← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الخُشوعِ، وزِيِّ أهلِ التّواضعِ، واحترامِ أمواتِ المسلمينَ. ١٠) يَحرمُ إِسْراجُ المقابرِ، والدَّفنُ بالمساجدِ، وبناءُ المساجدِ على القبورِ؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ ﵄: (لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي وضعّفه ابنُ حجرٍ وغيرُه]، ولحديثِ عائشةَ ﵂ السّابق: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) [رواه البخاري ومسلم]، ولأنّ في إسراجها تضييعاً للمالِ في غيرِ فائدةٍ، وتعظيماً لها يُشبه تعظيمَ الأصنامِ. ١١) يحرمُ الدّفنُ في مُلكِ الغيرِ ما لمْ يأذنْ مالكُهُ، ويُنبَشُ من دُفنَ فيهِ، والأَوْلَى تركُهُ. والدَّفنُ بالصحراءِ أفضلُ من الدّفنِ بالعُمرانِ؛ لما ثبتَ بالاستقراء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدْفِنُ أَصْحابَهُ ﵃ بِالبَقيعِ، ولم تزلِ الصحابةُ والتّابعونَ ومَنْ بعدَهُم يُقبِرونَ في الصَّحارِي. خامساً: حكمُ مَنْ ماتتْ وفي بطنِها جَنينٌ: إنْ ماتتِ امرأةٌ حاملٌ وفي بطنِها جنينٌ تُرجى حياتُهُ حَرُمَ شَقُّ بطنِها من أجلِهِ؛ لأنّ فيه هَتكاً لحُرمةٍ مُتيَقّنةٍ لإبقاءِ حياةٍ مُتوَهّمةٍ؛ إذ الغالبُ أنّ الولدَ لا يعيشُ، وقد قال ﷺ : (كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ) [رواه أبو داود وابن ماجه]. ولكن تسطو عليه القوابل فيُدخِلن أيديهنَّ في فرجها فيُخرجْنَه من بطنها. فإن تعذَّر على النساءِ القوابلِ إخراجُ الجنينِ تُركَ حتَّى يموت، ولا يُشقُّ

стр. 282

بطنها. ولا يُسلّط عليها الرِّجال؛ لما فيه من هَتْك حُرمتها. والذي تُرجى حياتُه: هو الذي تمَّ له ستَّة أشهرٍ، وكان يتحرَّك حركةً قويَّةً، وانتفخت المخارج. - وفي المذهب احتمال بجواز شقٍّ بطن من ماتت وفي بطنها جنين يغلب على الظنِّ أن يحيا. قال ابنُ قُدامةَ في «المغني»: «ويُحتمَلُ أن يُشقَّ بطنُ الأمِّ إنْ غلبَ على الظّنِّ أنّ الجنينَ يحيا. وهو مذهبُ الشّافعيّ؛ لأنّه إتلافُ جزءٍ من الميّتِ لإبقاءِ حيٍّ؛ فجاز كما لو خرج بعضُهُ حيًّا ولم يُمكنْ خروجُ بقيّتِهِ إلَّا بشقٍّ، ولأنّه يُشقُّ لإخراجِ المالِ منه؛ فلإبقاءِ الحيِّ أَوْلَى». - وإن خرجَ بعض الحَمْل حيًّا شُقَّ بطن الحامل لخروج الباقي؛ لأنَّه حصل اليقين بخروجه حيًّا بعد أن كان موهوماً. سادساً: حكمُ أخذِ الأجرةِ على أعمالِ الجنازةِ: يُكرَهُ أخذُ الأجرةِ على غَسلِ الميت، إلَّا أن يكون المغسِّل محتاجاً؛ فيُعطى من بيت المال، فإن تعذَّر أُعطيَ بقَدْر عمله. كما يكره أخذ الأجرة على صلاة، وتكفين، وحملٍ ودفنٍ؛ لأنّها أعمال قُربَةٍ؛ وأخذُ الأجرةِ عليها يُذهبِ بالأجر. * * *

стр. 283

فصل في أحكامِ التَّعزية أوَّلاً: تعريفُ التَّعزيةِ: التّعزيةُ: تسليةُ أهلِ الميّتِ، وحثُّهم على الصّبرِ بوعدِ الأجرِ، والدُّعاءِ للميّتِ المسلمِ والمصابِ. ثانياً: حكمُ التّعزيةِ: تُسنُّ تعزيةُ المسلمِ المصابِ بميّتٍ؛ لحديثِ عمرو بن حزمٍ ﵁ مرفوعاً: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [رواه ابن ماجه]. وتشرعُ قبل الدّفنِ وبعده. ثالثاً: مدّةُ التّعزيةِ: تمتدُّ التّعزيةُ ثلاثةَ أيّامٍ بليالِيهنّ؛ لإذنِ الشّارعِ في الإحدادِ إلى ثلاثٍ؛ بقوله ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [رواه البخاري ومسلم]. وتكرهُ بعدها إلا لغائبٍ؛ حتّى لا يتجدَّدَ له الحُزنُ. رابعاً: ما يُقالُ في التّعزيةِ: يُقالُ للمسلمِ المُصابِ بميّتٍ في التّعزيةِ: «أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ،

стр. 284

وَغَفَرَ لِمَيّتِكَ»، ولا يتعيّنُ ذلك؛ بل إن شاءَ قالَهُ، وإن شاءَ قالَ غيرَه؛ إذ الغرضُ الدُّعاءُ للمصابِ وميِّتِهِ. ويقولُ المُصابُ: «اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَكَ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ»؛ فقد ردَّ به الإمامُ أحمدُ ﵀. خامساً: البُكاءُ والنَّدبُ والنِّياحةُ على الميّتِ: ١) لا بأسَ بالبُكاءِ على الميّتِ قبلَ الموتِ وبعدَهُ؛ بلا ندبٍ، ولا نياحةٍ؛ لقوله ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ) [رواه البخاري ومسلم]. ٢) يَحرمُ النَّدبُ، وهو: البُكاءُ مع تَعدادِ مَحاسنِ الميّتِ. والنِّياحةُ، وهي: رفعُ الصّوتِ بذلكَ برَنّةٍ؛ لحديثِ أمّ عطيّة ﵂ قالت: (لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة ١٣]؛ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ) [رواه مسلم]؛ فسمّاهُ معصيةً. وعنها ﵂ قالت: (أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ للبخاريّ]. ٣) يَحرمُ شَقُّ الثّوبِ، ولَطمُ الخدِّ، ونَتفُ الشَّعرِ، ونَشْرُهُ، وحَلْقُهُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي موسى ﵁ قال: (أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ) [رواه البخاري ومسلم]. والصَّالقةُ: بالصّادِ وفيها لغةٌ بالسّين، أي: الّتي ترفعُ صوتَها عند المصيبةِ،

