← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

إليه المسلمون. فإذا فَضَل شيءٌ من الفَيْءِ عن المصالح التي يعمُّ نَفْعُها، قُسِمَ الفاضلُ بين أحرار المسلمين؛ الغنيِّ منهم والفقير على السواء؛ لأنَّهم استحقُّوه بمعنًى مُشتركٍ، فيستوون فيه، كالميراث. رابعاً: مِنْ أَحكامِ بيتِ مَالِ المُسلِمينَ: بيتُ مالِ المسلمين: هو المكان الذي تُحفَظُ فيه الأموالُ العامَّة للدَّولَةِ الإسلاميَّة من المنقولات؛ كالفَيْءِ، وخُمْسِ الغنائم، والمالِ المجهولِ صاحبُه، وتَرِكَةِ من لا وارث له، ونحو ذلك، إلى أن تُصْرَف في وجوهها. وبيت مال المسلمين له أحكامٌ تتعلَّق به؛ منها ما يلي: أ - بيت مال المسلمين مِلْكٌ للمسلمين؛ لأنَّه لمصالحهم. ب- من أتلف بيت مال المسلمين، أو شيئاً منه، فإنَّه يضمنُه كما يضمنُ غيرَه من المُتْلَفات. ج- يَحْرُمُ أَخْذُ شيءٍ من بيت مال المسلمين بغير إِذْنِ الإمام؛ لأنَّ تعيين مصارفه وترتيبها يُرْجَعُ فيه إلى الإمام، فافتقرَ الأَخْذُ منه إلى إِذْنِه.

стр. 1262

باب عَقْد الذِّمَّة أوَّلًا: تعريفُ عَقْدِ الذِّمَّة: الذِّمَّة لغةً: هي العَهْدُ، والضَّمان، والأمانُ؛ وهي مشتقَّةٌ من الذَّمِّ نقيض المَدْح، وسُمِّي العَهْدُ ذِمَّة؛ لأنَّ نقضه يوجب الذمَّ. واصطلاحاً: هو إقرارُ الإمامِ أو نائبه بعضَ الكُفَّار على كُفْرِهم، بشَرْطِ بَذْل الجِزْيَة، والتزام أحكام المِلَّةِ. ثانياً: مَشْروعيَّة عَقْدِ الذِّمَّة: دلَّ على مشروعيَّة عقد الذِّمَّة: الكتاب، والسُّنَّةُ، والإجماع. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. - ومن السنَّة: ما جاء عن المُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أنَّه قال لعامل كسرى يوم نهاوند: (فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَة) [رواه البخاري]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز أَخْذ الجِزْيَة في الجملة».

стр. 1263

ثالثاً: شُروطُ عَقْدِ الذِّمَّة: تنقسم شروط عقد الذمَّة إلى قسمين: الأوَّل: شروط وُجوب: يجبُ على الإمام أو نائبه عقد الذِّمَّة لبعض الكفار إذا أُمِنَ مكرُهم وغَدْرُهم، والتزموا للمسلمين بأربعة أحكام: أ - أن يبذلوا الجِزْية كلَّ عامٍ عن يدٍ وهم صاغرون؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. والجزية: مالٌ يؤخَذ من الكُفَّار على وجه الصَّغار كلَّ عامٍ، مقابل حَقْن دمائهم، وإقامتهم بدار الإسلام بأمانٍ. ب- أن يلتزموا أحكام الإسلام؛ بأن يقبلوا ما يُحكَمُ به عليهم من أداء حقٍّ، أو تَرْك مُحَرَّم. ج- أن لا يفعلوا ما فيه ضررٌ على المسلمين؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [أخرجه أحمد، وابن ماجه]. د - أن يلتزموا بأن لا يذكروا دين الإسلام إلَّا بخير. الثاني: شروط صِحَّة: لا يصحُّ عقد الذِّمَّة للكفَّار إلَّا بشرطين: أ - أن يكونوا من أهل كتاب؛ وهم اليهود والنصارى -على اختلاف طوائفهم-، أو من له شُبْهة كتاب؛ كالمجوس؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ

стр. 1264

لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولما روى بَجَالَةُ قال: (كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَمِّ الأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الجِزْيَة مِنَ المَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) [رواه البخاري]. ب- أن يكون العَقْدُ من الإمام أو نائبه؛ لتعلُّق نظر الإمام به ودرايته بجهة المصلحة، ولأنَّه عقدٌ مؤبَّدٌ، فعقده من غير الإمام افتئاتٌ عليه. * أَحْكامُ الجِزْيَة: - يُرجَع في تقدير الجِزْيَة إلى اجتهاد الإمام، وليس في تقديرها شيءٌ مقدَّرٌ واجبٌ. - تُؤخَذ الجزية عند انقضاء كلِّ سَنَةٍ هلاليَّةٍ، كالزكاة؛ لتكرُّرها بتكرُّر السِّنين. - لا تؤخذ الجزية من امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا قِنٍّ، ولا مريضٍ مَرَضاً مُزْمِناً، ولا أعمى، ولا شَيْخٍ فانٍ، ولا راهِبٍ بصَوْمَعَةٍ إلَّا ما زاد على بُلْغَتِه؛ لأنَّهم لا يُقْتَلون، والجِزْيَة وجَبَت بَدَلًا عن القَتْل.

стр. 1265

وعن أَسْلَم مولى عمر ﵁ قال: (كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الجِزْيَة: لَا تَضَعُوا الجِزْيَة إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسَى، وَلَا تَضَعُوا الجِزْيَة عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ) [رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق]. فإن كان الرُّهبان ممَّن يخالطون الناس، ويتَّخذون المتاجر والمزارع، أُخِذَت منهم الجزيةُ اتِّفاقاً. - ولا تؤخذ الجِزْيَة من خُنْثى مُشْكِلٍ؛ لأنَّ الأصل براءته منها؛ فإن بان رَجُلًا؛ أُخِذَت منه للمستقبل من اتِّضاح ذكوريَّته دون الماضي. - ولا تؤخذ الجِزْيَة من فقيرٍ غير مُتكَسِّبٍ يَعْجَز عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. - من أَسْلَم من أهل الجِزْيَة بعد الحَوْل، سَقَطَتْ عنه الجِزْيَة؛ لعموم قول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وعن مَسْروقٍ: (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الشُّعُوبِ -العَجَمِ- أَسْلَمَ، فَكَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الجِزْيَة، فَأَتَى عُمَرَ ﵁ فَأَخْبَرَهُ، فَكَتَبَ: أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُ الجِزْيَة) [رواه البيهقي].

стр. 1266

فصل أحكام أهل الذِّمَّة يترتَّب على عَقْد الذِّمَّة جملةٌ من الأحكام؛ وهي: أوَّلًا: الأمور التي يُمنَعُ أَهْل الذِّمَّة من فِعْلِها: أ - يُمْنَعُ أهل الذِّمَّة من إحداث الكنائس والبِيَع، وأماكن يجتمعون فيها لصلاتهم في شيءٍ من أرض المسلمين؛ لأنَّها ملكٌ للمسلمين، فلا يجوز لهم أن يبنوا فيها مجامع للكفر. إلَّا إن شرطوا شيئاً من ذلك فيما فُتِحَ صُلْحاً على أنَّه لهم؛ فنُقِرُّه معهم بالخراج؛ لأنَّهم استحقُّوه بالشرط، فوجب الوفاء به. ويمنعون كذلك من بناء ما انهدم من دور عبادتهم؛ لأنَّه بناء كنيسة في دار الإسلام، فمنعوا منه كابتداء بنائها. - فإن أحدثوا شيئاً من ذلك وجب هَدْمُه؛ إزالةً لعُدْوانهم. - ولا يجبُ هَدْمُ ما كان موجوداً منها وقت فَتْح الأرض التي هي بها. - ولا يُمنعون من تَرْميم ما تَشَعَّثَ وتفرَّق منها؛ لأنَّهم مَلَكوا استدامتها، فمَلَكوا رَمَّ شَعَثِها. ب- يُمنعون كذلك من إظهار المُنكَر؛ كنكاح المَحارِم، وشُرْب الخَمْر، وأَكْل الخِنْزير، وإظهار أعيادِهم، والصَّلَيب، وضَرْب النَّاقوس؛ لما فيه من إيذاءٍ للمسلمين.

