← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٢) إذا فاتت صلاة الكسوف فلا تُقضَى؛ لأنَّه قد فات سببها، وقد مرّ قول النبيِّ ﷺ : ( … فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ)؛ فجعل الانجلاء غاية للصلاة، ولأنَّ الصلاة إنَّما سُنَّت رغبةً إلى الله في ردِّها؛ فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة. * * *

стр. 247

باب صلاةُ الاستِسْقاءِ أوَّلاً: تعريفُ الاستِسْقاءِ: الاستِسقاءُ: طلبُ السَّقْي؛ وذلك بنزول المطر ونحوه. فصلاةُ الاستِسقاءِ: هي الصلاةُ المشروعةُ لطَلَبِ السُّقيا من الله تعالى. ثانياً: حكمُ صلاةِ الاستِسْقاءِ: صلاةُ الاستسقاءِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم]. ثالثاً: وقتُها وصفتُها وأحكامُها: - وقتُ صلاةِ الاستِسْقاءِ كوقت صلاة العيد؛ من طلوع الشمس بارتفاعها قيد رمح إلى قُبيل زوال الشمس. - وصفتُها كصفة صلاة العيد؛ تُصلّى في المصلى ركعتين، يُكّبر في الأولى سَبْعاً بتكبيرة الإحرام، وخَمْساً في الثانية دون تكبيرة الانتقال، ويقرأ جَهْراً في الأولى: الفاتحة وسورة الأعلى، وفي الثانية: الفاتحة وسورة الغاشية، ثمَّ يخطُب الإمام لكنَّها تكون خطبة واحدة؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ لمَّا سُئل عن استسقاء النبيِّ ﷺ قال: (إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَواضِعاً

стр. 248

مُتَضَرِّعاً حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَينِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدِ) [رواه أبو داود والترمذي]، ولحديث عائشة ﵂ في الاستسقاء: ( … فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ … ) [رواه أبو داود]. رابعاً: آدابُ الخروجِ للاستِسْقاءِ وما يُستحبُّ له: إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء فيستحبُّ له مراعاة ما يلي: ١) أن يَعِظَ الناس ويأمرَهم بالتوبة والخروج من المظالم؛ لأنَّ المعاصي والمظالم سببٌ للقَحْط وزوال النِّعَم، قال النبيُّ ﷺ : ( … وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا … ) [رواه ابن ماجه]. والطاعة وتقوى الله سبب للبركات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦]. ٢) أن يتنظَّف لها بالغُسْل والسِّواك وإزالة الرائحة وتقليم الأظفار ونحوه؛ لئلَّا يؤذي الناس، وهو يوم يجتمعون له فأشبه الجمعة، ولا يتطيَّب؛ لأنَّه يوم استكانة وخضوع. ٣) أن يخرج متواضعاً متخشِّعاً متذلِّلاً متضرِّعاً؛ لحديث ابن عباس السابق أنَّ رسول الله ﷺ (خَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَواضِعاً مُتَضَرِّعاً حَتَّى أَتَى المُصَلَّى … )، ومتبذلًّا: أي غير متزيِّن في الهيئة. ٤) أن يدعوَ أهل الصلاح والخير والمشهورين بالتقوى والعبادة والعلم ونحو

стр. 249

ذلك لحضورها؛ لأنَّ ذلك أسرع للإجابة؛ إذ يُتوسل إلى الله بدعائهم وتأمينهم لإنزال المطر، كما كان عمر ﵁ يفعل مع العباس عَمِّ النبي ﷺ ؛ فعن أنس ﵁ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) [رواه البخاري]، وكما فعل معاوية ﵁ مع يزيد بن الأسود؛ فعن سليم بن عامر (أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا بِدِمَشْقَ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ) [رواه ابن عساكر]. ٥) ولا بأس بخروج الأطفال والعجائز؛ لقوله ﷺ : (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ) [رواه البخاري]. ٦) أن يصلِّي الإمام بهم ركعتين كركعتي العيد -كما تقدَّم-، ثمَّ يخطُب خُطبةً واحدة يفتتحها بالتكبير؛ لحديث عائشة ﵂ السابق في الاستسقاء ( … فخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ ﷺ وَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ … ). ٧) أن يُكثِر في خطبته من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به؛ لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود ٥٢]، ولقوله تعالى أيضاً: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح ١٠، ١١].

стр. 250

٨) ثمَّ يرفع يديه ويجعل ظهورهما نحو السماء؛ لحديث أنس ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) [رواه مسلم]. ٩) أن يدعو بدعاء النبيِّ ﷺ في الاستسقاء، ويُؤمّن المأمومون على دعائه؛ ومن دعائه ﷺ في الاستسقاء: ما جاء في حديث عائشة ﵂: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ) [رواه أبو داود]. ومنه: ما جاء في حديث جابر ﵁: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ) [رواه أبو داود]. ومنه: ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ) [رواه أبو داود والبيهقي]. ١٠) ثمَّ يَستَقبِل القِبْلَة في أثناء الخطبة ويقول سِرًّا: «اللهمَّ إنِّك أَمْرْتَنا بدُعائِك، ووَعَدْتَنا إجابَتَك، وقد دَعْوناكَ كما أَمَرْتَنا فاسْتَجِبْ لَنا كَما وَعَدْتَنا»؛ لحديث عبَّاد ابن تميم المازِنيّ عن عمِّه قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو … ) [رواه البخاري ومسلم]. وإنَّما يُستحبُّ الإسرار؛ ليكون أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع والتضرُّع، وأسرع في الإجابة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا

стр. 251

وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف ٥٥]. ١١) ثمَّ يُحوّل رداءه بأن يجعل أيمن الرداء الواقع على الكتف الأيمن على الكتف الأيسر، ويجعل أيسره وهو الواقع على الكتف الأيسر على الكتف الأيمن؛ لحديث عبَّاد بن تميم عن عمِّه عبد الله بن زيد، وفيه: ( … وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ دَعَا اللهَ [رواه أبو داود والبيهقي] وكذا الناس يفعلون ذلك؛ تأسِّياً به ﷺ ؛ لأنَّ ما ثبت في حقِّه ﵊ يثبت في حقِّ سائر الأمَّة إلَّا إذا قام دليل على اختصاصه به. والظاهر أنَّ النبيَّ ﷺ حوّل رداءَه تفاؤلاً بأن تتحوَّل الأرض من الجَدْب إلى الخَصْب، ومن انقطاع المطر فيها إلى هطوله؛ كما قال جابر ﵁. [رواه البيهقي بمعناه]. ١٢) ويتركون أرديتهم على هذه الحالة، فلا يردُّونها إلى ما كانت عليه حتَّى ينزعوا ثيابهم؛ لأنَّه لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أحد من صحابته أنَّهم غيَّروا أرديتهم حين رجعوا من الاستسقاء. ١٣) فإن سقاهم الله ، وأجاب دعاءهم، وإلَّا عادوا للاستسقاء مرَّة ثانية وثالثة؛ لأنَّ في ذلك مبالغةً في الدعاء والتضرُّع إلى الله . - وإذا مَنَّ الله عليهم بنزول المطر؛ فيستحبُّ ما يلي: ١٤) الوقوف في أوَّل المطر ليصيب بدنه؛ لحديث أنس ﵁ قال:

стр. 252

(أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مَطَرٌ فَحَسَرَ رَسُولُ الله ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) [رواه مسلم]. ١٥) الوضوء والاغتسال منه؛ لحديث يزيد بن الهاد: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ وَنَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهِ) [رواه البيهقي بإسناد ضعيف]. ١٦) أن يُبدِيَ شيئاً من ثيابه أو أثاثه أو متاعه ليصيبه المطر؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ يَقُولُ: يَا جَارِيَة! أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩]) [رواه البخاري في الأدب المفرد]. والسَّرج: ما يكون على الدَّابة ممَّا يضعه الراكب عليها. ١٧) إذا كثرت الأمطار وزادت حتَّى خيف منها الضرر على البيوت أو المتاجر ونحو ذلك، فيستحبُّ له أن يدعو بدعاء النبيِّ ﷺ في مثل هذه الحالة: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) [رواه البخاري ومسلم]. والآكام بفتح الهمزة تليها مَدَّة: جمع أَكَمَة وهي التَّلُّ. والظِّراب بكسر الظاء: جمع ظَرْب وهو الجبل الصغير. وبطون الأودية: هي الأماكن المنخفضة في الأودية. ومنابت الشجر: أي أصولها.