стр. 285

وقيل: الّتي تضربُ وَجْهَها. والحالقةُ: الّتي تحلِقُ شعرَها. والشَّاقّةُ: الّتي تَشُقُّ ثوبَها. سادساً: زيارةُ القُبورِ: ١) تُسَنُّ زيارةُ القبورِ للرِّجالِ؛ لحديث سُليمان بن بُرَيدَة عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : (قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَقَدْ أُذِنَ لمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ؛ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ) [رواه التّرمذي، وأصلُه في صحيح مسلم]. ٢) تُكرَهُ زِيارةُ القُبُورِ للنِّساءِ؛ لأنّ المرأةَ قليلةُ الصّبرِ، كثيرةُ الجزعِ، وفي زيارتِها للقبورِ تهييجٌ للحزنِ، وتجديدٌ لذكرِ مصابِها؛ فلا يؤمنُ أن يفضيَ بها ذلك إلى فعلِ ما لا يحلُّ؛ بخلافِ الرّجلِ. وإنْ مرَّتِ المرأةُ بقبرٍ فِي طريقِها فسلّمتْ عليهِ، ودعتْ لهُ فحسنٌ؛ لأنّها لمْ تخرجْ لذلك. ٣) يُسَنُّ لمنْ زارَ القبورَ أو مرَّ بها أن يقولَ: «السَّلامُ عَلَيكُمْ دَارَ قَومٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنا وَلَكُمُ العَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنا وَلَهُمْ»؛ لمجموعِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلك عنِ النّبيِّ ﷺ من روايةِ أبي هريرةَ وعائشة وبريدةَ ﵃. [رواها أحمدُ ومسلمٌ وغيرُهما]. * * *

стр. 286

أحكامُ السَّلام على الحيِّ وتشميت العاطس أوَّلاً: السَّلامُ: ابتداءُ السّلامِ على الحيِّ المسلمِ قبلَ كلِّ كلامٍ سُنّةٌ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) [رواه مسلم]. ورَدُّهُ فرضُ كفايةٍ على الجماعةِ المسلَّمِ عليهم؛ فإنْ كان واحداً كانَ فرضَ عينٍ عليه؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]. ولحديث علي ﵁ مرفوعاً: (يُجْزِئُ عَنِ الجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) [رواه أبو داود]. ورفعُ الصّوتِ بالرَّدِّ واجبٌ قدرَ الإبلاغِ، وتُزادُ الواوُ في ردِّ السّلامِ وُجوباً. ثانياً: تشميتُ العاطسِ: تشميتُ العاطسِ المسلمِ إذا حَمِدَ اللهَ -بأن يُقالَ لهُ: «يَرحمُكَ اللهُ»، أو: «يَرحمكُمُ اللهُ» -: فرضُ كفايةٍ، وردُّ العاطسِ على من شمَّتَهُ -بأن يقولَ: «يَهديكُمُ اللهُ، ويُصلحُ بالَكُمْ» -: فرضُ عينٍ؛ لحديثِ أبِي هريرةَ ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لله، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُك الله، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) [رواه البخاري].

стр. 287

ويُكرَهُ أن يشمِّتَ من لم يحمدِ اللهَ؛ لحديث أبي موسى ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ) [رواه مسلم]. والتّشميتُ إلى ثلاثٍ، وفي الرّابعةِ يُدعى له بالعافيةِ؛ لقوله ﷺ : (يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثاً؛ فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ) [رواه ابنُ ماجه]. ولا يشمّتُ للرّابعةِ إلّا إذا لمْ يكنْ شمّتَهُ قبلها ثلاثاً؛ إذ العبرةُ بفعلِ التّشميتِ، لا بعددِ العَطْساتِ. * * *

стр. 288

كتاب الزكاة أوَّلاً: تعريفُ الزَّكاةِ: الزَّكاةُ في اللغة: النَّماءُ والزيادةُ والتَّطهيرُ. وسُمِّيَ المالُ المُخْرَجُ زكاةً؛ لأنَّه يزيدُ في المُخرَج منه بالبركةِ، ويَقيهِ من الآفاتِ، ويُطَهِّرُ صاحبَه بالمغفرةِ. وفي الاصطلاح: حقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ. ثانياً: حكمُ الزَّكاةِ: الزكاةُ أحدُ أركانِ الإسلامِ، وفرضٌ من فرائضِهِ العِظامِ، وهي واجبةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالحَجُّ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ) [رواه البخاري ومسلم]. ثالثاً: حكمُ مانعِ الزكاةِ: - يَحرمُ على من وَجَبَتْ عليه الزكاةُ الامتناعُ عن أدائِها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ

стр. 289

فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ … ) الحديث [رواه مسلم]. - ومنِ امتنعَ عن أدائها بُخْلاً أو تَهاوناً وجبَ على وَليِّ الأَمْر أخذُها منه عُنْوَةً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا [رواه أبو داود]. وعلى وليِّ الأمر أن يعاقبه ويعزِّره لارتكابه أمراً مُحرَّماً. - فإن كانوا جماعة ولهم مَنَعَةٌ وقُوَّةٌ، قاتَلَهُم الإمامُ حتَّى يُؤدُّوها؛ لأنَّ أبا بكرٍ ﵁ قاتَلَ مانِعِي الزكاةِ وقالَ: (وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) [رواه البخاري ومسلم]. - ومن جَحَدَ وجوبَ الزكاةِ وهو عالمٌ بوجوبِها فقد كَفَرَ وارتدَّ عن الإسلامِ، ولو أَخْرَجَها؛ لتكذيبه لله ولرسوله ﷺ وإجماع الأُمَّة، ويجبُ استتابَتُهُ؛ فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ. رابعاً: الأموالُ التي تجبُ فيها الزَّكاةُ: تجبُ الزكاةُ في خمسةِ أصنافٍ من المالٍ، وهي: ١) بَهيمةُ الأنعامِ: وهي الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ. ٢) الخارجُ من الأرضِ: وهي الزُّروعُ والثِّمارُ. ٣) الأثمانُ: وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ. ٤) عُروضُ التِّجارةِ: وهي السِّلَعُ والبضائِعُ التي أُعِدَّت للتِّجارَةِ. وسيأتي بيان أحكامِها مفصَّلةً فيما يأتي.

стр. 290

خامساً: شروطُ وجوبِ الزكاةِ: لا تجبُ الزكاةُ إلَّا عندَ تحقُّقِ شروطِها الخمسة، وهي: الشرطُ الأوَّل: الإسلامُ؛ فيشترط في المُزكِّي أن يكون مسلماً، ولا تصحُّ من الكافر الأصليِّ أو المرتدِّ؛ لحديث معاذ ﵁ حينما أرسله النبيُّ ﷺ إلى اليمن فقال له: (إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ … ) [رواه البخاري ومسلم]. فلم يأمرْهُم بالزكاة قبل أن يكونوا مسلمين. الشرطُ الثاني: الحُرِّيِّة؛ فلا تصحُّ من العَبْدِ الرَّقيقِ ولو كان مُكاتَباً؛ لما روي عن جابر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَيْسَ في مَالِ المُكاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يُعْتَقَ) [رواه الدارقطني، بإسناد ضعيف]، ولأنَّ ما يملكه من المال هو مِلْكٌ لسيِّده؛ فتجبُ زكاةُ مالِهِ على سيِّده. - أمَّا العبد المُبعَّضُ -وهو الذي أُعتِقَ بعضُه- فتجبُ الزكاةُ في القَدْر الذي يملِكُه باعتبار جُزئِه الحُرِّ. الشرطُ الثالثُ: مِلْكُ النِّصابِ؛ فلا تجب الزكاة فيما دون النِّصابِ، وهو مقدارُ المالِ الذي لا تجبُ الزكاةُ في أقلّ منه، وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال الزكويَّة، وسيأتي مفصَّلاً عند الحديث عنها.

