ثالثاً: شروطُ وجوبِ الحَجِّ:
يُشترَطُ لوجوبِ الحجِّ ستَّةُ شروطٍ:
١) الإسلامُ: فالكافر لا يجب عليه الحج، ولا يصحُّ منه؛ لأنَّه ليس من أهل العبادات، ولأنَّه ممنوعٌ من دُخولِ الحَرَمِ.
٢) العقلُ: فلا يجبُ الحجُّ على المجنون ولا يصحُّ منه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ … وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
٣) البلوغُ: فلا يجبُ الحجُّ على الصبيِّ للحديث السابق، وفيه: (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ). لكن يصحُّ منه الحجُّ حتّى لو كان غير مميِّزٍ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) [رواه مسلم].
ولا يجزئه ذلك عن حجَّة الإسلام وعُمْرتِه، فإذا بلغَ فعليه الحجُّ والعُمْرةُ إذا وجدَ إلى ذلك سبيلاً؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى … ) [رواه الحاكم والطبراني والبيهقي].
٤) كمالُ الحُرِّيَّة: فلا يجبُ الحجُّ على العَبدِ، لكنَّه لو حجَّ فحَجُّه صحيح، إلَّا أنَّه لا يجزئه عن حجَّة الإسلام وعُمْرتِه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى) [رواه الطبراني والحاكم والبيهقي].
- إذا بلغَ الصبيُّ، أو عتق العبدُ أثناء الحجِّ، وأدركَ الوقوفَ بعَرَفَة؛ فإنَّ ذلك
стр. 387
يجزئه عن حجَّة الإسلام؛ لأنَّه أتى بالنُّسُك حالَ الكمالِ فيجزئه، ولما ثبت عن قَتادَةَ وعَطاءَ أنَّهما قالا: «إِذَا أُعْتِقَ المَمْلُوكُ، أَوِ احْتَلَمَ الغُلامُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَشَهِدَ المَوْقِفَ؛ أَجْزَأَ عَنْهُ» [رواه أبو بكر القطيعي في كتاب المناسك].
إلَّا في حالة ما لو أحرمَ الصبيُّ بالحجِّ فقط، أو قارِناً الحجَّ مع العُمْرة لكنَّه سَعَى بين الصَّفا والمروَةَ بعد طوافِ القدومِ، ثمَّ بلغَ الصبيُّ؛ فحينئذٍ لا يجزئه هذا الحجُّ عن حجَّة الإسلام؛ لوقوع السَّعي في غير وقتِ الوجوبِ؛ كما لو كبَّر للإحرام بالصلاة ثمَّ بلغَ. ولو أعادَ السَّعيَ بعد البلوغِ فإنَّه لا يجزئه كذلك؛ لأنَّه لا يُشرَعُ تَكرارُ السَّعي، ولا مجاوزة عَدَدِه.
- إذا بلغَ الصبيُّ أثناءِ العُمْرةِ قبل طوافها، ثمَّ طافَ وسَعَى؛ فإنَّ ذلك يجزئه عن عُمْرةِ الإسلامِ.
٥) الاستطاعةُ: وهي مِلْك زَادٍ -من مأكَلٍ ومشْرَبٍ وملْبَسٍ-، وراحِلَةٍ-أي ما يركبُه في رحلته إلى الحجِّ- تصلحُ لمثلِه، أو يكون معه من المال ما يستطيع به تحصيل ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقد جاء بيانُ السَّبيل في حديث أنسٍ ﵁ قال: (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة) [رواه الدارقطني والحاكم]، ولأنَّ الحجَّ عبادةٌ تتعلَّق بقَطْعِ مسافةٍ بعيدةٍ؛ فاشُترِطَ لوجوبِه الزادُ والرَّاحلةُ؛ كالجهاد.
- لكن يُشترَطُ أن يكون ذلك فاضلاً عمّا يحتاجُه من كُتُب، ومَسْكَنٍ، وقَضاءِ دَيْنٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذه تعتبر حوائج أصليَّة له؛ فتُقدَّم على الحجِّ. وكذا أن يكون
стр. 388
فاضلاً عن نفقتِه ونفقةِ عِيالِه على الدوام؛ لأنَّ النفقةَ متعلِّقةٌ بحقوقِ الآدميِّين، وهم أحوجُ، وحقُّهم آكدُ، وقد قال النبيُّ ﷺ : (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ) [رواه مسلم].
٦) المَحْرَمُ بالنسبةِ للمَرأةِ: فيشترطُ لوجوبِ الحجِّ على المرأةِ أن تجدَ مَحْرَماً يخرجُ معها للحجِّ؛ سواءً كان زوجاً أو غيرَه من محارمِها؛ كأبٍ، أو أخٍ، أو عمٍّ،
أو ابنٍ، فإن لم تجد مَحْرَماً فلا يجب عليها الحجُّ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ : (لَا تُسَافِرْ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
* ويُشترط في المَحْرَم شرطان:
أ - أن يكون مُكَلَّفاً: بأن يكون بالغاً عاقلاً؛ فلا يصحُّ أن يكونَ الصغيرُ والمجنونُ مَحْرَمين؛ لأنَّه لا يحصلُ بهما المقصودُ من حِفْظِ المرأةِ وصيانتِها. ويشترطُ كذلك أن يكون مُسلماً؛ لأنَّ الكافر لا يُؤمَنُ عليها.
ب- أن تَقْدِرَ المرأةُ على نفقتِه ونفقتِها في الحجِّ؛ لأنَّ ذلك من السَّبيلِ إلى الحجِّ فيُشترَطُ القدرةُ عليه. فإذا قَدِرت على نفقتِها ولم تقدرْ على نفقتِه فلا يجبُ الحجُّ عليها. وكذا لو تبرَّع المَحْرَمُ بنفقتِه فلا يجبُ عليها الحجُّ أيضاً؛ لأنَّ في ذلك مِنَّةً عليها.
- فإذا حجَّتِ المرأةُ بدون مَحرَمٍ فهي آثمةٌ؛ لأنَّها سافرت بلا مَحرَمٍ، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن ذلك كما في الحديث السابق، لكنَّه يجزئها عن حجَّة الإسلامِ.
стр. 389
- فمن اكتملت له هذه الشروطُ، وكان الطريق آمناً، لزمه السعيُ بنفسه إلى الحجِّ فوراً -أي في العام نفسِه-، ولو أخَّرَهُ بدون عُذْرٍ يكون آثماً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (تَعَجَّلُوا إلَى الحَجِّ -يَعْنِي الْفَرِيضَةَ- فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) [رواه أحمد]. واعتبارُ أَمْنِ الطريق؛ لأنَّ إيجابَ الحجِّ مع كون الطريق غير آمنٍ فيه ضررٌ، والضررُ منفيٌّ شرعاً؛ كما هو معلوم.
رابعاً: النيابة في الحجِّ:
إذا توفَّرت هذه الشروطُ لكنَّه عجزَ عن الذهاب إلى الحجِّ لعذرٍ؛ كأن يكون كبيراً في السنِّ، أو يكون مريضاً مرضاً لا يُرجَى بُرؤه فحينئذٍ يلزمه أن يُقيم نائباً يحجُّ ويعتمرُ عنه، حتَّى لو كان هذا النائبُ امرأةً؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄، عن الفَضْل بن عبَّاس ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الله في الحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَحُجِّي عَنْهُ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له]. فهذا يدلُّ على جوازِ نيابَةِ المرأةِ عن الرَّجلِ في الحجِّ عند العُذْرِ؛ فالرَّجلُ من باب أَولَى.
