Полный текст (1 425 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقولِه ﷺ :) صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) [رواه البخاري ومسلم]. أو بكمالِ شعبانَ ثلاثينَ؛ قال شمسُ الدينِ ابنُ قدامة في «الشرح الكبير»: «كمالُ شعبانَ ثلاثينَ يوماً يجبُ به الصومُ؛ لأنّه يُتيقّنُ به دخولُ شهرِ رمضانَ؛ ولا نعلمُ فيه خلافاً».
رابعاً: صومُ يومِ الشّكّ:
يجبُ الصومُ احتياطاً بنيّةِ رمضانَ على من حالَ دونهُم ودونَ مطلعِ الهلالِ غيمٌ أو قَتَرٌ-أي: غبارٌ- ليلةَ الثلاثينَ من شعبانَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ مرفوعاً: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) [رواه البخاري ومسلم]؛ يعني: ضيّقُوا له العِدّةَ؛ من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق ٧]؛ أي ضُيِّق عليه، وتضييقُ العدّةِ له أن يحسبَ شعبانُ تسعةً وعشرين يوماً.
قال نافعٌ: «فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ؛ فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا» [رواه أبو داود]. وابنُ عمر هو راوي الحديثِ، وعملُه بهِ تفسيرٌ لهُ.
وعن الإمامِ أحمدَ روايةٌ أخرى: أنّه لا يجبُ الصومُ إذا حالَ دون رؤيةِ هلالِ رمضانَ غيمٌ أو قَتَرٌ؛ قال المرداويُّ في «الإنصافِ» -باختصار-: «وعنهُ: لا يَجبُ صَوْمُهُ قبل رؤيةِ هِلالِهِ، أو إكمال شَعبانَ ثلاثين. ورَدَّ صاحب (الفُرُوع)
-ابنُ مُفلح- جميع ما احتجَّ به الأصحابُ للوُجُوب، وقال: لم أجد عن أحمدَ قولاً
стр. 352
صريحًا بالوُجُوب، ولا أمَرَ به؛ فلا يتوجَّهُ إضافتُهُ إليه».
ونقلَ قبلَ كلامِ ابنِ مفلحٍ قولَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ تيمية: «هذا مذهبُ أحمدَ المنصوصُ الصَّريحُ عنه. وقال: لا أصل للوُجُوب في كلام الإمام أحمدَ،
ولا في كلام أحدٍ من الصّحابة».
* ما يترتّبُ على القولِ بوجوبِ صيامِهِ:
يترتّبُ على القولِ بوجوبِ صومِ يومِ الشّكِّ إذا حالَ دون رؤيةِ الهلالِ حائلٌ ما يلي:
١) يُجزئُ صيامُ هذا اليومِ إنْ ظَهَر أنّه منْ رمضانَ؛ بأن ثبتتْ رؤيةُ الهلالِ بموضعٍ آخرَ؛ لأنّ صيامَهُ وقعَ بِمُستنَدٍ شرعيٍّ.
٢) تُصَلّى التراويحُ ليلتَهُ احتياطاً للقِيامِ؛ الّذي ورد الحثُّ عليه في قولِه ﷺ : (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) تثبتُ تبعاً لوجوبِ صومِهِ بقيّةُ توابعِ الصّومِ؛ كوجوبِ الكفّارة على من وطئَ امرأتَه فيهِ، ووجوبِ الإمساكِ على من لمْ يبيّتِ النيّةَ، أو قدمَ من سفرٍ، ونحوِ ذلكَ؛ إلاَّ أن يُّتحقّقَ أنّ اليومَ من شعبانَ.
٤) لا تثبتُ بقيّةُ الأحكامِ الشهريّةِ؛ فلا يحلُّ دينٌ مؤجّلٌ بدخولِهِ، ولا يقعُ طلاقٌ وعتقٌ معلَّقين بهِ، ونحو ذلك؛ عملاً بالأصلِ الّذي خولفَ في رمضانَ احتياطاً للعبادةِ.
стр. 353
خامساً: إثباتُ رؤيةِ الهلالِ:
تثبتُ رؤيةُ هلالِ رمضانَ بخبرِ مسلمٍ مُكلَّفٍ عَدْلٍ -ولو كان عبداً أو أنثى-؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: (تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) [رواه أبو داود].
ولا يقبلُ في بقيّةِ الشُّهورِ-كشوّالٍ وغيرِه- إلاَّ رجلانِ عَدْلانِ بلفظِ الشّهادةِ؛ لقولِهِ ﷺ : (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وانْسِكُوا لها؛ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاثِينَ؛ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا) [رواه النّسائيّ]. ولما رُوي عن ابن عمرَ وابنِ عبّاسٍ ﵄ أنّهما قالا: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الإِفْطَارِ إِلاَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ) [رواه البيهقيُّ، وضعّفه]، وفارقَ هلالُ رمضانَ بقيّةَ الشّهورِ؛ لما فيه منَ الاحتياطِ للعبادةِ.
* * *
стр. 354
فصل في شُروطِ وجوبِ الصَّومِ، وشُروطِ صحَّتِه، وفَرائضِه، وسُننِه
أوَّلاً: شُروطُ وجوبِ الصَّومِ:
شُروطُ وجوبِ الصَّوم أربعة:
١) الإسلامُ: لأنّ الله تعالى كتبَه على المسلمين؛ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]؛ فلا يجبُ على كافرٍ بحالٍ، ولو أسلمَ في أثناءِ الشّهرِ لمْ يلزمْهُ قضاءُ الأيّامِ السّابقةِ لإسلامِهِ.
٢) البلوغُ: لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود -واللفظ له- والترمذي والنسائي وابن ماجه]؛ فلا يجبُ الصّومُ على منْ لمْ يبلغْ.
٣) العقلُ: فلا يجبُ الصّومُ على مجنونٍ؛ لقولِه ﷺ في الحديثِ السّابقِ: (وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ).
٤) القدرةُ على الصّيامِ: فلا يجبُ الصيامُ على من لا يقدرُ عليهِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
ومنْ عجزَ عن الصِّيامِ لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجى زوالُه: أفطرَ وأطعمَ عنْ كلِّ
стр. 355
يومٍ مسكيناً مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاعٍ منْ غيرِ البُرِّ؛ لما رواهُ عطاء عن ابنِ عبّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة ١٨٤]-: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ؛ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا؛ فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» [رواه البخاري]. وروى عكرمةُ عن ابنِ عبّاسٍ أيضاً قال: «إِذَا عَجَزَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مُدًّا» [رواهما الدارقطنيُّ]. والحنطةُ: القمحُ. والمدُّ: حفنةٌ بكفَّي الرّجلِ المعتدلِ الكفّينِ.
والمريضُ غيرُ الميؤوسِ من بُرئِهِ إذا خافَ من صومِهِ ضرراً -كزيادةِ المرضِ أو طولِه-، أو كان صحيحاً فمرِضَ في يومِهِ، أو خافَ مرضاً لأجلِ عطشٍ أو غيرِه: سُنَّ له الفطرُ، وكُرهَ له الصومُ وإتمامُه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤]؛ أي: فليُفطرْ، وليقضِ عددَ ما أفطرَ.
فإنْ صامَ المريضُ مع ما سبقَ: أجزأَهُ صومُه؛ لصدُورِه من أهلِه في محلِّهِ؛ كما لو أتمَّ المسافرُ.
ولا يفطرُ المريضُ الّذي لا يتضرّرُ بالصومِ؛ كمنْ بهِ جَرَبٌ، أو كَسْرٌ في يده، أو وَجَعُ ضِرسٍ أو أصبعٍ، ونحوِه.
ثانياً: شروطُ صحّةِ الصّومِ:
شروطُ صحّةِ الصّومِ ستّةٌ:
١) الإسلامُ: فلا يصحُّ من كافرٍ؛ لأنّ منْ شرطِ قَبولِ العملِ الإسلامَ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾
стр. 356
[التوبة ٥٤].