стр. 291

الشرطُ الرَّابعُ: المِلْكُ التامُّ للمالِ؛ بأن يكون له التَّصرُّفُ فيه على حسب اختياره، وفوائدُه عائدةٌ عليه، ولا يتعلَّق به حقُّ غيره. الشرطُ الخامسُ: تمامُ الحَوْلِ؛ وهو إتمام السَّنةِ الهجريَّة. وهذا في غير الزُّروعِ والثِّمارِ؛ لحديث عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ولَيْسَ في مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيهِ الحَوْلُ) [رواه أبو داود]. - واحتسابُ الحَوْلِ يبدأُ عند اكتمالِ النِّصابِ ووجودِه من أوَّل الحَوْل إلى تمامِه؛ لحديث عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْها الحَوْلُ؛ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيءٌ-يَعْنِي: في الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِيناراً، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ؛ فَفِيهَا نِصْفُ دَينَارٍ) [رواه أبو داود]. فإن نقصَ النِّصابُ في أثناء الحَوْلِ، بسببِ بيعٍ أو هِبةٍ أو سَدادِ دَيْنٍ، انقطعَ الحَوْلُ، ولم تجب الزكاة فيما بقي. فإنْ عادَ إليه المالُ واستكملَ النِّصابَ استأنفَ حَوْلاً جديداً، ما لم يكن قد أنقصَ النصابَ حِيلَةً لإسقاطِ الزكاةِ؛ فلا يستأنفُ وإنَّما يبني على ما سبقَ. - أمَّا الزُّروعُ والثمارُ فتجبُ الزكاةُ فيها بحَصادِها؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١]. - ولا يُؤثِّر في تمامِ الحَوْلِ نُقصانُه نصفَ يومٍ ونحوه؛ لأنَّه يسيرٌ.

стр. 292

سادساً: زكاةُ مالِ الصغيرِ والمجنونِ: لا يُشترطُ في وجوبِ الزكاةِ كونُ المُكلَّف بالغاً أو عاقلاً؛ فتجبُ الزكاةُ في مالِ الصغيرِ والمجنونِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (أَلا مَنْ وَلِيَ يَتِيماً لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ) [رواه الترمذي، وضعفه]؛ وعن عمر ﵁ قال: (ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ اليَتَامَى، لا تَأَكُلْهَا الصَّدَقَةُ) [رواه ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي]. سابعاً: الدَّيْن وأثره في الزكاة: - إذا كان الدَّينُ ينقص النصاب، فإنه لا تجب الزكاة، سواء أكانت الأموال ظاهرة؛ كالمواشي، والحبوب، والثمار، وعروض التجارة، أم كانت باطنة؛ كالنَّقْدَيْن؛ لما روي عن السائب قال: سمعت عثمان ﵁ يقول: (هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْها الزَّكَاةَ) [رواه مالك]. - من كان له دَينٌ على مِليءٍ أو غير مَليءٍ، فتجبُ زكاتُه، إلَّا أنَّه لا يلزمُه إخراجُ زكاتِهِ حتَّى يقبِضَهُ، ويُزكِّيهِ لما مَضَى من السِّنينَ؛ لأنَّ الزكاةَ تجبُ على طريق المواساةِ، وليس من المواساةِ أن يُخرِجَ زكاةَ مالٍ لا ينتفعُ به. - ومن ماتَ قبلَ أن يُزكِّي مالَهُ الذي وجبت فيه الزكاةُ، أُخِذَتْ من تَرِكَتِهِ قبلَ تقسيمِها بين الوَرَثَةِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) [رواه البخاري ومسلم]. ثامناً: زكاةُ المالِ المكتسبِ أثناءَ الحَوْلِ: من استفادَ مالاً من جنسِ أموالِ الزكاةِ ممَّا يُعتبَرُ له الحَوْل؛ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ،

стр. 293

وبَهيمَةِ الأنعامِ، وعُروضِ التِّجارَةِ، فلا يخلو من أحوال: الأوَّل: أن يكونَ المالُ المكتَسَبُ ليس له سواهُ وقد بَلَغَ نِصاباً؛ فيكونُ حَوْلُهُ من حين تملَّكَه. الثاني: أن يكونَ المالُ المكتسبُ يملكُ غيرَه ومن نفسِ جِنْسِهِ، فبلغَ المالُ نِصاباً باجتماع المالَيْنِ معاً؛ فيكونُ حَوْلُه من حينِ اكتمالِ النِّصابِ. الثالث: أن يكونَ المالُ الذي عندَه بَلَغَ نِصاباً، واستفاد مالاً إضافيًّا أثناءَ الحَوْلِ، فهذا على ثلاثةِ أحوالٍ: ١) أن يكونَ المالُ المستفادُ من نَماءِ الأصلِ؛ كربحِ التِّجارَةِ، ونتاجِ السَّائِمَةِ، فيُضّمُّ المالُ المستفادُ إلى أصلِه ويُزكَّى زكاةَ مالٍ واحدٍ؛ لقول عمرَ ﵁ لساعِيه: (اعْتَدْ عَلَيهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ) [رواه الشافعي، وإسناده ضعيف]. ٢) أن يكونَ المالُ المستفادُ من غير جنسِ النصابِ؛ فهذا لا يُضَمُّ إلى الأصلِ، وإنَّما يُحسَبُ له حَوْلٌ جديدٌ منذ مَلَكَه إن كان بَلَغَ نِصَاباً. ٣) أن يكونَ المالُ المستفادُ من جِنْسِ النِّصابِ، ولكن استفادَهُ بسببٍ مُستَقِلٍّ عن الأصلِ؛ كالميراثِ، أو الهِبَةِ؛ فيُحسَبُ له حَوْلٌ جديدٌ من حيث تملَّكَه، ولا يُزكَّى مع النِّصابِ الذي عندَهُ؛ لقول ابن عمر ﵄: (مَنِ اسْتَفادَ مَالاً فَلا زَكَاةَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيهِ الحَوْلُ) [رواه الترمذي]. * * *

стр. 294

باب زكاة السائمَةِ أوَّلاً: تعريفُ السَّائِمَةِ: السَّائِمَةُ: مأخوذةٌ من السَّوْمِ؛ وهو الرَّعْي. فالسَّائِمَةُ هي الماشيةُ من الإبلِ، أو البَقَرِ، أو الغَنَمِ التي تُرْسَلُ فتَرْعَى بنفسِها، ولا تُعْلَفُ في أكثر أيَّامِ السَّنَةِ. وتسمَّى أيضاً: بهيمة الأنعام؛ لأنَّها لا تتكلَّم. ثانياً: شروطُ الزكاةِ في بهيمةِ الأنعامِ: ١) أن تُتَّخذ للدَّرِّ والنَّسل والتَّسمين، لا للعمل؛ لحديث عَليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (وَلَيْسَ عَلَى العَوَامِلِ شَيْءٌ) [رواه أبو داود]، وعن جابر ﵁ قال: (لا يُؤْخَذُ مِنَ الْبَقر الَّتي يُحْرَثُ عَلَيْهَا مِنَ الزَّكَاة شَيْءٌ) [رواه الدارقطني والبيهقي]. ٢) أن تَسُومَ وتَرْعَى أكثر السَّنةِ؛ لحديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه مرفوعاً: (في كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ في كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ) [رواه أحمد وأبو داود]، وعن أبي بكرٍ ﵁ مرفوعاً: (وَفِي الغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةُ … ) [رواه البخاري]. ٣) أن تبلغَ نِصَاباً؛ فلا تجب الزكاة في أقلّ من النِّصابِ الذي قرَّره الشرع، وهو يختلف باختلاف نوع السَّائِمَة، على النحو الآتي:

стр. 295

النوع الأوَّل: الإبِلُ: لا تجبُ الزكاة في الإبلِ إذا كانت أقلّ من خمس، فالإبلُ من واحد إلى أربعة لا زكاة فيها، فإن زادت عن الأربع فتجبُ فيها الزكاة حسب الجدول التالي: عدد الإبل مقدار الزكاة الواجبة مقدار السن ٥ - ٩ شاة واحدة - ١٠ - ١٤ شاتان - ١٥ - ١٩ ثلاث شياه - ٢٠ - ٢٤ أربع شياه - ٢٥ - ٣٥ بنت مخاض لها سنة واحدة ٣٦ - ٤٥ بنت لبون لها سنتان ٤٦ - ٦٠ حِقَّة لها ثلاث سنوات ٦١ - ٧٥ جَذَعَة لها أربع سنوات ٧٦ - ٩٠ بنتا لبون - ٩١ - ١٢٠ حِقَّتان - ١٢١ - ١٢٩ ثلاث بنات لبون - فإذا بلغت الإبلُ مائة وثلاثين فأكثر، ففي كلِّ أربعين بنتُ لبون، وفي كلِّ خمسين حِقَّة؛ على النحو التالي:

стр. 296

عدد الإبل مقدار الزكاة الواجبة ١٣٠ - ١٣٩ حِقَّة وبنتا لبون ١٤٠ - ١٤٩ حقتان وبنت لبون ١٥٠ - ١٥٩ ثلاث حِقاق ١٦٠ - ١٦٩ أربع بنات لبون والدليل على نِصَابِ الإبلِ ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ في فريضة الصَّدَقة: ( … فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا … ) [رواه البخاري].

стр. 297

النوع الثاني: البَقَرُ: لا تجبُ الزكاةُ في البَقَرِ الأَهْلِيِّ أو الوَحْشِيِّ أو الجاموس إذا كان أقل من ثلاثين؛ فإذا بلغت ثلاثين فأكثر ففيها الزكاة على النحو التالي: عدد البقر … مقدار الزكاة الواجبة … مقدار السن ٣٠ - ٣٩ … تَبيع … ما له سنة واحدة ٤٠ - ٥٩ … مُسنَّة … ما لها سنتان ٦٠ - ٦٩ … تَبيعان … - فإذا بلغت الأبقار سبعين فأكثر؛ ففي كل ثلاثين: تَبِيع، وفي كل أربعين: مُسنَّة. عدد البقر … مقدار الزكاة الواجبة ٧٠ - ٧٩ … تَبيع ومُسِنَّة ٨٠ - ٨٩ … مُسِنَّتان ٩٠ - ٩٩ … ثلاثة أَتْبِعَة ١٠٠ - ١٠٩ … تَبيعان ومُسِنَّة ١١٠ - ١١٩ … تَبيع ومُسِنَّتان ١٢٠ - ١٢٩ … أربعة أَتْبِعَة أو ثلاث مُسِنَّات

стр. 298

ودليل نِصابِ البَقَرِ ما جاء في حديث معاذ ﵁ قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَعَثَنِي إِلَى اليَمَنِ أَنْ لا آخُذَ مِنَ البَقَرِ شَيئاً حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلاثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ تَابِعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واللفظ للنسائي]. * * *

стр. 299

النوع الثالث: الغَنَمُ (الضَّأْنُ والمَعِزُ): - لا تجبُ الزكاة في الغَنَمِ سواء كانت أهليَّة أو وحشيَّة إذا كانت أقلّ من أربعين، فإذا بلغت أربعين فأكثر ففيها الزكاة على النحو التالي: عدد الغنم … مقدار الزكاة الواجبة … مقدار السن ٤٠ - ١٢٠ … شاة … لها سنة واحدة أو جذعة من الضأن لها ستة أشهر ١٢١ - ٢٠٠ … شاتان ثمَّ بعد المائتين في كلِّ مائة من الغَنَم شَاةٌ، على النحو التالي: عدد الغنم … مقدار الزكاة الواجبة ٢٠١ - ٣٩٩ … ثلاث شياه ٤٠٠ - ٤٩٩ … أربع شياه ٥٠٠ - ٥٩٩ … خمس شياه ٦٠٠ - ٦٩٩ … ست شياه ٧٠٠ - ٧٩٩ … سبع شياه

стр. 300

ودليل هذا التَّقسيم في الغَنَم، حديث أنس ﵁ -السابق-: (وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِين وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا … ) [رواه البخاري].

стр. 301

فصل في خُلْطَة الماشِيَة أوَّلاً: معنى الخُلْطَة وحُكمُها: الخُلْطَة - بضم الخاء-: الشَّرِكَة، وهي أن يشتركَ اثنانِ أو أكثرُ من أهل الزكاةِ في النِّصَاب؛ بحيث يكون مجموعُ ما يملكانِه من الماشية يبلغُ نِصاباً، فيكونُ مالُهُما كمالِ الرَّجُل الواحدِ من حيث وجوبُ الزكاة فيه؛ لحديث أنس ﵁: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَريضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) [رواه البخاري]. ولا يختلف حُكمُ الخُلْطَة بين كونها خُلْطَة أعيان؛ بأن يكون المال نصيباً مشاعاً بينهما، أو خُلْطَة أوصاف بأن يكون مالُ كلِّ واحدٍ منهما مميَّزاً فَخَلَطَاه واشتركا فيه. كما لا يختلفُ حكمُ الخُلْطَة بين كون نصيب كلِّ واحد منهما متساوياً أو متفاوتاً. ثانياً: شروطُ وجوبِ الزكاةِ في المال المُخْتَلِط: يُشتَرَطُ في وجوب الزكاة في المال المُخْتَلِط خُلْطَة أوصاف ما يلي: ١) اشتراكه في خمسة أوصاف وهي: المَبِيتُ والمَسْرَحُ والمَحْلَبُ والفَحْلُ والمَرْعَى؛ لأنَّ تميُّزَ كلِّ مالٍ بشيء من هذه الأمور لا يجعلهما كالمال الواحد في المُؤْنَة، وقد

стр. 302

رُوي عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا يُفَرَّقُ بَينَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَينَ مُفَرَّقٍ، وَالخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَ في الحَوْضِ وَالرَّاعِي وَالفَحْلِ) [رواه الدارقطني، بإسناد ضعيف]. فالتنصيص على هذه الثلاثة تنبيه على سائرها. أ - المَبِيتُ: وهو المَراحُ الذي تَروحُ إليه الماشية. ب- المَسرَح: وهو ما تجتمع فيه الماشية لتذهبَ إلى المَرْعَى. ج- المَحْلَب: وهو الموضع الذي تُحْلَبُ فيه الماشية؛ فيُشتَرَطُ أن يكون مكاناً واحداً، وليس المقصود خَلْطَ اللَّبَن في إناء واحد. د - الفَحْل: وهو أن لا يكون فُحُولَةُ أحدِ المالين لا تَطْرُق غَيرَهُ. هـ- المَرْعَى: وهو موضعُ الرَّعي ووقتُه، كما يشترط اشتراكهما في الرَّاعي؛ فلا يكون لكلِّ مالٍ راعٍ ينفردُ برعايته دون الآخر. ٢) أن يكون الشريكان من أهل الزكاة؛ فإن كان أحدهما ذِمِّيًّا أو مُكاتَباً لم يعتد بخُلْطَتِه. ٣) أن يكون الاختلاط في جميع الحَوْلِ؛ فإن ثبت لهما حكمُ الانفراد في بعض الحَوْلِ زكَّيَا زكاةَ المنفردَيْن؛ لأنَّه مالٌ ثبت له حكم الانفراد؛ فكانت زكاتُه زكاةَ المنفرد. - لا تُشتَرَطُ النيَّة لصحَّة الخُلْطَة في المالَيْن؛ لأنَّ المقصودَ من الخُلْطَة هو الارتفاق وتخفيف المُؤْنَة، وهذا يحصل بدون النيَّة؛ فلم يُعتَبَر وجودها، كعدم اشتراطها في نيَّة السَّوْم في السائمة، ونيَّة السَّقي في الزروع والثمار.

