سادساً: زكاةُ الحُلِيّ:
لا زكاةَ في حُلِيٍّ مباحٍ مُعدٍّ لاستعمالٍ أو إعارةٍ؛ لأثرِ جابر ﵁:
(لَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ) [رواه ابنُ أبي شيبة، ورُوي مرفوعاً ولا يصحّ]. وقال الإمام أحمد ﵀:
«خمسةٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقولون: ليس في الحُلِيّ زكاةٌ؛ زكاتُه إعارتُه؛ وهم: أنسٌ، وجابرٌ، وابنُ عمر، وعائشةُ، وأسماءُ أختُها»؛ وذلك لأنّه معدولٌ به عن جهةِ الاسْتِرباحِ إلى الاستعمالِ المباحِ؛ فأشبه ثيابَ البذلةِ، والبقرَ العواملَ.
وتجبُ الزّكاةُ في الحليِّ المحرّمِ؛ كآنيةِ الذّهبِ والفضّةِ؛ لأنّ الأصلَ وجوبُ الزكاةِ في الذّهبِ والفضّةِ، والصِّناعةُ لَّما كانتْ لمحرَّمٍ جُعلتْ كالعدمِ، ولم تصلحْ لإخراجِه عن أصلِهِ.
وتجبُ الزّكاةُ كذلك في الحليِّ المباحِ المعدِّ للتّأجير أو النّفقةِ؛ إذا بلغ وزنُه نصاباً؛ لأنّ سببَ سقوطِ الزّكاةِ فيما اتُّخِذَ لاستعمالٍ أو إعارةٍ هو خروجُه عن جهةِ النّماءِ؛ فيبقى ما عداهُ على الأصلِ.
وتُخرجُ زكاةُ الحليِّ المعدِّ للتّأجيرِ أو للنّفقةِ منْ قيمتِهِ إنْ زادتْ عنْ وزنِهِ (١)؛ لأنّ ذلك أحظُّ للفقراءِ.
* * *
стр. 317
فصل في حِلية الرِّجال والنِّساء
أوَّلاً: حِليةُ الرِّجالِ:
يُباحُ للذّكرِ الخاتمُ منَ الفِضّةِ؛ ولو زادَ على مثقالٍ -وهو يساوي (٤.٢٥) غراماً-؛ لأنّ النّبيّ ﷺ (اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ) [رواه البخاري ومسلم].
وجعلُ الخاتَمِ بخِنصرِ اليدِ اليُسرى أفضلُ من خِنصرِ اليُمنى؛ لحديث أنس ﵁ قال: (كَانَ خَاتِمُ النَّبِيِّ ﷺ فيِ هَذِهِ؛ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى) [رواه مسلم]، وقد ضعّف الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ وغيرِه حديثَ التّختُّمِ باليُمنى.
ويُكرَهُ لبسُه في السَّبابةِ والوُسطى؛ لحديث عليّ ﵁ قال: (نَهَانِي نَبِيُّ الله ﷺ عَنْ الخَاتَمِ فِي السَّبَّابَةِ أَوْ الْوُسْطَى) [رواه النّسائي].
ويُباحُ للذَّكَرِ قَبيعةُ السَّيفِ ولوْ مِنْ ذهبٍ؛ لحديثِ أبي أمامةَ بن سهلٍ ﵁ قال: (كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ فِضَّةٍ) [رواه النّسائي]، والقَبيعةُ: ما يجعلُ على طرفِ القبضةِ. وذكر الإمامُ أحمد-﵀: «أنّ عمرَ بنَ الخطابِ كان له سيفٌ فيهِ سَبائكُ من ذهبٍ، وعثمانَ بنَ حنيفٍ كان في سيفِه مسمارٌ من ذهبٍ».
ويُباحُ له حِليةُ المِنْطقَةِ -وهي: الحزامُ الّذي يُشدُّ على الوسَطُ-؛ لأنّ الصحابة ﵃ اتّخَذُوا المَناطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ.
стр. 318
ويباحُ له حِلْيةُ الجَوْشَنِ -وهو الدِّرعُ-، والخُوذَةِ -وهي: المِغفرُ لوِقايةِ الرّأسِ- قياساً على المِنطَقةِ.
ولا تُباحُ حِلْيةُ الرِّكابِ واللِّجامِ والدَّواةِ ونحوِها؛ بل تحرمُ كالآنيةِ.
ثانياً: حِليةُ النِّساءِ:
يُباحُ للنِّساءِ ما جَرَتْ عادتُهنَّ بلُبسِه؛ كالخاتمِ، والقِلادةِ، والسِّوارِ، والقُرطِ، والخلخالِ، وما أشبه ذلك؛ قلَّ أو كثُرَ؛ ولو زادَ عن ألفِ مثقالٍ؛ لعمومِ قولِه ﷺ : (حُرِّمَ لِبَاسُ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ) [رواه التِّرمذيُّ]، ولعدمِ وُرودِ الشّرعِ بتحديدِهِ.
ثالثاً: ما يشتركُ فيه الرِّجالُ والنِّساء:
يُباحُ للرّجلِ والمرأةِ التَّحلِّي بالجوهرِ، والياقوتِ، والزَّبَرْجَدِ؛ لعدمِ النّهيِ عنه شرعاً.
ويُكرهُ تختُّمُ الرّجلِ والمرأةِ بالحديدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ؛ قال الإمامُ أحمدُ: «أكرهُ خاتمَ الحديدِ؛ لأنّه حِلْيةُ أهلِ النّارِ»، وقد روى عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه: (أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحابِهِ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَلْقَاهُ، وَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ؛ فَقَالَ: هَذَا شَرٌّ؛ هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ؛ فَأَلْقَاهُ، فَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ؛ فَسَكَتَ عَنْهُ) [رواه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»].
стр. 319
رابعاً: حُكمُ تحليةِ المسجِدِ:
تحرمُ تحليةُ المسجدِ بذهبٍ أو فضّةٍ؛ لأنّه سَرَفٌ، وتجبُ إزالتُه كسائرِ المنكراتِ؛ إلا إذا استُهلِك فلمْ يجتمعْ منه شيءٌ؛ فلا تجبْ إزالتُهُ؛ لعدمِ الفائدةِ فِيها، وقد رُويَ أنّه لمّا وَليَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ الخِلافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا في مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ منَ الذَّهَبِ؛ فَقِيلَ: إِنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مِنهُ شَيءٌ فَتَرَكَهُ. [ذكره ابن قدامة في المغني].