٢) انقطاعُ دمِ الحيضِ: لأنّ الحائضَ يحرُمُ عليها الصّومُ؛ لقوله ﷺ : (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
٣) انقطاعُ دمِ النِّفاسِ: لأنّه يحرم بسبب النِّفاس جميعُ ما يحرُمُ بسببِ الحيضِ؛ كما تقدّمَ في بابِه.
٤) التّمييزُ: فيجبُ على وليِّ المميّزِ المطيقِ للصّومِ أَمْرُه به لسَبعِ سنينَ، وضَرْبُه عليه لعشرٍ ليعتادَهُ؛ قياساً على الصّلاةِ.
٥) العقلُ: لأنّ حقيقةَ الصّومِ الإمساكُ عن المفطّراتِ مع النيّةِ؛ لقوله سبحانه في الحديثِ القدسيّ: (يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ للبخاريّ]؛ فأضافَ تركَ المفطّراتِ إليه، والمجنونُ لا يُضافُ الإمساكُ إليهِ؛ لأنَّه لا قصد له ولا نيَّة؛ فلمْ يجزِئه.
لكنْ لو نَوى العاقلُ ليلاً، ثمّ جُنَّ أو أُغميَ عليه جميعَ النَّهارِ، وأفاقَ منهُ جزءاً قليلاً: صحَّ صومُه؛ لوجودِ الإمساكِ فِي جُزءٍ من النّهارِ؛ كما لو نامَ بقيّةَ النّهارِ.
٦) النِّيّةُ منَ اللّيلِ لكلِّ يومٍ في صومٍ واجبٍ: -سواءً كانَ واجباً بأصلِ الشّرعِ، أو أوجبَهُ الإنسانُ على نفسِهِ؛ كالنّذرِ-؛ لحديثِ حفصةَ ﵂ مرفوعاً: (مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
* فروعٌ تتعلّق بالنيّة:
١) مَنْ خطَرَ بقلبِهِ -من غيرِ تردُّدٍ- ليلاً أنّه يصومُ غداً، أو أكلَ وشربَ بنيَّةِ
стр. 357
الصومِ؛ فقد نَوى؛ لأنّ النّيّةَ محلُّها القلبُ.
٢) لا يَضرُّ إنْ أتَى بعدَ النيّةِ بمنافٍ للصّومِ -من أكلٍ وشربٍ وجماعٍ وغيرِها-؛ لأنّ اللهَ أباحَ الأكلَ إلى آخرِ اللّيلِ؛ فلو بطلتِ النّيّةُ بهِ لفاتَ محلُّها.
٣) لا يضرُّ أيضاً إنْ قالَ: «غداً أصومُ إنْ شاءَ اللهُ» غيرَ متردِّدٍ؛ كما لا يفسدُ إيمانُه بقولِه: «أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ»؛ فإنْ قصدَ بالمشيئةِ الشَّكَّ أو التّردُّدَ في العزمِ والقصدِ: فسدتْ نيّتُه؛ لعدمِ الجزمِ بها.
٤) لا يضرُّ لو قالَ ليلةَ الثّلاثينَ منْ رمضانَ: «إنْ كانَ غداً منْ رمضانَ فهو فَرْضي، وإلاَّ فأنا مفطرٌ»، وبانَ أنّه من رمضانَ، ويجزئُه؛ لأنّه بَنَى على أصلٍ لم يثبتْ زوالُه؛ وهو بقاءُ الشَّهرِ؛ فلا يضرُّ التردُّدُ في النيّةِ.
ويضرُّ إنْ قالَ ذلك في أوّلِ رمضانَ -ليلةَ الثّلاثينَ من شعبانَ-، ولا يجزئُه؛ لأنّه ليس هناك أصلٌ يُبنى عليهِ.
ثالثاً: فرائضُ الصّومِ:
فرضُ الصِّيامِ -سواءً كان فرضاً أو نفلاً-: الإمساكُ عنْ جميعِ المفطِّراتِ منْ طلوعِ الفجرِ الثّانِي إلى غروبِ الشّمسِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، وحديثِ عمر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 358
رابعاً: سُننُ الصّيامِ:
سُننُ الصِّيامِ ستّةٌ:
١) تعجيلُ الفطرِ إذا تحقّقَ الغروبُ؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) [رواه البخاري ومسلم].
ويباحُ له الفطرُ إذا غلبَ على ظنِّه غروبُ الشّمسِ؛ لحديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵂ قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ) [رواه البخاري]. ويحرمُ فطرُه مع شكِّهِ في الغروبِ؛ فإن أفطرَ ولم تغرُب لزِمَه القضاءُ.
والفطرُ قبلَ صلاةِ المغربِ أفضلُ؛ لقولِ أنسٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُّصَلِّيَ … ) [رواه أبو داود والتّرمذي].
٢) تأخيرُ السُّحورِ ما لمْ يخشَ طلوعَ الفجرِ الثّانِي؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ قالَ: (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم].
والسُّحورُ سنّةٌ بإجماعٍ؛ قال الإمامُ ابنُ المنذرِ في «الإجماعِ»: «وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ».
٣) الزيادةُ فِي أعمالِ الخيرِ؛ كقراءةِ القرآنِ، والذّكرِ، والصّدقةِ، وغيرِها؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ
стр. 359
للبخاري].
٤) قولُه جهراً إذا شُتِمَ: «إنِّي صائمٌ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ مرفوعاً، وفيه: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) [رواه البخاري ومسلم].
٥) قولُه عند فطرِهِ: «اللّهمَّ لكَ صمتُ، وعلى رزقِكَ أفطرتُ؛ سُبحانَكَ وبحمدِكَ؛ اللّهمَّ تقبّلْ منِّي إنّكَ أنتَ السّميعُ العليمُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ وأنسٍ ﵃ قالا: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ، قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ؛ تَقَبَّلْ مِنِّي؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [رواه أبوداود والطبرانيُّ في «الدُّعاء»، وضعّفه الهيثميُّ وغيره]. ويقولُ ما رواه ابنُ عمرَ ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ) [رواهُ الدّارقطنيّ].
٦) فطرُهُ على رُطَبٍ؛ فإنْ لمْ يجِدْ فعلى تمرٍ؛ فإنْ لمْ يجدْ فعلى ماءٍ؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُّصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعلى تَمَرَاتٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَراتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ) [رواه التّرمذي].
* * *
стр. 360
فصل في صيامِ أهلِ الأعذارِ
أوَّلاً: أقسامُ الناسِ في صيامِ رمضانَ:
ينقسم الناس في صيام رمضان إلى أقسام ثلاثة:
الأوَّل: من يَحرمُ عليه الفِطْرُ ويَجبُ عليه الصَّومُ:
وهو المسلمُ البالغُ العاقلُ المقيمُ القادرُ عليه. فمن لم يكن له عذرٌ يُبِيحُ الفِطرَ، يجبُ عليه الصومُ، ويحرمُ عليه الفِطرُ؛ لأنَّ صومَ رمضان فريضةٌ واجبةٌ، لا تبرأ الذمَّة إلَّا بأدائه.
- فإن أفطرَ عامداً في نهارِ رمضانَ، فيجبُ عليه أربعةُ أمورٍ:
١) الإمساكُ بقيَّة اليومِ؛ تعظيماً لشهر رمضان، ومراعاةً لحُرمتِه، ولأنَّه مأمورٌ بالإمساكِ جميعَ النهارِ؛ فمخالفتُه في بعضِه لا يبيحُ له المخالفةَ في الباقي.
٢) قضاءُ اليومِ الذي أفطرَ فيه؛ لما جاء عن ابن عمرَ ﵄ قال: (مَنْ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيهِ القَضَاءُ) [رواه مالك في الموطأ]؛ فبيَّن أنَّ من تعمَّد إبطالَ صومِه فإنَّ ذمَّته لا تبرأُ إلَّا بصيامِ يومٍ مكانَه قضاءً.
٣) التوبةُ والاستغفارُ؛ لأنَّه بتعمُّدِه الفِطرَ قد أتى بمنكرٍ عظيمٍ، وارتكبَ كبيرةً من الكبائرِ، فيلزمُه أن يتوبَ إلى الله تعالى توبةً نصوحاً.