стр. 303

ثالثاً: أثرُ الخُلْطَةِ في الزكاة: للخُلْطَة أثرٌ في الزكاة؛ إمَّا تغليظاً أو تخفيفاً: - فصورةُ التغليظِ: أن يكون للخَليطَيْن أربعون شاة، لكلٍّ منهما عشرون، فيلزمهما شاة واحدة حال اجتماعهما، في حين أنَّه لا يجب عليهما شيء حال تفرُّقهما. - وصورة التخفيف: أن يكون ثلاثة خُلَطَاء اشتركوا في مائة وعشرين شاة، لكلِّ واحد منهما أربعون، فيلزمهم مجتمعين شاة واحدة، في حين أنَّه يجب على كلٍّ منهم شاة واحدة حال تفرُّقهم. رابعاً: زكاةُ المالِ المُتَفَرِّقِ: - لا أثرَ لتفريقِ المالِ أو خُلْطَتِهِ إن كان من النَّقْدَيْن، أو الزروع والثمار، أو عروض التِّجارة؛ فلا يُضَمُّ إلى بعضِه البعض في الزكاة، وإنَّما يُزكَّى كلُّ مالٍ على حسبه في جميع الأحوال؛ سواء اشتركوا فيه أم لم يشتركوا؛ وذلك لأنَّ هذه الأموال إنَّما تجبُ فيها الزكاة فيما زاد على النِّصَابِ بحِسابِه؛ فلا أثرَ لجَمْعِها، بخلاف الماشية التي تقلُّ تارةً وتكثرُ أُخرَى، والخُلْطَةُ فيها تؤثِّر في النفع والضَّرر. - أمَّا السَّائِمَة فيختلفُ حُكْمُها بالنَّظَرِ إلى المسافة بين المَوْضِعَيْن اللَّذَيْنِ يوجد فيهما المال؛ فإذا كان للرَّجلِ سائمةٌ في مَحَلَّيْنِ بينهما مسافة قَصْر؛ فيُزكَّى كُلُّ مالٍ وحده. وإن كان المال في مَحَلَّيْنِ لا يَقْصُر بينهما الصلاةَ؛ فحُكمُهما حُكمُ المال المجتمع؛ يُزكِّيه كالمال المُخْتَلِط بلا خلاف.

стр. 304

مِثالُه: إذا كان لرَجُلٍ شِياهٌ في ثلاثة مواضعَ متباعدةٍ بينها مسافة تُقْصَر فيها الصلاة، وفي كلِّ مَحَلٍّ أربعون شاةً، فعليه ثلاثُ شِياهٍ؛ لكلِّ موضعٍ شَاةٌ. وإن كان في كلِّ موضعٍ أقلّ من أربعين؛ فلا شيء عليه. أمَّا إذا كانت المواضعُ غيرَ متباعدةٍ، فتُعامَلُ معاملةَ المالِ المُخْتَلِطِ؛ فيلزمُه زكاةُ مجموعِها. * * *

стр. 305

باب زكاة الخارجِ من الأرضِ أوَّلاً: زكاةُ الحبوبِ والثِّمارِ: تجبُ الزكاةُ في كلِّ حَبٍّ وثَمَرٍ يُكالُ (أي: يُقدَّر بالكَيْل وهو الصَّاع)، ويُدَّخَر (أي: ييبس ويبقى مدَّة طويلة لينتفع به). فالحبّ: القمح، والشعير، والأرز، والذرة، والحمص، والعدس، وبزر القطن، والكتّان، وحبّ البطيخ، وغير ذلك من الحبوب التي تُكال وتُدَّخر. والثمر: كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق، وغير ذلك ممَّا يُكال ويُدَّخر؛ وذلك لعموم قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧]، ولقول النبيِّ ﷺ : (فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) [رواه البخاري]. والعَثَرِيُّ: هو الذي يَشربُ بِعُرُوقِهِ من غيرِ سَقْي. - وإنَّما وَجَبَتِ الزكاةُ في الَحبِّ والثمر دون غيرهما ممَّا تُخرِجُه الأرض؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) [رواه مسلم]. فدلَّ هذا بمفهومه على وجوب الزكاة في الحبّ والثمر، وانتفائها عن غيرهما. - واشتُرط في الحبّ والثمر أن يكون ممَّا يُكال ويُدّخر. أمَّا الكيل: فلقول النبيِّ ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) [رواه البخاري

стр. 306

ومسلم]. فدلَّ ذلك على اعتبار التوسيق، وهو الكَيْل، فما لم يكن مكيلاً من الحبوب أو الثمار؛ فإنَّه لا زكاة فيه. وأمَّا الادّخار: فلأنَّ غير المدَّخر لا يُتمكّن من الانتفاع به في المآل؛ ولذا لا تجب فيه زكاة. ثانياً: زكاةُ الفواكه والخضروات: لا تجب الزكاةُ في الفواكه ولا في الخضروات؛ كالعنب، والتين، والمشمش، والتفاح، والرمّان، والكمثرى، والخوخ، والموز، والخيار، والجزر، والباذنجان، وغير ذلك من سائر الفواكه والخضروات؛ لعدم توافر الأوصاف السابقة فيها، ولأثر موسى بن طلحة عن معاذ ﵁: (أَنَّهُ لَما قَدِمَ اليَمَنَ لَم يَأْخُذِ الزَّكَاةَ إِلاَّ مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) [رواه ابن أبي شيبة]. ثالثاً: ما يُشتَرط في زكاة الحبِّ والثمر: يشترطُ في زكاة الحبِّ والثمر -ممَّا يُكال ويُدَّخر- شرطان: الشرط الأوَّل: أن يبلغ النِّصَاب: ومقدار النِّصَاب -بعد تصفية الحبِّ وجفاف الثمر-: خمسة أَوْسُق؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) [رواه البخاري ومسلم]. والوَسْق: يساوي ستّين صاعاً نبويًّا إجماعاً. فعلى ذلك يكون النصاب: ثلاثمائة صاعٍ نبويٍّ، والصَّاع يساوي: أربع حَفْنات بحَفْنة الرجل الوسط، وبالكيلوات

стр. 307

الحديثة يساوي: (٢.٠٤٠) كيلوين وأربعين جراماً تقريباً من القمح الجيّد. فعلى ذلك يكون النصاب بالكيلو جرام: ستمائة واثني عشر كيلو تقريباً من القمح الجيّد. وهذا التقدير للنصاب على الأحوط، وإلَّا فهناك خلاف بين الفقهاء المعاصرين في مقدار الصَّاع بالكيلو جرام. أمَّا غير القمح من الحبوب والثمار: فيمكن تقدير النِّصَاب فيها بالكيلوات الحديثة أيضاً، وذلك بأن تُملأ كفَّان بكفيّ الرَّجُل الوسط أربع مرَّات من الحَبِّ أو الثمر الذي تريد أن تُقَدِّره، ثمَّ تَزِنُه بالكيلو جرام، ثمَّ تضرب الناتج في ثلاثمائة، ويكون الناتج هو النصاب الخاصُّ بهذا النوع من الحبِّ، أو بذاك النوع من الثمر. فمثلاً: لو قلنا أربع حَفْنات من الأرز تساوي كيلوين ونصف، فتُحسَب على النحو التالي: (٥‚٢× ٣٠٠ = ٧٥٠ كيلو جرام)؛ فيكون النِّصَابُ في الأرز: سبعمائة وخمسين كيلو جرام تقريباً، وهكذا في باقي الحبوب والثمار. الشرط الثاني: أن يكون مَالِكاً للنِّصَاب وقت وجوبها: ووقت الوجوب: هو بُدُوّ صلاح الثمر، واشتداد الحبّ في الزرع، فإذا اشتدَّ الحبُّ وأصبح قويًّا صَلْباً، وظهر صَلاحُ الثمر، وذلك بأن تَحْمَرّ أو تَصْفَرّ ثمار النخيل مثلاً، فإنَّ الزكاةَ تُصبحُ واجبة؛ لحديث عائشة ﵂ أَنَّها قالت -وَهِىَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ-: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَيَخْرِصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ) [رواه أبو داود بإسناد ضعيف]. ولأنَّ