* * *
стр. 320
باب زكاةُ العُروض
أوَّلاً: تعريفُ العُروضِ:
العُروض هي: ما يُعَدُّ للبيعِ والشِّراءِ لأجلِ الرِّبحِ؛ من المتاعِ، والعقاراتِ، وأنواع الحيوانِ، وغيرِ ذلك.
ثانياً: حكمُ زكاتِها:
تجبُ الزّكاةُ فيِ عروضِ التِّجارةِ؛ إذا بلغتْ قيمتُها نِصاباً؛ لحديثِ سمرةَ بنِ جُندُبٍ ﵁ قال: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) [رواه أبو داود، وضعّفه الذّهبيُّ وابنُ حجرٍ]. وحكى الإمامُ ابنُ المنذرِ إجماعَ العلماءِ على وجوبِ الزّكاةِ فيها؛ فقال في «الإجماع»: «وأجمعُوا على أنّ في العُروضِ الّتي تُدارُ للتِّجارةِ الزّكاةُ؛ إذا حالَ عليها الحولُ».
ثالثاً: كيف تُزَكَّى العُروضُ؟
تُقوَّمُ العروضُ إذا حالَ عليها الحولُ بالأحظِّ للمساكينِ من ذهبٍ أو فضةٍ، ولا يعتبرُ ما اشْتُريَتْ بهِ؛ فلو كانتْ قيمتُها تبلغُ نصاباً بأحدِ النّقدينِ دونَ الآخرِ؛ فإنّها تُقوَّمُ بما تبلغُ به نصاباً.
واستُدلّ على تقوِيمها بما رواهُ عبدُ الله بن أبي سَلَمة: أنّ أبا عَمرو بن حِماسٍ أخبرهُ: أنّ أباهُ حِماساً كانَ يبيعُ الأَدَمَ والجِعابَ، وأنّ عمرَ ﵁ قالَ لهُ:
стр. 321
(يا حِماسُ أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فَقَالَ: وَالله مَا لِي مَالٌ إِنَّما أَبِيعُ الأَدَمَ وَالجِعَابَ. فَقَالَ: قَوِّمْهُ وَأَدِّ زَكَاتَهُ) [رواه ابن أبي شيبة]. والأَدَمُ: جمعُ أَدِيم؛ وهو الجلدُ المدبوغُ. والجِعابُ: جمعُ جُعْبة؛ وهي: وعاءُ السِّهام والنِّبالِ.
ويُحسَبُ أولُ الحَوْلِ منْ حينِ بلوغِ القيمةِ نصاباً؛ فإذا بلغتِ القيمةُ نصاباً: وجبَ رُبعُ العشرِ؛ وإلا فلا زكاةَ فيها.
والنِّصَابُ مطلوبٌ في جميعِ الحَوْلِ؛ فلو نقصتْ قيمةُ النِّصَابِ في بعضِ الحَوْلِ؛ ثمّ زادتْ القيمةُ فبلغتْ النِّصابَ: ابتُدئ حينئذ حَوْلٌ جديدٌ؛ كسائرِ أموالِ الزّكاةِ.
ومن العُروضِ: أموالُ الصَّيارفِ؛ لأنّها مُعدَّةٌ للبيعِ والشراءِ؛ لأجلِ الرِّبحِ.
- ولا عبرةَ بقيمةِ صنعةِ آنيةِ الذّهبِ والفضّةِ؛ لتحريمِها، بلِ العبرةُ بوزنِها.
وكذا لا عبرةَ بما فيه صناعةٌ محرمّةٌ من غيرِ الآنيةِ-كبعضِ آلاتِ الملاهي-؛ فيقوّمُ عارياً عنِ الصّناعةِ؛ لأنّ وجودَها كالعدمِ.
- ومنْ كانَ عنده عرْضٌ مُعدٌّ للتِّجارةِ، أو ورِثهُ فنواهُ للقُنْيةِ -للانتفاعِ الشّخصيِّ-، ثمّ نواهُ للتِّجارةِ: لم يصرْ عرضاً تجاريًّا بمجرّدِ النِّيّةِ حتّى يحولَ عليه الحولُ على نيّةِ التِّجارةِ؛ وذلك لأنّ القُنيةَ هيَ الأصلُ؛ فلا يُنتقلُ عنها إلا بالنيّةِ؛ لحديثِ سمرةَ ﵁ السّابقِ: (مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ). واعتُبرتِ النيّةُ في جميعِ الحَوْلِ؛ قياساً على النِّصابِ.
ولكنْ يستثنى من ذلك: حُلِيُّ اللُّبسِ؛ لأنَّ التِّجارةَ أصلٌ فيهِ؛ فإذا نوَاهُ للتّجارةِ فقد ردَّهُ إلى الأصلِ؛ فيكفِي فيهِ مجرّدُ النِّيَّةِ؛ من غيرِ اشتراطِ الحَوْلِ فيه.
стр. 322
رابعاً: زكاةُ المعادنِ:
١) تعريفُها: المعدنُ: كلُّ متولِّدٍ من الأرضِ؛ ممّا ليسَ من جنسِها، ولا نباتٍ؛ كالذّهبِ، والفضّةِ، والكبريتِ، والحديدِ، والنُّحاسِ، والرّصاصِ، والنِّفطِ، وغيرِها. وهو غير الرِّكازِ؛ لأنّ الرِّكازَ: دفينُ الجاهليّةِ.
٢) حكمُ زكاتِها:
ما استُخرجَ منَ المعادنِ: ففِيهِ بمجرّدِ إخراجِهِ ربعُ العُشرِ؛ إذا بلغتْ قيمتُه نصاباً بعدَ السَّبكِ والتّصفيةِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧]، ولما رواهُ ربيعةُ بنُ
أبي عبدِ الرّحمنِ عن غيرِ واحدٍ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيِّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ -وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ-؛ فَتِلْكَ المَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلاَّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ) [رواه مالك وأبو داود، وضعّفه الشّافعيُّ وغيرُه].
وقُدِّرَ النِّصابُ فيها رُبعَ العُشرِ؛ لأنَّها زكاةٌ في أثمانٍ؛ فأشبه نِصابُها نصابَ سائرِ الأثمانِ.
ولم يشترطْ في إخراجِها الحولُ؛ لأنّها مالٌ مستفادٌ من الأرضِ؛ فلا يعتبرُ في وجوبِ حقِّه حولٌ؛ كالزَّرعِ والثِّمارِ.
