Полный текст (1 425 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والشِّراء؛ كأن يقول البائع: بعتُك هذه السِّلعة بكذا، ويقول المشتري: قبلتُ، أو اشتريتُ.
الثَّانية: الفعليَّةُ: وهي: المُعاطاةُ: وهي: الأخذ والعطاء؛ كأن يقول المشتري: أعطِني بهذا الدِّينار خبزاً؛ فيُعطيه البائعُ ما يرضيه من الخبز، وهو ساكت. أو يقول البائع: خُذْ هذا الثوب بدِرْهَمٍ، فيأخذه المشتري ويُعطيه الدِّرْهَم، وهو ساكت. وقد تكون المعاطاةُ بسكوت الطَّرفَين؛ كما لو دفع المشتري ثَمَنَ السِّلعة إلى البائع؛ فأعطاه إيَّاها بغير قولٍ منهما.
ودليلُ صحَّة بيعِ المعاطاةِ: أنَّه جرى عليه عملُ المسلمين منذ عهد النَّبيِّ ﷺ ، ولم ينقل عنه، ولا عن أصحابه ﵃ اشتراطُ الإيجاب والقبول في البيع.
وقال المرداوي: «قال الشيخ تقيُّ الدين: عبارةُ أصحابنا وغيرهم تقتضي أنَّ المعاطاة ونحوها ليس من الإيجاب والقبول، وهو تخصيص عُرْفيٌّ. قال: والصواب أنَّ الإيجاب والقبول اسم كلِّ تعاقد؛ فكلُّ ما انعقد به البيع بين الطرفين سُمِّيَ إثباته إيجاباً، والتزامه قبولًا» [الإنصاف (٤/ ٢٦٤)].
ويشترطُ في الصِّيغة أن يكون المتعاقدان قاصدين البيعَ، غير هازلينِ؛ فإذا كان أحدُهما هازلاً؛ فإنَّ البيعَ لا ينعقدُ لعَدَمِ الرِّضا، وقد قال ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) [متّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ].
رابعاً: شروطُ البيعِ:
شروطُ البيع الَّتي تتوقَّف صحَّتُه عليها سبعةٌ، هي:
стр. 457
الأوَّل: الرِّضا به من المتبايِعَينِ: بأن يأتيا به اختياراً؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النّساء: ٢٩]، وقول النّبيِّ ﷺ : (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) [أخرجه ابن ماجه].
فلا يصحُّ البيع إذا أُكره عليه أحدُ المتبايعَينِ بغير حقٍّ، فإن كان الإكراهُ بحقٍّ؛ كأن يُكره الحاكمُ شخصاً على بيع ماله لوفاء دَينٍ عليه؛ صحَّ البيعُ؛ لأنّه حُمِل عليه بحقٍّ.
الثَّاني: أن يكون العاقدُ جائزَ التصرُّفِ؛ أي: حُرًّا، مكلَّفاً، رشيداً؛ لأنَّ البيع عقدٌ يعتبر له الرِّضا؛ فاعتبر له الرُّشد.
فلا يصحُّ البيعُ ولا الشِّراءُ من المجنون، والسَّكران، والنائم، والصَّغير غير المميِّز.
وأمَّا الصَّغير المميِّز، والسَّفيه؛ فإنْ أذِن لهما وليُّهما؛ صحَّ البيعُ، ولو في الكثير؛ لقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النِّساء: ٦]. أي: اختبروهم لتَعْلَموا رُشْدَهم، وإنَّما يتحقَّق ذلك بتفويض البيع والشِّراء إليهما.
وينفذ تصرُّفهما في الشيء اليسير بغير إذن الوليِّ؛ لأنَّ الحكمة في الحَجْر هي خوف ضياع المال، وهو أمرٌ مفقودٌ في الشيء اليسير.
الثَّالث: أن يكونَ المبيعُ مالًا: والمال: ما يُباحُ نفعُه في جميعِ الأحوالِ، أو يُباحُ اقتناؤه بلا حاجة.
стр. 458
فلا يصحُّ بيعُ ما لا نفعَ فيه؛ كالحشرات، أو ما فيه نفعٌ محرَّمٌ؛ كالخمرِ، والخنزيرِ، أو ما لا يباح إلَّا عند الاضطرار كالميتة؛ لقول النّبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) [متّفق عليه]، أو ما لا يُباح اقتناؤُه إلَّا لحاجةٍ؛ كالكلبِ؛ لحديث أبي مسعود الأنصاريِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ … ) [متّفق عليه].
أمَّا السُّمُّ المُستخرَجُ من الحشائش والنباتات؛ فإنْ كان لا يُنتَفَعُ به، أو كان يقتلُ قليلُه، لم يجز بيعُه؛ لعدم نَفْعِهِ. وإنِ انتُفِعَ بِهِ، وأمكن التداوي بيَسيرِه، جازَ بيعُهُ؛ لأنَّه طاهرٌ مُنتَفَعٌ به؛ فأشبه بقيَّة المأكولات.
الرَّابع: أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع وقتَ العقد، أو مأذوناً له في بيعه من المالك، أو من الشَّارع: كالوكيل، ووليِّ الصبيِّ. فلو باع ما لا يملكه؛ لم يصحَّ البيعُ؛ لقوله ﷺ : (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه].
فلا يصحُّ بيعُ الفضوليِّ -وهو: من يبيعُ مالَ غيرِه-، ولا شراؤه، ولو أُجيزَ بعد ذلك؛ لأنّه غيرُ مالكٍ، ولا مأذوناً له في البيع وقتَ العقدِ. إلَّا في حالة واحدة، وهي: إذا اشترى الفضوليُّ في ذمَّته -لا بعَيْنِ مالِه-، ونَوَى الشراءَ لشخصٍ لم يُسمِّه في العقد، ثمُّ يُجيزُه الذي اشتراه له؛ فيصحُّ شراؤه في هذه الحالة. فإنْ لم يُجزْه الذي اشترى له لزم المشتري الفضوليَّ أخذه لنفسه.
وفي رواية أخرى: يجوزُ بيعُ الفُضوليِّ وشراؤه، إذا أجازه المالك بعد ذلك؛ لحديث عُرْوَةَ البارقيِّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي
стр. 459
بَيْعِهِ) [رواه البخاريُّ].
الخامس: أن يكون المبيعُ مقدوراً على تسلِيمِه: فلا يصحُّ بيعُ الجَمَل الشَّارد، ولو لقادِرٍ على تحصيله، ولا سمكٍ في ماءٍ؛ لأنَّ غير المقدور عليه كالمعدوم؛ فلا يصحُّ بيعُه؛ لما فيه من التَّغرير بالمشتري، والنبيَّ ﷺ : (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) [رواه مسلم]. إلَّا إذا كان مرئيًّا، مَحُوزاً في حوضٍ ونحوه، يسهل أخذه منه؛ لأنَّه معلومٌ يُمكن تسليمه؛ فإنْ عجز عن تسليمه لم يصحَّ بيعُه.
السَّادس: معرفة الثَّمن والمُثمَن للمتعاقدين: إمَّا بالمشاهدة حال العقد، أو قبله بزمنٍ يسيرٍ، لا يتغيَّر فيه المبيع عادةً، أو بالوصف فيما يجوز السَّلَمُ فيه.
وذلك لأنَّ الجهالة بالثَّمَن أو المُثْمَن غَرَرٌ؛ فيشمله عموم النَّهي عن بيع الغرر.
السَّابع: أن يكون البيع منجَّزاً: في الحال؛ فلا يصحُّ البيعُ ولا الشِّراءُ معلَّقاً؛ كبعتُك إذا جاء رأسُ الشَّهر، أو إن رضي زيدٌ؛ وذلك لأنَّ البيع عقد معاوضةٌ، ومقتضى المعاوضة نَقْلُ المِلك حالَ العقد، والتّعليق يمنع ذلك.
ويصحُّ البيعُ إذا قال البائعُ: بعتُ إن شاء الله، أو قال المشتري: قبلتُ إن شاء الله؛ لأنَّه يقصد به التبرُّك، لا التَّردُّد؛ فليس فيه غررٌ.
* مسألةُ تفريق الصَّفقة:
وهي أن يبيع شيئاً معلوماً وشيئاً مجهولاً في صفقة واحدة بثمن واحدٍ، ولها ثلاث صور:
الأُولَى: أن يبيع معلوماً ومجهولاً تُجهل قيمتُه؛ كما لو قال: بعتُك هذه الفَرَس،
стр. 460
وما في بطن هذه الفَرَس الأُخرى؛ فلا يخلو من إحدى حالتين:
أُولاهما: ألَّا يتعذَّر معرفة ثمن المجهول؛ فيصحُّ البيعُ في المعلومِ بقِسْطِه من الثمن، ويبطُل في المجهولِ؛ لأنّه لا يصحُّ بيعُه لجهالتِه.
