← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

- ولا يصحُّ بيعُ الحبِّ المشتدِّ في سُنْبُلِه بجنسه؛ وتسمَّى المحاقَلَة؛ لما جاء في حديث عبد الله بن عبِّاس ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ) [رواه البخاري]. أمَّا لو اختلف الجنسان؛ كبيع حبِّ بُرٍّ مشتدٍّ في سنبله بحبِّ شعير؛ فإنَّه يصحُّ؛ لأنَّ اشتراط التساوي منتف مع الجنسين المختلفين، ولكن لا بدَّ من التقابض في مجلس العقد. * مسألةُ مُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَم: لا يجوزُ بيعُ ربويٍّ بجِنْسِه ومعهما، أو مع أحدهما من غير جِنْسِهما؛ كأن يبيع مُدًّا من التَّمْر ومعه دِرْهم فضَّة، بدرهمين فضَّة، أو بمُدَّين من التَّمْر، أو بدرهمٍ ومُدٍّ، أو أن يبيع قِلادَة من ذهبٍ فيها خَرَزٌ، بقلادة أخرى من ذهبٍ خالصٍ؛ لما جاء في حديث فَضالَة بن عُبَيد الأنصاريِّ ﵁ قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِنَ المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ) [رواه مسلم]. - أمَّا إذا كان الذي مع الربويِّ يسيراً غير مقصود؛ كبيع خبز فيه ملح بمثله، أو بملح؛ فيصحُّ البيع؛ لأنَّ الملح يسيرٌ غير مؤثِّر في الوزن، ومثله لو باع حنطةً وقع فيها شيءٌ يسيرٌ من حبَّات الشعير، وهي لا تؤثِّر في الوزن.

стр. 492

أحكام الصَّرْف أوَّلاً: تعريفُ الصَّرْف: الصَّرْف لغةً: ردُّ الشيء عن وجهه أو إبداله بغيره. وهو أيضاً بمعنى الفَضْل. وشرعاً: هو بيع نقدٍ بنقدٍ من جنسه، أو من غيره؛ كأن يبيع دنانير ذهبيَّة بدنانير، ذهبيَّة، أو بدراهم فضيَّة، ويدخل في ذلك كلُّ ما يقوم مقام الذهب والفضَّة من العملات النقديَّة الورقيَّة والمعدنيَّة. ثانياً: شروطُ وضوابطُ عَقْدِ الصَّرْف: لا تخرج أحكام عقد الصَّرْف عن أحكام الربا، ولهذا ينبغي عند التصارف بين النقود والعملات مراعاة الضوابط والشروط التالية: ١) التماثلُ في القَدْر عند اتّحاد الجِنْس: إذا كان البدلان من جنس واحد، فيشترط فيهما التماثل؛ فيُصرَف الذهب بمثله من الذهب وزناً، والفضَّة بمثلها من الفضَّة وزناً، والدنانير الورقيَّة بمثلها من الدنانير المعدنيَّة. فإذا اختلف الجنسان؛ فلا يشترط فيهما التماثل، ويصحُّ التفاضل؛ كأن يَصرِفَ ديناراً بريال، أو درهماً بدولار، أو ذهباً بفضَّة، بشرط مراعاة شرط التقابض الآتي. ٢) التقابضُ في مجلسِ العَقْد: يشترط في عقد الصَّرْف أن يكون البيع حالًّا غير آجل، وأن يتمَّ تقابض البدلين في مجلس العقد؛ وذلك لما روى أبو المنهال قال: (سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ،

