Полный текст (1 425 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
النّبيّ ﷺ أنّه قال: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) [رواه مسلم].
وَيُسَنُّ لهُ أن يَّنوِيَ القِيامَ عندَ النَّوْمِ؛ لقول أبي الدَّرْداء ﵁: (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُو يَنْوي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) [رواه النسائي].
وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ؛ قياساً على الوِتْرِ، ولكنْ مَعَ الكَراهةِ. لما روى أبو ظبيان قال: (دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ المَسْجِدَ، فَرَكَعَ رَكْعَةً. فَقِيلَ لَهَ. فَقَال: إِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ؛ فَمَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ) [رواه عبد الرزاق، وإسناده ضعيف].
والرواية الأخرى في المذهب: أنَّه لا يصحُّ، وأنَّ أقلَّ التطوُّع ركعتان؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) [رواه البخاري ومسلم]، ولأنَّه لم يرد الشرع بمثله.
- وأَجرُ منْ صَلَّى قاعداً منْ غيرِ عُذرٍ على النِّصفِ منْ أَجرِ منْ صلّى قائماً؛ لحديثِ عمرانَ بن حصينٍ ﵁ قال: سألت النبيّ ﷺ عن صلاةِ الرّجلِ وهو قاعدٌ؛ فقال: (مَنْ صَلّى قائماً فهُوَ أَفْضَلُ، ومَنْ صَلّى قَاعِداً فلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائمِ) [رواه البخاري].
قال المرداوي: «فَأَمَّا إِنْ كانَ مَعْذُورًا لِمَرَضٍ أو نَحْوِهِ؛ فَإِنَّهَا كَصَلَاةِ الْقَائِمِ في الْأَجْرِ».
وكَثْرةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ أفضلُ منْ طُولِ القِيامِ؛ لأنّ السُّجودَ في نفسِهِ أفضلُ وآكَدُ؛ فإنّه يجبُ في الفرضِ والنّفلِ، والقِيامُ يسقُطُ في النّفلِ، ولقوله ﷺ : (أَقْرَبُ
стр. 177
مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهُوَ سَاجِدٌ) [رواه مسلم].
ثانياً: صَلاةُ الضُّحَى:
١) حُكْمُها:
هي مستحبّةٌ غير مؤكّدة؛ لحديثِ أبِي هريرةَ ﵁ قال: (أَوْصَانِي خَلِيلي بثَلاثٍ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنامَ) [رواه مسلم].
ولكن لا تستحبُّ المُداومةُ عليها، بل يُصَلِّيها في بعضِ الأَيّامِ دُونَ بَعْضٍ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: (كان النّبيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا) [رواه الترمذي]، ولأنّها دونَ الفرائضِ والسُّننِ المُؤكَّدةِ؛ فلا تُشبَّه بها.
٢) عددُ رَكْعَاتِها:
أَقَلُّهَا رَكْعَتانِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ السّابقِ؛ فإنّ فيه: (وَرَكْعَتَي الضُّحَى).
وأَكْثَرُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ؛ لحديث أم هانئ ﵂ قالت: (لمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ. قَامَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى غُسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى) [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].
٣) وَقْتُها:
وَقْتُ صلاةِ الضُّحَى منْ خُروجِ وقتِ النَّهْي إلى قُبَيْل الزَّوالِ؛ لحديث
стр. 178
أبي الدَّرْداء وأبي ذَرٍّ ﵄ عن النبيّ ﷺ عن الله قال: (ابنَ آدمَ ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ أَرْبَعَ رَكَعاتٍ أَكْفِكَ آخِرَهُ) [رواه التّرمذي].
وأَفْضَلُ أَوْقَاتِها: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ؛ لقوله ﷺ : (صَلَاةُ الأَوّابينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ) [رواه مسلم]. أي: حين يجد الفصيل من الإبل حرّ الشمس من الرَّمْضاءِ.
ثالثاً: تحيّة المسجد:
تُسَنُّ تحيّةُ المسجدِ عندَ الدُّخولِ إليهِ؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فلَا يَجْلِسْ حتّى يُصَلّيَ رَكْعَتَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم].
- وتُجزِئُ صلاةُ الرّاتبةِ والفرِيضَةِ عن تحيّةِ المسجدِ.
- وَإنْ جلسَ قبلَ صلاةِ التّحيّةِ قامَ فأتَى بها إنْ لمْ يطلِ الفصلُ؛ لحديث جابر ﵁ قال: (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له]، فإنْ طالَ الفَصلُ فاتَ محلُّها.
رابعاً: سُنَّة الوضوء:
تُستحبُّ سنّةُ الوُضوءِ، وهيَ ركعتانِ عَقِبَه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لبلالٍ ﵁: (يا بِلالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْته فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي سَمِعْت دَفَّ نَعْلَيْك بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ؛ فَقَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي مِنْ
стр. 179
أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْت بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) [رواه البخاري ومسلم].
خامساً: الصلاة بين المَغْرِب والعِشَاء:
يُستحبُّ إِحْياءُ مَا بينَ العِشاءَيْنِ - المغرب والعشاء -؛ لحديث حذيفة ﵁ في صلاته مع النبي ﷺ قال: (فَصَلَّيْتُ مَعَهُ المَغْرِبَ فَلَمَّا قَضَى الصَلَاةَ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ ثُمَّ خَرَجَ) [رواه أحمد، والترمذيّ، واللفظ لأحمد].
وهذه الصّلاةُ تُعدُّ منْ قِيامِ اللَّيلِ؛ لأنّ اللّيلَ من المغربِ إلى طلوعِ الفجرِ، وقد ثبت عن أنسٍ ﵁ في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات ١٧]: (كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بينَ المغربِ والعِشاءِ) [رواه أبو داود].
* * *
стр. 180
فصل في سجود التِّلاوة والشُّكر
أولاً: سجودُ التِّلاوةِ:
١) حكمُهُ:
سجودُ التِّلاوةِ سنّةٌ مؤكّدةٌ لِلْقَارئِ والمُسْتمِعِ بشَرْطِ أن لَا يَطولَ الفاصلُ بين قِراءةِ السّجدةِ والسُّجودِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ؛ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعاً يَسْجُدُ عَلَيْهِ) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا إِنْ طَالَ الفصلُ بين القِراءةِ والسُّجودِ لمْ يشرعِ السُّجودُ؛ لفَواتِ محلِّهِ.
ولا إثم على من ترك سجود التلاوة؛ لما جاء في حديثِ زيدِ بن ثابتٍ ﵁ قالَ: (قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) [رواه البخاري ومسلم].
٢) شروطُهُ:
يُشْترطُ لِسُجودِ التِّلاوةِ ما يُشترطُ لِصلاةِ النَّافلةِ من النِّيّةِ، والطّهارةِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القِبلةِ؛ لأنَّهُ سُجودُ قُربةٍ لله تعالى؛ فكانَ صلاةً؛ يُشترطُ لها ما ذُكرَ كسُجودِ الصّلاةِ.
٣) صفتُهُ:
يُكبِّرُ إذا أرادَ السُّجودَ بلا تكبيرةِ إحرامٍ، ولو كان خارجَ الصّلاةِ؛ لقولِ
стр. 181
ابنِ عمرَ ﵄: (كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ؛ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ) [رواه أبو داود]، ولأنَّهُ سُجودٌ مُفردٌ فشُرع التّكبيرُ في ابتدائِهِ وفي الرّفعِ منه؛ كسُجودِ السَّهوِ.