ثانيهما: أن يتعذَّر معرفةُ ثمن المجهول؛ فيبطُل البيعُ في المجهول والمعلوم جميعاً؛ لأنّ ثمنَ المعلوم صار مجهولاً.
الثَّانية: أن يبيع جميع ما يملكُ بعضَه بغير إذن شريكه؛ كما لو باع أرضاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه بثمنٍ واحدٍ؛ فيصحُّ البيع في نصيب البائع بقِسْطِه من الثمن؛ لعدم جهالة الثمن، ولا يصحُّ في نصيب شريكه؛ لعدم إذنه.
وللمشتري الخيار بين ردِّ الأرض، أو الإمساك إن لم يعلم أنّ المبيع مشترك بينه وبين غيره؛ لتبعُّض الصفقة عليه، وللمشتري الأرش إن أمسك فيما يُنقصه التفريق.
الثَّالثة: أن يبيع ما يحلُّ مع ما لا يحلُّ؛ كأن يبيع خلًّا وخمراً بثمن واحد؛ فيصحُّ البيع في الخلِّ بقِسْطِه من الثمن؛ لأنّه مباحٌ يُنتَفَع به يصحُّ بيعه مفرداً، ولا يصحُّ في الخمر؛ لأنَّه يحرمُ بيعه، ويُقدِّر الخمرَ خلًّا؛ ليُقسِّط الثَّمن عليهما فيُسْقِطُ قيمة الخمر.
وللمشتري الخيار بين الفسخ والإمساك إن كان يجهل الحال وقت العقد؛ لتبعُّض الصفقة عليه.
стр. 461
باب الشروط في البيع
ما سبق من الشروط هي شروط صحَّة البيع، وتُسمَّى الشروط الشرعيَّة، وهناك نوعٌ من الشروط تُسمَّى الشروط في البيع، أو الشروط الجعليَّة؛ أي: التي جعلها العاقد في العقد.
أوَّلاً: تعريف الشَّرْطِ في البيعِ:
الشَّرْطُ في البيعِ: هو إلزامُ أحدِ المتعاقِدَين الآخرَ -بسبب العقد- ما له فيه منفعة.
ويعتبر لترتُّب الحكم عليه: أن يكون الشرط مقارناً للعقد.
ثانياً: مشروعيَّة الشُّروطِ في البيع:
الشُّروطُ في البيع جائزةٌ في الجملة؛ ما لم تخالف دليلاً شرعيًّا، أو تخالف مقتضى عقد البيع. وقد دلَّ على مشروعيَّتها ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [رواه أبو داود].
ثالثاً: أقسامُ الشُّروطِ في البيع:
تنقسم الشروط في البيع إلى قسمين:
القسم الأوَّل: شرطٌ صحيحٌ، ليس لمن اشتُرِطَ عليه فَكُّه. وهذا القسم ثلاثة أنواع:
١) شرطٌ يقتضيه العقد؛ بأن يشترط البائع أو المشتري شيئاً بحكم الشرع؛ كشرط تقابض الثمن وحلوله، أو تصرُّف كلِّ واحد منهما فيما يصير إليه من الثمن أو السلعة، أو ردِّ السلعة بعيب قديم.
стр. 462
وهذا النوع من الشروط لا أثر له في العقد؛ لأنَّه من مقتضياته، فذِكْرُه وعَدَمُه سواء، وهو إذا ذكر في العقد فمن باب البيان والتأكيد.
٢) شرطٌ من مصلحة العقد؛ أي: مصلحة تعود على المُشتَرِط؛ كاشتراط صفةٍ في الثَّمَن؛ مثل: أن يكون الثَّمَنُ أو بعضُه مؤجَّلاً، أو اشتراط التوثيق برَهْنٍ، أو اشتراط ضامِنٍ، أو اشتراط صِفَةٍ في المبيع؛ مثل: اشتراط أن تكون السلعة من النوع الجيِّد، أو من صناعة بلدٍ معيَّن؛ لأنَّ في اشتراط هذه الصفات قصداً صحيحاً، وتختلف الرغبات باختلافها، فلولا صحَّة اشتراطها؛ لفاتت الحكمة التي لأجلها شُرِعَ البيعُ.
وهذا النوع من الشروط إذا وُجِدَ صارَ البيع به لازماً، ولا فسخ لصاحب الشرط، وإن لم يُوجَدْ كان له الخيارُ بين فسخ العقد، أو أَرْشِ فَقْدِ الصفة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [رواه أبو داود].
٣) أن يشترطَ أحدُ المتعاقدين على الآخر بَذْل منفعةٍ مباحةٍ في المبيع؛ كأن يشترط البائع على المشتري سُكْنَى الدار المبيعة مدَّة معيَّنة، أو أن يستعمل السيَّارة المبيعة مدَّة معيَّنة، أو أن يوصله بها إلى موضع معيَّن، أو أن يشتري منه سلعة بشرط أن ينقلها له إلى موضع معيَّن. فيصحُّ هذا النوع من الشروط، على أنْ لا يزيد على شرطٍ واحدٍ؛ لما جاء في حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ -بطيء السَّيْر-، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّاهِ، قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ: أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطِنِيهِ، فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكَانَ
стр. 463
مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ، قَالَ: بِعْنِيهِ، فَقُلْتُ: بَلْ، هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللّاهِ، قَالَ: بَلْ بِعْنِيهِ؛ قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ) [رواه البخاري ومسلم].
فإن تعذَّر استيفاء المنفعة بسببٍ من الطرف المشروط عليه؛ فللطرف الآخر أجرةُ مثلِ المنفعة المستثناة؛ لأنَّه فوَّتها عليه.
وإن تعذَّر استيفاء المنفعة بسببٍ خارج عن الطرف المشروط عليه؛ لم يضمن شيئاً.
القسم الثَّاني: شرطٌ فاسِدٌ؛ وهو على ثلاثة أنواع:
١) شرطٌ فاسدٌ يُبطِلُ العَقْدَ من أَصلِهِ؛ كأن يشترط أحدهما على الآخر مع عقد البيع عقداً آخر؛ من بيعٍ، أو قرْضٍ، أو إجارةٍ، أو شركةٍ؛ مثل أن يقول: بعتك هذه السيارة بشرط أن تؤجِّرني دارك، أو: بعتك هذه السلعة بشرط أن تقرضني مبلغ كذا، أو: بعتك على أن تزوِّجني ابنتك، أو أُزوِّجك ابنتي؛ فمثل هذه الشروط فاسدة تعود على أصل العقد بالبطلان؛ للنهي الوارد عن أن يجمع عَقْدَين في عَقْدٍ واحد؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) [رواه أحمد، والترمذي].
وكذلك إذا جمع بين شرطين في عقدٍ واحد؛ كشرط حَمْل حَطَبٍ وتكسيره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ … ) [رواه أبو داود، والترمذي]. إلَّا إذا كان الشرطان من مقتضى البيع؛ كاشتراط أن يكون الثمن حالًّا، وتصرُّف كلٍّ من المتعاقدين فيما يصير إليه، أو أن يكون الشرطان من مصلحة العقد؛ كاشتراط رَهْنٍ وضَمينٍ معيَّنين بالثمن؛
стр. 464
فيصحُّ.
٢) شرطٌ فاسدٌ في نفسه، ولا يعود على أصل العقد بالبطلان، وهو الشرط الذي ينافي مقتضى العقد؛ كأن يشترط المشتري على البائع أنَّه إن خسر في السلعة ردَّها عليه، أو أن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة، أو أن لا يهبها، أو أن لا يوقفها؛ فهذا الشرط باطل، ويصحُّ معه البيع، ولا يعود على أصل العقد بالبطلان؛ لما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: (جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُوَنُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلَهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللّاهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) شرطٌ لا ينعقدُ معه البيعُ، وهو البيعُ المعلَّق على شرط؛ وقد سبق بيانه عند الكلام على شروط صحَّة البيع، (ص ١٢).
стр. 465
باب الخِيارُ في البَيع
أوَّلاً: تعريفُ الخِيار في البيع:
الخِيارُ في البيع وغيره: هو طلبُ أحدِ المتعاقِدَين خيرَ الأَمْرَين؛ من إمضاء العقد، أو فسخه.
ثانياً: حُكْمُ الخِيار في البيع:
الخيار في البيع من الأمور المشروعة، وقد دلَّ على مشروعيَّته السنَّة النبويَّة؛ ومن ذلك:
- حديث حَكيم بن حِزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا-؛ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) [رواه البخاري ومسلم].
- حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ) [رواه مسلم]. والجَلَب -بفتح اللَّام وسُكونها-: هو الشيء المجلوب من محلٍّ إلى غيره ليُباع فيه.