* * *
стр. 323
بابُ زكاةِ الفِطْر
أوَّلاً: حُكمُها:
زكاةُ الفطرِ صدقةٌ واجبةٌ بالفِطرِ من رمضانَ على كلِّ مسلمٍ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: (فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ المُسْلِمِينَ) [رواه البخاري ومسلم].
ثانياً: وقتُ وجوبِها:
تجبُ زكاةُ الفطرِ بغُروبِ الشّمسِ من ليلةِ العيدِ؛ فمنْ ماتَ أو أعسَرَ قبلَ الغُروبِ؛ فلا زكاةَ عليهِ. وإن حصلَ الموتُ أو الإعسارُ ونحوُهما بعد الغُروبِ؛ فإنّ الزّكاةَ تستقرُّ في ذمّتِه؛ لقولِ ابنِ عمرَ ﵄: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ … ) [رواه التّرمذي]. والفطرُ من جميعِ رمضانَ يكونُ بغروبِ الشَّمسِ ليلةَ العيدِ.
ثالثاً: على من تجبُ زكاةُ الفِطرِ؟
تجبُ زكاةُ الفطرِ على كلِّ مسلمٍ يجدُ ما يَفْضُلُ عنْ قُوتِهِ، وقُوتِ عِيالِه يومَ العيدِ وليلتَهُ؛ زائداً عمّا يحتاجُه منْ مسكنٍ، وخادمٍ، ودابّةٍ، وثيابِ بَذْلَةٍ -ما يمتهنُ من الثِّيابِ-، وكُتبِ علمٍ؛ لأنّ النّفقةَ أهمُّ فيجبُ البداءةُ بها؛ لقولِه ﷺ : (ابْدَأْ
стр. 324
بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ فَلِأَهْلِكَ … ) [رواه مسلم].
- وتلزمُهُ عن نفسِه وعنْ منْ يمونُهُ من المسلمينَ؛ كزوجتِهِ، وولدِهِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: (أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ مِمَّنْ تَمُونُونَ) [رواه الدارقطنيُّ].
فإنْ لمْ يجدِ المُعيلُ فِطْرةً تكفي لجميعِ من يعُولهم: بدأ بنفسِهِ؛ لأنّ الفطرةَ تنبني على النّفقةِ، وفي الحديث (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ) [رواه مسلم].
- ثمّ بزوجتِهِ؛ لأنّ نفقتَها مقدّمةٌ على سائرِ النّفقاتِ، وواجبةٌ مع اليسارِ والإعسارِ.
- ثمّ رقيقِهِ؛ لوجوبِ نفقتِه مع الإعسارِ بخلافِ الأقاربِ.
- ثمّ أُمِّه؛ لأنّها مقدَّمةٌ في البرِّ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ -وفي رواية: من أبرُّ؟ - قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
- ثمّ أبيهِ؛ للحديثِ السّابقِ.
- ثمّ ولدِه؛ لأنّ نفقتَه منصوصٌ عليها، ومجمعٌ عليها.
- ثمّ الأقربَ في الميراثِ؛ لأنّ الأقربَ أَوْلى من الأَبعدِ؛ فيُقَدَّمُ.
- وتجبُ الفِطرةُ على من تبرّعَ بمُؤنةِ شخصٍ-كمَنْ يكفلُ يتيماً- شهرَ رمضانَ؛ لعُمومِ حديثِ ابنِ عمر السّابقِ: (أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ … مِمَّنْ تَمُونُونَ). فإنْ تبرّعَ بمُؤنتِهِ بعضَ رمضانَ؛ ولو آخرَهُ لمْ تلزمْهُ.
ولا تجبُ الفِطرةُ على منِ استأجرَ أجيراً بطعامِهِ؛ لعدمِ دخولِه في نصِّ الحديثِ،
стр. 325
ولأنّ الواجبَ ها هُنا الأجرةُ المشترطةُ في العقدِ؛ فلا يُزادُ عليها.
رابعاً: زكاةُ الفطرِ عنِ الجنينِ:
تُسنُّ زكاةُ الفطرِ عنِ الجنينِ؛ لما رواهُ حميدٌ الطويلُ: (أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنِ الحَبَلِ) [رواه ابن أبي شيبة]، ولأنّها صدقةٌ عمّن لا تجبُ عليهِ؛ فكانتْ مستحبّةً كسائرِ صدقاتِ التّطوّعِ.
* * *
стр. 326
فصل في إخراجِ زكاةِ الفِطر
أوَّلاً: وقتُ إخراجِها:
- يبدأُ وقتُ إخراجِها بغُروبِ الشَّمسِ ليلةَ العيدِ، وينتهي بغروبِ شمسِ يومِ العيدِ.
- والأفضلُ إخراجُ الفِطرةِ يومَ العيدِ قبلَ الصّلاةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: (فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ … وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلى الصَّلَاةِ) [رواه البخاري ومسلم].
- ويُكرهُ إخراجُها بعدَ الصّلاةِ؛ خروجاً من الخِلافِ في تحريمِها، ولحديثِ ابنِ عمر مرفوعاً: (أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ) [رواه الدارقطنيُّ، وضعّفه النّوويُّ وابنُ حجرٍ وغيرُهما]؛ فإذا أخّرها إلى ما بعدَ الصلاةِ لمْ يحصلِ الإغناءُ للفقراءِ في اليومِ كلِّهِ.
- ويحرمُ تأخيرُ الفِطرةِ عن يومِ العيدِ إلى غروب الشمس مع القُدرةِ؛ لأنّه تأخيرٌ للحقِّ الواجبِ عن وقتِهِ؛ فلا يجوزُ.
ثانياً: قضاؤُها بعد وقتِها:
منْ أخّرَ الفِطرةَ عن يومِ العيدِ فإنّه يقضِيها مع الإثمِ إن كانَ عامداً؛ لأنّها عبادةٌ؛ فلمْ تسقُطْ بخروجِ الوقتِ كالصّلاةِ، وهي حقٌّ ماليٌّ وجبَ في الذِّمّةِ؛ فلا
стр. 327
يسقطُ بفواتِ وقتِه كالدَّيْنِ.
ثالثاً: تعجيلُها:
تُجزئُ الفِطرةُ قبلَ العيدِ بيومينِ لا أكثرَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ ﵄: (وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) [رواه البخاري].