стр. 1267

ج- يُمْنَعونَ من دُخول حَرَم مَكَّة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. د - يُمْنَعونَ من الإقامة بالحِجازِ؛ كالمدينة، واليَمامة، وخَيْبر، وفَدَك، ويَنْبُع؛ لما روى أبو عُبَيْدَة بن الجرَّاح ﵁ قال: (إنَّ آخِرَ كَلَامُ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ قَالَ: أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَأَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) [رواه ابن أبي شيبة]. وعن عمر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا) [رواه مسلم]. قال الإمام أحمد: «جَزيرةُ العَرَبِ: المَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا». ويدلُّ له أنَّه ليس أحدٌ من الخُلَفاء أخرج أحداً من اليَمَنِ وتَيْماءَ. - ويجبُ على الإمام تطبيقُ أحكام الإسلام عليهم في ضَمان نَفْسٍ، ومالٍ، وعِرْضٍ، وفي إِقامَةِ حَدٍّ فيما يعتقدون تحريمه؛ كالزِّنا، والقَتْل، والسَّرِقَة، ونحو ذلك. ولا يُحدُّون فيما يعتقدون حِلَّه؛ كشُرْبِ خَمْرٍ، وأَكْلِ خِنْزيرٍ، ونِكاحِ ذاتِ مَحْرَمٍ؛ لأنَّهم يُقَرُّون على كُفْرِهِم، وهو أعظمُ جُرْماً وإثْماً من ذلك، إلَّا أنَّهم يُمْنَعون مِنْ إظهاره؛ لتأذِّي المسلمين به. ثانياً: الأحكامُ التي تَجِبُ لأَهْل الذِّمَّة: أ - يحرُمُ قَتْلُهُم، وأَخْذُ أموالهم، ويَجِبُ على الإمام حِفْظُهم، ومَنْعُ من

стр. 1268

يُؤذِيهم؛ لأنَّهم بَذَلُوا الجِزْيَة على ذلك. ب- يَجِبُ على الإمام فَكُّ أَسْراهُمْ بعد فَكِّ أَسْرَى المسلمين؛ لأنَّه جَرَتْ عليهم أحكامُ الإسلام، وتأبَّد عَقْدُهُم، فَلَزِمَه ذلك كما يَلْزَمُه للمسلمين. ج- ليس للحاكم -إذا لم يرتفعوا إليه- أن يَتَتبَّع شيئاً من أمورهم، ولا أن يدعوهم إلى حُكْم شريعتنا؛ لظاهر قوله سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ولإقْرارِنا لهم بالجِزْيَة، ولأنَّهم لا يَلْزَمُهُم قَضاءُ شيءٍ من شرائع الإسلام. ثالثاً: ما يحرُمُ على المسلمين فِعْلُه مع أهل الذِّمَّة: أ - يَحرُمُ على المسلمين القيام لأهل الذِّمَّة، وتصديرُهم في المجالس؛ لأنَّه تعظيمٌ لهم. ب- ويَحرُمُ بَداءتُهم بالسَّلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ) [رواه مسلم]. وإن سَلَّم ذِمِّيٌّ على مُسلِمٍ، لزمه ردُّ السلام بقوله: «وعليكم»؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) [رواه البخاري، ومسلم]. ج - ويحرُمُ شهود أعيادهم؛ لأنَّه تعظيمٌ لهم. رابعاً: ما يُكره على المسلمين فِعْلُه مع أهل الذِّمَّة: د - يُكرَهُ تَشْميت الذمِّي إذا عطس بقول: «يرحمك الله»، فإن قال له: «يَهْدِيك

стр. 1269

الله» جاز. وكذا إن شَمَّتَ كافرٌ مُسْلِماً؛ أجابه بقوله: «يهديك الله ويصلح بالك»؛ لحديث أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: (كَانَتْ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي]، ولأنَّ طلب الهداية لهم جائز. د - ويُكره للمسلمين التشبُّه بهم؛ لقوله ﷺ : (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) [رواه أحمد، وأبو داود].

стр. 1270

فصل ما ينتقض به عهد الذِّمِّي ينتقض عَهْدُ الذمِّيِّ في الأحوال التالية: أ - إذا امتنع عن بَذْل الجِزْيَة بشروطها. ب- إذا امتنع عن التزام أحكام الإسلام، سواء شُرِطَ عليه ذلك أو لا، ولو لم يحكم عليه بها حاكمنا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾؛ فقد قيل: الصغار: التزام أحكام الإسلام. ج- إذا زَنَى بمُسْلمةٍ، أو وطئ مسلِمةً بنكاح؛ لما روى سويد بن غفلة ﵁: (أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنْ نُبَيْطِ أَهْلِ الشَّامِ نَخَسَ بِامْرَأَةٍ عَلَى دَابَّةٍ، فَلَمْ تَقَعْ، فَدَفَعَهَا بِيَدِهِ فَصَرَعَهَا، فَانْكَشَفَتْ عَنْهَا ثِيَابُهَا، فَجَلَسَ لِيُجَامِعَهَا، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ: لَيْسَ عَلَى هَذَا عَاهَدْنَاكُمْ) [رواه ابن أبي شيبة]. د - إذا قَطَعَ الطريق؛ لأنَّ مقتضى عقد الذِّمَّة أن يُؤمَنَ جانِبُه، فلم يُوفِ به. هـ- إذا تَجَسَّسَ على المسلمين، أو آوى جاسوساً؛ لما فيه من الضَّرَر على المسلمين. و - إذا ذَكَرَ الله تعالى، أو ذَكَر كِتابَه، أو دِينَ الإسلام، أو رَسولَه ﷺ بسُوءٍ ونحوه؛ لأنَّ فيه ضرراً على المسلمين.