ثالثاً: الحِكمةُ من مشروعيَّة الخِيار في البيع:
اقتضت حكمة التشريع أن تجعل لعقد البيع فترة زمنيَّة يتروَّى فيها المتبايعان في أمرهما، ويتبيَّنان مصلحتهما في إتمام البيع أو فسخه؛ نظراً لكون العقد قد يقع بغتة من غير تَرَوٍّ، ولا تفكير؛ فشُرع الخيار في البيع مراعاةً لمصالح الناس، ورفعاً للحرج والمشقَّة عنهم؛ حيث يُمنَح المتعاقدان فرصة لاسترداد المبيع، أو القيمة قبل
стр. 466
لزوم العقد وثبوته، عند عدم الرغبة في إتمام الصفقة لسبب من الأسباب، في مدَّة يقرِّرها الشرع، أو يقرِّرها المتبايعان أو أحدهما.
رابعاً: أقسامُ الخِيار في البيع:
ينقسم الخِيارُ في البيع إلى سبعة أقسام، هي:
الأوَّل: خِيارُ المَجْلِسِ: أي المكان الذي جَرَى فيه التبايع.
وهو حقٌّ ثابت لكلِّ واحد من المتعاقدين ما داما في مجلس العقد، فإذا وقع التفرُّق بينهما في الأبدان صار العقد لازماً.
ويدلُّ لهذا النوع من الخيار: ما روى عبد الله بن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) [متفق عليه].
* ابتداءُ مدَّة خِيار المَجلِسِ وانتهاؤه:
- مدَّة هذا النوع من الخيار: من حين العقد -وهو الإيجاب والقبول- إلى أن يتفرَّقا بأبدانهما من مجلس العقد بغير إكراه لهما، أو لأحدهما.
- والتفرُّق مرجعُه إلى عُرْف الناس وعادتهم فيما يعدُّونه تفرُّقاً؛ فإن كانا في مكان واسع؛ فالتفرُّق يكون بأن يمشي أحدهما خطوات مستدبراً صاحبه، وإن كانا في دارٍ كبيرة ذات مجالس وغُرَف؛ فالتفرُّق يكون بمغادرة المجلس الذي هما فيه إلى مجلس آخر أو غُرْفةٍ أخرى، وإن كانا في دارٍ صغيرة؛ فالتفرُّق يكون بالخروج من الدار، وإن
стр. 467
كانا في سفينةٍ كبيرةٍ؛ فالتفرُّق يكون بأن يصعد أحدهما إلى أعلاها مثلاً.
- يحرم على أحد المتعاقدين مفارقة أخيه بقصد إسقاط خيار المجلس؛ خشية أن يستقيله؛ لما جاء في حديث عمرو بن العاص ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].
* العُقودُ التي يصحُّ فيها خِيار المَجلِسِ:
- محلُّ خيار المجلس العقود اللَّازمة؛ كعقد البيع، والإجارة، ولا مدخل له في العقود الجائزة؛ كعقد الشركة، والوكالة، والمساقاة، والمزارعة، والعارية؛ لأنَّ هذه العقود غير لازمة بأصل وضعها، تُمكِّن كلَّ طرف في العقد من فسخه دون الرجوع إلى رضا الآخر.
ولا يثبتُ خِيارُ المَجلِسِ في حَوالةٍ؛ لاستقلال أحدِ المتعاقدين بها، ولا في مسابقةٍ؛ لأنَّها جعالة.
* إنهاءُ خِيار المَجلِسِ وإسقاطُه:
- يجوز للمتعاقدين إسقاطُ خيار المجلس بينهما؛ فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما، أو أسقطاه بعد البيع، وقبل التفرُّق، لزم البيع بمجرَّد الإيجاب والقبول.
- إن أسقط أحد المتبايعين حقَّه في خيار المجلس، بقي حقُّ الآخر في الخيار ثابتاً؛ لأنَّه لم يوجد منه ما يُبطل خياره.
- ينقطع خيار المجلس بموت أحد المتعاقدين؛ لأنَّ الميِّت يتعذَّر منه الخيار،
стр. 468
والباقي منهما يبطل خياره؛ للتفرُّق بسبب الموت؛ إذ هو أعظم فرقةً من التفرُّق بالأبدان.
- ولا ينقطع بجنون أحد المتعاقدين في المجلس، وهو باقٍ على خياره إذا أفاق من جنونه، حتى يجتمعا، ثم يتفرَّقا.
الثاني: خِيارُ الشَّرْطِ: وهو أن يشترط المتعاقدان أو أحدهما أنَّ له الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه إلى مدَّة معلومة. ويكون اشتراط ذلك إمَّا في أثناء العقد، أو بعده في مدَّة خيار المجلس وقبل التفرُّق.
ويدلُّ له عموم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [رواه أبو داود].
* العُقودُ التي يصحُّ فيها خِيارُ الشَّرْط:
يثبت خيارُ الشرطِ في البيع، وما في معناه؛ كالصُّلْحٍ بعِوَضٍ، والهِبَة بعِوَضٍ، والقِسْمةِ بعِوَضٍ؛ لأنَّها من صور البيع. ويثبت أيضاً في إجارةٍ في ذمَّةٍ؛ كخياطة ثوبٍ؛ لأنَّه استدراك لغبْنٍ، فأشبه خيار المجلس. ويثبت خيار الشرط كذلك في إجارة عينٍ مدَّة لا تلي العقد؛ لأنَّه يؤدِّي إلى فوات بعض منافع العين المعقود عليها.
ولا يصحُّ أن يكون خيار الشرط في عقدِ بيعٍ مؤجَّل جُعِل حيلةً ليربح في قرضٍ؛ لأنَّه وسيلة لِمُحَرَّم وهو الرِّبا.
ولا يصحُّ خيار الشرط أيضاً في بيعٍ قَبْضُ عِوَضِه شرطٌ لصحَّته؛ كالصَّرْف، والسَّلم، وبيع مالٍ ربويٍّ بجِنْسِه؛ لأنَّ موضوعها على أنْ لا يبقى عَلَقةٌ بعد التَّفرُّق بين المتبايعين، ولذا اشترط فيها القبض، وثبوت خيار الشرط ينافي ذلك.
стр. 469
* ابتداءُ مدَّة خِيار الشَّرْط وانتهاؤها:
- تبتدئ مدَّة خيار الشرط من حين العقد إذا شُرِط في صلبه، ومن حين الشرط إذا شُرِط بعد العقد زمن الخيار، وينتهي إلى المدَّة المشروطة.
- لا بدَّ في خيار الشرط أن يكون إلى مدَّة معلومة ولو طالت المدَّة، ولا يصحُّ أن تكون مدَّته مجهولة؛ كأن يشترطاه على الدوام والتأبيد، أو من غير تقييد بزمن معلوم؛ كأن يقول: اشتريت ولي الخيار متى شئت، أو متى قدم زيد، أو متى نزل المطر، أو قال: اشتريت وَلِيَ الخيار، ولم يعيِّن مدَّته، ونحو ذلك. فإن كان خيار الشرط مجهولاً فسد الشرط وصحَّ العقد.
- إذا كان خيار الشرط محدَّداً بزمن معيَّن؛ فإنَّه ينتهي بأول ذلك الزمن المعيَّن؛ كأن يشترطاه إلى الغد، فإن الغد لا يدخل في المدَّة؛ فيسقط الخيار بأوَّل الغد، وهو طلوع فجره، وإن شرطاه إلى الظهر، سقط الخيار بأول وقت الظهر هو الزوال؛ لأنَّ (إلى) لانتهاء الغاية، وما بعدها يخالف ما قبلها.
* التصرُّفُ في المَبيعِ والثَّمَنِ في مدَّة خِيار الشَّرْط:
- يحرم تصرُّف المتعاقدين في الثَّمَن والمُثْمَن في مدَّة الخيار، إذا كان الخيار لهما جميعاً، ولم يأذن أحدهما للآخر بالتصرُّف، ما لم يكن التصرُّف بقصد تجربة المبيع واختباره، أمَّا تصرَّفهما بالبيع، والهبة، ونحوهما؛ فلا يصحُّ، ولا ينفذ؛ لأنَّه ليس ملكاً للبائع فيتصرَّف فيه، ولم تنقطع عَلَقُه عنه حتَّى يتصرَّف فيه المشتري.
- إذا كان خيار الشرط للمشتري وحده، وتصرَّف في المبيع، سقط خياره، وصار البيع لازماً. أمَّا لو كان الخيار للبائع وحده، وتصرَّف في المبيع؛ فلا يصحُّ
стр. 470
تصرُّفه، ولا يعدُّ فسخاً للبيع؛ لأنَّ ملك المبيع انتقل للمشتري.
