Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
هـ- يُكرَه حَدُّ الآلَةِ والحيوانُ يراه؛ لما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَدِّ الشِّفَارِ، وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ) [رواه أحمد، وابن ماجه]. ولما فيه من أذيَّة الحيوان بترويعه.
و - يُكرَه سَلْخُ الحيوان، أو كَسْرُ عُنُقِه قبل زُهوق نَفْسِه؛ لأنَّ في هذا تعذيباً للحيوان، فأشبه قطع عضوٍ منه.
ولا يؤثر ذلك في حلِّها لتمام الذكاة بالذبح.
* اجتماعُ سَبَبٍ مُبيحٍ وسَبَبٍ مُحرِّم في الذَّبْح:
إذا ذُبِحَ حيوانٌ مأكولٌ، فغَرِق عَقِبَ ذَبْحِه، أو تَرَدَّى من عُلْوٍ؛ كجَبَلٍ، أو حائطٍ يَقْتُلُ التَرَدِّي من مِثْلِه، أو وَطِئَ عليه شيءٌ يَقْتُلُه مِثْلُه، لم يَحِلَّ أَكْلُه؛ لأنَّ هذا سببٌ يُعينُ على زُهوق رُوحِهِ، فيَحصُلُ الزُّهوقُ بسببٍ مُبيحٍ، وسببٍ مُحرِّم، فغُلِّبَ التَّحريم. وفي حديث عديِّ بن حاتم ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الصَّيْد، قال: (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللّاهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) [رواه مسلم].
стр. 1297
كتاب الصَّيْد
أوَّلًا: تعريفُ الصَّيْد:
الصَّيْدُ لغةً: مصدر صَادَ يَصِيدُ صَيْداً؛ إذا أَخَذَه؛ فهو صائِدٌ، ثمَّ أُطْلِقَ الصَّيْدُ على الشيء المَصِيد، من باب تسمية المفعول بالمَصْدَر؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
وأمَّا اصطلاحاً فهو: اقتناصُ حيوانٍ حلالٍ مُتوحِّشٍ طَبْعاً غيرِ مَقدُورٍ عليه، ولا مملوكٍ.
فيُطْلَق الصَّيْدُ ويراد به الفِعْل؛ أي: اقتناص الحيوان، ويُطلق ويراد به الحيوان المَصِيدُ.
ثانياً: مَشروعِيَّة الصَّيْد:
للصَّيْد ثلاثة أحوال، لكلٍّ منها حُكمُه:
الأوَّل: يكون الصَّيْد مُباحاً، وذلك إذا كان بقَصْد الحاجة إليه والأَكْل؛ وقد دلَّ على إباحته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].
стр. 1298
- ومن السُّنَّة: حديث أبي ثَعْلَبة الخُشَنيِّ ﵁ قال: (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّاهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) [رواه البخاري، ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «وأجْمَعَ أَهْلُ العِلْم على إباحة الاصْطِيادِ، والأَكْل من الصَّيْد».
الثاني: ويكون الصَّيْدُ مَكْروهاً؛ إذا كان على سبيل اللَّهْو، وليس بقَصْدِ الحاجة إلى الأَكْل؛ لأنَّه عَبَثٌ.
الثالث: ويكون الصَّيْدُ حَرَاماً؛ إذا كان فيه ظلمٌ للناس؛ بالعُدْوان على زُروعِهِم، وأَمْوالِهِم.
ثالثاً: شُروطُ إِباحَةِ الصَّيْدِ:
لا يخلو الصَّيْد حال اصطياده من إحدى حالين:
الأولى: أن يُدْرَكَ الصَّيْدُ مَجْروحاً مُتَحرِّكاً فوق حَرَكَة المَذْبوح، وقد اتَّسَعَ الوقتُ لتَذْكِيَتِه، فلا يحلُّ أَكْلُه إلَّا بتَذْكِيَتِه؛ لأنَّه صارَ مَقْدوراً عليه، وفي حُكْم
стр. 1299
الحَيِّ. ولا يُباحُ بغير ذلك، حتَّى وإن خَشِيَ مَوْتَهُ ولم يجد آلةً يُذَكِّيه بها.
- ومن رَمَى صَيْداً، فأثبته، ثمَّ رَماهُ ثانياً أو رَماهُ آخرُ، فقَتَلَه، لم يحلَّ الصَّيْدُ؛ لأنَّه صار مقدوراً عليه بإثباته، فلم يُبَحْ إلَّا بتَذْكِيَتِه. إلَّا أن يُصِيبَ الأوَّلُ مَقْتَلَهُ؛ كقَلْبِه أو حُلْقومه، أو يصيبَ الثاني مَذْبَحَه، فيَحِلُّ في الحالين؛ لأنَّه مُذكًّى.
الثانية: وإن امتنع الصَّيْدُ المجروح بعَدْوِه، ولم يتمكَّن من ذَبْحِه حتَّى ماتَ، أو أَمْسَكَهُ جَريحاً ولم يتَّسِعِ الوقتُ لتذكيته، بل مات في الحال، فلا يَحِلُّ إلَّا بأربعة شروط:
الشرط الأوَّل: كون الصَّائد أهْلًا للذَّكاةِ حالَ إِرْسالِ آلَةِ الصَّيْدِ؛ أي: أن يكون الصَّائدُ ممَّن تَحِلُّ ذبيحته؛ لما روى عَدِيُّ بن حاتمٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ) [رواه البخاري، ومسلم]، والصَّائدُ بمنزلة المُذكِّي، فيُشترط فيه الأَهْليَّة، وهي أن يكون عاقلًا، مُميِّزاً، مسلماً أو كتابيًّا، قاصداً للصَّيْد.
فلا يحلُّ ما صاده مجنونٌ، أو سَكْرانُ، أو صغيرٌ غير مُميِّزٍ، أو كافرٌ غير كتابيٍّ؛ كمجوسيٍّ، أو وثنيٍّ، أو مرتدٍّ، ونحوهم.
- وكون الصَّائدِ أهْلًا للذَّكاة؛ أي فيما إذا كان الصَّيد لا يَحِلُّ إلَّا بالذَّكاة. أمَّا الصَّيْدُ الذي لا يفتقر إلى ذَكاةٍ؛ كالسَّمَك والجَرادِ، فإنَّه يُباح ولو صاده من لا تُباح ذبيحته؛ لأنَّه لا ذَكاةَ له.
стр. 1300
الشرط الثاني: الآلةُ، وهي نوعان:
النوع الأوَّل: ما له حَدٌّ يَجْرَحُ به؛ كالسَّيْف، والسِّكِّين، والسَّهْم، والمِنْجَل. ويُشترط فيه ما يُشترط في آلة الذَّكاة؛ من كونه يُنْهِرُ الدَّم، وأن يكون غير سِنٍّ ولا ظُفُرٍ، وأن يَجرحَ الصَّيْدَ بحَدِّه لا بثِقَلِه؛ لعموم حديث رافِعِ بن خَديجٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولحديث عَديِّ بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وَإِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَزَّقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ المِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ … ) [رواه أحمد].
- فإنْ قَتَل بثِقَلِه؛ كالشَّبَكةِ، والفَخِّ، والعَصَا، والحَصَاة، والحَجَر الذي لا حَدَّ له؛ فإنَّه لا يَحِلُّ ما قُتِل به من الصَّيْد؛ لأنَّه صار بذلك وَقيذاً.
وإذا صادَ بالمِعراض -وهو خشبةٌ لها حَدٌّ وقد يُجعل في رأسها حَدِيدةٌ-؛ فإن قَتَلَه بحَدِّه حَلَّ أَكْلُه، وإذا قَتَلَه بعَرْضه لم يحلَّ؛ لحديث عديِّ بن حاتم
﵁ السابق.
النوع الثاني: الجارِحَةُ المُعَلَّمَة؛ وهي الحيوان الجارِحُ الذي يُصادُ به، إذا كان مُعَلَّماً، سواء كان ممَّا يَصيدُ بمِخْلَبِه من الطَّيْر؛ كالباز، والصَّقْر، والعُقابِ، والشَّاهين، أو كان يصيدُ بنَابِهِ من السِّبَاع؛ كالفَهْد، والكَلْبِ غير الأسود؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
أمَّا الكَلْبُ الأسود الذي لا بياض فيه، فإنَّه لا يُباح صَيْدُه؛ لأنَّه شيطانٌ،
стр. 1301
وقد أمر النبيُّ ﷺ بقَتْلِهِ؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ البَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) [رواه مسلم].
