Полный текст (1 425 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عائشةَ ﵂: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ يَرْمِى الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ؛ كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ؛ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) [رواه أبو داود]. فإنْ خالفَ هذا التّرتيبَ لم يجزِهِ.
٦) الحلقُ أو التّقصيرُ؛ لقولِهِ : ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح ٢٧]، ولأنّ النّبيَّ ﷺ أمر بذلك من لم يسُقِ الهديَ من أصحابِهِ؛ بقولِهِ: (وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ) [رواه البخاري ومسلم]، وفي حديثِ ابنِ عمر ﵄: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: (رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: وَالمُقَصِّرِينَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
٧) طوافُ الوَداعِ لغير المقيم بمكَّة؛ لقولِ ابنِ عبّاسٍ ﵄: (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الحَائِضِ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: أركانُ العُمْرةِ وواجباتُها:
١) أركانُ العُمْرةِ:
أركانُ العُمْرةِ ثلاثةٌ:
أ - الإحرامُ؛ لقولِهِ ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
ب- الطوافُ بالبيتِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩].
ج- السّعيُ بين الصّفا والمروةِ؛ لقوله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ
стр. 422
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، وقولِ النّبيِّ ﷺ : (اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
٢) واجباتُ العُمْرةِ:
واجباتُ العمرةِ شيئانِ:
أ - الإحرامُ بها منَ الحِلِّ؛ لقولِهِ ﷺ لعائشةَ ﵂: (اعْتَمِرِي مِنْ التَّنْعِيمِ) [رواه البخاري ومسلم، واللّفظ للبخاري].
ب- الحلقُ أو التّقصيرُ؛ لما سبق في واجباتِ الحجِّ.
رابعاً: سننُ الحجِّ:
يُسَنُّ للحاجِّ ما يلي:
١) المبيتُ بمنىً ليلةَ عرفةَ؛ لفعلِهِ ﷺ ؛ ففي حديث جابرٍ ﵁ قال: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى؛ فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ؛ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ) [رواه مسلم].
٢) طوافُ القُدومِ للمُفردِ والقارنِ؛ لحديثِ عُروةَ قال: أخبرتني عائشةُ ﵂: (أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) الرَّمَلُ في الثلاثةِ الأشواطِ الأُوَلِ منْ طوافِ القُدومِ؛ لحديثِ جابرٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ طَافَ سَبْعاً؛ رَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعاً) [رواه النّسائي].
والرَّملُ: إسراعُ المشيِ مع مقاربةِ الخُطَى.
стр. 423
٤) الاضطباعُ في طوافِ القدومِ؛ بأنْ يجعلَ وسطَ الرِّداءِ تحتَ عاتقِهِ الأيمنِ، وطرفيهِ على عاتِقهِ الأيسرِ؛ لحديثِ ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ؛ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ؛ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى) [رواه أبو داود].
٥) تجرُّدُ الرّجلِ من المَخيطِ عندَ الإحرامِ، ولُبسُ إزارٍ ورداءٍ أبيضَيْنِ نظيفَيْنِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعاً: (لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) [رواه أحمد]. ولقوله ﷺ : (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ) [رواه أبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ].
٦) التَّلبيةُ منْ حينِ الإحرامِ إلى رميِ جمرةِ العقبةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ؛ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) [رواه مسلم]، وحديثِ الفضلِ بنِ عبّاسٍ ﵄: (لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) [رواه البخاري ومسلم].
خامساً: حكمُ تركِ الرُّكنِ والواجبِ والمسنونِ:
١) منْ ترَكَ رُكناً من الأركانِ في الحجِّ أو العُمْرةِ لمْ يتمَّ حجُّهُ إلّا بهِ؛ لما تقدَّمَ بيانُهُ. إلَّا الإحرام؛ من تركه لم ينعقد حجُّه، وإلَّا الوقوفَ بعَرَفَةَ؛ من تَرَكَهُ فقد بَطَلَ حَجُّه.
٢) منْ ترَكَ واجباً لحجٍّ أو عُمْرةٍ ولو سَهْواً؛ فعليهِ دَمٌ، وحَجُّهُ صحيحٌ؛ لقولِ ابنِ عبّاس ﵄: (مَنْ تَرَكَ نُسُكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ) [رواه مالك في الموطأ].
٣) منْ ترَكَ مسنوناً؛ فلا شيءَ عليهِ؛ لعدمِ ورودِ النّصِّ في ذلكَ.
стр. 424
فصل في شروطِ صحَّةِ الطوافِ وسُننِه
أوَّلاً: شروطُ صحَّةِ الطوافِ:
يُشترطُ لصحَّةِ الطوافِ أحدَ عشرَ شرطاً، لا بدَّ من الإتيان بها وإلَّا لم يصحَّ الطواف، وهي على النحو التالي:
الأوَّل: الإسلام؛ فلا يصحُّ الطوافُ من الكافرِ؛ لأنَّه ليس من أهلِ العبادةِ.
الثاني: النيَّة؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
الثالث: العقلُ؛ فلا يصحُّ الطوافُ من المجنونِ؛ لأنَّه لا نيَّة له.
الرابع: دخولُ وقتِ الطوافِ؛ فلا بدَّ أن يُوقِعَ طوافَ الإفاضَةِ -وهو الرُّكن- في وقتِه، ووقتُه كما مرَّ يبدأُ من منتصفِ ليلةِ النحرِ لمنْ وقفَ بعَرَفَة، وإلَّا فبَعْدَ الوقوفِ.
الخامس: سترُ العَوْرَة؛ لحديث: (وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) [رواه البخاري ومسلم].
السادس والسابع: اجتنابُ النجاسةِ، والطهارَةُ من الحَدَثِ الأصغرِ والأكبرِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ، إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلا يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيرٍ) [رواه الترمذي]. فجعلَ الطوافَ مثل الصَّلاةِ، والصلاةُ يُشترطُ لها الطهارةُ من الحَدَثيْنِ، واجتنابُ النجاسةِ لبَدَنِه وثَوْبِه، فكذلك الطوافُ. ولقول النبيِّ ﷺ لعائشةَ ﵂ لمّا حاضت في الحَجِّ: (افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 425
الثامن: أن يطوفَ سَبْعَةَ أشواطٍ كاملةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ طاف سَبْعاً وقال: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم؛ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِه) [رواه مسلم]. فلو طافَ أقلَّ من سَبْعَةِ أشواطٍ فلا يصحُّ حتَّى يتمَّه.
ولا بدَّ أن يكون الطوافُ بجميع البيت، وإلَّا كان الطوافُ غيرَ صحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]. وهذا يقتضي الطواف بجميعه.
- والْحِجْرِ من البيت؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الْحِجْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
التاسع: أن يجعلَ البيتَ عن يَسارِهِ أثناءَ الطوافِ؛ لفعْلِ النبيِّ ﷺ كما في حديث جابرٍ ﵁ -الطويل- في وَصْفِ حَجَّتِه ﵊، وقد قال ﷺ : (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم؛ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِه).
العاشر: أن يطوفَ ماشِياً إذا كان قادِراً على المَشْي؛ فلو طافَ راكِباً لغيرِ عُذْرٍ فطوافُه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الطّوافَ بالبيتِ صلاةٌ كما سبق. أمَّا إذا طافَ راكِباً لعُذْرٍ فطوافُه صحيحٌ؛ لحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالت: (شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) [رواه البخاري ومسلم].
الحادي عشر: المُوالَاةُ في الطّوافِ؛ وذلكَ بأنْ يُوالِي بين الأشواطِ السَّبْعَةِ فلا يَفصِلُ بينَها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ طافَ كذلك، وقد قالَ: (خُذُوا مَناسِكَكُم).
فلو تَرَكَ المُوالَاةَ بين أشواطِ الطّوافِ فطوافُه غيرُ صحيحٍ، وعليه أن يُعيدَ الطّوافَ، إلَّا إذا كانَ الفَصْلُ يَسيراً عُرْفاً، أو أُقيمتِ الصَّلاةُ، أُو حَضَرتْ جَنازَةٌ أثناءَ الطّوافِ؛ فإنَّه يُصلِّي ثمَّ يُكمِلُ طوافَه، ولا يستأنفُه من جديد؛ لقول النبيِّ ﷺ :
стр. 426
(إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ) [رواه مسلم]. والطّوافُ صلاةٌ؛ فيدخلُ تحتَ عمومِ هذا الحديث.