* نَماءُ المَبيع زَمَنَ خِيار الشَّرْط:
- إذا حصل نماءٌ منفصلٌ في المبيع -كالولد، واللَّبَن، والثَّمَرة- في مدَّة الخيار؛ فيكون للمشتري، سواء أمضيا العقد أو فَسَخاه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (الخَرَاجُ بالضَّمَانِ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي]، ولأنَّ انتقال الملك في المبيع إلى المشتري يكون من حين العقد، لا من حين انتهاء زمن الخيار، وجواز فسخ العقد لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل الملك فيه.
وأمَّا النَّماء المتَّصلُ -كالسِّمَنِ، والكِبَر، وتعلُّم صنعةٍ، وحَمْل البهيمة- فهو تابع للمبيع؛ فإن أمضيا العقد صار للمشتري، وإن فسخاه؛ فهو للبائع.
* إنهاءُ خِيار الشَّرْط وإسقاطُه:
- ينتهي خيار الشرط ويسقط بواحد من الأمور التالية:
١) إمضاءُ العقد أو فسخه في زمن الخيار بالقول أو الفعل. ولا يفتقر فسخه إلى حضور الطرف الآخر، ولا رضاه.
٢) انتهاءُ مدَّة الخيار المشروطة.
٣) هلاكُ المبيع، أو حدوث عيب ظاهر به على يد من له الخيار؛ فإن كان الخيار للبائع بطل البيع، وإن كان للمشتري لزم البيع.
٤) موتُ من اشتُرِط له خيار الشرط؛ لأنَّ خيار الشرط لا يُورَث، إلَّا إنْ طالب به مستحقُّه قبل موته؛ فإنَّه يُورَث.
стр. 471
الثَّالث: خِيارُ الغَبْن: وهو أن يُغْبَنَ -أي يُخْدَع- أحد المتعاقدين في سلعة أو ثمنها غَبْناً يخرج عن العادة؛ كأن يبيع سلعةً تساوي عشرة بخمسة، أو يشتري سلعةً تساوي خمسة بعشرة.
- وهذا الغَبْنُ والخِداعُ محرَّم؛ لنهي النبيِّ ﷺ عنه -كما سيأتي-، ولما فيه من التغرير بأحد المتبايعين.
* صُورُ خِيارِ الغَبْنِ:
يثبت خيارُ الغَبنِ في ثلاث صورٍ:
١) تلقِّي الرُّكبان: وهم القادمون من خارج البلد وقد جلبوا معهم ما يبيعونه؛ فيتلقَّاهم مشترٍ فيشترى منهم أو يبيعُهم، سواء قصد المتلقِّي تلقِّيهم أو لم يقصد؛ لأنَّ الخيار شُرِع لإزالة ضررهم بالغَبْن، ولا أثر للقصد فيه.
فإذا نزلوا إلى السوق وعلموا أنَّهم قد غُبِنوا غَبْناً يخرج عن العادة؛ فيُخيَّرون بين الفسخ والإمساك. ويدلُّ له ما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ؛ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) [رواه مسلم].
٢) النَّجْش: هو أن يزيد في سعر السلعة وهو لا يريد شراءها؛ ليَغُرَّ المشتري، ولو كانت المزايدة بلا مواطأة مع البائع. ويدلُّ له ما روى ابن عمر ﵄ قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ) [رواه البخاري ومسلم].
وللمغبون في هذه الصورة الخيار بين الفسخ وإمضاء البيع.
стр. 472
٣) بيع المُسْتَرسِل: وهو من يجهل قيمة المبيع من بائع ومشتر، وكان لا يُحسِنُ المُماكَسَة -أي: المطالبة بإنقاص الثمن-؛ فإذا غُبِن ثبت له الخيار؛ لأنَّ الغَبْن قد حصل بسبب جهله بالمبيع، ويُقْبل قوله بيمينه في جهل القيمة إن لم تُكذِّبه قرينةٌ.
* الأحكامُ الَّتي تتعلَّق بالغَبْنِ:
- تقدير الغبن مرجعه إلى العُرف والعادة؛ لأنَّ الشرع لم يَرِد بتحديده؛ فصار مرجعه إلى العُرف، وسؤال أهل الخبرة في ذلك.
- إذا حصل الغَبْن في بيع أو شراء ثبت للمغبون الخيار بين الفسخ أو الإمساك؛ فإن اختار الإمساك؛ فلا أَرْشَ للمغبون؛ لأنَّ الشرع لم يجعل الأَرْشَ في مقابل الغبن، ولأنَّه لم يَفُتْ عليه جزء من المبيع حتَّى يأخذ الأَرْشَ في مقابله.
- خيار الغَبْن على التراخي لا على الفور؛ لأنَّه ثبت لدفع ضرر متحقِّق؛ فلا يسقط بالتأخير، إلَّا بما يدلُّ على الرِّضا.
الرَّابع: خِيارُ التَّدْلِيسِ: والتدليس هو إظهار السلعة بصورةٍ مرغوبٍ فيها، وهو خالٍ منها؛ ليزيد في ثمنها؛ كجمع لبن الشاة وما في حُكْمِها في الضَّرْع بتركها بغير حَلْبٍ؛ ليظنَّها المشتري كثيرة اللبن، ووضع الخضار والفاكهة الجديدة في الصناديق فوق القديمة.
والتدليس في البيع مُحرَّم؛ لما فيه من الغشِّ والتغرير بالمشتري، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) [رواه مسلم].
وعنه -أيضاً- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ
стр. 473
بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ) [رواه البخاري ومسلم].
* أحكامُ خِيار التَّدليس:
- إذا علم المشتري بالتدليس في السلعة، فله الخيار بين ردِّ السلعة، والإمساك من غير أَرْش؛ لأنَّ الشرع لم يجعل فيه أَرْشاً.
- يثبت حقُّ الردُّ بخيار التدليس للمشتري، سواء حصل التدليس بقصد، أو بدون قصد؛ لدفع الضرر عن المشتري، فأشبه العيب.
- إذا تصرَّف المشتري بالسلعة بعد العلم بالتدليس سقط خياره، وبطل ردُّه؛ لأنَّ تصرُّفه فيها يدلُّ على رضاه.
- خيار التدليس يكون على التراخي لا على الفور، إلَّا المصرَّاة -كما سيأتي-.
* أحكامُ المُصَرَّاة:
- إذا علم المشتري بتَصْرِيَةِ اللَّبن في ضرع بهيمة الأنعام التي اشتراها؛ فإنَّه يُخيَّر ثلاثة أيَّام منذ علمه بها؛ فإن علم بالعيب قبل حَلْبِها، ردَّها ولا شيء معها، وإن علم به بعد حَلْبِها، ردَّها وصاعاً من تَمْرٍ، ولو زادت قيمته أو نقصت؛ لما روى أبو هريرة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً؛ فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) [رواه مسلم].
- إذا لم يجد المشتري التَّمْر بمَحَلِّ رَدِّ المُصَرَّاة؛ فيلزمه قيمته في موضع العقد؛ لأنَّها بدلُ مثله عند إعوازه، ولزوم دفعه في موضع العقد؛ لأنَّه محلُّ الوجوب.
стр. 474
- يُقبل ردُّ اللبن المحلوب من مصرَّاة بَدَلَ التَّمْر إن كان اللبنُ بحاله لم يتغيَّر.
- إذا اشترى مصرَّاة، ثمَّ صار لبنها معتاداً، سقط الردُّ بالتصرية؛ لزوال العيب.
الخامس: خِيارُ العَيْبِ: العَيبُ نقصٌ في عين المبيع، ولو لم تنقص به قيمته؛ كالخِصاء في بهيمة الأنعام، أو نقصٌ في قيمته عادة، وإن لم تنقص عينه؛ كالمرض في الحيوان، والعُطْلِ الذي يُخِلِّ في كفاءة محرِّك السيارة، وسوء الأدب في الخادم، ونحو ذلك.
وإخفاء العيوب في المبيع محرَّم؛ لما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
- والعيب الذي تُردُّ به السلعة هو ما أوجب نقصان ثمنها في عُرْف التجَّار وعادتهم، ويُرجع في معرفة العيب وتقديره إلى أهل الخبرة والاختصاص.
* ثبوتُ خَيار العَيْبِ:
- إذا علم المشتري بالعيب عند العقد؛ فلا خيار له؛ لأنَّه دخل على بيِّنة؛ فدلَّ على رضاه. أمَّا إذا علم بالعيب بعد العقد؛ فإنَّه يُخيَّر بين ردِّ المبيع، وبين إمساكه وأخذ أَرْش النقص والعيب؛ وهو الفرق ما بين قيمة السلعة سَليمةً وقيمتها مَعيبةً.