٤) الكفَّارة لمن أفطر بالجماع. وسيأتي بيانها.
стр. 361
الثاني: من يجبُ عليه الفِطرُ ويحرمُ عليه الصومُ:
فهؤلاء يحرمُ عليهمُ الصومُ، ويجبُ عليهمُ الفِطرْ، وهم:
١) الحائضُ والنُّفَساءُ: لحديث مُعاذَة قالت: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) [رواه مسلم].
٢) من يحتاجُ إلى الفِطرِ لإنقاذِ معصومٍ من مَهْلَكَةٍ؛ كإنقاذِ الغريقِ أو المحاصرِ بالنيران؛ لأنَّ هذه ضرورةٌ أبيحَ معها فِعلُ المحظور، ولأنَّ الصومَ يمكنُ تدارُكُه بالقضاء؛ بخلافِ النفسِ المعصومةِ فلا يمكنُ تدارُكُها إذا هَلَكَت.
الثالث: من يُسنُّ له الفِطرُ؛ وهم:
١) المسافرُ الذي يُباحُ له قَصْرُ الصَّلاةِ: وذلك لقولِ الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤].
- والأفضلُ في حقِّ المسافرِ الفِطْرُ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ أَنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ) [رواه البخاري ومسلم]، فإن صامَ أجزأه؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسْلَمِيّ ﵁ أنه قال: (يَا رَسُولَ الله أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ في السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ الله فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) [رواه مسلم].
стр. 362
٢) المَريض: وهو الذي أُصيبَ بِعِلَّةٍ أو مَرضٍ يَشُقُّ معه الصَّوم، أو يُؤدِّي إلى تأخُّر شِفائه؛ فيُباحُ له الفِطرُ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤]. وقد سبق تفصيلُ أحوالِ المريضِ، وما يترتَّبُ عليه من قضاءٍ أو إطعامٍ.
الرابع: من يُباحُ له الفِطرُ؛ وهم:
١) المقيمُ إذا سافرَ في أثناءِ النهارِ سفراً مباحاً يبلغُ مسافةَ القصْر: لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤]. ولا يباح له الفِطْرُ إلَّا بعد مفارقة العمران. والأفضل في حقِّه إتمام الصيام.
٢) الحَامِل والمُرْضِع: يباحُ للحاملِ والمرضعِ الإفطارُ في نهارِ رمضانَ لأحدِ سببين:
أ - أنْ تخافا على نَفسَيْهِما: فيباحُ لهما الفِطرُ، وعليهما القضاءُ فقط من غير إطعامٍ؛ لأنَّهما بمنزلةِ المريضِ الذي يخافُ على نفسِهِ.
ب- أنْ تخافا على وَلَدَيْهما: فيباحُ لهما الفِطرُ، ويجبُ عليهما القضاءُ؛ لأنَّهما يَطيقانِ الصيام، وعلى وليِّ الولدِ أن يُطعِمَ عن كلِّ يومٍ أفطرتاهُ مسكيناً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة ١٨٤]؛ قال ابن عبَّاس ﵄: ( … وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتا - قال أبو داود: يعني عَلَى أَولادِهِما- أَفْطَرَتا وَأَطْعَمَتا) [رواه أبو داود].
стр. 363
ثانياً: أحكامُ زوالِ أعذارِ الصيامِ في نهارِ رمضان:
كلُّ من زالَ عُذرُه المانعُ من الصيامِ في أثناء نهارِ رمضان وهو مفطرٌ؛ كالكافر إذا أسلمَ، والحائضِ والنُّفساءِ إذا طهرتا، والمريضِ إذا بَرئ من مرضِه، والمسافرِ إذا قَدِمَ من سفرِه إلى محلِّ إقامتِه، والمجنونِ إذا أفاقَ من جنونِه؛ فيلزمُهم أمران:
١) الإمساكُ بقيَّة النهارِ؛ مراعاةً لحُرْمَة الشَّهرِ، وزوالِ السببِ المُبيحِ للفِطرِ؛ لأنَّ زوالَ السبب لو وُجِدَ قبل الفَجْر أَوْجَبَ الصيام، فإذا طرأ بعد الفَجْر أَوْجَبَ الإمساكَ؛ كما لو ثبتَ الشهرُ بالرؤية في أثناءِ النهارِ.
٢) القضاءُ؛ فمن زال عذرُه قبل غروبِ الشمسِ عليه قضاءُ اليومِ الذي زالَ عذرُه فيه؛ لأنَّه أدركَ بعضَ وقتَ العبادةِ فلَزِمَه قضاؤها؛ كالذي يُدرِكُ بعضَ وقتِ الصلاةِ.
- ومن أفطرَ لعُذرٍ في رمضانَ، ليس له أن يصومَ غيرَه فيه؛ كصيام كفَّارةٍ،
أو تطوُّعٍ؛ لأنَّ صيامَ رمضانَ عبادةٌ وقتُها لا يسعُ غيرَ الفَرْضِ الذي فيه.
* * *
стр. 364
فصل في المفطِّراتِ
يَفسدُ الصومُ بإتيانِ شيءٍ من مُفطِّراتِ الصيام، وهي:
١) خروجُ دمِ الحيضِ والنفاسِ:
يبطلُ صيامُ المرأةِ إذا خرجَ دمُ الحيضِ أو النفاسِ قبل الغروب ولو بلحظة، بإجماع أهل العلم؛ والأصلُ في بطلانِ الصيامِ حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَم تُصَلِّ وَلَم تَصُمْ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري]، وحديث مُعاذَة لمّا سألت عائشةَ ﵂ عن قضاءِ الحائضِ الصومَ دون الصلاةِ، فقالت: (كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) [رواه مسلم].
٢) الموتُ:
وهو مفسدٌ للصومِ؛ لأنَّ الموتَ يقطعُ عملَ الإنسانِ، ويُسقطُ التكليفَ؛ وفي الحديث عن النبيِّ ﷺ قال: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثةٍ) [رواه مسلم].
٣) الرِّدَّةُ:
وهي الرجوعُ عنِ الإسلامِ إلى الكُفْرِ باختيارِه؛ فمن ارتدَّ عن دينِ الله وكان صائماً، فَسَدَ صيامُه؛ لأنَّ الكُفْرَ يُحبِطُ الأعمالَ كلَّها؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ
стр. 365
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣].
٤) العَزْمُ على الفِطْرِ، والتردُّدُ في الصَّومِ:
إذا نوى الصائمُ الإفطارَ في أثناء النهارِ فقد فَسَدَ صَومُه؛ لأنَّ الصومَ عبادةٌ يُشتَرَطُ لها النيَّة في جميع أجزائِها؛ فإذا فَسَدَتِ النيَّةُ فَسَدَت معها العبادَةُ.
ويَفسُدُ الصومُ أيضاً إذا تردَّد في نيِّة الصومِ؛ لأنَّه لا بدَّ من الجَزْمِ بالنيَّةِ؛ بأنْ يكونَ عازماً على الصومِ.
٥) القَيءُ عَمْداً:
يفطرُ الصائمُ إذا تعمَّدَ القَيءَ قليلاً كان أو كثيراً، ويستوي في ذلكَ تعمُّدُه القَيءَ بوضعِ أصبعِهِ في حَلْقِه، أو شمِّ رائحةٍ تثيرُه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ( … وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ) [رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه، واللفظ للترمذي].
٦) الاحتقانُ منَ الدُّبرِ:
يَفسدُ الصومَ إذا استعملَ الصائمُ حُقْنةً يحقنُ بها الدواءَ من الدُّبُرِ -وهو ما يُسمَّى بالحُقنِ الشَّرْجيَّة-؛ لأنَّ الدُّبُرَ طريقٌ موصِلٌ إلى الجَوفِ، والمدْخَلُ غير المعتادِ للجوفِ كالمدْخِلِ المعتاد في حُكمِ الواصلِ إليه.