стр. 1271

ح - إذا تعدَّى على مُسْلِمٍ بقَتْلٍ، أو فِتْنةٍ في دِينِه؛ لأنَّه ضررٌ يعُمُّ المسلمين، أَشْبَه ما لو قاتلهم. * فمن أتى من أهل الذمَّة بشيءٍ من هذه الأعمال، ترتَّب عليه الأحكام التالية: أ - انْتَقَضَ عَهْدُه. ولا يَنْتقِضُ عَهْدُ نسائِهِ ولا أولادِهِ؛ لأنَّ النَّقْضَ وُجِدَ منه دُونَهُم، فاختصَّ حُكمُه به. ب- يُخيَّرُ الإمامُ فيه -ولو قال: تُبْتُ- بين القَتْل، والرِّقِّ، والمَنِّ، والفِداءِ؛ كالأسير الحربيِّ؛ لأنَّه كافر لا أمان له، قُدِرَ عليه في دار الإسلام بغير عقد ولا عهدٍ، ولا شبهة ذلك. ج- يَصِيرُ مالُهُ فَيْئاً للمُسلمين؛ لأنَّ المال لا حُرْمَة له في نَفْسِه، وإنَّما هو تابعٌ لمالِكِه حقيقةً، وقد انتقضَ عَهْدُ المالكِ في نَفْسِه، فكذلك مالُهُ. - وإذا أَسْلَمَ من انْتَقَضَ عَهْدُه من أَهْل الذِّمَّة، حَرُمَ قتْلُه، ولو كان سَبَّ النبيَّ ﷺ ؛ لحديث عمرو بن العاص ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ) [رواه أحمد]. أمَّا من قَذَفَ النَّبيَّ ﷺ فيُقتلُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ القَتْلَ حَدُّ من قَذَف الأنبياء أو أُمَّهاتِهم، فلا يَسْقُطُ بالإسلام.

стр. 1272

كتاب الأطعمة أوَّلًا: تعريفُ الأَطْعِمَة: الأَطْعِمَةُ لغةً: جَمْعُ طَعامٍ؛ وهو اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُؤكَلُ، وقد يُطْلَقُ على المشْروب؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. واصطلاحاً: لا يخرج المعنى الاصطلاحي للأطعمة عن معناه اللغوي؛ فقالوا: هو ما يُؤكلُ ويُشْرب. والمقصود هنا: بيان ما يَحْرُمُ أَكْلُهُ وشُرْبُه، وما يُباحُ. ثانياً: حُكمُ الأَطْعِمَة: الأصلُ في الأطعمة الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. وغيرها من النصوص الدَّالَّة على هذا الأصل. والطعامُ الحَلال هو ما اجتمع فيه وَصْفان: الأوَّل: أن يكون طاهراً؛ فلا يُباح الطعام النَّجسُ، ولا المُتنجِّس؛ لأنَّه من الخبائث؛ قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. الثاني: أن يكون غير ضارٍّ للعقول والأبدان؛ فلا يُباح أَكْلُ السُّموم؛ لأنَّ

стр. 1273

أَكلها يفضي إلى التهلكة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك؛ فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ولا يباح أكلُ المُسْكِرات، والمُفَتِّرات؛ لأنَّها تَضرُّ العقول والأبدان. - ويُباح أَكْلُ ما لا يُؤكَلُ عادةً، إذا صار بصفةٍ يسوغ أكْلُها؛ كأَكْل المِسْك، وقِشْر البَيْض، أو قَرْن الحيوان إذا دُقَّ. - ويُباح أَكْلُ طعامٍ وشرابٍ مُسَوِّسٍ بسُوسِه، ومُدَوِّدٍ بدُودِه؛ كفاكهة مدوِّدةٍ أو مسوِّسة، وكباقلَّاء بذُبابِه، أو خيارٍ وقِثَّاء وحبوبٍ وخَلٍّ بما فيه من دُودٍ، فيُؤكَلُ ما فيها تبعاً لها لا استقلالًا. ثالثاً: الأَطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ: يَحرُمُ من الطعام ما يلي: أ - النَّجِس؛ كالمَيْتَة، والدَّم، ولحم الخنزير، وكذا البَوْل والرَّوث. - أمَّا الميتة والدَّم؛ فلقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. ومثله المتنجِّس؛ وهو الطاهر الذي خالط النَّجاسة. والمراد بالميْتَة: كلُّ ما فارق الحياة بدون ذكاةٍ شرعيَّةٍ؛ ومنها: المَوْقوذَة، والمُتَردِّية، والنَّطيحَة، وما أَكَل السَّبُع منه. والمراد بالدَّم: المَسْفوح منه. وأمَّا ما يبقى في عُروق اللَّحم بعد التذكية فطاهرٌ مباحٌ.

стр. 1274

- وأمَّا لحم الخنزير؛ فلقوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. - وأمَّا البَوْل والرَّوْث؛ فللإجماع على نجاستهما. والطاهر منهما محرَّمٌ لاستقذاره. ب - الحُمُر الأهليَّة -وهي: التي تألف البيوت ويركبها الناس-؛ لما روى جابرُ بن عبد الله ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ … ) [رواه البخاري، ومسلم]. ج- الحيوانات التي تَفْتَرس بنابِها؛ كالأَسَد، والنَّمِر، والفَهْد، والذِّئْب، والثَّعْلب، والدُّبِّ، والنِّمْس، وابن آوى، والكَلْب، والقِرْد، والسِّنَّوْر، وابن عِرْسٍ، ونحوها ممَّا له نابٌ يفترس به. وذلك لما روى أبو ثَعْلَبة الخُشَنيِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) [رواه البخاري، ومسلم]. د - الطُّيور التي تصيد بمِخْلَبها؛ كالعُقاب، والباز، والصَّقْر، والباشِق، والشَّاهين، والحِدَأَة، والبُومَة، ونحوها ممَّا له مِخْلَبٌ يصيد به. وذلك لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) [رواه مسلم]. هـ- الطُّيور التي تأكل الجِيَف؛ كالنَّسْر، والرُّخَم، والقاق، واللَّقْلَق، وغُراب

стр. 1275

البَيْن والأبْقَع؛ فيحرُم أَكْلُها لخَبَث ما تتغذَّى به. و - الحيوانات والدوابُّ المُستخْبَثَة؛ كالوطواط (وهو الخُفَّاش)، والفأر، والزُّنْبور، والذُباب، والقَمْل، والبراغيث، والخُطَّاف، والقُنْفُذ، والنِّيص، والدِّيدان، والجُعْل، وبنت وَرْدان، والخُنْفُس، والحِرْباء، والحَرْذون. والمعتبر في المُسْتَخْبَث من الحيوان: ما تستخبثُه العَرَب ذوو اليسار من أهل الأمصار، وهم أهل الحجاز؛ لأنَّهم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنَّة، فرُجِعَ في مطلق ألفاظهما إلى عُرْفهم دون غيرهم. ز - ما أَمَرَ الشَّرْع بقَتْلِه؛ كالفأر، والحيَّة، والعَقْرب، والغُراب الأَبْقَع، والحِدَأة، والكَلْب العَقور؛ فعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ح- ما نَهَى الشَّرْعُ عن قَتْلِه؛ كالهُدهُد، والنَّحْل، والنَّمْل؛ فعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ) [رواه أبو داود]. ط- ما تَوَلَّد من مَأْكولٍ وغَيْر مَأْكولٍ؛ كالبَغْل -وَلَد الخَيْل والحِمَار الأهليِّ-، والسِّمْع -وَلَد الضَّبُع من الذِّئب-، والعِسْبارِ -وَلَد الذئْبة من الذِّيخ؛ ذَكَر الضَّبُع-؛ وذلك تغليباً لجانب التَّحريم.

стр. 1276

فصل ما يباح أكلُه من الحيوانات ما سوى ما ذُكِرَ من المُحَرَّمات من الحيوان والطَّير والدوابِّ حلالٌ يُباحُ أَكْلُه؛ وذلك بناءً على أصل الإباحة؛ وهو داخل في عموم النصوص الدالَّة على الإباحة، وبيان ذلك على النحو التالي: أوَّلًا: أَقسامُ الحَيوان الذي يُباحُ أَكْلُه: ينقسم الحيوان مباحُ الأكل إلى قسمين: الأوَّل: حيوان البَرِّ: فيُباح من حيوان البرِّ ما يلي: أ - بَهيمَةُ الأنعام؛ وهي الإبل، والبقر، والغنم؛ لقوله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. ب- الخَيْل بأنواعها؛ العُرَاب، والبَراذين؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَرَخَّصَ فِي الخَيْلِ) [رواه البخاري، ومسلم]. وعن أسماء ﵂ قالت: (نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ج- الضَّبُع؛ لحديث عبد الله بن أبي عمَّار قال: (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّاهِ، عَنِ الضَّبُعِ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا. قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) [رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].