- إذا أَحْدَثَ أثناءَ الطَّوافِ انقطعَ طَوافُه، وعليه أنْ يتطهَّرَ ويَبتدئَ الطَّوافَ من جديد؛ لأنَّ الطهارةَ شرطٌ لصحَّتِه كالصَّلاةِ -كما سبق-؛ فإذا أحدَثَ فقد بَطَلَ الطَّوافُ.
ثانياً: سُنَنُ الطَّوافِ:
يُسنُّ في الطّوافِ ما يلي:
١) استلامُ الحَجَرِ الأسودِ -أي مسحُه باليدِ- وتقبيلُه؛ لحديث نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ وَالحَجَرَ في كُلِّ طَوْفَةٍ. قَالَ -أي: نافع-: وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ) [رواه أبو داود].
وأمَّا التّقبيلُ؛ فلِمَا ثبتَ عن عمرَ ﵁ (أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) [رواه أبو داود].
فإنْ شقَّ عليه تَقبيلُه، استلَمَه بيدِه وقبَّل يدَهُ؛ لما رواه نافِعٌ قَالَ: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ) [رواه مسلم].
فإنْ شَقَّ استلامُه بيدِهِ فإنَّه يُشيرُ إليهِ بيدِه أو بِعَصا دون تقبيلٍ لليَدِ أو للعَصَا؛ لحديثِ ابن عبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّر) [رواه البخاري].
стр. 427
٢) استلامُ الرُّكْنِ اليَمانِّي دون تقبيلِهِ؛ لحديث ابن عمر ﵁ -السابق- (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ).
وأمَّا تقبيلُه: فلَمْ يَصحَّ عن النبيِّ ﷺ ؛ فلا يُسنُّ. قاله ابن قُدامَة.
٣) الاضْطِباعُ: مأخوذٌ من الضَّبْعِ وهو عَضُدُ الإنسانِ، وهو تَعْريَةُ المَنْكِبِ الأيمنِ، وجَمْعُ الرِّداءِ على الأَيْسَرِ؛ وذلك لحديث يعلى بن أميَّة ﵁ (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]. فإذا فَرَغَ من الطَّوافِ أعادَ إحرامَهُ إلى هيئتِهِ الطبيعيَّة.
٤) الرَّمَلُ: وهو إسْراعُ المَشْي معَ تقارُبِ الخُطَى بلا وَثْبٍ. ويكونُ ذلك في الأشواطِ الثلاثَةِ الأُولَى فقط، أمَّا الأربعةُ الأخيرةُ فيمشِي فيها؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: (رَمَلَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الحَجَرِ إِلَى الحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) [رواه مسلم].
- الرَّمَلُ والاضْطِباعُ مُستحَبَّان لغير أهلِ مكَّة في طوافِ القُدومِ-لمنْ حَجَّ مُتمتِّعاً-، وفي العُمْرَةِ، دون غيرهما من المناسكِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابه إنَّما اضْطَبَعوا ورَمَلوا فيهما فقط، ولحديث ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
٥) صلاةُ ركعتينِ بعدَ الطَّوافِ: فيُسنُّ للطّائفِ أن يُصلِّيَ ركعتين بعد فراغِهِ من الطَّوافِ، ويُستحَبُّ أن يَرْكَعْهُما خَلْفَ المقامِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥]، ولحديث ابن عمر ﵄: (قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ … ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 428
ويُستحَبُّ أن يَقرأَ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأُولَى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية؛ لحديث جابرٍ ﵁ في وَصْفِ حَجَّةِ النبيِّ ﷺ : (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾) [رواه مسلم].
* * *
стр. 429
فصل في شروطِ صحَّةِ السّعْي بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ وسُننِه
أوَّلاً: شروطُ صحَّةِ السَّعْي بين الصَّفا والمَرْوَةِ:
يُشْترطُ لصحَّة السَّعْي بين الصَّفا والمَرْوَةِ ثمانيةُ شروطٍ:
١ - ٣) الإسلامُ، العقلُ، النِّيةُ: وهذه الشروطُ الثلاثةُ شرطٌ في سائرِ العباداتِ، وقد سبقَ الكلامُ عليها.
٤) المُوَالاةُ: فيلزمُه أن يُوالِيَ في سَعْيِهِ بين الأشواطِ السَّبْعَةِ، ولا يَفْصِلَ بينها، وإلَّا بَطَلَ السَّعْي؛ قياساً على الطَّوافِ. إلَّا إذا كان الفَصْلُ يَسيراً عُرْفاً، أو أُقيمتِ الصَّلاةُ، أو حَضَرَتِ جنازةٌ للصَّلاةِ عليها؛ فلَهُ أن يُصلِّيَ ويُكمِلَ سَعْيَه؛ كما مرَّ في الطَّوافِ.
٥) المشي مع القدرة: فلا يجوزُ لهُ أن يَسعَى راكباً إلَّا لعذرٍ وإلَّا بَطَلَ سَعْيُه؛ قياساً على الطَّوافِ.
٦) أن يكونَ السَّعْيُ بعدَ طَوافٍ صحيحٍ -حتَّى لو كانَ هذا الطَّوافُ سُنَّةً؛ كطوافِ القُدومِ-؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سَعَى بعدَ طَوافِهِ، وقد قال: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم؛ فَإِنَّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) [رواه مسلم].
فلو سَعَى دون أن يُسْبَقَ هذا السَّعْيُ بطوافٍ فسَعْيُهُ غيرُ صحيحٍ، وكذا إذا سَعَى بعد طَوافٍ، لكن هذا الطَّوافُ لم يكنْ على طَهارةٍ؛ فسعيُه أيضاً غير صحيح؛ لبُطلانِ
стр. 430
الطّوافِ الذي تقدَّمَهُ.
- لا يُشْترطُ أن يكون السَّعْيُ بعدَ الطوافِ مباشرةً، بل ذلكَ سُنَّةٌ؛ فلو أخَّرَ السَّعْيَ إلى اللَّيلِ فلا بأسَ. قال في «المغني»: «قالَ الإمامُ أحمدُ: لا بأسَ أنْ يُؤخِّرَ السَّعْيَ حتَّى يَستريحَ، أو إلى العَشيِّ».
٧) أن يكونَ السَّعْيُ سَبْعَةَ أشواطٍ: فيجبُ عليه أن يَسْعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ لفِعْلِه ﷺ ؛ كما في حديث ابن عمرَ ﵄: (وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا … ) [رواه البخاري ومسلم].
- ويبدأُ بالصَّفا ويختمُ بالمَرْوَةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ بدأَ بالصَّفا كما في حديث جابرٍ ﵁؛ وفيه: (فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ. فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ … ) [رواه ومسلم]. فلو بدأَ بالمَرْوَةِ قبلَ الصَّفا لم يُعتدَّ بذلكَ الشوطِ، ولا يُحتسبُ.
- ويكونُ ذهابُه من الصَّفا إلى المَرْوَةِ شَوْطاً، ورُجوعُه من المَرْوَةِ إلى الصَّفَا شَوْطاً آخرَ؛ لفِعْلِ النبيِّ ﷺ كما في حديث جابرٍ ﵁ في وَصْفِ حَجَّتِه ﵊.
٨) استيعابُ ما بين الصَّفا والمَرْوَةِ: فيجبُ عليه أن يستوعبَ جميعَ المكانِ الذي بين الصَّفا والمَروَةِ بالسَّعْي؛ لفِعْلِه ﷺ . وقد قال: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم … ). فلو تَرَكَ خُطوةً منه لم يصحَّ سَعْيُهُ.
стр. 431
ثانياً: سُنَنُ السَّعْي:
يُستحَبُّ في السَّعْي بين الصَّفا والمَرْوَةِ ما يلي:
١) الطَّهارةُ من الحَدَثين: فيُستحبُّ له أن يَسعَى على طهارةٍ؛ لأنَّه ذِكرٌ لله ، والذِّكرُ يُستحبُّ الإتيانُ به على طهارةٍ. فلو سَعَى وهو مُحْدِثٌ فسَعيُه صحيحٌ ويُجزئه؛ لقول النبيِّ ﷺ لعائشة ﵂ لمّا حاضت: (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفيِ بِالبَيَتِ حَتَّى تَطْهُرِي) [رواه البخاري ومسلم]. فمَنَعَها النبيُّ ﷺ من الطَّوافِ فقط وهي حائضٌ؛ فدلَّ ذلك على جوازِ السَّعْي وغيرِه من المناسكِ بغيرِ طهارةٍ.