- ويجزئه حجُّ النائبِ عنه، إلَّا إذا زال عُذْرُه قبل إحرام نائبه؛ فحينئذٍ لا يجزئه حجُّ النائبِ عنه؛ لقُدْرتِه على الحجِّ قبل شروعِ نائبهِ في الإحرام بالحجِّ عنه.
- وإذا ماتَ -مَنْ لزمه الحجُّ- قبل أن يستنيبَ؛ فحينئذٍ يجبُ أن يُخْرَجَ من تَرِكَتِه ما يكفي لحجَّةٍ وعُمْرةٍ، وتُدفَعُ لمن يحجُّ ويعتمرُ عنه؛ لحديث ابن عبَّاس رضي الله
стр. 390
عنهما (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) [رواه البخاري].
خامساً: شروطُ صحَّة النيابَةِ في الحجِّ:
يشترطُ في النائبِ الذي يحجُّ عن غيرِه ما يلي:
١) أن يحجَّ من بلدِ الذي أنابَه؛ لأنَّه وجبَ عليه الحجُّ فيه؛ فمثلاً: إذا كان من أهلِ الكُويتِ، ووجبَ عليه الحجُّ وهو في الكُويتِ؛ فيجبُ عليه أن يقيمَ النائبَ من الكُويتِ، فلو أقام نائباً من بلدٍ آخر لم يجزئه.
٢) أن يكونَ قد حجَّ عن نفسِهِ، فإن لم يكن قد حجَّ عن نفسِهِ فلا يصحُّ حجُّهُ عن غيره، فإن فعلَ انصرفَتْ هذه الحجَّة إلى نفسهِ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) [رواه أبو داود وابن ماجه]. ولفظُ ابن ماجه: (فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ).
* * *
стр. 391
بابُ الإحرامِ
أوَّلاً: معنى الإحرامِ:
الإحرامُ هو: نيَّة الدُّخول في أحَدِ النُّسُكَين الحجِّ أو العُمْرةِ. وهي نيَّة خاصَّة تختلفُ عن نيَّة المسافر ليحجَّ أو يعتمِرَ، أو نيَّة التجرُّد من المَخيطِ، أو الامتناعِ عن المحظوراتِ.
ثانياً: مواقيتُ الإحرامِ المكانيَّة:
المواقيتُ المكانيَّة: هي تلك الأماكنُ التي لا يجوزُ لمن أراد الحجَّ والعُمْرةَ أن يتجاوزَها إلَّا وهو مُحرِمٌ.
فيجبُ على من أراد الحجَّ أو العمرة أن لا يتجاوزَ المواقيتَ التي حدَّدها النبيُّ ﷺ إلَّا وهو مُحرِمٌ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ … ) [رواه البخاري ومسلم].
والمواقيتُ المكانيَّة خمسةٌ، وردَ بيانُها في حديث ابن عبَّاس -السابق-، وحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ
стр. 392
نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) [رواه مسلم]. وبيانها على التفصيل:
١) ذو الحُلَيْفَة: وتُسمَّى الآن (أَبْيار عليٍّ)، وهو ميقاتُ أهلِ المدينةِ، ومن مرَّ بها من غير أهلها متَّجهاً إلى مكَّةَ.
٢) الجُحْفَة: وتقعُ قُربَ مدينة (رَابِغ) التي أصبحت فيما بعد ميقاتَ أهلِ الشامِ، ومِصرَ، والمغربِ، ومن جاء من طريقهم.
٣) قَرْنُ المَنازِل: ويُطلَق عليها اسم (السَّيْل الكَبير)، وهو ميقاتُ أهل نَجْدٍ، ومن جاء من طريقهم.
٤) يَلَمْلَمْ: وتُسمَّى الآن (السَّعْدِيَّة)، وهو ميقاتُ أهلِ اليَمَنِ، ومن جاء من طريقهم.
٥) ذات عِرْق: وتُسمَّى الآن (الضَّريبَة) وهو ميقاتُ أهلِ العِراقِ، وشمالِ نَجْدٍ، ومن جاء من طريقهم.
ومن كان منزلُه دون هذه المواقيت، فميقاتُه منزلُه؛ فيجبُ عليه أن يُحرِمَ منه؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عبَّاس ﵁ السابق-: ( … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: ما لا يَنعَقِدُ معهُ الإحْرامُ:
لا ينعقدُ الإحرامُ إذا كان المُحرِمُ في حالِ الجنونِ، أو الإغْماءِ، أو السُّكْرِ؛ لأنَّ من كان هذا حالُه فلا يُتصوَّرُ وجودُ النيَّة منه مع غيابِ عَقْلِهِ.
стр. 393
رابعاً: ما يَبطلُ به الإحرامُ:
إذا انعقدت نيَّةُ الإحرامِ، فلا تبطلُ إلَّا إذا ارتدَّ المُحرِمُ عن الإسلامِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥].
خامساً: ما يُفسدُ الإحرامَ:
أجمعَ العلماءُ على أنَّ الإحرامَ يفسدُ بالجِماع عمْداً أو سَهْواً، فإذا وَطِئَ المُحرِمُ بالحجَّ وكان قبل التحلُّلِ الأوَّلِ فَسَدَ حجُّه، ويلزمُه إتمامُ نُسُكِه، وعليه القضاءُ، -وهذا بخلافِ الحجِّ الباطلِ-؛ لما رُوي عن عمرَ وعليٍّ وأبي هُريرَةَ ﵃ أنَّهم سُئلوا عن رجلٍ أصابَ أهلَهُ وهو مُحرِمٌ بالحجِّ، فقالوا: (يَنْفُذَانِ يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالهَدْيُ) [رواها مالك في الموطّأ بلاغاً، وضعفها ابن الملقّن]، ولأنّه وَطْءٌ صادفَ إحراماً تامًّا فأفسدَه.
أمّا إذا كان الوطءُ بعد التّحلّلِ الأوّلِ؛ فإنّه لا يفسدُه.
- ولا تفسدُ العَمْرةُ بالوَطءِ إلّا إذا كان قبل الفراغِ من السَّعي؛ فإن كان بعدَ الفراغِ منه وقبلَ الحَلْق لم تَفسُد؛ كالوطءِ في الحجِّ بعد التّحلّلِ الأوّلِ.
سادساً: أنواعُ النُّسُكِ:
يقعُ الإحرامُ بالنُّسُكِ على ثلاثةِ وجوهٍ؛ هي:
١) الإِفْرادُ: وهو أن يُحرِمَ بالحجِّ وَحْدَهُ، فيقول: (لبَّيكَ اللهمَّ حَجًّا).
стр. 394
٢) القِرَانُ: وهو أن يُحرِمَ بالحجِّ والعُمْرَةِ معاً، أو يُحرِمَ بالعُمْرَةِ ثمَّ يُدخِلُ عليها الإحرامَ بالحجِّ قبلَ الطوافِ.