رابعاً: مقدارُها:
الواجبُ في الفِطرةِ عنْ كلِّ شخصٍ: صاعُ تمرٍ، أو زبيبٍ، أو بُرٍّ، أو شعيرٍ،
أو أقِطٍ؛ لحديث أبِي سعيدٍ الخدريّ ﵁ قال: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ -اللّبنُ المجفّفُ-، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيب) [رواه البخاري ومسلم]. والصّاعُ يساوي كيلوين وأربعين غراماً (٢.٠٤٠ كغ) من القمح الجيِّد.
ويجزئُ دقيقُ البُرِّ والشَّعيرِ؛ إذا كانَ بمقدارِ وزنِ الحبِّ؛ لزيادةِ ابنِ عيينة في حديثِ أبي سعيدٍ السّابقِ: (أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ) [رواه أبو داود، وقال: الزِّيادةُ وَهْمٌ من ابنِ عُيينة]. ولأنّ الدّقيقَ قد كُفيَ الفقيرُ مُؤنتَه فهو أولى بالإِجزاءِ؛ كتمرٍ نُزِعتْ نَواهُ.
- ومَنْ عدِمَ الأصنافَ الخمسةَ المذكورةَ: يُخرج ما يقومُ مقامَها من حبٍّ يُقتاتُ؛ كذُرَةٍ، وأرزٍ، وعدسٍ؛ لأنّه أشبهُ بالمنصوصِ عليهِ؛ فكانَ أولى من غيرِهِ.
قال المرداويُّ في «الإنصاف»: «وقيل: يُجزئُ كلُّ مَكيلٍ مَطعومٍ. وقال ابنُ تَميمٍ: وقد أومأَ إليه الإمامُ أحمدُ، واختارهُ الشيخُ تَقيُّ الدِّين: يُجزئُهُ من قُوتِ بلدِهِ مثلُ
стр. 328
الأُرْزِ وغيرِهِ؛ ولو قَدَرَ على الأصناف المذكورة في الحديث. وذَكَرَهُ روايةً، وأنَّه قَولُ أكثر العُلماء، وجَزَمَ به ابنُ رَزِينٍ وحكاهُ في الرِّعايةِ قولًا».
خامساً: إعطاءُ الجماعةِ فطرتَهم لواحدٍ:
يجوزُ أن تُعطيَ الجماعةُ فِطرتهم لواحدٍ؛ لأنّها صدقةٌ واجبةٌ؛ فجازَ أن يُدفعَ للواحدِ فيها ما يلزمُ الجماعةَ؛ كصدقةِ المالِ.
ويجوزُ أن يعطيَ الواحدُ فِطْرَتَه لجماعةٍ؛ لإطلاقِ آيةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التّوبة ٦٠].
قال أبو الفرج ابنُ قدامةَ في «الشرح الكبير»: «أمّا إعطاءُ الجماعةِ ما يلزمُ الواحدَ؛ فلا نعلمُ فيه خلافاً».
سادساً: إخراجُ القِيمةِ في زكاة الفِطْر:
لا يجزئُ إخراجُ القيمةِ في الزّكاةِ مطلقاً؛ سواء كانت في المواشِي أو المعشَّراتِ أو زكاةَ فطرٍ؛ لمخالفتِه للنُّصوصِ الواردةِ في بيانِ ما تُخرجُ منه زكاتُها.
سابعاً: شراءُ الزّكاةِ:
يحرمُ على الشَّخصِ شِراءُ زكاتِهِ وصدقتِهِ؛ ولوْ اشْتَراها مِنْ غيرِ مَنْ أخذَها منه؛ لقولِ النّبيّ ﷺ لعمرَ بن الخطابِ ﵁ -حين أراد أن يشتريَ فرساً جعله في سبيلِ الله-: (لَا تَشْتَرِي، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 329
وإنْ رجعتْ إليهِ زكاتُهُ أو صدقتُهُ بإرثٍ، أو هبةٍ، أو وصيّةٍ: جازَ بلا كراهةٍ؛ لحديث بُريدة ﵁ قال: (بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ؛ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ) [رواه مسلم].
* * *
стр. 330
باب إخراجِ الزَّكاةِ
أوَّلاً: إخراجُ الزَّكاةِ على الفَوْرِ:
يجبُ إخراجُ الزكاةِ على الفورِ عند وجودِ سَببِها وانتفاء موانِعِها؛ لأنَّ الشرع أمرَ بإخراجها، والأمرُ المُطْلَقُ يقتضي الفَوْرَ.
ثانياً: حالاتُ تأخيرِ الزَّكاةِ:
يجوز لمن وجبت الزكاة في مالِه أن يؤخِّرها زمناً يسيراً إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا التأخير، ومن صور ذلك:
١) انتظارُ محتاجٍ قادمٍ من سَفَرٍ، أو الانتظار ليدفعها لمن حاجته أشدّ ممّن هو حاضر.
٢) القريبُ والجارُ؛ لأنَّ الصدقة على القريب له فيها أجران؛ أجرُ الصدقة وأجر القرابة، والجارُ في معنى القريب.
٣) تعذّرُ إخراج الزكاة؛ بسبب غياب المال، أو المنع من التصرُّف فيه بسبب غصبه، أو سرقته، أو كونه دَيْناً. فله تأخير الزكاة إلى حين قدرته عليها.
فإن كان له مالٌ آخر جاز له أن يخرج الزكاة منه ولا يجب؛ لأنَّ الأصل إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، وإخراجها من غيره رُخصة،
стр. 331
والرُّخصة لا تنقلب تضييقاً.
ثالثاً: ادِّعاءُ المُزكِّي إخراجَ الزَّكاةِ:
من طُلِبَ منه الزَّكاةُ فادَّعى إخراجها، أو أنَّ المال لم يمضِ عليه الحَوْل كاملاً،
أو أنَّ نِصَابَ زكاة المال نَقَص، أو أنَّ مِلْكَه زال عن ذلك المال في أثناء الحَوْل، أو أنَّ ما بيده لغيره؛ فإنَّه يُصدَّق في قوله من غير أن يحلف يميناً؛ لأنَّ الزكاة عبادة مؤتمَنٌ عليها، فالقول قول من تجب عليه بغير يمين؛ كالصلاة والكفَّارات.
رابعاً: إخراجُ الزكاةِ من مالِ الصغيرِ والمجنونِ:
يجبُ على وليِّ الصغيرِ أو المجنونِ أن يُخرجَ زكاة مالهما الذي وجبت فيه الزكاة، لقول عمر ﵁: (ابْتَغُوا -وفي رواية: اتَّجروا- بِأَمْوَالِ اليَتَامَى، لا تَأَكُلْهَا الصَّدَقَةُ) [رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي]؛ لأنَّ الزكاة تتعلَّق بعين المال، والنصوص الآمرة بإخراج الزكاةِ لم تفرِّق بين المالِ الذي يملكُه الصغيرُ والكبيرُ، أو العاقلُ والمجنونُ، أو الذكرُ والأنثى؛ لا سيَّما وأنَّ إخراجَ الزكاةِ حقٌّ تدخلُه النيابة؛ كالنفقة عليهما أو تغريمهما.