٢) المُوالاةُ بينَه وبينَ الطَّوافِ: وذلك بأنْ يَسْعَى بعدَ الطَّوافِ وصَلاةِ الرَّكعتينِ خَلْفَ المقامِ مباشرةً، ولا يُفَرِّق بينهما طويلاً؛ لفِعْلِ النبيِّ ﷺ كما جاءَ في وَصْفِ حَجَّتِه.
ثالثاً: سُنَنٌ وآدابٌ في الحجِّ:
ومن السُّنَّنِ في الحَجِّ ما يلي:
١) أن يَشْربَ من ماءِ زَمْزَمَ لما أَحبَّ من أمورِ الدِّينِ والدُّنيا، ويَرُشَّ منه على بَدَنِه وثَوبِه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) [رواه أحمد وابن ماجه]. ولحديث عليٍّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِسَجْل -الدَّلْوِ المَمْلُوءِ بِالمَاءِ- مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَوَضَّأَ) [رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند].
٢) أن يَدْعُوَ عندَ الشُّرْبِ منه ويقول: «بسمِ الله، اللَّهمَّ اجعلْهُ لنا عِلْماً نافِعاً، ورِزْقاً واسِعاً، ورِيًّا وشِبَعاً، وشِفاءً من كلِّ داءٍ، واغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وامْلأْهُ منْ
стр. 432
خَشْيَتِكَ»؛ لأنَّ هذا الدعاء لائقٌ بهذا الفِعلِ، وهو شاملٌ لخَيرَي الدُّنيا والآخِرَةِ، ولأثرِ عِكرمَةَ عن ابن عبَّاس ﵄ قال: (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَم قال: اللَّهُمَّ إِنَّي أَسألَك عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً، وَشِفاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) [رواه الحاكم والدارقطني بإسناد ضعيف].
٣) الصَّلاةُ في مسجدِ النبيِّ ﷺ ؛ لقوله ﵊: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ) [رواه البخاري ومسلم]. ولحديثِ أبي الدَّرْداءِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (فَضْلُ الصَّلَاةِ في المَسْجِدِ الحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مائَةُ أَلْف صَلَاةٍ، وَفي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفي مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ خَمْسُمائَةِ صَلَاة) [رواه البَزَّار والطحاوي والبيهقي في شُعَب الإيمان].
٤) زيارةُ قبرِ النبيِّ ﷺ وقبري صاحبِيْه أبي بكرٍ وعمرَ ﵄؛ لحديث (مَنْ زَارَ قَبْرِي، أَوْ قَالَ: مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا) [رواه الطيالسي والبيهقي بإسناد ضعيف].
* * *
стр. 433
باب الفواتِ والإحصارِ
أوَّلاً: معنى الفَواتِ:
الفَواتُ: مصدرُ فاتَ؛ إذا سُبِقَ فلم يُدرَك؛ والمقصود به هنا: «من فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَة ولم يُدْرِكُه قبلَ طلوعِ فَجْرِ يومِ النَّحْرِ».
ثانياً: حُكمُ من فاتَه الوقوفُ بعَرَفَةَ:
من طَلَعَ عليه فَجْرُ يومِ النَّحْرِ -وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحجَّة-، ولم يكن وَقَفَ بعَرَفَةَ، فقد فاتَه الحجُّ إجماعاً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ … ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه]. وقالَ جابرٌ ﵁: (لَا يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ) [رواه البيهقي].
ولا فرقَ في حُكمِ الفواتِ بين من فاتَه الوقوفُ لعُذْرٍ أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لما روى سُليمان بن يَسار (أَنَّ هَبَّارَ بنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ) [رواه مالك في الموطأ].
ثالثاً: ما يترتَّبُ على من فاتَه الوقوفُ بعَرَفَة:
يترتَّبُ على من فاتَه الوقوفُ بعَرَفَة ما يلي:
стр. 434
١) ينقلبُ إحرامُه من حجٍّ إلى عُمْرةٍ يتحلَّلُ بها؛ فيطوفُ ويسعَى ويحلِقُ أو يُقصِّرُ؛ لما روى سُليمانُ بن يَسارٍ (أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ ﵁ خرجَ حَاجًّا، حتَّى إذا كان بالنَّازِيَةِ مِنْ طَريقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَواحِلَهُ، وإنّه قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: اصْنَعْ ما يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الحَجُّ قَابِلاً فاحْجُجْ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) [رواه مالك في الموطأ].
إلَّا أنَّ هذه العُمْرة لا تُجزئُ عن عُمْرةِ الإسلامِ؛ لأنَّه لم يَنْوها في ابتداءِ إحرامِه؛ فلم تَقعْ عنها.
٢) يلزمُه دَمٌ، وهو ذَبْحُ شاةٍ؛ لأنَّ عمرَ ﵁ أَمرَ أبا أيوبَ وهبَّار بن الأسودِ أن ينْحَرا هَدْياً لقاءَ ما فاتَهما من الوقوف بعَرَفَة.
- يجبُ الهَدْيُ من حينِ الفَواتِ، إلَّا أنَّ إخراجَهُ يكونُ في سَنَةِ القَضَاءِ.
- إنْ كانَ المُحْرِمُ قد ساقَ معه الهَدْي؛ نَحَرَهُ، إلَّا أنَّه لا يُجزئه عن هَدْي القضاءِ، فيلزمُه في سَنَةِ القضاءِ هَدْيٌ أيضاً؛ لأنَّ عمرَ ﵁ أَمَرَ هبَّار بن الأسودِ أن ينحرَ هَدْيَه الذي ساقَهُ معَهُ، ثمَّ إذا كانَ في العامِ القابِلِ أمَرَهُ أن يَهدِيَ بعدَ القضاءِ.
٣) يلزمُه القضاءُ في العامِ القابِلِ بحسبِ استطاعَتِه؛ لأنَّ عمرَ ﵁ أَمَرَ أبا أيوبَ وهبَّار بن الأسودِ أن يَقضُوا حجَّهُم من العامِ القابِلِ.
- ومنْ كانَ قد اشترطَ عندَ إحرامِه (إنْ حبَسَني حابسٌ فمحلِّي حيثُ حبسْتَني)، لم يلزمه قضاءٌ ولا هَدْيٌ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ
стр. 435
الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵂ أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ؛ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَهِلِّي بِالحَجِّ وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي) [رواه مسلم].
رابعاً: الإحصارُ:
الإحصارُ: هو الحَبْسُ والمنْعُ لسببٍ؛ وهو «أن يُحبَسَ أو يُمنَعَ المُحرِمُ عن إتمامِ أركانِ الحجَّ أو العُمْرةِ لسببٍ؛ كعَدُوٍّ، أو مَرَضٍ، أو حَقِّ الغَيرِ».
خامساً: أحكامُ المُحْصَرِ:
- إذا صُدَّ المُحرِم عن إكمالِ نُسُكِهِ ولم يجدْ طَريقاً آمِناً حتَّى فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَةَ؛ فله حُكْمُ الفَواتِ؛ فيتحلَّل بعُمْرَةٍ ويلزمُه دَمٌ، وقضاءُ نُسُكِه من العامِ القابِلِ.
- فإنْ أمكنَهُ الوصولُ من طَريقٍ أُخرى آمِنَةٍ لم يُبَحْ له التّحلُّل، ولَزمَهُ سلوكُ ذلك الطريقِ؛ ولو كانت بعيدةً، أو خَشِي الفَواتَ.
- إذا صُدَّ عن الوقوفِ بعَرَفَةَ فتَحلَّلَ قبلَ فواتِ يومِ عَرَفَةَ؛ فلا قَضاءَ عليهِ، وعليهِ ذبح هَدْي يتحلَّل به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦].
- إذا حُصِر المُحْرِمُ عن البيتِ، ولو بعدَ الوقوفِ بعَرَفَةَ؛ فيلزمُه ذَبْحُ هَدْي ينوي به التحلُّل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ولما ثبتَ من حديث ابنِ عمرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ) [رواه البخاري].
стр. 436
- ولا يتحلَّلُ المُحصَرُ إلَّا بعد أن ينْحَرَ الهَدْيَ؛ لما ثبت عن المِسْورِ بن مَخْرَمَة ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) [رواه البخاري].
- يَنحَرُ المُحصَرُ الهَدْيَ في المكانِ الذي أُحصِرَ فيه؛ سواء كانَ في الحِلِّ أو في الحَرَمِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه نَحروا هَدْيَهُم في الحُدَيْبِيَةِ وهي من الحِلِّ.