стр. 253

١٨) ويُسن له أن يقول: «مُطرنا بفضل الله ورحمته»؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قَالَ: (صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ … ) [رواه البخاري ومسلم]. - ويحرم عليه أن يقول: «مطرنا بنَوْءِ كذا وكذا»؛ للحديث السابق؛ وفيه: ( … وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)، لكن له أن يقول: «مطرنا في نَوْءِ كذا وكذا»، يقصد في وقت كذا وكذا؛ لأنَّه ليس فيه إضافة المطر إلى النَّوْءِ. والنَّوْء: جمعه أنواء؛ وهي نجوم تظهر في السماء على مدار السَّنَة، ولها أسماء يعرفها العرب قديماً، كالثريَّا والدَّبَران والسِّماك، فإذا أنزل الله المطرَ وصادف ذلك وجود نجم من هذه النجوم، نَسَبَ أهلُ الجاهلية هذا المطر إلى ذاك النجم فقالوا: مُطِرْنا بنجم كذا؛ فنهى النبيُّ ﷺ عن ذلك. * * *

стр. 254

كتابُ الجَنائِز أوَّلاً: تعريفُ الجَنائزِ: الجَنائِز: جَمْعُ جَِنازَة -بفتح الجيم وكسرها-؛ اسم للميِّت أو للنَّعْش الذي عليه مَيِّت. وهو مشتقٌّ من جَنَزَ بمعنى سَتَر. ثانياً: الاستعدادُ للمَوْتِ: يُسنُّ للمسلم أن يُكثر من تذكُّر الموت، وأن يَستعِدَّ لملاقاته بالمبادرة إلى التوبة، والإقبال على الخير، ومجانبة الشرِّ، خشية أن يَفْجَأَه؛ فيمتثل أوامر ربِّه ويجتنب نواهيه؛ وقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَكْثرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ) يَعْنِي المَوْت. [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، واللفظ لابن ماجه]. ثالثاً: الصبرُ على المَرَضِ والابتلاءِ: - يُستحبُّ للمريض أن يصبر على مَرَضِهِ ووَجَعِهِ؛ لِما وَعَدَ الله الصابرين من الأجر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]. - ويُكرَهُ الأنينُ -وهو صوتُ التوجُّع- إلا إذا غَلَبَه لشِدَّة الوجع؛ لما فيه من إظهار التشكِّي وعدم الصبر؛ ولما رُوي عن ليث قال: قلت لطلحة -ابن مُصَرِّف-: (إِنَّ طَاوساً كَانَ يَكْرَهُ الأَنِينَ، قَالَ: فَما سُمِعَ لَهُ أَنِينٌ حَتَّى مَاتَ) [رواه ابن أبي شيبة].

стр. 255

- ويُكرَه للمسلم تمنِّي الموت بسبب ما نزل به من الضُّرِّ والمرض؛ لما ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) [رواه البخاري ومسلم]. - ويجوز تمنِّي الموت إذا خشي الإنسان على نفسه الفتنة في دينه؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ( … وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْني إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) [رواه الترمذي]. - كما يجوز تمنِّي الشهادة في سبيل الله؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ) [رواه البخاري ومسلم]. رابعاً: أحكامُ عِيادةِ المريضِ: - يُسَنُّ للمسلم أن يَعودَ أخاهُ المسلمَ إذا مَرِضَ؛ لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: (أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ … ) الحديث [رواه البخاري ومسلم]. - ويُسنُّ له إذا دخل عليه أن يسأله عن حاله ويدعو له ويَرْقِيه؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ (كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ

стр. 256

سَقَمًا) [رواه البخاري]. خامساً: ما يُستحبُّ فِعْلُه عندَ المُحْتَضِر: ١) تلقينُه الشَّهادَةَ: فيُستحبُّ لمن حضر عند المُحتَضِر أن يلقِّنه قول (لا إله إلَّا الله) مرَّة واحدة عند مرض موته؛ لحديث أبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) [رواه مسلم]. ٢) أن لا يزيد في تلقينه عن مرَّة واحدة: حتَّى لا يتسبَّب في ضَجَرِه ومَلَلِه، إلَّا إذا تكلَّم المريض، فيُعيدُ تلقينه لتكون آخرَ كلامِه؛ كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ) [رواه أحمد وأبو داود]. ٣) أن يقرأ عنده الفاتحة: تخفيفاً عنه وتذكيراً له؛ قال الإمام أحمد: «ويَقرَؤُونَ عندَ الميتِ إذا حَضرَ ليُخفَّفَ عنه بالقُرآن»، وأمَرَ بقراءة الفاتحة. ٤) أن يقرأ عنده سورة (يس): لما رُوِيَ عن مَعْقِل بن يَسارٍ مرفوعاً: (اقْرَؤُوا (يَس) عَلَى مَوْتَاكُم) [رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم وحسَّنه السيوطيُّ، وضعَّفه جمع كبير من أهل التحقيق]. ٥) أن يوجِّهَه إلى القِبْلَة على جنبه الأيمن إذا كان في المكان متَّسع، وإلَّا فعلى ظهره؛ لقول حذيفة ﵁: (وَجِّهُونِي إِلى القِبْلَةِ) [رواه ابن أبي الدنيا]، وفي الحديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال عن البيت الحرام: (قِبْلَتُكُمْ أَحْياءً وَأَمْوَاتاً) [رواه أبو داود والنسائي].

стр. 257

سادساً: ما يُفعَلُ عندَ الميِّتِ: ١) تغميضُ عَيْنَي الميِّت؛ لحديث أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالت: (دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ … ) [رواه مسلم]. ٢) قول: «بسمِ الله وعلى مِلَّة رسولِ الله»؛ لقول بكر بن عبد الله المزني: (إِذَا غَمَّضْتَ المَيِّتَ فَقُلْ: بِسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي]. ٣) تقبيلُ الميِّت والنظرُ إليه، ولو كان ذلك بعد تكفينه؛ لما ثبت عن عائشة وابن عباس ﵄ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَيِّتٌ) [رواه البخاري].