стр. 1277

د - الزَّرافَة؛ لأنَّها من الطيِّبات؛ فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. هـ- الأَرْنَب؛ لما روى أَنَسٌ ﵁ قال: (أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ، فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا -قَالَ: فَخِذَيْهَا لَا شَكَّ فِيهِ- فَقَبِلَهُ. قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. و - الوَبْر؛ لأنَّه مستطابٌ يَعْتلِف النبات والبقول؛ فأُبيح كالأرنب؛ ولأنَّه صيدٌ تُفْدَى في الإحرام والحَرَم. ز - اليَرْبوع؛ لأنَّه صيدٌ يُفْتَدَى في الإحرام والحَرَم؛ وقد حَكَم فيه عُمَرُ ﵁ بجَفْرةٍ. [رواه مالك، وعبد الرزاق]. ح- بَقَر الوَحْش؛ على اختلاف أنواعها؛ كالأَيِّل، والثَيْتَل، والوَعِل، والمَها؛ لأنَّها مستطابةٌ، وقد قضى الصحابة فيها بالجزاء على المُحْرِم. ط- حُمُر الوَحْش؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أنَّه (رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ) [رواه البخاري، ومسلم].

стр. 1278

ي- الضَّبُّ؛ لما روى ابن عمر ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ سَعْدٌ، وَأُتُوا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي) [رواه البخاري، ومسلم]. ك- الظِّباء بجميع أنواعها؛ لأنَّها مستطابةٌ، تُفدى في الإحرام والحَرَم. ل- باقي الطُّيور؛ أي: ما عدا ما تقدَّم بيان تحريمه؛ كالنَّعام، والدَّجاج، وغُراب الزَّرع، والحَمَام بأنواعه، والطاووس، والببَّغاء، والعصافير، والبطِّ، والإوَزِّ، والحُبارى، وما أشبهها ممَّا يلتقط الحَبَّ، أو يُفدَى في الإحرام؛ لأنَّها مستطابةٌ؛ فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. الثاني: حَيوانُ البَحْر: الأصلُ في حيوانات البَحْر أنَّها حلالٌ؛ لدلالة القرآن الكريم، والسُّنَّة المطهَّرة على ذلك. -فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. - ومن السنَّة: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ المَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ الطَّهُورُ

стр. 1279

مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي]. ويُستثنى من حِلِّ حيوان البحر ما يلي: أ - الضِّفْدَع: يَحرُمُ أَكْلُها لأنَّها من المُستخْبَثات، وللنَّهي عن قَتْلها؛ فعن عبد الرَّحمن بن عُثْمان: (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ، يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي]. ب- الحيَّةُ: يَحرُمُ أَكْلُها؛ لأنَّها من المُسْتَخْبثاتِ. ج- التِّمْساح: يَحرُمُ أَكْلُه؛ لأنَّه يَفْتَرِسُ بِنابِهِ. ثانياً: حُكمُ أَكْل الجَلَّالَة: الجَلَّالَة: هي الدابَّة التي أكثرُ عَلَفِها النَّجاسة. سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تأكُلُ العَذِرة، كُنِّي عنها بالجِلَّة؛ فقيل لآكلتها: جَلَّالَة. - ويَحرُمُ أَكْلُ الجَلَّالَة، وأكْلُ بَيْضِها، وشُرْبُ أَلْبانها؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]. - ويُكرَه رُكوبها؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (نُهِيَ عَنْ رُكُوبِ الجَلَّالَةِ) [رواه أبو داود]. - فإن كان أكثر عَلَفِها الطَّاهر لم تَحرُم. - ولا يَحلُّ أَكلُ الجلَّالة حتَّى تُحبَس ثلاثة أيَّامٍ بلياليهنَّ، وتُطْعَم الطَّاهِر،

стр. 1280

وتُمنع من النجاسة؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الجَلَالَةَ ثَلَاثًا) [رواه ابن أبي شيبة]. ثالثاً: حُكمُ أَكْلِ الزَّرْع والثَّمَر المَسْقِيِّ بنَجِسٍ: يَحرُمُ أَكْلُ زَرْعٍ وثَمَرٍ سُقِيَ بنَجِسٍ، أو سُمِّد بنَجِسٍ؛ لأنَّه يتغذَّى بالنجاسة وتنمو أجزاؤه بسببها؛ كالجلَّالة. فإن سُقِيَ الزَّرْع والثَّمَر بعده بماء طهورٍ يَستهلِكُ عين النَّجاسة، فإنَّه يَطْهُرُ ويَحِلُّ؛ كالجلَّالة إذا حُبِسَت وأُطْعِمَت الطاهرات. رابعاً: الأَطْعِمَةُ المَكْروهَةُ: يُكرَه أَكْلُ ما يلي: أ - التُّراب، والفَحْم، والطِّين الذي لا يُتداوَى به؛ وذلك لضرره. فإن كان يُتداوَى به؛ كالطِّين الأَرْمَنيِّ، فلا يُكره. ب- الغُدَّة وأُذن القلب؛ لأنَّ النَّفْس تَعافُهُما وتَسْتَخْبِثُهما. والغُدَّة: لحمٌ يَحدُثُ من داءٍ بين الجِلْدِ واللَّحْم، يتحرَّك بالتحريك. وأُذُنُ القلب: جانبُه الذي يتجمَّع فيه الدَّمُ. ج- البَصَل والثُّوم، ونحوهما؛ كالكُرَّاث، والفِجْل، ما لم ينضج بطَبْخٍ؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ البَقْلَةِ، الثُّومِ -وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا،

стр. 1281

فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) [رواه مسلم]. د - أَكْلُ حَبٍّ دِيسَ بُحُمُرٍ أهليَّة، أو بِغالٍ؛ لأنَّها تبول وتروث عليه، وبولها وروثها نجسان. ولا يؤكل حتَّى يُغسَل. هـ- مُدَاوَمَةُ أَكْل اللَّحْم؛ لأنَّه يُورِثُ قسوة القلب.

стр. 1282

فصل أحكام المضطرِّ المُضْطَرُّ هنا: هو من أصابَتْهُ ضرورةٌ ألجأته إلى أَكْلِ مُحرَّمٍ، بحيث يخاف على نَفْسه التَّلَف إن لم يأْكُل منه، أو يخاف إن ترك الأكل أن يعجز عن المشي وينقطع عن رفقته فيهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك، ونحو ذلك. - فمن اضْطُرَّ إلى أَكْل مُحرَّمٍ -غير سمٍّ ونحوه- حضراً أو سفراً، وَجَبَ عليه الأَكْل من ذلك المُحرَّم ما يسدُّ به رَمَقَه، ويأْمَنُ معه الموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. - وليس له أن يأْكُلَ إلى حَدِّ الشّبَع؛ لأنَّ الله تعالى حَرَّم الميتة، واستثنى ما اضطُرَّ إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم تَحِلَّ، كحالة الابتداء. - فإن كان في سَفَرٍ؛ فلا يَحِلُّ له الأَكْلُ من المُحَرَّم، إلَّا أن يكون سَفَرُه مُباحاً. فإن كان في سَفَرٍ مُحرَّمٍ، ولم يَتُبْ، فلا يَحِلُّ له أَكْلُ المُحرَّم؛ لأنَّ أَكْلَ المُضطرِّ للمُحرَّم رُخصةٌ، والعاصي ليس من أَهْل الرُّخَصِ، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. - ويجوز للمُضطرِّ أن يتزوَّد من الطعام المُحرَّم إن خاف الحاجةَ إن لم يتزوَّد؛ كما يجوز التيمُّم مع وجود الماء إن خاف العَطَش باستعماله.