стр. 308

الحبَّ حين يشتدّ، والثمر حين يظهر صلاحه، يقصدان حينئذٍ للأكل والاقتيات. وخَرْص النَّخْل معناه: أن يُقدِّر ما على النخيل من الثمار؛ وذلك حتّى تُحْصَى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتُفَرَّق. * * *

стр. 309

فصل في مسائلَ تتعلَّق بزكاةِ الخارجِ من الأرضِ أوَّلاً: المقدارُ الواجبُ إخراجُه في زكاةِ الزروعِ والثمارِ: يجبُ إخراج العُشْر إذا كان الزرع أو الشجر يُسْقَى بلا كلفة؛ كأن يُسقَى من مياه الأمطار، أو الأنهار، أو العيون، أو كان يَشربُ بعُروقِه، أمَّا إذا كان يُسْقى بكلفة؛ كأن يُسقَى بالآلات ونحوها ممَّا فيه كلفة فيجبُ فيه نصفُ العُشْر؛ للحديث السابق: (فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) [رواه البخاري]. والنَّضْح: ما سُقِيَ بالسَّواقي. ثانياً: وقتُ إخراجِ زكاةِ الزروعِ والثمارِ: تقدَّم أنَّ وقت وجوب الزكاة هو: اشتداد الحبِّ، وظهور صلاح الثمر، فإذا اشتدَّ الحبُّ، وظهر صلاح الثمر فقد وجبت الزكاة، لكنَّها لا تستقرُّ في ذمَّة صاحب الحبِّ أو الثمر إلَّا إذا وضعها في البَيْدَر: وهو الموضع الذي تُجمَع فيه الثمار والحبوب. أمَّا الحبوب: فلتصفيتها، وإزالة القِشْر عنها. وأمَّا الثمار: فلتجفيفها لتذهب عنها الرُّطوبة، فتكون جافَّة. فلا يستقرُّ الوجوب في ذمَّته إلَّا إذا جعلها في البَيْدر؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١]، وعلى ذلك فلو تَلِفَت بعدَ بدوِّ الصلاح واشتداد الحبِّ، وقبل جعلها في البَيْدر، فإنَّها تسقط عنه؛ لأنَّها في حكم ما لم تثبت اليدُ عليه، ما لم يكن ذلك بتَعَدٍّ منه أو تفريط، فإنَّها لا تسقط عنه. وإذا جعلها في البَيْدَر فإنَّها تجب عليه، حتَّى لو تلفت بغير تَعَدٍّ ولا تفريط؛ لأنَّه قد استقرَّ الوجوب في ذمَّته فصارت دَيْناً عليه. يقول صاحب «الروض المربع»: «وإذا اشتدَّ الحبُّ، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة؛ لأنَّه يقصدُ للأَكل والاقتيات كاليابس، فلو باع الحبَّ أو الثمرة، أو تلفا بتعدِّيه بعدُ، لم تسقط، وإن قطعهما أو باعهما قَبْلَه فلا زكاة إن لم يقصد الفرار منها. ولا يستقرُّ الوجوب إلَّا بجَعْلِها في البَيْدَر ونحوه، وهو موضع تَشْميسها وتَيْبيسها؛ لأنَّه قبل ذلك في حُكْمِ ما لم تثبت اليدُ

стр. 310

عليه، فإن تلفت الحبوب أو الثمار قَبْلَه؛ أي قبل جَعْلِها في البَيْدَر بغير تَعَدٍّ منه ولا تفريط، سقطت؛ لأنَّها لم تستقر». - إذا صُفِّي الحبُّ من قِشْرِه وتِبْنِه، وجَفّ الثمر ويَبس بحيث أصبح الرُّطَبُ تمراً، والعِنَبُ زَبيباً؛ فحينئذٍ يجب إخراج الزكاة؛ لأنَّه أوان الكمال وحال الادّخار، ولحديث عتَّاب بن أَسِيدٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَه أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد ضعيف]. ولا يُسمَّى العِنَبُ زَبيباً، ولا الرُّطَبُ تمراً إلَّا إذا يَبِسا، وَقِيس باقي الحبوب والثمار عليهما. فلو خالف المُزَكِّي وأخرج الزكاة من الحبِّ قبل تصفيته، أو من الثمر قبل جفافه ويُبْسِه؛ لم يجزئه عن الزكاة الواجبة، ويكون ما أخرجه صدقة. - يُسَنُّ للإمام أن يبعثَ من يَخْرُص (يُقدِّر) ثمار النخيل والكَرْم (شجر العِنَب) فقط دون غيرهما، وذلك إذا ظهر صَلاحُها؛ حتَّى يعرف قَدْر الزكاة، ويعرف

стр. 311

المالك ذلك أيضاً. ويكفي خارصٌ واحد، بشرط أن يكون مسلماً أميناً خبيراً؛ لأنَّه صحَّ عنه ﷺ أَنَّهُ خَرَصَ حَدِيقَةً لامْرَأَةٍ بِمَكَانٍ يُقَالَ لَهُ وَادِي القُرَى. [والحديث بتمامه رواه البخاري ومسلم]. وأجرةُ الخارصِ تكون على صاحب الثمر؛ لأنَّ الخارصَ يعمل في مال صاحب الثمر عملاً مأذوناً فيه. - يجبُ على الخارصِ أن يترك لربِّ المال الثُّلث أو الرُّبع؛ فيجتهد في أيِّهما يترك، وذلك بحسب المصلحة؛ لما روى سَهْل بن أبي حَثْمةَ ﵁ قال: (أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: إِذَا خَرَصْتُمْ، فَجُذُّوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا، أَوْ تَجُذُّوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبْعَ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو ضعيف]. ولأنَّ في تركه الثلث أو الربع توسعة على ربِّ المال؛ لما قد يحتاجه من الأكل، وإطعام أهله وضيوفه وجيرانه، وما يأكل منها المارَّة، وما ينتابه الطير، وما يسقط من الثمر. - يجبُ على الإمام أن يبعثَ السُّعَاة قُرْبَ زمن وجوب الزكاة؛ وذلك لقبض زكاة المال الظاهر؛ كالماشية والزرع والثمر؛ لفعله ﷺ ؛ فقد صحَّ عنه أنَّه كان يبعثُ السعاة لقبض الزكاة؛ كما في بعثه عُمَرَ ﵁ لقبض الزكاة، وكما في بعثه معاذاً ﵁ إلى أهل اليمن. [رواهما البخاري ومسلم]، واسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ -رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ- عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ. [رواه البخاري ومسلم]، وغير ذلك كثير، ولأنَّ في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، وفيهم من يبخل؛ فوجب أن يبعث الإمام من يأخذ الزكاة.