ومثله الكَلْبُ العقور؛ لما روت عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ) [رواه البخاري، ومسلم].
* صِفَةُ الجارِحِ المُعَلَّم:
أ - يكون الجارح الذي يصيد بِنَابِهِ مُعَلَّماً بثلاثة أمور:
١) إذا أُرْسِلَ اسْتَرْسَلَ؛ فإذا رأى الصَّيْد لا يذهب بنفسه حتَّى يرسله صاحبه.
٢) وإذا زُجِرَ انْزَجَر.
٣) وإذا أمسك الصَّيْدَ لم يأكله، بل يمسكه على صاحبه حتَّى يجيء إليه؛ فعن عَدِيِّ بن حاتم ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) [رواه البخاري، ومسلم].
ولا يُعتبر تكرُّر ذلك؛ فلو أَكَلَ مَرَّةً بعد أن صاد صَيْداً لم يخرج بذلك عن كونه مُعَلَّماً؛ لأنَّ أَكْلَهُ قد يكون لجوعٍ أو توحُّشٍ.
стр. 1302
ب- أمَّا الجارح من الطَّيْر الذي يَصِيدُ بمِخْلَبِه، فيكون تعليمه بأمرين:
١) أن يَسْتَرْسِلَ إذا أُرْسِلَ.
٢) وإذا دُعِي رَجَعَ.
ولا يُشترط فيه تَرْكُ الأَكْل؛ لقول ابن عبَّاس ﵄: (كُلْ مَا أَمْسَكَ الكَلْبُ إِذَا كَانَ عَالِماً، وَلَا تَأْكُلْ مِمَّا أَكَلَ، وَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ البَازِيُّ وَإِنْ أَكَلَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَ البَازِيِّ أَنْ تَدْعُوهُ فَيُجِيبُكَ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَهُ فَيَدَعَ الأَكْلَ كَمَا تَضْرِبُ الكَلْبَ فَيَدَعَ الأَكْلَ) [رواه أبو يوسف في «الآثار»]. ولأنَّ تعليمه بالأكل، ويتعذَّر تعليمه بدونه، بخلاف ما يصيد بنابه.
ويُشترطُ لحِلِّ ما يصِيدُهُ الجارحُ ذو النَّابِ أو ذو المِخْلَبِ أن يَجْرَحَ الصَّيْدَ إذا قَتَلَه، فإن قَتَلَ الصَّيْدَ بصَدْمٍ، أو خَنْقٍ، لم يُبَحْ؛ لأنَّه قَتَلَه بغير جَرْحٍ، أشبه ما لو قَتَلَه بمُثَقَّل.
الشرط الثالث: قَصْدُ الفِعْلِ؛ وهو إرسال الآلة لقَصْد الصَّيْد؛ لحديث عَدِيِّ بن حاتمٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ) [رواه البخاري، ومسلم].
- فلو احتكَّ الصَّيْد بمُحَدَّدٍ، أو سَقَطَ عليه فعَقَرَه بلا قَصْدٍ، لم يَحِلَّ؛ لانتفاء القَصْد.
- ولو سَمَّى إنسانٌ وأَرْسَلَ آلةَ الصَّيْد لا لقَصْدِ الصَّيْد، فقَتَلَ صَيْداً، لم يَحِلَّ.
- وإنْ أَرْسَلَ آلةَ الصَّيْد لقَصْدِ صَيْدٍ وهو لا يَعْلَمُ مكانَهُ فقَتَلَ، أو اسْتَرْسَل
стр. 1303
الجارحُ بنفسه فقَتَلَ صَيْداً، لم يَحِلَّ.
الشرط الرابع: قولُ «بسم الله» لغير أخرس -ولو بغير العربيَّة لمن يُحسِنُها- عند إرسال جارحةٍ، أو رَمْيٍ بسلاحٍ، أو نَصْبِ آلة الصَّيْدِ.
- ولا يضرُّ تقدُّم التَّسْمِيةِ على الإرسال أو الرَّمْي، إذا كان الزمن يسيراً عُرْفاً، ولا يضرُّ كذلك تأخيرُ التَّسْمِيةِ كثيراً في جارحٍ إذا زَجَرَه فانْزَجَر؛ إقامةً لذلك مقامَ ابتداء إرْسالِهِ.
- وإن تَرَكَ التَّسْمِيةَ عَمْداً أو سَهْواً، أو جهْلًا، لم يُبَحْ؛ لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث عَدِيِّ بن حاتم ﵁ قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ) [رواه البخاري، ومسلم].
وهذا بخلاف الذبيحة، فيُتَسامح في السَّهْو فيها؛ لأنَّها تكثر، ويكثر النسيان فيها، خلافاً للصيد.
* اجتماعُ سَبَبٍ مُبيحٍ وسَبَبٍ مُحرِّمٍ في قَتْل الصَّيْدُ:
ولذلك صور منها:
أ - إذا رُمِيَ صَيْدٌ فوَقَع في الماء، أو سَقَطَ من شاهقٍ، أو وُطِئَ عليه، وكلُّ ذلك يصلحُ سَبَباً لأنْ يَقْتُل، لم يَحِلَّ الصَّيْدُ، ولو مع وجود الجَرْح؛ لحديث
стр. 1304
عَدِيِّ بن حاتم ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الصَّيْد، قال: (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللّاهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) [رواه مسلم]. والتردِّي والوطء عليه كالماء في ذلك.
أمَّا إن كان لا يقتُله مثل ذلك؛ كما لو كان رأسُ الحيوان خارج الماء، أو كان من طِيْر الماء، أو كان التَّرَدِّي أو الوطء لا يَقْتُل مثلُهُ ذلك الحيوان، فالصيدُ مباحٌ.
ب- إذا رَمَى إنسانٌ صَيْداً بمُحَدَّدٍ فيه سُمٌّ يقتل مثلُه ذلك الصَّيْد، لم يُبَح الصَّيْد؛ لأنَّه اجتمع سببٌ مُبيحٌ وسببٌ مُحرِّمٌ، فغُلِّب سببُ التحريم.
ج- إذا رَمَى إنسانٌ صَيْداً في الهواء، أو على شجرةٍ، أو على حائطٍ، فسَقَط مَيِّتاً، حَلَّ الصَّيْد؛ لأنَّ الظاهر أنَّ موته إنَّما كان بإصابة الجارح له لا بالسقوط، فلا عبرة حينئذٍ بالسقوط؛ لأنَّ وقوعه على الأرض لا بُدَّ منه.
стр. 1305
كتابُ الأَيْمان
أوَّلًا: تعريفُ الأَيْمان:
الأَيْمانُ لغةً: جَمْع يَمينٍ؛ وهي القَسَمُ. سُمِّيَ بذلك أَخْذاً مِنَ اليَدِ اليُمْنَى؛ لأنَّ الحالِفَ يُعْطِي يَمِينَه ويَضْرِبُ على يَمينِ صاحِبِه؛ كما في العَهْد والمُعاقَدَة.
واصطلاحاً: تأكيدُ الشيءِ بِذِكْر مُعَظَّمٍ، على وجهٍ مخصوصٍ.
ثانياً: حُكمُ اليَمينِ:
اليمينُ مشروعةٌ بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فأمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
- ومن السُّنَّة: حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمعت الأُمَّة على مشروعيَّة اليمين، وثبوت أحكامها».
واليمين تعتريها الأحكام التكليفيَّة الخمسة؛ وذلك على النحو التالي:
أ - فتَجب؛ كما لو كان فيها نجاة إنسانٍ معصومٍ من الهَلَكَة؛ كما في أَيْمان القَسَامَة في دَعْوَى القَتْل عليه وهو بَرئٌ.
стр. 1306
ب- وتُنْدب إذا تعلَّقت بها مصلحةٌ؛ كإصلاحٍ بين مُتخاصِمَيْنِ، أو إزالة حِقْدٍ من قَلْب مُسلمٍ، ونحو ذلك.