٧) بلعُ النُّخامَةِ إذا وَصَلَتْ إلى الفَمِ:
النُّخامَةُ: ما يُلقيه الرَّجُلُ من الصَّدْرِ، وهو البَلْغَمُ اللَّزِجُ، وتسمَّى النُّخاعَة.
стр. 366
فإذا خرجتِ النُّخامَة من الصَّدْر ووصلتِ إلى الفَمِ، فَبَلَعَها الصائمُ متعمِّداً، فقد أفسدَ صومَه؛ لأنَّه لا يَشُقُّ التحرُّزُ منها، وهي تختلفُ عن الرِّيقِ والبُصاقِ؛ لأنَّ مصدرَهُ الفم، بخلافِ النُّخامَةِ.
٨) الحِجامَةُ:
وهي امتصاصُ الدَّمِ بالمِحْجَم -وهي القارورةُ التي يُجمعُ فيها دَمُ الحِجامَةِ-.
والحِجامَةُ يَفطُرُ بها الحاجِمُ والمَحجومُ؛ لحديث شدَّاد بن أَوْسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
٩) إنزالُ المَنِيِّ بتَكرارِ النَّظَرِ إلى ما يُثيرُ الشَّهْوَةَ:
- فيفسُدُ الصومُ بذلك؛ لأنَّه إنزالٌ بسببِ التلذُّذِ الذي يمكنُ التحرُّزُ منه.
- فإن أنزلَ من نظرةٍ واحدةٍ، أو بالتفكيرِ، أو الاحتلامِ، لم يفسدِ الصومُ؛ لأنَّ ذلك لا يمكنُ التحرُّزُ منهُ.
- ولا يَفسُدُ الصومُ بخروجِ المَذْي أيضاً، ولو كان بسبب تَكرارِ النظرِ؛ لأنَّه ليس فيه نصٌّ يدلُّ على الفِطْرِ به، وهو يختلفُ في طبيعتِهِ وأحكامِهِ عن المَنِيِّ؛ فيبقَى على الأصلِ.
١٠) خروجُ المَنِيِّ بشَهْوَةٍ:
يُفسِدُ الصائمُ صومَهُ إذا خرجَ منه المَنِيُّ بشَهْوَةٍ؛ بسببِ تقبيلٍ، أو لمسٍ، أو استِمْناءٍ، أو مباشرةٍ دون الفَرْجِ؛ لأنَّه إنزالٌ عن مباشرةٍ، فأشبَهَ الجِماعَ، وقدْ أومأتْ عائشةُ ﵂ إلى هذا المعنَى فقالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ،
стр. 367
وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
١١) الأكلُ والشُّرْبُ:
من أكلَ أو شربَ في نهار رمضانَ متعمِّداً فقد أبطلَ صومَهُ بالإجماعِ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلي) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
١٢) كلُّ ما وصلَ إلى الجَوْفِ أو الحَلْقِ أو الدِّماغِ:
فكلُّ ما يُدخِلُهُ الصائمُ إلى جَوفِهِ ويصلُ إلى مَعِدَتِه باختيارِه، وكان ممَّا يمكنُه التحرُّزُ منه، فإنَّه يُبطِلُ الصومَ؛ كالقَطْرَةِ في الأَنفِ والأُذُنِ والعَينِ، أو الكُحْلِ في العَينِ، أو الدواءِ الذي يصلُ إلى الدِّماغِ -كما في الجُروحِ العَميقَةِ للرأسِ-، أو مَضَغَ عِلْكَةً (اللِّبان)، أو ذاقَ طعاماً، أو بَلعَ رِيقَه بعد أن وصلَ إلى ما بين شَفَتَيْهِ؛ فكلُّ ذلك يَفطُرُ به إذا عَلِمَ أنَّه يصلُ إلى جَوْفِهِ، أو وَجَدَ طَعْمَهُ في حَلْقِهِ؛ لقول النبيِّ ﷺ للَقِيطِ بن صَبُرَة: (وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه]. فدلَّ على أنَّ المبالغةَ في الاستنشاقِ مَظنَّةُ دخولِ الماءِ إلى الجَوفِ فيَفسُدُ به الصيامُ.
- وكلُّ ما سبقَ من المفطِّرات إذا فَعَلَهُ الصائمُ ناسياً أو مكرَهاً؛ فإنَّه لا يَفسُدُ صومُه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّما أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ) [رواه البخاري ومسلم]. فنصَّ
стр. 368
على الأكلِ والشُّربِ، ويقاسُ عليهما بقيَّة المفطِّرات.
وأمَّا عدمُ الفِطرِ بالإكراهِ على تناول المفطِّرات؛ فقياساً على من ذَرَعَهُ القَيءُ وغَلَبَهُ؛ لقول ابن عمرَ ﵄: (وَمَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيهِ القَضَاءٌ) [رواه مالك في الموطأ].
- لا يَفسُدُ الصومُ بدخولِ الغُبارِ، أو الذُّبابِ، ونحوهما إلى الحَلْقِ بغير قَصْدٍ، وكذا إذا جَمَعَ الصائمُ رِيقَهُ فبَلَعَهُ؛ لأنَّ هذه الأمور ممَّا يشقُّ التحرُّزُ منها، والله تعالى لا يُكلِّف نفساً إلى وُسْعَها.
١٣) الجِمَاع:
الجماعُ المفسدُ للصومِ ما يكونُ بالتِقاءِ الخِتانَينِ وتغييبِ الحَشَفَةِ في أحدِ السَّبيلَيْنِ، سواء أَنْزَلَ أم لم يُنْزِلْ؛ فإذا جامعَ الصائمُ في نهارِ رمضانَ فسدَ صومُه، وترتَّب عليه القضاءُ والكفَّارةُ. وسيأتي مزيدُ بيانٍ لأحكامِهِ في الفصلِ الآتي.
* * *
стр. 369
فصل في كفَّارةِ الجِماعِ في نهارِ رمضانَ
أوَّلاً: حُكمُ الرَّجُلِ المُجامِعِ في نهارِ رمضانَ:
مَنْ جامع في نهارِ رمضانَ في قُبُلٍ أو في دُبُرٍ، وهو في حالةٍ يلزمُه فيها الإمساكُ؛ بأنْ لا يكون مسافراً ولا مريضاً، لزمَه القضاءُ والكفَّارةُ، سواءً كان عامداً أم ناسياً، مختاراً أم مُكرَهاً، وسواءً كان من جامَعَهُ آدميًّا -ولو ميِّتاً- أم غيرَه؛ كبهيمةٍ وطيرٍ ونحو ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكْتُ قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لا! قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لا! فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لا! قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ- وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ- قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله؟! فَوَالله مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا وجوبُ القضاءِ؛ فلقول النبيِّ ﷺ للرَّجل الذي جامَعَ أهلَهُ -كما جاء في بعض روايات هذا الحديث: ( … وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهَ) [رواه أبو داود].
стр. 370
وأمَّا كونُ السَّاهي كالعامدِ، والمُكرَه كالمختار؛ فلأنَّه ﷺ أمَرَ هذا الأعرابيَّ بالكفَّارة ولم يستفْصِلْهُ: أهو ناسي أم ذاكرٌ؟ أهو مكرَهٌ أم غير مكرَهٍ؟ أهو جاهلٌ أم عالمٌ؟ ولو افترق الحال لَسَألَهُ واستفْصَلَه؛ لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوز، ولأنَّ الصومَ عبادةٌ يحرمُ الوطءُ فيها؛ فاستوَى فيه العَمْدُ وغيرُ العَمْدِ؛ كالجِماعِ في الحَجِّ.
ثانياً: حُكمُ المرأةِ التي جامَعَها زوجُها في نهارِ رمضانَ:
أمَّا الزوجةُ التي جامَعَها زوجُها في نهارِ رمضانَ: فإنْ طاوَعَتْهُ على الجِماعِ، ولم تكنْ ناسيةً أنَّها في نهارِ رمضانَ، أو جاهلةً بحُكمِ الجِماعِ في نهارِ رمضانَ؛ فعليها كذلك القضاءُ والكفَّارةُ؛ لأنَّها هَتَكَتْ صومَ رمضانَ بالجماعِ؛ فوَجَبَ عليها القضاءُ والكفَّارةُ، كالرَّجُلِ.
