحكام الشرعية.

стр. 1230

باب حكم المُرتدِّ أوَّلًا: تعريفُ المُرْتَدِّ: المُرْتدُّ لغةً: الرَّاجع، يقال: ارْتَدَّ فهو مُرْتَدٌّ: إذا رَجَعَ. واصطلاحاً: هو مَنْ خَرَجَ عن دِينِ الإسلامِ إلى الكُفْرِ طَوْعاً، ولو كان هازِلًا. ثانياً: مَا يَحصُلُ بِهِ الكُفْرُ: يحصلُ الكُفْرُ بأحَدِ أربعةِ أمورٍ: الأوَّل: القول؛ كسَبِّ الله تعالى، أو رسولٍ من رُسُلِه، أو مَلَكٍ من ملائكته؛ لأنَّه لا يَسُبُّ واحداً منهم إلَّا وهو جاحِدٌ به. - ومن الكُفْر بالقول: ادِّعاء النُّبوَّة، أو تصديق من ادَّعاها، لأنَّ ذلك تكذيبٌ لله تعالى في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وتكذيبٌ للنبيِّ ﷺ في قوله: (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) [رواه البخاري، ومسلم]. - ومن الكُفْر بالقول كذلك: ادِّعاء شَريكٍ لله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. الثاني: الفِعْل؛ كالسجود للصَّنَم، أو للشمس، أو للقمر، ونحو ذلك؛ لأنَّه إشراكٌ مع الله تعالى. - ومن الكُفْر بالفعل: إلقاءُ المُصحَف في القاذورات، أو تَضْميخُه بالنَّجاسة؛

стр. 1231

لأنَّ ذلك إهانة له، وقد أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه. الثالث: الاعتقاد؛ كاعتقاد أنَّ لله تعالى شريكاً، أو أنَّ له صاحبةً، أو ولداً؛ لأنَّه تكذيب لله ، ووصفٌ له تعالى بما يقتضي النَّقص؛ قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. - وكاعتقاد أنَّ الزِّنا حلالٌ، أو أنَّ الخمر حلالٌ، أو أنَّ لحم الخنزير حلالٌ، ونحو ذلك من المحرَّمات الظَّاهرة المُجْمَع عليها. أو اعتقاد أنَّ الخُبْز حرامٌ، أو أنَّ الماء حرامٌ، أو أنَّ لحم بهيمة الأنعام المُذَكَّي حرامٌ، ونحو ذلك ممَّا أجمعت الأُمَّة على حِلِّه؛ لأنَّ ذلك معاندةٌ للإسلام، وامتناعٌ من قبول أحكامه، ومخالفة للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة. الرابع: الشَّكُّ في شيءٍ من ذلك؛ أي: في تحريم الزِّنا والخَمْر، أو في حِلِّ الخُبْز والماء، ونحو ذلك، ومِثْلُ الشَّاكِّ لا يجهل ذلك؛ لكونه نَشَأ بين المسلمين؛ لأنَّ أدلَّة هذه الأمور ظاهرةٌ من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ، ولا يصدر إنكارُها إلَّا من مُكَذِّبٍ لكتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ . ثالثاً: حُكمُ المُرْتَدِّ: أ - من ارتدَّ عن الإسلام -ذَكَراً كان أو أُنثى- وهو بالغٌ، عاقلٌ، مختارٌ؛ فإنَّه يُدْعَى إلى الإسلام؛ ويُسْتَتابُ ثلاثة أيَّامٍ وجوباً؛ لقول عمر رضي الله

стр. 1232

عنه -فيمن ارتدَّ، فقَتَلَه أبو موسى الأشعريُّ ﵁: (أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللّاهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي) [رواه مالك]. فلو لم تجب استتابتُه لما بَرِئَ عمرُ ﵁ من فِعْلِهم. ولأنَّ الرِدَّة إنَّما تكون عن شُبْهةٍ، وهي لا تزول في الحال، فوَجَب أن يُنْظَر مُدَّةً يتروَّى فيها. فإن تاب برجوعه إلى إسلامه فلا شيء عليه من قَتْلٍ أو تَعزيرٍ، ولا يَحْبَط عملُه الذي عَمِلَه حال إسلامه قبل رِدَّته؛ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ … ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. ب- وإن أَصَرَّ على رِدَّتِه قُتِلَ بالإجماع؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) [رواه البخاري]. ج- يكون قَتْل المُرتدِّ بالسيف؛ لأنَّه آلةُ القَتْل، فلا يُحرَّق بالنار؛ لحديث شدَّاد ابن أوسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (إنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) [رواه مسلم]. د - ولا يقتُلُه إلَّا الإمامُ أو نائبُه؛ لأنَّه قَتْلٌ لحقِّ الله تعالى، فكان إلى الإمام. فإن قَتَلَه غيرُهما بلا إذنٍ من واحدٍ منهما فقد أساء ويُعزَّر؛ لافْتِياتِه على وَلِيِّ الأَمْر.

стр. 1233

رابعاً: إِسْلَامُ الصَّغيرِ ورِدَّتُه: أ - يَصِحُّ إسلامُ الصغير المُميِّز -ذَكَراً أو أُنثى- إذا عَقِل الإسلام؛ أي: عَلِمَ أنَّ الله تعالى ربُّه لا شريك له، وأنَّ محمَّداً ﷺ عبدُهُ ورسولُه إلى النَّاس كافَّةً؛ لأنَّ عَلِيًّا ﵁ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ [رواه البيهقي]؛ فصَحَّ إسلامُه، وثبتَ إيمانُه، وعُدَّ بذلك من السابقين إليه. ولأنَّ الإسلام عبادةٌ مَحْضَةٌ، فصَحَّت من الصَّبيِّ؛ كالصَّلاة والصَّوم. ب- وتصحَّ الرِّدَّة أيضاً من الصغير المُميِّز؛ لأنَّ من صَحَّ إسلامُه صَحَّت رِدَّته كسائر الناس. لكن لا يُقْتَل حتَّى يُسْتَتاب بعد بلوغه ثلاثة أيَّامٍ؛ لأنَّه بالبلوغ صار من أهل العقوبة. أمَّا قبل ذلك فمرفوعٌ عنه القَلَم؛ لحديث عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].