- إذا لم يَقدِرِ المُحصَر على الهَدْي؛ فعليه صيامُ عَشَرةِ أيَّامٍ بنيَّة التحلُّل؛ قياساً على من لم يجدِ الهَدْيَ في حجِّ التمتُّع، ولا يتحلَّلُ إلَّا بعد إتمامِ صيامِ العَشَرَةِ؛ قياساً على عدمِ تحلُّله إلَّا بعد نَحْرِ الهَدْي.
- إذا حُصِرَ المحرِمُ عن طوافِ الإفاضَةِ فقط، وكانَ قد رَمَى وحَلَقَ، فليسَ له أن يتحلَّل حتَّى يطوفَ بالبيتِ؛ لما ثبت عن ابن عمرَ ﵁ أنَّه قال: (مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) [رواه مالك والشافعي]، ولأنَّ طوافَ الإفاضَةِ لا وَقتَ له، والإحرامُ فيه إنَّما هو عن النِّساءِ فقط، أمَّا التحلُّل الذي ورد الشرعُ به فهو من الإحرامُ التامُّ الذي يحرمُ جميعَ محظوراتِه. فمتى زالَ الحَصْرُ أَتَى بالطَّوافِ، وتمَّ حجُّه.
سادساً: الإحصارُ عن أداءِ الواجباتِ:
إذا أُحصِرَ المُحرِمُ عن أداءِ الواجباتِ؛ كرَمْي الجِمارِ، وطوافِ الوداعِ، والمبيتِ بمُزْدلِفَةَ؛ فليسَ له أن يتحلَّل من إحرامِه؛ لأنَّ تركَ الواجبِ لا يترتَّبُ عليه بطلانُ الحجِّ، وإذا فاتَه وجبَ فيه دمٌ.
* * *
стр. 437
باب الأضحِيَة
أوَّلاً: تعريفُ الأُضحِية:
الأُضحِية: ما يُذبحُ من الإبلِ أو البقرِ أو الغنمِ الأهليّةِ أيّامَ النَّحرِ الثّلاثةِ بسببِ العيدِ؛ تقرُّباً إلى الله تعالى.
ثانياً: حكمُ الأُضحِية:
١) هِيَ سُنّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ قال: (ضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ) [رواه البخاري ومسلم]، والأملحُ: الأبيضُ الّذي يخالطُهُ سوادٌ.
ويُكرَهُ تركُ التّضحيةِ مع القدرةِ عليها.
٢) تجبُ الأُضحِيةُ بالنَّذرِ؛ لقولِهِ ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ) [رواه البخاري].
وتتعيّنُ الأُضحِيةُ بقولِهِ: «هذِه أضحيةٌ، أو هذِهِ لله»؛ لأنّ ذلكَ يقتضي الإيجابَ؛ فتتعيّنُ عليهِ كتعيُّنِ الهديِ.
ثالثاً: الأفضلُ في الأُضحيةِ:
الأفضلُ في الأُضحِيةِ: الإبلُ، فالبقرُ، فالغنمُ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنّ رسولَ الله ﷺ قالَ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ
стр. 438
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ) [رواه البخاري ومسلم].
ولا تُجزئُ الأُضحِيةُ من غيرِ الإبلِ، والبقرِ، والغنمِ؛ لقولِهِ : ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج ٣٤].
رابعاً: الأُضحيةُ الواحدةُ تجزئُ عن أهلِ البيتِ:
تجزئُ الشّاةُ الواحدةُ عن الرّجلِ الواحدِ، وعن أهلِ بيتِه وعيالِهِ؛ لقولِ أبي أيّوبٍ ﵁: (كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي بِالْشَّاةِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ) [رواه الترمذي وابن ماجه].
وتُجزىُ البَدَنةُ والبقرةُ عن سبعةٍ؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ قال: (نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) [رواه مسلم].
خامساً: السِّنُّ المُجزِئةُ في الأُضحِيةِ:
١) أقلُّ ما يجزئُ من الضَّأنِ: ما لهُ نصفُ سنةٍ (ستّةُ أشهرٍ)؛ لحديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ قال: (قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ فِينَا ضَحَايَا فَأَصَابَنِي جَذَعٌ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ؛ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) أقلُّ ما يُجزئُ منَ المَعْزِ: ما لهُ سنةٌ؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ مرفوعاً: (لَا تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ) [رواه مسلم]. والمرادُ بالمُسِنَّةِ الثَّنيُّ، وهو في المَعزِ ما لهُ سنةٌ.
٣) أقلُّ ما يُجزئُ منَ البقرِ والجامُوسِ: ما لهُ سنتانِ؛ للحديثِ السّابقِ.
стр. 439
٤) أقلُّ ما يُجزئُ منَ الإبلِ: ما لهُ خمسُ سنينَ؛ للحديثِ السّابقِ أيضاً.
سادساً: ما يُجزئُ وما لا يُجزِئُ في الأُضحيةِ:
١) ما يُجزئُ في الأُضحيةِ:
يُجزئُ في الأُضحيةِ ما يلي:
أ - الجَمّاءُ: وهي الّتي لم يخلقْ لها قرنٌ.
ب- البَتْراءُ: وهي الّتي لا ذَنَبَ لها خِلْقةً أو مقطوعاً.
ج- الخصيُّ: وهو ما قطعتْ خصيتاهُ أو سلّتا أو رُضَّتا.
د- الحامِلُ.
هـ- ما خُلقَ بلا أُذُنٍ، أو ذهب نصفُ إِلْيتِهِ أو أُذُنِهِ.
لدخولِ ذلك كلِّهِ في عمومِ أحاديثِ الأُضحيةِ، ولحديثِ أبي رافعٍ ﵁ قال: (ضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ خَصِيَّيْنِ) [رواه أحمد وابن ماجه]. والمُوجِيُّ: الخصيُّ.
- وتكرهُ المعيبةُ بخَرْقِ أذنِها أو شقِّها، أو قُطعَ منها أقلَّ من النِّصفِ؛ لقولِ عليٍّ ﵁: (أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَيْنِ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
٢) ما لا يجزئُ في الأُضحيةِ:
أ - لا تُجزئُ في الأُضحيةِ: بَيِّنةُ المرضِ، ولا بيّنةُ العَوَرِ؛ بأن انخَسَفتْ عينُها،
стр. 440
ولا قائمةُ العينينِ مع ذَهابِ إِبصارِهما، ولا عجفاءُ؛ وهي الهزيلةُ الّتي لا مُخَّ فيها، ولا عَرْجاءُ؛ وهي الّتي لا تطيقُ مشياً مع صحيحةٍ؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ مرفوعاً: (أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ -وفي روايةٍ: العَجْفاءُ- الَّتِي لَا تُنْقِي) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واللّفظُ لأبي داود، والرّوايةُ الأخرى للتّرمذيّ والنّسائيّ]. ومعنى (لا تُنقِي): أي الهزيلة.
ب- ولا تجزئُ الهَتْماءُ؛ وهي الّتي ذهبَتْ ثناياها من أصلِها؛ لقُصورِها عن تغذيةِ نفسِها؛ فصارتْ في معنى العَجفاءِ.
ج- ولا تُجزئُ العضباءُ؛ وهي ما ذهبَ أكثرُ أذنِها أو قرنِها، ولا العصماءُ؛ وهي ما انكسرَ غلافُ قرنِها؛ لحديثِ علي ﵁: (أنّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُّضَحَّى بِأَعْضَبَ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه]. وقيستْ عليها العَصماءُ.
د - ولا يُجزئُ خصيٌّ مَجْبوبٌ؛ وهو ما قُطع ذكرُهُ وأُنثياهُ؛ لفقدِ عضوٍ من أعضائِهِ؛ فأشبهَ العَضْباءَ.
* * *
стр. 441
فصل في سُنَنِ ذبحِ الأضحِيةِ وآدابِها
أوَّلاً: صفةُ نَحْرِ أو ذَبْحِ الأُضحِيةِ:
١) يُسْتحبُّ في نَحْرِ الإبلِ أن تُنحَرَ-أي تُطعَنَ- في الوَهْدَة التي بين عُنُقِها وصَدْرِها، قائمةً معقولَةُ -مربوطةَ- اليدِ اليُسرَى؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج ٣٦]. قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿صَوَافَّ﴾ «قِيَامًا». [رواه البخاري]. ولحديث زياد بن جُبَير قَالَ: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري]. ولحديث عبد الرحمن بن سابِط: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا) [رواه أبو داود].