ويقولُ في سُجودِهِ ما يقوُلُ في سجودِ الصَّلاةِ، وإنْ زادَ غيرَهُ ممّا ورد فحسنٌ، وممّا ورد: (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
وإذا رفعَ رأسَهُ من السُّجودِ كبّرَ؛ لأنّهُ رفعٌ من سجودٍ؛ فأشْبَه سجودَ الصّلاةِ وسجودَ السَّهوِ.
ويجلسُ ويُسلّمُ إذا رفعَ رأسَه تسليمةً واحدةً بلا تَشهُّدٍ؛ لعُمومِ حديثِ عليٍّ ﵁ مرفوعاً: (تحريمُها التّكبيرُ، وتَحلِيلُها التّسليمُ) [رواه أبو داود والتّرمذي وابنُ ماجه].
٤) سجودُ التِّلاوةِ خلفَ الإمامِ:
إذا سَجَد المأمومُ لِقراءةِ نفسِهِ، أو لقِراءةِ غيرِ إمامِهِ مُتَعمِّداً بَطَلتْ صلاتُه؛ لحديث: (إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤتَمَّ بِهِ؛ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ) [رواه البخاري ومسلم]، ولأنّهُ زاد في صلاتِهِ سجوداً.
ويجبُ على المأمومِ أن يُّتابعَ إمامَه إذا سجدَ للتِّلاوةِ فِي صلاةِ الجهرِ، ولوْ تَرَك متابعتَهُ عمداً بَطَلتْ صَلاتُهُ؛ للحديثِ السّابقِ.
٥) سجودُ التِّلاوةِ خلفَ القارئِ:
- ويُشترطُ لاستحبابِ السّجودِ في حقِّ المُسْتمعِ: أن يكونَ القارئُ ممّن يَصلحُ
стр. 182
إماماً للمُستمعِ، وأنْ يسجُدَ هو للتّلاوةِ؛ فلا يسجُدُ المستمعُ إنْ لمْ يسجُدِ القارئُ، كما لا يسجدُ قُدّامَهُ، ولا عن يسارِهِ مع خُلُوِّ يمينِهِ؛ لأنّه إمامٌ لهُ، وقد جاء في حديثِ عطاءٍ بن يسارٍ: (أَنَّ غُلاماً قَرَأَ عِنْدَ النَّبيَّ ﷺ السَّجْدةً؛ فَانْتَظَرَ الغُلامُ النَّبيَّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ؛ فَلَمَّا لمْ يَسْجُدْ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَلَيْسَ في هِذِهِ السُّورَةِ سَجْدَةٌ؛ فَقَالَ ﵊: بَلَى! وَلَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فيهَا؛ فَلَوْ سَجَدتَّ سَجَدْنَا) [رواه الشافعيُّ وابنُ أبي شيبة والبيهقيُّ، وإسناده ضعيف].
- ولا يسجدُ الرَّجلُ المستمعُ لتِلاوةِ المرأةِ والُخْنثى؛ لأنّهُ لا يصحُّ ائتمامُهُ بهما.
ويسجدُ لتِلاوةِ أمِّيٍّ وزَمِنٍ ومميِّزٍ؛ لأنّ قراءةَ الفاتحةِ والقِيامَ ليسا ركناً فِي السُّجودِ، ولأنّ المميِّزَ تَصِحُّ إمامتُهُ فِي النّافلةِ؛ فكذلك هُنا.
ثانياً: سجودُ الشُّكرِ:
يُسَنُّ سُجودُ الشُّكرِ لله تعالى عندَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وانْدفاعِ النِّقمِ؛ سواءٌ كانتْ النِّعمُ عامّةً أو خاصّةً؛ لحديث أبي بَكْرَة ﵁: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِداً شُكْراً لله ﵎ [رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ ماجه واللفظ له].
ولحديثِ البراء بنِ عازبٍ ﵁: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ عَليًّا إلَى أهلِ اليَمَنِ يَدْعُوهُم إلَى الإِسْلامِ … فَأَسْلَمَتْ هَمْدانُ جَميعاً، فَكتَبَ عَليٌّ ﵁ إِلى رَسُولِ الله ﷺ بِإِسْلامِهِمْ؛ فَلَمَّا قَرَأَ الكِتَابَ خَرَّ سَاجِداً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: السَّلَامُ
стр. 183
عَلَى هَمْدَانَ، السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ) [رواه البيهقيُّ].
وإنْ سجدَ للشُّكرِ فِي صلاتِهِ وهو عالمٌ ذاكرٌ - غير جاهلٍ ولا ناسٍ- بَطَلتْ صلاتُهُ؛ لأنّ سببَ الشُّكرِ ليس له تعلُّقٌ بالصّلاةِ بخِلافِ سُجودِ التِّلاوةِ.
- وصفةُ سجودِ الشُّكرِ وأحكامُه مثلُ سجودِ التِّلاوةِ.
* * *
стр. 184
فصل في أوقات النَّهي
أولاً: المقصود بأوقات النَّهْي:
أوقات النَّهْي: هي الأوقات التي نَهَى الشَّرعُ عن صلاة التطوّع فيها. وهي ثلاثة أوقات:
١) من طلوع الفجر حتّى ارتفاع الشمس قيد رُمْح؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) من صلاة العَصْر إلى غُروب الشَّمس؛ لحديث أبي سعيد ﵁، وفيه: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) وعند قِيام الشَّمس في وسط السماء حتَّى تَزول؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: (ثَلاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) [رواه مسلم].
ثانياً: حُكْمُ الصلاة في أوقات النَّهْي:
يحرُمُ على المسلم في هذه الأوقات أن يصلِّيَ تطوُّعاً؛ سواء كان تطوُّعاً مُطْلَقاً، أو مقيَّداً بسبب؛ فإن فعل لم تنعقد صلاتُه ولو كان جاهِلاً بوقت النّهي، أو جاهِلاً
стр. 185
بتحريم الصلاة فيه؛ وذلك لعموم النّهي الوارد عن الصلاة في هذه الأوقات، والنّهيُ يقتضي فساد تلك الصلاة.
لكن يُستثنى من ذلك ما يلي:
١) سُنَّة الفَجْر قبل فَرْضِها: لحديث عائشة ﵂ قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) [رواه البخاري].
٢) ركعتا الطَّواف: لحديث جُبَيْر بن مُطْعِم ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (يَا بَنِيعَبْدِ مَنَافٍ! لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا البَيْتِ يُصَلِّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ
أَوْ نَهَارٍ) [رواه أبو داود والترمذي].
٣) سُنَّة الظُّهْر البَعديَّة إذا جَمَع الظُّهْر مع العَصْر، سواء كان جَمْع تقديم أم جَمْع تأخير؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ قالت: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) الصلاة جماعة مرَّة أخرى إذا أُقيمت وهو في المسجد؛ لحديث يزيد بن الأسود عن أبيه ﵁ قال: (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ في مَسْجِدِ الخِيفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ في آخِرِ القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيا مَعَهُ، قَالَ: عَلَيَّ بِهِما، فَأُتِيَ بِهِما تَرْعَدُ فَرائِصُهُما، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيا مَعَنا؟ قَالا: يا رَسُولَ الله إِنَّا قَدْ صَلَّيْنا في رِحَالِنا. قَالَ: فَلا تَفْعَلا، إِذَا صَلَّيْتُما في رِحَالِكُما ثُمَّ أَتَيْتُما مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيا مَعَهُمْ، فِإِنَّها لَكُما نَافِلَةٌ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
وحديث أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وضرب على فَخِذي-:
стр. 186
(كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. قَالَ: قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ في المَسْجِدِ فَصَلِّ) [رواه مسلم].