- إذا أدَّى أخذ الأَرْش إلى حصول الرِّبا؛ كأن يشتري ذَهَباً بذَهَبٍ؛ فيجد الذَّهَب الذي اشتراه معيباً، أو يشتري بُرًّا أو شَعيراً بجِنْسِه، ثمَّ يجده مَعيباً؛ فإنَّ المشتري يردُّ السلعة المَعيبة، أو يمسكها مجاناً بلا أَرْشٍ؛ لأنَّ أخذ الأَرْش يؤدِّي إلى
стр. 475
ربا الفَضْل.
- إذا اختار المشتري ردَّ السلعة المعيبة؛ فإنَّه يتحمَّل أجرة ردِّها؛ لأنَّه بذلك اختار انتقال الملك عنه، فتعلَّق به حقُّ التوفية.
ويسترجع كامل ثمن السلعة المعيبة؛ لأنَّه بذل الثمن لسلعة سليمة، فلمَّا كانت معيبة ثبت له الرجوع بالثمن.
* حُكمُ النَّماءِ في السِّلْعَةِ المَعِيبَة:
- إذا كان للسلعة المعيبة نماءٌ منفصلٌ؛ كولد الشاة، وثمر الشجر بعد قطفه؛ فهو للمشتري؛ لأنَّه في ضمانه، وأمَّا نماؤها المتَّصل؛ كالسِّمَن في الدابَّة، وحصول الثمرة على الشجر قبل بدوِّ صلاحها؛ فإنَّه يتبع أصله.
* تَلَفُ السِّلْعَةِ المَعِيبَة عندَ المُشتري:
- إذا تلفت السلعة المعيبةُ عند المشتري وهو والبائع لا يعلمان بالعيب؛ فيتعيَّن له أَرْشُ النقص، وسقط ردُّه؛ لتعذُّره والحالة هذه.
- أمَّا إذا كان البائع عالماً بالعيب، وكتمه ليدلِّس على المشتري، وتلفت السلعة عند المشتري؛ فيرجع المشتري على البائع بكامل الثمن، ولا شيء للبائع بدل تلف السلعة.
- خيار العيب على التراخي، ولا يبطل بالتأخير ولا يسقط؛ لأنَّه شُرع لدفع ضرر متحقِّق، إلَّا إذا تصرَّف المشتري في السلعة -عالماً بعيبها- بما يدلُّ على رضاه بها؛ كعرضها للبيع، أو هبتها، أو استغلالها.
стр. 476
- لا يسقط خيار العيب إذا تصرَّف المشتري في السلعة عالماً بعيبه، وكان تصرُّفه على سبيل التجربة والاختبار.
- لا يفتقر الفسخ بالعيب إلى حضور البائع ولا رضاه، ولا يفتقر إلى حكم قاض.
- تكون السلعة بعد الفسخ أمانة في يد المشتري؛ لا يضمنها إلَّا بالتعدِّي أو التقصير في ردِّها.
* اختلافُ المُتبايِعَيْن في حُصولُ العَيْبِ:
- إذا اختلفَ البائعُ والمشتري عند مَنْ حَصَلَ العَيْبُ؛ هل هو عند البائع، أو عند المشتري؟ مع تساوي الاحتمالين، ولا بيِّنة لأحدهما؛ فالقول قول المشتري مع يمينه إن لم يخرج عن يده؛ لأنَّه ينكر القبض في الجزء المعيب الذي فات عليه من السلعة، والأصل عدم قبضه؛ فيحلف أنَّه اشتراه وبه العيب، أو يحلف أنَّه ما حدث عنده.
وفي المذهب رواية -قال المرداويُّ في «الإنصاف»: وهي أنصُّها عن أحمد-: القول قول البائع مع يمينه على البتِّ أنَّه باعه وليس به عيب؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَرَادَّانِ) [رواه أحمد].
- وإن كان حصول العيب لا يحتمل إلَّا قول أحدهما، كالإصبع الزائدة؛ فهنا يُقبل قول مشترٍ؛ أو جُرْحٍ طريٍّ لا يُحتمل أن يكون قبل العقد؛ فإنه يُقبلُ قول البائع؛ فيُقبَلُ قولُ أحدهما بلا يمين.
стр. 477
السَّادس: خِيارُ الخُلْفِ في الصِّفة: الخُلْف في الصِّفة: أن يجد المشتري المبيع الذي وُصِفَ له، أو رآه قبل العقد بزمنٍ يسيرٍ متغيِّراً تغيُّراً ظاهراً.
فإذا ثبت ذلك التغيُّر الظاهر، ثبت للمشتري حقُّ الفسخ؛ لأنَّ وجود التغيُّر بمنزلة العيب، فإن أمسكه فلا أَرْش له.
- إذا اختلف البائع والمشتري في وجود التغيُّر في صفته، أو تغيُّره عمَّا رآه عليه قبل العقد بيسير؛ حلف المشتري؛ لأنَّ الأصل براءة ذمَّته من الثمن.
- خيار الخُلْف في الصِّفة على التراخي؛ فلا يسقط خيار المشتري إلَّا بما يدلُّ على رضاه بالتغيُّر.
السَّابع: خِيارُ الخُلْف في قَدْرِ الثَّمَن: وهو أن يختلف البائع والمشتري، أو ورثتهما، أو أحد المتبايعين وورثة الآخر في قدْر الثمن؛ بأن يدَّعي البائع -مثلاً- أنَّه باعه بمائة، ويدَّعي المشتري أنَّه بثمانين.
- إذا وقع الاختلاف في قدْر الثمن، ولا بيِّنة لأحدهما، أو تساوت بيِّنتهما؛ حلف البائع أوَّلاً بادئاً بالنفي: «ما بعته بكذا، وإنَّما بعته بكذا»، ثمَّ يحلف المشتري بادئاً بالنفي: «ما اشتريتُه بكذا، وإنَّما اشتريته بكذا».
- إذا رَضِيَ أحدُهما بقول الآخر بعد التحالف، أو امتنع أحدهما عن اليمين، وحلف الآخر؛ أُقرَّ العقد؛ لأنَّ كلًّا من الرِّضا والامتناع عن اليمين يتضمَّن إقراراً بقول الآخر، والبيِّنة على صحَّة دعواه؛ فيسقط خيار من أقرَّ، أو قامت عليه البيِّنة.
- وإن لم يرضَ أحدُهما بقول الآخر بعد التحالف، كان لأحدهما فسخ العقد دون الرجوع إلى حكم حاكم؛ لأنَّه فسخٌ لاستدراك الظُّلامة، فأشبه ردَّ المعيب.
стр. 478
والرواية الأخرى في المذهب: أنَّ القول قول البائع مع يمينه؛ لما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلعة، أَوْ يَتَتَارَكَانِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].
стр. 479
فصل آثارُ عقدِ البيعِ
إذا تمَّ الإيجابُ والقبولُ بين البائع والمشتري؛ فقد انعقد البيعُ، وصار لازماً، وترتَّب عليه الآثار التالية:
١) يملك المشتري المبيع بمجرَّد عقد البيع، سواء كان المبيع مَكِيلاً، أو مَوْزُوناً، أو مَعْدُوداً، أو مَذْرُوعاً، أو غير ذلك.
٢) إذا كان المبيع موصوفاً، أو بِيعَ برؤيةٍ متقدِّمةٍ على العقد، أو كان مكيلاً،
أو موزوناً، أو معدوداً، أو مَذْرُوعاً؛ فلا يصحُّ تصرُّف المشتري فيه قبل قبضه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) [متَّفق عليه]، ولأنَّ الشيء الذي يحتاج إلى توفية إذا تلف قبل القبض فهو من ضمان البائع، وليس للمشتري أن يتصرَّف فيه إلَّا بعد القبض.
وما عدا ذلك فيصحُّ تصرُّف المشتري في المبيع قبل القبض؛ فيجوز له بيعُه، وهِبتُه، ووقْفُه، وإجارتُه؛ كأن يبيع داراً، أو شاةً، أو سيَّارةً؛ لأنَّها لا تحتاج إلى توفيةٍ بكَيْلٍ، أو وَزْنٍ، أو عَدٍّ، أو ذَرْعٍ.
٣) يكون المبيع بعد العقد من ضمان المشتري؛ فإذا تلف كان من ضمانه؛ سواء تمكَّن من قبضه أو لم يتمكَّن، ما لم يمنعه البائع من قبضه، أو كان المبيع ثَمَراً على شجر، أو كان البيع بصفةٍ، أو رؤيةٍ متقدِّمةٍ؛ فإنَّه يكون من ضمان البائع؛ لانتفاء القبض في حقِّه.
٤) إذا تلف المبيع المَكِيلُ، أو المَوْزونُ، أو المَعْدودُ، أو المَذْروعُ قبل قبض المشتري
стр. 480
له؛ فإنَّ المبيع يكون من ضمان البائع حتَّى يقبضه المشتري؛ لتلفه قبل تمام ملك المشتري عليه.