стр. 258

فصل في غَسْلِ الميِّت أوَّلاً: حُكمُ تغسيلِ الميِّتِ: غَسْلُ الميِّت -أو تيميمه لعذر- فرض على الكفاية بالإجماع؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: (بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ) [رواه البخاري ومسلم]. ثانياً: شروطُ صحَّةِ تغسيلِ الميِّتِ: يُشترط لصحَّة غَسْلِ الميِّت عدَّة شروط: أ - أن ينوي الغاسلُ غسلَ الميِّت؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) [رواه البخاري ومسلم]. أ - أن يكون الغاسل مسلماً: لأنَّ الغسل عبادة تحتاج إلى نيَّة، والكافر لا تصحُّ منه النيَّة. ب- أن يكون الغاسلُ عاقلاً: لأنَّ المجنون فاقدٌ للأهليَّة، فلا تصحُّ منه النيَّة. ج- أن يكون الغاسلُ مُميِّزاً: لأنَّ المميِّز يصحُّ غسله لنفسه، فصحُّ غسله لغيره. د - أن يُغسِّلَه بماءٍ طهور؛ كما في الوضوء وأنواع الغسل الأخرى، ولأنَّ الماء

стр. 259

الطهور هو الذي يرفع الحَدَث. ب- أن يكون ماء الغسلِ مباحاً؛ فلا يصحُّ غسله بماءٍ مغصوب أو مسروق؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [رواه مسلم]. ثالثاً: ما يُستحبُّ في المُغَسِّلِ: يستحب في المغسِّل ما يلي: أ - أن يكون ثقةً أميناً؛ ليستر ما يطلع عليه. ب- أن يكون عارفاً بأحكام الغسل؛ ليحتاط فيه. رابعاً: الأَوْلَى بتغسيلِ الميِّتِ: - أولى الناس بتغسيل الميت وَصيُّه العَدْل؛ لأنَّ الوصيَّة حقُّ الميِّت فيجبُ تنفيذُها، وقد رُوي أنَّ (أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ امْرَأَتُهُ) [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، بإسناد ضعيف]. - ثمَّ أبو الميِّت؛ لما يختصُّ به من الحُنُوِّ والشفقة، ثمَّ جَدُّه وإن علا، ثمَّ الأقربُ فالأقربُ من عَصَبَتِه بحسب ترتيب الميراث، ثمَّ ذوو أرحامه. وقد رُوي في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ( … لِيَلِهِ أَقْرَبُكُم مِنْهُ) [رواه أحمد والطبراني، بإسناد ضعيف]. - وإن كان الميِّت امرأة، فأَوْلَى الناس بغسلها وَصِيُّها العَدْل، ثمَّ الأقربُ

стр. 260

فالأقربُ من نسائها. خامساً: ما يَنبغي فِعْلُه عندَ الغَسْلِ: ١) سترُ عَوْرَةِ الميِّتِ: فيجبُ على الغاسل سترُ عَوْرَةِ الميِّت، من غير خلاف. وحَدُّ العَوْرَةِ ما بين السُّرَّة والرُّكْبَة؛ وعن عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (لا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ) [رواه أبو داود]. ٢) أن يَلُفَّ يَدَهُ بخِرْقَةٍ ويُنجِّيه بها: لأنَّه لا يجوز له مسُّ عَوْرَتِه، كما أنَّه ممنوع من النظر إليها؛ وقد روي عن عبد الله بن الحارث قال: (غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ عَليٌّ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَمِيصُهُ وَعَلَى يَدِ عَليٍّ خِرْقَةٌ يَغْسِلُهُ بِهَا يُدْخِلُ يَدَهُ تَحْتَ القَمِيصِ فَيُغَسِّلُهُ وَالقَمِيصُ عَلَيهِ) [رواه ابن أبي شيبه، وإسناده ضعيف]. وعن محمَّد بن سِيرين قال: (غَسَّلْتُ أَنَسَ بن مَالِكٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ عَوْرَتَهُ، قُلْتُ لِبَنِيهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِغَسْلِ عَوْرَتِهِ، دُونَكُمْ فَاغْسِلُوهَا، فَجَعَلَ الَّذِي يَغْسِلُهَا عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَعَلَيْهَا ثَوْبٌ، ثُمَّ غَسَلَ الْعَوْرَةَ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ) [رواه الطبرني]. - يحرمُ على الغاسل مَسُّ عَوْرَةِ من بلغ سبعَ سنين من غير حائل؛ لأنَّه لا يجوز له أن ينظر إليها؛ فمن باب أَوْلَى أن لا يمسَّها. ٣) غَسلُ ما به من النجاسة؛ لأنَّ المقصود من غَسلِ الميِّت هو تطهيرُه حسب الإمكان.

стр. 261

- ويُسَنُّ أن لا يَمَسَّ الغاسلُ سائر بدن الميِّت إلَّا بخِرْقَة؛ لحديث عبد الله بن الحارث المتقدِّم. سادساً: تغسيلُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، والمرْأَةُ زَوْجَهَا: - يجوز للرَّجلِ أن يُغسِّل زوجَتَه؛ لما ثبت من حديث عائشة ﵂؛ وفيه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا ضَرَّكِ لَو مِتِّ قَبْلي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ ثُمَّ دَفَنْتُكِ) [رواه أحمد والنسائي في الكبرى وابن ماجه]. - ويجوزُ للمرأةِ تغسيلُ زوجِها؛ وذلك لحديث عائشة ﵂ قالت: (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه]. - ويجوز للرجل أن يغسل أمَتَه، وللأمَةِ أن تغسل سيِّدَها؛ لوجود معنى الزوجية فيهما. - ويجوز للرَّجلِ والمرأةِ غَسلُ من له دون سبعِ سنين؛ إجماعاً، لأنَّه لا عورة له. سابعاً: صِفَةُ غَسْلِ الميِّتِ: أحكامُ غَسلِ الميِّت فيما يَجب ويُسَنُّ كغسل الجنابة؛ فيُراعي في غسله النِّية والتَّسمية وستر العَوْرَة وجوباً، ثمَّ يَغْسِلُ عَوْرَتَهُ؛ فيلفُّ على يدِهِ خِرْقةً فينجِّيه بها، من غير أن يمسَّها بيده، ويغسلُ ما على بَدَنِه من نجاسةٍ، ثمَّ يوضؤه كوضوء الصلاة نَدْباً، ثمَّ يبدأُ بغَسلِ رأسِهِ، ثمَّ بشِقِّهِ الأيمنِ، ثمَّ بشِقِّهِ الأيسرِ؛ لقول النبيِّ ﷺ للنساء اللَّاتي غسَّلنَ ابنتَهُ: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا) [رواه

стр. 262

البخاري ومسلم]. - ويُستثنَى من ذلك غسل الفم والأنف، فلا يُدخِلِ الماءَ فيهما، بل يأخذ خِرْقَةً مبلولة فيمسح بها أسنانه ومَنْخِرَيْهِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [رواه البخاري ومسلم]، ولأنَّ إدخال الماء إلى فمه أو أنفه ربما أدى إلى تحريك النجاسة في جَوْفِهِ، وربما أدى إلى المُثْلَة به. ثامناً: عددُ مرَّات الغَسْلِ: - يُسنُّ غَسلُ الميِّت ثلاثَ مرَّاتٍ، ويُكره الاقتصار في غسله على مرَّة واحدة ولو لم يخرج منه شيء؛ لما ثبت في حديث أمِّ عَطِيَّة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً أَوْ خَمْساً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … ) [رواه البخاري ومسلم]. - أمَّا إن خرج من الميِّت نجاسةٌ من قُبُلِه أو دُبُرِه بعد الثلاث، وجبَ إعادةُ الغسل إلى سَبْعِ مرَّات؛ لأنَّ المقصود من غسل الميِّت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة. - فإن خرج منه شيء بعد السَّبْعِ حُشِيَ محلُّ الخارج بقُطْنٍ ليمنع خروجه. - فإن لم يستمسك الخارج بعد الحَشْوِ بالقُطْنِ، فإنَّه يُحشَى بطِينٍ خالص؛ لأنَّ فيه قوَّةً تمنع الخارج، ثمَّ يغسل محلَّ النجاسة، ويوضَّأ الميِّت وجوباً، ولا يعاد غسله؛ لأنَّ الجُنُبَ إذا أَحْدَثَ بعد غسله أعاد وضوءَه دون الغسل، والميِّت كذلك. - وإن خرج من الميِّت شيء بعد تكفينه لم يُعِدِ الوضوءَ ولا الغسلَ؛ لما في إخراجه من الكَفَنِ وإعادة غسله وتطهير أكفانه وتجفيفها أو إبدالها من المشقَّة