٥) قضاء الفرائض؛ لحديث أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْها فَكَفَّارَتُها أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
٦) فعل الصلاة المنذورة؛ لأنَّ الوفاء بالنَّذْر واجب؛ فأشبهت الصلاة المفروضة من حيث لزوم أدائها.
رابعاً: المعتبر في النَّهْي بعد الفَجْر والعَصْر:
الاعتبار في النَّهي بعد الفجر هو دخول وقت الفجر الصادق، فلا يجوز التطوع في هذا الوقت مطلقاً، إلا ما كان له سبب كتحية المسجد وسنة الفجر؛ لما جاء عن يسار مولى ابن عمر قال: (رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَقَالَ: يا يَسَارُ! إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَلَيْنا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ، فَقَالَ: لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُم، لا تُصَلُّوا بَعَدَ الفَجْرِ إِلاَّ سَجْدَتَينِ) -أي ركعتي الفجر-[رواه أبو داود].
أما الاعتبار في النهي بعد العصر فبفراغ المصلي من صلاته، لا بدخول وقتها أو بشروعه في الصلاة؛ فلو شرع في صلاة العصر ثم قلبها نفلاً لسبب من الأسباب، صح تنفله ذلك؛ لأنه لا يدخل النهي في حقه إلا بعد الانتهاء من صلاة العصر وهو لم يصلها بعد.
* * *
стр. 187
مسائل
في قراءة القرآن وحفظه
١) تُباحُ قراءة القرآن في الطريق؛ لما ورد عن إبراهيم التَّيْميِّ عن أبيه قال: (كُنْتُ أَعْرِضُ عَلَيْهِ وَيَعْرِضُ عَلَيَّ فِي السِّكَّةِ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُدُ، قَالَ: قُلْتُ أَتَسْجُدُ فِي السِّكَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ) [رواه أحمد ومسلم، واللفظ لأحمد].
٢) تُباحُ قراءة القرآن مع الحَدَث الأصغر - من غير وضوء -؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الخَلاءِ فَيَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ القُرْآنِ شَيءٌ لَيْسَ الجَنَابَةَ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
٣) تُباحُ قراءة القرآن مع نجاسة الثوب أو البدن أو الفم؛ وذلك لحديث عليٍّ ﵁ السابق؛ إذ لم يكن يمنعه مانع من قراءة القرآن إلَّا حصول الحَدَث الأكبر وهو الجنابة.
٤) حفظ القرآن فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذلك بالإجماع.
أمَّا ما لا تصحُّ الصلاة إلَّا به وهو حفظ الفاتحة؛ فواجب على كلِّ مُكَلَّف بعينه؛ لأنَّها رُكْن في الصلاة، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب.
* * *
стр. 188
باب صلاة الجماعة
أولاً: حكمُ صلاةِ الجماعةِ:
تجبُ صلاةُ الجماعةِ على الرِّجالِ الأحرارِ القادرينَ؛ سواءً كانوا في الحضرِ أو في السّفرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النّساء ١٠٢]. والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف؛ فمع الأمن من باب أولى.
ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى المُنافِقينَ: صَلاةُ العِشاءِ، وَصَلاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِما لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيَ بِرِجالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
ثانياً: أقلُّ ما تنعقدُ به الجماعةُ:
أقلُّ ما تنعقدُ به الجماعةُ اثنانِ: إمامٌ، ومأمومٌ -ولو أُنْثى-؛ لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁: (إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ؛ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُما) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
ولا تنعقدُ بالمميِّز -وهو ابنُ سبعٍ- في الفَرْض؛ لأنّ ذلك يُروى عن
стр. 189
ابن مسعود وابن عباس ﵄.
ثالثاً: الجماعةُ في المسجدِ:
تُسَنُّ الجماعةُ في المسجدِ؛ لقوله ابن مسعود ﵁: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَداً مُسْلِماً فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى) [رواه مسلم].
وتُسَنُّ الجماعةُ للنِّساءِ منفرداتٍ عن الرِّجال؛ لفعلِ عائشةَ وأمِّ سلمة ﵄ [رواهما عبد الرّزاق والدّارقطني]، وأَمْرِه ﷺ أمَّ وَرَقةَ أن تؤمَّ أهلَ دارِها [رواه أبو داود].
ويحرمُ على الرَّجلِ أن يؤمَّ النّاسَ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ، إلا مع إذنِه إنْ كان يكرهُ ذلك؛ ما لم يضقِ الوقتُ؛ لأنّه بمنزلةِ صاحبِ البيتِ، وهو أحقُّ بالإمامةِ ممّن سواهُ؛ لحديث: (لَا يَؤُمَنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ في بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [رواه مسلم]. والتَّكْرِمَة: الفراش الذي يبسط لصاحب المنزل ويخص به.
فإن كان لا يكرهُ ذلك أو ضاقَ الوقتُ صحَّتْ؛ لأن أبا بكر ﵁ صلّى حين غاب النبيُّ ﷺ ، وفعله عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال النبيُّ ﷺ : (أَحْسَنْتُمْ) [رواه مسلم].
رابعاً: إدراكُ الجماعةِ:
منْ كبَّر قبلَ سلامِ الإمامِ التّسليمةَ الأولى فقد أدركَ الجماعةَ؛ لأنّه أدركَ جزءًا من صلاةِ الإمامِ؛ فأشبه ما لو أدركَ ركعةً.
стр. 190
ومن أدركَ الرُّكوعَ -غيرَ شاكٍّ- أدركَ الرَّكعةَ، واطمأنَّ في ركُوعِه، ثمّ تابعَ إمامَه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إِذَا جِئْتُمْ إِلى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئاً، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ) [رواه أبو داود]، وفي لفظ له: (مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ).
ويُسنُّ دخولُ المأمومِ مع إمامِه كيف أدركَهُ؛ لما تقدم.
وإنْ قامَ المسبوقُ لقضاءِ ما فاته قبلَ تسليمةِ إمامِه الثانيةِ، ولم يرجعْ: انقلبتْ صلاتُه نفلاً؛ لتركِه العَوْدَ الواجبَ لمتابعةِ إمامِه بلا عذرٍ؛ فيخرجَ عنِ الائتمامِ، ويبطلَ فرضُه.
وإذا أقيمتِ الصلاةُ الّتي يريدُ أن يصليَ مع إمامِها، وشرعَ في نافلةٍ: لم تنعقد نافلتُه؛ لحديث: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ) [رواه مسلم].
وإن أقيمتْ وهو في النّافلةِ: أتمّها خفيفةً إن أمن فوات الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٣].
ومنْ صلّى فرضَهُ، ثمّ أقيمتِ الجماعةُ وهو في المسجدِ: سُنَّ أن يعيدَ الصّلاةَ معهم، وصلاتُه الأُولى هي الفريضة؛ لحديث أبي ذر ﵁ أنّ ﷺ قال له: (صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا؛ فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيتُ فَلا أُصَلِّي) [رواه مسلم].
خامساً: ما يتحمّله الإمامُ عن المأمومِ:
يتحمل الإمامُ عن المأمومِ جملةَ أمورٍ؛ منها:
стр. 191
١) القراءةُ: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، ولحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) [رواه أحمد].
٢) سجودُ السَّهوِ: إذا دخلَ المأموم مع الإمامِ من أولِّ الصَّلاةِ.