أمَّا إذا كانتِ المرأةُ مكرَهةً أو ناسيةً أو جاهلةً؛ فعليها القضاءُ فقط دون الكفَّارةِ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ) [رواه ابن ماجه والحاكم].
ثالثاً: كفَّارةُ الجِماعِ في نهارِ رمضانَ:
والكفَّارةُ هي: عِتْقُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ، فإنْ لم يجد فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، فإن
لم يستطعْ فإطعامُ ستِّينَ مِسكيناً، فإنْ لم يجدْ سقطتْ عنه الكفَّارة، ووجبَ عليه القضاءُ فقط؛ والدليلُ على ذلك حديثُ الأعرابيِّ السابقُ، بخلافِ سائرِ الكفَّاراتِ
стр. 371
الأخرى؛ ككفَّارةِ الظِّهارِ واليمينِ، وكفَّاراتِ الحَجِّ؛ فإنَّها لا تسقطُ بالعَجْزِ عنها، وإنَّما تبقَى في الذمَّةِ.
- والكفَّارةُ لا تكونُ في شيء من المُفَطِّراتِ في رمضانَ إلَّا في الجِماعِ؛ سواءً أنزلَ أم لم يُنْزِلْ، والمُساحَقَةُ -وهي التي تكونُ بين امرأتينِ- في حالِ الإنزالِ؛ قياساً على الجِماعِ، وما عدا ذلك من المُفطِّراتِ ففيه القضاءُ فقط على التفصيل الذي سَبقَ.
- والكفَّارةُ على الترتيب كما جاء في الحديث؛ فإذا قدرَ على العِتقِ فلا يجوزُ له الصيامُ، وإذا عجزَ عن العِتقِ وقدرَ على الصيامِ فلا يجوزُ له الإطعامُ.
* * *
стр. 372
فصل في قضاءِ ما فاتِ من رمضانَ
أوَّلاً: حُكمُ قضاءِ رمضانَ:
من فاتَه صيامُ رمضانَ كلُّه أو بعضُه لعُذْرٍ أو لغير عُذْرٍ، وجبَ عليه قضاءُ هذه الأيَّامِ الفائتةِ؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٥].
ثانياً: كيفيةُ قضاءِ صيامِ رمضانِ:
يستحبُّ له أن يقضيَ ما فاتَه من رمضانَ متتابِعاً على الفورِ -أي بعد انتهاءِ رمضانَ وزوالِ العُذْرِ-؛ لأنَّه أحوطُ وأسرعُ في إبراءِ الذمَّةِ، ويجوزُ له أن يَقضيَهُ مُفَرَّقاً؛ لأنَّ قولَ الله : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ جاء مُطلقاً غير مقيَّدٍ بالتتابعِ، ولما ثبت عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال في قضاءِ رمضانَ: (صُمْهُ كَيفَ شِئْتَ) [رواه ابن أبي شيبة].
- وإذا لم يبقَ من أيَّام شعبانَ إلَّا ما يتَّسِعُ للقضاءِ فقط؛ فحينئذٍ يجبُ عليه القضاءُ متتابعاً؛ وذلك لضيقِ الوقتِ، ولحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ في شَعْبَانَ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 373
ثالثاً: تأخيرُ قضاء صيامِ رمضانَ:
إنْ أخَّر القضاءَ لغيرِ عُذْرٍ حتَّى دخلَ عليه رمضانُ آخرُ، فعليه القضاءُ وإطعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ؛ لما ثبت عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: (مَنْ فَرَّطَ فِي صِيامِ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يُدْرِكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلْيَصُمْ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ لْيَصُمْ مَا فَاتَهُ، وَيُطْعِمْ مَعَ كُلِّ يَومٍ مِسْكِينًا) [رواه الدارقطني].
- فإنْ ماتَ دونَ أن يقضيَ ما عليه، فالواجبُ حينئذٍ أن يُطْعمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكيناً؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكينًا) [رواه الترمذي وقال: الصحيح أنّه موقوف على ابن عمر]. ولا يُصامُ عنه؛ لأنَّ الصومَ الواجبَ بأصلِ الشَّرع لا يُقْضَى عنه؛ لأنَّه لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ في الحياةِ، فكذا بعد الموتِ؛ كالصلاةِ.
- أمَّا إنْ كان التأخيرُ لعذرٍ؛ كمرضٍ، أو سَفَرٍ، ونحو ذلك، فلا يجبُ عليه الإطعامُ؛ لعدمِ الدليلِ على وجوبِه، وإنَّما يجبُ عليه القضاءُ بعد زوالِ العُذْرِ.
فإنْ ماتَ قبل زوالِ العُذْرِ فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّه حقٌّ لله تعالى وجبَ بالشَّرعِ، وقد ماتَ مَنْ وجبَ عليه قبلَ أن يتمكَّن من فِعْلِه؛ فيسقطُ إلى غير بَدَلٍ؛ كالحَجِّ.
رابعاً: تقديمُ القضاءِ على صيامِ التطوُّعِ:
لا يصحُّ صومُ التطوُّع قبل أنْ يقضيَ ما عليه من رمضانَ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: ( … وَمَنْ صَامَ تَطَوُّعاً وَعَلَيهِ مِنْ رَمَضَانَ
стр. 374
شَيءٌ لَمْ يَقْضِهِ فَإِنَّهُ لا يُتَقَبَّلْ مِنهُ حَتَّى يَصُومَهُ) [رواه أحمد بإسناد ضعيف]. وقياسًا على الحجِّ في عدمِ جوازِ أنْ يحجَّ عن غيرِه، أو يحجَّ تطوُّعًا قبل حَجِّ الفريضَةِ.
خامساً: تغييرُ نيَّةِ الصومِ من الواجبِ إلى النَّفْلِ:
إذا نَوَى صوماً واجباً أو قضاءً، ثمَّ قَلَبَهُ نفلاً، صحَّ ذلكَ؛ كما في الصلاةِ.
* * *
стр. 375
فصل في صيام التطوع
أوَّلاً: الصيام المستحبُّ:
يستحبُّ للمسلم صيامُ الأيامِ التالية:
١) صيامُ يومٍ وإفطارُ يومٍ؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا … ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ، ويستحبُّ أن تكونَ أيَّام البِيضِ؛ وهي يومُ الثالثَ عَشَرَ، والرابعَ عَشَرَ، والخامِسَ عَشَرَ من كلُّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) [رواه البخاري ومسلم]. ولحديث أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) [رواه الترمذي والنسائي، واللفظ للترمذي].
وسميت هذه الأيام بيضاً؛ لأنها تبيضُّ ليلاً بالقمر، ونهارًا بالشَّمس.
٣) صيامُ يوم الاثنينِ والخميسِ؛ لحديث أسامةَ بن زيدٍ ﵄ قال: (إِنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ) [رواه أبو داود -واللفظ له- والنسائي].
стр. 376
٤) صيامُ سِتَّة أيَّامٍ من شَوَّال؛ لحديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) [رواه مسلم].
٥) صيامُ شَهْرِ الله المُحَرَّم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ الله المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) [رواه مسلم].
٦) صيامُ يومِ عاشُوراءَ -وهو يومُ العاشِرِ من مُحرَّم-؛ لأنَّه يُكفِّرُ سَنَةً كاملةً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) [رواه مسلم].
٧) صيامُ التسعةِ أيَّامٍ الأُولَى من ذِي الحِجَّةِ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ-. قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
وعن هُنَيدَةَ بن خالدٍ عن امرأتِه عن بعض أزواجِ النَّبيِّ ﷺ قالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ … ) [رواه أبو داود -واللفظ له- والنسائي].
стр. 377
٨) صيامُ يوم عَرَفَةَ -وهو يومُ التاسِعِ من ذِي الحِجَّة-؛ لقول النبيِّ ﷺ : (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ … ) [رواه مسلم]. إلَّا في حقِّ الحاجِّ فيستحبُّ له الفِطرُ يوم عَرَفَةَ؛ لفعلِ النبيِّ ﷺ .