٢) يُستحبُّ في البَقَرِ والغَنَمِ ذبحُه بعد إضجاعِه على جنبِه الأيسرِ موجَّهاً إلى القِبلَة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧]، ولحديث أنسٍ ﵁ قال: (ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) [رواه البخاري ومسلم]. والصِّفاحُ: جمع صَفْحَة؛ وهى الجانب.
стр. 442
- ويقولُ عند الذبحِ: «باسمِ الله (وجوباً)؛ واللهً أكبرً، اللَّهمَّ هذا مِنْكَ ولَكَ (استحباباً)»؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١]، ولفعلِ النبيِّ ﷺ لمّا ذَبَحَ الكَبْشيْنِ يوم الأَضْحَى قال: (اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ الله وَاللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ ذَبَحَ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
- يُستحبُّ له أن يَتولَّى الذبحَ بنفسِه هَدْياً كانت أو أُضحِيةً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ذبحَ أُضحيتَه بيدِه -كما في الحديث السابق-، ونَحَرَ من البُدُنِ التي أهداها في حَجِّة الوداعِ ثلاثاً وستِّينَ بَدَنَةً بيدِه، ولأنَّ فِعلَ الذبحِ قُرْبةٌ وتَوَلِّي القُرْبةَ بنفسِه أَولَى من الاستنابة فيها. فإنْ وكَّلَ من يذبحُ عنه فلا بأس؛ لأنَّه ﷺ استنابَ عليًّا ﵁ في نَحْرِ ما بقي من بُدْنِه.
ثانياً: وقتُ ذَبْحِ الأُضحِيةِ:
وقتُ الذبحِ يبدأُ بعد أوَّل صلاةِ عيدٍ بالبلدِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له].
- فإنْ ذبحَ قبل ذلك لم يُجزئه عن الأُضحِيةِ، وإنَّما هو لحمٌ لأهلِهِ؛ لحديث أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم النَّحرِ: (مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ) [رواه البخاري ومسلم].
- ويستمرُّ وقتُ الذبحِ-ليلاً أو نهاراً- إلى آخرِ اليومِ الثاني من أيَّامِ التّشريقِ
стр. 443
-وهو يومُ الثاني عشرَ من ذي الحجَّة-؛ وعليه فلا يُجزئ الذبحُ في اليومِ الثالثِ من أيَّام التشريقِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ (نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ له]. ومنْ غيرِ الجائزِ أنْ يكونَ الذبحُ مشروعاً في وقتٍ يَحرُمُ فيه الأكلُ.
- فإذا انتهى وقتُ الذبحِ -وذلك بغروبِ شمسِ يوم الثاني عشرَ من ذي الحجَّة- دون أن يُضحِّي، وكانت الأُضحِيةُ واجبةً؛ بأنْ كانت نَذْراً ونحو ذلك؛ فإنَّها لا تسقطُ، بل يجبُ ذَبحُها قضاءً؛ لأنَّ الذبحَ أحدَ مقصودَي الأُضحِيةِ؛ فلا يَسقطُ بفواتِ وقتِه. أمَّا إذا لم تكن واجبةً فحينئذٍ تسقطُ؛ لأنّها سُنَّة قد فاتَ محلُّها.
ثالثاً: الأكلُ من الأُضحِيةِ وتقسيمُها:
١) يُسْتحبُّ للمضحِّي أن يأكلَ من أُضحِيتِه؛ حتَّى لو كانت واجبة؛ كالمنذورَةِ مثلاً؛ لحديث ثوبانَ ﵁ قال: (ذَبَحَ رَسُولُ الله ﷺ ضَحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لحْمَ هَذِهِ. فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ) [رواه مسلم].
٢) والسُّنَّةُ في الأُضحِيةِ أن يَقسمَها ثلاثاً: ثلثٌ له ولأهله، وثلثٌ يهديه، وثلثٌ يتصدَّق به؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج ٣٦]. و (القانع): السائل. و (المعتر): هو الذي يعتريك؛ أي: يتعرَّض لك لتُطعِمَه دون أن يسأل. فذكر ثلاثةَ أصنافٍ؛ فينبغي أن تُقَسَّم بينهم أثلاثاً.
٣) يجبُ عليه أن يتصدَّق بشيءٍ منها؛ ولو بأقلِّ ما يُطلَقُ عليه اسم اللَّحم؛ لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، والأمرُ يقتضي الوجوب.
стр. 444
فإنْ لم يَفعَلْ ضَمِن القَدْرَ المُجزئَ، ومِنْ ثَمَّ يجبُ عليه أن يشتريَ ما يعادِلَه لحماً ويتصدَّق به؛ لأنَّه حقٌّ يجبُ عليه أداؤه. والمعتبرُ هو إعطاءُ الفقيرِ منها كالزكاةِ؛ فلا يكفي إطعامُه.
رابعاً: ما يَحْرُمُ في الأُضحِيةِ:
يَحرُمُ على من أرادَ أن يضحِّي ما يلي:
١) أن يأخذَ شيئاً من شَعْرِه أو أظفارِه إذا دخلتْ عشرُ ذي الحجَّة حتَّى يَذْبحَ؛ لحديثِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ) [رواه مسلم].
فإذا ذبحَ فيُسنُّ له الحَلْقُ بعدَه؛ قال الإمامُ أحمدُ: «وهو على ما فَعَلَ ابن عُمَرَ ﵄ تَعْظِيماً لِذَلِكَ الْيَوْمِ»، ولأنَّه كان ممنوعاً من ذلك قبل أن يُضَحِّي؛ فَاسْتُحبَّ له ذلك بعدَه كالمُحْرِمِ.
٢) بيعُ شيءٍ من الأُضحِيةِ حتَّى شعرُها وجلدُها، وكذا يحرمُ إعطاءُ الجازِرِ منها شيئاً على سبيل الأُجرةِ؛ لحديث عليٍّ ﵁ قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا) [رواه البخاري ومسلم]. والأَجِلَّة: جمع جُلٍّ، وهو الكِساءُ الذي يُطرحُ على ظَهْرِ البعيرِ.
لكن يجوزُ له أن يعطيَه منها على سبيلِ الهَدِيَّةِ، أو على سبيل الصَّدقَةِ إن كان فقيراً؛
стр. 445
لدخولِه في عمومِ من يحقُّ له الأخذُ منها، بل هو أَوْلَى؛ لأنَّه باشرَها وتاقتْ نفسُه إليها.
خامساً: الأكلُ من الهَدْي:
١) إذا ذبحَ الحاجُّ هَدْياً على سبيلِ التطوُّع فيُستحبُّ له أن يأكلَ منه شيئاً يَسيراً ويتصدَّقَ بالباقي؛ لفِعْلِه ﷺ كما في حديث جابر ﵁ الطويل في وَصْفِ حَجَّتِه ﷺ وفيه: (ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا
-أي: هو وعليٌّ ﵁ مِنْ لَحمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا … ) [رواه مسلم].
٢) إذا ذبح هَدْياً من أجلِ أنَّه حجَّ متمتِّعاً أو قارِناً -وهذا الهَدْيُ واجبٌ كما سبقَ- فيُباحُ له الأكلُ منه؛ لأنَّ أزواج النبيِّ ﷺ تمتَّعنَ معه في حجَّة الوداع، وأدخلت عائشةُ ﵂ الحجَّ على العُمْرةِ فصارت قارِنةً، ثمَّ ذبحَ النبيُّ ﷺ عنهنَّ البقرَ فأكلنَ من لحومِها. [رواه البخاري ومسلم بمعناه عن عائشة]. ولأنَّهما دَمَا نُسُكٍ فأشبها دَمَ التطوُّع.
٣) ما عَدا هَدْيَ التمتُّع والقِرَانِ من الدِّماءِ الواجبةِ لا يحلُّ له الأكلُ منها؛ لأنَّها وَجَبَتْ بسببِ فِعْلِ محظورٍ؛ فأشبهَ جزاءَ الصيدِ.
* * *
стр. 446
فصل في العَقيقَةِ
أوَّلاً: معنَى العَقيقَةِ:
العَقيقَةُ: هي الذَّبيحَةُ التي تُذْبَحُ عن المولودِ.