ج - وتُباح؛ كما في الحَلِف على فِعْلٍ مباحٍ، أو على تَرْكِهِ، أو الحَلِف على الإخبار بشيءٍ هو صادقٌ فيه، ونحو ذلك.
د - وتُكْرَه؛ كما في الحَلِف على فِعْل مَكروه، أو على تَرْك مَنْدوب، أو الحَلِف في البيع والشِّراء.
هـ- وتَحرُم إذا كانت على فِعْل مَعصية، أو على تَرْك واجب، أو إذا كان الحالِفُ كاذباً عَمْداً.
ثالثاً: مَا تَنْعَقِدُ به اليَمينُ:
لا تنعقدُ اليمينُ إلَّا بما يلي:
أ - الحَلِف بالله تعالى؛ لقوله جلَّ وعَلا: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ … ﴾ [المائدة ١٠٦]، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- الحَلِف باسمٍ من أسمائه تعالى الَّذي لا يُسَمَّى به غيره؛ كالرَّحمن، وخالق الخَلْق، ومالك يوم الدِّين، وربِّ السَّماوات والأَرْضِين، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ … ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فجعل لفظة: (الله)، ولفظة (الرَّحمن) سواء في الدُّعاء، فيكونان سواء في الحَلِف.
стр. 1307
وأمَّا ما سُمِّي به غيرُه تعالى، وينصرف إلى الله تعالى عند الإطلاق؛ كالعظيم، والرَّحيم، والقادر، والرَّبِّ، والمَوْلَى، فإنْ نَوَى به الله تعالى، أو أطلق، كان يميناً؛ لأنَّه بإطلاقِهِ ينصرفُ إليه تعالى. وإن نَوَى به غير الله تعالى فليس بيمين؛ لأنَّه يُستعمَلُ في غيره.
ج- الحَلِف بصفةٍ من صفات الله تعالى؛ كعِزَّة الله، وعَظَمَته، وقُدْرَته، وعِلْمِه، ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك بإضافته إلى الله تعالى، صار يميناً بذِكْر اسمه سبحانه معه، وقرينةُ الاستعمال صارفةٌ إليه.
د - الحَلِف بالقرآن، وبكلام الله تعالى، وبسورةٍ منه، وآيةٍ منه؛ لأنَّه صفةٌ من صفاته تعالى؛ فمن حَلَف به، أو بشيءٍ منه كان حالفاً بصفته تعالى. وكذا تنعقد بالحَلِف بالمصحف؛ لأنَّه يتضمَّن القرآن الَّذي هو صفته تعالى.
هـ- الحَلِف بالتوراة ونحوها من الكتب المُنزَّلة؛ كالإنجيل، والزَّبور؛ لأنَّ إطلاق اليمين بها ينصرفُ إلى التوراة والإنجيل والزَّبور المُنزَّل من عند الله تعالى دون المُبدَّل. ولا تسقطُ حُرمةُ شيءٍ من ذلك بكونه مَنْسوخَ الحُكْم بالقرآن؛ لأنَّ غاية ذلك أن يكون كالآية المَنْسوخ حُكْمُها من القرآن، ولا تخرج بذلك عن كونها كلام الله تعالى، وإذا كانت كلامه فهي صفةٌ من صفاته؛ كالقرآن.
* حُكْم الحَلِف بالمَخْلوق:
- يَحرُمُ الحَلِف بمَخلوقٍ؛ كالأولياء، والأنبياء ﵈، والآباء ونحو ذلك، أو بالكعبة ونحوها؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ
стр. 1308
ﷺ قال: (إنَّ اللهِ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) [رواه البخاري، ومسلم]، وعن ابن عمر أنَّه سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا وَالْكَعْبَةِ. فَقَالَ: لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللّاهِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) [رواه الترمذي].
- ولا كفَّارة في الحِنْث بذلك؛ لأنَّها إنَّما وَجَبَت في الحَلِف بالله تعالى؛ صيانةً لأسمائه وصفاته جلَّ وعَلا، وغيره لا يساويه في ذلك.
رابعاً: كَفَّارَةُ اليَمينِ:
كفَّارة اليمين فيها التخيير، وفيها الترتيب.
- أمَّا التخيير؛ فيُخيَّر من لزمته كفَّارة يمينٍ بين ثلاثة؛ وهي: إطعام عَشَرة مساكين مسلمين أحرارٍ، أو كِسْوتهم، أو تحرير رَقَبةٍ مؤمنةٍ.
- وأمَّا الترتيب فبين هذه الثلاثة وبين الصيام؛ بأن عَجَزَ عن العِتْق، والإطعام، والكِسْوة، فينتقل إلى صيام ثلاثة أيَّام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
- ويجبُ في الصيام أن يكون متتابعاً إلَّا لعذرٍ من مَرَضٍ ونحوه؛ لأنَّ في قراءة أُبيٍّ وابن مسعودٍ ﵄: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ)، والظَّاهر أنَّهما سمعاه من النبيِّ ﷺ ؛ فيكون خَبَراً.
- لا يصحُّ أن يُكَفِّر الرَّقيقُ بغير الصوم؛ لأنَّه لا مال له يُكفِّر منه.
стр. 1309
- يجوز إخراج الكفَّارة قبل الحِنْث وبعده؛ لحديث عبد الرحمن بن سَمُرَة ﵁ السابق، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ). وفي لفظٍ: (فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [أحمد، وأبو داود، والنسائي].
خامساً: الكفَّارة في تكرار اليمين:
إذا كرَّر الإنسان أَيْماناً فلا يخلو من أحوال:
الأول: أن يُكرِّر أيماناً على شيءٍ واحدٍ قبل التكفير، فعليه كفَّارة واحدةٌ؛ لأنَّه حِنْثٌ واحدٌ أوجب جنساً من الكفَّارات، فلم يجب به أكثر من كفَّارة، كما لو قصد التأكيد.
الثاني: أن يحلف يميناً واحدةً على أجناسٍ مختلفةٍ؛ كأن يقول: «والله لا ذهبت إلى فلان، ولا كلَّمته، ولا أخذت منه»؛ فعليه كفَّارة واحدةٌ، سواء حنث في الجميع، أو في واحدة منها، وتنحلُّ اليمين في البقيَّة؛ لأنَّها يمينٌ واحدةٌ وحِنْثُها واحدٌ.
الثالث: أن يُكرِّر أيماناً موجبها واحدٌ، -ولو على أفعالٍ- قبل أن يُكفِّر؛ كأن يقول: «والله لا دخلت دار فلان، والله لا أكلتُ كذا، والله لا لبست كذا»، وحنث في الكلِّ، أجزأته كفَّارةٌ واحدة؛ لأنَّها كفَّارات من جِنْسٍ، فتَداخَلَت؛ كالحدود من جِنْسٍ.
стр. 1310
الرابع: أن يكرِّر أيماناً على أجناسٍ مختلفة؛ كأن يقول: «والله لا بعت كذا، والله لا اشتريت كذا، والله لا لبست كذا»، فحنث في واحدةٍ وكفَّر، ثمَّ حنث في الأخرى، لزمته كفَّارة ثانية؛ لوجوبها بالحِنْث بعد أن كفَّر عن الأولى، كما لو جامع في نهار رمضان فكفَّر، ثمَّ جامع فيه أخرى.
سادساً: شُروطُ كفَّارَةِ اليَمين:
يُشترط لوجوب الكفَّارة في اليمين خمسة شروطٍ:
أ - أن يكون الحالفُ مُكلَّفاً - بالغاً عاقلاً-؛ فلا تجبُ الكفَّارة على صغيرٍ، أو مجنونٍ، أو مغمًى عليه، أو نائمٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. ولأنَّه لا قَصْدَ لهم.
ب- أن يكون مُختاراً لليمين؛ فلا تنعقد من مُكْرهٍ عليها؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
ج- أن يكون قاصداً عَقْد اليمين؛ فلا تنعقد ممَّن سَبَق اليمين على لسانه بلا قَصْدٍ؛ كما لو قال -في عُرْضِ حديثه-: «لا والله»، أو «بلى والله»؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
стр. 1311
وعن عائشة ﵂ قالت -في اللَّغو في اليمين-: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: (هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: كَلَّا وَاللّاهِ، وَبَلَى وَاللّاهِ) [رواه أبو داود].