стр. 263

والحَرَج، لا سيِّما وأنَّه لا يُؤمَن أن يخرج منه شيء بعد ذلك. تاسعاً: أحكامُ الشَّهيدِ: شهيدُ المعركة -وهو الذي مات بسبب قتال الكفَّار في المعركة- يختصُّ عن غيره من الأموات بجملة من الأحكام، وهي: ١) لا يُغَسَّل ولا يُزال دَمُه وجوباً؛ لما يتضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة المستطاب شرعاً، وفي الحديث عن جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. [رواه البخاري]. وعن جابر ﵁ قال: (رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ [رواه أحمد وأبو داود]. فإن كان شهيد المعركة جُنباً غُسِّل وجوباً؛ لأنَّ الغُسْلَ وجب لغير الموت، فلم يسقط به. ٢) لا يكفَّن وإنَّما يُدرج في ثيابه؛ لحديث عبد الله بن ثَعْلَبَة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال في شهداء أُحُدٍ: (زَمِّلُوهُمْ في ثِيَابِهِم … ) [رواه أحمد]. ولحديث جابر ﵁ -السابق- في الرَّجُل الذي رُمِيَ بسهم في صدره فأُدْرِج في ثيابه. ٣) لا يُصلَّى عليه؛ لحديث جابر ﵁ -السابق- أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. ٤) المقتول ظلماً كالشهيد في الحُكْمِ؛ لا يُغسَّل ولا يُكفن ولا يُصلَّى عليه، إلَّا أن يكون جُنباً؛ لحديث سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ

стр. 264

فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) [رواه أبو داود والترمذي]. - أمَّا غيرهما من الشهداء؛ كالمبْطُون، والمَحْروق، والغَريق؛ فإنهم يُغسَّلون ويُكفَّنون ويُصلَّى عليهم، باتفاق أهل العلم. ٥) إذا أصيب المسلم في المعركة ثمَّ حُمِل فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلَّم أو عَطَسَ أو طال بقاؤه عُرْفاً؛ فإنَّه يأخذ حُكْمَ الميِّت غير الشهيد؛ فيُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه؛ لأنَّ هذه الأحوال تدلُّ على استقرار حياته؛ وقد جاء عن ابن عمر ﵄: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عَلَيهِ، وَكَانَ شَهِيداً) [رواه مالك]. ٦) من قُتِلَ وعليه ما يُوجِبُ الغُسْلَ؛ كالجنب والحائض والنفساء، فإنَّه يُغسَّل كغيره؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ. فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الهَائِعَةَ) [رواه ابن حبان والحاكم]. عاشراً: أحكامُ السِّقْط: السِّقْطُ: -بكسر السين وفتحها وضمِّها- هو المولود الذي سقط من بطن أمِّه قبل تمامه. وله أحكامٌ تخصُّه، وهي: ١) إذا بلغ السِّقط أكثر من أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه، وإن لم يستهلَّ صارخاً؛ لأنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوح في هذه المدَّة؛ كما في حديث ابن مسعود ﵁: (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) [رواه البخاري ومسلم]؛ أي بعد الأربعة أشهر.

стр. 265

وعن المغيرة بن شُعْبَة ﵁ مرفوعاً: (وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيهِ) [رواه أبو داود والترمذي]. ٢) أمَّا إذا كان دون أربعة أشهر، فلا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه بلا خلاف، وإنَّما يُلفُّ في خِرْقَةٍ ويُدْفَنُ؛ لانتفاء حياته أصلاً؛ إذ هو قبل الأربعة أشهر لا يكون نَسَمَةً. حادي عشر: تغسيلُ المسلمِ للكافِرِ: - يحرمُ على المسلم تغسيلُ الكافرِ ولو كان ذِمِّيًّا، أو تكفينه أو الصلاة عليه أو اتِّباع جنازته، ولا فرق في ذلك بين الكافر القريب أو الأجنبي؛ لأنَّ في ذلك من التعظيم والتطهير والتَّولِّي له، وقد نُهِيَ المسلمُ عن ذلك قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة ١٣]؛ وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. - فإن لم يوجد من يواري الكافر من جنسه، جاز للمسلم أن يواريه؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في قتلى المشركين يوم بدر قال: (فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ) [رواه البخاري ومسلم]، وعن عليٍّ ﵁ قال: أتيت النبيَّ ﷺ فقلت: (إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ … ) [رواه أبو داود والنسائي]. * * *

стр. 266

فصل في تكفينِ الميِّت أوَّلاً: حكمُ تكفينِ الميِّت: تكفينُ الميِّت فرضُ كفاية على المسلمين، إذا قام به بعضُهم سقط الإثمُ عن الجميع، وإن لم يقم به أحد أَثِم جميع من علم أنَّه دفن بلا غُسل؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بتكفين الميِّت فقال ﷺ كما جاء في قصَّة الأعرابيِّ الذي وَقَصَتْه ناقتُه فمات-: (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) [رواه البخاري ومسلم]. ثانياً: ما يُشترَطُ في الكَفَنِ: ١) يجبُ أن يكون الكَفَنُ ساتراً لجميع بَدَنِ الميِّت؛ لأنَّ هذه هي حقيقة التكفين، ولحديث أم عطيَّة الأنصاريَّة ﵂ قالت: (فَلَمَّا فَرَغْنَا-تعني من غَسْلِ ابنَتِهِ ﷺ أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ … ) [رواه البخاري ومسلم]. والحِقْوُ: الإزار. وأشعرنها إيَّاه: أي الْفُفْنَها فيه. إلَّا إذا كان الميّت مُحْرِمَاً أو مُحْرِمَةً، فحينئذٍ لا يُغطّى رأسُ المُحْرِمِ، بل يبقى مكشوفاً؛ لأنَّه مُحْرِم، والمرأة لا يُغطَّى وجهُها؛ لأنَّها مُحْرِمة، وإحرامُ المرأة في وجهِها، وقد قال النبيُّ ﷺ في حقِّ من مات مُحْرِماً - كما في قصَّة الأعرابيِّ الذي وَقَصَتْهُ ناقَتُه فمات وهو مُحرِم-: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا).