خامساً: سُننٌ وآدابٌ في إخراجِ الزكاةِ:
١) إظهارُ الزكاةِ عند إخراجها؛ لتنتفي عنه التُّهمة ويُقتدَى به.
٢) أن يقومَ ربُّ المالِ بتفريقها بنفسه؛ ليتيقَّن وصولها إلى مستحقِّيها.
٣) أن يدعوَ آخذُ الزكاةِ للمزكِّي؛ كأن يقول: (آجَرَكَ الله فيما أَعطيتَ، وباركَ
стр. 332
لكَ فيما أبقيتَ، وجَعَلَه لكَ طَهُوراً)؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣]، ولما ثبت من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِمْ … »، فَأَتَاهُ أَبي أبو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى») [رواه البخاري ومسلم].
стр. 333
فصل في شروطِ إخراجِ الزكاةِ
يُشترَطُ لإخراجِ الزكاةِ شَرْطانِ:
١) الشرط الأوَّل: النيَّة من المكلَّف؛ لأنَّ الزكاة عبادة، فاشترط لها النيَّة؛ لقوله ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم]. ويُستثنى من ذلك ما لو أُخِذَت قَهْراً فإنَّها تجزئ من غير نيَّة.
- فإن كان المالُ مملوكاً لصغير أو مجنون فينوي وليُّهما عنهما؛ لعدم أهليَّتهما لأداء الواجبات، ولأنَّ أداء الزكاة تصَرُّف ماليٌّ يُشترَط له التكليف، كما هو الحال في سائر التصرُّفات الماليَّة من بيع وشراء وإجارة وغيرها.
- الأفضلُ في حقِّ المزكِّي أن يَقْرِنَ نيَّة إخراج الزكاة بزمن دَفْعِها، ولو تقدَّمت النيَّة على الدفع بزمن يسير جاز.
- يجب أن تكون النيَّة محدَّدة؛ فينوي بإخراجها زكاةَ المالِ أو الصدقة الواجبة، ولا يجزئه أن ينوي صدقة مطلَقة ولو تصدَّق بجميع مالِه؛ لأنَّ من الصدقة ما يكون نَفْلاً؛ فوجب تمييز الواجب عن النَّفْل، وهذا لا يتعيَّن إلَّا بالنيَّة.
- لا تجبُ نيَّة الفَرْضِيَّة، لأنَّ الزكاة لا تكون إلَّا فَرْضاً، ولا يجب تعيين المال المزكَّى عنه.
стр. 334
* التوكيلُ في إخراجِ الزكاةِ:
- يجوزُ للمسلم أن يوكِّل غيرَه من المسلمين الثقات في إخراج الزكاة عنه، وتُجزئُ نيَّة المُوكِّل مع قُرْب زمن إخراج الزكاة؛ لأنَّ الفَرْضَ متعلِّق بالموكِّل، ولا يضرُّ تأخير الأداء زمناً يسيراً.
- وإذا كان الفاصل الزمنيُّ بين قُرْب زمن الإخراج وزمن التوكيل طويلاً، نوى الوَكيل عند الدَّفع أيضاً.
٢) الشرط الثاني: أن يجعلَ الزكاةَ في فقراءِ بلدِ المالِ الذي وجبتْ فيه الزكاةُ: فعلى المزكِّي أو من ينوبه أن يجعلَ زكاةَ كلِّ مالٍ في فقراءِ بلدِه.
- ويَحرُم على المزكِّي نقلُ الزكاة إلى بلد غير بلدِ المالِ إذا كان بينهما مسافة قَصْر، وكان في بلدِ الوجوب مستحِقٌّ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ لمّا بعثه النبيُّ ﷺ إلى اليمن قال له: (أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ فَتُردُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) [رواه البخاري ومسلم].
فإن أخرجها إلى غير بلد المال أجزأته وأثِمَ؛ لأنَّه دفعها إلى مستحقِّها فبرئت ذمَّتُه، ولقول النبيَّ ﷺ لقَبيصَة بن مُخَارِق: (أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا) [رواه مسلم]، فدلَّ على أنَّ الصدقة كانت تُنقل إلى المدينة من غيرها من البلاد، فيفرِّقها في فقراء المهاجرين والأنصار.
стр. 335
* تعجيلُ إخراجِ الزكاةِ قبلَ موعدِها:
- يجوزُ للمزكِّي أن يُعجِّل إخراج زكاة مالِه لسنتين فقط، إذا كَمَل النِّصِاب؛ لحديث عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ (أَنَّهُ تَعَجَّلَ مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَينِ) [رواه أبو عبيد في الأموال].
- وإن كان المالُ الذي وجبت فيه الزكاة ينقص فيه النِّصَاب إذا أَخرَج زكاةَ سَنَةٍ لا يصحُّ إخراجُه عن سنتين؛ كمن كان له أربعون شاةً، فلا يصحّ أن يُخرِجَ عن سنتين؛ لأنَّه إذا أخرج زكاة سَنَةٍ نقصَ الباقي عن النِّصَاب، فلا تجبُ فيه الزكاة. فإن زادت عن الأربعين جاز أن يُخرِجَ عن سنتين.
- إذا تلف النِّصَاب بعد إخراج الزكاة المعجَّلة، أو نقص قبل تمام الحَوْل، كان ما دفعه صدقة تطوُّع في حَقِّه.
* * *
стр. 336
باب أهلُ الزكاةِ
أوَّلاً: تعريفُ أهلِ الزكاةِ:
أهلُ الزكاةِ: هم الذين يجزئُ دَفْعُ الزكاةِ لهم؛ وهم ثمانية؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٦٠]. وكلمة (إنَّما) تفيد الحَصْرَ، والحَصْرُ يقتضي إثباتَ الحُكْمِ في المذكور، ونفيَه عمَّن سواه.
وهم على النحو التالي:
١) الفقيرُ:
وهو الذي لا يجدُ شيئاً، أو يجدُ شيئاً يسيراً، لكنَّه لا يبلغُ نصفَ كفايته، كأنْ يجدَ رُبْعَ كفايتِه أو ثلثَها، فهو أشدُّ حاجةً من المسكين؛ لأنَّ الله بدأ به، وإنَّما يُبْدأ بالأهمِّ فالمهمُّ.