د - أن تكون اليمين على أَمْرٍ مُستقبَلٍ ممكنٍ؛ لأنَّ من شروط انعقاد اليمين إمكان البِرِّ والحنث فيها؛ وذلك لا يتأتَّى في الماضي، ولا في غير الممكن.
وعليه؛ فلا كفَّارة على يمينٍ في الماضي، والحالِف كاذبٌ عالمٌ بكَذِبِه، لكنَّ فِعْل ذلك من كبائر الذنوب، وهي اليمين الغَموس؛ التي تَغْمِسُ صاحبَها في الإثم، ثمَّ في النار، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: (الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللّاهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) [رواه البخاري].
ولا كفَّارة لها؛ لقول ابن مسعود ﵁: (كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ: الْيَمِينَ الْغَمُوسَ) [رواه البيهقي].
وكذا لا كفَّارة في يمين على ماضٍ يظنُّ صدق نفسه فيتبيَّن بخلافه، إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأنَّه يكثر، فلو وجبت به كفارةٌ لشقَّ وحصل الضرر، وهو منتفٍ شرعاً.
هـ- أن يحنث الحالف؛ وذلك بفِعْل ما حَلَف على تَرْكه، أو تَرْك ما حَلَف على فِعْلِه، مختاراً ذاكراً ليَمينه.
فإن لم يَحْنَث فلا كفَّارة؛ لأنَّه لم يَهْتِك حُرْمَة القَسَم. وكذا لو حَنَثَ مُكْرهاً، أو ناسياً، أو جاهلًا أنَّه المحلوف عليه، فلا كفَّارة أيضاً؛ لأنَّه غير آثم؛ لقول
стр. 1312
النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ).
فإن كان الحالِفُ قد عَيَّن وقتاً لفِعْله -كأن يقول: «والله لأُعطينَّ زيداً ماله يوم كذا» - تعيَّن ذلك الوقت لذلك الفِعْل، فإن فَعَلَه فيه بَرَّ، وإلَّا حَنَث؛ لأنَّه مقتضى يمينه.
وإن لم يُعيِّن له وقتاً لم يَحْنَث حتَّى ييأس من فِعْلِه الذي حَلَف عليه؛ وذلك بتَلَف المحلوف عليه، أو موت الحالف، ونحو ذلك ممَّا يحصل به اليأس من البِرِّ به؛ لأنَّ فِعْلَه ممكنٌ في كلِّ وقتٍ، فلا تتحقَّق مخالفة اليمين إلَّا باليأس.
سابعاً: الاسْتِثْناءُ في اليَمينِ:
من حلف بالله تعالى «لا يفعلُ كذا إن شاء الله»، أو «ليفعلنَّ كذا إن شاء الله»، أو «إن أراد الله»، أو «إلَّا أن يشاء الله»، وقَصَد تعليقَ الفِعْل على مشيئة الله تعالى أو إرادته -خلافاً لمن قال ذلك تَبرُّكاً، أو سَبَق به لسانُه بلا قَصْدٍ- فإنَّه لا يَحْنَث، فَعَل المحلوف عليه، أو ترك فِعْلَه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ) [رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. لكن يشترط لذلك شرطان:
الأوَّل: أن يتَّصل الاستثناء باليمين لفظاً؛ بأن لم يفصل بينهما بسكوتٍ ولا غيره، أو حُكْماً؛ كانقطاعه بتنفُّسٍ، أو سُعالٍ، أو عُطاسٍ، أو تثاؤبٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ الاستثناء من تمام الكلام، فاعتُبِرَ اتِّصاله، كالشَّرط وجوابه.
الثاني: أن يَقْصِد الاستثناء قبل تمام المُستثنَى منه؛ فلو حَلَف غير قاصِدٍ
стр. 1313
الاستثناء، ثمَّ عَرَض له الاستثناء بعد فراغه من اليمين فاستثنى، لم ينفعه ذلك؛ لعدم قَصْده له أوَّلًا، وقد قال النبيِّ ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري، ومسلم].
ثامناً: أَنْواعٌ من الأَيْمانِ:
أ - من قال: «طعامي عليَّ حَرامٌ»، أو: «هذا الطعام عليَّ حرامٌ»، أو علَّق التحريم بشرطٍ؛ كما لو قال: «إن أَكَلْتُ كذا فحَرامٌ»، أو: «إن فَعَلْتُ كذا فحَرامٌ»، لم يحْرُم عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فقد سمَّاه الله تعالى يَميناً، واليمين على الشَّيء لا يُحَرِّمه.
فإن فَعَلَ ما عَلَّق عليه التحريم فعليه كفَّارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: التكفير.
ب- من قال: «هو يهوديٌّ»، أو «نصرانيٌّ»، أو «مجوسيٌّ»، أو «هو يعبُدُ الصَّليب»، أو «هو يعبدُ غيرَ الله» إن فَعَل كذا، أو قال: «هو بريءٌ من الإسلام»، أو «من القرآن»، أو «من النبيِّ ﷺ »، أو قال: «هو كافرٌ بالله تعالى» إن لم يفعل كذا، فقد ارتكب مُحرَّماً؛ لحديث ثابت بن الضحَّاك ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ) [رواه مسلم]. ولحديث بُرَيدَة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ،
стр. 1314
فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا) [رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه].
- وتلزمُه التوبة منه كسائر المحرَّمات.
- وعليه كفَّارة يمينٍ إن فعل ما نفاه، أو ترك ما أثبته؛ لأنَّ قول هذه الأشياء يُوجِب هَتْك الحُرْمَة، فكان يميناً؛ كالحَلِف بالله تعالى.
- من أخبر عن نفسه بأنَّه حَلَف بالله تعالى، ولم يكن حَلَف، فهي كذبةٌ لا كفَّارة فيها.
стр. 1315
باب جامع أحكام الأَيْمان ومسائلها
أوَّلًا: الرُّجوعُ إلى نيَّة الحالِفِ:
- يُرْجع في الأَيْمان إلى نِيَّة الحالِف؛ فتتعلَّق يمينُه بما نواه، دون ما لَفَظَ به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإذا رُجِعَ إلى النيَّة في أصل اليمين؛ هل هي يمينٌ مُنعَقِدةٌ أو غير مُنعَقِدةٌ؟ فلأَنْ يُرجَعَ إليها في المراد باليمين من باب أَوْلَى. ولحديث: ( … وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ كلام الشارع يُحمَلُ على ما دلَّ دليلٌ على إرادته به، فكذا كلام غيره.
لكن يشترط لذلك شرطان:
الشَّرط الأوَّل: أن يحتمل اللَّفظُ نيَّتَه؛ كما لو نَوَى بالسَّقْف السَّماء، وبالفِراشِ أو البِساطِ الأرضَ، وباللِّباس اللَّيلَ، وبالأُخوَّة أُخوَّةَ الإسلام، ونحو ذلك.
أمَّا إذا لم يحتمل اللَّفظُ نيَّته؛ كما لو حَلَفَ لا يأكلُ خُبْزاً -مثلًا-، وقال: «أردتُ لا أدخلُ بيتاً»؛ لم تنصرف اليمينُ إلى ما نواه؛ لأنَّ اللَّفظ لا يحتمل ذلك أصلًا.
الشَّرط الثَّاني: ألَّا يكون الحالِفُ ظالماً بيمينه، فإن كان ظالماً بها لم تنفعه هذه النيَّة؛ كما لو حَلَفَ إنسانٌ عليه دَيْنٌ لغيرِه؛ قائلًا: «والله ما له عندي شيءٌ». وقال: «أردتُ بذلك مَالُهُ عندي، وهو شيءٌ»، كان ذلك كَذِباً، ولا ينفعه هذا
стр. 1316
التأويل؛ لأنَّ يمينَ الظالم على ما يُصَدِّقه به صاحبُه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ) [رواه مسلم].
ومن صور الرجوع إلى نيَّة الحالف:
- من دعاه زَيدٌ لغَداءٍ، فحَلَفَ لا يتَغَدَّى، لم يحنث إذا تَغَدَّى بغَداءِ غيرِه، إن قصد ذلك؛ لأنَّ قرينة حاله دالَّةٌ على إرادته غَداء زيدٍ دون غيره.