стр. 267

٢) أن لا يكون الكَفَنُ شفَّافاً بحيث يَصِفُ البشرة؛ وذلك حتَّى يستُرَ الميِّت، فالكَفَنُ الذي يَصِفُ البشرة غير ساترٍ؛ فيكونُ وجودُه كعَدَمِهِ. ٣) أن يكون الثوب الذي يُكفّن به الميِّت من جنس ما يلبسُه مثلُه؛ فلا يكون مُكْلِفاً بحيث يكون فيه إجحاف في حقِّ الورثة، ولا يكون رديئاً بحيث يكون فيه إجحاف في حقِّ الميِّت، إلَّا إذا كان الميِّت قد أوصى قبل موته أن يكون كفنه أقلَّ من ملبوسِ مثلِه، فحينئذٍ تُنفّذ وصيَّتُه؛ لأنَّ هذا حقُّه وقد أسقطه، كما فعل أبو بكر ﵁؛ تقول عائشة ﵂ -وأبو بكر في مرض الموت- (فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ -أي صار قديماً بالياً- قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنْ المَيِّتِ … ) [رواه البخاري]. ثالثاً: ما يُستحبُّ في التكفينِ: ١) أن يُكفَّنَ الرَّجلُ في ثلاث لَفائف بِيض من القُطن، ليس فيها قميص ولا عمامةٌ، ولا يُزاد عليها ولا يُنقص منها، ثم تُوضع هذه اللَّفائف على الأرض بعضها فوق بعض، ثمَّ يُوضع عليها الميِّت مستلقياً على ظَهْرِه، ثمَّ يُردُّ طرف اللِّفافَة العُليا من الجانب الأيسر على شقِّه الأيمن، وطرفها من الجانب الأيمن على شقِّه الأيسر، وهكذا اللِّفافة الثانية والثالثة؛ لحديث عائشة ﵂ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) [رواه البخاري ومسلم]، وفي رواية: (أُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجًا) [رواه أحمد].

стр. 268

٢) أن تكفَّنَ المرأةُ في خمسة أثواب من قطن (إزار -ويقوم مقامه السَّروايل-، وخِمَار يُغطى به الوجه والرأس، وقميص -وهو الثوب المعروف- ولِفافتين)؛ لحديث ليلى بنت قانِف الثَّقفية ﵂ قالت: (كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ الله ﷺ الْحِقَاءَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ في الثَّوْبِ الآخِرِ. قَالَتْ: وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا) [رواه أحمد وأبو داود]. والحِقَاء: بكسر الحاء وتخفيف القاف، جمع الحِقْو وهو الإزار. والدِّرْع: هو القميص. ٣) أن يُكفَّنَ الصَّبيُّ في ثوب واحد؛ لأنَّه دون الرَّجُلِ، وإن كُفِّن في ثلاثة أثواب فلا بأس؛ لأنَّه ذَكَرٌ فأشبه الرَّجُلَ. ٤) أن تُكفَّنَ الطفلةُ الصغيرة في قميص ولِفافَتين بلا خِمَار؛ لأنَّها دون المرأة، ولأنَّ ابن سيرين ﵀ كفَّنَ بنتاً له قد أعصرت -أي قاربت المحيض- في قميص ولِفافَتين. [رواه ابن أبي شيبة بمعناه]. رابعاً: ما يُكرَهُ في التكفينِ: ١) تكفينُ الميِّت بشَعْر وصُوف؛ لأنَّه خلاف فِعْل السَّلف. ٢) التكفينُ بمُزَعْفَرٍ ومُعَصْفَرٍ ومَنْقُوشٍ، ولو كان الميِّت امرأةً؛ لأنَّ هذا خلاف فعل السَّلف، ولأنَّه أيضاً لا يليق بحال الميِّت.

стр. 269

خامساً: ما يَحرُمُ في التكفينِ: ١) تكفينُ الميِّت بجِلْدٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بنَزْع الجلود عن الشهداء، وأن يُدْفَنوا في ثيابهم؛ كما جاء في حديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الحَدِيدُ وَالجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ) [رواه أبو داود بإسناد ضعيف]. ٢) التكفينُ بحَريرٍ ومُذَهَّبٍ ولو كان الميِّت امرأةً؛ فيَحْرمُ تكفينُ الرَّجل بذلك؛ لأنَّ الحريرَ والذَّهَبَ مُحرَّمان عليه في الدنيا، وأمَّا المرأة فلأنَّ الحريرَ والذَّهَبَ إنَّما أُبيحا لها في حال الحياة؛ لأنَّها محلُّ الزينة والشهوة، وقد زال ذلك بموتها، مع ما في ذلك من إضاعة للمال. * * *

стр. 270

فصل في الصلاةِ على الميِّت أوَّلاً: حكمُ الصلاةِ على الميِّت: الصلاةُ على الميّت فرضُ كفاية؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بالصلاة على موتى المسلمين فقال -كما في حديث الذي مات مَدِيناً-: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) [رواه البخاري ومسلم]، ولما مات النجاشيُّ قال النبيُّ ﷺ : (إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ) [رواه مسلم]، ولما أسلم الغلامُ اليهوديُّ الذي كان يخدم النبيَّ ﷺ ثمَّ مات قال: (صَلُّوا عَلَى أَخِيكُم) [رواه النسائي في الكبرى والحاكم]. والأمر للوجوب كما هو معلوم. - ويسقطُ هذا الفرضُ الكفائيُّ: بأن يُصلِّي على الميِّت رجلٌ واحدٌ مكلَّفٌ، أو امرأةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الصلاة على الميِّت ليس من شروطها الجماعة بل هي سُنّة. ثانياً: شروطُ صحَّة الصلاةِ على الميِّت: يُشترطُ لصحِّة الصلاة على الميِّت ثمانيةُ شروط: ١) النيَّةُ؛ بأن ينويَ الصلاةَ على الميِّت. ٢) التكليفُ؛ بأن يكون الذي يصلِّي على الميّت بالغاً عاقلاً. ٣) استقبالُ القِبْلَةِ.

стр. 271

٤) سَتْرُ العَوْرَةِ. ٥) اجتنابُ النَّجاسَةِ؛ وذلك لأنَّها صلاة؛ فيُشتَرَطُ لصحَّتِها ما يُشتَرَطُ لغيرها من الصلوات. ٦) حضورُ الميِّتِ إن كان موجوداً بالبَلَدِ؛ بأن يكون بين يدي المصلِّين عند الصلاة عليه؛ فلا تصحُّ الصلاة على جنازة محمولةٍ على الأعناق، أو على دابَّة، أو من وراء حائل؛ كحائطٍ ونحوه. ٧) إسلامُ المُصَلِّي والمُصَلَّى عليه؛ فلا يُصلَّى على كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. ٨) طهارةُ المُصَلِّي والمُصَلَّى عليه ولو بالتراب في حالة العذر -كفَقْد الماء، أو عدم القُدْرَة على استعماله-؛ لأنَّ الطهارة شرطٌ لصحَّة الصلاة كما هو معلوم. ويُستثنَى من ذلك الشهيد. ثالثاً: أركانُ الصلاةِ على الميِّتِ: أركانُها سَبْعَةٌ: ١) القيامُ للقادرِ عليهِ؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ؛ فوجب القيام فيها كسائر الصلوات المفروضة، إلَّا إذا عجز عن القيام. ٢) التكبيرُ أربعَ تكبيراتٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كبَّر على النَّجاشي أربعاً؛ كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الَّذِي