стр. 1234

فصل توبة المرتدِّ - تحصلُ توبةُ المرتدِّ -وكذا كلُّ كافِرٍ- بإتيانِه بالشَّهادتين، وهي قول: (أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً رسولُ الله)؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّاهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّاهِ) [رواه البخاري، ومسلم]. وإذا ثبت بهما إسلامُ الكافِر الأصليِّ فكذلك يثبت بهما إسلام المُرتدِّ. - لكن إن كانت رِدَّته بإنكار فَرْضٍ، أو تحليل حَرامٍ، أو تحريم حَلالٍ مُجمَعٍ عليهما، أو إنكارِ نُبُوَّةِ نَبِيٍّ من الأنبياء، أو كتابٍ من كُتُبِ الله، ونحو ذلك، فإنَّه يُشتَرَطُ مع إتيانه بالشهادتين: إقرارُه بما أنكره؛ لأنَّ كُفْرَه إنَّما كان لإنكاره ذلك وجَحْده، فلا بُدَّ من إتيانه بما يَدلُّ على رجوعه عنه. - لا يُغني قول الكافر: (محمَّدٌ رسولُ الله)، عن كلمة التوحيد؛ وهي: (أشهدُ أن لا إله إلَّا الله)، بل لا بُدَّ من الإتيان معه بكلمة التوحيد حتَّى يُحكَمَ بإسلامه؛ لأنَّ من جَحَدَ شيئين لا يزول جَحْدُه إلَّا بالإقرار بهما معاً، ولأنَّ الشهادة بأنَّ محمَّداً رسول الله، لا تتضمن الشَّهادة بالتوحيد. - إذا قال الكافِرُ أو المُرتدُّ: (أنا مسلمٌ)، أو: (أَسْلَمْتُ)، أو (أنا مُؤمِنٌ)

стр. 1235

صار مسلماً بذلك، وإن لم يلفظ بالشهادتين؛ لحديث المِقْداد بن الأَسْوَد ﵁ (أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ للّاهِ، أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقْتُلْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّه إذا أخبر عن نَفْسِه بما تضمَّن الشَّهادتين كان مُخْبِراً بهما. - وكذا لو كتب الكافِرُ الشَّهادتين؛ صار مُسلِماً بذلك؛ لأنَّ الخطَّ كاللَّفْظ. - وإن قال: «أنا مسلم، ولا أنطق بالشهادتين» لم يُحكم بإسلامه حتَّى يأتي بالشهادتين؛ لحديث: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّاهِ). * مَنْ لا تُقْبَلُ تَوبَتُهُ في الدُّنْيا: لا يُقْبَلُ في أحكام الدُّنيا بحسب الظَّاهر توبةُ مَنْ يلي: أ - الزِّنديق: وهو المنافق الذي يُظْهِرُ الإسلام، ويُخْفِي الكُفْر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]، والزِّنديق لا يُعْلَم تَبَيُّن رجوعه وتوبته، لأنَّه لا يَظْهَر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنَّه كان يَنْفي الكُفْر عن نَفْسِه قبل ذلك، وقَلْبُه لا يُطَّلع عليه.

стр. 1236

ب- من تكرَّرت رِدَّته؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]. ولأنَّ تكرار الرِّدَّة منه يدلُّ على فساد عقيدته، وقِلَّة مبالاته بالإسلام. ج- مَنَ سبَّ الله تعالى صريحاً، أو سبَّ رسولًا من رُسُله، أو مَلَكاً من ملائكته، أو انتقص واحداً منهم؛ لأنَّه ذَنْبٌ عظيمٌ جدًّا، يدلُّ على فساد عقيدته، واستخفافه بالله تعالى أو رُسُلِه. د - مَنْ قَذَف نَبيًّا من الأنبياء ﵈، أو قَذَفَ أُمَّهُ؛ فإنَّه يَكْفُرُ بذلك ولا تُقْبَلُ توبتُه في الدُّنيا؛ لما في ذلك من التعرُّض للقَدْح في النُّبوَّة الموجِب للكُفْر. ويُقْتَلُ حتَّى ولو كان كافراً فأَسْلَم؛ لأنَّ القَتْل حَدُّ مَنْ قَذَفَ الأنبياء أو أُمَّهاتهم؛ فلا يسقطُ بالإسلام ولا بالتوبة؛ كما لا يسقطُ حَدُّ من قَذَفَ غير الأنبياء بالتَّوبةِ. - عدم قبول توبةِ مَنْ سَبَقَ إنَّما هو في الدنيا، أمَّا في الآخرة؛ فمَنْ صَدَقَ منهم في توبته قُبِلَتْ، ونفعه ذلك؛ لعموم حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) [رواه ابن ماجه].

стр. 1237

كتاب الجهاد أوَّلًا: تعريفُ الجِهادِ: الجِهادُ لغةً: مشتقٌّ من الجَهْدِ؛ وهو بَذْلُ الطَّاقَةِ والوُسْع. وجَاهَدَ جِهَاداً ومجاهدةً؛ أي: بالَغَ في قَتْلِ عَدُوِّه. واصطلاحاً: قِتالُ الكُفَّار خاصَّةً. ثانياً: حُكْمُ الجِهادِ: الجهادُ فرضُ كفايةٍ، إذا قامَ به من يكفي سَقَطَ عن الباقين، وكان سُنَّةً مؤكَّدةً في حقِّهم. فإن لم يقمْ به من يكفي، أَثِم الجميع بتركه. وقد دلَّ على فَرْضيَّته القرآن والسنَّة: أ - فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله جلَّ في عُلاه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. ب- ومن السنَّة: ما روى أبو هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّاهِ) [رواه البخاري، ومسلم]. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ: لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا)