فإنْ أحرمَ بالحجِّ أوَّلاً ثمَّ أرادَ أن يُدخِلَ عليه العُمْرَةَ لم يصحَّ، ولا يُعدُّ قارِناً بهذه الصفَةِ، ولا يترتَّب عليه شيءٌ؛ لأنَّه لم يَرِدْ بهِ النصُّ الشرعيُّ، ولم يستَفِدْ به فائدةً.
٣) التَّمَتُّعُ: وهو أن يُحرِم الحاجُّ بالعُمْرةِ في أشهرِ الحجِّ، فإذا فرغَ منها وتحلَّل أحرمَ بالحجِّ من مكَّة في عامِهِ.
- والمسلمُ مخيَّرٌ بين هذه الأنساكِ الثلاثةِ؛ لما روت عائشةُ ﵂ قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ … ) [رواه البخاري ومسلم].
- وأفضلُ هذه الأنساكِ الثلاثةِ التمتُّعُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أصحابَه ممَّن أهَلَّ بالحجِّ أن يتحلَّلوا ويجعلوها عُمْرةً، إلَّا من كان قارِناً وساقَ الهَدْي، وقال: (وَلَولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَم أَسُقِ الهَدْيَ فَحِلُّوا، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [رواه البخاري ومسلم]. فنَقَلَهُم من الإفرادِ والقِرانِ إلى التمتُّع، ولا ينقلُهُم ﵊ إلَّا إلى الأفضلِ.
стр. 395
- ومن أحرَمَ وأطلَقَ من غيرِ تحديدِ نُسُكِهِ، صحَّ إحرامُهُ، وصَرَفه إلى ما شاء؛ لأنَّ الإحرامَ يصحُّ مع الإبهام؛ وهو أن يقولَ: «أُحرِمُ بما أحرَمَ به فلان»، فيصحُّ مع الإطلاق. وما عُمِلَ قبل التحديد فلَغْوٌ؛ لما روى جابرٌ ﵁ قال: (فَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِسِعَايَتِهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ) [رواه البخاري ومسلم].
وعن أبي موسى ﵁ قال: (قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ. فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ … ) [رواه البخاري ومسلم].
- والسُّنَّة لمن أراد نُسُكاً أن يُعَيِّنَه؛ لحديث عائشة ﵂؛ وفيه: (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ) [رواه البخاري ومسلم].
- ويُسنَّ له أن يَشترِطَ فيقول: (اللهمَّ إنِّي أريدُ النُّسكَ الفلانيَّ، فيسِّرهُ لي وتقبَّلْه منِّي، وإن حَبَسَني حابِسٌ، فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتني)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: (دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ قَالَتْ: وَالله لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) [رواه البخاري ومسلم].
* * *
стр. 396
باب محظورات الإحرامِ
أوَّلاً: تعريفُها:
محظوراتُ الإحرامِ: هي الأشياءُ الّتي يَحرُمُ على المُحرِمِ فِعلُها شَرْعاً.
ثانياً: أقسامُ المحظوراتِ:
هي تسعةُ أشياءَ:
أحدُها: تَعمُّدُ لُبسِ المخيطِ على الرّجالِ حتّى الخُفّينِ أو القُفّازينِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: (لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا الخُفَّيْنِ إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا؛ حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم]. ويلحقُ بهذهِ الأشياءِ ما في معناها ممَّا يحيطُ بالبدنِ
أو ببعضِهِ؛ مثلُ: الجُبّةِ، والدَّرَّاعةِ، والتُّبانِ، ونحوِ ذلك.
وإذا لم يجدِ المُحرِمُ إزاراً فلهُ لُبسُ السّراويلِ، وإذا لم يجدِ نَعلينِ فلهُ لُبسُ الخُفّينِ، وإذا لبِسهما لا يقطعُهما ولا فديةَ عليهِ؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يَخطُبُ بعَرَفاتٍ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ؛ لِلْمُحْرِمِ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري].
стр. 397
الثّاني: تَعمُّدُ تغطيةِ الرّأسِ من الرَّجُلِ؛ ولو كانتِ التّغطيةُ بحِنّاءٍ ونحوِها،
أو استظلالٍ بمَحمَلٍ (وهو المظلّةُ)؛ لقولِه ﷺ في المُحرمِ الّذِي وقَصَتهُ -كسرَتْ عنقَهُ- ناقتُه: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) [رواه البخاري ومسلم]، ولقولِ ابنِ عمر ﵄: «أَضْحِ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ» [رواه البيهقي]؛ أي: ابرُزْ للشّمسِ.
وفي روايةٍ عن الإمام أحمد: أنّه يجوز له الاستظلالُ بالمحمَلِ؛ كما يجوزُ له الاستظلالُ بالخيمةِ، والثّوبِ على عودٍ أو شجرةٍ؛ لحديثِ جابر ﵁ في صفةِ حجّتِهِ ﷺ ، وفيه: (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ) [رواه مسلم]، وحديثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ ﵂ قالت: (حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالاً وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيّ ﷺ ، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ؛ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) [رواه مسلم].
وإنْ حملَ المُحرمُ على رأسِهِ طبقاً، أو وضع يدَهُ عليهِ؛ فلا بأسَ بذلك؛ لأنّه
لا يُقصدُ به السَّترُ.
كما يحرمُ تعمُّدُ تغطيةِ الوجهِ من الأُنثى بنقابٍ وغيرِهِ؛ لقوله ﷺ : (وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ) [رواه البخاري].
ولكنْ يجوزُ لها أن تسدلَ على وجهِها للحاجةِ -كمرورٍ رجالٍ بها-؛ لقولِ فاطمةَ بنتِ المنذرِ: (كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ
أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) [رواه مالك]، ولا يضرُّ لَمسُ المسدولِ لوجهِها.
стр. 398
الثّالثُ: قصدُ شمِّ الطِّيبِ، أو مسِّ ما يعلَقُ منه بالممسوسِ، أو استعمالِه في أكلٍ أو شربٍ؛ بحيثُ يظهرُ طعمُه أو ريحُه؛ لقولِه ﷺ في الّذِي وقَصَتهُ ناقتُه: (وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) [رواه البخاري ومسلم].
كما لا يجوزُ له لُبسُ ثوبٍ مطيَّبٍ؛ لأنَّ النّبيِّ ﷺ لما سُئلَ عمّا يُلبَسُ من الثيابِ في الإحرامِ قال: (وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ) [رواه البخاري ومسلم].
فمنْ لبِس أو تطيَّبَ أو غَطَّى رأسَه ناسياً أو جاهلاً أو مكرَهاً؛ فلا شيءَ عليهِ؛ لقولِه ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه والحاكم].
ومتى زالَ عُذرُه؛ بأن ذكرَ النّاسي، أو علمَ الجاهلُ، أو زالَ الإكراهُ: وجب عليهِ إزالةُ المحظورِ في الحالِ، وإلّا وجبتْ عليهِ الفديةُ؛ لاستدامتِهِ المحظورَ من غيرِ عُذرٍ.
الرابعُ: إزالةُ الشَّعرِ من جميعِ البدنِ بحلقٍ أو بغيرِهِ، ولوْ من الأنفِ؛ لقولِه
: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة ١٩٦]؛ فنصَّتِ الآيةُ على حلقِ شعرِ الرّأسِ، وأُلحقَ بهِ سائرُ شعرِ البدنِ.