ثانياً: حُكمُ العَقيقَةِ:
العَقيقةُ سُنَّةٌ مؤكَّدَةٌ على الأبِ غنيًّا كان أو فقيراً؛ لما ثبتَ عن سَلْمانِ بنِ عامرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى) [رواه البخاري]، وعن سَمُرَةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُدَمَّى -وفي رواية: يُسَمَّى-) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
ثالثاً: ما يُجزئُ في العَقيقَةِ:
١) يُجزئُ في العَقيقةِ ما كان من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ،
ولا تجزئُ العقيقةُ من غير هذه الأجناسِ.
٢) إذا كانتِ العقيقةُ من الغَنمِ؛ فيُستحبُّ أن يُذبَحُ عن الغلامِ شاتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ واحدةٌ؛ لحديث أمِّ كُرْز الكَعْبية ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ، لا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَاناً كُنَّ أَمْ إِنَاثاً) [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه].
- ويُستحبُّ أن تكونَ الشاتانِ مُتماثلَتَيْن؛ لقولِهِ ﷺ : (شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ). قال
стр. 447
الإمام أحمد: «يعني متقاربتين أو متساويتين».
- فإن تعذَّر ذبحُ شاتَينِ عن الغُلامِ، أجزأَهُ ذبحُ شاةٍ؛ لما ثبت عن ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ كَبْشاً كَبْشاً) [رواه أبو داود].
- ولا فَرْقَ في الشاةِ أن تكونَ ذكراً أو أُنثَى؛ لقوله ﷺ في حديثِ أمِّ كُرْز ﵂: (لا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَاناً كُنَّ أَمْ إِنَاثاً) [رواه أبو داود].
٣) إذا كانتِ العقيقةُ من الإبلِ أو البقرِ، فلا يُجزئُ فيها إلَّا ما كان كاملاً؛ لأنَّها فِديَةٌ عن النَّفْسِ؛ فلا تقبلُ التشريكَ.
٤) يُستحبُّ في العَقيقةِ أن يقطعَها من المفاصِلِ، ولا يَكسرَ عظمَها؛ تفاؤلاً بسلامَةِ أعضاءِ المولودِ؛ لما رُويَ عن عطاءٍ قال: (تُقَطَّعُ جُدُولاً، وَلا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ) [رواه البيهقي]. والجُدُول: جمع جَِدْل بالكسر والفتح، وهو العضو.
رابعاً: وقتُ العَقيقَةِ:
- يُسنُّ ذبحُ العقيقةِ عن المولودِ في اليوم السابعِ من ولادَتِه؛ لحديث سَمُرة بن جُندبٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وُيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى) [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه]، فإنْ فاتَ اليومُ السابعُ فيذبحُ في اليوم الرابعِ عشرَ، فإنْ فاتَ ففي اليومِ الحادِيَ والعشرين؛ لقول عائشةَ ﵂: (وَلْيَكُنْ ذَاكَ يَومَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَم يَكُنْ فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ لَم يَكُنْ فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ) [رواه الحاكم]. ثمَّ بعدَ ذلك يذبحُها متى تيسَّر له من غير اعتبارٍ للأسابيع.
стр. 448
- يُكرَهُ تلطيخُ رأسِ المولودِ بدمِ العَقيقةِ؛ لما ثبت عن بُريدَة ﵁ قال: (كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللهُ بِالإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنَلْطَخُهُ بِزَعْفَرَانٍ) [رواه أبو داود]. وعن عائشة ﵂ قالت: (وَكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَةِ يَجْعَلُونَ قُطْنَةً في دَمِ الْعَقِيقَةِ وَيَجْعَلُونَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْعَلَ مَكَانَ الدَّمِ خَلُوقًا) [رواه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي].
خامساً: آدابٌ وسُنَنٌ تتعلَّقُ بالمولودِ:
يتعلَّقُ بالمولودِ جملةٌ من السُّنَنِ والآدابِ هي:
١) الأَذانُ في أُذُنِه اليُمنَى، والإقامةُ في أُذُنِه اليُسرى؛ لما روى أبو رافعٍ ﵁ قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَذَّنَ في أُذُنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلَاةِ) [رواه أبو داود والترمذي، وضعفه ابن حجر].
وعن عمرَ بن عبد العزيز أنَّه كان (إِذَا وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ أَخَذَهُ في خِرْقَةٍ؛ فَأَذَّنَ في أُذُنِهِ اليُمْنَى، وَأَقَامَ في اليُسْرَى) [ذكره ابن المنذر عنه، قال ابن الملقن: غريب، وقال ابن حجر: لم أره عنه مسنداً].
٢) تحنيكُ المَولودِ، وهو مَضْغُ التَّمْرِ ونحوه، ثمَّ دَلْكُهُ بحَنَكِ المولودِ؛ فعن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: (وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ … ) [رواه البخاري].
٣) حَلْقُ رأسِ الغُلامِ في اليومِ السابعِ، ويُتَصَدَّقُ بوَزْنِه فِضَّةُ؛ لحديث سَمُرَةَ بن
стр. 449
جُنْدُبٍ ﵁ السابق. أمَّا الأُنثَى فلا يُسنُّ حَلْقُ رأسِها.
٤) تسميةُ المولودِ في اليومِ السابعِ؛ لحديث سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁ السابق. ويجوزُ تسميتُه قبلَ اليومِ السابعِ؛ لحديث أنسِ بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ) [رواه مسلم]، وعن أنسٍ ﵁ أيضاً أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِابْنٍ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ يَوْمَ وَلَدَتْهُ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ الله [رواه البخاري ومسلم].
سادساً: ما يُستحبُّ التَّسَمِّي به من الأسماءِ:
١) يُسنُّ تحسينُ اسمِ المولودِ، وأفضلُ الأسماءِ وأحبُّها إلى الله ما تضمَّن تعبيداً لله تعالى؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) [رواه مسلم].
٢) يُباحُ التسمِّي بأسماءِ الملائكةِ والأنبياءِ؛ لحديث أبي وَهْبٍ ﵁، وفيه: (تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِياءِ … ) [رواه أحمد أبو داود والنسائي، بإسناد ضعيف]، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي) [رواه البخاري ومسلم]، وقد سَمَّى النبيُّ ﷺ ولدَه إبراهيمَ، وسمَّى ولدَ أبي موسى الأشعريِّ إبراهيمَ.
سابعاً: ما يَحرُمُ التّسَمِّي به من الأسماءِ:
١) التسمِّي بشيءٍ من أسماءِ الله ﵎؛ لحديث هانئ بن شريح ﵁ (أَنَّهُ لمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الحَكَمِ، فَدَعَاهُ
стр. 450
رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ … ) [رواه أبو داود والنسائي]، وقد كنَّاه النبيُّ ﷺ بأبي شُرَيْحٍ أكبر أولاده.
٢) التسمِّي بما فيه تعبيدٌ لغيرِ الله تعالى؛ كعبدِ النبيِّ، وعبد الكعبة، وعبد المسيح؛ لأنَّ العبوديةَ لا تنبغي إلَّا لله تعالى، وقد ثبت عن هانئ بن شريح ﵁ قال: (وَفِدَ النَّبِيَّ ﷺ في قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلاً عَبْدَ الحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ:
مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ الحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّما أَنْتَ عَبْدُ الله) [رواه ابن
أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد].
ثامناً: ما يُكرَهً التسمِّي به من الأسماءِ:
١) التسمِّي بالأسماءِ القَبيحَةِ والتي فيها مَعصِيةٌ؛ كحَرْب، والعَاص، وشِهَاب، وحَنْظَلَة، ومُرَّة، وَحَزَن؛ لحديث أبي وهب ﵁ -فيما يستحب ويكره من الأسماء-: (وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ ومُرَّة) [رواه أبو داود].
وعن ابن عمر ﵄ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: أَنْتِ جَمِيلَةُ) [رواه مسلم].
٢) التسمِّي بالأسماءِ التي فيها تَزْكِيةٌ أو تَفْخِيمٌ أو تَعْظِيمٌ؛ كيَسَار، ومُبارك، ومُفْلح، وخَيْر، وسُرور؛ لحديث سَمُرَة بن جُنْدُبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ أَفْلَحَ، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: أَثَمَّ هُوَ، أَوْ أَثَمَّ فُلَانٌ؟ قَالُوا: لَا) [رواه مسلم وأحمد واللفظ له].
وعن أبي هريرة ﵁: (أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا.
стр. 451
فَسَمَّاهَا رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ) [رواه البخاري ومسلم].