стр. 493

فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْداً، فَقَالَ: سَلِ البَرَاءَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْناً) [رواه مسلم]. ولا تعتبر المماثلة في القيمة، بل في معياره الشرعي وهو الوزن. فإذا افترق المتصارفان قبل قبض الكلِّ، أو البعض؛ بطل العقد فيما لم يُقبض؛ كأن يشتري مائة درهم فضَّة بعشرة دنانير ذهب؛ فإذا سلَّمه خمسين درهماً فقط وتفرَّقا، صحَّ العقد في الخمسين درهماً، ويسلِّمه الآخر ما يقابلها وهي خمسة دنانير، ويبطل العقد في الباقي. ٣) أنْ لا يشتملَ عَقْدُ الصَّرْفِ على خيارِ شَرْطٍ: فإذا اشتُرِطَ الخيارُ، فسدَ الشرط، ولزم العقد بالتفرُّق. - وتصحُّ المصارفة في النقود الثابتة في الذمَّة؛ كأنْ يشتري أحد المتبايعين سلعة بمائة دينار إلى أجل، فلمَّا حلَّ الأجل قال المشتري للبائع: ليس عندي دنانير، ولكن عندي دراهم؛ فيجوز أن يعوِّضه مكان المائة دينار ما يقابلها من الدراهم، ولكن بسعر يوم السداد، ويدلُّ له حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ؛ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؛ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ؛ إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ؛ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ) [أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].

стр. 494

- ولا تصحُّ المصارفة على ما في الذمَّة؛ بأن كان لكلِّ واحد من المتصارفَيْن دَيْنٌ في ذمَّة صاحبه؛ كأن يكون لأحدهما في ذمَّة الآخر ذهب، وللآخر عليه فضَّة؛ فتصارفا بما في ذمَّتهما، فلا يصحُّ تصارفهما؛ ولو حلَّ الدينان معاً؛ وذلك لما رُوِيَ عن ابن عمر ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ)؛ يعني: ديناً بدين. [أخرجه ابن أبي شيبة، والدارقطني، والطحاوي، والحاكم، بإسناد ضعيف]. ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أنَّ بيع الدَّيْن بالدَّيْن لا يجوز.

стр. 495

باب بيع الأصول والثِّمار أوَّلاً: تعريفُ الأُصول والثِّمار: الأُصول: جمع أَصْل، وهو ما يتفرَّع منه غيره، ويقصد به هنا الأشياء الثابتة من العقار؛ كالأراضي، والدُّور، والبساتين، والأشجار، ونحوها. أمَّا الثِّمار؛ فهي جمع ثَمَر، واحدها: ثَمَرة، وهي ما يَنْتُج من الأشجار؛ كالتَّمْر، والعِنَب، ونحوهما. والمقصود من هذا الباب بيان حُكْم ما يَتْبَعُ الأُصولَ في البيع، وما لا يَتْبَعُها؛ منعاً للتنازع بين البائع والمشتري عند الاختلاف: أيُّهما يستحقُّ هذه التوابع؟ ثانياً: أنواع الأُصول: ١) الدُّور: إذا بيعت دارٌ، أو وُهِبَت، أو رُهِنَت، أو وُقِفَت، أو أُوصي بها، أو أُقِرَّ بها؛ فإنَّه يتبعها في ذلك من المرافق والتوابع ما يلي: أ - الأرض التي بُنيت عليها، ويشمل ذلك: ما في باطنها من مَعْدَن جامد؛ لأنَّه من أجزائها. ب- بناء الدَّار، ويشمل ذلك: سَقْفَها، وأَعْمِدَتَها، وجُدْرانَها؛ لدخول هذه الأشياء في مسمَّى الدار. ويشمل أيضاً: كلَّ ما اتَّصل بها ممَّا هو من مصلحتها؛ كالأبواب المنصوبة وحِلَقِها،