٣) سجودُ التِّلاوةِ: إذا قرأَ المأموم في صلاتِه آيةَ سجدةٍ، ولم يسجدْ إمامُه.
٤) السُّتْرةُ: لأنّ سترةَ الإمامِ سترةٌ لمن خلفه، والنبي ﷺ كان يصلِّي بأصحابِه إلى سترةٍ، ولم يأمرْهُم أن يستتروا بشيء.
٥) دعاءُ القنوت: حيث سمعه المأمومُ؛ فيؤمِّن فقط.
٦) التّشهدُ الأوّلُ: إذا سُبق المأموم بركعةٍ في رباعيةٍ؛ لئلا يختلفَ على إمامِه.
سادساً: ما يسنُّ للمأمومِ خلفَ إمامِه:
يُسنُّ للمأمومِ أن يستفتحَ ويتعوَّذَ في الجهريّةِ؛ لأنّ مقصودَ الاستفتاحِ والتّعوُّذِ لا يحصلُ باستماعِ قراءةِ الإمامِ؛ لعدمِ جهرِهِ بهما بخلافِ القراءةِ.
ويُسَنُّ له أن يقرأَ الفاتحةَ وسورةً حيثُ شُرعتْ -أي السورةُ- في سكتاتِ إمامهِ، وهي:
- قبلَ الفاتحةِ في الركعةِ الأُولى فقطْ -حيث يستفتحُ ويستعيذُ-.
- وبعد الفاتحةِ -حيث يقرأُ الفاتحةَ-.
- وبعد الفراغِ من القراءةِ -حيث يقرأ السُّورةَ-؛ وذلك لحديث سَمُرَة ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ: إِذَا اسْتَفْتَحَ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ كُلِّهَا). وفي رواية: (سَكْتَةٌ إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةٌ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ
стр. 192
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) [رواه أبو داود، والتّرمذيّ بنحوه، وضعّفه الدارقطنيُّ وغيرُه].
ويقرأُ فيما لا يجهرُ فيه الإمامُ متى شاءَ، وكذلك فيما لم يسمعْه لبُعْدِهِ؛ لقول جابر ﵁: (كُنَّا نَقْرَأُ في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ خَلْفَ الإِمَامِ في الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفي الآخِرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ) [رواه ابن ماجه].
* * *
стр. 193
فصل فيمن أحرم قبل إمامِه
إذا أحرمَ المأمومُ مع إمامِه: بطلتْ صلاتُه، ولم تنعقدْ؛ لأنّه يُشترط أن يأتي بها بعدَ إمامِه وقد فاتَه. وكذا إذا أحرم قبلَ إتمامِ إمامِهِ تكبيرةَ الإحرامِ؛ لأنّه يكون قد ائتمَّ بمن لم تنعقدْ صلاتُه.
والأَوْلى للمأمومِ أن يشرعَ في أفعالِ الصَّلاةِ بعد إمامِه؛ لحديث: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
فإنْ وافقَهُ في أفعالِ الصّلاةِ، أو في السَّلامِ كُرِه؛ لمخالفةِ السُّنّةِ، ولم تفسدْ صلاتُه؛ لأنّه اجتمع معه في الرُّكنِ.
ويحرمُ سبقُ الإمامِ بشيءٍ من أفعالِ الصّلاةِ؛ لقوله ﷺ : (لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالقِيامِ) [رواه مسلم].
فمنْ ركعَ، أو سجدَ، أو رفعَ قبلَ إمامِه عمداً لزمَهُ أن يرجعَ ليأتيَ بهِ معَ إمامِه؛ ليكونَ مؤتمًّا به؛ فإنْ أَبى الرجوع عالماً بوجوبه عمداً حتّى أدركه الإمام فيما سبقه فيه من ركوع أو سجود أو رفع، بطلتْ صلاتُه؛ لترك المتابعةِ الواجبةِ بلا عذرٍ، ولحديثِ أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ
стр. 194
قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
ولا تبطلُ صلاةُ النّاسِي والجاهلِ؛ لحديث: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأَ، وَالنِّسْيانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ) [رواه ابن ماجه، والحاكم وصحّحه، وضعّفه أحمد وغيره].
ويُسَنُّ للإمامِ التَّخفيفُ مع الإتمامِ للصّلاةِ؛ لحديثِ أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ،
وَذَا الحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) [رواه مسلم].
فإذا آثرَ واختارَ المأمومُ التطويلَ فلا بأس؛ لزوالِ علّةِ الكراهةِ، وهي التَّنفيرُ.
ويسنُّ للإمامِ أن ينتظرَ الداخلَ إلى الصّلاة إذا أحسّ به في ركوعٍ ونحوِه؛ بشرط أن لا يشقّ على من معه من المصلِّين؛ لأنّه ثبت عنه ﷺ الانتظارُ في صلاةِ الخوفِ لإدراكِ الجماعةِ، وهذا المعنى موجود هنا، ولكن حُرمةُ مَنْ مع الإمامِ أعظمُ؛ فلا يشقُّ عليهم لنفعِ الدّاخلِ.
ومن استأذنَتْهُ امرأتُه أو أَمَتُه في الذّهابِ إلى المسجِدِ كُرِه لهُ منعُها، وصلاتُها في بيتِها خيرٌ لها؛ لحديث: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنّ) [رواه مسلم].
* * *
стр. 195
فصلٌ في الإمامة
أوّلاً: الأوْلَى بالإمامةِ:
الأوْلَى بالإمامةِ: الأجودُ قراءةً الأفقهُ؛ لجَمْعِه المرتبتينِ، ثمّ يليهِ الأجودُ قراءةً الفقيهُ؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا كَانُوا ثَلاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ) [رواه مسلم].
ثمّ يليه الأَجودُ قراءةً وإنْ لم يكن فقيهاً؛ إنْ كان يعرفُ فقهَ صلاتِه حافظاً للفاتحةِ؛ للحديث المذكور.
ويُقدَّمُ القارئُ الّذي لا يعلمُ فقهَ صلاتِه على الفقيه الأُمِّيِّ الذي لا يُحسِنُ الفاتحة؛ لحديث: (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ الله؛ فَإِنْ كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً؛ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) [رواه مسلم].
ثمّ يُقَدَّمُ الأَسَنُّ؛ لقوله ﷺ : (إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) [رواه البخاري ومسلم].
ثمّ الأشرفُ نسباً؛ إِلحاقاً للإمامة الصُّغرى بالكُبرى، وحديث: (الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) [رواه أحمد، والنّسائي في السّنن الكبرى].
ثمّ الأَتْقى والأَوْرعُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
ثم يُقرع بينهم إذا تساووا فيما سبق؛ قياساً على الأذانِ.
وصاحبُ البيتِ الصّالحُ للإمامةِ أحقُّ بها ممّن حضره في بيتِهِ؛ لحديث:
(وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ) [رواه مسلم].
стр. 196
وإمامُ المسجدِ أحقُّ بالإمامةِ فيهِ؛ لأنَّ ابنَ عمر أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلِّي فيه مَوْلَى له، فصلَّى ابنُ عمر معهم، فسألوه أن يؤمَّهم فأبى، وقال للمَوْلَى: (أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُصَلِّيَ في مَسْجِدِكَ مِنِّي) [رواه الشّافعيُّ والبيهقيُّ].
والمقيمُ أوْلَى من المسافرِ؛ لأنّه ربّما قَصَر؛ ففاتَ المأمومينَ بعضُ الصَّلاةِ جماعةً.