ثانياً: الصيامُ المكروهُ:
يُكْرَهُ للمسلمِ صيامُ الأيَّام التاليةِ:
١) إفراد شهر رجب كاملاً بالصوم؛ لأنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يُعظِّمونه، وقد ثبت عن عمرَ ﵁ أنَّه كان (يَضْرِبُ أَكُفَّ الرِّجَالِ فِي صَوْمِ رَجَبٍ حَتَّى [يَضَعُوهَا] فِي الطَّعَامِ وَيَقُولُ: رَجَبٌ وَمَا رَجَبٌ، إِنَّمَا رَجَبٌ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ تُرِكَ) [رواه ابن أبي شيبة والطبراني في «الأوسط»، واللفظ له].
- فإن أفطر فيه يوماً أو عدَّة أيَّام زالت الكراهة، قال ابن قُدامة في «المغني»: «قال أحمدُ: وإن صامَه رجلٌ أفطرَ فيه يوماً أو أيَّاماً بقدر ما لا يصومُه كلّه».
٢) صيامُ يوم الجُمُعةِ مُنْفرِداً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: (لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) صيامُ يوم السَّبتِ منفرداً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ … ) [رواه أبو داود والترمذي]، ولأنَّه يوم تُعظِّمُه اليهودُ؛ ففي إفرادِه تشبُّه بهم.
стр. 378
فإن صامَ معه غيره لم يُكْره؛ لحديث جُوَيرِيَة بنت الحارث ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لا! قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لا! قَالَ: فَأَفْطِرِي) [رواه البخاري].
- وكذلك إذا وافقَ يومُ السبتِ يوماً اعتادَ على صيامِهِ؛ كيومِ عَرَفَةَ، ويومِ عاشُورَاءَ؛ فلا كراهة حينئذٍ؛ لأنَّ العادةَ لها تأثير في ذلك.
٤) صيامُ يومِ الشَّكِّ -وهو يومُ الثلاثين من شعبانَ إذا لم يكن في السماء غَيْمٌ، أو غبارٌ، ولم يتراءى الناسُ الهلالَ-؛ لقول عمَّار ﵁: (مَنْ صَامَ اليَومَ الِّذِي يَشُكُّ بِهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ [رواه البخاري معلقاً، ووصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
إلَّا إذا وافقَ هذا اليومُ يوماً تعوَّد الشخصُ صيامِه؛ كيومِ الاثنين، أو الخميس، ونحو ذلك، فلا كراهة حينئذٍ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: الصيام المُحرَّم:
يحرمُ على المسلمِ صيامُ الأيَّام التالية:
١) صيامُ يومَي العِيدِ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ) [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].
стр. 379
٢) صيامُ أيَّامِ التَّشريقِ -وهي يومُ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحِجَّة-؛ لقول النبيِّ ﷺ : (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) [رواه مسلم].
ويُستثنى مِنْ ذلك مَنْ لم يجدِ الهَدْيَ ممَّن وجبَ عليه الهَدْيُ من الحجَّاج.
* تنبيه:
- إذا صامَ الإنسانُ يوماً تطوُّعاً لم يجب عليه إتمامُه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا عِنْدَنَا شَيءٌ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ -أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ -أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا. قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ. قَالَ: هَاتِيهِ. فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) [رواه مسلم].
والحَيْسُ: هو الخَليطُ من التَّمر والسَّمْن والأَقِطِ.
والزَّوْرُ: أي الزائرون.
- أمَّا إذا صامَ صَوماً واجِباً؛ كقضاءِ رمضانَ، أو صيام كفَّارة، أو نَذْرٍ، ونحو ذلك؛ فيجب عليه أن يُتِمَّه، ولا يجوز له أن يَخرجَ منه بغير عُذْرٍ؛ لأنَّه واجب في ذمَّتِه، وقد تعيَّن بدخولِه فيه؛ فوجبَ عليه أن يُتِمَّه حتَّى تَبرأَ ذمَّتُه، ويخرجَ من عُهْدَتِه؛ إلَّا إذا قَلَبَهُ تطوُّعاً؛ فحينئذٍ يثبتُ له حُكمُ التطوُّع.
* * *
стр. 380
كتابُ الاعتِكافِ
أوَّلاً: تعريفُ الاعتكافِ:
الاعتكافُ هو: لزومُ المسجدِ لطاعةِ الله على صفةٍ مخصوصةٍ، منْ مسلمٍ، عاقلٍ، طاهرٍ ممّا يوجبُ غُسْلاً.
ثانياً: حُكمُ الاعتكافِ:
الاعتكافُ مستحبٌّ في كلِّ وقتٍ، وهو في رمضانَ آكدُ؛ خصوصاً في العَشْرِ الأواخرِ؛ لحديثِ عائشةِ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
ويجبُ الاعتكافُ بالنَّذْرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: (أَنَّ عُمَرَ قَالَ:
يَا رَسُولَ الله! إِنِّي نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ) [رواه البخاري].
قال الإمامُ ابنُ المنذرِ في «الإجماع»: «وَأَجمعُوا على أنّ الاعتكافَ لا يجبُ على النّاسِ فرضاً إلّا أن يُّوجبَه المرءُ على نفسِهِ؛ فيجبُ عليهِ».
ثالثاً: شروطُ صحّةِ الاعتكافِ:
شروطُ صحّتِهِ سبعةُ أشياءَ:
١) النِّيَّةُ.
стр. 381
٢) الإِسلامُ.
٣) العقلُ.
٤) التّمييزُ؛ كما هو الشّأنُ في سائرِ العباداتِ؛ فلا يصحُّ من كافرٍ، ولا مجنونٍ، ولا طفلٍ؛ لعدمِ النيّةِ المعتبرةِ شرعاً.
٥) عدمُ ما يوجبُ الغُسْلَ: لقولِه ﷺ : (لا أُحِلُّ الَمسْجِدَ لِجُنُبٍ، وَلا حَائِضٍ) [رواه أبو داود وابن ماجه]. فلا يصحُّ من جُنُبٍ ولو متوضِّئاً.
٦) كونُ الاعتكافِ بمسجدٍ: لقولِه : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. فلا يصحُّ بغير مسجدٍ؛ باتّفاق العلماء.
٧) أن يَّكونَ المسجدُ ممّا تقامُ فيهِ الجماعةُ؛ في حقِّ منْ تلزمُه الجماعةُ؛ لئلّا يَتركَ الجماعةَ، وهي واجبةٌ عليهِ، أو يَتكرّرَ منه الخروجُ المنافِي للاعتكافِ، وهو يمكنه التّحرُّزُ منه.
* ما يدخلُ فيِ المسجدِ:
١) يدخلُ فيِ المسجدِ ما زِيدَ فيهِ؛ حتّى في الثّوابِ؛ كالمسجدِ الحرامِ، ومسجدِ المدينةِ أيضاً؛ لعمومِ الحديثِ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) سَطْحُهُ؛ لعمومِ الآيةِ: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
٣) رَحْبَتُهُ المَحُوطَةُ؛ لأنّها معَهُ، وهي تابعةٌ لهُ.
٤) منارتُهُ الّتِي هيَ أو بابُها في المسجِدِ؛ لأنّها في حكمِهِ، وهي تابعةٌ لهُ.
стр. 382
* نذرُ الاعتكافِ في مسجدٍ معيّنٍ:
منْ نذَرَ الاعتكافَ بمسجدٍ معيّنٍ غيرِ المساجدِ الثّلاثةِ -المسجد الحرام، والنّبويّ، والأقصى-: لم يتعيّنْ، ويُخيَّرُ بين الاعتكافِ بهِ أو بغيرهِ؛ لأنّ اللهَ تعالى لمْ يُعيّنْ لعبادتِهِ مكاناً؛ فلمْ يتعيَّنْ بالنّذرِ؛ كمنْ نذَرَ صلاةً بغيرِ المساجدِ الثلاثةِ.