الخامسُ: تقليمُ الأظفارِ من يدٍ أو رجلٍ بلا عُذرٍ؛ للإجماعِ على تحريمِ ذلكِ؛ فإنِ انكسَر فلهُ إزالتُه.
السّادسُ: قتلُ صيدِ البرِّ الوحشيِّ المأكولِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
стр. 399
حُرُمٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة ٩٥، ٩٦].
وتحرمُ على المحرمِ الدِّلالةُ على الصّيدِ، والإعانةُ على قتلِهِ؛ لحديث أبي قتادة ﵁؛ حيثُ اصطادَ حماراً وحشيًّا ولم يكنْ مُحرِماً؛ فخشي الصّحابةُ الّذين كانوا مُحرِمينَ حُرمةَ أكلِه؛ فلمّا سألُوا رسولَ الله ﷺ قال لهم: (أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) [رواه البخاري ومسلم].
ويحرمُ عليهِ إفسادُ بيضِ الحيوانِ الوحشيِّ؛ لما رواهُ عكرمةُ عن ابنِ عبّاسٍ ﵄ أنّه قال: (في بَيْضِ النَّعَامِ يُصيبُهُ المُحْرِمُ ثَمَنُهُ) [رواه عبد الرّزاق].
ويحرمُ عليهِ قتلُ الجَرادِ، والقَمْلِ؛ لأنّ الجرادَ طيرٌ بريٌّ؛ فأشبَهَ العصافيرَ، والقمْلَ يُتَرَفَّهُ بإزالتِهِ كإزالةِ الشّعرِ.
ولا يحرمُ على المحرمِ قتلُ البراغيثِ ونحوِها؛ بل يُسنُّ قتلُ كلِّ مُؤذٍ مطلقاً في الحرمِ والإحرامِ، ولا جزاءَ فيهِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ عن النبي ﷺ أنّه قال: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) [رواه البخاري ومسلم]. والعَقورُ: ما يَعْقِرُ: أي يجْرحُ ويَقْتُلُ؛ كالأسدِ، والنّمرِ، والذِّئبِ (١).
السّابعُ: عقدُ النِّكاحِ؛ فلا يتزّوجُ المحرمُ، ولا يزوِّجُ غيرَهُ، ولا تُزوَّجُ المحرمةُ، ولا يصحُّ النِّكاحُ في شيءٍ من ذلكَ؛ لقولِ النّبيّ ﷺ : (لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ
стр. 400
وَلَا يَخْطُبُ) [رواه مسلم]، وعن أبي غطفانَ عن أبيهِ: (أَنّ عُمَرَ فَرّقَ بَيْنَهُمَا؛ يَعْنِي رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) [رواه مالك، والدارقطني، واللفظ له].
الثّامنُ: وهو المحظورُ الوحيدُ الّذي يفسدُ به الحجُّ؛ وهو الوطءُ فِي الفرجِ؛ لقول الله : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧]. قال ابنُ عبّاسٍ ﵄: «الرَّفَثُ: الجِمَاعُ» [رواه البخاريُّ معلّقاً، ووصله ابنُ أبي شيبة وغيرُه].
التّاسعُ: المباشرةُ فيما دون الفرجِ، ودواعي الجماعِ، والاستمناءُ؛ فإنْ أنزلَ فعليهِ بَدَنةٌ، ولا يفسُدُ حجُّهُ؛ لأنّه استمتاعٌ لا يجبُ بنوعِهِ الحدُّ؛ فلمْ يُفسدِ الحجَّ؛ كما لوْ لمْ يُنزلْ.
ثالثاً: جزاءُ المحظوراتِ:
يجبُ في جميعِ المحظوراتِ المتقدِّمةِ الفِدْيةُ إلَّا قتلَ القملِ؛ لما رواهُ سالمٌ عن أبيه عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄: (أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ قَمْلَةً وَأَنَا مُحْرِمٌ؛ فقال ابنُ عمرَ ﵄: أَهْوَنُ قَتِيلٍ) [رواه البيهقي]، وإلّا عقدَ النِّكاحِ؛ لأنّه عقدٌ فسدَ لأجلِ الإحرامِ؛ فلمْ تجبْ بهِ الفديةُ؛ كشراءِ الصّيدِ.
- وفي البَيضِ والجَرادِ: قيمتُه مكانَ الإتلافِ؛ لما تقدّمَ عنِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ في بيضِ النّعامِ، ولقولِ عمرَ ﵁ لكعبٍ الأحبار حين أخذَ جَرادَتينِ فشَوَاهُما وهو مُحْرِمٌ: (مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ: دِرْهَمَيْنِ. قَالَ: بَخٍ! دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ؛ اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ) [رواه الشّافعيُّ والبيهقيُّ، واللّفظُ له].
بابُ الفِدْيَةِ
أوَّلاً: تعريفُ الفِدْيَةِ:
الفِدْيَةُ في الحجِّ: ما يجبُ بسببِ فِعلِ محظورٍ، أو تَرْكِ واجبٍ، أو إحصارٍ، أو بسببِ النُّسُكِ (كالتّمتُّعِ والقِرَانِ).
ثانياً: أقسامُ الفِدْيَةِ:
الفِدْيَةُ تنقسم إلى قسمين: فِديةٌ على التّخييرِ، وفِديةٌ على التّرتيبِ.
- القسمُ الأوّلُ: فِديةُ التّخييرِ: وهي نوعان:
النوع الأوَّل: يُخَيَّرُ فيه المُحْرِمُ بين ثلاثةِ أمورٍ: ذبحِ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو إطعامِ ستَّةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من القمحِ، أو مُدَّانِ من غير القمحِ؛ كالتّمرِ، والشعيرِ، والزبيبِ. والمُدُّ: ملءُ كَفَّي الرَّجُلِ الوسطِ.
وهذا النوعُ من فِديةِ التخيير يجبُ في نوعينِ منَ المحظوراتِ:
الأوَّلُ: محظوراتٌ يستوي فيها العَمْدُ وغيرُ العَمْدِ (الخطأُ والنسيانُ والإكراهُ): وهي ما يلي:
١) إزالةُ ثلاثِ شعراتٍ فأكثرَ من رأسهِ أو من بدنِهِ؛ لقول الله عزَّ جلَّ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]، ولحديثِ كَعْبِ بن عُجْرَةَ ﵁ قال: (أَتَى
стр. 403
عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً) [رواه البخاري ومسلم]. ولفظةُ (أو) تفيدُ التخييرَ. وقولُه (أو انْسُك نَسيكةً) أي: اذبحْ شاةً.
٢) إزالةُ ثلاثةِ أظفارٍ فأكثرَ من أظافرِ يديهِ أو قدميهِ: فتجبُ فيها الفِديةُ؛ قياساً على حَلْقِ الشعرِ؛ لأنَّ حَلْقَ الشعرِ حَرُم للآية، ولأنّه نوعٌ من الرفاهيةِ في الحجِّ وهذا ينافي الإحرامَ؛ لكون المُحرِمِ أشعثَ أغبرَ، فقيس عليه إزالةُ الأظفارِ؛ لأنّه كذلك يحصلُ به الرفاهيةُ.