- وكذا لو حلف: «لا يدخلُ دارَ فُلانٍ»، وقال: «نويتُ: اليوم»، قُبِلَ ذلك منه حُكْماً؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَم إلَّا من جهته، ولفظُهُ يحتمله، فلا يحنث بدخوله الدَّار في غير ذلك اليوم الذي نواه؛ لأنَّ قَصْدَه تعلَّق به، فاختصَّ الحِنْث بالدُّخول فيه.
- ومن حَلَف على امرأته؛ فقال: «والله لا عُدْتُ رأيتُكِ تدخلين دار فلان»، ينوي بذلك مَنْعَها، فدخَلَتْها، حَنَثَ ولو لم يَرَها؛ لمخالفتها نيَّته بعدم امتناعها.
ثانياً: الرُّجوعُ إلى سَبَبِ اليَمينِ:
إذا لم يكن للحالِفِ نيَّةٌ رُجِعَ إلى سبب اليمين وما هَيَّجَها؛ لدلالة ذلك على النيِّة، فأُنيطَ الحُكْم به.
أ - فمن حَلَف: «ليَقْضِينَّ زيداً حَقَّه غداً»، فقَضاهُ قَبْلَه، لم يحنث إذا قَصَدَ عدم تجاوز الغَدِ، أو اقتضاه سببُ اليمين؛ لأنَّ مقتضى يمينه تعجيلُ القضاء قبل خروج الغَد، فتعلَّقت يمينُه به، كما لو صرَّح به.
стр. 1317
ب- أو حَلَفَ: «لا يبيعُ كذا إلَّا بمائةٍ»، فباعه بأكثر من المائة، لم يحنث؛ لدلالة القَرينة.
ج- أو حَلَفَ: «لا يدخلُ بلد كذا»؛ لِظُلْمٍ رآه فيها، فزالَ ودَخَلَها، لم يحنث؛ تقديماً لسبب اليمين على عموم لَفْظِه؛ لأنَّ السَّبب يدلُّ على النيَّة.
- أو حَلَفَ: «لا يُكلِّمُ زَيداً لشُرْبه الخَمْر»، فكلَّمه وقد ترك شُرْبَ الخَمْر؛ لم يحنث؛ لدلالة الحال على أنَّ المراد ما دام يشربها، وقد انقطع ذلك.
ثالثاً: الرُّجوعُ إلى ما عَيَّنَهُ الحالِفُ:
إذا عُدِمَتِ النيَّةُ وسببُ اليمين الذي هَيَّجَها رُجِعَ إلى التَّعيين؛ أي: إلى عَيْن المحلوف عليه، فإذا عَيَّن الحالفُ شيئاً تعلَّق الحُكْمُ به على أيِّ صفةٍ كان؛ لأنَّ التعيين أبلغُ من دلالة الاسم على المُسَمَّى؛ لأنَّه ينفي الإبهام بالكُلِّيَّة.
- فمن حَلَف: «لا يدخل دار فلان هذه»، فدخلها وقد باعها فلانٌ، أو حَلَفَ: «لا أَلْبِسُ هذا القميص»، فلَبِسَه وهو عِمامةٌ أو سَراويلُ، أو حلف: «لا أُكَلِّم هذا الصَّبيَّ»، فصار شيخاً فكَلَّمه، أو: «لا آكُلُ هذا الرُّطَبَ»، فصار تَمراً ثمَّ أَكَلَه، ولا نيَّة له ولا سبب، حَنَثَ؛ لأنَّ عين المحلوف عليه باقية.
رابعاً: الرُّجوعُ إلى ما يَتَناوَلُه الاسمُ المَحلوفُ عَليهِ:
إذا عُدِمَ ما تقدَّم من النيَّة، والسَّبب، والتَّعيين، رُجِعَ في اليمين إلى ما يتناوله الاسمُ؛ لأنَّه مقتضاه، ولا صارِفَ عنه.
стр. 1318
والأسماءُ تنقسمُ إلى ثلاثة أقسامٍ: شرعيٌّ، وعُرْفيٌّ، ولُغَويٌّ. ويُقدَّمُ عند الإطلاق -إذا اختلفت الأسماء-: الشَّرعيُّ، ثمَّ العُرْفِيُّ، ثمَّ اللُّغَويُّ.
- فالشرعيُّ: وهو ما له موضوعٌ في الشرع وموضوعٌ في اللُّغة؛ كالصَّلاة، والزَّكاة، والصوم، والحجِّ، والوضوء، والبيع، ونحو ذلك؛ فاليمين المُطْلَقةُ على فِعْل شيءٍ من ذلك أو تَرْكه تَنصرفُ إلى الموضوع الشَّرعيِّ؛ لأنَّه المتبادر للفَهْم عند الإطلاق، ولذلك حُمِل عليه كلام الشَّارع حيث لا صارف.
- وتتناول اليمينُ الصَّحيحَ منه دون الفاسِد؛ لأنَّ الفاسد ممنوعٌ منه بأصل الشَّرع؛ فمن حَلَفَ: «لا يَنْكِح»، أو «لا يَبيع»، أو «لا يشتري»، فعَقَد عَقْداً فاسداً من نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شراءٍ، لم يَحنَث؛ لأنَّ الاسم لا يتناول الفاسِدَ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ … ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وإنَّما أحلَّ الصحيح منه، وكذا النكاح.
إلَّا إنْ حَلَف: «لا يحُجُّ»، فحَجَّ حَجًّا فاسِدًا، أو حَلَف: «لا يعتمرُ»، فاعتمر عُمْرةً فاسِدَةً، فإنَّه يَحنَث، بخلاف سائر العبادات؛ وذلك لوجوب المُضِيِّ في فاسِدِهما، وكونه كالصَّحيح فيما يَحِلُّ، ويَحرُم، ويَلْزم من فِدْيةٍ.
وكذا لو قَيَّد يمينه بمُمْتَنِعِ الصِّحَّة شرعاً؛ كمن حَلَفَ: «لا يبيع الخَمْر» مثلاً، ثمَّ باعها، فإنَّه يَحنَث؛ لتَعَذُّر حَمْل يمينه على عقدٍ صحيحٍ، فتنصَرِفُ اليمين إلى ما كان على صورته.
- فإن عُدِمَ الاسمُ الشَّرعي رُجِعَ إلى الاسم العُرْفِيِّ: وهو ما اشتهرَ مَجازُه
стр. 1319
حتَّى غلب على حقيقته؛ كالظَّعينَة؛ فإنَّها حقيقةٌ في الناقَةِ يُظْعَنُ عليها، وعُرْفاً في المرأة التي في الهَوْدَج. وكالدَّابَّة؛ فإنَّها حقيقةٌ فيما دَبَّ ودَرَج، وعُرْفاً في ذوات الأربع؛ كالخَيْل، والبِغال، والحَمير. وكالغائِط؛ فإنَّه حقيقةٌ في المكان المُطْمئِنِّ من الأرض، وعُرْفاً في الخارج المُستَقْذَر، فتتعلَّق اليمينُ فيه بالعُرْف دون الحقيقة؛ لأنَّ الحقيقة صارت مهجورةً، فلا يَعْرِفُها أكثرُ الناس.
- فمن حَلَفَ: «لا يَطَأُ امرأتَهُ»، فإنَّه يَحنَثُ بجِماعِها؛ لانْصِراف اللَّفظ إليه عُرْفاَ.
- أو حَلَفَ: «لا يَدخُلُ بَيْتاً»، فإنَّه يحنث بدخول المسجد؛ لقول الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]،، ودخول بيت الشَّعْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠]، ودخول الحَمَّام؛ لما رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتَّقُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهُ الحَمَّامُ) [رواه الحاكم والطبراني].
- فإن عُدِمَ الاسم العُرْفِيُّ رُجِعَ إلى الاسم اللُّغَويِّ: وهو ما لم يَغْلِبْ مَجازُه على حقيقته.
- فمن حَلَفَ: «لا يأكلُ لَحْماً»؛ حَنَثَ بأَكْلِ لَحْم السَّمَك، وبُكلِّ لَحْمٍ، حتَّى المُحرَّم؛ كالمَيْتَةِ، والخِنْزير، ولَحْم السِّباع؛ لدُخولِه في مُسمَّى اللَّحم. بخلاف ما لا يُسمَّى لَحْماً؛ كالشَّحْم، والكَبِد، والكُلْيَة، والطِّحال، والقَلْب، ونحو ذلك، فإنَّه لا يَحنَثُ بأَكْلِه؛ لأنَّه لا يُسمَّى لَحْماً، وينفردُ عنه باسمه وصفته.
стр. 1320
- أو حَلَفَ: «لا يأكلُ رأساً، ولا بَيْضاً»، فإنَّه يَحنَثُ بأَكْل كُلِّ رأسٍ، وكُلِّ بَيْضٍ، حتَّى رأس الجَرادِ وبَيْضه؛ لأنَّ ذلك يدخلُ تحت مُسمَّى الرأس والبَيْض، فيَحنَثُ به.
стр. 1321
فصل
مسائل متفرِّقة في الأيمان
- من حَلَف: «لا يدخلُ دار زَيدٍ»، أو «لا يلبس ثوبه»، أو «لا يركبُ دابَّته»، ثمَّ دَخَل داراً، أو لَبِسَ ثوباً، أو رَكِبَ دابَّةً، جَعَلَها زيدٌ لعَبْده، فإنَّه يَحنَث؛ لأنَّ دار العَبْد وثَوبَه ودابَّتَه مِلكٌ لسيِّدِه؛ إذ العبد لا يملك.
وكذا يحنث لو دخل داراً، أو لَبِسَ ثوباً، أو رَكِبَ دابَّة، أَجَّرَها زَيدٌ للغير، أو استأجرها زَيدٌ من الغير؛ لبقاءِ مِلْكها للمُؤجِّر، ولمِلْكِه منافِعَ ما استأجَرَه. بخلاف ما لو استعارها زَيدٌ؛ فإنَّه لا يَحنَث؛ لأنَّ المُستعير لا يملك منافع ما استعاره؛ إذ الإعارة إباحةُ الانتفاع، بخلاف الإجارة.
- ومن حَلَفَ: «لا يُكَلِّم فلاناً»، فكاتَبَه، أو راسَلَه، فإنَّه يَحنَثُ؛ لأنَّ الكلام يُطلَقُ ويُرادُ به ذلك؛ بدليل صحَّة استثنائه منه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]. ولأنَّ القَصْد بيمينه هُجرانه، ولا يحصل ذلك مع مواصلته بالكتابة والمراسلة. إلَّا إذا نَوَى باليمين عدم مشافهته بالكلام؛ فلا يحنث حينئذٍ بالمكاتبة ولا المراسلة؛ لعدم المشافهة فيهما.
- ومن حَلَفَ: «أنَّه لا مِلْكَ له»، لم يَحنَث بدَيْنٍ له؛ لأنَّ المِلْك يختصُّ بالأعيان من الأموال، فلا يَعُمُّ الدَّيْن؛ لأنَّ الدَّيْن إنَّما يَتعيَّن للمِلْك بقَبْضِه.
стр. 1322
بخلاف ما لو حَلَفَ: «أنَّه لا مال له»، أو «أنَّه لا يملك مالًا»، فإنَّه يَحنَثُ بالدَّيْن؛ لأنَّه مالٌ تجبُ فيه الزَّكاة، ويصحُّ التَّصرُّف فيه بالإبراء والحوالة، ونحوهما.
- ومن حَلَفَ: «لا يَسْكُن هذه الدَّار، أو ليَخرجنَّ، أو ليَرحلنَّ منها»: لم يَبَرَّ حتَّى يَخرُج بنَفْسه وأَهْله ومَتاعه المقصود؛ وهو ما لا يَستغني عنه السَّاكن؛ لأنَّ الدَّار يَخرج منها صاحبُها كلَّ يومٍ عادةً، وظاهر حاله أنَّه لم يُرِد الخروج المعتاد، وإنَّما أراد الخروج الذي هو النُّقْلة. والنُّقْلة تكون بالأهل والمال. فإن أقام فوق زمنٍ يمكنه الخروج فيه عادةً نهاراً، ولم يخرج، حَنَثَ.
فإن لم يجد مَسْكناً ينتقل إليه، فأقام أيَّاماً في طلب النُّقْلة، لم يَحنَث؛ لأنَّ إقامته حينئذٍ لدَفْع الضَّرر، لا للسُّكْنى.
وكذا لو أبَتْ زوجتُه الخروج معه، ولا يمكنه إجبارها، فخرج وَحْده،
لم يَحنَث؛ لوجود مَقْدوره من النُّقْلة.
* فِعْل الوَكِيلِ فيما حَلَفَ عليه المُوَكِّلُ:
- فِعْلُ الوكيل كالمُوَكِّل؛ فمن حَلَفَ: «ليَفْعَلَنَّ كذا»، فوَكَّل فيه من يفعله بَرَّ.
ولو حَلَفَ: «لا يَفعَلُ كذا»، فوَكَّل فيه من يفعله، حَنَثَ؛ لأنَّ الفِعْل يُضاف إلى المُوَكِّل فيه والآمِر به؛ كما في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾
стр. 1323
[الفتح: ٢٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنَّما الحالق غيرهم.
وإذا أُضيف فِعْلُ الوكيل إلى المُوكِّل حَنَثَ؛ لوجود المحلوف عليه، إلَّا إذا نَوى مباشَرَتَه بنَفْسه، فتُقدَّم نيَّتُه؛ لأنَّ لفظه يحتمله.
وهذا فيما تدْخُله النيابة، بخلاف من حَلَفَ: «ليَطَأنَّ»، أو «ليأكُلَنَّ»، ونحو ذلك، فلا يقوم غيره مقامه فيه.
стр. 1324
باب النَّذر
أوَّلًا: تعريفُ النَّذْر:
النَّذْرُ لغةً: الإيجابُ، يقال: فُلانٌ نَذَرَ دَمَ فُلانٍ، أي: أَوْجَبَ قَتْلَهُ.
واصطلاحاً: إلْزامُ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ نَفْسَهُ لله تَعالَى شيئاً غيَر مُحالٍ، بكُلِّ قَوْلٍ يَدلُّ عليه.
ثانياً: حُكمُ النَّذْر:
النَّذْرُ ابتداءً مكروهٌ، لا يأتي بخيرٍ، ولا يَرُدُّ قَضاءً؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ : (أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) [رواه البخاري، ومسلم]. وفي لفظٍ: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) [رواه البخاري].
ومع هذا أجمع العلماءُ على صِحَّته إذا صَدَر، وعلى لُزوم الوفاء به في الجُملة؛ لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ولقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) [رواه البخاري].
ثالثاً: شُروطُ صِحَّةِ النَّذْر:
يُشترط لصِحَّة النَّذْر ثلاثة شروطٍ:
الشرط الأوَّل: أن يكون من مكلَّفٍ - بالغٍ عاقلٍ-؛ لحديث عليٍّ رضي الله
стр. 1325
عنه عن النبيِّ ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].
الشرط الثاني: أن يكون مختاراً؛ فلا يصحُّ نَذْرُ المُكْرَه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
الشرط الثالث: أن يكون بالقَوْل؛ فلا ينعقدُ بغيره؛ لأنَّ النذر التزامٌ؛ فلم ينعقد بغير قَوْلٍ؛ كالنِّكاح، والطَّلاق. إلَّا من أَخْرَسَ بإشارةٍ مفهومةٍ؛ كيَمينِهِ.
رابعاً: أَنْواعُ النَّذْر:
أنواع النَّذْر المنعقدة سِتَّةٌ:
النوع الأوَّل: النَّذْر المُطْلَق؛ كقوله: «لله عليَّ نَذْرٌ»، أو «لله عليَّ نذرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا»، وفعله، ولم يسمِّ شيئًا، ولا نيَّة له بشيءٍ؛ فعليه كَفَّارة يمينٍ؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: (مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) [رواه ابن أبي شيبة].
النوع الثَّاني: نَذْرُ لَجَاجٍ وغَضَبٍ: وهو تعليقُ النَّذْر بشَرْطٍ يقْصِدُ النَّاذِرُ المَنْعَ منه؛ أي: من الشرط المعلَّق عليه، أو الحَثَّ عليه، أو التصديق إذا كان خَبَراً.