стр. 312

ثالثاً: زكاةُ العَسَل: تجبُ الزكاة في العَسَل إذا بلغ نصاباً؛ لحديث عَمْرو بن شُعَيْب عَنْ أَبِيه عَنْ جَدِّه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنَ الْعَسَل الْعُشْرَ) [رواه ابن ماجه]. ونِصَاب العَسَل: عشرة أَفْرَاق؛ لما يُروى عن عمرَ ﵁ (أَنَّهُ أَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَسَأَلُوهُ وَادِياً، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ فِيهِ نَحْلاً كَثِيراً. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكُمْ في كُلَّ عَشَرَةِ أفْرَاقٍ فَرَقاً) [رواه عبد الرزاق بإسناد ضعيف، واحتج به الإمام أحمد]. والفَرَق بفتح الراء يساوي: ثلاثة آصع (جمع صاع)؛ فيكون مجموع العشرة أفْرَاق يساوي: ثلاثين صاعاً، فإذا كان عنده هذا المقدار وجب عليه أن يخرج العُشْر؛ للحديث السابق. رابعاً: زكاةُ الرِّكازِ: ١) تعريفُ الرِّكازِ: الرِّكاز هو: ما وُجد من دفن الجاهلية، ومعنى الجاهلية: أي ما قبل الإسلام. فما يوجد مدفوناً في الأرض من الكنوز إن وجد فيه علامات الكفار: من كتابة أسمائهم، أو صورهم، أو صور ملوكهم، أو يكون عليها تاريخ ما قبل الإسلام، وما أشبه ذلك؛ فهو الركاز. أما إن وُجدت فيه علامات المسلمين، أو كان في البلاد الإسلامية وليس فيه علامة؛ فليس بركاز، وإنما هو لُقَطَة.

стр. 313

٢) حُكمُ زكاةِ الرِّكازِ: تجبُ الزكاةُ في الرِّكازِ -قليله وكثيره-؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَفِي الرِّكَازِ الخُمْسُ) [رواه البخاري ومسلم]. فلا يُشتَرَط فيه النِّصَاب؛ لعموم الحديث، ولا يُشتَرَط فيه كذلك مرور الحَوْل؛ بل بمجرَّد إخراجه من الأرض يجب إخراج زكاته. ٣) المقدارُ الواجبُ إخراجُه من الرِّكازِ: يجب في زكاة الرِّكازِ إخراج الخُمْس؛ للحديث السابق. ٤) مَصْرِفُ خُمْس الرِّكازِ: يُصْرَفُ خُمْس الرِّكاز كما يُصْرَفُ خُمْسُ الغَنيمَة؛ أي في مصالح المسلمين: من بناءٍ للمساجد، وإقامةٍ للطُّرُق والجسور، وتأليفٍ لقلوب بعض أعيان المسلمين، ونحو ذلك ممَّا يكون فيه مصلحة، فليس مصرفُه مصرفُ الزكاة؛ لأنَّه مَالُ كافرٍ أُخِذَ في الإسلام؛ فأشبه الغَنيمَة، ولما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ: (أنَّ رَجُلاً وَجَدَ أَلْفَ دِينارٍ مَدْفُونَةً خَارِجاً مِنْ المَدِينَةِ، فَأَتَى بها عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْها الخُمْسَ مَائَتِي دِينارٍ، وَدَفَعَ إِلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ المَائَتَينِ بَينَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ أَفْضَلَ مِنْها فَضْلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنانِيرِ؟ فَقَامَ إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنانِيرَ فَهِيَ لَكَ) [رواه أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناد ضعيف]. فلو كان مصرفه مصرف الزكاة لخَصَّ به عمر ﵁ أهل الزكاة، ولم يردّه على واجده. * * *

стр. 314

باب زكاةُ الأثمانِ أوَّلاً: تعريفُ الأثمانِ: المرادُ بالأثمانِ: الذّهبُ والفضّةُ اللّذانِ تُقوّمُ بهما الأشياءُ. ثانياً: القدرُ الواجبُ فيهما: القدرُ الواجبُ في الذّهبِ والفضّةِ رُبعُ العشرِ؛ إذا بلغتْ نصاباً؛ لحديث عائشة وابن عمر ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَاراً فَصَاعِداً نِصْفَ دينارٍ) [رواه ابن ماجه]، ولحديثِ أنسٍ ﵁ مرفوعاً: (وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ) [رواه البخاري]. والرِّقّة: الفضّةُ الخالصةُ؛ سواءٌ كانت مضروبةً، أو غيرَ مضروبةً. ثالثاً: نصابُ الذّهبِ: نصابُ الذّهبِ بالمثاقيلِ عشرونَ مثقالاً؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ مرفوعاً: (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ) [رواه أبو عبيد والدارقطني، واللفظ لأبي عبيد]. والمثقالُ في الأصلِ: مقدارٌ من الوزنِ، وقدّرُه المعاصرون بتقديراتٍ متقاربةٍ؛ أرجحُها أنّه يعادلُ (٢٥‚٤) غراماً (١)؛ فيكونُ نصابُ الذّهبِ (٨٥) غراماً من

стр. 315

الذّهبِ الخالصِ. رابعاً: نِصَابُ الفِضّةِ: نصابُ الفضّةِ: مائتا درهمٍ إسلاميّة؛ لحديثِ عمرو بن شعيبٍ السّابقِ، ولقوله ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ) [رواه مسلم]. والورِقُ: الفضّةُ. والأوقيةُ: أربعُونَ درهماً. والدِّرهمُ قدَّره المعاصرُون بتقديراتٍ متقاربةٍ؛ أرجحُها أنّه (٩٧٥‚٢) غراماً؛ فيكون نصابُ الفضّةِ (٥٩٥) غراماً (١) من الفضّةِ الخالصةِ. خامساً: ضَمُّ الأثمانِ لتَكْميلِ النِّصَابِ: يُضمُّ الذَّهبُ إلى الفضّةِ في تكميلِ النِّصابِ؛ لأنّ نفعَهما واحدٌ، والمقصودَ منهما متّحدٌ؛ فإنّهما أثمانُ الأشياءِ وقِيَمُها. فعلى هذا: إذا ملك نقداً من الذهب، ونقداً من الفضة، وكان كلُّ واحد منهما لا يبلغُ نصاباً، وبمجموعِهما يبلغانِ النِّصابَ؛ فإنّ الزكاةَ تجبُ عليهِ. ويُخرجُ الزّكاةَ من أيِّهما شاءَ؛ فمنْ وجبتْ عليه زكاةُ عشرينَ مثقالاً من الذّهبِ أجزأَ إخراجُ قيمةِ ربعِ عشرِها من الفضّةِ، ومنْ وجبتْ عليه مائتي درهمٍ من الفضّةِ أجزأَ إخراجُ قيمةِ ربعِ عشرِها من الذّهبِ.