- أمّا إذا أزالَ أقلَّ من ثلاثِ شعراتٍ، أو أقلَّ من ثلاثةِ أظفارٍ فيجبُ عليه في كلِّ شعرةٍ أو ظفرٍ إطعامُ مسكين؛ لأنّه أقلُّ ما وجبَ شرعاً كفِديةٍ.
٣) خروجُ المَنِيِّ بسببِ نظرةٍ واحدةٍ إلى النِّساء؛ لأنّه فعلٌ محرَّمٌ حالَ الإحرامِ؛ فوجبت فيه الفِديةُ.
فإنْ لم يُنزل فلا شيءَ عليهِ، وكذا إن فكَّرَ فأنزلَ فلا شيءَ عليهِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : (إِنَّ الله تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) المباشرةُ -من تَقبيلٍ وضمٍّ، ونحو ذلك- بغير إنزالٍ؛ لأنَّها أفعالٌ محرَّمةٌ بالإحرامِ؛ فوجبت فيها الفِديةُ.
стр. 404
الثاني: محظوراتٌ يجبُ فيها هذا النوع من الفِديَةِ في حالِ العَمْدِ فقط؛ وهي:
١) لُبسُ المخيطِ أثناءَ الإحرامِ: فتجبُ فيه الفِديةُ؛ قياساً على حَلْقِ الشَّعْرِ؛ لأنَّه حَرُم في الإحرامِ؛ إذ هو من التَرَفُّه، فأشبهَ حَلْقَ الشَّعْرِ. أمَّا الناسي أو الجاهلُ -الذي لا يعلم أنّ هذا محظورٌ في الإحرامِ- أو المُكرَهُ فلا فِديَةَ عليه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ) [رواه ابن ماجه والحاكم].
٢) التَّطيُّبُ: تجبُ فيه الفِديةُ أيضاً؛ قياساً على حَلْقِ الشَّعْرِ.
٣) تغطيةُ الرأسِ: تجبُ فيها الفدية أيضاً؛ قياساً على حَلْقِ الشَّعْرِ.
- وإنّما اعتُبِرَ الخطأُ والنسيانُ والإكراهُ في لُبسِ المخيطِ وتغطيةِ الرأس والتطيُّبِ، ولم يُعتبر ذلك في الحَلْقِ وتقليمِ الأظفارِ؛ لأنَّ الحَلْقَ والتقليمَ حصل فيهما إتلافٌ، فاستوى فيهما العَمْدُ والخطأُ؛ كما لو أتلفَ مالَ آدميٍّ؛ فإنَّه يضمنُه؛ سواءً كان الإتلاف عمداً، أو خطأً.
النوعُ الثاني من فِدْيَةِ التّخييرِ: وهو خاصٌّ بقَتْلِ الصَّيدِ؛ سواءً قَتَلَهُ وهو مُحْرِمٌ،
أو قَتَلَهُ في الحَرَمِ، وسواءً كان عَمْداً، أو خَطَأً، أو نِسياناً؛ فيُخيَّر بين ثلاثةِ أمورٍ:
الأمرُ الأوَّلُ: أن ينظرَ إلى هذا الصيد الذي صادَه، ويأتي بما يماثلُه من بهيمةِ الأنعامِ -الإبلِ والبقرِ والغنمِ-، ويحكمُ بالمماثلَةِ ذوا عَدْلٍ من المؤمنين من أهل الخِبْرةِ، فيحكمانِ بأنَّ هذه البهيمة من النَّعَم تماثلُ هذا الصيدَ، ثمَّ يذبحُه ويوزِّعُه على فُقراء الحَرَمِ.
стр. 405
الأمرُ الثاني: أن يُقَوِّمَ هذا المِثْلُ من بهيمةِ الأنعامِ، ويَشتري بقيمتِه طعاماً -من جنس ما يُخْرَج في زكاة الفِطْرِ-، ثمَّ يُوزَّعُ على المساكينِ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ منَ القمحِ، أو الأُرْزِ، أو مُدَّانِ من غيرهما.
الأمرُ الثالثُ: أن يصومَ عن كلِّ مسكينٍ يوماً؛ بمعنى: أن ينظر كم عددُ المساكين الذين كان سيطعمُهم لو اختار الإطعام -وكميةُ الطعامِ تختلفُ حسبَ قيمةِ الصيدِ الذي قَتَلَه-، ثمَّ يصومُ عن كلِّ مسكينٍ يوماً.
والدليل على هذا النوع من الفِديةِ قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة ٩٥].
- وأمَّا وجوبُ الفِديةِ في الصيدِ مع الخطأِ والنسيانِ والجهلِ؛ فلأنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ في الضَّبُعِ إذا صادَهُ المُحرِمُ كَبْشاً. [رواه أبو داود عن جابر ﵁]. ولم يُفَرِّق بين العَمْدِ وغيرِه، ولأنَّ فيه إتلافاً؛ فيستوي فيه العَمْدُ والخَطأُ كما سبق. قال
ابن قُدامَة: «قالَ الزُّهْريُّ: عَلَى المُتعمِّدِ بالكِتابِ، وعلى المُخْطِئ بالسُّنَّةِ»؛ يعني: وجوبُ الفِديةِ في قَتْلِ الصيدِ ثابتةٌ على المتعمِّد بنصِّ الآيةِ، وعلى المُخطِئِ بالسُّنَّةِ.
- القسمُ الثاني من الفِدْيَةِ: الفِدْيَةُ على الترتيبِ:
بمعنَى أنَّه يجبُ عليه دَمٌ (ذبحُ شاةٍ، أو سُبْعِ ناقَةٍ، أو سُبْعِ بَقَرَةٍ، حيثُ تجزئُ الناقةُ عن سَبعَةٍ، والبقرةُ كذلكَ عن سَبعَةٍ)، فإن لم يجد، أو وجد لكنّه غير قادر على
стр. 406
الثَّمَنِ؛ فعليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ، وسَبعَةِ أيَّامٍ إذا رَجعَ إلى أهلِهِ.
وهذا يكونُ في الحالاتِ التاليةِ:
١) إذا حجَّ مُتمتِّعاً أو قارِناً، أو تركَ واجباً من واجباتِ الحجِّ؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة ١٩٦]. والقِرَانُ داخلٌ في حُكمِ التمتُّعِ.
- يُستحبُّ في صيامِ الثلاثةِ أيَّامٍ التي تكونُ في الحجِّ أن يكونَ آخرُها يوم عَرَفَةَ؛ لما ثبت عن ابن عمرَ ﵄ قال: (الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ إِلَى يَومِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ هَدْياً وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى) [رواه البخاري].
- يصحُّ صيامُ هذه الأيَّامِ الثلاثةِ في أيَّامِ التشريقِ؛ لقولِ ابن عمرَ وعائشةَ ﵃: (لَمْ يُرَخَّصْ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الهَدْيَ) [رواه البخاري].
٢) المُحْصَر: وهو الذي مُنعَ من تمامِ النُّسُكِ؛ فيجبُ عليه دَمٌ؛ لقول الله تعالى:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]. فإنْ لم يجدْ صامَ عَشَرَةَ أيَّامْ بنيَّةِ التّحلُّلِ من إحرامِهِ؛ قياساً على المتمتِّع. فإذا صامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ فقد تَحلَّل.