стр. 1238

[رواه مسلم]. فقوله ﷺ : (لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا) يدلُّ على أنَّ الجهاد واجب كفائيٌّ؛ إذ لو كان واجباً متعيِّنا لأمر كليهما بالخروج. وقد يكون الجهادُ فَرْضَ عَيْنٍ في الأحوال التالية: أ - إذا التقى الزَّحْفان، وتقابل الصَّفَّان، وَجَبَ على من حَضَر القتال -إن لم يكن له عذرٌ-، وحَرُم عليه التولِّي والانصراف؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ب- إذا هجم العدوُّ على قومٍ بغتةً أو داهَمَ بَلَدَهُم؛ فيتعيَّن عليهم دفْعُه، إلَّا من كان له عذر. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. ج- إذا هَجَمَ العدوُّ على مَنْ بِقُرْبِهِم من المسلمين، ولم يكن لهم كفايةٌ أو قُدْرَةٌ على دَفْعِه، فيتعيَّن على من كان مُقارِباً لهم أن يقاتل معهم. د - إذا اسْتَنْفر الإمامُ قَوْماً، تعيَّن عليهم النَّفيرُ معه إلَّا من كان له عذرٌ؛ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وعن ابن عبَّاس رضي

стр. 1239

الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) [رواه البخاري، ومسلم]. ثالثاً: فَضائِلُ الجِهادِ: الجهادُ في سبيل الله من أعظم العبادات والقُرُبات إلى الله تعالى، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنَّة للدلالة على منزلته العظيمة، ومكانته الجليلة في الإسلام؛ ومن هذه الفضائل: أ - أنَّ الجهاد أفضلُ الأعمال بعد الإيمان بالله: فعن أبي هريرة ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّاهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) [رواه البخاري، ومسلم]. ب- أنَّ الجهاد ذَرْوَة سَنام الإسلام: فعن مُعاذ بن جَبَلٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللّاهِ. قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ) [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه]. ج- أنَّ الشهادةَ في سبيل الله تُكَفِّرُ جميع الذُّنوب إلَّا الدَّيْن: فعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ) [رواه مسلم].

стр. 1240

قال ابن تيمية: «ولا تسقطُ الزَّكاة، والحجُّ، والدُّيون، ومظالمُ العباد عمَّن مات شهيداً». رابعاً: الحِكْمَةُ من مَشْروعيَّةِ الجِهادِ: شُرِع الجهاد في الإسلام لغاياتٍ عظيمةٍ، ومقاصد جليلةٍ، ومن أبرزها: أ - إعلاءُ كلمة الله تعالى: فالجهاد شُرِع ليكون الدِّينُ كُلُّه لله تعالى، وتكون كلمتُه هي العُليا؛ وذلك بإخراج الناس من عبوديَّة الخَلْق إلى عبوديَّة ربِّ الخَلْق؛ قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ب- ردُّ اعتداء المُعْتَدين على المُسلمين: قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]. خامساً: شُروطُ وُجوبِ الجِهادِ: يُشترط فيمن يجبُ عليه الجهادُ سبعةُ شروطٍ: الأوَّل: الإسلام: فلا يجبُ على كافرٍ، ولا يصحُّ منه؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ

стр. 1241

رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ، وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ … ) الحديث [رواه مسلم]. الثاني: التَّكْليف: فلا يجبُ على الصغير، ولا على المجنون؛ لحديث عليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أحمد، وأبو داود]. وعن ابن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي) [رواه البخاري، ومسلم]. الثالث: الذُّكُورَة: فلا يجب على المرأة؛ لحديث عائشة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: (اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: جِهَادُكُنَّ الحَجُّ») [رواه البخاري]. ولا يجب القتال أيضاً على الخُنْثَى المُشْكِل؛ لأنَّه لا يُعلَم كونه ذَكَراً، فلا يجبُ مع الشكِّ في شَرْطِه. الرابع: الحُرِّيَّة: فلا يجبُ على عَبْدٍ؛ لما روى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَمَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَاتَّبَعَهُ عَبْدٌ لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فُلَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:

стр. 1242

مَا شَأْنُك؟ قَالَ: أُجَاهِدُ مَعَك. قَالَ: أَذِنَتْ لَك سَيِّدَتُك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ارْجِعْ إلَيْهَا، فَإِنَّ مَثَلَكَ مَثَلُ عَبْدٍ لَا يُصَلِّي، إِنْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهَا، وَاقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ. فَرَجَعَ إلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، فَقَالَتْ: آللّاهَ هُوَ أَمَرَ أَنْ تَقْرَأَ عَلَيَّ السَّلَامَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: ارْجِعْ فَجَاهِدْ مَعَهُ) [رواه الحاكم]. ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُبايعُ الحُرَّ على الإسلام والجهاد؛ فعن مُجاشِعٍ بن مسعود السُّلَميِّ ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ: مَضَتِ الهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا. فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: عَلَى الإِسْلَامِ وَالجِهَادِ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ العبد مشغولٌ بخدمة سيِّده. الخامس: السَّلامَةُ مِنَ العَجْز والمَرَضِ: بأن يكون سليماً في بدنه من العَمَى، والعَرَج، والمَرَض؛ لقول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]. فلا يجب على أَشَلٍّ، ولا أقْطَع اليَدِ أو الرِّجْل، ولا من ذَهَبَتْ أكثرُ أصابعه، أو ذَهَبَ إبهامُه، أو ما يذهبُ بذَهابِه نَفْعُ يَدِه أو رِجْلِه. أمَّا العَشَى -وهو ضعف البصر-، والعَوَر، والمَرَض اليَسير؛ كوَجَع ضِرْسٍ أو صُداعٍ خفيفين-؛ فلا يمنع من وجوب الجهاد. السادس: القُدْرةُ على مُؤْنةِ الجهاد: والمؤنةُ التي يجبُ معها الجهاد أن يكون واجداً من المال ما يكفيه ويكفي أهلَه في غيبته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ

стр. 1243

لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]. وأن يجدَ مع مسافة القَصْر راحلةً تحملُه؛ فإن لم يجد، فلا يجب عليه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. ويُعتبر أن يكون ذلك فاضلًا عن قضاء دَيْنِه، وأُجرة مسكنه، وحوائجه؛ كما في الحجِّ. سادساً: أحكامٌ ومَسائِلُ متفرِّقةٌ في الجِهاد: أ - يُسَنُّ تشييع الغازي في سبيل الله؛ لحديث سعد بن أبي وقَّاص ﵁: (أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى جَاءَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَعَلِيٌّ يَبْكِي يَقُولُ: تُخَلِّفُنِي مَعَ الخَوَالِفِ! فَقَالَ: أَوَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا النُّبُوَّةَ؟) [رواه أحمد]. وعن يحيى بن سعيد: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ، فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ، وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ. إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللّاهِ) [رواه مالك]. ب- لا يتطوَّع بالجهاد المَدِينُ الذي ليس عنده وفاءٌ لدَيْنِه الحالِّ أو المؤجَّل، إلَّا بإذن غريمه، أو دَفْع رَهْنٍ يمكن استيفاء الدَّيْن منه؛ لأنَّ الجهاد يقصد منه الشهادة، وهي ممَّا تفوت به النَّفْس، فيفوت الحقُّ.