٢) المسكينُ:
وهو الذي يجدُ نصفَ كفايته، أو أكثرَها وذلك عن طريق الكَسْب ونحو ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].
стр. 337
فأخبر الله أنَّ لهم سفينة يعملون بها، ولأنَّ النبيَّ ﷺ سأل الله تعالى المسكنة واستعاذ به من الفقر؛ فقال: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً وَاحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ القِيامَةِ) [رواه الترمذي وابن ماجه]. واستعاذ من الفقر فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ … ) [رواه أبو داود]. ولا يجوز أن يسأل شدَّة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الفقر أشدُّ من المسكنة.
٣) العاملُ على الزكاةِ:
كالجابي: وهو الذي يجمع الزكاة من الأغنياء، والحافظ: وهو الذي يقوم بحفظ أموال الزكاة في المستودعات وغيرها، والكاتب، والقاسم: وهو الذي يُقسِّم الزكاة ويصرفها إلى مستحقِّيها. فهؤلاء جميعاً يدخلون تحت قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.
ويُشترط في العامل على الزكاة: أن يكون مسلماً، مكلَّفاً، أميناً، من غير ذوي القُرْبَى.
٤) المؤلَّفُ قلبُه:
وهو السيِّدُ المُطاعُ في عشيرته ممَّن يُرْجَى إسلامُه، أو يُخشَى من شرِّه؛ فيُعطى منها تأليفاً لقلبه، أو دفعاً لشرِّه؛ لحديث أبي سعيدٍ الخُدْرىِّ ﵁ قال: (بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ: الْأَقْرَعِ بْنِ
стр. 338
حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا قَالَ: إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) [رواه البخاري ومسلم].
- وكذا يُعطَى منها من كان يُرجَى بعَطيَّته قوَّة إيمانه؛ كأن يكون مسلماً ضعيف الإيمان، متهاوناً في فرائض الإسلام، لكنَّه لو أُعطي من الزكاة قَوِيَ إيمانُه وحَسُنَ؛ لقول ابن عبَّاس ﵄ في قول الله : ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: «هُمْ قَومٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ الله قَدْ أَسْلَمُوا، فَكَانَ رَسُولُ الله يَرْضَخُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإذَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ فَأَصَابُوا مِنْها خَيراً قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، فَإنْ كَانَ غَيرَ ذَلِكَ عَابُوهُ وَتَرَكُوهُ». [رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وإسناده ضعيف].
- وكذا يُعطَى منها من كان يُرجَى بعَطيَّته قوَّة على جباية الزكاة ممَّن امتنع من أدائها؛ لأنَّ ذلك من المصالح الشرعية.
- تركُ إعطاءُ المؤلَّفة قلوبُهم في عهد عمرَ وعثمانَ وعليٍّ ﵃ محمولٌ على عدم الحاجة إلى إعطائهم في زمنهم؛ لقوَّةِ الإسلام وظهورِه.
وأمَّا زمن النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ ﵁، فكان إعطاؤهم للحاجة؛ فمتى رأى الإمام في إعطائهم مصلحة، والحاجة داعية إليه، صُرف لهم.
٥) المكاتَبُ:
وهو العبدُ الذي اشترى نفسَه من سيِّدِه، وذلك بأنْ يتَّفق مع سيِّدِه على تحرير
стр. 339
رقبتِه مقابل أقساط معلومة من المال يدفعُها له، فإذا وفَّى له صار حرًّا.
فهذا المكاتَبُ يجوز أن يُعانَ على مكاتبَتِه من الزكاة، فيُعطَى من الزكاة ما يتمُّ به فَكاكُ رَقبَتِه.
وكذلك الرَّقيقُ غير المكاتَبِ: يجوز أنْ يُعتَق من مال الزكاة، وكذا الأسير المسلم يجوز أنْ يُفدَى من مال الزكاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ولأنَّ فكَّ رقبةِ المسلم من الأسْرِ كفَكِّ رقبةِ العبد من الرِّقِّ.
٦) الغارمُ:
وهو المَدِينُ من المسلمين؛ وهو على قسمين:
الأوَّل: الذي استدان من أجل الإصلاح بين الناس؛ كأن يتحمَّل دِيَةً أو مالاً؛ لتسكين فتنةٍ وقعت بين طائفتين، ويتوقَّفُ صُلْحُهم على من يتحمَّل ذلك. فهذا يُعطى من الزكاة ما يؤدِّي عنه ما تحمَّله، ولو كان غنيًّا؛ لما جاء في حديث قَبِيصَة بن مُخارِق الهِلالي ﵁ قال: (تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا) [رواه مسلم]. والحَمَالة بفتح الحاء وتخفيف الميم: هي المال الذي يتحمَّله الإنسان، أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البَيْن.
الثاني: من استدان لنفسه وعجز عن السداد؛ لفَقْرِه؛ فهذا يُعطى من الزكاة لسداد دَيْنِه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾.
стр. 340
٧) الغازي في سبيلِ الله:
والمرادُ به الغازي المتطوِّعُ الذي ليس له راتبٌ في الدِّيوان -أي: في بيت المال- على غَزْوِه؛ فيجوز إعطاؤه من الزكاة ولو كان غنيًّا؛ لأنَّ غَزْوَه لحاجة المسلمين، ولقول الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أمَّا إذا كان له راتبٌ في الدِّيوان فلا يُعطَى من الزكاة، إلَّا إذا كان لا يكفيه؛ فحينئذٍ له أن يأخذ تمامَ ما يكفيه.
- يجوزُ إعطاءُ الفقير ما يَحجُّ به حَجَّ الفريضة ويَعتَمِر؛ لقول النبيِّ ﷺ : (الحَجُّ وَالعُمْرَةُ مِنْ سَبِيلِ الله) [رواه أحمد، وإسناده صحيح دون لفظ العمرة].
٨) ابنُ السَّبيلِ:
وهو الغريبُ الذي انقطعَ به الطريقُ بغير بلده، وليس معه ما يوصله إلى بلده أو إلى منتهى قصده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: ابن الطريق، فيُعطَى من الزكاة ولو كان غنيًّا في بلده؛ لأنَّه عاجز عن الوصول إلى مالِهِ، وعن الانتفاع به؛ فأشبه مَنْ سقط متاعُه في البحر أو ضاعَ.