٣) الجِماع قبلَ التحلُّل الأوَّلِ: فمن جامعَ قبلَ التحلُّلِ الأوَّل فَسَدَ حَجُّهُ، وعليه بَدَنَةٌ -بعيراً أو بَقَرَةً-؛ لما ثبت عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً) [رواه مالك في الموطأ]، ولأنَّه جِمَاعٌ صادفَ إحراماً تامًّا؛ فوجبت به البَدَنَةُ.
- وكذا من أنزل مَنِيًّا بسببِ تكرارِ النظرِ، أو اللَّمْسِ لشَهْوَةٍ، أو تقبيلٍ، ونحو ذلك فعليه بَدنَةٌ؛ قياساً على الجِماعِ. فإنْ لم يجد بَدنَةُ، أو كان لا يستطيعُ ثمنَها؛
стр. 407
فعليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ، وسَبعَةٍ إذا رجعَ إلى أهلِهِ؛ كما في حجِّ التمتُّع.
فإنْ كانَ الجِماعُ بعدَ التحلُّل الأوَّل فعليهِ شاةٌ، ولا يفسدُ حجُّه؛ لأنَّ الإحرامَ قد خَفَّ بالتحلُّل الأوَّل؛ فينبغي أن يكونَ موجبُه دونَ موجبِ الإحرامِ التامِّ.
- أمَّا إذا جامعَ في العُمْرةِ بعدَ الفراغِ من السَّعْي، وقبلَ أن يتحلَّلَ منها؛ فلا تفسدُ، وعليهِ شاةٌ (١)؛ لأنَّ العُمْرةَ دون الحجِّ، فكانَ حكمُها دون حكمِهِ.
- التحلُّلُ الأوَّلُ في الحجِّ يحصل إذا فعل المُحْرم اثنين من هذه الأفعال: رمي جمرة العقبة والحلق والطواف، فإذا فعل اثنين منها فقد تحلل التحلل الأول، ويحل له به كل شيءٍ مما كان محظوراً عليه بالإحرام إلا النساء؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ) [رواه أحمد، وهو صحيح دون لفظة (وحلقتم)]. وعنها أيضاً ﵂ قالت: (طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ؛ وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا) [رواه البخاري ومسلم].
- فإذا رَمَى جَمرةَ العَقبةِ، وحَلقَ، وطافَ، وسَعَى بين الصَّفا والمَروةِ لمن لم يكن قد سَعىَ؛ فقد تحلَّلَ التحلُّلَ الأكبرَ، ويحلُّ له به كلُّ شيءٍ حتَّى النِّساء؛ لقول ابن عمرَ ﵄ في حجَّة النبيِّ ﷺ : ( … ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ-يعني رَسُولَ الله ﷺ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ … ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 408
فصل في صيدِ المُحْرِم
أوَّلاً: ما يجبُ على المُحرِمِ بقتلِ صيدِ البرِّ:
إذا قتلَ المُحْرِمُ صيدَ البرِّ فعليه جزاؤه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥].
ثانياً: ما يخرجُهُ المُحرِمُ في جزاءِ الصيدِ:
ينقسمُ الجزاءُ في صيدِ المُحرِمِ إلى قسمينِ:
القسمُ الأوَّلُ: صيدٌ له مِثلٌ من النَّعَمِ:
وهو ما له مِثْلُ ونَظيرٌ من حيث الصورةُ، لا من حيث الحقيقةُ أو القيمةُ؛ فيجبُ على المُحرِمِ إخراجُ مِثْلِهِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وهذا القسمُ على نوعينِ:
الأول: ما قضى به النبيُّ ﷺ أو الصحابة رضوان الله عليهم: فيجب إخراج مثل ما قضوا به؛ لأنَّ المسلم مأمور بالاقتداء بهم؛ لقوله ﷺ : (فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
- ففي صَيد النَّعَامَة: بَدَنَة؛ لأنَّها تشبه البعيرَ في الخِلْقَةِ، وقد حكمَ بذلك عمرُ
стр. 409
وعثمانُ وعليٌّ وزيدُ بن ثابتٍ ومعاويةُ ﵃ أجمعين [رواه الشافعيُّ في الأمِّ، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنَّفيهما، بإسناد ضعيف].
- وفي حِمَارِ الوَحْش: بَقَرَة. قضى بذلك عمرُ وابنُ مسعودٍ ﵄. [رواه عبد الرزاق].
- وفي بَقَرِ الوَحْش: بَقَرَة. قضى بذلك ابنُ مسعودٍ ﵁. [رواه عبد الرزاق في المصنف، والبيهقي].
- وفي الضَّبُع: كَبْشٌ. قضى به عمرُ وعليٌّ وابن عباسٍ ﵄ [رواه مالك والشافعي وعبد الرزاق]. وقد ثبت تحديدُ جزاءِ صيدِ الضَّبُعِ عن النبيِّ ﷺ كما في حديث جابرٍ ﵁ قال: (جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ في الضَّبُعِ يُصِيبُهُ المُحْرِمُ كَبْشاً، وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّيْدِ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
- وفي الغَزالِ: شاةٌ أو عَنْزٌ. قضى به عمرُ وعبدُ الرحمنِ بن عوفٍ ﵄ [رواه مالك وعبد الرزاق]، وابن عبَّاس ﵁ [رواه البيهقي في السنن الصغرى].
- وفي الضَّبِّ والوَبْرِ: جَدْيٌ له نصفُ سَنَةْ. قضى به عمرُ ﵁، وأَرْبَدُ ابن عبد الله ﵁ في الضَّبِّ [رواه الشافعي في الأم، وعبد الرزاق في مصنفه]. وأمَّا الوَبْرُ فَبِالقِياس على الضبِّ.
والوَبْرُ: دُويبَةٌ كحلاءُ أصغر من السِّنَّورِ، ولا ذَنَبِ له.
- وفي اليَرْبوعِ: جَفْرَةٌ. قضى به عمرُ وابنُ مسعودٍ وجابرٌ ﵃ [رواه الشافعي في المسند، وعبد الرزاق في المصنف].
- وفي الأَرْنَبِ: عَنَاقٌ. قضَى به عمرُ ﵁ [رواه عبد الرزاق]. ورُويَ عن
стр. 410
جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَفي الأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفي اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ) [رواه الدارقطني بإسناد ضعيف].
والعَناقُ: الأُنثَى من وَلَدِ المَعْزِ، وهي التي لها دون السَّنَةِ.
والجَفْرَة: الأُنثَى من ولدِ المَعْزِ، وهي التي بلغت أربعةَ أشهرٍ وفَصَلَتْ عن أُمِّها.
- وفي الحَمَام: شاةٌ. حكمَ به عمرُ وعثمانُ وابنُ عبَّاسٍ وعليٌّ ﵃ [رواه عبد الرزاق].
والمقصودُ بالحَمامِ: كلّ ما عَبَّ الماءَ؛ أي وضعَ مِنقارَه في الماءِ فيَكْرَعُ كما تَكْرَعُ الشاةُ، ولا يأخذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كالدَّجاجِ والعصافيرِ.
ويدخلُ في الحَمامِ: القَطَا، والوَرَشانِ، والفَواخِتِ، والقُمْرِيِّ؛ ففيها شاةٌ؛ لأنَّ العَرَبَ تُسمِّيها حَماماً. وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ [رواه عبد الرزاق].