стр. 1283

- ومن اضطُرَّ إلى الانتفاع بمالِ الغير مع بقاء عَيْنِه؛ كثيابٍ يَدْفَعُ بها البَرْدَ عن نفسه، أو دَلْوٍ يَسْتَقِي به ماءً، ونحو ذلك، وكان مالِكُه غير محتاجٍ إليه، وَجَبَ على مالِكِه بَذْله لذلك المضطرِّ مجَّاناً من غير عِوَضٍ؛ لأن الله تعالى ذمَّ من يمنع ذلك بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]؛ فلو كان بذله غير واجب لما ذمَّه؛ إذ الذمُّ لا يكون إلَّا على ترك واجبٍ، أو فعل محرَّمٍ. * الأَكْلُ من ثَمَرِ البَساتين وما سَقَطَ من أَشْجارِها: - من مَرَّ ببُسْتانٍ لا حائط له، ولا حارس عليه يَحرُسُه، جاز له الأَكْل من ثَمَرِ شَجَرِ ذلك البستان مجَّاناً؛ سواء كان على الشجر، أو ساقطاً على الأرض، ولو من غير حاجةٍ أو اضطرار؛ لما روى أبو زينب -التابعي- قال: (سَافَرْتُ فِي جَيْشٍ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنَ الثِّمَارِ) [رواه ابن أبي شيبة]. - ولا يجوز له الصعود على الشَّجَر، ولا أن يَضْرِبَه أو يَرْمِيَه بشيءٍ ليسقط؛ لأنَّ ذلك قد يُفْسِدُ الشَّجرَ والثَّمَرَ. - وليس له أن يحمل شيئاً من الثَّمَر؛ لقول عمر بن الخطَّاب ﵁: (مَنْ مَرَّ مِنْكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ فِي بَطْنِهِ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) [رواه البيهقي]. والخُبْنَةُ: ما يحمله الإنسان في حُضْنِه. وليس له أن يأكل من ثَمَرٍ مَجْنِيٍّ مجموعٍ، إلَّا لضرورةٍ. - ويجوز الأكلُ كذلك من زَرْعٍ قائمٍ، أو باقِلَّاء أو حِمَّصاً أخضرين،

стр. 1284

وشِبْههما ممَّا يؤكَلُ رَطْباً؛ لأنَّ العادة جَرَتْ بأَكْل الفَرِيك، فأشبَهَ الثَّمَر. وأمَّا ما لم تجر العادةُ بأَكْلِه رَطْباً، فلا يجوز الأكلُ منه؛ لعدم الإذن فيه شرْعاً وعادةً؛ كالشعير ونحوه. - ويجوز لمن مرَّ بماشيةٍ الشُّرْبُ من لَبَنِها؛ لما روى سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ) [رواه أبو داود، والترمذي]. * حَقُّ الضِّيافَةِ: - يجبُ على المُسلمِ ضيافةُ أخيه المُسلِم المسافِر المجتاز يوماً وليلةً مجَّاناً، إذا نَزَل به في القُرَى، وضيافته تكون قَدْر كفايته مع أُدْمٍ؛ لما روى أبو كريمة، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ) [رواه أحمد، وابن ماجه]. - وتُستحبُّ ضيافتهُ ثلاثَ لياليَ بأيَّامهنَّ، أي: يومان مع اليوم الأوَّل، وما زاد على الثلاث فهو صَدَقةٌ؛ لما روى أبو شُرَيْحٍ الخُزَاعِيُّ ﵁، أنَّه سمع النبيِّ ﷺ يقول: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ. قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللّاهِ؟ قَالَ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ. وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ

стр. 1285

ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) [رواه البخاري، ومسلم]. - ويجبُ عليه إنزال الضَّيْف في بيته، مع عدم وجود مكان يَبيتُ فيه؛ كمسجدٍ، أو رِباطٍ، أو خانٍ، ونحوها؛ لأنَّه يحتاج إلى الإيواء كحاجته إلى الطعام والشراب. - فإن أبى المُضِيفُ ضِيافَتَه، فللضَّيْف طلبه بما وَجَبَ له عند الحاكم؛ لحديث المِقْدام بن مَعْدِي كربَ ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: (وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ) [رواه أحمد، وأبو داود]. - فإن تعذَّر أن يطلبه عند الحاكم، جاز للضَّيْف الأَخْذُ من مال المُضِيفِ بقَدْر ما وَجَبَ له بغير إذنه؛ لما روى عُقْبة بن عامِرٍ ﵁ قال: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) [رواه البخاري، ومسلم]. - ولا يجبُ للمسلم على المسلم ضِيافَتُه إذا نَزَلَ به في الأَمْصار؛ لأنَّ الأَمْصار يكون فيها السُّوقُ والمَساجِدُ، فلا يحتاجُ مع ذلك إلى الضِّيافَةِ. - ولا يجبُ للذِّمِّيِّ على المُسلم ضيافته إذا اجتاز بالمُسلِم؛ لأنَّ الذمِّي لا يساوي المسلم في وجوب الإكرام.

стр. 1286

باب الذكاة أوَّلًا: تعريفُ الذَّكاةِ: الذَّكَاةُ لغةً: تمامُ الشيءِ، وذكَّيْتُ النار إذا أتمَمْت إشعالها ورَفَعْتها. وسُمِّي الذَّبْح ذَكاةً؛ لأنَّه أتمَّ إزهاقها. واصطلاحاً: هي ذَبْحُ أو نَحْرُ حيوانٍ مَقْدُورٍ عليه، مباحٍ أَكْلُه، يعيشُ في البَرِّ، غير جَرَادٍ ونحوه، بقطْعِ حُلْقومٍ، ومَرِيءٍ، أو عَقْرُ ممتنعٍ. ثانياً: حُكمُ الذَّكاةِ: لا يحلُّ أكلُ شيءٍ من حيوان البَرِّ المقدور عليه إلَّا بتذكيته -عدا الجراد وشبهه-، وقد دلَّ لذلك القرآن الكريم، والإجماع. - فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فبعد أن ذكر الله المحرَّمات من أنواع المَيْتات، استثنى من ذلك ما أُدْرِك وفيه حياةٌ، فجعل ذكاته سبباً لحِلِّه وإباحة أَكْلِه. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ المَرْءَ إذا ذَبَحَ ما يجوزُ الذَّبْح به، وسَمَّى الله، وقَطَعَ الحُلْقوم والوَدَجَيْن، وأَسَالَ الدَّمَ، أنَّ الشَاةَ مُباحٌ أَكْلُها». ثالثاً: أنواعُ الذَّكاةِ الشَّرْعِيَّة: تنقسم الذَّكاةُ الشَّرعيَّة إلى ثلاثة أقسام:

стр. 1287

الأوَّل: الذَّبْح: وهو قطع الحلقوم والمريء. ويُسنُّ في البقر، والغَنَم، والطَّيْر، والصَّيْد المقدور عليه. الثاني: النَّحْر: وهو الطَّعْنُ بحَرْبَةٍ ونحوها في الوَهْدَةِ التي بين أصل العُنُق والصَّدْر. ويُسُنُّ في الإبل. الثالث: العَقْر: وهو جرح الحيوان في أيِّ محلٍّ كان من بدنه، ويكون ذلك في الصَّيْد، وما لا يُقْدَر على ذَبْحه. رابعاً: شُروطُ صِحَّة الذَّكاةِ: يُشترط لصحَّة التذكية ذَبْحاً، أو نَحْراً، أو عَقْراً، أربعة شُروطٍ، هي: الشرط الأوَّل: أهليَّة المُذكِّي؛ بأن يكون الفاعلُ للذكاة مُسلماً أو كتابيًّا، عاقلًا، مُميِّزاً، قاصداً للذَّكاة. - فلا تحلُّ ذبيحة وثنيٍّ، ولا مجوسيٍّ، ولا زنديقٍ؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وكذا لا تحلُّ ذبيحة مُرتدٍّ، ولو كانت رِدَّته إلى دين أهل الكتاب؛ لأنَّه لم يثبت له حكم أهل الكتاب. ولكن يُباح من طعامهم غيرُ اللَّحم والشَّحْم والأكارع، ونحوها من أجزاء الذبيحة؛ لأنَّها ميتة، وكلُّ أجزائها ميتة. - وتحلُّ ذَكاةُ الكتابيِّ العاقل ولو كان حَرْبيًّا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ

стр. 1288

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عبَّاس ﵄ وغيره: «طَعَامُهُم: ذَبَائِحُهُم». أما من كان أحد أبويه غير كتابيٍّ فلا تحلُّ ذبيحتهُ؛ تغليباً للتحريم. - ولا يُباح حيوانٌ ذكَّاه مجنونٌ، أو سَكْرانٌ، أو طِفْلٌ لم يُميِّز؛ لأنَّه لا قصد لهم، ولأنَّ الذكاة أمرٌ يعتبر له الدِّينُ، فاعتبر فيه العقل. - ولا يباح حيوانٌ انقطع حُلْقومُه ومَريئُه بسبب احتكاكه بمُحَدَّدٍ بيد إنسانٍ لم يقْصِدْ ذَبْحَه؛ لعدم قصد التذكية. - وتحلُّ ذَكاةُ العاقل ولو أُنثى حائضاً، أو عَبْداً، أو جُنُباً؛ فعن كعب بن مالك ﵁ (أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا). قَالَ عُبَيْدُ اللّاهِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. [رواه البخاري]. ففيه إباحة ذبيحة المرأة، والأَمَةِ، والحائض، والجُنُب؛ لأنَّه لم يستفصل عنها. - وتحلُّ ذَكاةُ العاقل ولو كان مُتَعدِّياً أو مُكْرَهاً على ذَبْح مِلْكِه أو مِلْك غيره؛ لأنَّ له قصداً صحيحاً. الشرط الثاني: الآلة؛ بأن يذبح أو ينحر أو يعقر بمُحَدَّدٍ يقطع ويُنْهِر الدَّم بحَدِّه.

стр. 1289

فتحلُّ الذَّكاةُ بكلِّ مُحدَّدٍ -ولو مغصوباً-، ولو كان من حَجَرٍ، أو قَصَبٍ، أو خَشَبٍ، أو عَظْمٍ غير السِّنِّ والظُّفُر؛ لما روى رَافِع بن خَدِيجٍ ﵁ أنَّه قال: (يَا رَسُولَ اللّاهِ، لَيْسَ لَنَا مُدًى، فَقَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ، أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ، وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) [رواه البخاري، ومسلم]. وفي حديث كعب بن مالك ﵁ السابق: (فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ) إلى أن قال: (فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا). الشرط الثالث: قَطْعُ الحُلْقُوم والمَرِيء. والحُلْقُوم: هو مَجْرَى النَّفَس. أمَّا المَرِيء: فهو البُلْعوم، وهو مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحُلْقوم (أي خَلْفَه). وسواء كان القَطْعُ فوق الغَلْصَمَةِ أو دُونَها. والغَلْصَمةُ: هي الموضع الناتئ من الحَلْق. - ولا يُشترط قَطْع شيءٍ غير الحُلْقوم والمَرِيء؛ لأنَّه قَطَعَ في مَحلِّ الذَّبْح ما لا يعيشُ الحيوان مع قَطْعِه. فلا يُشترط قَطْع الوَدَجَيْن (١)، وهما العِرْقان المُحيطان بالحُلْقوم. وإن كان الأَوْلَى قطْعهما؛ احتياطاً، وخروجاً من الخلاف.

стр. 1290

- ولا يُشترط إبانة الحُلْقوم والمَرِيء بالقَطْع، ويكفي قَطْع البعض منهما. - وما ذُبِحَ من قفاهُ، ولو عمداً، إن أتت الآلة على محلِّ الذبح وفيه حياة مستقرَّةٌ، حلَّ بذلك؛ لبقاء الحياة مع الجرح من القفا. وإلَّا لم تحلَّ. وضابط الحياة المُستقِرَّة: ما كان زيادةً على حركة المذبوح؛ كتحريك يَدِه، أو رِجْلِه، أو طَرَف عَيْنِه، أو مَصْع ذَنَبِه بأنْ حَرَّكَه وضَرَبَ به الأرض. والمعتبر في ذلك الحركة القويَّة. - وإن أبانَ رأسَ الحيوانِ المأكول قاصداً تَذْكِيَتَه، حَلَّ مطلقاً؛ سواء كانت الإبانة من جِهَة وَجْهِه، أو قَفاهُ، أو غيرهما؛ لأنَّه اجتمعَ قَطْعُ ما لا تبقى معه الحياة مع الذَّبْح. - وإن أصابَ الحيوان المأكول سببُ الموت؛ كمُنْخَنِقَةٍ، وموقوذةٍ، ومتردِّيةٍ، ونطيحةٍ، ومَريضَةٍ، وأَكِيلَةِ سَبُعٍ، أو ما صِيدَ بشَبَكةٍ أو فَخٍّ فأصابه شيء ممَّا يكون سبباً للموت، ولم يصل إلى حَدٍّ لا يعيش معه، أو أنقذه إنسانٌ من مهلكةٍ ولم يصل إلى ما لا تبقى الحياة معه. فإن أدركه وفيه حياة مستقرَّة، فذكَّاه، حلَّ أَكْلُه ولو انتهى قبل الذَّبْح إلى حالٍ يُعلَمُ أنَّه لا يعيش معه، ولو مع عدم تحرُّكه؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. والاحتياطُ أن لا يؤكل من ذلك إلَّا مع تحرُّكه، خروجاً من الخلاف. - وما قُطِع حُلْقومُه، أو أُبينَتْ حِشْوَته، ونحو ذلك ممَّا لا تبقى معه الحياة، فوجود حياته كعَدَمِها، فلا يحلُّ بالذَّكاة.