ثانياً: مقدارُ ما يُعطَى من الزَّكاةِ:
يُعطَى جميع من ذُكِر من أهلِ الزكاةِ منَ الزكاةِ بقدر الحاجة، إلَّا العامل عليها فيُعطى بقدر أُجْرَتِه؛ فيُعطَى الفقيرُ والمسكينُ ما يكفيهما لمدَّة عامٍ، ويُعطَى الغارمُ والمكاتَبُ ما يقضيان به دَيْنَهُما، ويُعطَى الغازي بقَدْرِ ما يحتاج إليه لغَزْوِه، ويُعطَى ابنُ السَّبيلِ بقَدْرِ ما يوصله إلى بلده، ويُعطَى المؤلَّفُ بقَدْر ما يحصل به التأليف، أمَّا
стр. 341
العامل عليها فيُعطَى بقَدْر أُجْرَتِه حتَّى لو كان غنيًّا؛ لأنَّ الذي يأخذه بسبب العمل؛ فوجب أن يكون بمقداره. ولحديث ابن السَّاعِدِي المالِكيِّ أنَّه قال: (اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِله وَأَجْرِي عَلَى الله، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ) [رواه البخاري ومسلم واللفظ له]. فهذا يدلُّ على أنَّها تُدفَعُ للعامل ولو كان غنيًّا.
ثالثاً: ما أُخِذَ من الزَّكاةِ بقوَّة السُّلطانِ:
من أخذها من السَّلاطين قَهْراً أو اختياراً، سواءً عَدَل فيها أو جِارَ؛ فإنَّها تُجزئُ عن صاحبها؛ لحديث سُهَيل بن أبى صالح عن أبيه: (أَنَّهُ أَتَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُدْرِكَ لِي مَالٌ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَؤْدِّيَ زَكَاتَهُ وَأَنَا أَجِدُ لَهَا مَوْضِعًا وَهَؤُلَاءِ يَصْنَعُونَ فِيهَا مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَقَالَ: أَدِّهَا إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَسَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدِّهَا إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدِّهَا إِلَيْهِمْ) [رواه
ابن أبي شيبة والبيهقي واللفظ له].
* * *
стр. 342
فصل في الذين لا يُجزِئُ دَفْعُ الزكاةِ لهم
أوَّلاً: الأصنافُ الذينَ لا يُجزِئُ دَفْعُ الزكاةِ لهم:
تقدَّم في الفصل السابق بيانُ أهلِ الزكاةِ المستحقِّين لها، أمَّا هذا الفصل ففيه بيانُ الأصنافِ الذين لا يُجزئُ دفعُ الزكاة لهم، وهم على النحو التالي:
١) الكافرُ: فلا يُجزئُ دَفْعُ الزكاة له؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث معاذ ﵁ ( … فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ [رواه البخاري ومسلم]. فنصَّ على أنَّ الزكاةَ تُرَدُّ على فقراء المسلمين. إلَّا إذا أُريدَ تأليفُه كما سبق؛ فيعطَى عند الحاجة إلى تأليفه.
٢) الرَّقيقُ: وهو العبدُ؛ لأنَّ نفقتَه واجبةٌ على سيِّدِه، فهو غنيٌّ بغِناهُ. وما يُدفع إليه لا يملكُه، وإنَّما يملكُه سيده؛ فكأنَّه دُفِعَ إلى سيِّدِه، إلَّا إذا كان مكاتَباً فيجوزُ إعانتُه على أداء الكتابة؛ كما تقدَّم.
٣) الغنيُّ: وهو الذي عنده ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسبٍ، أو تجارةٍ، أو عَقارٍ، أو نحو ذلك؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِىٍّ) [رواه أبوداود والترمذي]. و (ذو مِرَّةٍ سَوِيٍّ) معناه: قويٌّ صحيحُ الأعضاء.
стр. 343
٤) مَنْ تلزمُه نفقتُه: كزوجته، وأولاده، وأولاد أولاده وإن سَفلوا، وكذا وَالِدَيهِ وَجَدَّيهِ، وإن عَلَوا؛ فهؤلاء لا يجوز دفع الزكاة لهم؛ لأنَّ نفقتَهم واجبةٌ عليه، وقد نقل ابنُ المنذر الإجماعَ على ذلك. ولأنَّ دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه؛ فكأنَّه دفعها إلى نفسه فلم تجز؛ كما لو قضى بها دَيْنَه.
أمَّا سائرُ الأقارب ممَّن لا تلزمُه نفقتُهم، فيجوزُ دفعُ الزكاة لهم، قال ابن قدامة في «المغني»: «قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور، وقد سأله: يُعْطَى الأخُ والأختُ والخالةُ من الزكاة؟ قال: يُعطَى كلُّ القرابةِ إلَّا الأبوين»؛ وذلك لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) [رواه النسائي والترمذي وابن ماجه]. فلم يَشترِط نافلةً
ولا فريضةً، ولم يُفرِّق بين الوارث وغيره.
٥) الزَّوج: فلا تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها؛ لأنَّها تعود إليها بإنفاقه عليها.
والرواية الأخرى في المذهب: أنّه يجوز لها دفع زكاتها لزوجها. وقدَّمها المرداوي وقال: «هي المذهب»؛ وذلك لأنَّ الزوجة لا يجبُ عليها أن تنفق على زوجها، فلا تُمنَع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي، ولأنَّ الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف الذين تحلُّ لهم الزكاة، وليس في المنع نصٌّ ولا إجماع، ويُستأنَس لذلك بما ثبت عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّها قالت: (يَا نَبِيَّ الله! إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ ابْنُ
стр. 344
مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ) [رواه البخاري].
٦) بنو هاشِم: وهم ذُرِّيةُ هاشِمِ بن عبدِ مَنافٍ؛ لأنَّهم من آل محمَّد ﷺ .
وآلُ محمَّد أشرفُ الناس نَسَباً؛ ولذا لا يُعْطَون من الزكاة إكراماً لهم؛ لقول النبيِّ ﷺ لبعض بني هاشِم: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) [رواه مسلم]. إلَّا إذا كانوا غُزاةً أو مُؤلَّفين أو غارمين؛ فيُعْطَون حينئذٍ من الزكاة؛ للمصلحة العامَّة.