والقَطَا: طائرٌ مشهورٌ، سُمِّيت بصَوْتِها؛ حيثُ تقولُ: قَطَا قَطَا.
والوَرَشِين؛ ويقال: الوَرَاشين ووِرْشان: جمعُ وَرَشَان بالتحريك؛ طائرٌ يشبه الحَمامَ، أكبر منه قليلاً، لحمُهُ أخفُّ من الحَمامِ، ويُسمَّى أيضاً: ساقَ حُرٍّ.
والفَوَاخِت: جمعُ فاخِتَة، نوعٌ من الحَمامِ المُطوَّقِ، إذا مَشَى توسَّعَ في مَشيِهِ، وباعدَ بين جناحَيْهِ وإبْطَيْهِ وتمايَلَ.
والقُمْريُّ: ضربٌ من الحمامِ المطوَّقِ، حسنُ الصوتِ.
الثاني: ما لم يَقْضِ به الصحابةُ: فيُرجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلينِ من أهلِ الخِبرَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
стр. 411
القسمُ الثاني: ما لا مِثْلَ لهُ من النَّعَمِ:
كلُّ ما لا مِثْلَ له من النَّعَمِ؛ كالطُّيورِ التي دونَ الحَمامِ، أو أكبرَ منه؛ كالإوَزِّ، والحُبارَى، والحَجَل، والكُرْكِيِّ، تجب فيه قيمتُه في موضعِه الذي أتلفَه فيه؛ لقول ابن عبَّاس ﵄: (مَا كَانَ سِوَى حَمَامِ الحَرَمِ فَفِيهِ ثَمَنُهُ) [رواه البيهقي] أي: القيمة.
ثالثاً: ما يفعلُه المُحرِمُ في جزاءِ الصيدِ:
إذا كان الصيدُ الذي قتَلَهُ ممَّا له مِثْلٌ ونَظيرٌ، فإنَّ القاتِلَ يُخيَّرُ بين إخراجِ المِثْلِ من النَّعَمِ وبينَ إخراجِ قِيمَةِ النَّظيرِ والمِثْلِ. فإنِ اختارَ إخراجَ المِثْلِ فيذبَحُهُ ويتصدَّقُ به على مساكينِ الحَرَمِ؛ لأنَّ الله تعالى سمَّاه هَدْياً، والهَدْي يجبُ ذبحُه، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وذَبحُهُ يكون في الحَرَمِ.
وإنِ اختارَ القِيمَةَ؛ فإنَّه يَشتري بقيمَتِه طعاماً فيطعمُه المساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ منَ البُرِّ، أو نصفُ صاعٍ من غيرِه، أو يصومُ مقابلَ كلِّ مُدٍّ يوماً؛ لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
أمَّا إذا لم يكن للصيدِ مِثلٌ أو نَظيرٌ؛ فيُخيَّرُ قاتلُهُ بين أن يشتريَ بقيمَتِهِ طعاماً فيطعمُه مساكينَ الحَرَمِ، أو يصوم مقابلَ كلِّ مُدٍّ يوماً.
* * *
стр. 412
فصل في صيدِ الحَرَم ونباتِهِ
أوَّلاً: تحريمُ صيدِ الحَرَمِ:
يَحرُمُ الصيدُ في حَرَمِ مكَّة على المُحْرِم والمُحِلِّ بالإجماع؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) [رواه البخاري].
ومن أتلفَ شيئاً من صيدِ الحَرَمِ سواء بالمباشرةِ، أو بالدلالة، أو بالإشارة؛ فحكمُه حكمُ صيدِ المُحْرِمِ من حيث لزومُ جزاءِ المِثْلِ فيما له مِثْلٌ، أو القيمةِ فيما لا نظيرَ له ولا مِثْلَ؛ وذلك لأنَّ الصحابةَ ﵃ قَضُوا في حَمَام الحَرَمِ بشاةٍ؛ فعن
ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّهُ قَضَى في حَمَامَةٍ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ) [رواه الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي، واللفظ له].
ثانياً: تحريمُ قَطْعِ نباتِ الحَرَمِ وحَشيشِه:
يَحرمُ على المُحْرِم والمُحِلِّ قطعُ شجرِ الحَرَمِ وحَشيشِه الرَّطْب الذي لم يزرعه الآدميُّ؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث ابن عبَّاس ﵄: (ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلَاهَا) [رواه البخاري].
стр. 413
فقوله: (لا يُعضَدُ شَجَرُها) أي: لا يُقطَعُ، وقوله: (لا يُخْتَلَى خَلَاها) الخَلا: الرَّطْبُ من الحَشيشِ، والمعنَى: لا يُجزُّ الحَشيشُ ولا يُقطَعُ.
فمن أتلفَ شيئاً من شَجَرِ الحَرَمِ أو نَباتِه فعليه ضمانُه؛ الشجر الصغير -عُرفاً- فيه شاةٌ، والكبيرُ فيه بَقَرَةٌ؛ لما رُوي عن ابن الزُّبير ﵄ قال: (في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفي الجَزْلَةِ شَاةٌ) [ذكره الشافعي في الأم بغير إسناد]. و (الدَّوْحَةُ): الشجرةُ العظيمةُ، و (الجَزْلَةُ): قطعةٌ كبيرةٌ من شجرةٍ.
أمَّا الحشيشُ والوَرَقُ فيُضْمَنُ بقيمتِه؛ لأنَّه مُتقوَّمٌ.
ثالثاً: ما يُباحُ قَتْلُهُ من الحيوانِ في الحَرَمِ:
يُباحُ من حيوانِ الحَرَمِ ما يلي:
١) الفَأرةُ والعَقْربُ والغُرابُ والحِدْأةُ والكلبُ العَقورُ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (خَمْسٌ لا جناح على من قتلهُنَّ في الحَرَمِ والإِحْرَامِ: الْفَارَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) [رواه مسلم]. و (الحِدَأة): نوعٌ من الطيورِ الجوارحِ ينقضُّ على الجُرْذانِ والدَّواجِن والأطعمة.
٢) الحَيَّة؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالغُرَابُ الأَبْقَعُ … ) [رواه مسلم].
٣) كلُّ مُؤْذٍ من الحيوانِ؛ كسباعِ البهائمِ والطيرِ، والمُستخْبَثُ من الحشراتِ؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ)؛ حيث دلَّ وَصْفُ الفِسْقِ على
стр. 414
إباحةِ قَتْلِ كلِّ ما فيه هذه الصِّفة. والمراد ب (الفِسْق) هنا: هو كلُّ ما من طبعُه الإيذاءُ أو الفسادُ.
٤) ما ليس وَحْشِيًّا من الحيوانِ؛ كبهيمةِ الأنعامِ، والخَيلِ، والدَّجاجِ، بالإجماع. ولقول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة ٩٦]؛ فدلَّت الآيةُ على تحريمِ صيدِ الوَحشيِّ من الحيوانِ بالنصِّ، وإباحةِ غير الوحشيِّ بالمفهوم.
رابعاً: ما يُباحُ قَطْعُه من نباتِ الحَرَمِ:
يُباحُ من نباتِ الحَرَمِ ما يلي:
١) اليابسُ: فيجوزُ قطعُ اليابسِ من الشجرِ والحَشيشِ؛ لأنَّه بمنزلة الميِّت. كما يجوزُ الانتفاعُ بما انكسرَ من الأغصانِ، وانقلعَ من الشجرِ بفِعْلِ غير الآدميِّ.