стр. 272

مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) [رواه البخاري ومسلم]. ٣) قراءةُ الفاتحةِ بعدَ التكبيرةِ الأُولَى؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) [رواه البخاري ومسلم]، ولحديث طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف قال: (صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ: لِيَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةٌ) [رواه البخاري]. ٤) الصلاةُ على النبيِّ ﷺ بعدَ التكبيرةِ الثانيةِ؛ لحديث أبي أُمامَة بن سَهْلٍ: أنه أخبره رَجُلٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ : (أَنَّ السُّنَّةَ في الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى سِرًّا في نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ … ) [رواه الشافعي والبيهقي]. وصِفَةُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في صلاة الجنازة كصفة الصلاة عليه في التشهُّد الأخير من الصلوات: «اللهُمَّ صلّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ … ». ٥) الدُّعاءُ للميِّتِ -بعدَ التكبيرةِ الثالثةِ-؛ لحديث أَبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ) [رواه أبوداود وابن ماجه]. ٦) السَّلامُ؛ بأن يُسلِّم تسليمةً واحدةً عن يمينه؛ لحديث أَبي هريرة ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً

стр. 273

وَاحِدَةً) [رواه ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي]. وإنِ اقتصرَ على قول: (السَّلام عليكم) أجزأه ذلك؛ لحديث الحارث الأعور قال: (صَلَّيْتُ خَلْفَ عَليٍّ ﵁ عَلَى جَنَازَةٍ فَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ حِينَ فَرَغَ: السَّلامُ عَلَيكُمْ) [رواه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف]. ٧) الترتيبُ؛ بأن يُرتِّب هذه الأركان على هذا النحو، وسيتَّضح هذا أكثر عند بيان صفة صلاة الجنازة. رابعاً: صفةُ الصلاةِ على الجَنازَةِ: صفةُ صلاةِ الجَنازةِ على النحو التالي: - أن ينوي الصلاة على هذا الميِّت، أو هؤلاء الموتى إن كانوا جماعة. - ثمّ يُكبِّر التكبيرةَ الأُولى، ويقرأ بعدها بفاتحة الكتاب. - ثمَّ يُكبِّر الثانية، ويصلِّي على النبيِّ ﷺ كما يصلِّي عليه في التشهُّد. - ثمَّ يُكبِّر الثالثة، ويدعو للميّت بنحو: «اللهُمَّ اغفر له وارحمه … »، والأفضل أن يدعو بما جاء عن النبيِّ ﷺ مثل: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ) [رواه مسلم].

стр. 274

ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين بما تيسَّر، أو بما جاء عن النبيِّ ﷺ مثل: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) [رواه أبو داود والترمذي]. - ثمَّ يُكبِّر الرَّابعة، ويقف بعدها قليلاً لا سيَّما الإمام؛ ليُكبِّر آخر الصفوف، ثمَّ يُسلِّم. وقد دلَّ على هذه الكيفيِّة لصلاةِ الجنازةِ حديثُ أبي أُمامَة بن سَهْل بن حَنيف: أنَّه أخبرهُ رَجُلٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : (أَنَّ السُّنَّةَ في الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى سِرًّا في نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجَنَازَةِ في التَّكْبِيرَاتِ لَا يَقْرَأُ في شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا في نَفْسِهِ) [رواه الشافعي]، وفي رواية عند الحاكم والبيهقي: (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ إِمَامُهُ). * تنبيهان: الأوَّل: يجوزُ لمن فاتته الصلاة على الميِّت أن يُصلِّي على قبره بعد الدفن، ما لم يمض على دفنه شهر وشيء؛ كيوم ويومين؛ لما روى ابن عبَّاس ﵁: (انْتَهَى رَسُولُ الله ﷺ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) [رواه مسلم]. فإن مضى على دفنه أكثر من ذلك فتحرمُ الصلاةُ عليه؛ لأنَّ الميِّت لا يتحقَّقُ

стр. 275

بقاؤه بعد ذلك على حاله. الثاني: المَذْهَبُ: أن يقفَ الإمامُ -عند الصلاةِ على الميِّت- عند صَدْرِ الرَّجُلِ، وعند وَسْطِ المَرأَة. والروايةُ الثانية في المَذْهَبِ: أنْ يقف عند رأس الرَّجُل، ووَسْطِ المرأة؛ لحديث أبي غالب قال: (صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ حِيالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاءُوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ! صَلِّ عَلَيهَا فَقَامَ حِيالَ وَسْطِ السَّريرِ، فَقَالَ لَهُ العَلاءُ بْنُ زِيادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الجَنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا وَمِنَ الرَّجُلِ مَقَامَكُمْ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ) [رواه أبو داود والترمذي، واللفظ له]. * * *

стр. 276

فصل في حَمْلِ الميِّت ودَفْنِهِ أوَّلاً: حكمُ حَمْلِ الميّتِ ودَفنِهِ: حملُ الميّتِ ودفنُهُ فرضُ كفايةٍ؛ لقول الله : ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس ٢١]؛ قال ابن عباس ﵄: «معناهُ: أكرمَهُ بدفنِهِ»، ولأنّ في تركِه أذًى للنّاس، وهَتْكاً لحُرمةِ الميّتِ. لكنْ يسقطُ الحملُ والدَّفنُ والتّكفينُ إذا وليَهم كافرٌ؛ لأنّه لا يُشترطُ الإسلامُ فيمَنْ يتولّى ذلك. ثانياً: آدابُ حَمْلِ الجنازةِ: ١) يُسَنُّ أن يكونَ الماشِي أمامَ الجنازةِ؛ لحديثِ ابن عمر ﵄ قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه]. ولا يكرهُ خلفَها. ويُسنُّ أن يكونَ الراكبُ خلفَ الجنازةِ؛ لحديث المغيرة بن شُعْبَة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: (الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الجَنَازَةِ، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا) [رواه التّرمذيّ]. ويُكرهُ أن يكونَ الراكبُ أمامَها؛ لحديث ثوبان ﵁ قال: (خَرَجْنَا مَعَ

стр. 277

رَسُولِ الله ﷺ في جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاساً رُكْبَاناً؛ فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إِنَّ مَلَائِكَةَ الله عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ) [رواه التّرمذيُّ، وأشار إلى ضعفه]. والقُرْبُ من الجنازةِ أفضلُ من البُعدِ عنها؛ كالقُربِ من الإمامِ في الصَّلاةِ. ٢) يُكرَهُ القيامُ للجنازةِ؛ لحديث مسعودِ بنِ الحكمِ الأنصاريّ أنّه سمع عليَّ بنَ أبِي طالبٍ ﵁ يقول فِي شأنِ الجنائزِ: (إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ) [رواه مسلم]. ٣) يُكرَهُ رفعُ الصّوتِ والصِّياحُ مع الجنازةِ وعندَ رفعِها ولو بالذِّكرِ والقرآنِ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (لَا تُتْبَعُ الجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ) [رواه أبو داود]. وعن قيس بن عباد أنّه قال: (كانَ أَصْحابُ رَسُولِ الله ﷺ يَكْرهُونَ رَفعَ الصَّوتِ عِنْدَ الجَنَائِزِ) [رواه البيهقي]. ثالثاً: أحكامُ دَفْنِ الميّتِ: ١) يجبُ أن يستقبلَ بالميّتِ القبلةَ؛ لقوله ﷺ عنِ البيتِ الحرامِ: (قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً) [رواه أبو داود والنّسائي]. ويُسَنُّ أن يكونَ على جنبِهِ الأيمنِ؛ لأنّ الميّتَ يُشبِهُ النّائمَ، والنّائمُ سُنّتُه النّومُ على جنبِهِ الأيمنِ. ٢) يُسَنُّ أن يعمّقَ القبرُ ويوسّعَ؛ لحديث هشامِ بن عامرٍ ﵁ أنّ النّبيَّ ﷺ قال لهم يوم أُحُدٍ: (احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا)، وفي رواية: (وَأَوْسِعُوا) [رواه أبو داود والترمذيُّ]. والتَّوسعةُ: هي الزّيادةُ في الطُّولِ والعَرضِ. والعمقُ: هو الزِّيادةُ في النّزولِ.