стр. 1244

ج- ولا يتطوَّع بالجهاد مَنْ أَحَدُ أبويه حُرٌّ مسلمٌ إلَّا بإذنه؛ لما روى عبد الله ابن عَمْرو ﵄ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) [رواه البخاري]، ولأنَّ بِرَّ الوالدين فَرْضُ عَيْنٍ، والجهاد فَرْضُ كفايةٍ، وفَرْضُ العَيْن مُقدَّمٌ. فإن كان والداه غير مُسْلِمَيْن، أو رَقيقَيْن، أو غير عاقِلَيْن، فلا إِذْنَ لهما؛ لفعل الصحابة، ولعدم الولاية. * الفِرار مِنَ الزَّحْفِ: يجبُ على المسلمين إذا التقوا بالكُفَّار أن يَثْبُتوا، ويَحرُمُ عليهم الفِرارُ؛ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. وقد عدَّ النبيُّ ﷺ الفِرارَ من الزَّحْف من كبائر الذُّنوب؛ فعن أبي هريرة ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، وذكر منها: (وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) [رواه البخاري، ومسلم]. ويجب الثبات بشرطين: الأوَّل: أن لا يزيد عدد الكفَّار على ضِعْف عدد المسلمين؛ فلا يحلُّ للمسلمين الفِرارُ من مِثْلَيْهِم من الكفَّار، ولو ظنَّوا حصول التَّلف؛ لقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]. وكذا يحرم فرار مسلمٍ واحدٍ من اثنين كافرين؛ قال ابن عبَّاسٍ ﵄:

стр. 1245

(مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ -يَعْنِي مِنَ الزَّحْفِ-) [رواه ابن أبي شيبة]. الثاني: أن لا يقصِدَ بفِرارِه التَّحَيُّز إلى فِئِةٍ، ولا التَّحَرُّف لقِتالٍ؛ فإن قصد أحد هذين الأمرين أُبيح له الفِرار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]. والتحرُّف للقتال: هو أن ينحاز إلى موضعٍ يكون القتال فيه أمكن. والتحيُّز إلى فئة: هو أن يذهب إلى فئة من المسلمين ليكون معهم، فيَقْوَى بهم على عدوِّه، سواء بَعُدَت المسافة أو قَرُبَت. - فإن كان العدوُّ أكثر من ضِعْف المسلمين، وغلب على ظنِّهم الهلاك في الثبات، والسلامة في الفِرار، فالأَوْلَى لهم الانصراف؛ حِفْظاً للنفوس. - وإن غَلَبَ على ظنِّهم الظَّفَر سُنَّ لهم الثبات؛ لما فيه من المصلحة، والنكاية بالعدوِّ. - وإن غَلَبَ على ظنِّهم الهلاك في الثبات والفِرار، فالأَوْلَى لهم الثبات؛ لينالوا درجة الشُّهداء المُقْبِلين على القتال مُحْتَسِبين، فيكونوا أفضل من المُولِّين، ولجواز أن يَغْلبوا عدوَّهم؛ قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].

стр. 1246

* الرِّباطِ في سَبيلِ الله: - الرِّباط في سبيل الله: هو لزوم ثَغْرٍ لجِهادٍ؛ تقويةً للمسلمين. سُمِّي بذلك لأنَّ هؤلاء يَرْبِطون خُيولَهُم، وهؤلاء يَرْبِطون خيولَهُم. والثَّغْرُ: كلُّ مكانٍ يُخيفُ أهلُهُ العدوَّ، ويُخيفُهم. - ويُسنُّ الرِّباط في سبيل الله؛ لما روى سَلْمان ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) [رواه مسلم]. - وأفضل الرِّباط المُقامُ بأشدِّ الثغور خوفاً؛ لأنَّ أهله أحوج، والمقام به أنفع. - والرِّباط يَقِلُّ ويَكْثُرُ، فكلُّ مُدَّةٍ أقامها بِنِيَّة الرِّباط فهي رباطٌ؛ كما في قول النبيِّ ﷺ : (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ). * أَحكامُ الهِجْرَةِ: أ - الهِجْرةُ: هي الخروج من دار أَهْلِ الكُفْر إلى دار أَهْلِ الإسلام. ودار الكُفْر أو دار الحَرْب: هي ما يَغْلِبُ فيها حُكْم الكُفْر. ب- حُكمُ الهِجْرة: الهجرةُ واجبةٌ على كلِّ قادرٍ عليها مع عَجْزه عن إظهار دِينِه ببلد الكفر الذي هو فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا

стр. 1247

كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. فإن كان قادراً على إظهار دِينِه في بلد الكُفْر الذي هو فيه؛ فالهجرة في حقِّه مسنونةٌ؛ ليتخلَّص من تكثير الكفَّار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ويتمكَّن من إعانة المسلمين ويكثِّرهم.