стр. 496

والنوافذ المثبَّتة، والسَّلالم الثابتة، والرُّفوف الثابتة، والآلات المركَّبة فيها؛ كمضخَّات المياه، والأدوات الكهربائيَّة الثابتة، وقناديل الإضاءة، وخزَّانات المياه المدفونة في الأرض، أو المنصوبة فوق السطح، وشبكة أنابيب المياه، ونحو ذلك. ج- فِناء الدَّار، وهي الرَّحْبَة التي تكون أمامَها، إن كان للدَّار فِناء. د - الشَّجَر المغروس في الدَّار. هـ- عَريش الدار، وهو الظُّلَّة التي تُنصَب فيها؛ لأنَّها متَّصلة بالدَّار. - ولا يدخل في بيع الدَّار ما يلي: أ - الكنز والحَجَر المدْفونَيْن؛ لأنَّهما مُودَعان فيها إلى حين النقل عنها؛ كالفِرَاش والستائر. ب- ما كان منفصلاً عن الدَّار؛ كالحَبْل، والدَّلْو، والفَرْش. ج- المعدن الجاري، وماء النبع؛ لأنَّه يجري من تحت الأرض إلى مِلْكِه؛ فأشبه الماء الجاري من النهر إلى مِلْكِه. ٢) الأرض: إذا بيعت أرضٌ، أو وُهِبَت، أو رُهِنَت، أو وُقِفَت، أو أُوصي بها، أو أُقِرَّ بها؛ فإنَّه يَتْبَعُها في ذلك ما فيها من شجر، وبناء. وإذا كان في الأرض زَرْعٌ؛ فهو على نوعين: أ - إذا كان الزرع لا يحصد إلَّا مرَّة واحدة؛ كالبُرِّ، والشَّعير، والبَصَل، والأُرْز، والعَدَس، والجَزَر، والفُجْل ونحوها؛ فإنَّه يكون للبائع؛ لأنَّه مودَعٌ في الأرض

стр. 497

يُراد للنَّقل، ويبقى في الأرض بعد البيع إلى وقت حصاده بلا أُجرة. فإنِ اشترط المشتري ونحوه الزَّرْع لنفسه؛ فإنَّه يكون له، ولا يضرُّ الجهالة به؛ لأنَّه بِيعَ تابعاً للأرض. ب- إذا كان الزرع ممَّا يُجَزُّ مرَّة بعد أُخرى، أو تُلْتَقَطُ ثَمَرَتُه مرَّة بعد مرَّة؛ كالبرسيم، والقِثَّاء، والباذنجان، والطماطم، والنَّعْنَاع، والبُقُول، ونحوها؛ فأصول الزرع للمشتري، أمَّا الجزَّة الظاهرة، أو اللَّقْطة الأُولى فللبائع، وعليه قطعها في الحال؛ لأنَّه ليس له حَدٌّ ينتهي إليه، وربَّما ظهر غير ما كان ظاهراً؛ فيتعذَّر التمييز. وإذا اشترط المشتري ذلك كلَّه له دون البائع؛ كان له ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [رواه أبو داود]. ٣) الشَّجر: إذا بيع شجرُ نَخْلٍ بعد تشقُّق طَلْعِه، ولو لم يؤبَّر، أو بيع شجرٌ ظهر ثَمَرُه؛ كالعنب، والتِّين، والتُّوت، والرُّمَّان، والجَوْز، والمَوْز، أو شجرٌ ظهر نَوْرُه؛ كالمِشْمِش، والتُّفاح، والسَّفَرْجل، واللَّوز، أو بيع شجرٌ خرجَ من أكمامه -أي غلافه- كالوَرْدِ، والقُطْن، وكذا الياسَمِين، والنَّرْجِس، والبَنَفْسَج؛ فيكون الثمر ونحوه للبائع، ويُترك إلى أوَّل وقت أخذه، إلَّا إذا اشترط المشتري أنَّه له. أمَّا إذا بِيعَ الشجرُ قبل تشقُّق الطَّلْع، وظهور الثمر، والنَّوْر، ونحوها؛ فيكون للمشتري؛ لأنَّه تَبَعٌ للنَّخْل والشَّجَر؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ؛ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ

стр. 498

المُبْتَاعُ … ) [متفق عليه]. ووجهه: أنَّه جعل التأبير حدًّا لمِلك البائع للثَّمرة، ونصَّ على التأبير مع أنَّ الحكم منوط بالتشقُّق؛ لملازمته له غالباً. - وإذا تشقَّقَ بعض طَلْعٍ، أو ظهر بعضُ ثمرة، ولو من نوع واحد؛ فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري. - وورق الشجر للمشتري بكلِّ حال؛ لأنَّ الورق داخل في مسمَّى الشجر، ومن أجزائه، وخُلِق لمصلحته. - ولا تدخل الأرض في البيع تبعاً للشجر؛ لأنَّ الأرض أَصْلٌ، والشجر تَبَعٌ؛ فلو اشترى شجرةً أو نخلةً، أو أكثر، لم تتبعها أرضها. - وإذا اشترى شخصٌ شجراً، ولم يُشتَرط قَطعُها، أبقاها في أرض البائع بلا أُجْرةٍ، وإذا هلكت لم يغرس مكانها. - وحكم سائر عقود المعاوضات كحكم البيع في ذلك؛ من حيث إلحاقُ الثَّمَر بأصله وعدم إلحاقه؛ كعقد الرَّهْن، والصلح، والهِبَة، والشُّفْعة، والأُجْرة، والصَّداق، وعِوَض الخُلْع. أمَّا عقد الوَقْف والوَصِيَّة؛ فإنَّه تدخل فيهما الثمرة الموجودة يوم الوصيَّة إذا بقيت إلى يوم الموت، سواء أُبِّرت، أو لم تُؤَبَّر؛ لأنَّ القصد من وقف الشجرة والوصيَّة بها هو الانتفاع بثمرتها؛ فدخلت الثمرة في حقِّ الموقوف عليه، والموصى له، ولو بعد التشقُّق.

стр. 499

فصل بيعُ الثَّمَرةِ قبل بُدوِّ صَلاحِها أوَّلاً: حُكمُ بيع الثَّمَرة قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها: لا يصحُّ بيع الثَّمَرةِ قبل بُدُوِّ صَلاحِها، ولا بيع الزَّرْع قبل اشتداد حَبِّه؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ-أي ظهرت الحُمْرة أو الصُّفْرة-، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ -أي يشتدَّ ويبدو صلاحه-، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ) [رواه مسلم]. ويُستثنَى من هذا الحكم ثلاثُ حالاتٍ يصحُّ فيها بيع الثَّمَرَةِ قبل بدوِّ صلاحها، والزرع قبل اشتداد الحبِّ، وهي: الأُولى: إذا بيعت الثَّمَرةُ لمالك الشجرة نفسها، وبيعَ الزَّرْعُ لمالك الأرض؛ لأنَّهما يملكان الأصل والقَرار؛ فصحَّ البيع، كما لو بِيعَا معهما. الثَّانية: إذا بيعت الثَّمَرةُ مع أصلها، وبيع الزَّرْعُ مع الأرض؛ لأنَّهما دَخَلا في البيع تبعاً للأصل. الثَّالثة: إذا بيعت الثَّمَرةُ أو الزَّرْعُ بشرط القَطْع في الحال، إذا كان يُنتَفَعُ بالثَّمَرةِ والزَّرْعِ حين العقد؛ كأن يؤخذَ عَلَفاً للبهائم والطيور. فإن لم يمكن الانتفاع بهما؛ كثمرة الجوز، وزرع التُّرْمُس، لم يصحَّ؛ لعدم الانتفاع بالمبيع. ولا يصحُّ البيع بشرط القطع في الحال، إذا كان الثَّمَرُ والزَّرْع الذي يُنتفَعُ به مملوكاً للبائع ملكاً مشاعاً، لا يتميَّز فيه نصيبه عن نصيب شريكه؛ لأنَّه لا يمكنه