стр. 1291

لكن لو قَطَعَ الذَّابحُ الحُلْقوم، ثمَّ رَفَعَ يَدَه قبل قَطْع المَريء، لم يَضُرَّ، إن عادَ فتَمَّمَ الذَّكاةَ على الفَوْر؛ كما لو لم يرفعها. فإن تَراخَى ووَصَلَ الحيوانُ إلى حركة المذبوح فأتمَّ الذابحُ القَطْع، لم يحِلَّ. * النَّحْرُ والعَقْر: السُّنَّة في الإبل: النَّحْر، وذلك بأن تُطعن بمحدَّدٍ في لَبَّتِها، وهي: الوَهْدَةُ بين الصدر والعُنُق؛ قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. وقد نَحَر ﵊ بُدْنَهُ فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ خَرَجَ مُعْتَمِراً. [رواه البخاري]. أمَّا غير الإبل فالسنَّة فيها الذَّبح، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. وعن أنسٍ ﵁ قال: (ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ … ) [رواه البخاري، ومسلم]. ومن عَكَسَ؛ فذَبَح الإبل، ونَحَرَ غيرها، أجزأه؛ لحديث أسماء ﵂ قالت: (نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. وعن عائشة ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً) [رواه أبو داود، وابن ماجه]. وأمَّا ما عُجِزَ عن ذَبْحِه أو نحْرِه؛ كالبهيمة التي تَقَعُ في بئرٍ، أو حيوانٍ متوحِّشٍ لا يُقْدَر على ذَبْحِه، فذَكاتُه بجَرْحه في أيِّ موضعٍ أمكن جَرْحه فيه من بَدَنِه؛ لما روى رَافِعُ بن خَديجٍ ﵁ قال: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ، قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ -أي

стр. 1292

النبيُّ ﷺ : إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) [رواه البخاري، ومسلم]. الشرط الرابع: قولُ: «بسم الله» عند حركة يد الذابح بالذَّبح أو النَّحْر، أو العَقْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ولا يقوم مقام التسمية عند الذبح شيءٌ من الذِّكْر غيرُها؛ كتَسْبيحٍ، أو تَهْليلٍ، أو تَكْبيرٍ، ونحوها. وتُجزئ التسمية بغير العربيَّة، ولو كان يُحسِنُ العربيَّة؛ لأنَّ المقصود ذِكْر اسم الله تعالى، وقد حصل. ويُجزئُ في حقِّ الأخرس التسمية بالإشارة برأسه أو طَرْفه إلى السماء؛ لقيامها مقام نُطْق الناطق. - ويُسنُّ مع التسمية التكبير؛ فيقول: «بسم الله، والله أكبر»؛ لحديث أنسٍ ﵁ -السابق- قال: (ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا). ولا تستحبُّ الصلاة على النبيِّ ﷺ عند الذَّبْح؛ لأنَّها لم ترد، ولا تُناسب المقام. وكذا لا يُستحبُّ زيادة: «الرحمن الرحيم»؛ لأنَّها لا تليق بالمقام. - تسقطُ التسمية إن تَرَكها الذابح سهواً. أمَّا إن تَرَكها عَمْداً أو جَهْلًا،

стр. 1293

لم تحلَّ الذبيحة؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه]. والآية محمولة على العَمْد؛ جمعاً بين النصوص. ويُشترطُ قَصْد التسمية على ما يذبحه، فلو سمَّى على شاةٍ وذَبَح غيرها بتلك التسمية لم تَحِلَّ. وإن استأجر أجيراً يذبح له، فترك الأجير التسمية عَمْداً أو جَهْلًا، ضَمِنَها لمالكها؛ لأنَّه أَتْلَفها عليه. ومن ذَكَرَ عند الذَّبْح مع اسم الله تعالى اسم غيره، لم تحلَّ الذَّبيحة؛ لأنَّه شِرْكٌ مع الله تعالى، وعن عليٍّ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ كتب له في صحيفةٍ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ … ) الحديث [رواه مسلم].

стр. 1294

فصل ذكاةُ الجَنين، وسُنن التذكية وآدابُها أوَّلًا: ذَكاةُ الجَنِينِ: تحصلُ ذَكاةُ الجَنين المَأْكول إنْ خَرَجَ مَيِّتاً أو مُتَحَرِّكاً حَرَكَةَ مَذْبوحٍ بِذَكاةِ أُمِّهِ، سَواءٌ نَبَتَ لَه شَعْرٌ أو لا؛ لما روى جابرُ بن عبد الله ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: (ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) [رواه أبو داود]. ويُستحبُّ ذَبْحُه ليخرج دَمُه. فإن خرج الجنين وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فلا يُباح إلَّا بذَبْحِه أو نَحْرِه؛ لأنَّه نَفْسٌ أُخْرَى، وهو مُستَقِلٌّ بحياته. ثانياً: سُنُنُ التَّذْكِيَةِ وآدابُها: للتَّذْكية جملةٌ من السنن والآداب التي ينبغي على الذابح مراعاتها عند الذَّبْح؛ ومنها: أ - يُسنُّ توجيه الحيوان المُذكَّى إلى القِبْلَة؛ وذلك بأنْ يُجعَلَ وَجْهُه للقِبْلَة؛ لما رَوَى جابر بن عبد الله ﵄ قال: (ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ … ) الحديث [رواه أبو داود]؛ فقوله: (فلمَّا وجَّهَهُما) أي إلى القِبْلَة.

стр. 1295

فإن ذَبَحَ إلى غير القِبْلَةِ ولو عَمْداً، حَلَّت، وكان فِعْلُه خِلافاً للأَوْلَى. ب- يُسنُّ إضْجاعُ الحيوانِ المُذَكَّى على جَنْبِه الأَيْسَرِ؛ لما روى شَدَّاد بن أَوْسٍ ﵁ قال: ثِنْتانِ حَفِظْتُهما عن رسول الله ﷺ ؛ قال: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [رواه مسلم]. ولأنَّ إضجاعها على جنبها الأيسر أريح لها عند الذبح، وأسهل على الذابح في أخذ السكين بيمينه. أمَّا الإبل؛ فالسنَّة عند نَحْرِها أن تكون قائمةً معقولةً يدُها اليُسْرى؛ لما روى زياد بن جُبَيْر، قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ [رواه البخاري، ومسلم]. ج- يُسنُّ الرِّفْقُ بالحيوانِ، وحَمْلُ الآلَةِ بقُوَّة، والإسْراعُ في الذَّبْح؛ لقوله ﷺ في حديث شَدَّاد بن أَوْس ﵁: (وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ)، فإنَّ هذا كلَّه من الإحسان في الذَّبْح. د - يُكرَه الذَّبْح بآلةٍ كالَّةٍ؛ أي: غير حادَّةٍ؛ لأنَّ فيه تعذيباً للحيوان، وقد أمر النبيُّ ﷺ بالإحسان إلى الذَّبيحة وإراحتها، كما في حديث شَدَّاد بن أَوْسٍ ﵁ السابق.

стр. 1296

هـ- يُكرَه حَدُّ الآلَةِ والحيوانُ يراه؛ لما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَدِّ الشِّفَارِ، وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ) [رواه أحمد، وابن ماجه]. ولما فيه من أذيَّة الحيوان بترويعه. و - يُكرَه سَلْخُ الحيوان، أو كَسْرُ عُنُقِه قبل زُهوق نَفْسِه؛ لأنَّ في هذا تعذيباً للحيوان، فأشبه قطع عضوٍ منه. ولا يؤثر ذلك في حلِّها لتمام الذكاة بالذبح. * اجتماعُ سَبَبٍ مُبيحٍ وسَبَبٍ مُحرِّم في الذَّبْح: إذا ذُبِحَ حيوانٌ مأكولٌ، فغَرِق عَقِبَ ذَبْحِه، أو تَرَدَّى من عُلْوٍ؛ كجَبَلٍ، أو حائطٍ يَقْتُلُ التَرَدِّي من مِثْلِه، أو وَطِئَ عليه شيءٌ يَقْتُلُه مِثْلُه، لم يَحِلَّ أَكْلُه؛ لأنَّ هذا سببٌ يُعينُ على زُهوق رُوحِهِ، فيَحصُلُ الزُّهوقُ بسببٍ مُبيحٍ، وسببٍ مُحرِّم، فغُلِّبَ التَّحريم. وفي حديث عديِّ بن حاتم ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الصَّيْد، قال: (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللّاهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) [رواه مسلم].