стр. 1248

فصل أحكام الأسرى أوَّلًا: تعريفُ الأَسْرى: الأَسرى لغةً: جميع أسير؛ مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ بالإسار؛ أي: القَيْد. يقال: أسَرْتُ الشيءَ آسِرُه أَسْراً، إذا شَدَدْتُه. ويُطلقُ الأسير على كلِّ محبوسٍ في قيدٍ أو سِجْنٍ. وأمَّا اصطلاحاً فهم: الرِّجال المقاتلون من الكفَّار إذا ظفر بهم المسلمون أحياءً) (١). ثانياً: أَقْسامُ الأَسْرَى مِنَ الكُفَّار: ينقسم الأَسْرى من الكفَّار إلى قسمين: القسم الأوَّل: من يكون رَقيقاً بمجرَّد السَّبْي؛ وهم من فيهم نَفْعٌ من الأَسْرى؛ ولا يَحِلُّ قَتْلُه؛ كالأعمى، والمرأة، والصَّبيِّ، ونحوهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن قتل النِّساء والصِّبيان؛ فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) [رواه البخاري، ومسلم]. وعن عائشة ﵂ قالت: (لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي

стр. 1249

المُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، وَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا … ) الحديث [رواه أحمد]. القسم الثاني: من لا يكون رَقيقاً بمَجرَّد السَّبْي؛ وهم: الرِّجال، الأحرارُ، البالِغون، المقاتِلون. وهذا القسم يُخيَّر فيه الإمام بحسب المصلحة، ويجبُ عليه الاجتهاد في فِعْل الأصلح ممَّا يلي: أ - القَتْل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ب- الرِّقُّ؛ لأنَّه يجوز إقرارُهم على كُفْرهم بالجِزْيَة، فبالرِّقِّ من باب أَوْلَى. ج، د - المَنُّ عليهم، أو فِداءُ أنفُسِهم بمالٍ، أو بأسيرٍ مُسلِمٍ؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. وعن عِمْران بن حُصَينٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ المُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ) [رواه أحمد، والترمذي]. - أمَّا الرَّقيق الذي يؤخَذُ من الكُفَّار بقتالٍ؛ فيكون من الغنائم؛ لأنَّه مالٌ استُوْلِيَ عليه منهم. ثالثاً: أَحْكامُ غَيْر البالِغينَ مِنْ أَوْلادِ الكُفَّار: من سُبِيَ من الكُفَّار وهو غير بالغٍ حُكِمُ بإسلامِه، عند وجود أحد ثلاثة أسباب: أ - أن يُسلِمَ أحدُ أَبوَيْه خاصَّةً؛ فيُحكَمُ بإسلامه تبعاً لمن أَسْلَم منهما؛ لقول

стр. 1250

الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. ولأنَّ الإسلام يَعْلو، ولا يُعْلى عليه. ب- أن يُعدَم أحدُ أبويه بدار الإسلام؛ كما لو زنت ذِمِّيَّةٌ ولو بكافرٍ، فأَتَتْ بولدٍ بدار الإسلام، فإنَّه يُحكَمُ بإسلام الوَلَد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) [رواه مسلم]. فمفهومه أنَّه إذا انقطع عن أبويه أو أحدهما، وأُخرِجَ عن دارهما إلى دار الإسلام، فقد انقطعت تبعيَّته لهما، وصار تابعاً لسَابِيهِ. فإن سَبَاهُ ذِمِّيٌّ فهو على دِين ذلك الذِّمِّيِّ، كما يَتْبعُ المسلمَ لو سَباهُ. وإن سُبِيَ مع أَبوَيْه، فهو على دِينهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق. ج- أن يَسْبِيَهُ مُسلِمٌ مُنفَرِداً عن أَحَدِ أبوَيْه؛ فيُحكَمُ بإسلامه بالإجماع؛ لما سبق من مفهوم حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 1251

فصل أحكام السَّلَب والغَنيمَة أوَّلًا: تعريفُ السَّلَب والغَنيمَة: السَّلَب لغةً: مأخوذ من السَّلْب -بسكون اللَّام-، وهو الاختلاس. والسَّلَبُ: ما يُنْتَزَعُ مِنَ اللِّباسِ الَّذي على الإنسانِ قَهْراً. واصطلاحاً: ما على الكافِرِ القَتيلِ من ثيابٍ، وحُلِيٍّ، وسِلاحٍ، ودابَّته التي قاتَلَ عليها، وآلَتِها التي عليها. أمَّا الغَنِيمَةُ لغةً: فهي مشتقَّةٌ من الغُنْم، وهو الرِّبْحُ والفَضْلُ. واصطلاحاً: ما أُخِذَ من مالِ حَرْبيٍّ قَهْراً بقتالٍ وما أُلْحِقَ به. كفِدْيةِ أسيرٍ، وهَدِيَّة حَرْبيٍّ لأمير الجَيْش أو غيره بدار الحَرْب، ونحو ذلك. فالسَّلَب شيءٌ زائدٌ يأخذه المقاتل فوق سهمه من الغنيمة، ممَّا يكون مع القتيل من ثياب، وسلاح، وأموال، وأدواتٍ. ثانياً: مَشْروعِيَّةُ السَّلَبِ والغَنيمَةِ: دلَّ القرآن والسنَّة والإجماع على مشروعية السَّلَب والغنيمة. - فمن القرآن: قول الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. - ومن السُّنَّة: ما روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله

стр. 1252

ﷺ : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: … ) وذكر منها: (وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ) [رواه البخاري]. وعن أبي قَتادَة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. - وأمَّا الإجماع؛ فقال ابن عبد البَرِّ: «وأجمعوا أنَّ تحليل الغنائم لهذه الأُمَّة من فضائلها». وقال ابن قدامة: «القاتل يستحقُّ السَّلَبَ في الجملة، ولا نعلم فيه خلافاً». ثالثاً: أَحكامُ السَّلَب: أ - يستحقُّ القاتِل سَلَب من قتله من الكُفَّار الحربيِّين بشروط: الشرط الأوَّل: أن يقتلَ الكافرَ الحربيَّ أو يثخنه بجراحٍ تجعله في حكم المقتول. فلو قَطَع مسلمٌ الأطراف الأربعة لكافرٍ، ثمَّ قَتَلَه آخر؛ فسَلَبُه للقاطِع وحده دون القاتل؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بسَلَبِ أبي جَهْلٍ لمُعاذ بن عَمْرو بن الجَموح، وقد كان أَثْبَتَه يوم بَدْرٍ، ولم يقضِ لعبد الله بن مسعودٍ بشيءٍ، وقد كان وَجَدَ أبا جَهْلٍ وبه رَمَقٌ، فاحتزَّ رأسه، وأتى به النبيَّ ﷺ [رواهما البخاري]، ولأنَّ القاطع هو الذي كَفَى المسلمين شرَّه. الشرط الثاني: أن يَغِرَّ القاتل بنَفْسِه في قَتْل الكافِر الحربي حال الحَرْب؛ بأن يقتله حال المُبارَزة، أو يقتله والحَرْب قائمةٌ؛ لحديث أبي قَتادَة ﵁

