Полный текст (1 425 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٤) أن يُغادِرَ عُمْران البَلَدِ:
وهو أن يُفارق بيوتَ المدينة أو البَلْدَة أو القَرْيَة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، ومن لم يُفارق البيوت لم يَضْرِب في الأرض؛ فلا يُسمَّى مسافراً إلَّا إذا ارتحل، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ما كان يَقْصُر صلاتَه إلَّا إذا ارتحل؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: (صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَينِ) [رواه البخاري ومسلم].
- ومن خرج مسافراً مسافة تُبيحُ القَصْر، ثمَّ بدا له أن يرجع قبل استكمال المسافة، فلا يُعيدُ الصلاة التي صلَّاها أثناء سفره؛ لأنَّ المعتبر نيَّة قطع مسافة القَصْر لا قطع المسافة نفسها؛ بدليل أنَّه يَبتَدِئ القَصْر بعد مغادرة عُمْران البلد، وهي ليست مسافة قَصْر.
ثالثاً: الأحوالُ التي لا يُشرَعُ فيها القَصْرُ للمُسافِر:
لا يُشرعُ للمصلِّي قَصْرُ الصلاة في الحالات الآتية:
١) إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم ثمَّ سافر؛ لأنَّ الصلاة وجبت في ذمَّته وهو مقيم غير مسافر، ومن كان هذا حاله فحقُّه الإتمام لا القَصْر؛ لحديث أنس ﵁ قال: (صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَينِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 212
والقول بالإتمام من مُفْرَدات المذهب.
وفي رواية موافقة لجمهور العلماء أنَّه يُباح له القَصْر؛ لأنَّ العِبْرة بوقت أداء الصلاة، لا بوقت وجوبها، وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً.
٢) إذا اقتدى المسافر بإمام مقيم؛ لما روى مُوسَى بن سَلَمَة قال: (كُنَّا مَعَ
ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ [رواه أحمد]. وقال نافع: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعاً، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَينِ» [رواه مسلم].
٣) إذا لم يَنْوِ المسافر قَصْرَ الصلاة عند الإحرام بالصلاة؛ لأنَّ الأصل الإتمام، وإطلاقُ النيَّة وعدمُ تحديدها ينصرفُ إلى الأصل.
٤) إذا نوى المسافر الإقامة مُطْلَقاً من غير تحديد؛ كالعُمَّال المقيمين للعمل، والتاجر المقيم للتِّجارة، والطالب المقيم للدِّراسة، ونحوهم؛ فهؤلاء حُكْمُهُم حُكْمُ المقيمين؛ لأنَّ السفر المبيح للقَصْر قد انقطع بنيَّة الإقامة.
٥) إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظنَّ أنَّها لا تنقضي إلَّا بعد أربعة أيَّام؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قدم مكَّة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحِجَّة، وأقام فيها إلى فَجْر اليوم الثامن، يَقْصُرُ الصلاة، ثمَّ خرج إلى مِنى؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر وأبي هريرة ﵄؛ فيكون بذلك قد صلَّى إحدى وعشرين صلاة قَصْراً.
стр. 213
٦) إذا أخَّر المسافر الصلاة بلا عُذْر حتَّى ضاق وقتها عنها؛ لأنَّه صار بتأخيره عاصياً، والرُّخَصُ لم تُبَحْ ليُتوسَّل بها إلى فعل المعاصي.
رابعاً: الأحوالُ التي يُشرَع فيها القَصْر للمُسافِر:
يُشرع للمُسافِر مسافةً تبيحُ القَصْرَ أن يَقْصُر الصلاة في الحالات الآتية:
١) إذا أقام في بلد لحاجة فوق أربعة أيام وهو لا ينوي الإقامة فيها، ولا يدري متى تنقضي حاجتُه.
كمن يأتي مسافراً إلى بلد لحاجة ويقول اليوم أخرج، غداً أخرج، فهذا له أن يَقْصُر الصلاة ولو بقي أكثر من أربعة أيام؛ لما جاء عن جابر ﵁ قال: (أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرينَ يَوْماً يَقْصُرُ الصَّلاةَ) [رواه أحمد وأبو داود].
٢) إذا أقام في بلد بسبب الحبس ظُلماً، أو لعُذر المطر، ولو أقام سنين؛ لما جاء عن نافع عن ابن عمر قال: (أَرْتَجَ عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ في غَزَاةٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكُنَّا نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ) [رواه عبد الرزاق والبيهقي، والسياق له].
* * *
стр. 214
فصل في الجَمْعُ بينَ الصَّلاتَين
أولاً: المقصودُ بالجَمْع:
المقصود بالجمع: ضمُّ إحدى الصلاتين إلى الأخرى تقديماً أو تأخيراً؛ فيجمع المصلي بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما؛ إذا كان هناك عذر معتبر شرعاً.
ثانياً: الأحوالُ التي يُباحُ فيها الجَمْعُ بين الصَّلاتَيْن:
الأصل في المسلم أن يصلِّي الصلاة على وقتها؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، ولا يجوز للمسلم أن يُخرِجَ الصلاة عن وقتها إلَّا من عُذْر شَرْعِيٍّ.
- والأعذارُ المُبيحَة للجَمْع بين الصَّلاتَيْن، تنقسمُ إلى نوعين:
النوع الأوّل: أعذار تُبيحُ الجَمْع بين صلاتي الظُّهْر والعَصْر، وصلاتي المَغْرِب والعِشاء تقديماً أو تأخيراً، وهي:
١) السَّفر الذي تُقصَر فيه الصَّلاة: وهو السفر الطويل الذي يبلغ أكثر من (٨٠ كم)؛ فيجوز أن يجمع بين الظُّهْر والعَصْر، وبين المَغْرِب والعِشاء، جَمْعَ تقديم أو جَمْعَ تأخير؛ وذلك لما ثبت من حديث مُعاذ بن جَبَل ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله
стр. 215
ﷺ كَانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِى المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبو داود والترمذي].
٢) المُقيمُ المريضُ الذي تلحقُه مَشَقَّة وضَعْف بتَرْكِ الجَمْع؛ لما ثبت عن
ابن عبَّاس ﵄ قال: (جَمَعَ رَسُولُ الله ﷺ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ، في غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ)، وفي رواية (في غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ) [رواه مسلم]. فالجَمْعُ بين الصلاتين لا بدَّ فيه من عُذْرٍ؛ فإذا كان جَمْعُ النبيِّ ﷺ في هذا الخَبَر لغير عُذْر الخوف أو المطر أو السفر، دلّ ذلك على أنَّ العُذْر الذي من أجله جَمَع هنا هو عُذر المرض.
وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة -كما سيأتي-؛ وهي نوع مرض.
٣) المرأة المُرْضِع؛ إذا كان يَشُقُّ عليها غَسْل ثوبها الذي تصيبه النجاسة في وقت كلِّ صلاة؛ بشرط أن لا يُتَّخَذَ ذلك عادة.
٤) العاجِزُ عن الطهارة أو التيمُّم لكلِّ صلاة؛ كالمستحاضة، ومن به سَلَسُ بَوْل، ومن ينزف جُرْحُه على الدوام؛ وذلك لحديث حَمْنة حين اسْتَفْتَتِ النبيَّ ﷺ في الاستحاضة فقال: (وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ، وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ تُؤَخِّرِي المَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَينِ فَافْعَلِي) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
стр. 216
٥) الشُّغْل الذي يُبيحُ تَرْكَ الجُمُعَة والجماعة، إذا كان يخاف بتَرْكه ضَرراً؛ كالطَّباخ والخبَّاز والحارس، بحيث لا يتَّخَذ ذلك عادة.