стр. 1297

كتاب الصَّيْد أوَّلًا: تعريفُ الصَّيْد: الصَّيْدُ لغةً: مصدر صَادَ يَصِيدُ صَيْداً؛ إذا أَخَذَه؛ فهو صائِدٌ، ثمَّ أُطْلِقَ الصَّيْدُ على الشيء المَصِيد، من باب تسمية المفعول بالمَصْدَر؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأمَّا اصطلاحاً فهو: اقتناصُ حيوانٍ حلالٍ مُتوحِّشٍ طَبْعاً غيرِ مَقدُورٍ عليه، ولا مملوكٍ. فيُطْلَق الصَّيْدُ ويراد به الفِعْل؛ أي: اقتناص الحيوان، ويُطلق ويراد به الحيوان المَصِيدُ. ثانياً: مَشروعِيَّة الصَّيْد: للصَّيْد ثلاثة أحوال، لكلٍّ منها حُكمُه: الأوَّل: يكون الصَّيْد مُباحاً، وذلك إذا كان بقَصْد الحاجة إليه والأَكْل؛ وقد دلَّ على إباحته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].

стр. 1298

- ومن السُّنَّة: حديث أبي ثَعْلَبة الخُشَنيِّ ﵁ قال: (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّاهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) [رواه البخاري، ومسلم]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «وأجْمَعَ أَهْلُ العِلْم على إباحة الاصْطِيادِ، والأَكْل من الصَّيْد». الثاني: ويكون الصَّيْدُ مَكْروهاً؛ إذا كان على سبيل اللَّهْو، وليس بقَصْدِ الحاجة إلى الأَكْل؛ لأنَّه عَبَثٌ. الثالث: ويكون الصَّيْدُ حَرَاماً؛ إذا كان فيه ظلمٌ للناس؛ بالعُدْوان على زُروعِهِم، وأَمْوالِهِم. ثالثاً: شُروطُ إِباحَةِ الصَّيْدِ: لا يخلو الصَّيْد حال اصطياده من إحدى حالين: الأولى: أن يُدْرَكَ الصَّيْدُ مَجْروحاً مُتَحرِّكاً فوق حَرَكَة المَذْبوح، وقد اتَّسَعَ الوقتُ لتَذْكِيَتِه، فلا يحلُّ أَكْلُه إلَّا بتَذْكِيَتِه؛ لأنَّه صارَ مَقْدوراً عليه، وفي حُكْم

стр. 1299

الحَيِّ. ولا يُباحُ بغير ذلك، حتَّى وإن خَشِيَ مَوْتَهُ ولم يجد آلةً يُذَكِّيه بها. - ومن رَمَى صَيْداً، فأثبته، ثمَّ رَماهُ ثانياً أو رَماهُ آخرُ، فقَتَلَه، لم يحلَّ الصَّيْدُ؛ لأنَّه صار مقدوراً عليه بإثباته، فلم يُبَحْ إلَّا بتَذْكِيَتِه. إلَّا أن يُصِيبَ الأوَّلُ مَقْتَلَهُ؛ كقَلْبِه أو حُلْقومه، أو يصيبَ الثاني مَذْبَحَه، فيَحِلُّ في الحالين؛ لأنَّه مُذكًّى. الثانية: وإن امتنع الصَّيْدُ المجروح بعَدْوِه، ولم يتمكَّن من ذَبْحِه حتَّى ماتَ، أو أَمْسَكَهُ جَريحاً ولم يتَّسِعِ الوقتُ لتذكيته، بل مات في الحال، فلا يَحِلُّ إلَّا بأربعة شروط: الشرط الأوَّل: كون الصَّائد أهْلًا للذَّكاةِ حالَ إِرْسالِ آلَةِ الصَّيْدِ؛ أي: أن يكون الصَّائدُ ممَّن تَحِلُّ ذبيحته؛ لما روى عَدِيُّ بن حاتمٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ) [رواه البخاري، ومسلم]، والصَّائدُ بمنزلة المُذكِّي، فيُشترط فيه الأَهْليَّة، وهي أن يكون عاقلًا، مُميِّزاً، مسلماً أو كتابيًّا، قاصداً للصَّيْد. فلا يحلُّ ما صاده مجنونٌ، أو سَكْرانُ، أو صغيرٌ غير مُميِّزٍ، أو كافرٌ غير كتابيٍّ؛ كمجوسيٍّ، أو وثنيٍّ، أو مرتدٍّ، ونحوهم. - وكون الصَّائدِ أهْلًا للذَّكاة؛ أي فيما إذا كان الصَّيد لا يَحِلُّ إلَّا بالذَّكاة. أمَّا الصَّيْدُ الذي لا يفتقر إلى ذَكاةٍ؛ كالسَّمَك والجَرادِ، فإنَّه يُباح ولو صاده من لا تُباح ذبيحته؛ لأنَّه لا ذَكاةَ له.

стр. 1300

الشرط الثاني: الآلةُ، وهي نوعان: النوع الأوَّل: ما له حَدٌّ يَجْرَحُ به؛ كالسَّيْف، والسِّكِّين، والسَّهْم، والمِنْجَل. ويُشترط فيه ما يُشترط في آلة الذَّكاة؛ من كونه يُنْهِرُ الدَّم، وأن يكون غير سِنٍّ ولا ظُفُرٍ، وأن يَجرحَ الصَّيْدَ بحَدِّه لا بثِقَلِه؛ لعموم حديث رافِعِ بن خَديجٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولحديث عَديِّ بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وَإِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَزَّقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ المِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ … ) [رواه أحمد]. - فإنْ قَتَل بثِقَلِه؛ كالشَّبَكةِ، والفَخِّ، والعَصَا، والحَصَاة، والحَجَر الذي لا حَدَّ له؛ فإنَّه لا يَحِلُّ ما قُتِل به من الصَّيْد؛ لأنَّه صار بذلك وَقيذاً. وإذا صادَ بالمِعراض -وهو خشبةٌ لها حَدٌّ وقد يُجعل في رأسها حَدِيدةٌ-؛ فإن قَتَلَه بحَدِّه حَلَّ أَكْلُه، وإذا قَتَلَه بعَرْضه لم يحلَّ؛ لحديث عديِّ بن حاتم ﵁ السابق. النوع الثاني: الجارِحَةُ المُعَلَّمَة؛ وهي الحيوان الجارِحُ الذي يُصادُ به، إذا كان مُعَلَّماً، سواء كان ممَّا يَصيدُ بمِخْلَبِه من الطَّيْر؛ كالباز، والصَّقْر، والعُقابِ، والشَّاهين، أو كان يصيدُ بنَابِهِ من السِّبَاع؛ كالفَهْد، والكَلْبِ غير الأسود؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]. أمَّا الكَلْبُ الأسود الذي لا بياض فيه، فإنَّه لا يُباح صَيْدُه؛ لأنَّه شيطانٌ،
следующие страницы →