стр. 1253

السابق. - فلو رمى مُسلِمٌ بسَهْم إلى صفِّ الكفَّار فقَتَل كافراً، فلا سَلَب له. - ولو حَمَلَ جماعةٌ من المسلمين على واحدٍ فقتلوه؛ فلا سَلَب لهم. الشرط الثالث: أن يكون المقتول فيه مَنَعةٌ، غير مُثخَنٍ بالجراح. فلو قَتَل مُسلِمٌ كافراً حربيًّا مشتَغِلًا بأَكْل ونحوه، أو كان نائماً، أو مُنْهزِماً، أو مُثْخَناً بالجِراح، فلا يستحقُّ سَلَبه، ويكون غنيمةً؛ أشبه من قَتَلَ شيخاً فانِياً، أو امرأةً، أو صَبِيًّا، ونحوهم ممَّن لا يُقتَلُ. الشرط الرابع: أن يكون المقتولُ من المُقاتِلينَ الذين يجوز قَتْلُهم؛ فإن كان من غير المقاتِلينَ ممَّن نُهِيَ عن قَتْلِهم، فلا يستحقُّ القاتل سَلَبُه؛ كمن قَتَلَ امرأةً، أو صَبيًّا، أو شيخاً فانِياً، أو مجنوناً، أو راهِباً في صَوْمَعَتِه. إلَّا أن يكون أحدُ هؤلاء اشترك في القتال، فيَستَحِقُّ قاتلُه سَلَبَه؛ لجواز قَتْلِه حينئذٍ. ب- لا يَدخُلُ السَّلَب في خُمْس الغَنيمة؛ لما روى عَوْفُ بن مالكٍ الأشجعيُّ، وخالدُ بن الوليد ﵄، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ) [رواه أبو داود]. ج- السَّلَب الذي يستحقُّه القاتل: هو ما على المقتول من ثيابٍ وحُلِيٍّ؛ كعِمامَته، وقَلَنسُوته، ومِنْطَقَته، وخُفٍّ، ونحوها. ومن السَّلَب: ما على المقتول من سلاحٍ وآلات حربٍ؛ كالدِّرْع، والمِغْفَر،

стр. 1254

والرُّمْح، والسِّكِّين، والسَّيف، والقَوْس، والنُّشاب، ونحوها. ومن السَّلَب: دابَّة المقتول التي قاتَلَ عليها، وما عليها من سَرْجٍ، ولِجَامٍ، ومِقْودٍ، ونحوها؛ لأنَّه تابعٌ لها، ويُستعان به في الحَرْب؛ فأشبه السِّلاح. د - لا يدخلُ في السَّلَب: نَفَقَةُ المقتول، ولا رَحْلُه، ولا خَيْمَتُه، ولا جَنِيبُه؛ وهي دابَّته التي تُقادُ معه، ولم يكن راكبها حال القتال؛ فهذه كلُّها من الغنائم. هـ- يَستحقُّ قاتلُ الكافِرِ سَلَبَه ولو كان القاتِلُ المسلمُ عَبْداً أَذِن له سيِّده، أو امرأةً، أو كافراً، أو صبيًّا؛ بإذن الإمام أو نائبه؛ لعموم حديث أنس بن مالك، وسَمُرَة بن جُنْدُب ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) [رواه البيهقي]. رابعاً: تَقْسيمُ الغَنائِم: أ - تُمْلَكُ الغَنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، وتجوز قسمتها فيها؛ لما ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ قسَّم غنائم بدرٍ [أخرجه البيهقي]، وغنائم بني المُصْطَلِق [أخرجه الشافعيُّ في الأمِّ] قبل أن يرجع إلى المدينة. ب- تُقسَّم الغنائم بين الغانِمينَ الذين شَهِدوا الوَقْعَة من أهل القتال بقصد القتال، سواء قاتَلَ أو لم يقاتِل؛ لقول عمر ﵁: (الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ) [رواه البخاري تعليقاً]، لأنَّه رِدْءٌ للمقاتلين، ومستعدٌّ للقتال، فأشبه المقاتل. ج- يكون توزيع الغنيمة على من حضر الوقعةَ على النحو التالي:

стр. 1255

١) يَبدأُ الإمام أو نائبه بدفع السَّلَب إلى مستحقِّه، ورَدِّ مال مسلمٍ ومعاهدٍ إن كان موجوداً وعُرِفَ، ثمَّ بأُجْرة جَمْع الغنيمة، وحَمْلها، وحِفْظِها؛ لأنَّه من مُؤْنَتِها، ودَفْع جُعْلٍ لمن وُعِدَ به ابتداءً إذا دلَّ على مصلحةٍ؛ كماءٍ، أو قَلْعةٍ، أو ثَغْرةٍ يُدْخَلُ منها إلى حِصْنٍ، ونحو ذلك. ٢) ثمَّ يُخمِّس باقي الغنيمة على خَمْسة أسهم. ٣) ثمَّ يخمِّس خُمُسه على خَمْسة أسهمٍ، على النحو التالي: الأوَّل: سَهْمٌ لله ولرسوله، ويُصرَف مَصْرِف الفَيْء؛ أي في مصالح المسلمين. الثاني: سَهْمٌ لذَوِي قَرابَةِ رسول الله ﷺ ؛ وهم بنو هاشم، وبنو المُطَّلِب حيث كانوا؛ لما روى جُبَيْر بن مُطْعِم ﵁ قال: (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ) [رواه البخاري]. ويستوي فيه الغنيُّ منهم والفقير؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وقد كان النبيُّ ﷺ يُعطِي أقاربه كلَّهم، وفيهم الغنيُّ؛ كالعباس بن عبد المطَّلب ﵁. ويُقسَّم بينهم للذَّكَر مثل حظِّ الأنثيين؛ لأنَّهم يستحقُّونه بالقرابة، فأشبه الميراث والوصيَّة. الثالث: سَهْمٌ لفُقراء اليتامَى؛ لقوله : ﴿وَالْيَتَامَى﴾. ويُسَوَّى فيه