٥) إذا تلف المبيع المَكِيلُ، أو المَوْزونُ، أو المَعْدودُ، أو المَذْروعُ بآفَةٍ سماويَّةٍ
-وهي ما لا صُنْعَ للآدميِّ فيها- قبل قبضه المبيع، انفسخ عقد البيع؛ لأنَّه من ضمان بائعه؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ) [أخرجه أحمد والنسائي]؛ أي: ربح ما بيع قبل القبض.
٦) إذا بقي شيء من المبيع المكيل أو الموزون ونحوهما بعد تلفه بآفة سماوية؛ خيِّرَ المشتري بين أخذ ما بقي من المبيع بقِسْطِه، وبين الفسخ.
٧) إذا تلف المبيع المكيل أو الموزون ونحوهما بفعل البائع، أو بفعل أجنبيٍّ؛ يخيَّر المشتري بين فسخ عقد البيع، والرجوع على البائع بما أخذ من الثمن؛ لأنَّه مضمون عليه إلى قبض المبيع، والتلف والعيب حصل في يده فضمنه، أو إمضاء البيع، ويطالب من أتلفه ببدله؛ فإن كان مِثْليًّا أخذ مثله، وإن كان مُتَقَوَّماً أخذ قيمته.
٨) حكم ثمن المبيع المُعيَّن الذي لا يكون في الذمَّة، كالمبيع في جميع ما تقدَّم. أمَّا ما كان في الذمَّة؛ فللبائع أخذ بَدَلِه؛ لاستقراره في ذِمَّته.
٩) يُسنُّ إقالة أحد المتعاقدين للآخر إذا ندم على البيع؛ لما روى أبو هريرة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ) [أخرجه أبو داود،
وابن ماجه].
١٠) الإقالةُ فسخٌ للعقدِ لا بَيْعٌ؛ فتصحُّ في المبيع ولو قبل قبضِه، حتَّى في بَيعٍ بكيلٍ أو وزنٍ.
стр. 481
فصل صفةُ القَبْضِ في المَبيعِ
تختلفُ صفةُ قَبْضِ المبيعِ باختلاف أنواعه، وذلك كما يلي:
أوَّلاً: يحصلُ قبضُ المبيع المَكِيل بالكَيْل، والمَوْزون بالوَزْن، والمَعْدود بالعَدِّ، والمَذْروع بالذَّرْع؛ لما جاء في حديث عثمان ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (يَا عُثْمَانُ إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ) [أخرجه أحمد، والبخاري تعليقاً].
- ولا يُشترَطُ نقل المبيع المَكِيلِ، أو المَوْزونِ، أو المَعْدودِ، أو المَذْروعِ لحصول القبض.
- ويُشترَطُ حُضورُ المستحقِّ أو نائبه للكَيْل، أو الوَزْن، أو العَدِّ، أو الذَّرْع.
ثانياً: يحصلُ قبضُ المبيع المنقول؛ كالثياب، والحيوان، والسيارات، بنقله إلى مكان المشتري ؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ) [رواه أحمد، وأبو داود -واللفظ له-].
ثالثاً: يحصلُ قبضُ ما يُتناول باليد؛ كالجواهر، والكتب، ونحوها؛ بتناول المشتري له بيده وحيازته.
رابعاً: يحصلُ قبضُ ما لا يمكن نقله من مكانه ؛ كالعقارات من بيوت، وأراضٍ، وثمرٍ على شجرٍ؛ بالتَّخْلية؛ بأنْ يُمكَّن منه المشتري، ويُخلَّى بينه وبينه ليتصرَّف فيه.
стр. 482
- أُجرة توفية الثَّمَن والمُثْمَن على باذله منهما؛ لأنَّه تعلَّق به حقُّ التوفية، وأجرة المنقولات على المشتري.
- لا ضمان على العامل الذي يَقُومُ بالكَيْل، أو الوَزْن، أو العَدِّ، أو الذَّرْع، أو النَّقْد، إذا كان حاذِقاً أميناً ووقَعَ منه خطأ؛ سواء كان متبرِّعاً، أو بأجرة؛ لأنَّه أمينٌ.
стр. 483
باب الربا
أوَّلاً: تعريف الرِّبا:
الرِّبا لغة: الزيادة.
وشرعاً: هو تَفاضُلٌ في أشياءَ (وهي المَكِيلات بجِنْسِها، والمَوْزُونات بجِنْسِها)، ونَسَاءٌ في أشياءَ (وهي المَكِيلات بالمَكِيلات ولو من غير جنسها، والمَوْزُونات بالمَوْزُونات ولو من غير جنسها)، مختصٌّ بأشياء (وهي المَكِيلات والمَوْزُونات).
ثانياً: حُكْمُ الرِّبا:
جاءت الشريعة بتحريم الربا، وبيَّنت أنَّه من كبائر الذنوب والمعاصي، وقد دلَّ على تحريمه الكتاب، والسنَّة، والإجماع:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ومن السنَّة: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللّاهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا … ) الحديث [متفق عليه].
وقد وقع الإجماع على تحريم الربا؛ يقول ابن قدامة: «وأجمعت الأُمَّة على أنَّ الربا محرَّم».
ثالثاً: الحِكْمَةُ من تحريم الرِّبا:
حرَّمت الشريعة أكل الربا والتعامل به؛ لما له من المفاسد العظيمة على الفرد والمجتمع؛ فالربا فيه ظُلْمٌ على المحتاجين، وهو سبب لوقوع الخصومة، والعداوة،
стр. 484
وإيغار الصدور، كما أنَّ فيه احتكاراً للمال في أيدي الأغنياء، وتضخُّمه بطريق غير مشروع.
رابعاً: الأعيانُ التي يجري فيها الرِّبا، وعِلَّة الرِّبا فيها:
نصَّ النبيُّ ﷺ على الأعيان التي يجري فيها الربا؛ وهي التي وردت في حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ؛ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ) [رواه مسلم]. وهذه الأصناف مجمعٌ على جريان الربا فيها.
وعِلَّة الربا في الذَّهب والفضَّة: الوَزْنُ والجِنْسُ، وفي بقيَّة الأصناف الأربعة الأخرى: الكَيْلُ والجِنْسُ.
ويُلحق بهذه الأصناف كلُّ مَوْزونٍ ومَكِيلٍ؛ فيجري الربا في كلِّ موزونٍ من جنسٍ واحدٍ وإن كان غير مطعومٍ؛ كالحديد، والنحاس، والرصاص، والقطن، والحرير، أو كان مطعوماً؛ كالخبز، والجبن، واللحم، والزُّبد؛ فلا تباع بجنسها مُتفاضِلةً ولا آجِلةً.
كما يجري الربا في كلِّ مَكيلٍ من جِنْسٍ، سواء كان من المطعومات، أو من غير المطعومات؛ فيجري الربا في الحبوب؛ كالذُّرة، والأرز، والعدس، وفي الأبازير؛ كالكَمُّون، والفلفل، والقُرُنْفُل، والقِرْفَة، وفي المائعات؛ كاللَّبن، والخلِّ، والزيت، ونحوها، وفي الثمار؛ كالزبيب، والفستق، واللوز، والزيتون، والمشمش، وفي غير المطعومات؛ كالأُشْنان؛ فلا تباع بجنسها متفاضلةً، ولا آجلةً.
стр. 485
والرواية الأخرى في المذهب: أنَّ العلَّة في الذهب والفضَّة هي الثمنيَّة؛ أي كونهما ثمناً للأشياء، وقِيَماً لها؛ فيُلْحَقُ بها كلُّ ما كان ثمناً للأشياء؛ كالأوراق النقديَّة.
وأمَّا بقيَّة الأصناف فَعِلَّتُها كونها مطعومات تُكالُ أو تُوزَنُ؛ فكلُّ طعام يُكالُ أو يُوزَنُ، وكان من جنسٍ واحدٍ؛ فإنَّه يجري فيه الربا.
* أعيانٌ لا يجري فيها الرِّبا:
- الماء لا يجري فيه الرِّبا مطلقاً؛ لأنَّه مباحٌ أصلاً، وهو لا يُتَمَوَّلُ به عادة.
- كلُّ مَعْدودٍ، ومَذْروعٍ لا يجري فيه الرِّبا، ولو كان مطعوماً؛ كالبطيخ، والبَيضِ، والبُقُول، والحيوان؛ ويدلُّ له ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: وَلَيْسَ عِنْدَنَا ظَهْرٌ. قَالَ: فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَ ظَهْرًا إِلَى خُرُوجِ المُصَدِّقِ، فَابْتَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَبِالأَبْعِرَةِ إِلَى خُرُوجِ المُصَدِّقِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [رواه البيهقي].