والحضريُّ الناشئ بالمدن والقُرى أوْلَى من البدويِّ الناشيء بالبادية؛ لأنَّ الغالب على أهل البادية الجفاء، وقلّة المعرفة بأحكام الصلاة.
والبصيرُ أوْلَى من الأَعْمى؛ لأنّه أقدرُ على توقِّي النّجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ بعلمِ نفسِهِ.
والمتوضِّئ أوْلَى من المتيمِّمِ؛ لأنّ الوضوءَ يرفعُ الحدثَ؛ بخلاف التيمّم فإنّه مبيحٌ.
وتكرهُ إمامةُ غير الأَوْلَى بلا إذنٍ من الأَوْلَى بالإمامة؛ لما في ذلك من التعدِّي عليهِ.
ثانياً: شروطُ صِحّةِ الإمامة:
١) العدالةُ: فلا تصحُّ إمامةُ الفاسقِ إلّا في جمعةٍ وعيدٍ تعذّر إقامتُهما خلفَ غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة ١٨]، ولحديث جابر ﵁ مرفوعاً: (لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِناً إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ) [رواه ابن ماجه والبيهقي، وهو حديث ضعيف].
وتصحُّ إمامةُ الأعمى والأصمِّ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ
стр. 197
يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى [رواه أبو داود]، وقِيسَ علاه الأَصمُّ.
وتصحُّ إمامةُ الأقلفِ-الذي لم يختتن-؛ لأنّه ذكرٌ، مسلمٌ، عدلٌ؛ قارئٌ؛ فصحتْ إمامتُه.
وتصحُّ إمامةُ كثيرِ اللَّحْنِ إذا كان خطؤه لا يُحيلُ ولا يغيّر المعنى، وإِمامةُ التَّمْتامِ الذي يكرِّرُ التاءَ، ولكنْ مع الكراهةِ في الكلِّ-الأعمى، والأصمّ، والأقلف، وكثير الّلحن-؛ للخلافِ في صحةِ إمامتِهم.
٢) القدرةُ على الإتيانِ بالشروطِ والأركانِ: فلا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن شرطٍ
أو ركنٍ إلّا بمثلِه -لإخلالِه بفرضِ الصَّلاةِ-، إلّا الإمامُ الرّاتبُ بمسجدٍ ويُرجى زوالُ عجزِه وعلّتِه؛ فيصلِّي جالساً ويجلسون خلفَه، وتصحُّ قياماً؛ لأنّ النبيّ ﷺ صلّى بهم جالساً فصلّى وراءَهُ قومٌ قياماً، فأشار إليهم أن اجلِسُوا، ثمّ قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ … ، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ) [رواه البخاري ومسلم].
وإنْ تركَ الإمامُ رُكْناً أو شَرْطاً مختَلَفاً فيه مقلِّداً لغيرِه: صحَّتْ صلاتُه، ومن صلّى خلفَه معتقداً بطلانَ صلاتِه أعادَ؛ لأنّه تركَ ما تتوقّفُ عليه صحَّةُ صلاتِهِ.
والرواية الأظهر في المذهب واختارها الأكثر: عدم الإعادة؛ لأنَّ الصحابة ﵃ كان يصلِّي بعضُهم خلف بعض مع الاختلاف، ولأنَّ صلاته لنفسه صحيحة؛ فجاز الائتمام به، والله قد رفع الإثم عن المجتهد، وبذلك يحصل الغرض في مسائل الخلاف وهو الاجتهاد أو التقليد، ولا إنكارَ في مسائلِ الاجتهادِ؛ لعدمِ الدّليلِ.
стр. 198
٣) الذُّكورةُ في حقِّ الرّجال: فلا تصحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ؛ لما تقدّم من حديث جابر ﵁ مرفوعاً: (لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً). ولأنَّها لا تؤذِّن للرجال، فلم يجز أن تؤمَّهُم.
٤) البلوغُ: فلا تصحُّ إمامةُ المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ؛ لقول ابن مسعود ﵁: (لَا يَؤُمَّنَّ الغُلامُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيهِ الحُدُودُ» [رواه الأثرم]، وعن ابن عبَّاس ﵄: (لَا يَؤُمَّنَّ الغُلامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ) [رواه عبد الرّزاق والبيهقي بإسناد ضعيف]، ولم يُنقَل عن غيرهما من الصحابة ﵃ خلافُه. ولأنَّ الإمامة حال كمال، والصبيُّ ليس من أهلها، والإمام ضامن، والصبيُّ ليس من أهل الضمان.
وتصحُّ إمامتُه في النَّفلِ، وفي الفرضِ بمميِّزٍ مثلِه من غير البالغين؛ لأنّها نفلٌ في حقِّ كلٍّ منهم.
٥) الطّهارة من الحدثِ والخبثِ (النّجاسة): فلا تصحُّ إمامةُ محدِثٍ، ولا نجسٍ يعلمُ ذلك؛ فإنْ جهلَ هُو والمأمومُ حتّى انقَضَتِ الصّلاةُ: صحّت صلاةُ المأمومِ وحدَهُ؛ لما ثبت عن عمر ﵁ (أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الجُرْفِ فَوَجَدَ في ثَوْبِهِ احْتِلاماً؛ فَأَعَادَ الصَّلاةَ، وَلَمْ يُعِدِ النَّاسُ) [رواه مالك وعبد الرّزاق].
٦) إحسانُ القراءة: فلا تصحُّ إمامةُ الأمِّيِّ -وهو من لا يحسنُ الفاتحةَ- إلا بمثلِه؛ لعجزِهِ عن ركنِ الصَّلاةِ.
- ويصحُّ النَّفلُ خلفَ من يُصلِّي الفرض؛ لحديث مِحْجَن بن الأَدْرَع ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ في المَسْجِدِ؛ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى فَقَالَ لي: أَلَا
стр. 199
صَلَّيْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَدْ صَلَّيْتُ في الرَّحْلِ ثُمَّ أَتَيتُكَ. قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَاجْعَلْهَا نَافِلَةً) [رواه أحمد].
- ولا يصحُّ الفَرضُ خلفَ من يصلّي نافلةً؛ لحديث: (إِنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ) [رواه البخاري ومسلم].
وفي رواية عن الإمام أحمد يَصحُّ؛ لأنّ جابراً روى أن مُعَاذاً كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ [رواه البخاري ومسلم]، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ في الخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِالأُخْرَى رَكْعَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ [رواه أبو داود]، وهو في الثانية مُتنفِّلٌ يؤمُّ مُفتَرضين.
- وتصحُّ الصّلاةُ المقضيّةُ خلفَ الصّلاةِ الحاضرةِ، والحاضرةُ خلفَ المقضيّةِ حيثُ تساوتا في الاسمِ -كظُهرٍ خلف ظُهرٍ-؛ لأنّ الصلاةَ واحدةٌ، وإنّما اختلفَ الوقتُ.
ولا يصحُّ عصرٌ خَلْف ظهرٍ، ولا عكسُه.
* * *
стр. 200
فصلٌ في مكانِ وقوفِ الإمامِ والمأمومِ
يصحُّ وقوفُ الإمامِ وسطَ المأمومينَ؛ لأنّ ابنَ مسعود ﵁ صلّى بين علقمةَ والأسودِ، وقال: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ) [رواه أبو داود].
والسُّنَّةُ وقوفُه متقدِّماً عليهم؛ لما ثبت أنّ جَابِراً وجَبَّاراً ﵄ وَقَفَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلاةِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ؛ فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِما حَتَّى أَقَامَهُما خَلْفَهُ. [رواه مسلم].