ومن نَذَرَ اعتكافاً في أحدِ المساجدِ الثّلاثةِ لم يجزِئْهُ في غيرِهِ إلّا أن يّكونَ أفضلَ منهُ؛ فمن نَذَرَ فِي المسجدِ الحرامِ لمْ يجزِئْهُ غيرُهُ، ومنْ نذَرَ في مسجدِ المدينةِ أجزأَهُ فيهِ وفيِ المسجدِ الحرامِ، ومنْ نذَرَ فيِ الأَقْصَى أجزأَهُ في الثلاثةِ؛ لحديث جابر ﵁: (أَنَّ رَجُلاً قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي نَذَرْتُ لله إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: صَلِّ هَا هُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: شَأْنَكَ إِذًا) [رواه أبو داود].
رابعاً: مُبطلاتُ الاعتكافِ:
يبطلُ الاعتكافُ بأحد الأمور التالية:
١) الخروجُ منَ المسجدِ لغيرِ عُذْرٍ؛ لحديثِ عائشة ﵂ قالت: (كَانَ -تعني: النَّبِيَّ ﷺ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) [رواه البخاري ومسلم]. وقولِها: (السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) [رواه أبو داود]. وإذا خرَجَ ناسياً لم يبطُلْ.
٢) نيّةُ الخروجِ من المسجدِ، ولَوْ لمْ يخرُجْ؛ لقولِه ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 383
٣) الوطءُ فِي الفَرْجِ ولو ناسياً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. وإذا حرُمَ الوطءُ في عبادةٍ أفسدَها؛ كالصّومِ والحجِّ.
٤) الإنزالُ بالمباشرةِ دونَ الفَرْجِ؛ لعمومِ الآيةِ السّابقةِ.
٥) الرِّدَّةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥].
٦) السُّكْرُ؛ لخروجِ السَّكرانِ عن كونِهِ منْ أهلِ العبادةِ.
* حكمُ الاعتكافِ إذا فسَدَ:
إذا بطلَ الاعتكافُ بخُروجٍ ونحوِهِ؛ فلا يخلُو من أن يكونَ تطوُّعاً أو نَذْراً:
١) فإنْ كانَ الاعتكافُ تطوُّعاً: خُيِّرَ بين الرجوعِ إلى المعتكَفِ وعدمِهِ؛ لعدمِ وجوبِ الاعتكافِ بالشُّروعِ فيهِ.
٢) وإن كانَ الاعتكافُ نذراً، وجبَ الرجوعُ، ثمَّ لا يخلُو حالُ النَّاذِرِ من أحدِ ثلاثةِ أحوالٍ:
الأوّلُ: أن يكونَ النّذرُ غيرَ متتابعٍ ولا مقيَّدٍ بزمنٍ؛ كنَذْرِ عشرةِ أيّامٍ مع الإطلاقِ؛ فهذا لا يلزمُهُ قضاءٌ إلاّ اليوم الّذي أفسده، ويُتمُّ ما بقيَ عليهِ من الأيّامِ؛ معتدًّا بما مضى، ولا كفّارةَ عليهِ؛ لأنّه أتى بالمنذورِ على وجهِهِ.
الثّاني: أن يكونَ النّذرُ متتابعًا غيرَ مقيَّدٍ بزمنٍ؛ كأن يقولَ: «لله عليّ أن أعتكفَ عشرةَ أيّامٍ متتابعةٍ» -فاعتكفَ بعضَها، ثمّ خرج مثلاً-؛ فيخيّرُ بين البناءِ على ما مضى؛ بأن يقضيَ ما بقِيَ من الأيامِ فقط، وعليهِ كفارةُ يمينٍ؛ جبراً لفواتِ التّتابعِ، أو استئنافِ الاعتكافِ من جديد، ولا كفارةَ عليهِ؛ لأنّه أمكنَهُ الإتيانُ بالمنذورِ على وجهِهِ؛ فلمْ يلزمْهُ شيءٌ.
стр. 384
الثّالثُ: أن يكونَ النّذرُ مقيَّداً بزمنٍ معيّنٍ-كالعشرِ الأواخرِ من رمضانَ-؛ فعليهِ قضاءُ ما تركَ بعد رمضانَ؛ ليأتيَ بالواجبِ، وعليه كفارةُ يمينٍ؛ لتركِهِ فعلَ المنذورَ في وقتِهِ.
خامساً: ما يُباحُ للمعتكفِ، ولا يُبطِلُ الاعتكافَ:
يُباحُ للمعتَكِفِ ما يلي:
١) الخروجُ من المسجدِ لبولٍ، أو غائطٍ، أو طهارةٍ واجبةٍ، أو لإزالةِ نجاسةٍ، أو لجُمُعةٍ تلزمُهُ، ولا قضاءَ لزمنِ خروجِهِ، ولا كفَّارةَ عليهِ.
٢) الخروجُ للإتيانِ بمأكلٍ أو مشربٍ؛ لعدمِ من يأتيهِ بهِ؛ لأنّ ذلك لا بُدَّ له منهُ؛ فيدخلُ في عمومِ الحديثِ السّابقِ: (كَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا).
٣) السؤالُ عنِ المريضِ وغيرِهِ فِي طريقِهِ دونَ أن يقفَ؛ لقولِ عائشةَ ﵂: (إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) أن يمشيَ على عادتِهِ منْ غيرِ عَجَلةٍ إذا خرجَ لعذرٍ؛ لأنّ ذلكَ يشقُّ عليهِ.
سادساً: الاعتكافُ مُدَّةَ اللُّبثِ في المسجدِ:
يستحبُّ لمن قَصَدَ المسجدَ أن ينويَ الاعتكافَ مُدَّةَ لُبثِهِ فيهِ؛ لا سيِّما إنْ كانَ صائماً.
* * *
стр. 385
كتابُ الحَجِّ
أوَّلاً: تعريفُ الحَجِّ:
الحَجُّ: -بفتحِ الحاءِ وكَسْرِها، والفتحُ أشهرُ- لغةً: القَصْدُ.
وشَرْعاً: قَصْدُ مَكَّةَ للنُّسُكِ في زَمَنٍ مخصوصٍ.
ثانياً: حكمُ الحَجِّ:
الحجُّ أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسةِ؛ كما قال النبيُّ ﷺ : (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
والحجُّ واجبٌ مع العُمْرَةِ مرَّةً واحدةً في العُمُر على كلِّ مُسلمٍ ومُسلِمةٍ إذا توفَّرت شروطُ وجوبِهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]، ولحديث أَبي هُريرةَ ﵁ قال: (خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ الله عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ) [رواه مسلم]، ولحديث ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (قَدْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [رواه أبو داود والترمذي، واللفظ له].
стр. 386
ثالثاً: شروطُ وجوبِ الحَجِّ:
يُشترَطُ لوجوبِ الحجِّ ستَّةُ شروطٍ:
١) الإسلامُ: فالكافر لا يجب عليه الحج، ولا يصحُّ منه؛ لأنَّه ليس من أهل العبادات، ولأنَّه ممنوعٌ من دُخولِ الحَرَمِ.
٢) العقلُ: فلا يجبُ الحجُّ على المجنون ولا يصحُّ منه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ … وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
٣) البلوغُ: فلا يجبُ الحجُّ على الصبيِّ للحديث السابق، وفيه: (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ). لكن يصحُّ منه الحجُّ حتّى لو كان غير مميِّزٍ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) [رواه مسلم].
ولا يجزئه ذلك عن حجَّة الإسلام وعُمْرتِه، فإذا بلغَ فعليه الحجُّ والعُمْرةُ إذا وجدَ إلى ذلك سبيلاً؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى … ) [رواه الحاكم والطبراني والبيهقي].
٤) كمالُ الحُرِّيَّة: فلا يجبُ الحجُّ على العَبدِ، لكنَّه لو حجَّ فحَجُّه صحيح، إلَّا أنَّه لا يجزئه عن حجَّة الإسلام وعُمْرتِه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى) [رواه الطبراني والحاكم والبيهقي].