- ما أَخرَجَتْهُ الصناعة عن كونه موزوناً، وكان من غير الذهب الفضَّة؛ فلا يجري فيه الربا؛ كالقطن إذا صار ثياباً، والحديد إذا صار سلاحاً، والنحاس إذا صار أواني. أمَّا الذهب والفضَّة فيجري فيهما الربا مطلقاً.
رابعاً: أنواعُ الرِّبا:
ينقسم الرِّبا إلى نوعين:
النوع الأوَّل: رِبا الفَضْل: وهو الزيادة في البيع بين عَيْنَيْنِ رَبويِّين من جنسٍ واحدٍ.
стр. 486
مثاله: أن يبيع خمسين غراماً من الذهب بمائة غرام من الذهب، أو يبيع صاعاً من القمح بصاعين من القمح، أو مُدًّا من التمر بمُدَّين من جنسه من التمر؛ فهذه الصور كلُّها يحرم البيع فيها؛ للتفاضل بين الجنسين الربويين، وعدم التماثل.
ويدلُّ له حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) [رواه مسلم].
وعن عثمان بن عفَّان ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ) [رواه مسلم].
ولا يجوزُ بيعُ ربويٍّ بجِنسِه إلَّا بشَرْطَين:
الأوَّل: التساوي والتماثل في القَدْر بين الجنسين في الكيل والوزن.
الثَّاني: أن يكون البيع حالًّا غير آجل، فيتقابضا في مجلس العقد قبل التفرُّق.
فقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ) يدلُّ على اشتراط التساوي والمماثلة بين الجنسين الربويين، وقوله: (يَداً بِيَدٍ) يدلُّ على الحلول والتقابض في مجلس العقد.
النوع الثاني: رِبا النَّسيئة: هو تأخيرُ القبض في بيع جنسين ربويِّين اتَّفَقا في عِلَّة الرِّبا. وله صورتان:
الأُولى: أن يكون لشخص في ذمة آخر دينٌ إلى أجل معلوم؛ سواء كان بسبب قَرْضٍ، أو بَيْعٍ، أو غير ذلك، فإذا حَلَّ الأجلُ، وعجز المدين عن السَّداد، زاد في
стр. 487
الدَّيْن مقابل الزيادة في الأجل.
مثاله: أن يُقْرِضَ رجلٌ آخرَ ألفَ دينارٍ إلى سنةٍ، فلمَّا انقضى الأجلُ عجز المَدينُ عن السَّداد، فقال الدائنُ: أزيدُ لك في الأَجَلِ شهرين آخرين على أن تسدَّني ألفاً ومئتين، أو يقول المَدينُ: أزيدُكَ مئتين وتُمْهِلُني فوق الأَجَلِ شهرين آخرين.
الثَّانية: بيعُ جِنْسَين متَّفِقَين في عِلَّة رِبا الفَضْل، مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما؛ كأن يبيع ذهباً بفضَّة، أو بُرًّا بشعيرٍ، وقبضهما أو قبض أحدهما مؤجَّلٌ.
ورِبا النَّسيئة هو الذي كان مشهوراً في الجاهليَّة، وتحريمُه مُجمعٌ عليه بين أهل العلم. وممَّا يدلُّ على تحريمه:
حديث أسامة بن زيد ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (أَلَا إِنَّما الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) [أخرجه البخاري].
وعن أبي سعيد الخُدْريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) [أخرجه مسلم].
- وكلُّ ما حَرُمَ فيه ربا الفَضْل، فإنَّه يَحرُمُ فيه النَّسيئة، وليس كلُّ ما يَحرُم فيه ربا النَّسيئة يَحرُم فيه الفَضْل.
- وإذا بيعت الأصناف الربويَّة بغير جنسها؛ كالذهب بالفضَّة، والبرِّ بالشعير، والتمر بالملح؛ صحّ البيع متفاضلاً ومتساوياً؛ بشرط التقابض في مجلس العقد قبل التفرُّق، ويدلُّ له قول النبيِّ ﷺ في حديث عبادة السابق: (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ).
- وإذا بيع المكيل بالموزون؛ كالبرِّ أو التمر بالذهب أو الفضَّة، جاز التفاضل
стр. 488
بين البَدَلَيْن، وجاز البيع بالأجل، ولا يشترط التساوي ولا التقابض في المجلس قبل التفرُّق.
* ما يُعرَفُ بِهِ الكَيلُ والوَزْن:
إذا أُطلِقَ الكيلُ فالمرجع فيه إلى عُرْف كَيْلِ المدينة النبويَّة على عهده ﷺ ، وإذا أُطلِقَ الوزن؛ فالمرجع فيه إلى عُرْف أهل مكَّة على عهده ﷺ ؛ لحديث عبد الله بن عُمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (المِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ) [رواه أبو داود والنسائي]، وكلامه ﷺ على تبيين الأحكام، فما كان مكيلاً بالمدينة في زمنه ﷺ انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه، فلا يجوز أن يتغيَّر بعد ذلك، وكذا الموزون. وما لا عُرْف له بهما اعتُبِرَ عُرْفُه في موضعه، فإن اختلفت البلادُ اعتُبِرَ الغالبةُ منها، فإن لم يكن، رُدَّ إلى أقرب الأشياء شَبَهاً بالحجاز، فإن تعذَّر رُفِعَ إلى عُرْف بلده.
* حُكمُ بيعِ المكيلِ بجِنْسِه وَزْناً والعَكْس:
لا يصحُّ بيع المكيل بجنسه وزناً؛ كأن يبيع رَطْلاً من تَمْرٍ برَطْلٍ من تَمْرٍ؛ لأنَّ التمر من المكيلات، فلا يصحُّ بيعه بجنسه وزناً.
ولا يصحُّ أيضاً بيع الموزون بجنسه كيلاً؛ كأن يبيع صاعاً من الحديد بصاعٍ من الحديد؛ لأنَّ الحديد من الموزونات.
ويدلُّ له ما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنَّه حدَّث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ كَيْلًا
стр. 489
بِكَيْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ … ) الحديث [أخرجه الطحاوي، والبيهقي]، ولأنَّه
لا يحصل العلم بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي؛ إذْ إنَّ الجنس الواحد تختلف أنواعه خِفَّةً وثقلاً، وحجماً؛ فكان لا بدَّ من مراعاة المعيار الشرعيِّ.
أمَّا لو عُلِم التساوي بينهما في المعيار الشرعيِّ حال بيع المكيل بجنسه وزناً، أو الموزون بجنسه كيلاً؛ فإنَّ البيع يكون صحيحاً؛ لحصول العلم بالتماثل.
* بيعُ اللَّحمِ بجِنسِه وبغير جِنسِه:
اللَّحمُ من الأصناف الرَّبويَّة؛ لكونه من الموزونات، وهو أجناس تختلف باختلاف أصوله؛ فلحمُ الإبل جنس، ولحمُ البقر جنس، وهكذا، وكلُّ جنس منها تحته أنواع؛ فالإبل منها الكبار، والصغار، والعَرابيَّة، والبُخْتيَّة.
- فإذا بيع لحم بجنسه؛ فيجب فيه التماثل والتقابض؛ بعد نزع عظمه وجوباً.
- أمَّا إذا بيع بغير جنسه؛ فيجوز التفاضل؛ لاختلاف الجنس، ولكن لا بدَّ فيه من التقابض في مجلس العقد.
- ويجوز بيع اللَّحم بحيوان حيٍّ من غير جنسه؛ لأنَّه بيع ربويٍّ بغير جنسه ولا أصله؛ فلو باع مائة كيلوغرام من لحم الغنم ببقرة؛ جاز البيع، ولكن بشرط التقابض في مجلس العقد.
- ولا يصحُّ بيع اللَّحم بجنسه من حيوان حيِّ؛ لما رُوي عن سعيد بن المسيِّب قال: (نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الحَيْوَانِ بِاللَّحْمِ) [أخرجه مالك، وعبد الرزاق، مرسلاً]، وما رُوي عن سَمُرة: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ) [أخرجه الحاكم، والبيهقي].
ولأنَّ الحيَّ من الحيوان فيه اللَّحم، والكبد، والقلب، والطحال، وغيرها، وهذه
стр. 490
كلُّها أجناس مختلفة عن اللَّحم؛ ولا يصحُّ بيع ربويٍّ بجنسه، ومع أحدهما من غير جنسه.
* مراعاةُ الصِّفةِ عند بيع الأعيانِ الربويِّة بجِنْسِها:
يجوز بيع الربويِّ بجِنسِه، بشرط أن يكونا متماثلين، ويستويان في الصفة:
- فيجوز بيع دقيق البُرِّ بدقيقٍ من جِنسِه؛ إذا كانا متماثلين، واستويا في النعومة، أو الخشونة، وأن يكون التقابض في مجلس العقد.