تاسعاً: اجتماعُ العَقيقةِ والأُضحِيةِ:
إذا اتَّفقَ وقتُ ذبحِ العَقيقةِ مع وقتِ الأُضحِيةِ، فعَقَّ أو ضَحَّى ونواهما جميعاً، أجزأَ ما ذبحَهُ عن الأُخرى؛ لأنَّهما عباداتان من جِنسٍ واحدٍ؛ فصحَّ دخولُ إحداهما في الأُخرى؛ كما لو اتَّفق يومُ عيدٍ ويوم جُمُعَةٍ فاغتَسَلَ لأَحَدِهما، وكما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيَّةَ المسجدِ وسُنَّةَ المكتوبَةِ، أو ذَبَحَ المتمتِّعُ والقارِنُ شاةً يومَ النحرِ أجزأَ عن دَمِ المُتعَةِ أو القِرانِ وعنِ الأُضحِيةِ.
* * *
стр. 452
كلمة الإدارة
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجمعينَ. أمَّا بعدُ:
فيسُرُّ إدارة الإفتاء بدولة الكويت أن تُقدِّم لكم هذا الإصدارَ الجديدَ (التَّسهيل في فقه المعاملات)، وهو القسمُ الثاني من سلسلةِ (التَّسهيل في فقه الإمام أحمد بن حنبل)، حيثُ تضمَّن هذا القسمُ أبوابَ المعاملات ومسائلَه الفقهيَّة على مذهب الإمام المبجَّل أحمد بن محمَّد بن حَنْبل الشيبانيِّ ﵀.
وقد سِرْنا فيه وَفْق المنهجيَّة العلميَّة التي جَرَيْنا عليها في الإصدار الأوَّل، من حيثُ سهولةُ العبارةِ، وتفقيرُ المسائلِ، والتَّدليلُ عليها من الأدلَّةِ الشرعيَّةِ المعتبرةِ التي استدلَّ بها فقهاءُ الحنابلةِ في كُتبِهم.
وقامَ بإنجازِ هذا العملِ فريقُ وحدةِ البحثِ العلميِّ بإدارةِ الإفتاءِ، وهم:
الشيخ/ تركي عيسى المطيري رئيساً
الدكتور/ أيمن محمَّد العُمَر عضواً
الشيخ/ أحمد عبد الوهَّاب سالم عضواً
وبعدَ الفَراغِ مِنَ العملِ العلميِّ في الكتاب؛ قامَتِ الإدارةُ بعَرْضِهِ على أصحابِ الفضيلةِ المشايخ:
الدكتور/ مطلق الجاسر.
стр. 453
والدكتور/ عبد السَّلام الفيلكاوي.
والأستاذ الشيخ/ خبَّاب الحمد.
فقاموا مشكورينَ بمُراجَعتهِ، واستدراكِ ما ينبغي استدراكُه، فجزاهمُ اللهُ خيراً.
ونسألُ اللهَ العَليَّ القديرَ التوفيقَ والقبولَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين.
إدارة الإفتاء
стр. 454
كتاب البيع
مقدِّماتٌ مهمَّةٌ
أوَّلاً: تعريفُ البَيْع:
البَيْعُ لغةً: أخذُ شيءٍ وإعطاءُ شيءٍ؛ مأخوذ من الباع -وهو مسافة ما بين الكَفَّين إذا انبسطت الذِّراعان يميناً وشمالًا-؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين يمدُّ باعه للأخذِ والإعطاءِ.
وشرعاً: هو مبادلةُ عينٍ ماليّةٍ، أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقاً، بإحداهما، أو بمالٍ في الذِّمَّة؛ للتملُّك على التّأبيد، غيرَ رباً وقرضٍ.
ومعنى: (مبادلةُ عينٍ ماليّةٍ)؛ أي: دفعُها وأخذُ عِوَضِها؛ فلا يكون إلَّا بين اثنين فأكثر.
والعينُ الماليّةُ: كلُّ ما أُبيح نفعُه واقتناؤُه مطلقاً؛ فلا يدخلُ فيه ما لا نفع فيه شرعاً؛ كالخنزير والخمر.
ومعنى: (منفعةٍ مباحةٍ مطلقاً) أي: لا تختصُّ إباحتُها بحالٍ دون آخر -كممرٍّ في دار-، بخلاف ما تختصُّ إباحتُه ببعضِ الأحوال -كجلد ميتةٍ مدبوغٍ؛ لأنّه ينتفع به في اليابسات فحسب-؛ فهذا لا يُباع هو، ولا منفعتُه.
ومعنى: (بإحداهما) أي: بعينٍ ماليّةٍ، أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقاً؛ كبيعِ كتابٍ بكتابٍ، أو بممرٍّ في دارٍ، أو بيعِ ممرٍّ في دارٍ بكتابٍ، أو بممرٍّ في دارٍ أخرى.
ومعنى: (أو بمالٍ في الذِّمّة) أي: مبادلةُ عينٍ ماليّةٍ أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقاً بمالٍ في الذِّمَّة، من نقدٍ وغيره.
стр. 455
وقوله: (للتملُّك) احترازاً عن المبادلة لغير التملُّك؛ كأن يُعيرَه ثوبَه ليُعيرَه الآخرُ فَرَسَه.
وقوله: (على التّأبيد) بأن لا تُقيَّد مبادلةُ المنفعةِ بمدَّةٍ أو عملٍ معلومٍ؛ فتخرجُ بذلك الإجارةُ.
و (غير رباً وقَرْضٍ) إخراجٌ لهما؛ فلا يُسمَّيان بيعاً وإنْ وُجِدَت فيهما المبادلة؛ لأنّ الرِّبا محرَّمٌ، والقَرْض وإن كان فيه تملُّكٌ، إلَّا أنّ المقصود الأعظم منه الإرفاق.
ثانياً: حُكْمُ البيع:
البيعُ جائزٌ بدلالة الكتاب، والسنَّة، والإجماع.
- أمّا الكتابُ؛ فلقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
- وأمّا السنّة؛ فلحديث حكيم بن حزام ﵁ عن النّبيِّ ﷺ قال: (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) [متّفق عليه].
- وأمّا الإجماع؛ فقد أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.
ثالثاً: أركانُ البيع:
أركانُ البيع ثلاثةٌ:
الأوَّلُ: العاقدان، وهما البائع والمشتري.
والثَّاني: المعقود عليه، وهو المبيع والثمن.
والثَّالث: المعقود به، وهو الصِّيغة، ولها صورتان: قوليَّةٌ، وفعليَّةٌ.
الأُولَى: القوليَّةُ: وهي: الإِيجابُ والقَبولُ: ويحصل بكلِّ لفظٍ دالٍّ على البيع
стр. 456
والشِّراء؛ كأن يقول البائع: بعتُك هذه السِّلعة بكذا، ويقول المشتري: قبلتُ، أو اشتريتُ.
الثَّانية: الفعليَّةُ: وهي: المُعاطاةُ: وهي: الأخذ والعطاء؛ كأن يقول المشتري: أعطِني بهذا الدِّينار خبزاً؛ فيُعطيه البائعُ ما يرضيه من الخبز، وهو ساكت. أو يقول البائع: خُذْ هذا الثوب بدِرْهَمٍ، فيأخذه المشتري ويُعطيه الدِّرْهَم، وهو ساكت. وقد تكون المعاطاةُ بسكوت الطَّرفَين؛ كما لو دفع المشتري ثَمَنَ السِّلعة إلى البائع؛ فأعطاه إيَّاها بغير قولٍ منهما.
ودليلُ صحَّة بيعِ المعاطاةِ: أنَّه جرى عليه عملُ المسلمين منذ عهد النَّبيِّ ﷺ ، ولم ينقل عنه، ولا عن أصحابه ﵃ اشتراطُ الإيجاب والقبول في البيع.
وقال المرداوي: «قال الشيخ تقيُّ الدين: عبارةُ أصحابنا وغيرهم تقتضي أنَّ المعاطاة ونحوها ليس من الإيجاب والقبول، وهو تخصيص عُرْفيٌّ. قال: والصواب أنَّ الإيجاب والقبول اسم كلِّ تعاقد؛ فكلُّ ما انعقد به البيع بين الطرفين سُمِّيَ إثباته إيجاباً، والتزامه قبولًا» [الإنصاف (٤/ ٢٦٤)].
ويشترطُ في الصِّيغة أن يكون المتعاقدان قاصدين البيعَ، غير هازلينِ؛ فإذا كان أحدُهما هازلاً؛ فإنَّ البيعَ لا ينعقدُ لعَدَمِ الرِّضا، وقد قال ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [متّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ].