ويَقِفُ الرّجلُ الواحدُ عن يمينِ الإمامِ محاذياً لهُ؛ لحديث ابن عبّاس ﵄ حين صلّى مع رسولِ الله ﷺ في بيته، وفيه: (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَني عَنْ يَمِينِهِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
ولا تصحُّ صلاةُ المأمومِ وحدَهُ خلفَ الإمامِ، ولا عن يسارهِ مع خلو يمينِه؛ لحديثِ وَابِصَةَ بنِ معبدٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصِلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ) [رواه أبو داود، والترمذيّ].
وتَقف المرأةُ خلفَ الإمام؛ لحديث أنس ﵁: أَنَّ جَدَّتَه مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله ﷺ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ: (قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ)، قَالَ أَنَسٌ: وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ خَلْفَنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. [رواه البخاري ومسلم].
стр. 201
وإنْ صلّى الرجلُ ركعةً خلفَ الصّفِّ منفرداً فصلاتُه باطلةٌ؛ لحديث وَابِصَة السَّابق.
وإنْ أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِهِ ولو كان بينَهُما فوقَ ثلاثِ مائةِ ذراعٍ (١٤٠ متراً تقريباً) صَحَّ الائتمامُ؛ بشرط أن يَرى الإمامَ أو يَرى من وراءَهُ، وإلّا
لم يصحّ؛ لأنَّه لا يمكن الاقتداء به في الغالب، وقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت لنساءٍ كُنَّ يُصلِّينَ في حُجْرتِها: (لا تُصَلِّينَ بِصَلاةِ الإِمَامِ؛ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ في حِجَابٍ) [رواه الشافعي بإسناد ضعيف].
وإنْ كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ لم تُشترطِ الرُّؤيةُ، ويَكفي سماعُ التّكبيرِ؛ لأنّ المسجدَ كلَّه موضعٌ للجماعةِ.
وإن كان بينَ الإمامِ والمأمومِ فاصلٌ عريضٌ كطريقٍ لم يصحَّ الاقتداءُ؛ لما تقدّم عن عائشة ﵂؛ إلّا لضرورةٍ؛ كازدحام المسجد بالمصلين يوم الجمعة والعيد إذا اتّصلتِ الصفوفُ.
ويُكرهُ علوُّ الإمامِ على المأمومِ؛ لأنّ حذيفة ﵁ (أَمَّ النَّاسَ بِالمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ؛ فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ ﵁ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ؛ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى! قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي) [رواه أبو داود].
ولا يُكرهُ علوُّ المأمومِ على الإمامِ؛ لأنّ أبا هريرة ﵁ صَلَّى عَلَى سَطْحِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. [رواه الشافعي وغيره].
стр. 202
ويُكرهُ لمنْ أكلَ بصلاً أو فُجْلاً ونحوَه حضورُ المسجدِ حتّى يذهب ريحه؛ لحديث جابر ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: (مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
* * *
стр. 203
فصل فيمن يُعذَر بترك الجُمُعة والجماعة
يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ:
١) المريضُ: لأنّه ﷺ لمّا مرضَ تخلّفَ عن المسجدِ، وقال: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) الخائفُ حدوثَ المرضِ: لأنّه في معنى المريضِ.
٣) المُدافِعُ أحدَ الأخبثيْنِ: لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ) [رواه مسلم]. والأخبثان: البول، والغائط.
٤) منْ لهُ ضائعٌ يَرْجُو وجودَهُ، أو يخافُ ضياعَ مالِه أو فواتَه أو ضرراً فيه،
أو يخافُ على مالٍ استُؤجِرَ لحفظِهِ كنِظارةِ -حراسة- بستانٍ: لحديث ابن عبّاس ﵄ مرفوعاً: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) [رواه ابن ماجه]. وفي رواية: (قَالُوا: فَما العُذْرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ) [رواها أبو داود، وضعّفها المنذريُّ وغيره].
والخوفُ ثلاثةُ أنواعٍ: على المالِ من لصٍّ ونحوِهِ، وعلى نفسِهِ من عدوٍّ وغيرِهِ، وعلى أهلِهِ وعيالِهِ؛ فيعذر في ذلك كلِّه؛ لعمومِ الحديثِ.
وكذا إن خاف موتَ قريبِهِ؛ لأَنَّ ابْنَ عُمَرَ (اسْتُصْرِخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ
стр. 204
﵃ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمْعَةِ؛ فَأَتَاهُ بِالعَقِيقِ، وَتَرَكَ الجُمْعَةَ) [رواه البيهقيّ].
٥) منْ تأذَّى بمطرٍ، ووَحْلٍ، وثَلْجٍ، وجليدٍ، وريحٍ باردةٍ بليلةٍ مُظْلمةٍ: لحديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ المُنادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلاةِ: صَلُّوُا في رِحَالِكُمْ، في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، وَفي اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ في السَّفَرِ) [متفق عليه]، وفي الصحيحين عن ابن عبّاس: (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ في يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا في بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا في الطِّينِ وَالدَّحْضِ) [والسياق لمسلم].
٦) منْ تأذَّى بتطويلِ الإمامِ: لأَنَّ رَجُلاً صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ، ثُمَّ انْفَرَدَ فَصَلَّى وَحْدَهُ لمَّا طَوَّلَ مُعَاذٌ؛ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ ﷺ حِينَ أَخْبَرَهُ [رواه البخاري ومسلم].
* * *
стр. 205
صلاة أهل الأعذار
أوّلاً: المقصودُ بأهلِ الأعذارِ:
الأعذارُ -جمع عُذْر-: وهو الحُجَّة التي يُعتذَّر بها، ممَّا يَرفَعُ اللَّوم عمَّن حقُّه أن يُلام؛ كالمريض، والمسافر، والخائف.
وهذه الأعذار إذا وُجِدَت في المصلَّي، فإنَّ الصلاة تختلف في بعض أحكامها من حيث الهيئة والعدد.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨].
ثانياً: العاجزُ عن القيامِ:
- يجبُ على المريض القادر على القيام أن يصلِّيَ الفريضة قائماً ولو بالاستناد إلى شيء كعَصا أو جِدار؛ لأنَّ القيام في الفريضة رُكْنٌ من أركان الصلاة؛ فيجب الإتيان به عند القدرة وعدم المشقَّة؛ لقوله ﵊: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) [رواه البخاري ومسلم].
- أمَّا إذا عجز عن القيام مُطْلَقاً أو شقَّ عليه، بسبب المرض، أو خشية زيادته، أو تأخُّر شفائه؛ فإنّه يُصلِّي قاعداً؛ لما جاء في حديث عِمْران بن حُصَين، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) [رواه البخاري].
стр. 206
ثالثاً: العاجزُ عن الجلوسِ:
- فإن عجز المصلِّي عن الصلاة قاعداً، صلَّى على جنبه، ويكون وجهُه إلى القِبْلة؛ لقوله ﷺ : (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ).
والأفضل أن يصلِّي على جَنْبِه الأيمن؛ لعموم حديث عائشة ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
فإن شقَّ عليه الجنب الأيمن صلَّى على جَنْبِه الأيسر ووجهُه إلى القِبْلَة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يحدِّد الجَنْبَ الذي يُصلِّي عليه؛ فقال: (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)؛ فأيُّ الجنبين كان أيسر له صلَّى عليه.