ثانياً: حكمُ الزكاةِ إذا دَفَعَها لغيرِ من يستحقُّها:
إذا دفعَ المزكِّي الزكاةَ لغير من يستحقُّها؛ كما لو دَفَعَها إلى كافرٍ، أو إلى هاشميٍّ، وهو يجهل ذلك ثمَّ عَلِمَ؛ لم يجزئه ذلك عن الزكاة، وعليه أن يَسترِدَّها بنمائِها؛ لأنَّه دفعها لمن لا يستحقُّها ولا يخفى حالُه غالباً؛ فلا يُعذَر بجهالته. بخلاف ما لو دفعها لمن ظنَّه فقيراً، ثمَّ تبيَّن أنَّه غنيٌّ؛ فحينئذٍ تجزئه؛ لقول النبيِّ ﷺ للرَّجلين اللَّذينِ سألاهُ الصَّدَقَة: (إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ … ) [رواه أبو داود والنسائي]. فاكتفى النبيُّ ﷺ بالظاهر، ولأنَّ الغِنَى يَخْفَى.
ثالثاً: تفريقُ الزكاةِ على من لا تلزمُه نَفَقَتُهُم:
يُسَنُّ للمُزكِّي أن يُفرِّق الزكاة على أقاربه الذين لا تلزمُه نفقتُهم، وعلى ذوي أرحامه؛ كعمَّته، وخالته، وبنت أخيه، وذلك على قَدْرِ حاجتهم؛ للحديث السابق (إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ).
стр. 345
رابعاً: هل يجوزُ دَفْعُ الزكاةِ لمنْ ضَمَّه إلى عِيالِه وتبرَّع بنفقَتِه؟
يقول ابن قُدامَة في «المغني»: «فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه؛ كيتيمٍ أجنبيٍّ؛ فظاهر كلام أحمد أنَّه لا يجوز له دفع زكاته إليه؛ لأنَّه ينتفعُ بدَفْعِها إليه لإغنائِه بها عن مُؤْنَتِه، والصحيحُ إن شاء الله: جواز دَفْعِها إليه؛ لأنَّه داخل في أصنافِ المستحقِّين للزكاةِ، ولم يرد في مَنْعِه نصٌّ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ صحيح؛ فلا يجوز إخراجه من عموم النصِّ بغير دليل».
* تنبيهان:
١) لا يجوزُ صَرْفُ الزكاةِ لغيرِ الأصنافِ الثمانية؛ فلا يجوز صَرْفُها في بناءِ المساجدِ، ولا في بناءِ المدارسِ، ولا في إصلاح الطُّرُق، ولا في تكفين المَوْتَى، ونحو ذلك؛ لأنَّ الله فَرَضَها لهؤلاء الأصناف فقال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٦٠].
٢) يجوزُ للمُزكِّي أن يقتصرَ على صِنْفٍ واحدٍ من الأصناف الثمانية، ويجوز أن يُعطيَها شخصاً واحداً؛ ويدلُّ على ذلك حديث معاذٍ ﵁ السابق: (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)؛ فأخبر أنَّه مأمورٌ بردِّ جُمْلَتِها في الفقراء، وهم صِنْفٌ واحدٌ، ولم يذكر سواهم، ولحديث قبيصة السابق: (أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا).
* * *
стр. 346
فصل في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ
أوَّلاً: وقتُ صَدقَةِ التطوُّع:
تُستحبُّ صَدَقةُ التطوُّع في جميع الأوقات؛ لأنَّ الله تعالى أمر بها ورغّب فيها وحث عليها؛ فقال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٥]، وقال ﷺ : (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري]. والفَلُوُّ: الصغيرُ من أولاد الفَرَس.
ثانياً: صَدقَةُ السِّرِّ والعَلَنِ:
صَدقَةُ السِّرِّ أفضل من صَدقَةِ العَلانِيَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١]، ولقول النبيِّ ﷺ : (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ
لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ … ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
ثالثاً: الصَّدَقَةُ في الأماكنِ والأزمانِ الفاضِلَة:
صَدَقةُ التطوُّع في الأماكنِ الفاضِلَة والأزمانِ الشريفة أفضلُ منها في غيرها،
стр. 347
كالحَرَمَيْن الشريفَيْن، والمسجدِ الأقْصَى، وشهرِ رَمَضان، وعشرِ ذِي الحِجَّة؛ وذلك لمضاعفَةِ الحَسَناتِ في هذه الأماكن وتلك الأزمان، ولحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ الله ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) [رواه البخاري ومسلم].
وعن ابن عبَّاس ﵄ أيضاً عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ -يعني أيام عشر ذي الحجة- قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) [رواه البخاري].
رابعاً: الصَّدَقَةُ على ذَوِي الأرحامِ والجيرانِ:
الصَّدَقةُ على ذوي الأرحام أفضلُ من الصَّدَقةِ على غيرهم؛ لأنَّها صَدَقةٌ وَصِلَةٌ؛ قال ﷺ : (إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) [رواه النسائي والترمذي].
ثمَّ على الجارِ أفضلُ من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء ٣٦]، ولقول النبيِّ ﷺ : (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) [رواه البخاري ومسلم].
خامساً: الصدقة بالفاضل عن الحاجة:
تُستحبُّ صَدَقةُ التطوُّع بالفاضلِ عن حاجتِه وحاجةِ من يُنفِق عليه من زوجةٍ
стр. 348
وولدٍ ونحو ذلك؛ لقول النبيِّ ﷺ : (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) [رواه البخاري ومسلم]. أي: أفضلُ الصَّدقَةِ ما كان زائداً على حاجتك وحاجة من تعولُه وتنفق عليه.
فإنْ تَصدَّق بما يُنْقص من حاجته أو حاجة من يَعولُهم، أو تصدَّق بما يَلحقُه أو يُلحقُ من يَعولهم ضرراً أَثِمَ بذلك؛ لقول النبيِّ ﷺ : (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) [رواه أبو داود]، ولقوله ﷺ : (لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ) [رواه مالك وأحمد].
فإن وافقه عيالُه على الإيثار فهو أفضل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر ٩].
- يُكرَه لمن لا صَبْر له على الضِّيق، أو لا عادَةَ له به أن يُنْقصَ نفسه عن الكفاية التامَّة؛ لأنَّه نوع إضرار به، ولقول النبيِّ ﷺ لسعد بن أبي وقَّاص ﵁: (إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) [رواه البخاري ومسلم].
سادساً: حُكمُ المَنِّ بالصَّدقَةِ:
يحرم المنُّ بالصَّدقة؛ بل هو من كبائر الذنوب، ويبطل به الثواب؛ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، ولقول النبيِّ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا