← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

القُضاةِ للفَصْل بين الناس». - والقضاءُ فَرْض كفايةٍ؛ لأنَّ أَمْرَ النَّاس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً، كالإمامة العُظْمى؛ فيجب على الإمام أن يَنْصب في كلِّ إقليمٍ قاضياً؛ لأنَّ الإمام لا يُمكنه تولِّي الخصومات والنظر فيها في جميع البلاد بنفسه، فوجب أن يُرتِّب في كلِّ إقليمٍ من يتولَّى فَصْل الخصومات بين النَّاس؛ لئلَّا تضيع الحقوق بتوقف فَصْل الخصومات على السَّفَر للإمام؛ لما فيه من المشقَّة، وكُلْفة النَّفقة. وقد بعثَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه القضاةَ للأمصار؛ فبعث النبيُّ ﷺ عليًّا ﵁ إلى اليَمَن قاضياً. [رواه أبو داود، والترمذي]، وبعث معاذاً ﵁ قاضياً أيضاً. [رواه البخاري، ومسلم]، وولَّى عُمَرُ ﵁ شُريحاً قضاءَ الكوفة، وولَّى كَعْب بن سُورٍ قضاءَ البَصْرة. [رواه ابن أبي شيبة]. - ويجب على الإمام أن يختار لذلك المنصب أفضل من يَجِدُ عِلْماً ووَرَعاً؛ لأنَّ الإمام ناظرٌ للمسلمين، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم. - ويأمرُ الإمامُ القاضي إذا ولَّاه بتقوى الله؛ لأنَّها رأس الدِّين. ويأمرُه بتَحَرِّي العَدْل؛ أي: إعطاء الحقِّ لمستحقِّه من غير مَيْلٍ، إذ هو المقصود من القضاء. - وتصحُّ ولاية القضاء والإِمارة منجَّزةً؛ كما لو قال الإمام: «ولَّيْتُك القضاءَ الآن».

стр. 1332

وتصحُّ أيضاً معلَّقةً بشرطٍ؛ كما لو قال: «إن مات فلانٌ القاضي، أو الأمير؛ فقد ولَّيتُ فلاناً عِوَضَه»؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَّر زَيْدَ بن حارِثَة في غزوة مُؤْتَة فقال: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) [رواه البخاري]. ثالثاً: شُروطُ صِحَّةِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ: يُشترط لصحَّة تولية القضاء ما يلي: أ - أن تكون من الإمام، أو نائبه في القضاء؛ لأنَّ ولاية القضاء من المصالح العامَّة، فلا تجوز إلَّا من جهة الإِمام؛ كعَقْد الذِّمِّة. ولأنَّ الإمام صاحب الأمر والنَّهي؛ فلا يُفْتأَتُ عليه في ذلك. ب- أن يُعيِّن له الإمامُ ما يُولِّيه الحُكم فيه من الأعمال؛ وهو ما يجمع بلداناً وقُرًى متفرِّقة؛ كالعراق ونواحيه مثلاً، والبلدان؛ كمكَّة والمدينة؛ وذلك ليعلم محلَّ ولايته فيحكم فيه، ولا يحكم في غيره. ولأنَّه عَقْد ولاية يُشترط فيه الإيجاب والقبول، فلا بُدَّ من معرفة المعقود عليه؛ كالوكالة. ج- مُشافَهَتُه بالولاية في المَجْلِس إن كان حاضراً، ومُكاتَبَتُه بها إن كان غائباً؛ لأنَّ التولية تحصل بذلك؛ كالتوكيل. ولأنَّ النبيَّ ﷺ كتب لعَمْرو بن حَزْمٍ حين بَعَثَه لليَمَن. [رواه النسائي]. وكتب عُمُرُ ﵁ إلى أهل الكوفة: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُؤَدِّبًا وَوَزِيرًا» [رواه ابن أبي شيبة].

стр. 1333

د - معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء؛ لأن مقصود القضاء لا يصلح إلَّا بذلك، ولأنَّ الأصل العدم، فلا تجوز توليته مع عدم العلم بأهليَّته، كما لا يجوز توليته مع عدم العلم بصلاحيَّته. هـ- إشْهادُ عَدْلَيْن على تَوْلِيتِه؛ إذا كان البلدُ الذي ولَّاه فيه بعيداً لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام؛ لأنَّ العِلْم لا يَحصُل إلَّا بذلك. فإن كان البلد قريباً من بلد الإمام بحيث يستفيض فيه ما يجري في بلد الإمام، اكتفي بالاستفاضة؛ إذ الاستفاضة آكَد من الشَّهادة، ولهذا يَثْبُت بها النَّسَب والموت، فلا حاجة معها إلى الشَّهادة. رابعاً: الأَلْفاظُ التي تَنْعَقِدُ بها وِلايَةُ القَضاءِ: الألفاظ التي تنعقد بها ولاية القضاء؛ منها ما هو صريحٌ، ومنها ما هو كنايةٌ: أ - فالصَّريح منها سبعةُ ألفاظ؛ وهي: «ولَّيتُك الحُكم»، «قَلَّدتُك الحُكم»، «فَوَّضْتُ إليك الحُكم»، «رَدَدْتُ إليك الحُكم»، «جَعَلْتُ إليك الحُكم»، «استَخْلَفْتُك في الحُكم»، «استَنبْتُك في الحُكم». فإذا وُجِد أحد هذه الألفاظ السبعة، وقَبِل المُوَلَّى الحاضرُ في المجلس، أو قَبِلَ المُوَلَّى الغائبُ بعد بلوغ الولاية له، أو شَرَعَ الغائبُ في العَمَل، انعقدت الولاية؛ لأنَّ هذه الألفاظ تدلُّ على ولاية القضاء دلالةً لا تفتقر معها إلى شيءٍ آخر.

стр. 1334

ب- وأمَّا الكناية؛ فنحو: «اعْتَمَدْتُ عليكَ»، «عَوَّلْتُ عليك»، «وَكَّلْتُ إليك»، «اسْتَنَدْت إلَيْكَ». فلا تنعقد الولاية بهذه الألفاظ إلَّا بقرينةٍ، نحو: «فاحْكُم، أو فاقْضِ فيه»، أو «فَتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه»؛ لأنَّ هذه الألفاظ تحتمل الولاية وغيرها؛ كالأخذ برأيه ونحو ذلك، فلا تنصرف إلى التولية إلَّا بقرينةٍ تنفي الاحتمال. خامساً: ما تُفيدُهُ وِلايَةُ الحُكْمِ: إذا صَحَّت ولاية القضاء، وكانت عامَّة؛ أي: لم تقيَّد بحالٍ دون حال، استفاد بها القاضي النَّظر في أشياء، والإلزام بها؛ وهي: أ - الفصل في الخصومات بين المتنازعين. ب- أَخْذُ الحقِّ ممَّن يجبُ عليه، ودَفْعُه للمستحِقِّ. ج- النَّظر في مال اليتيم، والمجنون، والسَّفيه، الذين لا وَلِيَّ لهم. د - النَّظر في مال الغائب؛ لئلَّا يضيع، إلَّا إذا كان له وكيل. هـ- الحَجْرُ على من يرى الْحَجْر عليه لسَفَهٍ، أو فَلَسٍ؛ لأنَّ الْحَجْر يفتقر إلى نظرٍ واجتهادٍ، فلذلك كان مُختصًّا به. و- النَّظر في الأوقاف التي في عَمَلِه؛ لتجري على شروطها. ز- النَّظر في مصالح عَمَله؛ بِكَفِّ الأذى عن طُرُقات المسلمين وأفْنيتهم؛ لأنَّه مُرْصَدٌ للمصالح. ح- تنفيذ الوصايا؛ لأن الميِّت محتاج إلى ذلك كغيره.

стр. 1335

ط- تزويج من لا وَلِيَّ لها من النِّساء؛ لما روت عائشة ﵂، أنَّ النبي ﷺ قال: (فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]، والقاضي نائبه. ي- إقامة الحدود؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُقيمها، وكذا الخُلفاء من بَعْدِه. ك- تَصَفُّح حال الشهود؛ ليَستبقي من يَصْلُح، ويَستَبْدل من ثَبَت جَرْحُه. ل- الإمامة في صلاة الجمعة والعيد، ما لم يُخَصَّا بإمامٍ من جهة السلطان أو الواقف، عملاً بالعادة في ذلك. ل- جِباية الخَراج والزكاة، ما لم يُخصَّا بعاملٍ من جهة الإمام يَجْبيهما. سادساً: حُكمُ القاضِي في غَيْر مَحَلِّ عَمَلِه: - إذا وَلَّى الإمامُ القاضي في مَحلٍّ خاصٍّ فلا يَنْفُذ حُكمه في غير مَحلِّ عَمَله؛ لأنَّه لم يدخل تحت ولايته. ولذا لا يحكم في غير محلِّه، ولا يسمع بيِّنةً في غير محلِّ عمله. سابعاً: شُروطُ القاضي: يُشترط في القاضي عَشْر خصالٍ: أ - أن يكون مُسلِماً؛ لأنَّ الإسلام شرطٌ للعدالة والشهادة، فأَوْلَى أن يكون شَرْطاً للقضاء. ب، ج- أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأنَّ غير البالغ والعاقلِ تحت ولاية غيره،

стр. 1336

فلا يكون والياً على غيره. د - أن يكون ذَكَراً؛ لحديث أبي بَكْرَة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً) [رواه البخاري]. ولأنَّ القاضي يحضر محافِل الخصوم والرِّجال، والمرأةُ ليست أهلًا للحضور في محافِل الرِّجال. هـ- أن يكون حُرًّا؛ لأنَّ غير الحُرِّ منقوصٌ بِرِقِّه، مشغولٌ بحقوق سيِّده. و - أن يكون عَدْلًا؛ فلا يجوز تولية الفاسق، ولا من فيه نَقْصٌ يمنع قبول شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. ولأنَّ الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فأَوْلَى ألَّا يكون قاضياً. ز - أن يكون سَميعاً؛ لأنَّ الأَصَمَّ لا يسمع كلام الخَصْمَيْن. ح- أن يكون بَصيراً؛ لأنَّ الأعمى لا يميِّز المدَّعِي من المدَّعَى عليه، ولا المُقِرَّ من المُقَرِّ له. ط- أن يكون مُتَكَلِّماً؛ لأنَّ الأخرس لا يمكنه النُّطق بالحُكم، ولا يَفْهم جميع الناس إشارته. ك- أن يكون مُجتَهِداً؛ لأنَّ فاقد الاجتهاد إنَّما يحكُم بالتَّقليد، والقاضي مأمورٌ بالحُكم بما أنزل الله. ولقول الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٣]. ولو كان اجتهاده في مذهب إمامِه؛ للضرورة؛ بأن لم يوجد مجتهدٌ مطلقٌ، فيراعي حينئذٍ ألفاظ إمامه، ومتأخِّرها، ويقلِّد كبار أهل مذهبه في ذلك،

стр. 1337

لأنَّهم أدرى به (١). ثامناً: تَحكيمُ غَيْرِ القاضِي: إذا حَكَّم اثنان فأكثر بينهما رَجُلًا يَصْلُحُ للقضاء؛ بأن اتَّصفَ بما تقدَّم من شروط القاضي، فحَكَم بينهما، نفَذَ حُكمُه في كُلِّ ما يَنْفُذ فيه حُكْم من ولَّاه الإمام أو نائبه، في المال، والقِصاص، والحدود، والنكاح، واللِّعان، وغيرها؛ لحديث أبي شُرَيحٍ ﵁، وفيه أنَّه قال للنبيِّ ﷺ : (إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا) [رواه أبو داود، والنسائي]. ويَرفَعُ حُكمُه الخِلاف؛ فلا يَحلُّ لأحدٍ نَقْضَه حيث أصاب الحقَّ؛ لأنَّ مَنْ جاز حُكْمُه لَزِمَ؛ كحُكْم القاضي الذي ولَّاه الإمام.

стр. 1338

فصل آداب القاضي المقصود بالآداب هنا: الأخلاق التي ينبغي للقاضي التخلُّق بها، وهذا يشمل ما يجب عليه، وما يُسنُّ له، وذلك على النحو التالي: أوَّلًا: ما يُسَنُّ له: يُسنُّ للقاضي ما يلي: أ - أن يكون قويًّا بلا عنفٍ؛ لئلَّا يطمع فيه الظَّالم. ب- ليِّناً بلا ضعفٍ؛ لئلَّا يهابه صاحب الحقِّ. ج- حليماً؛ لئلَّا يغضب من كلام الخصوم؛ فيمنعه ذلك من الحكم بينهم. د - مُتأنِّياً؛ من التأنِّي، وهو ضدُّ العجلة؛ لئلَّا تؤدِّي عجلته إلى ما لا ينبغي. هـ- مُتفطِّناً؛ لئلَّا يُخدَع من بعض الخصوم لغِرَّةٍ. و - عفيفاً؛ أي كَافًّا نَفْسَه عن الحرام؛ لئلَّا يُطْمَع في ميله بإطماعه. ز - بصيراً بأحكام الحُكَّام قَبْلَه؛ ليَسْهُل عليه الحُكْم، وتتَّضح له طريقه. ح- أن يُحْضِر مَجْلِسه فقهاء المذاهب، ويُشاورهم فيما يُشْكِل عليه إن أمكن؛ فإنَّه أسرع لاجتهاده، وأقرب لصوابه؛ قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 1339

ثانياً: ما يَجِبُ عَلَيْهِ: ويجب على القاضي ما يلي: أ - أن يَعْدِلَ بين الخَصْمَيْن في لَفْظِه، وملاحظته، وفي مَجلِسه، وفي الدُّخول عليه؛ لأنَّه إذا مَيَّز أحدَهما حُصِر الآخر وانكسر، وربما لم تَقُم حُجَّةٌ له؛ فيؤدِّي ذلك إلى ظُلْمه. إلَّا إذا ترافع إليه مسلمٌ مع كافرٍ؛ فيُقدِّم المُسلِم عليه في الدُّخول، ويرفعه عليه في الجلوس؛ لحُرْمة الإسلام؛ قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. ب- أن يوصي الوكلاء والأعوان على بابه بالرِّفْق بالخصوم؛ لئلَّا يَضرُّوا بالنَّاس، وتنبيهاً لهم على الفِعْل الجميل اللَّائق بمجالس الحكَّام والقُضاة. ويجتهد القاضي أن يكون هؤلاء الوكلاء والأعوان كباراً في السِّنِّ، ومن أهل الدِّين والعِفَّة والصيانة؛ لأنَّ كونهم كذلك أقلُّ شرًّا؛ لأنَّ القاضي تأتيه النِّساء، وفي اجتماع الشَّباب بهنَّ مفسدةٌ. ثالثاً: ما يَحرُمُ عليه: يحرم على القاضي ما يلي: أ - أَخْذُ الرِّشْوَة؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي) [رواه أبو داود، والترمذي]. ب- أَخْذُ الهديَّة؛ لحديث أبي حُمَيدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قال: (اسْتَعْمَلَ

стр. 1340

رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا. ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ. وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ القصد بها غالباً استمالة القاضي ليعتني به في الحُكم، فأشبهت الرِّشْوة. إلَّا إذا كان ممَّن يهاديه قبل ولايته؛ لأنَّها حينئذٍ لا تكون من أجل الولاية؛ لوجود سببها قَبْلها، فيُباح قبولها حينئذٍ؛ لانتفاء التُّهمة. بشرط ألَّا تكون له قضيَّة عنده، وإلَّا لم يَجُز أَخْذُها؛ لما فيها من استمالة القاضي في الحُكْم. ج- أن يُسَارَّ أحدَ الخَصْمَيْن، أو يُضَيِّفه دون الآخر، أو يقوم له دون الآخر، أو يُلقِّنه حُجَّته؛ لأنَّ ذلك إعانة له على خَصْمه، وكسرٌ لقلبه. د - أن يَقْضِيَ وهو غضبانٌ كثيراً؛ لحديث أبي بَكْرَة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّه ربما حَمَلَه الغضبُ على الجَوْر في الحُكم. بخلاف

стр. 1341

غضبٍ يسيرٍ لا يمنع فَهْم الحُكم؛ فيجوز له القضاء معه. هـ- أن يَقْضيَ وهو حاقنٌ البَوْل، أو في شِدَّة جوعٍ، أو عَطَشٍ، أو هَمٍّ، أو مَلَلٍ، أو كَسَلٍ، أو نُعاسٍ، أو بَرْدٍ مؤلمٍ، أو حَرٍّ مزعجٍ؛ لأنَّ ذلك كلَّه يُشْغِلُ الفِكْرَ الموصل إلى إصابة الحقِّ غالباً، ويمنع حضور القَلْب، فهو في معنى الغضب المنصوص عليه، فيجري مجراه. فإن خالف القاضي وحكم في حالٍ من تلك الأحوال، فأصاب الحقَّ نفذَ حُكمُه؛ لموافقته الصواب، وإلَّا لم ينفُذ. و - أن يَحكُم بالجَهْل، أو يَحكُم وهو مُتردِّدٌ في حُكم الله تعالى في الواقعة؛ لحديث بُريدَة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجَارَ فِي الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]. فإن خالف وحَكَمَ لم يصحَّ، ولو أصاب الحقَّ. رابعاً: ما يُباحُ لَهُ: يُباحُ للقاضي أن يتَّخِذَ كاتباً يكتب الوقائع؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ استكتب زيد ابن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، وغيرهما. [رواه البيهقي]. ولأنَّ القاضي يَكثُر اشتغاله ونظرُه في أمر الناس، فلا يمكنه أن يتولَّى الكتابة بنفسه.

стр. 1342

- ويُشترط في الكاتب: أ - أن يكون مسلماً؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٣]. ب- أن يكون مُكلَّفاً؛ لأنَّ غير المكلَّف لا يُوثق بقوله ولا يعوّل عليه. ج- أن يكون عدلًا؛ لأنَّ الكتابة موضع أمانة. - ويسنُّ فيه: أ -أن يكون حافظاً عالماً؛ لأنَّ في ذلك إعانة على أمره. ب- أن يكون جيِّد الخطِّ؛ لأنَّه أكمل. ج- أن يكون عارفاً بما يكاتب به القضاة من الأحكام، وما يكتبه من المحاضر والسجلَّات؛ لأنَّه إذا لم يعرف ذلك أفسد ما يكتبه بجهله. د - أن يكون وَرِعاً، نَزِهاً؛ لئلَّا يُستمال بالطَّمع.

стр. 1343

باب طريق الحكم وصفته المقصود بذلك: كيفيَّة الحُكْم والفَصْل في الخصومات، وذلك على النحو التالي: أ - إذا حضر إلى القاضي خصمان استُحِبَّ له أن يُجلسهما بين يديه؛ لأنَّه أمكن للقاضي في العَدْل بينهما. ب- فإذا جلسا بين يديه؛ فله أن يَسْكُت حتَّى يبدأ أحد الخصمين بالدَّعوى. وله أن يقول: مَنِ المدَّعِي منكما؟ لأنَّ سؤاله عن المدَّعي منهما لا تخصيص فيه لواحدٍ منهما، فجاز لذلك. ج - فإذا ادَّعى أحدُهما، اشتُرط لصحَّة الدَّعوى ما يلي: ١) تحريرُ الدَّعْوى؛ أي تشخيصُها وتبْيينُها؛ فلا يقول مثلًا: «لي عنده أرضٌ، أو سيَّارةٌ، أو دَيْنٌ» ويسكت، بل لا بُدَّ أن يُحرِّر ذلك ويُبيِّنه؛ فيقول مثلًا: «إنِّي أملكُ الأرضَ الفُلانيَّة، التي تقعُ في البَلْدة الفُلانيَّة، وإنَّه قد اعتدى عَليَّ وأَخَذَ منها نِصْفها، أو رُبْعَها». أو يقول مثلًا: «لي عنده دَيْنٌ قَدْرُه كذا من الدَّراهم، أو كذا من الدَّنانير، وإنَّه جَحَدَني حقِّي، ولم يؤدِّه إليَّ»، وهكذا؛ لترتُّب الحُكْم على ذلك، ولذا قال النبيُّ ﷺ كما في حديث أمِّ سَلَمَة ﵂: (فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ) [رواه البخاري، ومسلم]، ولا يُمكن الحُكْم مع عدم تحرير

стр. 1344

الدَّعوى. ٢) أن تكون الدَّعوى معلومةً؛ أي: بشيءٍ معلومٍ، ليتمكَّن الحاكِمُ من الإلزام به إذا ثَبَت، إلَّا إذا كانت فيما يصِحُّ مجهولًا؛ كأن تكون: - وصيَّةً بمجهولٍ؛ بأنْ ادَّعى أنَّه أوصى له بدابَّةٍ، أو شيءٍ، ونحو ذلك. - أو تكون إقراراً بمجهولٍ، بأنْ ادَّعى أنَّه أقرَّ له بشيءٍ مُجمَلٍ؛ فتصحُّ، وإذا ثَبَتَ طولِبَ المدَّعَى عليه بالبيان. - أو تكون في خُلْعٍ أو طلاقٍ على مجهولٍ؛ كما لو سألته زوجته الخُلْع، أو الطلاق على إحدى سيَّاراتها، فأجابها وتنازعا. ٣) أن تكون الدَّعوى مُنْفَكَّةً عمَّا يُكِذِّبها؛ فلا تصِحُّ الدَّعوى على شخصٍ بأنَّه قَتَلَ أو سَرَقَ من عشرين سنةً، وسِنُّهُ دونها. أو يدَّعِي بُنُوَّةَ إنسانٍ لا يُمكن كونُه منه. ٤) إن كانت الدَّعوى بدَيْنٍ اشتُرِطَ كونه حالًّا؛ فلا تصِحُّ الدَّعوى بدَيْنٍ مؤجَّلٍ؛ لأنَّه لا يملك الطَّلَب به قبل أَجَلِه. ٥) أن تكون الدَّعوى مصرَّحاً بها؛ فيقول مثلًا: «لي عنده كذا، وأنا أطالب به»، فلا يكفي قوله: «لي عنده كذا» حتى يقول: «وأنا مطالِبٌ به»، أو يقول مثلًا: «هو أقرَّ لي بكذا، وأنا أطالبه به، أو أطالبه بما يفسِّره». د - وإن كانت الدَّعوى بعَيْنٍ؛ كفَرَسٍ، أو سيَّارةٍ، ونحو ذلك؛ اشتُرِط حضورها لمجلس الحُكْم، لتُعيَّن بالإِشارة؛ نفياً للَّبْس. فإن كانت غائبةً عن

стр. 1345

البَلَد، أو كانت تالفةً، أو في الذِّمَّة، وَصَفَها المدِّعِي وصفاً يضبطها؛ كما في السَلَم. هـ- فإذا أَتَمَّ المدَّعِي دعواه محرَّرةً؛ فلا يخلو من أن يُقِرَّ الخصم بالدَّعوى، أو يُنْكرها: - فإنْ أقرَّ خصمُه بما ادَّعاه عليه، أو اعترف بسبب الحقِّ المدَّعَى عليه، ثمَّ ادَّعى البراءة، كأن يقول مثلاً: «له عليَّ عشرة آلاف، هي ثمن مبيعٍ، لكنِّي دَفَعْتُها له»، لم يُلتفت لقوله؛ لأنَّ الاعتراف بسبب الحقِّ يوجِبُ الحقَّ؛ فيكون كالبيِّنة على ثبوته. ويحلفُ المدَّعِي على نَفْي ما ادَّعاه المدَّعَى عليه من البراءة بالإِبراء أو الأداء. ويُلزِم القاضي المدَّعَى عليه بالحقِّ إذا سأله المدَّعِي ذلك، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الحقَّ له؛ فلا يستوفيه القاضي إلَّا بسؤاله. إلَّا أن يُقيم المدَّعَى عليه بيِّنةً ببراءته، فيَبْرأُ حينئذٍ. - وإن أنكر الخصمُ الدَّعوى ابتداءً؛ بأن قال لمن يدَّعِي عليه قَرْضاً، أو ثَمَناً عن مُثْمَنٍ: «ما أقرضني»، أو «ما باعني»، أو «لا يستحقُّ عليَّ شيئاً ممَّا ادَّعاه»، أو «لا حقَّ له عليَّ». قال القاضي للمدَّعِي: «هل لك بيِّنة»؟ لحديث وائل بن حُجْر عن أبيه قال: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللّاهِ

стр. 1346

ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ) [رواه مسلم]. - فإن قال: «نعم، لي عليه بيِّنةٌ». قال له القاضي: «إن شئت فأحضرها». فإن أحضرها المدَّعِي بين يدي القاضي وشَهِدَت عنده، سَمِعَها وجوباً. ويحْرُم عليه طلب إعادة الشهادة. كما يُكره له زَجْر الشَّاهِدَيْن، أو طلب زَلَّتهما؛ لأنَّ ذلك ربما حَمَلَهُما أو غيرهما على كتمان الشَّهادة وعدم أدائها؛ فتضيع الحقوق. - فإنِ اتَّضح له الحُكْم، ولم يأتِ المدَّعَى عليه بقادحٍ في البيِّنة، وكان الحقُّ لآدميٍّ مُعَيَّنٍ، وسأله الحُكْمَ، لَزِمَه الحُكْم في الحال؛ ولا يجوز له تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحقِّ عن موضعه. وإن كان الحقُّ لغير مُعَيَّنٍ؛ كما لو كان وصيَّةً أو وَقْفاً على الفقراء، أو كان الحقُّ لله تعالى؛ كالحدود والكفَّارات، ونحو ذلك؛ فإنَّه يَحكُم إذا اتَّضح له الحُكْم، وإن لم يسأله أحدٌ ذلك. * إذا لم يكن للمدَّعِي بيِّنة: - إذا قال المدَّعِي: «ليس لي بيِّنة»، أو أَتَى ببيِّنة وظهر فِسْقُها، قال له القاضي: «ليس لك على غريمك إلَّا اليمين»؛ لحديث وائل بن حُجْر السابق؛ وفيه: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ). ولأنَّ الأصل براءة ذِمَّته.

стр. 1347

- فإن سأله المدَّعِي إحلاف المدَّعَى عليه، أَحْلَفَه القاضي؛ لأنَّ اليمين طريقٌ إلى تخليص حقِّه؛ فلَزِمَ الحاكم إجابة المدَّعِي إليها؛ كسماع البيِّنة. - ويحلفُ الغريم حينئذٍ على صفة جوابه، وليس على صفة دَعْوَى المدَّعِي؛ فلو قال المدَّعِي مثلاً: «قد أَقْرَضْتُ هذا الرَّجُل عشرة آلاف»، فقال المدَّعَى عليه: «ما عندي له شيءٌ»، فتكون يمينُه؛ بأن يقول: «والله ما عندي له شيءٌ». فلا يُلْزِمُه القاضي أن يقول: «والله ما أقرضني شيئاً»؛ لأنَّه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب، فيحلف عليه. - فإذا حَلَفَ الغريمُ، خُلِّي سبيله؛ لانقطاع الخصومة بذلك؛ لقول النبيِّ ﷺ للحَضْرميِّ: (لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ). ويَحرُمُ تحليفُه بعدها؛ لأنَّه لا يلزمه أكثر من ذلك. - وإن لم يحلف الغريمُ؛ قال له القاضي: «إن لم تحلف، وإلَّا حكمتُ عليك بالنُّكول». ويُسنُّ للقاضي تكرار ذلك عليه ثلاث مرَّات؛ قطعاً لحُجَّته؛ إذ النُّكول ضعيفٌ؛ فوجب اعتضادُه بالتَّكرار ثلاثاً. - فإن لم يحلف؛ قضى عليه القاضي بالنُّكول بشرط أن يسأل المدَّعِي ذلك، ولزمه الحقُّ؛ لحديث سالم بن عبد الله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ. فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى

стр. 1348

عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بِالْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ: لَقَدْ بَاعَهُ الْغُلَامَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ، فَبَاعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ) [رواه البيهقي]. ولأنَّ نُكولَه عن اليمين قرينةٌ على صِدْق المدَّعِي، فتُقدَّم على أصل براءة الذِّمَّة.

стр. 1349

فصل تعديل الشُّهود وجَرْحهم - يُشترط في الشُّهود العدالة ظاهراً وباطناً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولحديث عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ) [رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه]، فلا بُدَّ من العِلْم بعدالتهم. إلَّا في عقد النكاح؛ فتكفي العَدَالة ظاهراً في الشَّاهدين؛ لأنَّ اشتراط العدالة باطناً فيه حَرَجٌ ومشقَّة؛ إذ النكاح يكون في القُرَى، والأمصار، والبوادي، وبين عامَّة الناس ممَّن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يَشُقُّ، فاكتُفِيَ بظاهر الحالِ فيه. * حُكْمُ القاضِي بعِلْمِه: لا يجوز للقاضي أن يحكم بعِلْمِه؛ لأنَّ تجويز ذلك يفضي إلى تهمته وحكمه بما يشتهي، إلَّا أنَّ له أن يعمل بعِلْمِه فيما يلي: أ - ما أُقِرَّ به في مجلس حُكمِه وإن لم يسمعه غيره؛ لحديث أُمِّ سَلَمَة ﵂ السابق، وفيه: (فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ). فجعل مُستَنَدَ قضائه

стр. 1350

ما يسمعه. ولأنَّه إذا جاز الحُكم بشهادة غيره فبَسماعِهِ أَوْلَى. ولأنَّه لو لم يعمل بما أُقِرَّ به عنده أَفْضَى ذلك إلى ضياع الحقوق؛ لأنَّه قد يُقِرُّ عنده، ولا يَحضُرُه أحدٌ من الشهود، فإذا لم يَحكُم به ضاع حقُّ المقَرِّ له. ب- عَدالةُ الشهود وفِسْقُهم؛ لأنَّ التهمة لا تلحقه في ذلك، لأنَّ صفات الشهود معنًى ظاهر. ولأنَّه لو لم يحكُم بعِلْمه في ذلك لتسلسل؛ لاحتياجه إلى معرفة عدالة المُزَكِّين أو جَرْحهم، ثمَّ يحتاجون أيضاً إلى مُزَكِّين، وهكذا إلى ما لا نهاية. * ارْتِيابُ القاضِي في عَدالَةِ الشُّهُودِ: - إذا ارتاب القاضي في عَدالَة الشُّهود فلا بُدَّ من مُزَكِّين لهم؛ لتثبيت عَدالَتِهم؛ إذ العَدالةُ شَرطٌ؛ فالشَّكُّ في وجودها كعدمها. - ويكفي في تزكية الشَّاهد عَدْلان، يقول كلٌّ منهما: «أشهد أنَّه عدلٌ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فإذا شهدا أنَّه عَدْلٌ ثبت ذلك بشهادتهما؛ فيدخل في عموم الآية. - فإن طَلَبَ المدَّعِي من القاضي أن يحبس غريمه حتَّى يأتي بمن يزكِّي شهوده، أجابه لما سأل، وانتظره ثلاثة أيَّامٍ؛ لما جاء في كتاب عُمَرَ ﵁ إلى أبي موسى الأَشْعَريِّ ﵁ في القضاء، وفيه: ( … وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً فَاضْرِبْ لَهُ أَمَدًا يُنْتَهَى إِلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَعْطَيْتَهُ بِحَقِّهِ، فَإِنْ أَعْجَزَهُ

стр. 1351

ذَلِكَ اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ، وَأَجْلَى لِلْعَمَى … ) [رواه البيهقي]. والتَّحديد بثلاثة أيَّام؛ لتَمكُّنه من البحث فيها، فلا حاجة إلى أكثر منها، بل في حَبْس خصمه أكثر منها ضررٌ. * شُروطُ تَزْكِيَةِ الشُّهودِ: إذا أتى المدَّعِي بالمُزَكِّين اشتُرِطَ ما يلي: أ - معرفةُ المزكِّين الباطنةُ بمن يزكُّونهم بالصُّحْبة أو المعاملة، ونحو ذلك؛ كالجوار؛ لأنَّ عادة النَّاس إظهار الطَّاعات وإسرار المعاصي، فإن لم يكن المزكِّي ذا خبرةٍ باطنةٍ؛ فربما اغترَّ بحُسْن ظاهره، وهو فاسق في الباطن. ب- عِلْم القاضي بخِبْرة المُزكِّين الباطنة بمن يزكُّونه؛ فلا يقبل تزكية من لا خِبْرة له؛ لقول خَرَشَة بن الحُرِّ: (شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لَهُ: لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفُكَ. ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا أَعْرِفُهُ. قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ. فَقَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ) [رواه البيهقي].

стр. 1352

* ادِّعاءُ الخَصْم فِسْقَ الشُّهودِ أو المُزَكِّين لهم: - إذا ادَّعى الخَصْم فِسْقَ الشُّهود، أو فِسْقَ المُزِّكِين لهم، وأقام بذلك بيِّنةً سُمِعَت، وبَطَلَت الشهادة؛ لأنَّ الجَرْح مُقدَّم على التَّعديل؛ إذ الجارح يُخبِر بأمرٍ باطنٍ خَفِيَ على المُعَدِّل. ولأنَّ الجارح مُثبتٌ لجَرْحٍ، والمُعدِّل نافٍ له، والمُثْبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافي. * تَعْديلُ النِّساءِ وتَجْريحُهُم: لا يُقبَل من النِّساء تعديلٌ ولا تَجريحٌ؛ لأنَّها شهادةٌ بما ليس بمالٍ، ولا يُقصَد به المال، ويَطَّلِع عليه الرِّجال في غالب الأحوال، أشبه الشهادة في القِصاص. * هل يَنْفُذُ حُكْمُ القاضِي باطِناً؟ حُكْم القاضي يَرفع الخلاف، لكنَّه لا يزيل الشيء عن صفته باطناً؛ لحديث أُمِّ سَلَمَة ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ). - فمن حُكِم له ببَيِّنةِ زُورٍ بزوجيَّة امرأةٍ، فإنَّها لا تَحِلُّ له باطناً. فإن وَطِئها مع عِلْمِه أنَّها لا تَحِلُّ له فكالزِّنا؛ يجب عليه الحدُّ بذلك، وعليها الامتناع منه ما أمكنها. فإن أكرهها فالإثم عليه دونها؛ لأنَّها مُكْرَهةٌ.

стр. 1353

- وإن باع شخصٌ حنبليُّ المذهب مَتْروك التَّسمية عَمْداً من ذبيحةٍ أو صيدٍ فحَكَم بصحَّته قاضٍ شافعيٌّ نَفَذَ حُكْمُه. - ومن قَلَّد مجتهداً في صحَّة نكاحٍ مُختَلَفٍ فيه صَحَّ نكاحه، فإذا تغيَّر اجتهاد المجتهد بعد ذلك لم يفارق زوجته؛ كما لو حَكَم له حاكمٌ مجتهدٌ بصِحَّة نكاحٍ، فتغيَّر اجتهاده؛ فلا يُفارِق زوجته؛ لقول عمر ﵁: (ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي) [رواه ابن أبي شيبة]. * الدَّعْوَى عَلَى الميِّتِ والغائِبِ وغيرِ المُكَلَّفِ: تَصِحُّ الدَّعوَى بحقوق الآدميِّين على الميِّت، والصغير، والمجنون، والغائب مسافة قَصْرٍ أو دونها إذا كان مستتراً ممتنعاً من الحضور لمجلس الحُكْم، بشرط البيِّنة في الجميع؛ لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) [رواه البخاري، ومسلم]. فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضراً. والميِّت وغير المكلَّف كالغائب؛ لأنَّ كلًّا منهم لا يُعبِّر عن نفسه. وأمَّا المُستَتِر؛ فلتَعَذُّر حضوره كالغائب، بل أَوْلَى؛ لأنَّ الغائب قد يكون له عُذْرٌ بخلاف المتواري. ولئلَّا يُجعَل الاستتار وسيلةً إلى تضييع الحقوق.

стр. 1354

* كِتابُ القَاضِي إلى القَاضِي: - يَصِحُّ أن يكتب القاضي الذي ثَبَت عنده حقٌّ من حقوق الآدميين؛ من قَرْضٍ، أو غَصْبٍ، أو بَيْعٍ، أو إجارةٍ، أو رَهْنٍ، أو وَصيَّةٍ بمالٍ، أو طلاقٍ، أو نكاحٍ، أو نَسَبٍ، أو غير ذلك، بصورة الدَّعْوَى الواقعة على الغائب، إلى قاضٍ آخر مُعيَّنٍ، أو إلى من يصل إليه الكتاب من قُضاة المسلمين وحُكَّامهم بلا تعيين، بشرط أن يقرأ القاضي الكاتب ذلك على عَدْلَيْن يَضْبِطان معناه وما يتعلَّق به الحُكْم، ثمَّ يقول: «هذا كتابي إلى فلان بن فلان»، أو «هذا كتابي إلى مَنْ يصل إليه من القُضاة»، ويَدْفعه إليهما؛ لأنَّ ما أمكن إثباته بالشَّهادة لم يَجُز الاقتصار فيه على الظَّاهر؛ كالعقود. - ويقول في الكتاب: «إنَّ ذلك قد ثَبَت عندي، وإنَّك تأخذ الحقَّ للمستحِقِّ»؛ لما رَوَى الضحَّاك بن سفيان الْكِلَابِيُّ ﵁ قال: (كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا) [رواه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه]. - فإذا وَصَلا بالكتاب إلى محلِّ القاضي المكتوب إليه دفعاه إليه، وقالا: «نَشْهَد أنَّ هذا كتاب القاضي فلان إليك كتبه من عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه». - ويَلْزم القاضي الواصل إليه ذلك الكتاب العمل به؛ لإجماع الأُمَّة على قبوله؛ لقول الله تعالى حكايةً عن بِلْقيس: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]. ولأنَّه ﷺ كتب إلى ملوك الأطراف وإلى عمَّاله وسُعَاته.

стр. 1355

باب القِسْمة أوَّلًا: تعريفُ القِسْمَة: القِسْمَةُ لغةً: بكسر القاف؛ اسمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَسَمْتُ الشَّيءَ: جَعَلْتُه أَقْساماً. والقِسْمُ: بكسر القاف؛ النَّصيبُ المَقْسومُ. واصطلاحاً: تَمْييزُ بعض الأَنْصِباءِ عن بعضٍ، وإفْرازُها عَنْها. ثانياً: حُكْمُ القِسْمَة: قِسْمةُ الأملاك مشروعة بالكتاب، والسنَّة، والإجماع. - فأمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ … ﴾ [النساء: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]. - وأمَّا السنَّة: فحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ … ) [رواه البخاري]. وكان النبيُّ ﷺ يُقَسِّم الغنائم بين أصحابه، ومن ذلك: قَسْمه لخيبر على ثمانية عشر سهماً. [رواه أبوداود]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أجمعت الأمَّة على جواز القِسْمة». ولأنَّ حاجة الناس داعيةٌ إليها؛ ليتمكَّن كلُّ واحد من الشُّركاء من التَّصرُّف على حسب اختياره، ويتخلَّص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي.

стр. 1356

وإنَّما ذُكِرَت القِسْمة في كتاب القضاء؛ لأنَّ منها ما يقع بإجبار القاضي عليه -كما سيأتي-، ويقاسم بنصيبه. ثالثاً: أَنْواعُ القِسْمَة: القسمةُ نوعان: النوع الأوَّل: قِسْمَة تَراضٍ: وهي أن يتَّفق عليها جميع الشُّركاء؛ وتكون فيما لا ينقسم إلَّا بضَررٍ على الشُّركاء أو أحدهم؛ أَوْ لا ينقسم إلَّا بِرَدِّ عِوَضٍ من أحد الشركاء على آخر؛ كالدُّور الصِّغار، أو الدَّكاكين المتلاصقة، بحيث إذا قُسِمَت يتعطَّل الانتفاع بها أو يقلُّ؛ كما لو كان بينهما -مثلًا- دكَّانٌ عَرْضُه متران، وطولُه ثلاثة أمتار، فإذا طَلَب أحدُهما أن يقسمه نصفين، كان على الآخر ضررٌ؛ إذ لا يبقى له إلَّا نحو مترٍ؛ فلا يتمكَّن من الانتفاع به. أو كان بينهما بيتٌ عَرْضُه ستَّة أمتارٍ، وطولُه سبعة أمتارٍ أو ثمانيةٌ، فإذا طَلَب أحدُهما قَسْمه نصفين، فَسَدَ على الآخر نصيبُه؛ إذ لا يتمكَّن من الانتفاع به. أو كان بينهما أرضٌ مختلفةُ الأجزاء بسبب وجود شَجَرٍ، أو جِبالٍ في بعضها، ونحو ذلك، ولا يمكن أن تتعدَّل إلَّا بردِّ عِوَضٍ. - فهذا النوع من المشتَرَك لا يجوز قِسْمَتُه إلَّا باتِّفاق الشُّركاء وتَراضِيهم؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)

стр. 1357

[رواه أحمد، وابن ماجه]. ولأنَّ في ذلك إمَّا ضررٌ، أو رَدُّ عِوَضٍ، وكلاهما لا يُجبَر الإنسان عليه. - فإن تراضى الشُّركاء أو الشَّريكان على القسمة أعياناً بالقيمة، صحَّت القِسْمَة؛ لأنَّ الحقَّ لهم لا يخرج عنهم، وقد رضوا بقِسْمَتِه. فيعوِّض صاحبُ الزائد الآخرَ بالقيمة نتيجةً لما حدث عنده من نقصٍ أو ضررٍ ونحو ذلك. ولذا أشبهت البيع وجرى عليها أحكامه؛ من خيار المجلس، والشَّرْط، والشُّفْعة، والردِّ بالعَيْب، وغير ذلك؛ لأنَّ صاحب الزائد بَذَلَ المال عِوَضاً عمَّا حَصَلَ له من حقِّ شريكه، وهذا هو البيع. - وإن لم يتراضوا على القِسْمَة؛ فدعا أحدُهما شَريكَه إلى بيع هذا المشترك فامتنعَ، أُجْبِرَ عليه؛ دَفْعاً للضرر. فإن أَبَى؛ باعَهُ الحاكمُ عليهما، وقَسَمَ الثَّمن بينهما على قَدْر حِصَصِهما. النوع الثَّاني: قِسْمَةُ الإِجْبارِ: وهي ما لا ضَرَر فيها على أحد من الشركاء، ولا رَدَّ عِوَضٍ من واحدٍ على غيره. وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها لا تتوقَّف على رِضَى الشُّركاء، بل يُجبَر من امتنع إذا كَمُلَت شروطها. وتتأتَّى قِسْمَة الإجبار في: كُلِّ مَكيلٍ وموزونٍ من جِنْسٍ واحدٍ، وفي الدُّور الكبيرة، والأراضي الواسعة، والبساتين، والدَّكاكين الواسعة، ونحو ذلك من كُلِّ ما لا ضَرَرَ في قَسْمِه، ولا رَدَّ عِوَضٍ.

стр. 1358

- وهذا النوع من القِسْمة إفرازٌ لحقِّ أحد الشريكين، وتمييزه عن حقِّ غيره، وليس بيعاً؛ لمخالفته له في الأحكام والأسباب؛ كسائر العقود، ولو كانت بيعاً لما صحَّت بغير رِضَى الشَّريك، ولَوَجَبَتْ فيها الشُّفْعَة، ونحو ذلك ممَّا يتعلَّق بالبيع. - فإذا طَلَبَ أحدُ الشركاء القِسْمة في هذا النوع، وأَبَى الشريكُ الآخرُ أَجْبَرَه القاضي عليه؛ لأنَّه يتضمَّن إزالة الضَّرر الحاصل بالشَّركة، وحصول النَّفْع للشَّريكين؛ لأنَّ نصيب كلِّ واحدٍ منهما إذا تميَّز كان له أن يتصرَّف فيه بحسب اختياره؛ فوَجَب إجابةُ الطالب إلى ذلك. * شُروطُ الإِجْبارِ: يُشترَطُ لإجبار القاضي على القِسْمَة ثلاثة شروط: أ - أن يَثْبُت عنده مِلك الشُّركاء لذلك المقسوم، بالبيِّنة. ب- أن يَثْبُت عنده أنْ لا ضرر في القِسْمة. ج- أن يَثْبُت عنده إمكان تعديل السِّهام في العَيْن المقسومة من غير شيءٍ يُجْعَل معها. وإلَّا لم يُجبر. رابعاً: قِسْمَةُ المَنافِعِ: قِسْمَة المنافع مثل أن ينتفع أحدُ الشَّريكين بمكان كذا، والآخر بمكان كذا، أو ينتفع كلٌّ منهما به شهراً، ونحو ذلك؛ فهذه القسمة لا إجبار فيها؛ لأنَّها

стр. 1359

معاوَضَةٌ؛ فلا يُجبَر عليها الممتنع؛ كالبيع. ولأنَّ القِسمة بالزَّمان إنَّما تكون بأن يأخذ أحدُهما قبل الآخر، وهذا لا تَسْويَةَ فيه؛ لأنَّ الآخر يتأخَّر حقُّه؛ فلا يُجبَر على ذلك. فإنْ تراضيا على القَسْم زماناً أو مكاناً صحَّ ذلك جائزاً غير لازم؛ لأنَّ الحقَّ لهما لا يخرج عنهما، ولكلِّ واحدٍ منهما الرجوع متى شاء. خامساً: القَاسِمُ بين الشَّريكَيْن: - يصحُّ من الشريكين أن يتقاسما بأنفسهما، وأن ينصبا قاسماً بينهما من عند أنفسهما؛ لأنَّ الحقَّ لهما، فكيفما اتَّفقا عليه جاز. - ويصحُّ أن يسألا القاضي نَصْب قاسمٍ يقْسِمُ بينهما؛ لأنَّه أعلم بمن يصلح للقِسْمَة. فإذا سألاه ذلك وجبت عليه إجابتهما؛ لقطع النزاع. * شُروطُ القاسِمِ: يُشترَطُ في القاسِم ما يلي: أ، ب- الإسلام، والعدالة؛ ليُقْبَل قولُه في القِسْمَة. ج، د- التَّكليف (البلوغ، والعَقْل)، والمعرفة بالقِسمة؛ ليحصل منه المقصود؛ لأنَّه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسِّهام مقبولاً، كقاضٍ يجهل ما يحكم به. فإن كان القاسِمُ كافراً، أو فاسقاً، أو جاهلًا بالقِسْمَة، لم تلزم القِسْمَة إلَّا

стр. 1360

بتراضيهم بها؛ كما لو اقتسموا بأنفسهم. - وتكون أُجْرَة القاسِم بين الشريكين على قَدْرِ أملاكهما. سادساً: القُرْعُةُ في القِسْمَة: - تجوزُ القِسْمة بالقُرْعَة، وتلزم بمجرَّد خروجها؛ لأنَّ القاسم كالقاضي، وقُرْعَتُه حُكْمٌ. وتلزم القُرْعَة بخروجها ولو كان فيها ضررٌ، أو رَدُّ عوضٍ، إذا تراضيا عليها؛ إذ القاسِمُ مُجتهدٌ في تعديل السِّهام، كاجتهاد القاضي في طلب الحقِّ؛ فوجب أن تلزم قُرْعَتُه، كقِسْمَة الإجبار. سابعاً: مِنْ أَحْكام القِسْمَة: - إذا خَيَّر أحدُ الشَّريكين الآخر فيما تقاسماه بأنفسهما بلا قُرْعةٍ ولا قاسِمٍ؛ بأن قال له: «اختر أيَّ القسمين شئتَ»، وتراضيا، لَزِمَت القِسْمَة بالتفرُّق بأبدانهما؛ كما في البيع. - إذا خرج في نصيب أحدهما عيبٌ جَهِله؛ خُيِّر بين الفَسْخ، وبين الإمساكٍ للمعيب وأَخْذِ الأَرْش للعَيْب؛ لأنَّ ظهور العَيْب في نصيبه نَقْصٌ؛ فيُخَيَّر بين الفَسْخ والأَرْش؛ كالمشتري. - إذا غُبِنَ أحدُهما في نصيبه غَبْناً فاحشاً؛ بَطَلَت القِسْمَة؛ لتبيُّن فساد الإفراز.

стр. 1361

- إذا ادَّعى كلُّ واحدٍ من الشريكين أنَّ هذا الشيء المقسوم من سَهْمِه، تحالفا؛ فيَحلِف كلُّ واحدٍ منهما للآخر على نَفْي ما ادَّعاه؛ لأنَّه مُنكِرٌ. ونُقِضَت القِسْمَة؛ لأنَّ ذلك المدَّعَى به لم يخرج عن مِلْكِهما، ولا سبيل إلى دَفْعِه إلى مستحقِّه منهما دون نقض القِسْمَة. - إذا اقتسم الشَّريكان داراً ونحوها، فحصلت الطريق إليها في نصيب أحدهما، ولا مَنفذ للآخر يصل منه إلى نصيبه، بطَلَت القِسْمَة؛ لعدم تمكُّن الدَّاخل الذي لا منفذ له من الانتفاع بما حصل له بالقِسْمَة؛ إذ لا يمكنه السلوك في حصَّة الآخر، فلا تكون السهام حينئذٍ مُعدَّلة، والتَّعديل واجبٌ في جميع الحقوق.

стр. 1362

باب الدَّعاوى والبيِّنات أوَّلًا: تَعريفُ الدَّعاوَى: الدَّعاوَى لغةً: جَمْعُ دَعْوَى؛ وهي الطَّلَبُ؛ ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]. أي: ما يَطْلُبون ويَتَمَنَّون. واصطلاحاً: إضافَةُ الإنسانِ إلى نَفْسِه اسْتِحْقاقَ شيءٍ في يَدِ غيرِه، أو في ذِمَّتِه. والمُدَّعِي: هو من يُطالِبُ غيرَه بحقٍّ يَذكُرُ استحقاقَه عليه. والمدَّعَى عليه: هو المُطالَبُ. أمَّا البَيِّناتُ لغةً: فهي جَمْعُ بَيِّنَةٍ؛ مِنْ بَانَ الشَّيءُ؛ إذا ظَهَرَ. واصطلاحاً: العَلامَةُ الواضِحَةُ؛ كالشَّاهِدِ فأكثر. ثانياً: حُكْم الدَّعاوَى والبَيِّنات: إقامة الدَّعوى والبيِّنة مشروعٌ في الإسلام، والأصل في مشروعيَّته: حديثُ ابن عبَّاس ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) [رواه مسلم]. ثالثاً: شُروطُ صِحَّة الدَّعْوَى: لا تَصِحُّ الدَّعوَى إلَّا من جائز التَّصَرُّف؛ وهو البالغ، العاقل، الحُرُّ،

стр. 1363

الرَّشيد؛ لأنَّ قول غير جائز التَّصَرُّف غير مُعتَبَرٍ؛ فلا تصح الدَّعوى في الأمور الماليَّة من ابن سَبْع سنين، أو سَفيهٍ غير رَشيدٍ، أو عَبْدٍ. رابعاً: أَحْوالُ الدَّعْوَى والتنازع في عَيْنٍ: إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ من اثنين عَيْناً أنَّها له؛ لم تَخْلُ من أربعة أحوال: الأوَّل: ألَّا تكون العَيْن المُتَنازَعُ فيها بيدِ أَحَدٍ، ولا يوجدُ أَمْرٌ ظاهرٌ يُعمَلُ بمُقتضاه، ولا بَيِّنةَ لأحدهما؛ فيَحلِفُ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه لا حقَّ للآخر فيها، ويتناصفانها؛ لاستوائهما في الدَّعْوَى، وليس أحدهما أَوْلَى بها من الآخر؛ لعدم المُرَجِّح. - فإن وُجِدَ أَمْرٌ ظاهرٌ، يُرجِّح أنَّها لأحدهما؛ كما لو كانت من آلَةِ صَنْعتِهِ؛ فإنَّه يُعْمَل به؛ فيَحْلِف ويأخذها. الثاني: أن تكون العَيْن بِيَدِ أحدِ المُتَنازِعَيْن؛ فهي له بيَمينِه؛ فيَحْلِف أنَّها له ولا حقَّ للآخر فيها، بشرط ألَّا يكون للآخر بَيِّنةٌ؛ لحديث وائل بن حُجْر عن أبيه في قصَّة الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ؛ وفيه: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ) [رواه مسلم]. ولأن الظَّاهر من اليد المِلْك، فإن كان للمدَّعِي بيِّنة حُكِم له بها.

стр. 1364

- فإن لم يحْلِف قُضِيَ عليه بالنُّكول، إلَّا إذا أقام بيِّنة على أنَّها له؛ لأنَّ البيِّنة حُجَّةٌ صريحةٌ في إثبات المِلْك لا تُهمة فيها؛ فكانت أَوْلَى من اليمين التي يُتَّهَم فيها. - فإن كان لكلٍّ منهما بيِّنةٌ؛ قُدِّمَت بيِّنة المدَّعِي؛ وهو من ليست العَيْن في يَدِه، وحُكِمَ له بها؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ) [رواه البيهقي]؛ فجعل جِنْسَ البيِّنة في جَنْبَةِ المدَّعِي، فلا يبقى في جَنْبَةِ المدَّعَى عليه بيِّنة. ولأنَّ بَيِّنة المُدَّعِي أكثر فائدة؛ لأنَّها تُثبِتُ سبباً لم يكن، وبيِّنة المنُكِر إنَّما تُثبِتُ ظاهراً تدلُّ اليد عليه؛ فلم تكن مفيدةً؛ لجواز أن يكون مُستَنَدُها رؤيةُ يَدِ المُنكِرِ عليها، وتَصرُّفه فيها؛ فوجب تقديمُ بيِّنة المُدِّعي على بيِّنة المنُكِر؛ كتقديم بيِّنة الجَرْح على التَّعديل. - إلَّا إذا أقام المدَّعي بيِّنة أنها مِلْكه، وأقام المدَّعَى عليه -وهو الداخل الذي يَدُه على العَيْن- بيِّنةً أنَّه اشتراها منه؛ فحينئذٍ تُقدَّم بيِّنة المدَّعَى عليه؛ لأنَّ معها زيادة عِلْمٍ؛ لشهادتها بأمرٍ حَدَثَ على الِملْك خَفِي على بيِّنة المدَّعِي. - أو أَقامَ أحدُهما بيِّنةً أنَّه اشتراها من فلانٍ، وأقام الآخر بيِّنة أنَّه اشتراها من الذي اشتراها منه الأوَّل؛ فإنَّه يُعمل بأسبقهما تاريخاً؛ لمصادفة التصرُّف الثَّاني مِلْك غيره؛ فوجب بطلانه. فإن لم يُعْلَم التاريخ، أو اتَّفَق؛ تساقطتا؛ لتعارضهما وعدم المرجِّح.

стр. 1365

الثالث: أن تكون العَيْن المُتَنازَعُ فيها بأيْدِيهما، ولا بيِّنة لهما؛ كأرضٍ حَرَثاها، أو دارٍ سَكَناها، يدَّعِي كلٌّ منهما أنَّها له، أو عِمامَةٍ طَرَفها بِيَدِ أحدهما وباقيها مع الآخر، فيتحالفان؛ أي: يحلِفُ كلُّ واحدٍ منهما أنَّ نصفها له ولا حقَّ للآخر فيها، ويتناصفانها؛ لحديث أبي مُوسَى الأشعريِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه]. ولأنَّ يَدَ كلٍّ منهما على نِصْفها، والقول قول صاحب اليَدِ مع يَمينِه. - فإن قَوِيَت يَدُ أحدهما على العَيْن المُتَنازَع فيها؛ كحيوانٍ ادَّعاه اثنان؛ أحدُهما سائِقُه، والآخر راكِبُه؛ فهو للرَّاكب بيمينه. أو كقميصٍ؛ واحدٌ آخِذٌ بكُمِّه، والآخر لابِسُه، فهو للابِسِه؛ لأنَّ تَصرُّف الرَّاكب أو اللَّابس أقوى، ويَده آكَدُ، وهو المُستوفِي للمَنْفَعة. - فإن كان لأحدِ المُتنازِعَيْن بيِّنةٌ؛ فالعَيْن له، من غير يمين؛ لحديث الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ. ولأنَّ البِّينة أَحَدُ حُجَّتَي الدَّعْوَى، فيُكتَفَى بها، كاليمين. - فإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بيِّنةٌ بالعَيْن، وتساوت البيِّنتان من كلِّ وَجْهٍ؛ تعارَضَتا وتساقَطَتا؛ لأنَّ كلًّا منهما تَنْفِي ما تُثْبِتُه الأخرى؛ فلا يُمكن العملُ بهما ولا بأحدهما؛ وحينئذٍ يتحالفان، ويتناصفان ما بأيديهما؛ لحديث أبي مُوسَى الأشْعَريِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) [رواه أبوداود].

стр. 1366

- وإن تَنازَع صانِعان في آلَةِ دُكَّانِهما، ولا بيِّنة لأحدهما؛ فآلَةُ كلِّ صَنْعةٍ لصانِعِها؛ كنجَّارٍ وحَدَّادٍ يكونان بدُكَّانٍ، ويتنازعان في آلَتَهِما، فآلَةُ النِّجَارَةِ للنَّجَّار، وآلَةُ الحِدادَةِ للحَدَّاد؛ عملًا بالظَّاهر، فيأخُذُ كلٌّ منهما آلَتَه بيَمينِه. الرابع: أن تكون العَيْن المُتَنازَعُ فيها بيَدِ ثالثٍ، أي: غير المتَنازِعَيْن فيها، ولا بيِّنة لواحد منهما؛ فإن ادَّعاها الثَّالث لنفسه وأنكرهما؛ حَلَفَ لكُلِّ واحدٍ من المتنازعَيْن يميناً؛ لأنَّهما اثنان، كلاهما يدَّعيها؛ وهو مُنكِرٌ، والعَيْن بيَدِه؛ فوجب أن يَحلِفَ لكلِّ واحدٍ منهما يَميناً. وتكون العَيْنُ له؛ لتَرَجُّح جانبه بوَضْع اليَدِ. - فإن نَكَلَ عن اليمينَيْن؛ أَخَذا منه العَيْن المُتَنازَعَ فيها مع بَدَلِها؛ وهو قيمتها إن كانت مُتقوِّمة، ومثلها إن كانت مِثْليَّة؛ لأنَّ العين فاتت على أحدهما بتفريطه في الحَلِف له؛ فوَجَبَ عليه بَدَلها؛ كما لو أتلفها. واقترعا على العَيْن وبَدَلها؛ لأنَّ المحكوم له بالعَيْن غير مُعَيَّن؛ فوجبتِ القُرْعَة؛ لتعيينه. - وإن أقرَّ بالعَيْن المُتَنازَع فيها لهما؛ بأن قال: «هي للاثنين»، أخذاها منه واقتسماها نِصْفَين، وحَلَفَ لكلِّ واحدٍ منهما يَميناً بالنسبة إلى النِّصف الذي أَقَرَّ به لصاحبه؛ لأنَّ كلًّا منهما يدَّعِي الزِّيادة على ما أَقَرَّ له به من النِّصْف، فهو في النِّصْف الآخر مُقِرٌّ لغيره، فيجب عليه اليمين لصاحبه. ويَحلِفُ كلُّ واحدٍ من المُتَنازِعَيْن لصاحبه على النِّصف المحكوم له به؛ كما لو كانت العَيْن بأيديهما ابتداءً. وإن لم يدَّع العين لنفسه، ولم يُقِرَّ بها لغيره، وليس لأحدهما بيِّنةٌ، أُقرِع

стр. 1367

بينهما، كما لو لم تكن بيد أحدٍ؛ لعدم المرجِّح، فمن خرجت القرعة له حلف لصاحبه وأخذها؛ لترجُّحه بالقُرعة. - وإن قال: «هي لأحدهما، لكنِّي أجهله»، فصَدَّقاه على جَهْله به؛ لم يَحلِف؛ لتصديقهما له في دَعْواه. فإن لم يُصَدِّقاه؛ حَلَفَ لهما يَميناً واحدةً أنَّه لا يعلمه؛ لأنَّ صاحب الحقِّ منهما واحدٌ غير مُعيَّنٍ. وأُقْرِع بينهما؛ فمن خرجت القُرْعة له حَلَف وأَخَذ العَيْن؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ) [رواه أبو داود، وابن ماجه]. ولأنَّ المُقَرَّ له بها يصير صاحب اليَدِ وهو غير معيَّنٍ، فعُيِّن بالقُرْعة.

стр. 1368

كتاب الشَّهادات أوَّلًا: تعريفُ الشَّهادات: الشَّهاداتُ لغةً: جَمْعُ شَهادَةٍ؛ مُشتَقَّةٌ من المُشاهَدَة؛ لإخبار الشَّاهِدَ عمَّا يُشاهِدُه؛ فيقال: شَهِدَ الشيءَ إذا رآه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: عَلِمَهُ برؤيةِ هِلالِهِ، أو إِخْبارِ من رآه، ونحوه. واصطلاحاً: الإخبارُ بما عَلِمَهُ الشَّاهِدُ، بلَفْظٍ خاصٍّ. ثانياً: حُكمُ الشَّهادَةِ: الشهادةُ مشروعةٌ بدلالة الكتاب، والسنَّة، والإجماع: - فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. - ومن السُّنَّة: ما روى الأَشْعَث بن قَيْسٍ ﵁ قال: (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) [رواه البخاري، ومسلم].

стр. 1369

- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أهل العِلْم أجمعوا على هذا»؛ أي مشروعية الشهادة. - والشَّهادةُ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ تُظْهِرُ الحقَّ المُدَّعَى به وتُبيِّنُه، ولهذا سُمِّيت الشهادةُ بيِّنةً، إلَّا أنَّها لا توجِبُ الحقَّ المدَّعى به، وإنَّما يُلزم الحاكمُ به بشرطه. ثالثاً: حُكمُ تَحمُّل الشَّهادَة وأَداؤُها: - تَحَمُّل الشَّهادَة: هو الالتزام بها، وهو في حقوق الآدميين فَرْضُ كِفايةٍ، سواء كانت هذه الحقوق من الأموال؛ كالبيع، والقَرْض، والغَصْب، أو غير الأموال؛ كحَدِّ القَذْف. فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلَّا من يكفي تعيَّن عليه، ولو كان عَبْداً، وليس لسيِّده منعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: إذا دعوا إلى التحمُّل. فإذا طُلِب من إنسانٍ أن يشهد -مثلًا- على إقرارٍ بحقٍّ لآخر، أو أن يشهد على دَيْنٍ له على آخر؛ فتَحَمُّله للشهادة فَرضُ كفايةٍ إذا وُجِدَ غيره ممن يتحمَّلُها، وإلَّا كانت فَرضَ عينٍ عليه. - وأمَّا أَداءُ الشَّهادة: فهو إثباتُها عند القاضي. وهو فَرْضُ عَيْنٍ إذا كانت في حقِّ آدميٍّ؛ فمن تَحمَّل الشَّهادة وَجَبَ عليه أن يؤدِّيها، وحَرُمَ عليه أن يكْتُمَها؛ لقوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

стр. 1370

[البقرة: ٢٨٣]. فإن كتمها أَثِمَ، ولا ضَمان عليه إذا تعذَّر الحقُّ بدونها. - ووجوب تَحمُّل الشَّهادة وأداؤها إنَّما يكون في حقِّ من قَدِرَ عليهما بلا ضَررٍ يلحقه في بَدَنِه، أو مَالِه، أو أَهْلِه، وإلَّا لم يلزمه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - إذا وجب تَحمُّل الشَّهادة وجب كِتابتُها على من وَجَبَت عليه، لئلِّا يَنْساها؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ. * الإِشْهادُ في عَقْد النِّكاح وغيره: يجبُ الإشهاد في عَقْد النِّكاح خاصَّةً؛ لأنَّ الإشهاد شَرْطٌ فيه، ولا ينعقد النِّكاح بدونه. أمَّا الإشهاد فيما سوى عَقْد النِّكاح؛ كالبَيْع، أو الإجارة، أو الصُّلْح، أو الرَّهْن، ونحوها، فمُستحبٌّ؛ لأنَّه لا يُشترط فيها الإشهاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والأمر محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وهذا إنَّما يكون مع عدم الشهادة؛ فدلَّ هذا على عدم وجوبها. * الشَّهادَةُ في حُقوقِ الله تعالى: يُباحُ إقامةُ الشَّهادة وتَرْكُها إذا كانت في حقٍّ من حقوق الله، كحدِّ الزنا، وشُرْب الخمر؛ لأنَّ حقوق الله مبنيَّةٌ على المُسامحة، ولا ضرر في تَرْكها على
следующие страницы →