стр. 1326
فالأوَّل: كقوله: «إن كلَّمتُك، فعَلَيَّ الحجُّ، أو صَوْم سَنَةٍ، أو مالِي صَدَقَةٌ».
والثَّاني: كقوله: «إن لم أُخبرك بكذا فعَلَيَّ الحجُّ».
والثالث: كقوله: «إن لم يكن هذا الخَبَرُ صِدْقًا فعَليَّ صوم يومٍ».
وهذا النوع يمينٌ؛ يُخيَّر فيه الناذر بين فِعْل ما حَلَفَ عليه؛ فلا يلزمه شيءٌ، وبين الحنث فيه، فيُكفِّر كَفَّارَة يمينٍ.
النوع الثَّالث: نَذْر فِعْلٍ مُباحٍ؛ كقوله: «لله عليَّ أن أَلْبِسَ ثَوْبي»، أو «لله عليَّ أن أركب دابَّتي»، فيُخيَّر أيضاً بين فِعْل ذلك ولا يُكَفِّر، وبين عدم الفِعْل ويُكفِّر كفَّارة يمينٍ؛ كما لو حلف عليه؛ لحديث عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، قَالَ: أَوْفِي بِنَذْرِكِ) [رواه أبو داود]. ولحديث عُقْبة بن عامِرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) [رواه مسلم]. ولأنَّه لو حَلَف على فِعْلٍ مباحٍ بَرَّ بفِعْلِه، فكذلك إذا نَذَرَه؛ لأنَّ النَّذر كاليمين.
وإن شاء تَرَكَه وعليه كَفَّارة يمين؛ كما لو حَلَفَ ليفعلنَّه، فلم يفعل.
النَّوع الخامس: نَذْرُ فِعْل مَعْصيةٍ؛ كنَذْرِ شُرْب خَمْرٍ، أو صوم يوم عيدٍ، أو صوم أيَّام التشريق، أو تَرْك واجبٍ؛ فهذا يَحرُم الوفاء به؛ لحديث عائشة
﵂ السابق، وفيه: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)، ولأنَّ المعصية لا تُباح في حال من الأحوال.
стр. 1327
ويجبُ التَّكْفير إن لم يفعله؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. فإن وفَّى الناذر بفعل المعصية أثِمَ ولا كفَّارة عليه.
ويَقْضي الصوم المنذور في يوم العيد، أو أيَّام التشريق بعدها؛ لانعقاد نَذْرِه؛ فتصحُّ منه القُرْبة، ويَلْغو تَعيينُه؛ لأنَّه معصية؛ كنَذْر مريضٍ صومَ يومٍ يُخاف عليه فيه؛ فينعقدُ نَذْرُه، ويَحرُم صومه.
النَّوع السَّادس: نَذْرُ تَقَرُّبٍ؛ كنذر صلاة، أو صيامٍ، أو اعتكافٍ، أو صدقةٍ، أو عيادة مريضٍ، أو حجٍّ، أو عُمْرةٍ، ونحو ذلك بقصد التَّقرُّب إلى الله تعالى، سواء كان نذراً مُطْلَقاً؛ أي غير مُعلَّقٍ بشَرْطٍ؛ كما لو قال: «لله عليَّ صومٌ، أو صلاةٌ»، ونحو ذلك. أو كان مُعَلَّقاً بشرطِ وجود نِعْمةٍ يرجوها، أو دَفْع نِقْمةٍ يخافها؛ كما لو قال: «إن شَفَى الله مريضي، أو إن سَلَّم الله مَالِي؛ لأتصدَّقنَّ بكذا». فيلزمه الوفاء به -أي: بالنَّذْر المُطْلَق، وبالنَّذْر المُعَلَّق إن وُجِدَ ما شَرَطَه-؛ لعموم حديث عائشة ﵂ السابق: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ). ولأنَّ الله تعالى ذمَّ الذين ينذرون ولا يوفون؛ فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
стр. 1328
خامساً: مَسائِلُ مُتفَرِّقَةٌ:
أ - من نَذَر صوم شهر معيَّن؛ كالمحرَّم مثلاً، لزمه صومه متتابعاً؛ لأنَّ إطلاق الشهر يقتضي التتابع. فإن أفطر لغير عذرٍ حَرُم؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ).
ويلزمه استئناف الصوم من جديد؛ لأنَّه صومٌ يجبُ متتابعاً بالنَّذْر، كما لو اشترط التتابع؛ فيصوم شهراً من يوم فِطْرِه، وعليه كفَّارة يمين؛ لفوات زمن النَّذْر عن وقته.
وإن أفطر لعذرٍ؛ كمرضٍ، وسَفَرٍ، وحيضٍ، ونحو ذلك؛ بنى على ما صامه، وقضى ما أفطره متتابعاً متَّصلاً بتمام الشهر، وعليه كفَّارة يمين؛ لفوات زمن النَّذْر.
ب- ولو نَذَرَ صوم شهرٍ مطلقاً؛ أي: من غير تعيين الشَّهر، لزمه صيامه متتابعاً أيضاً؛ لأنَّ إطلاق الشهر يقتضي التتابع، كما لو نواه، سواء صام شهراً هلاليًّا من أوَّله، أو صام ثلاثين يوماً بالعدد.
وكذا لو نَذَر صوماً متتابعاً غير مقيَّد بزمنٍ؛ لزمه التتابع؛ وفاءً بنَذْرِه.
فإن أفطر لغير عذرٍ لزمه استئناف الصوم من أوَّله؛ ليتدارك ما تَرَكَه من التَّتابع المنذور بلا عذرٍ. ولا كفَّارة عليه حينئذٍ؛ لأنَّه فَعَلَ المنذور على وجهه.
وإن كان إفطاره لعذرٍ؛ خُيِّر بين استئناف الصوم من جديد ولا كفَّارة عليه؛ لإتيانه بالمنذور حينئذٍ على وجهه، وبين أن يبنيَ على صومه، ويُكفِّر
стр. 1329
كفَّارة يمينٍ؛ لفوات التتابع، إذ لم يأت بالمنذور على وجهه.
ج- من نَذَر أن يصلِّيَ صلاةً جالساً، فله أن يصلِّيَها قائماً، ولا كفَّارة عليه؛ لأنَّه أتى بأفضل ممَّا نَذَره.
стр. 1330
كتاب القضاء
أوَّلًا: تعريفُ القَضاءِ:
القضاءُ لغةً: إِحْكامُ الشَّيءِ والفَراغُ منه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. ويأتي أيضاً بمعنى أوجب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وبمعنى إمضاء الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أمضينا.
واصطلاحاً: هو تَبْيينُ الحُكْم الشرعيِّ والإلْزامُ به، وفَصْل الخُصومات.
ثانياً: حُكمُ القَضاءِ:
القضاءُ بين النَّاس مشروعٌ بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فأمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
- وأمَّا السنَّة: فحديث عَمْرو بن العاص ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) [رواه البخاري، ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على مشروعية نَصْب
стр. 1331
القُضاةِ للفَصْل بين الناس».
- والقضاءُ فَرْض كفايةٍ؛ لأنَّ أَمْرَ النَّاس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً، كالإمامة العُظْمى؛ فيجب على الإمام أن يَنْصب في كلِّ إقليمٍ قاضياً؛ لأنَّ الإمام لا يُمكنه تولِّي الخصومات والنظر فيها في جميع البلاد بنفسه، فوجب أن يُرتِّب في كلِّ إقليمٍ من يتولَّى فَصْل الخصومات بين النَّاس؛ لئلَّا تضيع الحقوق بتوقف فَصْل الخصومات على السَّفَر للإمام؛ لما فيه من المشقَّة، وكُلْفة النَّفقة.
وقد بعثَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه القضاةَ للأمصار؛ فبعث النبيُّ ﷺ عليًّا ﵁ إلى اليَمَن قاضياً. [رواه أبو داود، والترمذي]، وبعث معاذاً ﵁ قاضياً أيضاً. [رواه البخاري، ومسلم]، وولَّى عُمَرُ ﵁ شُريحاً قضاءَ الكوفة، وولَّى كَعْب بن سُورٍ قضاءَ البَصْرة. [رواه ابن أبي شيبة].