стр. 316

سادساً: زكاةُ الحُلِيّ: لا زكاةَ في حُلِيٍّ مباحٍ مُعدٍّ لاستعمالٍ أو إعارةٍ؛ لأثرِ جابر ﵁: (لَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ) [رواه ابنُ أبي شيبة، ورُوي مرفوعاً ولا يصحّ]. وقال الإمام أحمد ﵀: «خمسةٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقولون: ليس في الحُلِيّ زكاةٌ؛ زكاتُه إعارتُه؛ وهم: أنسٌ، وجابرٌ، وابنُ عمر، وعائشةُ، وأسماءُ أختُها»؛ وذلك لأنّه معدولٌ به عن جهةِ الاسْتِرباحِ إلى الاستعمالِ المباحِ؛ فأشبه ثيابَ البذلةِ، والبقرَ العواملَ. وتجبُ الزّكاةُ في الحليِّ المحرّمِ؛ كآنيةِ الذّهبِ والفضّةِ؛ لأنّ الأصلَ وجوبُ الزكاةِ في الذّهبِ والفضّةِ، والصِّناعةُ لَّما كانتْ لمحرَّمٍ جُعلتْ كالعدمِ، ولم تصلحْ لإخراجِه عن أصلِهِ. وتجبُ الزّكاةُ كذلك في الحليِّ المباحِ المعدِّ للتّأجير أو النّفقةِ؛ إذا بلغ وزنُه نصاباً؛ لأنّ سببَ سقوطِ الزّكاةِ فيما اتُّخِذَ لاستعمالٍ أو إعارةٍ هو خروجُه عن جهةِ النّماءِ؛ فيبقى ما عداهُ على الأصلِ. وتُخرجُ زكاةُ الحليِّ المعدِّ للتّأجيرِ أو للنّفقةِ منْ قيمتِهِ إنْ زادتْ عنْ وزنِهِ (١)؛ لأنّ ذلك أحظُّ للفقراءِ. * * *

стр. 317

فصل في حِلية الرِّجال والنِّساء أوَّلاً: حِليةُ الرِّجالِ: يُباحُ للذّكرِ الخاتمُ منَ الفِضّةِ؛ ولو زادَ على مثقالٍ -وهو يساوي (٤.٢٥) غراماً-؛ لأنّ النّبيّ ﷺ (اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ) [رواه البخاري ومسلم]. وجعلُ الخاتَمِ بخِنصرِ اليدِ اليُسرى أفضلُ من خِنصرِ اليُمنى؛ لحديث أنس ﵁ قال: (كَانَ خَاتِمُ النَّبِيِّ ﷺ فيِ هَذِهِ؛ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى) [رواه مسلم]، وقد ضعّف الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ وغيرِه حديثَ التّختُّمِ باليُمنى. ويُكرَهُ لبسُه في السَّبابةِ والوُسطى؛ لحديث عليّ ﵁ قال: (نَهَانِي نَبِيُّ الله ﷺ عَنْ الخَاتَمِ فِي السَّبَّابَةِ أَوْ الْوُسْطَى) [رواه النّسائي]. ويُباحُ للذَّكَرِ قَبيعةُ السَّيفِ ولوْ مِنْ ذهبٍ؛ لحديثِ أبي أمامةَ بن سهلٍ ﵁ قال: (كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ فِضَّةٍ) [رواه النّسائي]، والقَبيعةُ: ما يجعلُ على طرفِ القبضةِ. وذكر الإمامُ أحمد-﵀: «أنّ عمرَ بنَ الخطابِ كان له سيفٌ فيهِ سَبائكُ من ذهبٍ، وعثمانَ بنَ حنيفٍ كان في سيفِه مسمارٌ من ذهبٍ». ويُباحُ له حِليةُ المِنْطقَةِ -وهي: الحزامُ الّذي يُشدُّ على الوسَطُ-؛ لأنّ الصحابة ﵃ اتّخَذُوا المَناطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ.

стр. 318

ويباحُ له حِلْيةُ الجَوْشَنِ -وهو الدِّرعُ-، والخُوذَةِ -وهي: المِغفرُ لوِقايةِ الرّأسِ- قياساً على المِنطَقةِ. ولا تُباحُ حِلْيةُ الرِّكابِ واللِّجامِ والدَّواةِ ونحوِها؛ بل تحرمُ كالآنيةِ. ثانياً: حِليةُ النِّساءِ: يُباحُ للنِّساءِ ما جَرَتْ عادتُهنَّ بلُبسِه؛ كالخاتمِ، والقِلادةِ، والسِّوارِ، والقُرطِ، والخلخالِ، وما أشبه ذلك؛ قلَّ أو كثُرَ؛ ولو زادَ عن ألفِ مثقالٍ؛ لعمومِ قولِه ﷺ : (حُرِّمَ لِبَاسُ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ) [رواه التِّرمذيُّ]، ولعدمِ وُرودِ الشّرعِ بتحديدِهِ. ثالثاً: ما يشتركُ فيه الرِّجالُ والنِّساء: يُباحُ للرّجلِ والمرأةِ التَّحلِّي بالجوهرِ، والياقوتِ، والزَّبَرْجَدِ؛ لعدمِ النّهيِ عنه شرعاً. ويُكرهُ تختُّمُ الرّجلِ والمرأةِ بالحديدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ؛ قال الإمامُ أحمدُ: «أكرهُ خاتمَ الحديدِ؛ لأنّه حِلْيةُ أهلِ النّارِ»، وقد روى عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه: (أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحابِهِ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَلْقَاهُ، وَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ؛ فَقَالَ: هَذَا شَرٌّ؛ هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ؛ فَأَلْقَاهُ، فَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ؛ فَسَكَتَ عَنْهُ) [رواه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»].

стр. 319

رابعاً: حُكمُ تحليةِ المسجِدِ: تحرمُ تحليةُ المسجدِ بذهبٍ أو فضّةٍ؛ لأنّه سَرَفٌ، وتجبُ إزالتُه كسائرِ المنكراتِ؛ إلا إذا استُهلِك فلمْ يجتمعْ منه شيءٌ؛ فلا تجبْ إزالتُهُ؛ لعدمِ الفائدةِ فِيها، وقد رُويَ أنّه لمّا وَليَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ الخِلافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا في مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ منَ الذَّهَبِ؛ فَقِيلَ: إِنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مِنهُ شَيءٌ فَتَرَكَهُ. [ذكره ابن قدامة في المغني]. * * *

стр. 320

باب زكاةُ العُروض أوَّلاً: تعريفُ العُروضِ: العُروض هي: ما يُعَدُّ للبيعِ والشِّراءِ لأجلِ الرِّبحِ؛ من المتاعِ، والعقاراتِ، وأنواع الحيوانِ، وغيرِ ذلك. ثانياً: حكمُ زكاتِها: تجبُ الزّكاةُ فيِ عروضِ التِّجارةِ؛ إذا بلغتْ قيمتُها نِصاباً؛ لحديثِ سمرةَ بنِ جُندُبٍ ﵁ قال: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) [رواه أبو داود، وضعّفه الذّهبيُّ وابنُ حجرٍ]. وحكى الإمامُ ابنُ المنذرِ إجماعَ العلماءِ على وجوبِ الزّكاةِ فيها؛ فقال في «الإجماع»: «وأجمعُوا على أنّ في العُروضِ الّتي تُدارُ للتِّجارةِ الزّكاةُ؛ إذا حالَ عليها الحولُ». ثالثاً: كيف تُزَكَّى العُروضُ؟ تُقوَّمُ العروضُ إذا حالَ عليها الحولُ بالأحظِّ للمساكينِ من ذهبٍ أو فضةٍ، ولا يعتبرُ ما اشْتُريَتْ بهِ؛ فلو كانتْ قيمتُها تبلغُ نصاباً بأحدِ النّقدينِ دونَ الآخرِ؛ فإنّها تُقوَّمُ بما تبلغُ به نصاباً. واستُدلّ على تقوِيمها بما رواهُ عبدُ الله بن أبي سَلَمة: أنّ أبا عَمرو بن حِماسٍ أخبرهُ: أنّ أباهُ حِماساً كانَ يبيعُ الأَدَمَ والجِعابَ، وأنّ عمرَ ﵁ قالَ لهُ:
следующие страницы →