- ويجوز بيع عنب بعنب، وزبيب بزبيب، ورُطب برُطب، وتمر بتمر؛ إذا كانا متماثلين، واستويا في الرطوبة، واليبوسة.
- ويجوز بيع ماء عنب بماء عنب، إذا تماثلا، واستويا في العصر.
- ويجوز بيع سَمْنٍ بقريٍّ بسَمْنٍ بقريٍّ، إذا تماثلا، واستويا في الطبخ.
فإن اختلفا في الصفة؛ كبيع رَطْبٍ بيابسٍ من جنس واحد؛ فلا يصحُّ البيع؛ لعدم التماثل؛ وتسمَّى المزابنة؛ وقد جاء النهي عنها؛ كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ؛ وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً) [رواه البخاري].
* بيعُ الفَرْعِ بأصْلِه من الأعيان الرَّبويَّة:
- لا يصحُّ بيع ربويٍّ بأصله من الأعيان الربويَّة؛ فلا يصحُّ بيع زَيتٍ بزَيتونٍ، ولا شَيْرَجٍ بسِمْسِمٍ، ولا جُبْنٍ بلَبَنٍ، ولا خُبزٍ بعَجينٍ؛ لأنَّ التساوي بين البدلين الربويَّين مجهول، والجهل بالتساوي كالعِلْم بالتفاضل.
стр. 491
- ولا يصحُّ بيعُ الحبِّ المشتدِّ في سُنْبُلِه بجنسه؛ وتسمَّى المحاقَلَة؛ لما جاء في حديث عبد الله بن عبِّاس ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ) [رواه البخاري].
أمَّا لو اختلف الجنسان؛ كبيع حبِّ بُرٍّ مشتدٍّ في سنبله بحبِّ شعير؛ فإنَّه يصحُّ؛ لأنَّ اشتراط التساوي منتف مع الجنسين المختلفين، ولكن لا بدَّ من التقابض في مجلس العقد.
* مسألةُ مُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَم:
لا يجوزُ بيعُ ربويٍّ بجِنْسِه ومعهما، أو مع أحدهما من غير جِنْسِهما؛ كأن يبيع مُدًّا من التَّمْر ومعه دِرْهم فضَّة، بدرهمين فضَّة، أو بمُدَّين من التَّمْر، أو بدرهمٍ ومُدٍّ، أو أن يبيع قِلادَة من ذهبٍ فيها خَرَزٌ، بقلادة أخرى من ذهبٍ خالصٍ؛ لما جاء في حديث فَضالَة بن عُبَيد الأنصاريِّ ﵁ قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِنَ المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ) [رواه مسلم].
- أمَّا إذا كان الذي مع الربويِّ يسيراً غير مقصود؛ كبيع خبز فيه ملح بمثله، أو بملح؛ فيصحُّ البيع؛ لأنَّ الملح يسيرٌ غير مؤثِّر في الوزن، ومثله لو باع حنطةً وقع فيها شيءٌ يسيرٌ من حبَّات الشعير، وهي لا تؤثِّر في الوزن.
стр. 492
أحكام الصَّرْف
أوَّلاً: تعريفُ الصَّرْف:
الصَّرْف لغةً: ردُّ الشيء عن وجهه أو إبداله بغيره. وهو أيضاً بمعنى الفَضْل.
وشرعاً: هو بيع نقدٍ بنقدٍ من جنسه، أو من غيره؛ كأن يبيع دنانير ذهبيَّة بدنانير، ذهبيَّة، أو بدراهم فضيَّة، ويدخل في ذلك كلُّ ما يقوم مقام الذهب والفضَّة من العملات النقديَّة الورقيَّة والمعدنيَّة.
ثانياً: شروطُ وضوابطُ عَقْدِ الصَّرْف:
لا تخرج أحكام عقد الصَّرْف عن أحكام الربا، ولهذا ينبغي عند التصارف بين النقود والعملات مراعاة الضوابط والشروط التالية:
١) التماثلُ في القَدْر عند اتّحاد الجِنْس:
إذا كان البدلان من جنس واحد، فيشترط فيهما التماثل؛ فيُصرَف الذهب بمثله من الذهب وزناً، والفضَّة بمثلها من الفضَّة وزناً، والدنانير الورقيَّة بمثلها من الدنانير المعدنيَّة.
فإذا اختلف الجنسان؛ فلا يشترط فيهما التماثل، ويصحُّ التفاضل؛ كأن يَصرِفَ ديناراً بريال، أو درهماً بدولار، أو ذهباً بفضَّة، بشرط مراعاة شرط التقابض الآتي.
٢) التقابضُ في مجلسِ العَقْد:
يشترط في عقد الصَّرْف أن يكون البيع حالًّا غير آجل، وأن يتمَّ تقابض البدلين في مجلس العقد؛ وذلك لما روى أبو المنهال قال: (سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ،
стр. 493
فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْداً، فَقَالَ: سَلِ البَرَاءَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْناً) [رواه مسلم]. ولا تعتبر المماثلة في القيمة، بل في معياره الشرعي وهو الوزن.
فإذا افترق المتصارفان قبل قبض الكلِّ، أو البعض؛ بطل العقد فيما لم يُقبض؛ كأن يشتري مائة درهم فضَّة بعشرة دنانير ذهب؛ فإذا سلَّمه خمسين درهماً فقط وتفرَّقا، صحَّ العقد في الخمسين درهماً، ويسلِّمه الآخر ما يقابلها وهي خمسة دنانير، ويبطل العقد في الباقي.
٣) أنْ لا يشتملَ عَقْدُ الصَّرْفِ على خيارِ شَرْطٍ: فإذا اشتُرِطَ الخيارُ، فسدَ الشرط، ولزم العقد بالتفرُّق.
- وتصحُّ المصارفة في النقود الثابتة في الذمَّة؛ كأنْ يشتري أحد المتبايعين سلعة بمائة دينار إلى أجل، فلمَّا حلَّ الأجل قال المشتري للبائع: ليس عندي دنانير، ولكن عندي دراهم؛ فيجوز أن يعوِّضه مكان المائة دينار ما يقابلها من الدراهم، ولكن بسعر يوم السداد، ويدلُّ له حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ؛ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؛ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ؛ إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ؛ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ) [أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].
стр. 494
- ولا تصحُّ المصارفة على ما في الذمَّة؛ بأن كان لكلِّ واحد من المتصارفَيْن دَيْنٌ في ذمَّة صاحبه؛ كأن يكون لأحدهما في ذمَّة الآخر ذهب، وللآخر عليه فضَّة؛ فتصارفا بما في ذمَّتهما، فلا يصحُّ تصارفهما؛ ولو حلَّ الدينان معاً؛ وذلك لما رُوِيَ عن ابن عمر ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ)؛ يعني: ديناً بدين. [أخرجه ابن أبي شيبة، والدارقطني، والطحاوي، والحاكم، بإسناد ضعيف]. ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أنَّ بيع الدَّيْن بالدَّيْن لا يجوز.
стр. 495
باب بيع الأصول والثِّمار
أوَّلاً: تعريفُ الأُصول والثِّمار:
الأُصول: جمع أَصْل، وهو ما يتفرَّع منه غيره، ويقصد به هنا الأشياء الثابتة من العقار؛ كالأراضي، والدُّور، والبساتين، والأشجار، ونحوها.
أمَّا الثِّمار؛ فهي جمع ثَمَر، واحدها: ثَمَرة، وهي ما يَنْتُج من الأشجار؛ كالتَّمْر، والعِنَب، ونحوهما.
والمقصود من هذا الباب بيان حُكْم ما يَتْبَعُ الأُصولَ في البيع، وما لا يَتْبَعُها؛ منعاً للتنازع بين البائع والمشتري عند الاختلاف: أيُّهما يستحقُّ هذه التوابع؟
ثانياً: أنواع الأُصول:
١) الدُّور:
إذا بيعت دارٌ، أو وُهِبَت، أو رُهِنَت، أو وُقِفَت، أو أُوصي بها، أو أُقِرَّ بها؛ فإنَّه يتبعها في ذلك من المرافق والتوابع ما يلي:
أ - الأرض التي بُنيت عليها، ويشمل ذلك: ما في باطنها من مَعْدَن جامد؛ لأنَّه من أجزائها.
ب- بناء الدَّار، ويشمل ذلك: سَقْفَها، وأَعْمِدَتَها، وجُدْرانَها؛ لدخول هذه الأشياء في مسمَّى الدار.
ويشمل أيضاً: كلَّ ما اتَّصل بها ممَّا هو من مصلحتها؛ كالأبواب المنصوبة وحِلَقِها،
следующие страницы →