стр. 1256

بين الذَّكَر والأُنثى. واليتيم: من مات أبوه، ولم يَبْلُغ؛ لحديث عليٍّ ﵁ قال: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ) [رواه أبو داود]. واشتُرِطَ فَقْرُهم؛ لأنَّ الصَّرْف إليهم لحاجتهم. الرابع: سَهْمٌ للمَساكين؛ لقوله ﵎: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾؛ وهم أهلُ الحاجة؛ فيدخل فيهم الفقراء. الخامس: سَهْمٌ لأبناء السبيل؛ لقوله سبحانه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ فيُعطَوْن كما يُعطَوْن من الزكاة. ويُعطَى من الخُمُس جميع الأصناف السابقة بشرط إسلامهم، ويَعمُّ مَنْ بجميع البلاد حسب الطَّاقة. ٤) ثمَّ تقسَّم الأخماس الأربعة الباقية بين الغانمين كما يلي: أ - يبدأ الإمام أو نائبه من الأربعة أخماس بالنَّفَل؛ وهو الزائد على السَّهْم لمصلحةٍ؛ لانفراد بعض الغانمين به؛ فيُقدَّم قبل القِسْمة كالسَّلَب. ب- يُعْطَى الرَّاجِلُ سَهْماً واحداً. ج- يُعْطَى الفارِسُ على فَرَسٍ عربيٍّ ثلاثة أسهمٍ؛ سهمٌ له، وسهمان لفَرَسِه. والأصل في هذا التقسيم: ما روى ابن عمر ﵄ قال: (قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا. قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ

стр. 1257

فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ) [أخرجه البخاري]. ج- ويُعْطَى الفارِسُ على فَرَسٍ هَجينٍ، أو مُقْرِفٍ، أو بِرْذَوْنٍ: سهمان؛ سهمٌ له، وسهمٌ لفرسه؛ لأنَّ نَفْع العِراب وأثره في الحرب أفضل؛ فيكون سَهْمُه أرجح، كتفاضل من يُرْضَخ له. والهجين: هو ما كان أبوه فقط عربيًّا. والمُقْرِف: ما كانت أمُّه فقط عربيَّةً. والبِرْذَوْن: ما كان أبواه نَبَطِيَّان. ولا يُسْهَمُ لغير الخَيْل؛ كالبِغال، والفِيَلَة. ٣) لا يُسْهَمُ من الغنيمة إلَّا لمن اجتمعت فيه أربعة شروط: الأوَّل: البلوغ. الثاني: العقل. الثالث: الحريَّة. الرابع: الذُّكُورة. فإن اختلَّ شرطٌ منها؛ رُضِخَ له، ولم يُسْهَم. والرَّضَخُ: هو العَطاء دون السَّهْم لمن لا سَهْمَ له من الغنيمة. فيَرْضَخُ الإمام أو نائبه لمُميِّزٍ، وقِنٍّ، وخُنْثى، وامرأةٍ على ما يراه؛ فيفضِّل المقاتل وذا البأس، ومن تَسْقِي الماء وتداوي الجرحى على من ليست كذلك.

стр. 1258

إلَّا إنَّه لا يبلغ به لراجلٍ منهم سَهْم الرَّاجل، ولا لفارسٍ منهم سَهْم الفارس؛ لئلَّا يساوي من يُسهَمُ له.

стр. 1259

فصل أحكام الفَيْء أوَّلًا: تعريفُ الفَيْءِ: الفَيْءُ لغةً: بفتح الفاء وياءٍ ساكنةٍ؛ من فاءَ الظِّلُّ: إذا رَجَعَ نحو المَشْرِقِ، وهو اسمٌ لما يؤخذ من الكفَّار؛ لأنَّه رجع منهم إلى المسلمين. واصطلاحاً: ما أُخِذَ من مالِ كافرٍ بحقٍّ، بلا قتالٍ، وما تركوه فَزَعاً من المسلمين، وما تُرِك عن ميِّت ولا وارث له. ثانياً: مَشْروعيَّة الفَيْءِ: الأصل في مشروعيَّة الفَيْءِ القرآن، والسُّنَّة: - فمن القرآن: قوله ﵎: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧]. - ومن السُّنة: حديث عمرَ ﵁ قال: (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللّاهِ) [رواه البخاري، ومسلم].

стр. 1260

ثالثاً: مَصْرِفُ الفَيْءِ: يُصْرَفُ الفَيءُ في مصالح المسلمين، كما يُصْرف خُمْسُ خُمْسِ الغنيمة؛ لقول عمر بن الخطاب ﵁: (اجْتَمِعُوا لِهَذَا المَالِ فَانْظُرُوا لِمَنْ تَرَوْنَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا لِهَذَا المَالِ فَتَنْظُرُوا لِمَنْ تَرَوْنَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَرَأْتُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٧ - ٨]. وَاللهِ مَا هُوَ لِهَؤُلَاءِ وَحْدَهُمْ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩]. وَاللهِ مَا هُوَ لِهَؤُلَاءِ وَحْدَهُمْ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٠]. وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلاَّ لَهُ حَقٌّ فِي هَذَا المَالِ، أُعْطِيَ مِنْهُ أَوْ مُنِعَ، حَتَّى رَاعٍ بِعَدَنَ) [رواه البيهقي]. - ويُبْدَأ فيه بالأهمِّ فالأهمِّ من سدِّ الثغور، وكفاية أهلها بالخيل والسلاح، وعمارتها؛ لأنَّ أهمَّ الأمور حفظ بلاد المسلمين، وأَمْنهم من عدوِّهم. ثمَّ بالأهمِّ فالأهمِّ من إصلاح الجسور وعمارتها، وإصلاح الطُّرُق، والمساجد، ورِزْق القُضاة والأئمَّة المؤذِّنين والفُقهاء، وغير ذلك ممَّن يحتاج