٢) ما زَرَعَهُ الآدميُّ: كالبُقولِ، والزروعِ، والرَّياحينِ، فيباحُ أخذُه؛ لأنَّ في تحريمِهِ ضَرَراً على من زَرَعَهُ، وقد جَرَى عملُ المسلمينَ على أَخْذِهِ، والانتفاعِ بكلِّ ما زَرَعَهُ الآدَمِيُّ.
٣) الإِذْخِرُ: وهو حَشيشةٌ طيِّبةُ الرائحةِ، تُسقَّفُ بها البيوت فوق الخشبِ، وقد استثناها الشرعُ من التحريمِ؛ كما في حديث ابن عبَّاس ﵁ -السابق- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ). فأُبيحَ لحاجةِ الناس إليه في بِنائِهِم وقُبورِهِم.
стр. 415
خامساً: ما يُجزئُ من بهيمةِ الأنعامِ في الدَّمِ الواجبِ:
الدَّمُ الواجبُ: هو ما يترتَّبُ على الحاجِّ أو المُعْتمِرِ من فِدْيةٍ بسببِ ارتكابِه محظوراً من محظوراتِ الإحرامِ، أو تَرْكِ واجبٍ، أو جَزاءِ الصَّيدِ، أو الإحصارِ.
ولا يكونُ الدَّمُ الواجبُ إلَّا من بهيمة الأنعام، وهي: الإبلُ والبقرُ والغنمُ.
ويُجزئه أن يُخرِجَ الفِدْيةَ من أيِّ نوعٍ من بهيمة الأنعام، على النحو التالي:
١) يُجزئُ إخراجُ بَقَرةٍ بدلاً عن بَدَنَةٍ، ويُجزئُه إخراجُ بَدَنَةٍ بَدَلاً عن بَقَرَةٍ؛ لما ثبتَ من حديثِ جابرٍ ﵁ قال: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ في الإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا في بَدَنَةٍ) [رواه مسلم]. حيثُ جعلَ البقرَ مساوياً للإبلِ من حيثُ إجزاءُ كلٍّ منهما عن سَبْعَةٍ؛ فدلَّ ذلك على أنَّ أحدَهُما يُجزئُ عن الآخرِ.
٢) يُجزئُ إخراجُ بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ عن سَبْعِ شِياهٍ مُطلَقاً؛ سواء وَجَدَ الشِّياهَ أو
لم يَجِدْها، وإخراجُ سُبْع بَدَنَةٍ أو سُبْع بَقَرَةٍ عن شَاةٍ؛ لحديث جابرٍ ﵁ السابق؛ فلسبْعةٍ أن يشتركوا في بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ.
سادساً: المقصودُ بالدَّمِ الواجبِ عندَ الإطلاقِ:
المرادُ بالدَّمِ الواجبِ عند الإطلاقِ: ما يُجزئُ في الأُضحِيَةِ؛ وهو الجَذَعُ من الضَّأْنِ، أو الثَّنِيُّ من المَعْزِ، أو سُبْع بَدَنَةٍ، أو سُبْع بَقَرَةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]؛ قال ابن عبَّاس ﵄ في تفسير الهَدْي: «جَزُورٌ
стр. 416
أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ في دَمٍ» [رواه البخاري].
سابعاً: الأفضلُ في الدِّماءِ الواجِبةِ:
ذَبْحُ البَدَنَةِ أو البَقَرَةِ أفضلُ من ذَبْحِ الشَّاةِ؛ لأنَّهما أكثرُ لَحْماً، وأنفعُ للفُقراءِ. فإنِ اختارَ ذَبْحَ البَدَنَةِ أو البَقَرَةِ وَجَبَتْ كُلُّها؛ لأنَّه اختار الأعلَى لأداءِ فَرْضِهِ؛ فكانَ وَاجِباً كُلُّه.
* * *
стр. 417
باب أركانِ الحجِّ وواجباتِه وسُنَنِه
أوّلاً: أركانُ الحجِّ:
الرُّكنُ: جُزءُ الشيءِ الّذي لا يَتمُّ إلّا بهِ.
وأركانُ الحجِّ أربعةٌ:
الرُّكن الأوّلُ: الإحرامُ؛ وهُو: نيّةُ الدُّخولِ في النُّسُكِ؛ فمنْ تركَ الإحرامَ لمْ ينعقدْ حجُّهُ؛ لقولِهِ ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
الرُّكن الثّاني: الوقوفُ بعرفةَ؛ لقولِهِ ﷺ : (الحَجُّ عَرَفَةُ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
١) مكانُ الوقوفِ:
عرفةُ كلُّها موقفٌ إلّا بطنَ عُرنةَ؛ لقولِهِ ﷺ : (وَقَفْتُ هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) [رواه مسلم]، وقولِه: (وارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ) [رواه أحمد وابن ماجه]. وبطنُ عُرَنةَ: هو الوادِي الّذِي قبلَ عرفات، وعليه بُنيَتْ مقدِّمةُ مسجدِ نمرةَ، ومؤخّرتُهُ في داخلِ عرفات.
٢) وقتُ الوقوفِ:
يبدأُ منْ طُلوعِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى طلوعِ فجرِ يومِ النّحرِ؛ فمَنْ وَقَفَ في هذا الوقتِ بعَرَفةَ لحظةً واحدةً -وهُو أهلٌ للوقوفِ-؛ ولو كان مارًّا، أو نائماً، أو جاهلاً
стр. 418
أنّها عرفةُ، أو كانتِ المرأةُ حائضاً: صحَّ حجُّهُ؛ لحديثِ عُروةَ بنِ مضرِّسٍ ﵁ قال: (أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ بالموقفِ -يَعْنِى بِجَمْعٍ (مزدلفة) - قُلْتُ: جِئْتُ
يَا رَسُولَ الله مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ؛ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَالله مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ؛ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
والتَّفثُ: فعلُ ما كان مُحرَّماً على المُحْرِمِ؛ من إزالةِ الشّعرِ، وقصِّ الأظفارِ.
- وفي روايةٍ عن الإمام أحمد: أنّ الوقوفَ يَبدأُ من زوالِ الشّمسِ يومَ عرفةَ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ وقَفَ بعد الزّوالِ.
ولا يصحُّ الوقوفُ إن كانَ الواقفُ سكرانَ، أو مجنوناً، أو مغمى عليهِ-إلّا أن يفيق وهو بها، أو يعودَ إليها قبلَ خُروجِ وقتِ الوقوفِ-؛ لأنّه ليس من أهلِ العباداتِ.
- ولو وقَفَ النّاسُ كلُّهم، أو كلُّهم إلّا قليلاً في اليومِ الثَّامنِ أو العاشرِ خطأً لا عمداً: أجزأَهم الوقوفُ؛ لأنّه لو وجبَ القضاءُ لمْ يُؤمنُ وقوعُ الخطأ فيه أيضاً؛ فيشُقُّ عليهم.
وإن فعَل ذلكَ نفرٌ قليلٌ منهُم: فاتَهُمُ الحجُّ؛ لتفرِيطِهم، ولما ثبتَ: (أنَّ هَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا العِدَّة؛ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُم، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا، وَارْجِعُوا؛