- وإن عجز عن الصلاة على جنبه، صلَّى مُستَلْقِياً على ظَهْرِه، وجعل رِجْلَيْه إلى القِبْلَة؛ لحديث عِمْرَان السابق؛ وفيه زيادة: (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِياً) [عزاه المجد ابن تيمية والزيلعي وابن حجر للنسائي، وهي ليست في سننه الصغرى ولا الكبرى].
رابعاً: العاجزُ عن الرُّكوع والسُّجود والذِّكْر في الصلاةِ:
- إذا كان صاحب العذر قادراً على الركوع والسجود مع عجزه عن القيام؛ فإنَّه يجب عليه الإتيان بالركوع والسجود على صفتهما الكاملة؛ لأنَّ الميسور لا يسقطُ بالمعسور.
- وإذا كان قادراً على الإتيان بأحدهما؛ فإنَّه يجب عليه فعل ما يقدر عليه، ويومئ فيما يعجز عن الإتيان به.
- أمَّا إذا عجز عن الإتيان بهما؛ كحال من يصلِّي على جنبه؛ فإنَّه يُومِئ بالركوع
стр. 207
والسجود برأسه، ويجعل سجودَه أخفض من ركوعِه؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ. وَإِلَّا فَأَوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ) [رواه البزار والبيهقي]. وفي حديث علي مرفوعاً: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ … ).
- أمَّا إذا عجز المصلِّي عن الإيماء في الركوع والسجود؛ كمن أُصيب بشَلَل كامل؛ فإنَّه يُومِئُ بعَيْنَيْهِ مع استحضار الفِعْل بقَلْبِه؛ لأنَّه قادر على الإيماء؛ فأشبهَ من يُومِئُ برأسه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام سليم العقل؛ لقدرته على الإيماء مع النيَّة.
- وإذا كان المصلِّي عاجزاً عن القول بلسانه في أثناء الصلاة لخرس أو قطع لسان، فإنَّه يستحضر القول بقلبه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم).
خامساً: تَبدّلُ حالِ العاجزِ أثناءَ الصلاة:
- من صلَّى على حالٍ ثمَّ قَدِرَ على ما هو أعلى منها، انتقل إليها؛ كمن صلَّى جالساً، ثمَّ قدر على القيام في أثناء الصلاة؛ فإنّه ينتقل إلى القيام، أو صلَّى على جَنْبِه ثمَّ قدر في أثناء الصلاة على الجلوس، انتقل إليه؛ لأنَّ العلّة التي من أجلها عمل بالرخصة قد زالت؛ فتعيَّن أن يعمل بالأصل.
- وكذا إن صلَّى على حال ثمَّ احتاج إلى ما هو أدنى منها، انتقل إلى الحال الأدنى؛ كمن صلَّى قائماً ثمَّ شقَّ عليه القيام، أو صلَّى قاعداً ثمَّ شقَّ عليه القعود، انتقل إلى القعود أو الاستلقاء بحسب حاله.
стр. 208
- ومن قدر على القيام إذا صلَّى منفرداً، ويعجز عنه إذا صلَّى في الجماعة؛ فإنَّه يُخيَّر بين الصلاة منفرداً أو حضور الجماعة؛ لأنَّه يفعل في كلٍّ منهما واجباً ويترك واجباً؛ فاستويا.
سادساً: الصلاةُ على الرَّاحلَةِ للعُذْرِ:
- تجوز صلاة الفريضة على الراحلة إذا تعذَّر النزول عنها بسبب التأذِّي بالمطر أو الوحل؛ لما رُوي عن يَعْلَى بن أُميَّة: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ انتَهَى إِلى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُم، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِم، يُومِئُ إِيماءً؛ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ) [رواه أحمد والترمذي، وإسناده ضعيف].
- كما تجوز الصلاة على الراحلة كذلك لمن خاف على نفسه من عدوٍّ أو سَبُعٍ، أو يخشى العجز عن الرجوع إن نزل، أو يخاف الانقطاع عن الرفقة في السفر؛ لأنَّ من هذا حاله يُعَدُّ خائفاً على نفسه؛ فأشبه الخائف من عدوه.
ولكن يجب عليه استقبال القِبْلَة، والإتيان بكل ما يقدر عليه من أعمال الصلاة.
- وإذا كان المصلِّي في ماء أو طين ولم يمكنه الخروج منه، ولا السجود عليه إلَّا بالتلوُّث والبَلَل، فله أن يصلِّي بالإيماء، ويجعل سجودَه أخفض من ركوعِه؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم).
أمَّا إذا كان البَلَل يسيراً لا أذى فيه، لزمه السجود؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ [رواه البخاري ومسلم].
* * *
стр. 209
فصل في صلاة المسافر
أولاً: قَصْرُ الصلاة في السَّفَر:
يُقصد بقَصْر الصلاة: أن يؤدِّي المصلِّي الصلاة الرُّباعيَّة -وهي الظُّهْر والعَصْر والعِشاء- ثنائيَّة؛ فيصلِّي كلَّ واحدة منها ركعتين ركعتين.
أمَّا صلاة المَغْرِب والصُّبْح، فيُصلِّيهما تامَّتين من غير قَصْرٍ إجماعاً.
- وقَصْر الصلاة قد دلَّت نصوص الشرع على مشروعيِّته؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، وعن عائشة ﵂ قالت: (فَرَضَ اللهُ الصَّلاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
- وقَصْر الصلاة في السفر أفضل من إتمامها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ والخلفاء من بعده داوموا على قَصْر الصلاة في أسفارهم، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (صَحِبْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَكَانَ لا يَزِيدُ في السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَينِ، وأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ كذلك ﵃ [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
ثانياً: شروط صحَّة القَصْر في السَّفَر:
يشترط لقَصْر الصلاة في السَّفر أربعةُ شروط، هي:
стр. 210
١) أن يكون السَّفر مُباحاً:
ويقصد بالسفر المباح كل سفر أجازه الشرع سواء كان واجباً، أو مندوباً،
أو مباحاً؛ كالسفر إلى الحج أو الجهاد، أو صلة الأرحام، أو زيارة الأصدقاء،
أو التجارة أو السياحة ونحو ذلك؛ وذلك لعموم قول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ الله وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلاة) [رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه].
أمَّا المسافر سفر معصية، فلا يباح له القَصْر؛ لأنَّ الرُّخُص الشرعيَّة شُرِعَت تخفيفاً وإعانة على المقصد، فلم تشرع في سفر المعصية؛ حتَّى لا يُعان العاصي على معصيته. ومثله إذا كان السفر مكروهاً؛ كسفر الرجل وحده بدون رفقة.
٢) أن يكون المُسافِرُ قاصِداً السَّفَر إلى محلٍّ مُعَيَّن:
فلا يجوز القصر لمن هَامَ على وجهه لا يدري أين يذهب، ولو بلغ في سَيره مسافة تقصر معها الصلاة؛ وذلك لانتفاء القصد والنية؛ فهو لم يقصد السفر ابتداءً ولم ينوه، ولذا لم يبح له القصر لا في ابتدائه ولا في أثنائه.
٣) أن يَبلغ سفره مَسَافة قَصْرٍ:
وتُقَدَّر مسافة القصر بسِتَّة عَشَر فَرْسَخاً، أو ثَمانِيةً وَأربَعينَ مِيلاً، وبالمقاييس المعاصرة ما يعادل أكثر من (٨٠) كيلومتراً تقريباً، سواء كان السَّفَرُ بَرًّا أو بَحْراً أو جَوًّا؛ وذلك لما رُوي عن ابن عبَّاس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (يَا أَهْلَ مَكَّةَ! لا تَقْصُرُوا في أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلى عُسْفَانَ) [رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، والصحيح أنَّه من قول ابن عباس].
стр. 211
٤) أن يُغادِرَ عُمْران البَلَدِ:
وهو أن يُفارق بيوتَ المدينة أو البَلْدَة أو القَرْيَة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، ومن لم يُفارق البيوت لم يَضْرِب في الأرض؛ فلا يُسمَّى مسافراً إلَّا إذا ارتحل، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ما كان يَقْصُر صلاتَه إلَّا إذا ارتحل؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: (صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَينِ) [رواه البخاري ومسلم].
- ومن خرج مسافراً مسافة تُبيحُ القَصْر، ثمَّ بدا له أن يرجع قبل استكمال المسافة، فلا يُعيدُ الصلاة التي صلَّاها أثناء سفره؛ لأنَّ المعتبر نيَّة قطع مسافة القَصْر لا قطع المسافة نفسها؛ بدليل أنَّه يَبتَدِئ القَصْر بعد مغادرة عُمْران البلد، وهي ليست مسافة قَصْر.
ثالثاً: الأحوالُ التي لا يُشرَعُ فيها القَصْرُ للمُسافِر:
لا يُشرعُ للمصلِّي قَصْرُ الصلاة في الحالات الآتية:
١) إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم ثمَّ سافر؛ لأنَّ الصلاة وجبت في ذمَّته وهو مقيم غير مسافر، ومن كان هذا حاله فحقُّه الإتمام لا القَصْر؛ لحديث أنس ﵁ قال: (صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَينِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 212
والقول بالإتمام من مُفْرَدات المذهب.
وفي رواية موافقة لجمهور العلماء أنَّه يُباح له القَصْر؛ لأنَّ العِبْرة بوقت أداء الصلاة، لا بوقت وجوبها، وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً.
٢) إذا اقتدى المسافر بإمام مقيم؛ لما روى مُوسَى بن سَلَمَة قال: (كُنَّا مَعَ
ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ [رواه أحمد]. وقال نافع: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعاً، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَينِ» [رواه مسلم].
٣) إذا لم يَنْوِ المسافر قَصْرَ الصلاة عند الإحرام بالصلاة؛ لأنَّ الأصل الإتمام، وإطلاقُ النيَّة وعدمُ تحديدها ينصرفُ إلى الأصل.
٤) إذا نوى المسافر الإقامة مُطْلَقاً من غير تحديد؛ كالعُمَّال المقيمين للعمل، والتاجر المقيم للتِّجارة، والطالب المقيم للدِّراسة، ونحوهم؛ فهؤلاء حُكْمُهُم حُكْمُ المقيمين؛ لأنَّ السفر المبيح للقَصْر قد انقطع بنيَّة الإقامة.
٥) إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظنَّ أنَّها لا تنقضي إلَّا بعد أربعة أيَّام؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قدم مكَّة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحِجَّة، وأقام فيها إلى فَجْر اليوم الثامن، يَقْصُرُ الصلاة، ثمَّ خرج إلى مِنى؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر وأبي هريرة ﵄؛ فيكون بذلك قد صلَّى إحدى وعشرين صلاة قَصْراً.
стр. 213
٦) إذا أخَّر المسافر الصلاة بلا عُذْر حتَّى ضاق وقتها عنها؛ لأنَّه صار بتأخيره عاصياً، والرُّخَصُ لم تُبَحْ ليُتوسَّل بها إلى فعل المعاصي.
رابعاً: الأحوالُ التي يُشرَع فيها القَصْر للمُسافِر:
يُشرع للمُسافِر مسافةً تبيحُ القَصْرَ أن يَقْصُر الصلاة في الحالات الآتية:
١) إذا أقام في بلد لحاجة فوق أربعة أيام وهو لا ينوي الإقامة فيها، ولا يدري متى تنقضي حاجتُه.
كمن يأتي مسافراً إلى بلد لحاجة ويقول اليوم أخرج، غداً أخرج، فهذا له أن يَقْصُر الصلاة ولو بقي أكثر من أربعة أيام؛ لما جاء عن جابر ﵁ قال: (أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرينَ يَوْماً يَقْصُرُ الصَّلاةَ) [رواه أحمد وأبو داود].
٢) إذا أقام في بلد بسبب الحبس ظُلماً، أو لعُذر المطر، ولو أقام سنين؛ لما جاء عن نافع عن ابن عمر قال: (أَرْتَجَ عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ في غَزَاةٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكُنَّا نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ) [رواه عبد الرزاق والبيهقي، والسياق له].
* * *
стр. 214
فصل في الجَمْعُ بينَ الصَّلاتَين
أولاً: المقصودُ بالجَمْع:
المقصود بالجمع: ضمُّ إحدى الصلاتين إلى الأخرى تقديماً أو تأخيراً؛ فيجمع المصلي بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما؛ إذا كان هناك عذر معتبر شرعاً.
ثانياً: الأحوالُ التي يُباحُ فيها الجَمْعُ بين الصَّلاتَيْن:
الأصل في المسلم أن يصلِّي الصلاة على وقتها؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، ولا يجوز للمسلم أن يُخرِجَ الصلاة عن وقتها إلَّا من عُذْر شَرْعِيٍّ.
- والأعذارُ المُبيحَة للجَمْع بين الصَّلاتَيْن، تنقسمُ إلى نوعين:
النوع الأوّل: أعذار تُبيحُ الجَمْع بين صلاتي الظُّهْر والعَصْر، وصلاتي المَغْرِب والعِشاء تقديماً أو تأخيراً، وهي:
١) السَّفر الذي تُقصَر فيه الصَّلاة: وهو السفر الطويل الذي يبلغ أكثر من (٨٠ كم)؛ فيجوز أن يجمع بين الظُّهْر والعَصْر، وبين المَغْرِب والعِشاء، جَمْعَ تقديم أو جَمْعَ تأخير؛ وذلك لما ثبت من حديث مُعاذ بن جَبَل ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله
стр. 215
ﷺ كَانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِى المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبو داود والترمذي].
٢) المُقيمُ المريضُ الذي تلحقُه مَشَقَّة وضَعْف بتَرْكِ الجَمْع؛ لما ثبت عن
ابن عبَّاس ﵄ قال: (جَمَعَ رَسُولُ الله ﷺ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ، في غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ)، وفي رواية (في غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ) [رواه مسلم]. فالجَمْعُ بين الصلاتين لا بدَّ فيه من عُذْرٍ؛ فإذا كان جَمْعُ النبيِّ ﷺ في هذا الخَبَر لغير عُذْر الخوف أو المطر أو السفر، دلّ ذلك على أنَّ العُذْر الذي من أجله جَمَع هنا هو عُذر المرض.
وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة -كما سيأتي-؛ وهي نوع مرض.
٣) المرأة المُرْضِع؛ إذا كان يَشُقُّ عليها غَسْل ثوبها الذي تصيبه النجاسة في وقت كلِّ صلاة؛ بشرط أن لا يُتَّخَذَ ذلك عادة.
٤) العاجِزُ عن الطهارة أو التيمُّم لكلِّ صلاة؛ كالمستحاضة، ومن به سَلَسُ بَوْل، ومن ينزف جُرْحُه على الدوام؛ وذلك لحديث حَمْنة حين اسْتَفْتَتِ النبيَّ ﷺ في الاستحاضة فقال: (وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ، وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ تُؤَخِّرِي المَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَينِ فَافْعَلِي) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
следующие страницы →