رابعاً: شروطُ البيعِ:
شروطُ البيع الَّتي تتوقَّف صحَّتُه عليها سبعةٌ، هي:
стр. 457
الأوَّل: الرِّضا به من المتبايِعَينِ: بأن يأتيا به اختياراً؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النّساء: ٢٩]، وقول النّبيِّ ﷺ : (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) [أخرجه ابن ماجه].
فلا يصحُّ البيع إذا أُكره عليه أحدُ المتبايعَينِ بغير حقٍّ، فإن كان الإكراهُ بحقٍّ؛ كأن يُكره الحاكمُ شخصاً على بيع ماله لوفاء دَينٍ عليه؛ صحَّ البيعُ؛ لأنّه حُمِل عليه بحقٍّ.
الثَّاني: أن يكون العاقدُ جائزَ التصرُّفِ؛ أي: حُرًّا، مكلَّفاً، رشيداً؛ لأنَّ البيع عقدٌ يعتبر له الرِّضا؛ فاعتبر له الرُّشد.
فلا يصحُّ البيعُ ولا الشِّراءُ من المجنون، والسَّكران، والنائم، والصَّغير غير المميِّز.
وأمَّا الصَّغير المميِّز، والسَّفيه؛ فإنْ أذِن لهما وليُّهما؛ صحَّ البيعُ، ولو في الكثير؛ لقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النِّساء: ٦]. أي: اختبروهم لتَعْلَموا رُشْدَهم، وإنَّما يتحقَّق ذلك بتفويض البيع والشِّراء إليهما.
وينفذ تصرُّفهما في الشيء اليسير بغير إذن الوليِّ؛ لأنَّ الحكمة في الحَجْر هي خوف ضياع المال، وهو أمرٌ مفقودٌ في الشيء اليسير.
الثَّالث: أن يكونَ المبيعُ مالًا: والمال: ما يُباحُ نفعُه في جميعِ الأحوالِ، أو يُباحُ اقتناؤه بلا حاجة.
стр. 458
فلا يصحُّ بيعُ ما لا نفعَ فيه؛ كالحشرات، أو ما فيه نفعٌ محرَّمٌ؛ كالخمرِ، والخنزيرِ، أو ما لا يباح إلَّا عند الاضطرار كالميتة؛ لقول النّبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) [متّفق عليه]، أو ما لا يُباح اقتناؤُه إلَّا لحاجةٍ؛ كالكلبِ؛ لحديث أبي مسعود الأنصاريِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ … ) [متّفق عليه].
أمَّا السُّمُّ المُستخرَجُ من الحشائش والنباتات؛ فإنْ كان لا يُنتَفَعُ به، أو كان يقتلُ قليلُه، لم يجز بيعُه؛ لعدم نَفْعِهِ. وإنِ انتُفِعَ بِهِ، وأمكن التداوي بيَسيرِه، جازَ بيعُهُ؛ لأنَّه طاهرٌ مُنتَفَعٌ به؛ فأشبه بقيَّة المأكولات.
الرَّابع: أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع وقتَ العقد، أو مأذوناً له في بيعه من المالك، أو من الشَّارع: كالوكيل، ووليِّ الصبيِّ. فلو باع ما لا يملكه؛ لم يصحَّ البيعُ؛ لقوله ﷺ : (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه].
فلا يصحُّ بيعُ الفضوليِّ -وهو: من يبيعُ مالَ غيرِه-، ولا شراؤه، ولو أُجيزَ بعد ذلك؛ لأنّه غيرُ مالكٍ، ولا مأذوناً له في البيع وقتَ العقدِ. إلَّا في حالة واحدة، وهي: إذا اشترى الفضوليُّ في ذمَّته -لا بعَيْنِ مالِه-، ونَوَى الشراءَ لشخصٍ لم يُسمِّه في العقد، ثمُّ يُجيزُه الذي اشتراه له؛ فيصحُّ شراؤه في هذه الحالة. فإنْ لم يُجزْه الذي اشترى له لزم المشتري الفضوليَّ أخذه لنفسه.
وفي رواية أخرى: يجوزُ بيعُ الفُضوليِّ وشراؤه، إذا أجازه المالك بعد ذلك؛ لحديث عُرْوَةَ البارقيِّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي
стр. 459
بَيْعِهِ) [رواه البخاريُّ].
الخامس: أن يكون المبيعُ مقدوراً على تسلِيمِه: فلا يصحُّ بيعُ الجَمَل الشَّارد، ولو لقادِرٍ على تحصيله، ولا سمكٍ في ماءٍ؛ لأنَّ غير المقدور عليه كالمعدوم؛ فلا يصحُّ بيعُه؛ لما فيه من التَّغرير بالمشتري، والنبيَّ ﷺ : (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) [رواه مسلم]. إلَّا إذا كان مرئيًّا، مَحُوزاً في حوضٍ ونحوه، يسهل أخذه منه؛ لأنَّه معلومٌ يُمكن تسليمه؛ فإنْ عجز عن تسليمه لم يصحَّ بيعُه.
السَّادس: معرفة الثَّمن والمُثمَن للمتعاقدين: إمَّا بالمشاهدة حال العقد، أو قبله بزمنٍ يسيرٍ، لا يتغيَّر فيه المبيع عادةً، أو بالوصف فيما يجوز السَّلَمُ فيه.
وذلك لأنَّ الجهالة بالثَّمَن أو المُثْمَن غَرَرٌ؛ فيشمله عموم النَّهي عن بيع الغرر.
السَّابع: أن يكون البيع منجَّزاً: في الحال؛ فلا يصحُّ البيعُ ولا الشِّراءُ معلَّقاً؛ كبعتُك إذا جاء رأسُ الشَّهر، أو إن رضي زيدٌ؛ وذلك لأنَّ البيع عقد معاوضةٌ، ومقتضى المعاوضة نَقْلُ المِلك حالَ العقد، والتّعليق يمنع ذلك.
ويصحُّ البيعُ إذا قال البائعُ: بعتُ إن شاء الله، أو قال المشتري: قبلتُ إن شاء الله؛ لأنَّه يقصد به التبرُّك، لا التَّردُّد؛ فليس فيه غررٌ.
* مسألةُ تفريق الصَّفقة:
وهي أن يبيع شيئاً معلوماً وشيئاً مجهولاً في صفقة واحدة بثمن واحدٍ، ولها ثلاث صور:
الأُولَى: أن يبيع معلوماً ومجهولاً تُجهل قيمتُه؛ كما لو قال: بعتُك هذه الفَرَس،
стр. 460
وما في بطن هذه الفَرَس الأُخرى؛ فلا يخلو من إحدى حالتين:
أُولاهما: ألَّا يتعذَّر معرفة ثمن المجهول؛ فيصحُّ البيعُ في المعلومِ بقِسْطِه من الثمن، ويبطُل في المجهولِ؛ لأنّه لا يصحُّ بيعُه لجهالتِه.
ثانيهما: أن يتعذَّر معرفةُ ثمن المجهول؛ فيبطُل البيعُ في المجهول والمعلوم جميعاً؛ لأنّ ثمنَ المعلوم صار مجهولاً.
الثَّانية: أن يبيع جميع ما يملكُ بعضَه بغير إذن شريكه؛ كما لو باع أرضاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه بثمنٍ واحدٍ؛ فيصحُّ البيع في نصيب البائع بقِسْطِه من الثمن؛ لعدم جهالة الثمن، ولا يصحُّ في نصيب شريكه؛ لعدم إذنه.
وللمشتري الخيار بين ردِّ الأرض، أو الإمساك إن لم يعلم أنّ المبيع مشترك بينه وبين غيره؛ لتبعُّض الصفقة عليه، وللمشتري الأرش إن أمسك فيما يُنقصه التفريق.
الثَّالثة: أن يبيع ما يحلُّ مع ما لا يحلُّ؛ كأن يبيع خلًّا وخمراً بثمن واحد؛ فيصحُّ البيع في الخلِّ بقِسْطِه من الثمن؛ لأنّه مباحٌ يُنتَفَع به يصحُّ بيعه مفرداً، ولا يصحُّ في الخمر؛ لأنَّه يحرمُ بيعه، ويُقدِّر الخمرَ خلًّا؛ ليُقسِّط الثَّمن عليهما فيُسْقِطُ قيمة الخمر.
وللمشتري الخيار بين الفسخ والإمساك إن كان يجهل الحال وقت العقد؛ لتبعُّض الصفقة عليه.
следующие страницы →