- إذا بلغَ الصبيُّ، أو عتق العبدُ أثناء الحجِّ، وأدركَ الوقوفَ بعَرَفَة؛ فإنَّ ذلك
стр. 387
يجزئه عن حجَّة الإسلام؛ لأنَّه أتى بالنُّسُك حالَ الكمالِ فيجزئه، ولما ثبت عن قَتادَةَ وعَطاءَ أنَّهما قالا: «إِذَا أُعْتِقَ المَمْلُوكُ، أَوِ احْتَلَمَ الغُلامُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَشَهِدَ المَوْقِفَ؛ أَجْزَأَ عَنْهُ» [رواه أبو بكر القطيعي في كتاب المناسك].
إلَّا في حالة ما لو أحرمَ الصبيُّ بالحجِّ فقط، أو قارِناً الحجَّ مع العُمْرة لكنَّه سَعَى بين الصَّفا والمروَةَ بعد طوافِ القدومِ، ثمَّ بلغَ الصبيُّ؛ فحينئذٍ لا يجزئه هذا الحجُّ عن حجَّة الإسلام؛ لوقوع السَّعي في غير وقتِ الوجوبِ؛ كما لو كبَّر للإحرام بالصلاة ثمَّ بلغَ. ولو أعادَ السَّعيَ بعد البلوغِ فإنَّه لا يجزئه كذلك؛ لأنَّه لا يُشرَعُ تَكرارُ السَّعي، ولا مجاوزة عَدَدِه.
- إذا بلغَ الصبيُّ أثناءِ العُمْرةِ قبل طوافها، ثمَّ طافَ وسَعَى؛ فإنَّ ذلك يجزئه عن عُمْرةِ الإسلامِ.
٥) الاستطاعةُ: وهي مِلْك زَادٍ -من مأكَلٍ ومشْرَبٍ وملْبَسٍ-، وراحِلَةٍ-أي ما يركبُه في رحلته إلى الحجِّ- تصلحُ لمثلِه، أو يكون معه من المال ما يستطيع به تحصيل ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقد جاء بيانُ السَّبيل في حديث أنسٍ ﵁ قال: (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة) [رواه الدارقطني والحاكم]، ولأنَّ الحجَّ عبادةٌ تتعلَّق بقَطْعِ مسافةٍ بعيدةٍ؛ فاشُترِطَ لوجوبِه الزادُ والرَّاحلةُ؛ كالجهاد.
- لكن يُشترَطُ أن يكون ذلك فاضلاً عمّا يحتاجُه من كُتُب، ومَسْكَنٍ، وقَضاءِ دَيْنٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذه تعتبر حوائج أصليَّة له؛ فتُقدَّم على الحجِّ. وكذا أن يكون
стр. 388
فاضلاً عن نفقتِه ونفقةِ عِيالِه على الدوام؛ لأنَّ النفقةَ متعلِّقةٌ بحقوقِ الآدميِّين، وهم أحوجُ، وحقُّهم آكدُ، وقد قال النبيُّ ﷺ : (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ) [رواه مسلم].
٦) المَحْرَمُ بالنسبةِ للمَرأةِ: فيشترطُ لوجوبِ الحجِّ على المرأةِ أن تجدَ مَحْرَماً يخرجُ معها للحجِّ؛ سواءً كان زوجاً أو غيرَه من محارمِها؛ كأبٍ، أو أخٍ، أو عمٍّ،
أو ابنٍ، فإن لم تجد مَحْرَماً فلا يجب عليها الحجُّ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ : (لَا تُسَافِرْ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
* ويُشترط في المَحْرَم شرطان:
أ - أن يكون مُكَلَّفاً: بأن يكون بالغاً عاقلاً؛ فلا يصحُّ أن يكونَ الصغيرُ والمجنونُ مَحْرَمين؛ لأنَّه لا يحصلُ بهما المقصودُ من حِفْظِ المرأةِ وصيانتِها. ويشترطُ كذلك أن يكون مُسلماً؛ لأنَّ الكافر لا يُؤمَنُ عليها.
ب- أن تَقْدِرَ المرأةُ على نفقتِه ونفقتِها في الحجِّ؛ لأنَّ ذلك من السَّبيلِ إلى الحجِّ فيُشترَطُ القدرةُ عليه. فإذا قَدِرت على نفقتِها ولم تقدرْ على نفقتِه فلا يجبُ الحجُّ عليها. وكذا لو تبرَّع المَحْرَمُ بنفقتِه فلا يجبُ عليها الحجُّ أيضاً؛ لأنَّ في ذلك مِنَّةً عليها.
- فإذا حجَّتِ المرأةُ بدون مَحرَمٍ فهي آثمةٌ؛ لأنَّها سافرت بلا مَحرَمٍ، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن ذلك كما في الحديث السابق، لكنَّه يجزئها عن حجَّة الإسلامِ.
стр. 389
- فمن اكتملت له هذه الشروطُ، وكان الطريق آمناً، لزمه السعيُ بنفسه إلى الحجِّ فوراً -أي في العام نفسِه-، ولو أخَّرَهُ بدون عُذْرٍ يكون آثماً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (تَعَجَّلُوا إلَى الحَجِّ -يَعْنِي الْفَرِيضَةَ- فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) [رواه أحمد]. واعتبارُ أَمْنِ الطريق؛ لأنَّ إيجابَ الحجِّ مع كون الطريق غير آمنٍ فيه ضررٌ، والضررُ منفيٌّ شرعاً؛ كما هو معلوم.
رابعاً: النيابة في الحجِّ:
إذا توفَّرت هذه الشروطُ لكنَّه عجزَ عن الذهاب إلى الحجِّ لعذرٍ؛ كأن يكون كبيراً في السنِّ، أو يكون مريضاً مرضاً لا يُرجَى بُرؤه فحينئذٍ يلزمه أن يُقيم نائباً يحجُّ ويعتمرُ عنه، حتَّى لو كان هذا النائبُ امرأةً؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄، عن الفَضْل بن عبَّاس ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الله في الحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَحُجِّي عَنْهُ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له]. فهذا يدلُّ على جوازِ نيابَةِ المرأةِ عن الرَّجلِ في الحجِّ عند العُذْرِ؛ فالرَّجلُ من باب أَولَى.
- ويجزئه حجُّ النائبِ عنه، إلَّا إذا زال عُذْرُه قبل إحرام نائبه؛ فحينئذٍ لا يجزئه حجُّ النائبِ عنه؛ لقُدْرتِه على الحجِّ قبل شروعِ نائبهِ في الإحرام بالحجِّ عنه.
- وإذا ماتَ -مَنْ لزمه الحجُّ- قبل أن يستنيبَ؛ فحينئذٍ يجبُ أن يُخْرَجَ من تَرِكَتِه ما يكفي لحجَّةٍ وعُمْرةٍ، وتُدفَعُ لمن يحجُّ ويعتمرُ عنه؛ لحديث ابن عبَّاس رضي الله
стр. 390
عنهما (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) [رواه البخاري].
خامساً: شروطُ صحَّة النيابَةِ في الحجِّ:
يشترطُ في النائبِ الذي يحجُّ عن غيرِه ما يلي:
١) أن يحجَّ من بلدِ الذي أنابَه؛ لأنَّه وجبَ عليه الحجُّ فيه؛ فمثلاً: إذا كان من أهلِ الكُويتِ، ووجبَ عليه الحجُّ وهو في الكُويتِ؛ فيجبُ عليه أن يقيمَ النائبَ من الكُويتِ، فلو أقام نائباً من بلدٍ آخر لم يجزئه.
٢) أن يكونَ قد حجَّ عن نفسِهِ، فإن لم يكن قد حجَّ عن نفسِهِ فلا يصحُّ حجُّهُ عن غيره، فإن فعلَ انصرفَتْ هذه الحجَّة إلى نفسهِ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) [رواه أبو داود وابن ماجه]. ولفظُ ابن ماجه: (فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ).
* * *
следующие страницы →