النوع الثاني: أعذارٌ تختصُّ بإباحة الجَمْع بين المَغْرِب والعِشاء فقط، وهي:
١) المطر الذي يَبُلُّ الثياب وتوجد معه مَشَقَّة؛ لما روى نافع (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا جَمَعَ الأُمَرَاءُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ في المَطَرِ جَمَعَ مَعَهُمْ) [رواه مالك]، ولما ثبت عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، وسعيد بن المُسَيّب، وأبي بكر بن عبد الرحمن المخزوميّ (أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَينَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ في اللَّيلَةِ المَطِيرَةِ إِذَا جَمَعُوا بَينَ الصَّلاتَينِ وَلا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ) [رواه البيهقي].
٢) الثَّلج والبَرَد؛ لأنَّهما في معنى المطر.
٣) الوَحَل والطِّين؛ لأنَّ المشقة تلحق المصلِّي في تلويث نعله وثيابه، ويتعرَّض فيه الإنسان للزَّلَق؛ فيتأذَّى في نفسه وثيابه، وهو في ذلك أعظم من البَلَل الذي يلحقه بالمطر.
٤) الجليد؛ لأنَّه يجتمع فيه معنيان؛ أحدهما: المشقَّة بسبب شدَّة البَرْد؛ إذ الجليد لا يتكوَّن إلَّا مع البرودة الشديدة. والآخر: التعرُّض للزَّلَق فيتأذَّى به الإنسان كالوَحَل والطِّين.
٥) الرِّيح الشديدة الباردة؛ لأنَّها عذر في ترك الجمعة والجماعة؛ كما في حديث ابن عمر ﵄: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُنادِي مُنادِيهِ في اللَّيلَةِ المَطِيرَةِ أَوْ
стр. 217
اللَّيلَةِ البَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ: صَلُّوا في رِحَالِكُمْ) [رواه ابن ماجه]. فدلَّ ذلك على أنَّ شدَّة البَرْد ممّا يُلحِق المشقَّة بالمصلِّي؛ فجاز الجمع بسببه.
ثالثاً: المفاضَلَةُ بين جَمْعِ التقديم وجَمْعِ التأخير:
لا مفاضلة بين جَمْع التقديم وجَمْع التأخير، وإنَّما الأفضل ما كان أرفق بالمعذور؛ لأنَّ الجَمْع إنَّما شُرِعَ لرفع الحرج والمشقَّة، وقد فعل النبيُّ ﷺ الأمرين بحسب الأرفق به؛ كما في حديث معاذ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفي المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبو داود والترمذي].
رابعاً: شروطُ جَمْع التقديم:
إذا جَمَع المعذورُ جَمْع تقديم، فإنَّه يُشتَرَطُ لذلك ما يأتي:
١) نيَّة الجَمْع عند الإحرام بالصلاة الأُولَى؛ لأنَّ الجمع عمل، وهو مُفتقِرٌ إلى النيَّة؛ كما في الحديث: (إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) أن لا يُفرِّق بين الصلاتين بنافلة؛ فينبغي لصحَّة الجمع أن يوالي بين الصلاتين ولا يفصل بينهما بفاصل طويل عُرْفاً؛ بنحو صلاة نافلة، بل بقَدْر إقامة أو وضوء خفيف؛ لأنَّ معنى الجمع المقارنة والمتابعة، وقد ثبت ذلك من حديث أسامة بن
стр. 218
زيد ﵄ عن النبيِّ ﷺ في صفة جَمْعِه في مُزْدَلِفَة قال: (فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ في مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) [رواه البخاري ومسلم].
- فإن فصل بين الصلاتين بأداء السُّنَّة بطل الجَمْع؛ لأنَّه فرَّق بينهما بصلاة.
٣) أن يوجد العُذْر عند ابتداء الصلاتين وعند السلام من الأُولى؛ لأنَّ افتتاح الأولى موضع النيَّة، والسلام منها وافتتاح الثانية موضع الجمع؛ فوجود العُذْر هو السبب المبيح للجَمْع؛ فإذا زال العُذْر قبل افتتاح الأُولَى أو في أثنائها، أو قبل الفراغ من الثانية لم يصحّ الجَمْع لزوال سببه.
٤) أن يستمرَّ العُذْرُ المبيح للجَمْع في غير جَمْع المطر ونحوه -كبرد وثلج- إلى الفراغ من الثانية؛ فلو أحرم بالأولى ناوياً الجمع لمطر، ثمَّ انقطع المطر ولم يَعُدْ، وحَصَلَ وَحَلٌ، جاز الجمع، ولم يؤثر انقطاع المطر؛ لأنَّ الوَحَل ناشئ عن المطر، وهو من الأعذار المبيحة. فإن لم يحصل وَحَلٌ بطل الجمع؛ لزوال العذر المبيح.
خامساً: شروطُ جَمْع التأخير:
وإذا جَمَعَ المعذورُ جَمْعَ تأخير، فإنَّه يشترط لذلك ما يأتي:
١) نيَّة الجَمْعِ بوقت الأُولَى ما لم يَضِقِ الوقتُ عن فِعْلِها؛ لأنَّه إذا أخَّر الصلاة الأُولَى عن وقتها بغير نيَّة الجَمْعِ صارت قَضاءً لا جَمْعاً، كما أنَّ تأخيرَها إلى أنْ يَضيقَ الوقتُ عن فِعْلِها حَرامٌ، وهو ينافي الرُّخْصَة.
٢) بقاءُ العُذْرِ إلى دُخولِ وقت الثانية؛ لأنَّ وجودَ العُذْر سببُ إباحة الجَمْع،
стр. 219
فإذا لم يستمرَّ إلى وقت الثانية زال سبب الجَمْع، وإن استمرَّ إلى وقتها جاز له الجَمْع، ولو أخَّره إلى حين الوصول إلى بلده.
٣) الترتيب؛ بأن يُقدِّم الأُولَى على الثانية.
ولا تشترط الموالاة بينهما؛ لأنَّ الثانية مؤدَّاة في وقتها بكلِّ حال.
سادساً: ما لا يُشتَرَط لصحَّة الجَمْع:
لا يُشتَرَط لصحَّة الجَمْع بين الصلاتين اتِّحادُ الإمام والمأموم؛ فيصحّ الجَمْع في الأحوال التالية:
١) أن يصلِّي المأموم الظُّهْرَ خَلْف إمامٍ والعَصْرَ خَلْفَ إمام آخر.
٢) أن يجمعَ إمامٌ العَصْرَ بمأمومٍ غير الذي صلَّى معه الظُّهْرَ.
٣) أن يجمعَ المأمومُ خَلْفَ إمامٍ لم يجمع.
٤) أن يُصلِّي إحدى الصلاتين مُنفرداً والأخرى في جماعة.
٥) أن يجمعَ الإمامُ بمأمومٍ لم يجمع.
سابعاً: صلاةُ السُّنَّة والوِتْر حال جَمْع التقديم:
- إذا جَمَعَ المصلِّي جَمْع تقديم، فله أن يُصلِّي سُنَّةَ الأُولَى وسُنَّة الثانية بعد الجَمْع؛ لأنَّ السُّنَّة الرَّاتبة تابعةٌ لفَرْضِها، وهو قد صلَّى الفَرْضَ.
- وإذا صلَّى المَغْرِب والعِشاءَ جَمْعَ تقديم، فَلَهُ أنْ يُوتِرَ قبل دخول وقت العِشاء؛ لأنَّ الوِتْر وقتُه ما بين صلاة العِشاء إلى الفَجْر، وقد صلَّى العِشاءَ؛ فدخل وقته.
* * *
стр. 220
فصلٌ في صلاة الخَوْف
أولاً: تعريفُ صلاةِ الخوفِ:
يُقصَدُ بصلاةِ الخوفِ: الصلاةُ المكتوبة الّتي يُؤدّيها المسلمونَ على هيئةٍ خاصّةٍ وردَ بها الشرعُ، عندَ حصولِ خوفٍ، أو ملاقاةِ عدوٍّ.
ثانياً: حكمُ صلاةِ الخوفِ:
تُشرَع صلاةُ الخوفِ وتصحُّ -إذا كان القتالُ مباحاً- حضراً وسفراً؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة ٢٣٩]، ولفعلِ رسولِ الله ﷺ ؛ حيث صلّاها في غزوةِ ذاتِ الرِّقاعِ وغيرِها منَ الوقائِعِ [أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما]، ولإجماعِ الصّحابةِ ﵃ على فعلِها.
ثالثاً: شروط صحَّة صلاة الخوف:
تُشرعُ صلاةُ الخوفِ بشرطينِ:
الأوّل: أن يكونَ قتالُ العدوِّ قِتالاً مُباحاً؛ فلا تجوزُ في قتالٍ مُحرَّمٍ؛ لأنّها رخصةٌ فلا تُباحُ بمعصيةٍ.
الثاني: أن يُخاف هجوم العدوِّ على المسلمينَ حالَ الصلاةِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢].
стр. 221
رابعاً: صفةُ صلاةِ الخوفِ:
لا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركعاتِ الصّلاةِ؛ فيَقْصُرُ الخائفُ صلاتَهُ في حالِ سفرِهِ، ويُتِمُّ في حالِ إقامتِهِ، ولكنْ يؤثّرُ الخوفُ في صفةِ الصّلاةِ، وفي بعضِ شروطِها على نحوِ ما وردَ عنِ النّبيّ ﷺ من كيفياتِ صلاتِها؛ فقد قال الإمامُ أحمدُ
﵀: «صحّتْ صلاةُ الخوفِ عن النّبيّ ﷺ من ستّةِ أوجهٍ، أمّا حديثُ سهلٍ فأنا أختارُهُ».
ونذكرُ من صفاتِ صلاةِ الخوفِ صفتين:
الأُولى: إذا كان العدوُّ في غيرِ جهةِ القِبْلَة: وهذهِ الصفةُ موافقةٌ لظاهرِ القرآنِ، ووردتْ صفتها في حديثِ سَهْل بنِ أبي حَثْمةَ ﵁-الذي أشار إليه الإمامُ أحمدُ-؛ وكانت في يومَ ذاتِ الرِّقاعِ: (أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ؛ فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى؛ فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) [رواه البخاري ومسلم].
الثانية: إذا كان العدوُّ في جهةِ القِبْلَة: ووردت صفتها في حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ؛ فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ؛ صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ
стр. 222
ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ؛ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا) [رواه مسلم].
- وإذا اشتدَّ الخوفُ بأنْ تواصلَ الضَّربُ والطَّعنُ، والكرُّ والفرُّ، ولم يمكنْ تفريقُ القومِ صفَّيْن، ولا صلاتُها على وجهٍ من وُجوهِها الأخرى، وحضَرَ وقتُ الصّلاةِ: لمْ تؤخَّر، وصَلَّوا رجالاً أو رُكباناً، متوجّهين للقبلةِ وغيرِها؛ للآيةِ السّابقةِ، ولقولِ ابنِ عمر ﵄: (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا؛ مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) قال نافعٌ: لا أرى عبدَ الله بنَ عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . [رواه البخاري]. ولا يلزمُهم في هذِهِ الحالةِ افتتاحُ الصّلاةِ إلى القبلةِ؛ ولو أمكنهُم ذلكَ.
وتكونُ صلاتُهم بالإيماءِ؛ يُومِئون بالرُّكوعِ والسُّجودِ بقدرِ طاقتِهم؛ لأنّهم لو أتمُّوا الرّكوعَ والسّجودَ لكانُوا هدَفاً لأسلحةِ العَدوِّ، معرّضين أنفسَهم للهلاكِ.
ويكونُ سجودُهم أخفضَ من ركوعِهِم، ولا يجبُ السّجودُ على ظهرِ الدّابّةِ.
خامساً: الحالاتُ الّتي تلحق بالصّلاةِ في شدّةِ الخوفِ:
يلحقُ بالصّلاةِ في شدّةِ الخوفِ الحالاتُ التاليةُ:
стр. 223
١) حالةُ الهرَبِ من عدوٍّ -إذا كان الهربُ مباحاً-، أو الهربِ من سَيْلٍ،
أو حيوانٍ صائلٍ، أو هربٍ من نارٍ، أو غريمٍ ظالمٍ.
٢) الخوفُ من فواتِ وقتِ الوقوفِ بعرفةَ؛ إذا كان الحاجُّ قاصداً إليها، ولم يبقَ من وقتِ الوقوفِ إلا مقدارٌ يسيرٌ؛ بحيث لو صلّاها على الأرضِ فاتَهُ الوقوفُ؛ لأنّ الضّررَ الّذي يلحقُه بفواتِ الحجِّ لا ينقصُ عن الضّررِ الحاصلِ من الغريمِ الظّالمِ.
٣) الخوفُ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ، أو الذَّبِّ عن ذلك كلِّه، أو عن نفسِ غيرهِ؛ لما في ذلك من الضّرَرِ.
٤) الخوفُ من فَوْتِ عدُوٍّ يطلبُهُ؛ لحديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: (بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الهُذَلِيِّ - وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ-؛ فَقَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؛ فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إِنْ أُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ؛ فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ … ) الحديث [رواه أبو داود].
- وإنْ خافَ شخصٌ عدواً إنْ تخلّفَ عن رفقتِهِ فصلّى صلاةَ خائفٍ، ثمّ بانَ لهُ أمنُ الطَّريقِ: لمْ يُعدْ؛ لعمومِ البَلوى بذلك.
- ومن دخلَ في صلاتِه وهو آمنٌ، ثمّ خافَ في أثنائِها لطارئٍ: كمّلها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ، وبَنَى على ما صلّاهُ منها وهو آمنٌ، وإنْ دخلَ فيها وهو خائفٌ ثمّ أمنَ: كمّلها على هيئةِ صلاةِ الآمنِ، وبَنَى على ما صلّاهُ منها وهو خائفٌ؛ لأنّ بناءَه في كلا الحالتين على صلاةٍ صحيحةٍ.
- وتصحُّ صلاةُ الجمعةِ في الخوفِ حضراً لا سفراً، بشَرْطَينِ:
стр. 224
١) أنْ يكونَ عددُ كلُّ طائفةٍ أربعينَ فأكثرَ ممَّن تجبُ عليهِ الجمعةُ؛ لأنَّه يُشترَطُ لها الاستيطانُ والعَددُ.
٢) أنْ يُحرِمَ بمنْ حَضَرتِ الخُطبةَ من الطائفتينِ؛ لأنَّه يُشتَرَط الموالاةُ بين الخُطْبةِ والصَّلاةِ.
- وتصحُّ صلاةُ الاستسقاءِ في الخوفِ للضَّرورةِ.
- وتصحُّ صلاةُ الكسوفِ، وصلاةُ العيدِ مع الخوفِ.
سادساً: ما يجوزُ فعلُه للمصلِّي أثناءَ صلاةِ الخوفِ:
يجوز للمصلي أثناء صلاة الخوف ما يلي:
١) الكَرُّ والفَرُّ، والتَّقدُّمُ والتَّأخُّرُ، والطَّعنُ والضَّربُ بحسَبِ المصلحةِ،
ولا تبطلُ الصّلاةُ بطولِ ذلك؛ لما ثبت في حديث ابن عمر في صلاةِ الخوفِ قال: (صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَينِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُواجِهَةَ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا في مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلينَ عَلَى العَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً) [رواه البخاري ومسلم]، وهذا فيه عملٌ كثيرٌ في الصّلاةِ.
٢) حملُ نجسٍ لحاجةٍ؛ كسِلاحٍ مُلوّثٍ بدمِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء ١٠٢].
ولا يلزمُ المصلِّيَ إعادةُ صلاتِهِ.
* * *
стр. 225
باب صلاة الجُمُعة
أولاً: حُكمُها:
صلاةُ الجمعةِ فرضُ عينٍ على الرِّجال؛ لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
ثانياً: من تجبُ عليه صلاةُ الجُمُعةِ:
١) تجب صلاةُ الجمعةِ على كلِّ ذكرٍ، مسلمٍ، عاقلٍ، بالغٍ، حُرٍّ، لا عذر لهُ في تركِها؛ لحديث طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ مرفوعاً: (الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ في جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ) [رواه أبو داود].
٢) تجبُ الجمعةُ كذلك على كلِّ مسافرٍ لا يباحُ له قصرُ صلاتِه؛ كالسّفرِ لمسافةٍ دون مسافةِ القصرِ، أو السَّفرِ في معصيةٍ.
٣) تجبُ على المقيمِ خارجَ البلدِ إذا كان بينه وبين موضعِ إقامةِ الجمعةِ وقتَ فِعلِها فَرْسَخٌ (وهو يُقدَّر بأكثر من: ٥٠٠٠ متراً تقريباً) فأقلّ؛ لحديث: (الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) [رواه أبو داود].
والعبرةُ بمظِنَّةِ سماعِ النِّداء لا بالسّماعِ نفسِهِ، وقُدِّر الموضعُ بالفرسخِ؛ لأنّه الموضعُ الّذي يسمع منه النداءُ في الغالبِ إذا كان المؤذّنُ صيِّتاً، والموضعُ عالٍ،
стр. 226
والرياحُ ساكنةٌ، والأصواتُ هادئةٌ، والعوارضُ منتفيةٌ.
ثالثاً: من لا تجبُ عليه صلاةُ الجُمُعةِ:
١) لا تجبُ صلاةُ الجمعةِ على من يباحُ له القصرُ؛ لأنّه ﵊ سافر هو وأصحابُه في الحجّ فلمْ يصلِّ أحدٌ منهم الجمعةَ فيه [ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما].
٢) لا تجبُ الجمعةُ على امرأةٍ.
٣) لا تجبُ أيضاً على صبيِّ، ولا مريض، ولا عبدٍ، ولا مُبَعَّضٍ - وهو الذي أُعتقَ بعضُه-؛ لحديث طارق ابن شهاب السّابق.
- ومنْ حضرَ الجمعةَ مِنْ هؤلاء أجزأتْهُ عن صلاةِ الظُّهر إجماعاً؛ لأنّ إسقاطَ الجمعةِ عنهم من بابِ التّخفيفِ؛ فإذا حضرُوها أجزأتْهُم.
رابعاً: شروطُ صحّةِ صلاةِ الجمعةِ:
يشترطُ لصحّةِ صلاةِ الجمعةِ أربعةُ شروطٍ:
الأوّلُ: دخول الوقتُ: وهو من أوّلِ وقتِ صلاة العيدِ -وهو ارتفاع الشمس قيد رمح- إلى آخرِ وقتِ الظُّهرِ؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُها حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) [رواه مسلم]، ولما رُويَ عن ابن مسعود ومعاوية وغيرهما من الصحابة ﵃: (أَنَّهُمْ صَلَّوا الجُمُعَةَ ضُحًى) [رواه ابن أبي شيبة]، ولم يُنكرْ عليهم.
- وتجبُ الجمعةُ بالزَّوالِ؛ لأنّها بدلٌ عن الظُّهرِ، ولأنّه الوقتُ الّذي كان النبيُّ ﷺ يُصلّي فيه الجمعةَ أكثرَ أوقاتِهِ؛ ففي حديثِ سلمةَ بن الأَكْوَع ﵁
стр. 227
قال: (كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الفَيْءَ) [رواه البخاري ومسلم].
- وفعلُ الجمعةِ بعدَ الزّوالِ أفضلُ من فعلِها قبلَ الزّوالِ؛ خروجاً من الخلافِ. وما قبلَ الزوالِ وقتٌ للجوازِ لا للوُجوبِ.
الثّاني: أنْ تكونَ بقَرْيَةٍ مَبْنيَّةٍ بما جرتْ عادةُ أهلِها به، ولو كانَتْ من قصبٍ؛ فأمّا الخيامُ وبيوتُ الشَّعرِ فلا جمعةَ على ساكِنيها؛ لأنّ ذلك لا ينصبُ للاستيطانِ غالباً، ولأنّه ثبت بالاستقراء أنّ قبائل العرب حول المدينة لم يكونوا يقيمون الجمعة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بذلك، لكن إذا كانوا مقيمين بموضعٍ يسمعون منه النداءَ: لزمَهُمْ السعيُ إليها.
- ويُشترطُ في القريةِ أن يستوطنَها أربعون رجلاً استيطانَ إقامةٍ؛ فلا يرحلون عنها صيفاً ولا شتاءً.
- وتصحُّ صلاةُ الجمعةِ فيما قاربَ البنيانَ من الصحراءِ، لا فيما بَعُد عن البُنيانِ؛ لشِبْهِهم بالمسافرين.
الثّالثُ: حضورُ أربعين ممّن تجبُ عليهم الجمعةُ؛ بما فيهم الإمام؛ لما ثبت في حديث عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنّه ﵁ قال: (أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ … ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ) [رواه أبو داود].
- فإن نقص العددُ عن أربعين قبل إتمام الجمعةِ: استأنفوها ظهراً؛ لأنّ العددَ شرطٌ لصحّتها؛ فاعتُبر في جميعها كالطّهارة.
стр. 228
- ولا يحسبُ العبدُ والمرأةُ والصبيُّ والمسافرُ، ولا من ليس من أهلِ البلدِ من الأربعين الّذين تنعقدُ بهم الجمعةُ، ولا تصحُّ إمامتُهم فيها؛ لأنّهم من غيرِ أهلِ الوجوبِ، وإنّما صحّتْ منهم تبعاً.
الرّابعُ: تَقدُّمُ خطبتينِ: لحديثِ ابنِ عمر ﵄ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) [رواه البخاري ومسلم]. ومداومتُه ﵊ على الخطبتينِ دليلٌ على وجوبِهما.
خامساً: شروطُ صحّةِ الخطبتينِ:
يُشرطُ لصحّةِ الخُطبتينِ خمسةُ أشياءَ:
١) دخول الوقتُ: فلا تصحُّ الخطبةُ قبلَ الوقتِ؛ لأنّهما بدلٌ عن ركعتينِ؛ فقد رُوي عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: (إِنَّما جُعِلَتِ الخُطْبَةُ مَكَانَ الرَّكْعَتَينِ) [رواه ابنُ أبي شيبة بإسناد ضعيف].
٢) النيّةُ: لحديث: (إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) وقوعُ الخُطبتينِ حَضَراً: فلو خطب الإمامُ في أربعينَ في سفينةٍ أو طائرة، ولم يَصِلُوا إلى القريةِ حتّى فرغ من الخُطبتينِ: أعادهما؛ لوقوعِهما في السّفرِ.
٤) حضورُ الأربعينَ فأكثر مع الإمام: لما تقدم في شروطِ صحّةِ الجمعةِ.
٥) أن يكونَ الخطيبُ ممّن تصحُّ إمامتُهُ فيها: فلا تصحُّ خطبةُ من لا تجبُ عليه الجمعةُ؛ كالمسافرِ والمرأةِ، ونحوهما ممن فقد في حقَّه شرط الوجوب.
ويُستثنى من ذلك المريض، والخائف؛ فإنهما إذا حضرا صحَّت منهما الخطبة؛
стр. 229
لأنَّ مانع الوجوب هو مشقَّة السعي إلى المسجد، وقد زالت.
سادساً: أركانُ الخطبتينِ:
أركانُ الخطبتين ستّةٌ:
١) حمدُ الله تعالى: وهو قول الخطيب: «الحمد لله»؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ؛ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ) [رواه مسلم].
٢) الصّلاةُ على رسولِ الله ﷺ : لأنّ كلَّ عبادةٍ افتقرتْ إلى ذكرِ الله افتقرتْ إلى ذكرِ رسولِ الله ﷺ ؛ كالأذان. ويتعيّنُ لفظُ الصّلاةِ.
٣) قراءةُ آيةٍ كاملةٍ من كتاب الله تعالى: وذلك في كلّ خطبةٍ؛ لأنّهما بدلٌ عن ركعتينِ، ولحديثِ جابرِ بنِ سمرةَ ﵁ قال: (كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا؛ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ)) [رواه مسلم].
٤) الوَصيّةُ بتقوى الله : لأنّ ذلك هو المقصودُ بالخطبةِ؛ فلمْ يَجُزْ للخطيبِ الإخلالُ بها.
٥) موالاةُ جميعِ الخطبتينِ مع الصلاةِ: لفعلِهِ ﵊، ولم ينقلْ عن النّبيِّ ﷺ خلافُ ذلك، وقد قال ﷺ : (وَصَلُّوا كَما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) [رواه البخاري]. فلا يفصلُ بين أجزاءِ الخطبتينِ، ولا بينَ إحداهما والأخرى بغيرِ الجلسةِ اليسيرةِ، ولا بين الخطبتينِ والصّلاةِ.
٦) جهرُ الخطيبِ بالخُطبتينِ؛ بحيث يسمعهُ العددُ المعتبرُ للجمعةِ حيثُ
لا مانعَ لهم من سماعِهِ كنومٍ أو غفلةٍ أو مطرٍ؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ
стр. 230
رَسُولُ الله ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) [رواه مسلم]. فإنْ لم يَسمعوه لخفضِ صوتِهِ أو لبُعدِهم عنه لمْ تصحّ؛ لعدمِ حصولِ المقصودِ من الخطبةِ.
سابعاً: سننُ الخطبتينِ:
يسنُّ في الخطبتين الأمورُ التّاليةُ:
١) الطّهارةُ من الحَدَثِ: فتُجزئُ خطبةُ الجنُبِ على الصّحيحِ؛ لأنّ لبثَه بالمسجدِ لا تعلُّقَ له بالعِبادةِ. ودليلُ السُّنيّةِ: أنّه لم ينقلْ عنه ﷺ أنّه تطهّر بين الخطبةِ والصّلاةِ؛ فدلّ على أنّه كان لا يخطبُ إلّا متطهّراً.
٢ - ٣) سترُ العورةِ، وإزالةُ النّجاسةِ: قياساً على حالِ الصّلاةِ؛ لأنّ الخطبتينِ بدلٌ عن ركعتينِ.
٤) الدُّعاءُ للمسلمينَ: لأنّ الدعاءَ لهم مسنونٌ في غيرِ الخطبةِ؛ ففيها من باب أولى.
٥) أن يتولاهما مع الصّلاةِ رجلٌ واحدٌ: لأنّه لا يُشترطُ اتّصالُهما بها؛ فلمْ يُشترطْ أن يتولاهما واحدٌ؛ كصلاتينِ.
٦) رفعُ الصوتِ بهما حسبَ الطّاقةِ: لحديث جابر ﵁ السّابق، ولأنّه أبلغُ في الإعلامِ.
٧) أن يخطبَ قائماً على مرتفعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، ولحديث جابر بن سمرة ﵁ السّابق، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ؛ كما جاء في أحاديث كثيرة عن جماعةٍ من الصحابة ﵃ [رواها البخاري ومسلم وغيرهما].
стр. 231
٨) أن يعتمدَ على سيفٍ أو عصاً أو قوسٍ: لحديثِ الحكمِ بنِ حزنٍ الكُلَفِيّ ﵁ قال: (وَفَدْتُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ … فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّاماً شَهِدْنَا فِيهَا الجُمْعَةَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئاً عَلَى عَصَا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ … ) الحديث. [رواه أبو داود].
٩) أن يجلسَ بين الخُطبتينِ قليلاً: لحديثِ ابنِ عمر ﵄ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) [رواه البخاري ومسلم].
فإنْ أَبَى الخطيبُ أن يجلسَ فَصَل بينهما بسَكتةٍ قَدْرَ جُلوسِهِ، وإن خطبَ جالساً فَصَلَ بينهما بسكتةٍ حتّى يحصلَ التّمييزُ بينهما؛ لأنّه ليس في الجلسةِ ذكرٌ مشروعٌ.
١٠) تقصيرُ الخطبتين: لحديث عمار ﵁ مرفوعاً: (إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ؛ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الخُطْبَةَ) [رواه مسلم]. وتكونُ الخطبةُ الثانيةُ أقصرَ من الأولى.
ولا بأس أن يخطبَ من صحيفةٍ؛ كالقراءةِ من المصحفِ في الصلاةِ.
* * *
стр. 232
فصلٌ في بعض أحكام الجُمُعة
أولاً: إنصاتُ المأمومينَ للخُطبةِ:
يجبُ الإنصاتُ للخطبةِ، ويحرمُ الكلامُ من المأمومين والإمامُ يخطبُ إذا كان المتكلِّمُ قريباً من الخطيبِ بحيثُ يسمعُهُ؛ لقوله ﷺ : (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ) [رواه البخاري ومسلم]. بخلافِ البعيدِ الذي لا يسمعُ الخطيبَ؛ لأنّ وجوبَ الإنصاتِ للاستماعِ، وهذا ليس بمستمعٍ.
وتباحُ الصلاةُ على النّبيّ ﷺ سِرًّا، ويجوزُ التّأمينُ على الدُّعاءِ، وحمدُهُ خُفيةً إذا عطَس، ويجوزُ تشميت العاطسِ، وردُّ السّلامِ نطقاً.
ويباحُ الكلامُ إذا سكتَ الخطيبُ بين الخُطبتينِ؛ لأنّه لا خطبةَ ينصتُ لها حينئذٍ، أو إذا شرع في الدُّعاءِ؛ لأنّه يكونُ قد فرغ من أركانِ الخطبةِ، والدُّعاءُ غيرُ واجبٍ؛ فلا يجبُ الإنصاتُ لهُ.
ويجوز للمأموم أن يكلِّم الخطيب، أو يكلِّمه الخطيب إذا كان في ذلك مصلحة؛ لحديث أنس ﵁ قال: (بَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، قَحَطَ المَطَرُ؛ فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعَا فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ. قَالَ: فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
стр. 233
ثانياً: تعدُّد صلاةِ الجمعةِ في البلد الواحد:
تحرمُ إقامةُ صلاةِ الجمعةِ وإقامةُ صلاةِ العيدِ في أكثرَ من موضعٍ واحدٍ من البلدِ؛ لأنّ النَّبِيَّ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ لَمْ يُقِيمُوا إِلَّا جُمُعَةً وَاحِدَةً. [قال ابن الملقّن في (البدر المنير): صحيح متواتر]. إلّا لحاجةٍ؛ كضيقِ مسجدِ البلدِ عن أهلِهِ، أو بُعدِهِ عن بعضهم، أو خوفِ فتنةٍ بين المصلّينَ إذا اجتمعوا في مسجدٍ واحدٍ لعداوةٍ بينهم؛ وذلك لأنّها تُفعل في الأمصارِ العظيمةِ في جوامعَ من غيرِ نكيرٍ فصار إجماعاً.
فإنْ تعددتِ الجمعةُ لغيرِ ما ذُكر من الأسبابِ: فالصّحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ، أو أَذِنَ فيها لهم، ولو كانت مسبوقةً؛ لأنَّ غيرَها افتياتٌ عليهِ. فإنِ استوتا في الإذنِ، أو عدمِهِ؛ فالسّابقةِ بالإحرامِ هي الصحيحةُ منهنّ؛ وذلك لحصولِ الاستغناءِ بها؛ فأُنيط الحكمُ بها دون غيرها.
ثالثاً: أحكامُ المسبوقِ في صلاةِ الجمعةِ:
إذا أحرمَ المصلِّي بصلاةِ الجمعةِ في وقتِها وأدرك مع الإمامِ ركعةً منها أتمّ صلاتَهُ جُمُعةً؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) [رواه البخاري ومسلم]، ولما صحّ عن ابن مسعود ﵁ وغيره: (إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَأَضِفْ إِلَيهَا أُخْرَى؛ فَإِذَا فَاتَكَ الرُّكُوعُ فَصَلِّ أَرْبَعاً) [رواه ابن أبي شيبة].
وإنْ أدركَ المأمومُ مع إمامِه أقلَّ من ركعةٍ نوى ظُهراً عند إحرامِهِ.
رابعاً: الرّواتبُ يومَ الجمعةِ:
أقلُّ السُّنَّةِ الرّاتبةِ للجمعةِ بعدَها ركعتانِ؛ لحديث ابنِ عمر ﵄: (أَنَّ
стр. 234
النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ لمسلم].
وأكثرُها ستُّ ركعاتٍ؛ لحديثِ عطاء عن ابن عمر ﵄ أنّه: (كَانَ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالمَدِينَةِ صَلَّى الجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ في المَسْجِدِ؛ فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ) [رواه أبو داود].
خامساً: قراءةُ سورةِ الكهفِ والسَّجدةِ:
يُسنُّ قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومِ الجمعةِ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: (مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ الْبَيْتِ العَتِيقِ) [رواه الدارمي والبيهقي].
ويُسنُّ أن يقرأَ في صلاةِ الفجرِ يومَ الجمعةِ بعد الفاتحةِ في الرّكعةِ الأولى:
﴿الم﴾ السجدة، وفي الرّكعةِ الثانية: ﴿هَلْ أَتَى﴾ الإنسان؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفي الثَّانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ لمسلم].
وتكرهُ مداومتُهُ عليهما؛ لئلا يُظنَّ الوجوبُ، أو يظنَّ أنَّ صلاة الصُّبح يومَها مفضّلةٌ بسجدةٍ.
ويكرهُ القِراءةُ في عشاءِ ليلةِ الجمعةِ بسورةِ الجمعةِ.
* * *
стр. 235
باب صلاةُ العِيدَين
أولاً: تعريفُ العيدِ:
العيدُ: مأخوذ من العَوْدِ وهو التكرار؛ فلكونه يَعُود ويتكرَّر في أوقاته السنويَّة المعلومة سُمِّي عيداً. وعيدا المسلمين: الفطر والأضحى.
ثانياً: حكمُ صلاةِ العِيدَين:
صلاةُ العِيدَين فرض كفاية على المسلمين؛ فإذا قام بها بعض المسلمين ممَّن يظهر بهم هذه الشعيرة فإنّه يسقط الإثم عن الباقين وإلَّا أَثِم الجميع؛ لأنَّ الله أمر بها في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر ٢]، والمراد بالصلاة هنا: صلاة العيد كما قال عِكْرِمَة وعَطاء وقَتادة، ولأنَّها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت واجبة، ولأنَّه ثبت بالاستقراء أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُواظِب عليها، وهذا يدلُّ على الوجوب.
ثالثاً: شروطُ صلاةِ العيدِ:
شروطها كشروط صلاة الجمعة -وقد مرَّت-؛ لأنَّ صلاة العيد شبيهة بصلاة الجمعة؛ فاشترط لها ما اشترط لصلاة الجمعة، إلَّا الخُطبتين فإنَّهما سُنَّة في صلاة العيد؛ ودليل ذلك حديث عبد الله بن السائب ﵁ قال: (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ
стр. 236
لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ) [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه]. فلو كانت واجبة لأمر النبي ﷺ بالجلوس لها والاستماع إليها.
رابعاً: وقتُ صلاةِ العيدِ:
وقتُها كوقتِ صلاةِ الضُّحَى: ويكون ذلك من ارتفاع الشمس قيد رُمْح إلى قُبيل زَوال الشمس؛ لفعله ﷺ كما يدلَّ عليه حديث يَزِيد بن خُمَيرٍ الرَّحَبِي قال: (خَرَجَ عَبْدُ الله بْنُ بُسْرٍ ﵁ صَاحِبُ رَسُولِ الله ﷺ مَعَ النَّاسِ في يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الإِمَامِ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ) [رواه أبوداود وابن ماجه]. وعند الطبراني: (وَذَلِكَ حِينَ تَسْبِيحِ الضُّحَى) أي: حين صلاة الضُّحَى.
فإن لم يعلموا بالعيد إلَّا بعد الزَّوال فإنَّها تُصلَّى في اليوم الثاني في وقتها قَضاءً؛ لحديث أبي عُمَير بن أنس عن عُمُومةٍ له من أصحاب النبيِّ ﷺ (أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ) [رواه أبوداود والنسائي وابن ماجه].
خامساً: سُنَنُ صلاةِ العيدِ:
١) أن تُصلَّى بالصَّحْراء؛ لحديث أبي سعيد الخُدْريِّ ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى … ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
٢) التبكير إليها في حقِّ المأموم: وذلك ليحصل له الدنو من الإمام، وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه.
стр. 237
٣) التأخير في حقِّ الإمام إلى وقت الصلاة: لفعله ﷺ ؛ كما في حديث أبي سعيد الخُدْريّ السابق قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ … ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) أن يذهب المصلِّي إليها من طريق ويرجع من طريق أخرى: لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ) [رواه البخاري].
٥) أن يخرج المصلِّي إليها ماشياً: لحديث ابن عمر ﵄ (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ مَاشِيًا) [رواه ابن ماجه].
سادساً: مَكْروهاتُ صلاةِ العيدِ:
يُكره التَّنفل قبلَها وبعدَها قبل مفارقة المُصَلَّى؛ لحديث ابن عباس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) [رواه البخاري ومسلم].
سابعاً: صِفَةُ صلاةِ العيدِ:
- صلاة العيد ركعتان؛ لقول عمر ﵁: (صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ [رواه أحمد وابن ماجه].
- يُكبِّر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل التعوّذ ستّ تكبيرات، وفي الركعة الثانية يُكبِّر قبل القراءة خمس تكبيرات؛ لحديث عائشة ﵂:
стр. 238
(أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ في الْفِطْرِ وَالأَضْحَى في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِى الثَّانِيَةِ خَمْسًا) [رواه أبو داود].
- يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ الحَضْرمِيِّ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ) [رواه أحمد، وقال: «أرى أنه يدخل فيه هذا كله»] أي: يدخل فيه تكبيرات العيد وتكبيرة صلاة الجنازة؛ لعموم هذا الحديث.
- يقول بين كلِّ تكبيرتين: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلَّى الله على محمَّد النبيِّ وآله وسلّم تسليماً؛ لما ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنَّه كَانَ يَحْمَدِ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيهِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَينِ مِنْ تَكْبِيرَاتِ العِيدِ. [رواه معناه: الطبراني والبيهقي].
- ثمَّ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثمَّ يقرأ جهراً في الركعة الأولى: سورة الفاتحة، وسورة الأعلى، وفي الركعة الثانية: سورة الفاتحة، وسورة الغاشية؛ لحديث النُّعمان بن بشير ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وَفي الجُمُعَةِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)) [رواه مسلم].
- ثم يُسلِّم، ويخطُب الإمام خُطبتين؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ) [رواه البخاري ومسلم].
- وخُطبتا العيد كخُطبتي الجمعة: والدليل على ذلك حديث جابر ﵁ في وصف خطبته ﷺ في العيد، وفيه: ( … ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى الله
стр. 239
وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ … ) [رواه مسلم].
لكن يُسَنُّ أن يستفتح الخطبة الأولى في العيد بتسع تكبيرات، ويستفتح الخطبة الثانية بسبع تكبيرات؛ لحديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن قال: حدثني أبي عن أبيه عن جَدِّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ الخُطْبَةِ، يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ في خُطْبَة العِيدَيْنِ) [رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف]. ولأثر عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: (يُكَبِّرُ الإِمَامُ إِذَا صَعَدَ المِنْبَرَ يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ الخُطْبَةِ الأُولَى تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ) [رواه سعيد بن منصور بإسناد ضعيف].
* تنبيهان:
١) إذا صلَّى العيدَ كصلاةِ النافلةِ -أي بدون التكبيرات الزوائد، ودون الذِّكْر بينها- فصلاتُه صحيحة؛ لأنَّ التكبيرات الزوائد والذكر بينها سُنَّة لا تبطل الصلاة بترك شيء منه.
٢) يُسنُّ لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصلِّيَها ولو بعد الزوال؛ لحديث عُبَيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: (كَانَ أَنَسٌ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ مِثْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ في الْعِيدِ) [رواه البيهقي وإسناده ضعيف]، ولأنَّ صلاة العيد فرضٌ على الكفاية؛ فتكون على أفراد المكلَّفين على الاستحباب، وما كان مستحبًّا فإن قضاءَه مستحبٌّ.
* * *
стр. 240
فصل في التَّكبِيرِ في العِيدَين
- يُسنُّ للمسلم أن يُكبِّر الله جَهراً في العيدِ، والتَّكبير في العيدِ على قِسمَين:
القسمُ الأوَّلُ: التكبيرُ المُطْلَقُ: وهو الذي لم يُقيَّد بأدبار الصلوات؛ فيُكبِّر في سُوقِه ومَمشاه ومجلسِه وفي بيتِه ونحوه، وهذا يستحبُّ الإتيان به في ليلتي العيدَين إلى فراغ الخُطبة؛ لقول الله : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذه الآية فيها أنَّ التكبير يكون عند تمام عِدَّة الشهر، ويكون ذلك من رؤية الهلال، أو من ثبوت دخول شهر شوَّال بتمام عِدَّة رمضان؛ فيكبِّر اللهَ عند ثبوت رؤية الهلال وليلته تلك وصبيحته، حتَّى يَغدو إلى المسجد. وثبت عن ابن عمر ﵄ أنَّه (كَانَ إِذَا غَدَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الإِمَامُ) [رواه الدارقطني].
- ويستحبُّ الإتيان به كذلك في كلِّ عشر ذي الحِجَّة؛ لما ثبت عن أبي هريرة وابن عمر ﵄ أنَّهما كانا (يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) [رواه البخاري معلقاً].
القسمُ الثاني: التكبيرُ المُقيَّد: وهو الذي يكون عقب كلِّ فريضة صلَّاها في جماعة، وهذا يستحبُّ الإتيان به في عيد الأضحى ابتداءً من صلاة فجر يوم عَرَفَة إلى عصر
стр. 241
آخر أيام التَّشريق، وهو يوم الثالث عشر من ذي الحِجَّة؛ ودليله إجماع الصحابة ﵃ على ذلك؛ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
- فإن كان مُحرِماً فيبتدئ التكبير من صلاة ظُهْر يوم النَّحْر إلى عصر آخر أيَّام التَّشريق؛ لأنَّه مشغول قبل ذلك بالتلبية.
ويُكبِّر الإمامُ وهو مستقبل الناس؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: عَلَى مَكَانِكُمْ، وَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلله الحَمْدُ … ) [رواه الدارقطني بإسناد ضعيف].
- صِفَةُ التَّكبيرِ:
صِفَةُ التكبيرِ أن يقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ ولله الحَمْدُ؛ فقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنَّه (كَانَ يُكَبِّرُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلله الحَمْدُ) [رواه ابن أبي شيبة].
- ولا بأس بالتهنئة بالعيدِ بقوله: «تقبَّل الله منَّا ومنك»؛ لثبوت ذلك عن أصحاب النبيِّ ﷺ ؛ فقد روى محمَّد بن زياد قال: (كُنْتُ مَعَ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا مِنَ العِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ) [ذكره ابن التركماني في «الجوهر النقي»].
* * *
стр. 242
باب صلاةُ الكُسوفِ
أوَّلاً: تعريفُ الكُسوفِ:
الكُسوفُ والخُسوفُ شيء واحدٌ وهو: ذهاب ضوء أحد النيِّرين -الشمس
والقمر- أو بعضه، يقال: انْكَسَفَتِ الشَّمسُ أو انْخَسَفَتْ، وانْكَسَفَ القَمَرُ
أو انْخَسَفَ، إذا ذهب نورهما أو شيء منه، وإن كان الغالب أن الكُسوفَ يُطلَق على الشمس، والخُسوف على القمر.
ثانياً: حكمُ صلاةِ الكُسوفِ:
صلاةُ الكُسوفِ سُنَّة مؤكَّدة عند وجود سببها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فعلها وأمر بها كما في حديث المغيرة بن شُعْبَة ﵁ قال: (انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: وقتُ صلاةِ الكُسوفِ:
يبدأ وقتُ صلاةِ الكُسوفِ من حين ابتداء الكُسوفِ حتَّى ذهابه وانجلائه؛ لقول النبيَّ ﷺ كما في الحديث السابق: ( … فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا
стр. 243
حَتَّى يَنْجَلِيَ)؛ فجعل الانجلاء غاية للصلاة ونهايتها.
فإن انجلت وهو في الصلاة أَتمَّها وخَفَّفَها.
وإذا انتهوا من الصلاة ولم ينجلِ؛ فإنَّهم يُكثرون من الذِّكر والدعاء.
رابعاً: صفةُ صلاةِ الكسوفِ:
- صلاةُ الكسوفِ ركعتان جَهْراً؛ لحديث عائشة ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ في صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ … ) [رواه البخاري ومسلم].
- في كلِّ ركعة ركوعان؛ لحديث عائشة ﵂ (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا «الصَّلَاةَ جَامِعَةً»، فَاجْتَمَعُوا وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) [رواه مسلم].
- يقرأ في الركعة الأولى: الفاتحة وسورة طويلة، ثمَّ يركع ويطيل في ركوعه، ثمَّ يرفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ولا يسجد بل يقرأ الفاتحة وسورة طويلة لكنَّها دون الأولى، ثمَّ يركع طويلاً لكنَّه دون الأوَّل، ثمَّ يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثمَّ يسجد سجدتين طويلتين.
- يصلِّي الركعة الثانية كالركعة الأولى، لكنَّها تكون أخفَّ منها، ثمَّ يتشهَّد ويُسلِّم. والدليل على هذه الكيفية حديث عائشة ﵂ قالت: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَيَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى المَسْجِدِ فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا
стр. 244
طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ … ) [رواه مسلم].
- ويجوز له أن يأتي في كلِّ ركعة بثلاثة ركوعات، أو أربعة، أو خمسة على الكيفيَّة السابقة:
* أمَّا الثلاثة؛ فلحديث عائشة ﵂: (كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ بِالنَّاسِ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ في كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، يَرْكَعُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ … ) [رواه مسلم وأبو داود، واللفظ له].
* وأمَّا الأربعة؛ فلحديث ابن عباس ﵄ عن النبيِّ ﷺ (أَنَّهُ صَلَّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، وَالأُخْرَى مِثْلُهَا) [رواه مسلم].
* وأمَّا الخمسة؛ فلحديث أُبيِّ بن كعب ﵁ قال: (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطُّوَلِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى
стр. 245
كُسُوفُهَا) [رواه أبو داود وسكت عنه، وضعفه النووي وغيره].
- والقيام الثاني وكذا الركوع الثاني سُنَّة، ولذا من أدرك الإمام في القيام الثاني أو في الركوع الثاني لا يُعدُّ مُدْرِكاً للركعة، وكذا لا تبطل الصلاة بتركه متعمِّداً؛ لأنَّه ثبت عنه ﷺ أنَّه صلى صلاة الكُسوف ركعتين كلّ ركعة بركوع واحد؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الصَّلاةِ وَقَامَ الَّذِينَ مَعَهُ، فَقَامَ قِياماً فَأَطَالَ القِيامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَجَلَسَ فَأَطَالَ الجُلُوسَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَامَ فَصَنَعَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنَ القِيَامِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُودِ وَالجُلُوسِ … ) [رواه أحمد والنسائي].
- ويجوز له أن يصلِّيها كصلاة النافلة: ركعتين؛ في كلِّ ركعة ركوع واحد؛ للحديث السابق، ولأنَّ ما زاد عليه سُنَّة لا تبطل الصلاة بتركه كما مرَّ.
* تنبيهان:
١) صلاة الكسوف سُنَّة لا خُطْبة بعدها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة؛ فقال: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله
لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا … ) [رواه البخاري ومسلم]. ولم يأمرهم بخُطْبة، ولو كانت سُنَّة لأمرهم بها، وإنَّما خَطَب النبيُّ ﷺ بعد الصلاة ليعلِّمَهم حُكمَها.
стр. 246
٢) إذا فاتت صلاة الكسوف فلا تُقضَى؛ لأنَّه قد فات سببها، وقد مرّ قول النبيِّ ﷺ : ( … فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ)؛ فجعل الانجلاء غاية للصلاة، ولأنَّ الصلاة إنَّما سُنَّت رغبةً إلى الله في ردِّها؛ فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة.
* * *
стр. 247
باب صلاةُ الاستِسْقاءِ
أوَّلاً: تعريفُ الاستِسْقاءِ:
الاستِسقاءُ: طلبُ السَّقْي؛ وذلك بنزول المطر ونحوه.
فصلاةُ الاستِسقاءِ: هي الصلاةُ المشروعةُ لطَلَبِ السُّقيا من الله تعالى.
ثانياً: حكمُ صلاةِ الاستِسْقاءِ:
صلاةُ الاستسقاءِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: وقتُها وصفتُها وأحكامُها:
- وقتُ صلاةِ الاستِسْقاءِ كوقت صلاة العيد؛ من طلوع الشمس بارتفاعها قيد رمح إلى قُبيل زوال الشمس.
- وصفتُها كصفة صلاة العيد؛ تُصلّى في المصلى ركعتين، يُكّبر في الأولى سَبْعاً بتكبيرة الإحرام، وخَمْساً في الثانية دون تكبيرة الانتقال، ويقرأ جَهْراً في الأولى: الفاتحة وسورة الأعلى، وفي الثانية: الفاتحة وسورة الغاشية، ثمَّ يخطُب الإمام لكنَّها تكون خطبة واحدة؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ لمَّا سُئل عن استسقاء النبيِّ ﷺ قال: (إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَواضِعاً
стр. 248
مُتَضَرِّعاً حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَينِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدِ) [رواه أبو داود والترمذي]، ولحديث عائشة ﵂ في الاستسقاء: ( … فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ … ) [رواه أبو داود].
رابعاً: آدابُ الخروجِ للاستِسْقاءِ وما يُستحبُّ له:
إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء فيستحبُّ له مراعاة ما يلي:
١) أن يَعِظَ الناس ويأمرَهم بالتوبة والخروج من المظالم؛ لأنَّ المعاصي والمظالم سببٌ للقَحْط وزوال النِّعَم، قال النبيُّ ﷺ : ( … وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا … ) [رواه ابن ماجه]. والطاعة وتقوى الله سبب للبركات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦].
٢) أن يتنظَّف لها بالغُسْل والسِّواك وإزالة الرائحة وتقليم الأظفار ونحوه؛ لئلَّا يؤذي الناس، وهو يوم يجتمعون له فأشبه الجمعة، ولا يتطيَّب؛ لأنَّه يوم استكانة وخضوع.
٣) أن يخرج متواضعاً متخشِّعاً متذلِّلاً متضرِّعاً؛ لحديث ابن عباس السابق أنَّ رسول الله ﷺ (خَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَواضِعاً مُتَضَرِّعاً حَتَّى أَتَى المُصَلَّى … )، ومتبذلًّا: أي غير متزيِّن في الهيئة.
٤) أن يدعوَ أهل الصلاح والخير والمشهورين بالتقوى والعبادة والعلم ونحو
стр. 249
ذلك لحضورها؛ لأنَّ ذلك أسرع للإجابة؛ إذ يُتوسل إلى الله بدعائهم وتأمينهم لإنزال المطر، كما كان عمر ﵁ يفعل مع العباس عَمِّ النبي ﷺ ؛ فعن أنس ﵁ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) [رواه البخاري]، وكما فعل معاوية ﵁ مع يزيد بن الأسود؛ فعن سليم بن عامر (أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا بِدِمَشْقَ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ) [رواه ابن عساكر].
٥) ولا بأس بخروج الأطفال والعجائز؛ لقوله ﷺ : (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ) [رواه البخاري].
٦) أن يصلِّي الإمام بهم ركعتين كركعتي العيد -كما تقدَّم-، ثمَّ يخطُب خُطبةً واحدة يفتتحها بالتكبير؛ لحديث عائشة ﵂ السابق في الاستسقاء ( … فخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ ﷺ وَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ … ).
٧) أن يُكثِر في خطبته من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به؛ لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود ٥٢]، ولقوله تعالى أيضاً: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح ١٠، ١١].
стр. 250
٨) ثمَّ يرفع يديه ويجعل ظهورهما نحو السماء؛ لحديث أنس ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) [رواه مسلم].
٩) أن يدعو بدعاء النبيِّ ﷺ في الاستسقاء، ويُؤمّن المأمومون على دعائه؛ ومن دعائه ﷺ في الاستسقاء: ما جاء في حديث عائشة ﵂: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ) [رواه أبو داود].
ومنه: ما جاء في حديث جابر ﵁: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ) [رواه أبو داود].
ومنه: ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ) [رواه أبو داود والبيهقي].
١٠) ثمَّ يَستَقبِل القِبْلَة في أثناء الخطبة ويقول سِرًّا: «اللهمَّ إنِّك أَمْرْتَنا بدُعائِك، ووَعَدْتَنا إجابَتَك، وقد دَعْوناكَ كما أَمَرْتَنا فاسْتَجِبْ لَنا كَما وَعَدْتَنا»؛ لحديث عبَّاد ابن تميم المازِنيّ عن عمِّه قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو … ) [رواه البخاري ومسلم].
وإنَّما يُستحبُّ الإسرار؛ ليكون أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع والتضرُّع، وأسرع في الإجابة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
следующие страницы →