- ويجب على الإمام أن يختار لذلك المنصب أفضل من يَجِدُ عِلْماً ووَرَعاً؛ لأنَّ الإمام ناظرٌ للمسلمين، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم.
- ويأمرُ الإمامُ القاضي إذا ولَّاه بتقوى الله؛ لأنَّها رأس الدِّين. ويأمرُه بتَحَرِّي العَدْل؛ أي: إعطاء الحقِّ لمستحقِّه من غير مَيْلٍ، إذ هو المقصود من القضاء.
- وتصحُّ ولاية القضاء والإِمارة منجَّزةً؛ كما لو قال الإمام: «ولَّيْتُك القضاءَ الآن».
стр. 1332
وتصحُّ أيضاً معلَّقةً بشرطٍ؛ كما لو قال: «إن مات فلانٌ القاضي، أو الأمير؛ فقد ولَّيتُ فلاناً عِوَضَه»؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَّر زَيْدَ بن حارِثَة في غزوة مُؤْتَة فقال: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) [رواه البخاري].
ثالثاً: شُروطُ صِحَّةِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ:
يُشترط لصحَّة تولية القضاء ما يلي:
أ - أن تكون من الإمام، أو نائبه في القضاء؛ لأنَّ ولاية القضاء من المصالح العامَّة، فلا تجوز إلَّا من جهة الإِمام؛ كعَقْد الذِّمِّة. ولأنَّ الإمام صاحب الأمر والنَّهي؛ فلا يُفْتأَتُ عليه في ذلك.
ب- أن يُعيِّن له الإمامُ ما يُولِّيه الحُكم فيه من الأعمال؛ وهو ما يجمع بلداناً وقُرًى متفرِّقة؛ كالعراق ونواحيه مثلاً، والبلدان؛ كمكَّة والمدينة؛ وذلك ليعلم محلَّ ولايته فيحكم فيه، ولا يحكم في غيره. ولأنَّه عَقْد ولاية يُشترط فيه الإيجاب والقبول، فلا بُدَّ من معرفة المعقود عليه؛ كالوكالة.
ج- مُشافَهَتُه بالولاية في المَجْلِس إن كان حاضراً، ومُكاتَبَتُه بها إن كان غائباً؛ لأنَّ التولية تحصل بذلك؛ كالتوكيل. ولأنَّ النبيَّ ﷺ كتب لعَمْرو بن حَزْمٍ حين بَعَثَه لليَمَن. [رواه النسائي]. وكتب عُمُرُ ﵁ إلى أهل الكوفة: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُؤَدِّبًا وَوَزِيرًا» [رواه ابن أبي شيبة].
стр. 1333
د - معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء؛ لأن مقصود القضاء لا يصلح إلَّا بذلك، ولأنَّ الأصل العدم، فلا تجوز توليته مع عدم العلم بأهليَّته، كما لا يجوز توليته مع عدم العلم بصلاحيَّته.
هـ- إشْهادُ عَدْلَيْن على تَوْلِيتِه؛ إذا كان البلدُ الذي ولَّاه فيه بعيداً لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام؛ لأنَّ العِلْم لا يَحصُل إلَّا بذلك. فإن كان البلد قريباً من بلد الإمام بحيث يستفيض فيه ما يجري في بلد الإمام، اكتفي بالاستفاضة؛ إذ الاستفاضة آكَد من الشَّهادة، ولهذا يَثْبُت بها النَّسَب والموت، فلا حاجة معها إلى الشَّهادة.
رابعاً: الأَلْفاظُ التي تَنْعَقِدُ بها وِلايَةُ القَضاءِ:
الألفاظ التي تنعقد بها ولاية القضاء؛ منها ما هو صريحٌ، ومنها ما هو كنايةٌ:
أ - فالصَّريح منها سبعةُ ألفاظ؛ وهي: «ولَّيتُك الحُكم»، «قَلَّدتُك الحُكم»، «فَوَّضْتُ إليك الحُكم»، «رَدَدْتُ إليك الحُكم»، «جَعَلْتُ إليك الحُكم»، «استَخْلَفْتُك في الحُكم»، «استَنبْتُك في الحُكم».
فإذا وُجِد أحد هذه الألفاظ السبعة، وقَبِل المُوَلَّى الحاضرُ في المجلس، أو قَبِلَ المُوَلَّى الغائبُ بعد بلوغ الولاية له، أو شَرَعَ الغائبُ في العَمَل، انعقدت الولاية؛ لأنَّ هذه الألفاظ تدلُّ على ولاية القضاء دلالةً لا تفتقر معها إلى شيءٍ آخر.
стр. 1334
ب- وأمَّا الكناية؛ فنحو: «اعْتَمَدْتُ عليكَ»، «عَوَّلْتُ عليك»، «وَكَّلْتُ إليك»، «اسْتَنَدْت إلَيْكَ». فلا تنعقد الولاية بهذه الألفاظ إلَّا بقرينةٍ، نحو: «فاحْكُم، أو فاقْضِ فيه»، أو «فَتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه»؛ لأنَّ هذه الألفاظ تحتمل الولاية وغيرها؛ كالأخذ برأيه ونحو ذلك، فلا تنصرف إلى التولية إلَّا بقرينةٍ تنفي الاحتمال.
خامساً: ما تُفيدُهُ وِلايَةُ الحُكْمِ:
إذا صَحَّت ولاية القضاء، وكانت عامَّة؛ أي: لم تقيَّد بحالٍ دون حال، استفاد بها القاضي النَّظر في أشياء، والإلزام بها؛ وهي:
أ - الفصل في الخصومات بين المتنازعين.
ب- أَخْذُ الحقِّ ممَّن يجبُ عليه، ودَفْعُه للمستحِقِّ.
ج- النَّظر في مال اليتيم، والمجنون، والسَّفيه، الذين لا وَلِيَّ لهم.
د - النَّظر في مال الغائب؛ لئلَّا يضيع، إلَّا إذا كان له وكيل.
هـ- الحَجْرُ على من يرى الْحَجْر عليه لسَفَهٍ، أو فَلَسٍ؛ لأنَّ الْحَجْر يفتقر إلى نظرٍ واجتهادٍ، فلذلك كان مُختصًّا به.
و- النَّظر في الأوقاف التي في عَمَلِه؛ لتجري على شروطها.
ز- النَّظر في مصالح عَمَله؛ بِكَفِّ الأذى عن طُرُقات المسلمين وأفْنيتهم؛ لأنَّه مُرْصَدٌ للمصالح.
ح- تنفيذ الوصايا؛ لأن الميِّت محتاج إلى ذلك كغيره.
стр. 1335
ط- تزويج من لا وَلِيَّ لها من النِّساء؛ لما روت عائشة ﵂، أنَّ النبي ﷺ قال: (فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]، والقاضي نائبه.
ي- إقامة الحدود؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُقيمها، وكذا الخُلفاء من بَعْدِه.
ك- تَصَفُّح حال الشهود؛ ليَستبقي من يَصْلُح، ويَستَبْدل من ثَبَت جَرْحُه.
ل- الإمامة في صلاة الجمعة والعيد، ما لم يُخَصَّا بإمامٍ من جهة السلطان أو الواقف، عملاً بالعادة في ذلك.
ل- جِباية الخَراج والزكاة، ما لم يُخصَّا بعاملٍ من جهة الإمام يَجْبيهما.
سادساً: حُكمُ القاضِي في غَيْر مَحَلِّ عَمَلِه:
- إذا وَلَّى الإمامُ القاضي في مَحلٍّ خاصٍّ فلا يَنْفُذ حُكمه في غير مَحلِّ عَمَله؛ لأنَّه لم يدخل تحت ولايته. ولذا لا يحكم في غير محلِّه، ولا يسمع بيِّنةً في غير محلِّ عمله.
سابعاً: شُروطُ القاضي:
يُشترط في القاضي عَشْر خصالٍ:
أ - أن يكون مُسلِماً؛ لأنَّ الإسلام شرطٌ للعدالة والشهادة، فأَوْلَى أن يكون شَرْطاً للقضاء.
ب، ج- أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأنَّ غير البالغ والعاقلِ تحت ولاية غيره،
следующие страницы →