стр. 1261

إليه المسلمون. فإذا فَضَل شيءٌ من الفَيْءِ عن المصالح التي يعمُّ نَفْعُها، قُسِمَ الفاضلُ بين أحرار المسلمين؛ الغنيِّ منهم والفقير على السواء؛ لأنَّهم استحقُّوه بمعنًى مُشتركٍ، فيستوون فيه، كالميراث. رابعاً: مِنْ أَحكامِ بيتِ مَالِ المُسلِمينَ: بيتُ مالِ المسلمين: هو المكان الذي تُحفَظُ فيه الأموالُ العامَّة للدَّولَةِ الإسلاميَّة من المنقولات؛ كالفَيْءِ، وخُمْسِ الغنائم، والمالِ المجهولِ صاحبُه، وتَرِكَةِ من لا وارث له، ونحو ذلك، إلى أن تُصْرَف في وجوهها. وبيت مال المسلمين له أحكامٌ تتعلَّق به؛ منها ما يلي: أ - بيت مال المسلمين مِلْكٌ للمسلمين؛ لأنَّه لمصالحهم. ب- من أتلف بيت مال المسلمين، أو شيئاً منه، فإنَّه يضمنُه كما يضمنُ غيرَه من المُتْلَفات. ج- يَحْرُمُ أَخْذُ شيءٍ من بيت مال المسلمين بغير إِذْنِ الإمام؛ لأنَّ تعيين مصارفه وترتيبها يُرْجَعُ فيه إلى الإمام، فافتقرَ الأَخْذُ منه إلى إِذْنِه.

стр. 1262

باب عَقْد الذِّمَّة أوَّلًا: تعريفُ عَقْدِ الذِّمَّة: الذِّمَّة لغةً: هي العَهْدُ، والضَّمان، والأمانُ؛ وهي مشتقَّةٌ من الذَّمِّ نقيض المَدْح، وسُمِّي العَهْدُ ذِمَّة؛ لأنَّ نقضه يوجب الذمَّ. واصطلاحاً: هو إقرارُ الإمامِ أو نائبه بعضَ الكُفَّار على كُفْرِهم، بشَرْطِ بَذْل الجِزْيَة، والتزام أحكام المِلَّةِ. ثانياً: مَشْروعيَّة عَقْدِ الذِّمَّة: دلَّ على مشروعيَّة عقد الذِّمَّة: الكتاب، والسُّنَّةُ، والإجماع. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. - ومن السنَّة: ما جاء عن المُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أنَّه قال لعامل كسرى يوم نهاوند: (فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَة) [رواه البخاري]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز أَخْذ الجِزْيَة في الجملة».

стр. 1263

ثالثاً: شُروطُ عَقْدِ الذِّمَّة: تنقسم شروط عقد الذمَّة إلى قسمين: الأوَّل: شروط وُجوب: يجبُ على الإمام أو نائبه عقد الذِّمَّة لبعض الكفار إذا أُمِنَ مكرُهم وغَدْرُهم، والتزموا للمسلمين بأربعة أحكام: أ - أن يبذلوا الجِزْية كلَّ عامٍ عن يدٍ وهم صاغرون؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. والجزية: مالٌ يؤخَذ من الكُفَّار على وجه الصَّغار كلَّ عامٍ، مقابل حَقْن دمائهم، وإقامتهم بدار الإسلام بأمانٍ. ب- أن يلتزموا أحكام الإسلام؛ بأن يقبلوا ما يُحكَمُ به عليهم من أداء حقٍّ، أو تَرْك مُحَرَّم. ج- أن لا يفعلوا ما فيه ضررٌ على المسلمين؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [أخرجه أحمد، وابن ماجه]. د - أن يلتزموا بأن لا يذكروا دين الإسلام إلَّا بخير. الثاني: شروط صِحَّة: لا يصحُّ عقد الذِّمَّة للكفَّار إلَّا بشرطين: أ - أن يكونوا من أهل كتاب؛ وهم اليهود والنصارى -على اختلاف طوائفهم-، أو من له شُبْهة كتاب؛ كالمجوس؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ

стр. 1264

لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولما روى بَجَالَةُ قال: (كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَمِّ الأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الجِزْيَة مِنَ المَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) [رواه البخاري]. ب- أن يكون العَقْدُ من الإمام أو نائبه؛ لتعلُّق نظر الإمام به ودرايته بجهة المصلحة، ولأنَّه عقدٌ مؤبَّدٌ، فعقده من غير الإمام افتئاتٌ عليه. * أَحْكامُ الجِزْيَة: - يُرجَع في تقدير الجِزْيَة إلى اجتهاد الإمام، وليس في تقديرها شيءٌ مقدَّرٌ واجبٌ. - تُؤخَذ الجزية عند انقضاء كلِّ سَنَةٍ هلاليَّةٍ، كالزكاة؛ لتكرُّرها بتكرُّر السِّنين. - لا تؤخذ الجزية من امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا قِنٍّ، ولا مريضٍ مَرَضاً مُزْمِناً، ولا أعمى، ولا شَيْخٍ فانٍ، ولا راهِبٍ بصَوْمَعَةٍ إلَّا ما زاد على بُلْغَتِه؛ لأنَّهم لا يُقْتَلون، والجِزْيَة وجَبَت بَدَلًا عن القَتْل.

стр. 1265

وعن أَسْلَم مولى عمر ﵁ قال: (كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الجِزْيَة: لَا تَضَعُوا الجِزْيَة إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسَى، وَلَا تَضَعُوا الجِزْيَة عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ) [رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق]. فإن كان الرُّهبان ممَّن يخالطون الناس، ويتَّخذون المتاجر والمزارع، أُخِذَت منهم الجزيةُ اتِّفاقاً. - ولا تؤخذ الجِزْيَة من خُنْثى مُشْكِلٍ؛ لأنَّ الأصل براءته منها؛ فإن بان رَجُلًا؛ أُخِذَت منه للمستقبل من اتِّضاح ذكوريَّته دون الماضي. - ولا تؤخذ الجِزْيَة من فقيرٍ غير مُتكَسِّبٍ يَعْجَز عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. - من أَسْلَم من أهل الجِزْيَة بعد الحَوْل، سَقَطَتْ عنه الجِزْيَة؛ لعموم قول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وعن مَسْروقٍ: (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الشُّعُوبِ -العَجَمِ- أَسْلَمَ، فَكَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الجِزْيَة، فَأَتَى عُمَرَ ﵁ فَأَخْبَرَهُ، فَكَتَبَ: أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُ الجِزْيَة) [رواه البيهقي].
следующие страницы →