стр. 278

وليس لذلك حَدٌّ؛ لعمومِ الحديثِ، وقال الإمام أحمدُ: «يُعَمَّقُ القَبْرُ إِلَى الصَّدْرِ؛ الرَّجُلُ وَالمَرْأَةُ في ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ كَانَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرينَ يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُعَمَّقَ القَبْرُ إِلَى الصَّدْرِ». ويكفِي ما يَمنعُ السِّباعَ والرَّائحةَ؛ لأنّه يحصلُ به المقصودُ. ٣) يُسنُّ لمُدخِلِهِ القبرَ أن يقولَ: «بِسمِ الله وَعَلَى مِلّةِ رَسُولِ الله»؛ لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا وَضَعَ الَميِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: بِسْمِ الله، وبِالله، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ الله) [رواه الترمذي، وقال: «وقال مَرَّةً: وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله»]. ٤) يُسنُّ لكلِّ من حضرَ الدَّفنَ أن يَحْثُوَ التُّرابَ على الميّتِ ثلاثاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ المَيِّتِ فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا) [رواه ابن ماجه]. ثمّ يُهالُ عليهِ التُّرابُ؛ لأنّ مُواراتَه فرضٌ، وبالحثو يصيرُ ممّن شارك في المُواراةِ. ٥) يحرمُ دفنُ غيرِ الميّتِ عليهِ أو مَعَهُ في القبرِ إلاّ لضرورةٍ أو حاجةٍ؛ ككثرةِ الموتى وقلّةِ من يدفنُهم؛ لحديثِ هشامِ بنِ عامرٍ ﵁ قال: (لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ شَكَوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ القَرْحَ؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله عَلَيْنا الحَفْرُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الاثْنَينِ وَالثَّلاثَةَ في قَبْرٍ) [رواه النّسائي]. ٦) يُكرَهُ إدخالُ القبرِ خشباً إلّا لضرورةٍ، وأيَّ شيءٍ مَسَّتهُ نارٌ؛ كآجُرٍّ -تفاؤلاً أن لا يمسَّ الميّتَ نارٌ-، ودفنٌ في تابوتٍ، ولو كان الميّتُ امرأةً. قال إبراهيمُ النخعيُّ:

стр. 279

«كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الآجُرَّ، وَيَسْتَحِبُّونَ القَصَبَ وَيَكْرَهُونَ الخَشَبَ» [رواه ابن أبي شيبة]. ٧) يُكرَهُ وضعُ فِراشٍ تحتَ الميّتِ، وجعلُ مِخَدَّةٍ تحتَ رأسِهِ؛ لأنّه لم ينقلْ عن أحدٍ من السّلفِ، ولما رُوي عن ابن عباس ﵄ (أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ المَيِّتِ في القَبْرِ شَيْءٌ) [رواه الترمذيّ، وأشار البيهقي إلى ضعفه]. رابعاً: أحكامُ القَبْرِ: ١) يُسنُّ رَشُّ القبرِ بالماءِ، ووضعُ حَصًى صِغارٍ عليه؛ ليحفَظَ ترابَه؛ لحديث جعفرِ بن محمّد عن أبيه: (أنّ النّبيّ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ مَاءً، ووَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ) [رواه الشافعي بإسناد ضعيف]. ٢) يُسنُّ رفعُ القبرِ قَدْرَ شِبرٍ؛ لحديث جابر ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْواً مِنْ شِبْرٍ) [رواه ابن حبّان والبيهقيّ]. ويُكره رفعُه فوقَ شبرٍ؛ لقول النبيِّ ﷺ لعليٍّ ﵁: (لَا تَدَع تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ) [رواه مسلم]. ٣) يُكرَهُ تزويقُ القبرِ، وتجصِيصُهُ، وتبخيرُهُ؛ لحديث جابر ﵁: (نَهَى النّبيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) [رواه مسلم]، ولأنّ ذلكَ من زينةِ الدُّنيا فلا حاجةَ بالميّتِ إليهِ. ٤) يُكرهُ تقبيلُ القبرِ؛ لأنّه منَ البدعِ، وقد قال ﷺ : (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) [رواه مسلم].

стр. 280

٥) يحرمُ الطّوافُ بالقبر؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. قالت عائشةُ: يُحذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَولا ذَلِك لأُبْرِزَ قَبرُهُ؛ غَيرَ أَنَّه خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ للبخاريّ]. قال البُهُوتي في «شرح منتهى الإرادات»: «ويحرمُ الطوافُ بها؛ أي الحُجْرةُ النبويَّةُ؛ بل بغيرِ البيتِ العتيقِ اتفاقاً». ٦) يُكرهُ الاتّكاءُ على القبرِ؛ لحديثِ عمرو بن حزمٍ ﵁ قال: (رَآنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ؛ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ) [رواه أحمد والنسائي]. ٧) يُكرهُ المبيتُ عند القبرِ، والضَّحِكُ، والحديثُ فِي أمرِ الدُّنيا عنده؛ لأنّه غيرُ لَائِقٍ بالمحلِّ وحُرمتِهِ. ٨) تُكرهُ الكتابةُ على القبرِ، والجلوسُ، والبناءُ عليه؛ لحديث جابر ﵁ قال: (نَهَى النّبيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُّكْتَبَ عَلَيْها، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وأَنْ تُوطَأَ) [رواه التّرمذي]. ٩) يُكرَهُ المشيُ بالنّعلِ بين القبورِ إلّا لخوفِ شَوْكٍ ونحوِهِ ممّا يُتأذى به؛ لحديثِ بشيرِ بن الخَصَاصِية ﵁ قال: (بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ … وَحَانَتْ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ نَظْرَةٌ، فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي في الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ؛ فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ الله ﷺ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِما) [رواه أبو داود]، ولأنّ خلعَ النّعلينِ أقربُ إلى

стр. 281

الخُشوعِ، وزِيِّ أهلِ التّواضعِ، واحترامِ أمواتِ المسلمينَ. ١٠) يَحرمُ إِسْراجُ المقابرِ، والدَّفنُ بالمساجدِ، وبناءُ المساجدِ على القبورِ؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ ﵄: (لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي وضعّفه ابنُ حجرٍ وغيرُه]، ولحديثِ عائشةَ ﵂ السّابق: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) [رواه البخاري ومسلم]، ولأنّ في إسراجها تضييعاً للمالِ في غيرِ فائدةٍ، وتعظيماً لها يُشبه تعظيمَ الأصنامِ. ١١) يحرمُ الدّفنُ في مُلكِ الغيرِ ما لمْ يأذنْ مالكُهُ، ويُنبَشُ من دُفنَ فيهِ، والأَوْلَى تركُهُ. والدَّفنُ بالصحراءِ أفضلُ من الدّفنِ بالعُمرانِ؛ لما ثبتَ بالاستقراء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدْفِنُ أَصْحابَهُ ﵃ بِالبَقيعِ، ولم تزلِ الصحابةُ والتّابعونَ ومَنْ بعدَهُم يُقبِرونَ في الصَّحارِي. خامساً: حكمُ مَنْ ماتتْ وفي بطنِها جَنينٌ: إنْ ماتتِ امرأةٌ حاملٌ وفي بطنِها جنينٌ تُرجى حياتُهُ حَرُمَ شَقُّ بطنِها من أجلِهِ؛ لأنّ فيه هَتكاً لحُرمةٍ مُتيَقّنةٍ لإبقاءِ حياةٍ مُتوَهّمةٍ؛ إذ الغالبُ أنّ الولدَ لا يعيشُ، وقد قال ﷺ : (كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ) [رواه أبو داود وابن ماجه]. ولكن تسطو عليه القوابل فيُدخِلن أيديهنَّ في فرجها فيُخرجْنَه من بطنها. فإن تعذَّر على النساءِ القوابلِ إخراجُ الجنينِ تُركَ حتَّى يموت، ولا يُشقُّ

стр. 282

بطنها. ولا يُسلّط عليها الرِّجال؛ لما فيه من هَتْك حُرمتها. والذي تُرجى حياتُه: هو الذي تمَّ له ستَّة أشهرٍ، وكان يتحرَّك حركةً قويَّةً، وانتفخت المخارج. - وفي المذهب احتمال بجواز شقٍّ بطن من ماتت وفي بطنها جنين يغلب على الظنِّ أن يحيا. قال ابنُ قُدامةَ في «المغني»: «ويُحتمَلُ أن يُشقَّ بطنُ الأمِّ إنْ غلبَ على الظّنِّ أنّ الجنينَ يحيا. وهو مذهبُ الشّافعيّ؛ لأنّه إتلافُ جزءٍ من الميّتِ لإبقاءِ حيٍّ؛ فجاز كما لو خرج بعضُهُ حيًّا ولم يُمكنْ خروجُ بقيّتِهِ إلَّا بشقٍّ، ولأنّه يُشقُّ لإخراجِ المالِ منه؛ فلإبقاءِ الحيِّ أَوْلَى». - وإن خرجَ بعض الحَمْل حيًّا شُقَّ بطن الحامل لخروج الباقي؛ لأنَّه حصل اليقين بخروجه حيًّا بعد أن كان موهوماً. سادساً: حكمُ أخذِ الأجرةِ على أعمالِ الجنازةِ: يُكرَهُ أخذُ الأجرةِ على غَسلِ الميت، إلَّا أن يكون المغسِّل محتاجاً؛ فيُعطى من بيت المال، فإن تعذَّر أُعطيَ بقَدْر عمله. كما يكره أخذ الأجرة على صلاة، وتكفين، وحملٍ ودفنٍ؛ لأنّها أعمال قُربَةٍ؛ وأخذُ الأجرةِ عليها يُذهبِ بالأجر. * * *

стр. 283

فصل في أحكامِ التَّعزية أوَّلاً: تعريفُ التَّعزيةِ: التّعزيةُ: تسليةُ أهلِ الميّتِ، وحثُّهم على الصّبرِ بوعدِ الأجرِ، والدُّعاءِ للميّتِ المسلمِ والمصابِ. ثانياً: حكمُ التّعزيةِ: تُسنُّ تعزيةُ المسلمِ المصابِ بميّتٍ؛ لحديثِ عمرو بن حزمٍ ﵁ مرفوعاً: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [رواه ابن ماجه]. وتشرعُ قبل الدّفنِ وبعده. ثالثاً: مدّةُ التّعزيةِ: تمتدُّ التّعزيةُ ثلاثةَ أيّامٍ بليالِيهنّ؛ لإذنِ الشّارعِ في الإحدادِ إلى ثلاثٍ؛ بقوله ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [رواه البخاري ومسلم]. وتكرهُ بعدها إلا لغائبٍ؛ حتّى لا يتجدَّدَ له الحُزنُ. رابعاً: ما يُقالُ في التّعزيةِ: يُقالُ للمسلمِ المُصابِ بميّتٍ في التّعزيةِ: «أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ،

стр. 284

وَغَفَرَ لِمَيّتِكَ»، ولا يتعيّنُ ذلك؛ بل إن شاءَ قالَهُ، وإن شاءَ قالَ غيرَه؛ إذ الغرضُ الدُّعاءُ للمصابِ وميِّتِهِ. ويقولُ المُصابُ: «اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَكَ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ»؛ فقد ردَّ به الإمامُ أحمدُ ﵀. خامساً: البُكاءُ والنَّدبُ والنِّياحةُ على الميّتِ: ١) لا بأسَ بالبُكاءِ على الميّتِ قبلَ الموتِ وبعدَهُ؛ بلا ندبٍ، ولا نياحةٍ؛ لقوله ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ) [رواه البخاري ومسلم]. ٢) يَحرمُ النَّدبُ، وهو: البُكاءُ مع تَعدادِ مَحاسنِ الميّتِ. والنِّياحةُ، وهي: رفعُ الصّوتِ بذلكَ برَنّةٍ؛ لحديثِ أمّ عطيّة ﵂ قالت: (لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة ١٣]؛ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ) [رواه مسلم]؛ فسمّاهُ معصيةً. وعنها ﵂ قالت: (أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ للبخاريّ]. ٣) يَحرمُ شَقُّ الثّوبِ، ولَطمُ الخدِّ، ونَتفُ الشَّعرِ، ونَشْرُهُ، وحَلْقُهُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي موسى ﵁ قال: (أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ) [رواه البخاري ومسلم]. والصَّالقةُ: بالصّادِ وفيها لغةٌ بالسّين، أي: الّتي ترفعُ صوتَها عند المصيبةِ،

стр. 285

وقيل: الّتي تضربُ وَجْهَها. والحالقةُ: الّتي تحلِقُ شعرَها. والشَّاقّةُ: الّتي تَشُقُّ ثوبَها. سادساً: زيارةُ القُبورِ: ١) تُسَنُّ زيارةُ القبورِ للرِّجالِ؛ لحديث سُليمان بن بُرَيدَة عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : (قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَقَدْ أُذِنَ لمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ؛ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ) [رواه التّرمذي، وأصلُه في صحيح مسلم]. ٢) تُكرَهُ زِيارةُ القُبُورِ للنِّساءِ؛ لأنّ المرأةَ قليلةُ الصّبرِ، كثيرةُ الجزعِ، وفي زيارتِها للقبورِ تهييجٌ للحزنِ، وتجديدٌ لذكرِ مصابِها؛ فلا يؤمنُ أن يفضيَ بها ذلك إلى فعلِ ما لا يحلُّ؛ بخلافِ الرّجلِ. وإنْ مرَّتِ المرأةُ بقبرٍ فِي طريقِها فسلّمتْ عليهِ، ودعتْ لهُ فحسنٌ؛ لأنّها لمْ تخرجْ لذلك. ٣) يُسَنُّ لمنْ زارَ القبورَ أو مرَّ بها أن يقولَ: «السَّلامُ عَلَيكُمْ دَارَ قَومٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنا وَلَكُمُ العَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنا وَلَهُمْ»؛ لمجموعِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلك عنِ النّبيِّ ﷺ من روايةِ أبي هريرةَ وعائشة وبريدةَ ﵃. [رواها أحمدُ ومسلمٌ وغيرُهما]. * * *
следующие страницы →