стр. 500

قطع ما يملكه إلَّا بقطع ما لا يملكهُ من حصَّة شريكه. مثاله: أنْ يَرِثَ اثنان حقلًا مزروِعاً قمحاً، لكلٍّ منهما نصفه، وليس وِرْثُ أَحدِهِما متميِّزاً عن الآخر، فإذا أراد أحد الشريكين بيعَ نصيبِه من قبل اشتداد حبِّ القمح، لم يصحَّ ذلك قبل أن يشتدَّ حبه، ولو بشرط القطع. ولا يشترط لصحَّة البيع صلاحُ جميع الثَّمَر؛ بل يصحُّ إذا صَلَحَ بعضُ الثَّمَر؛ لأنَّ صَلاحَ بعضِه صَلاحٌ لجميع نوعه على بقيَّة الشجر الذي في البستان. ثانياً: ما يحصلُ به بُدُوُّ صَلاح الثَّمَر: ويكون بدوُّ صَلاحِ كلِّ ثَمَرة بحسبها؛ فصلاحُ البَلَحِ أن يَحمَرَّ أو يَصفَرَّ، وصَلاحُ العِنَبِ أن يتَمَوَّه بالماء الحلو، وصلاحُ بقيَّة الفواكه؛ كالرُّمَّان، والمشمش، والخوخ، والجَوْز، ونحوها أن يَطِيبَ أكلُها، ويظهر نُضْجُها، وصلاحُ ما يظهر لَقْطَةً بعد لَقْطَةٍ؛ كالقِثَّاء، والخِيارِ؛ أن يكون صالحاً للأكل عادة، وصلاح الحبِّ أن يشتدَّ أو يبيضَّ. ثالثاً: ضَمانُ ما تَلِفَ من الثَّمَرةِ على الشَّجَر: إذا تلف الثَّمَرُ المبيع على الشجر دون أُصوله بجائحة سماويَّة -وهي ما لا صُنع لآدميٍّ فيها-، ولو بعد بدوِّ صلاحه، وقبل التمكُّن من أخذه؛ فضمانُه على البائع؛ لما جاء في حديث جابر ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الجَوَائِحِ) [رواه مسلم]، وحديث جابر أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ

стр. 501

جَائِحَةٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ) [رواه مسلم]؛ ولأنَّ على البائع تتمَّة صلاحها؛ فوجب أن تكون من ضمانه. وإذا بيع الثَّمَرُ مع أصله، أو بيع لمالك أصله؛ فتلف بآفة سماويَّة؛ فضمانه على المشتري؛ لحصول القبض التام، وانقطاع عُلَقِ البائع عن الثمر. وإذا بيع الثَّمَرُ دون الأصل، وأخَّر المشتري أَخْذَه عن العادة، وتلف بآفة سماويَّة؛ فهو من ضمان المشتري أيضاً؛ لتفريطه. وإذا تعيَّب الثَّمَرُ بالجائحة قبل أوان جِذاذه؛ خُيِّر المشتري بين فسخ البيع وأخذ الثمن كاملاً، أو إمضائه مع أخذ أَرْشِ النقص. وإذا تلف الثَّمَرُ بصُنْع آدميٍّ؛ فإنَّ المشتري يخيَّر بين فسخ البيع، ومطالبة البائع بما قبضه من الثَّمَن، أو إمضاء البيع ومطالبة المتسبِّب ببدل التلف.

стр. 502

باب السَّلَم أوَّلاً: تَعريفُ السَّلَم: السَّلَمُ لغةً: الإعطاءُ، ويقال له أيضاً: السَّلَف. إلَّا أنَّ السَّلَم لغةُ أهل الحِجاز، والسَّلَف لغةُ أهل العِراق. وشرعاً: هو عَقْدٌ على شيءٍ يصحُّ بيعه، مَوْصوفٍ في الذِّمَّة، مؤجَّلٍ، بثَمَنٍ مَقْبوضٍ في مجلس العَقْد. ثانياً: حُكْمُ عقد السَّلَم وحِكمتُه: عقد السَّلَم من العقود المشروعة في الإسلام؛ نظراً لحاجة الناس إليه؛ لأنَّ مُلَّاك الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فأجيز لهم السَّلَم ليرتفقوا، وينتفع المسلِم بالاسترخاص. وقد دلَّ على مشروعيته: الكتاب، والسنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس ﵄: «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إنَّ الله أحلَّه فِي كِتَابِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ»، ثمَّ قرأ الآية ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. [أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة]. - ومن السُّنَّة: ما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ؛ فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ؛ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ،

стр. 503

وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) [أخرجه البخاري ومسلم]. - أمَّا الإجماع؛ فقد نقل ابن المنذر في «الإجماع»، وأبو الحسن ابن القطان في «الإقناع» الإجماع على جواز السَّلَم في الجملة. ثالثاً: الألفاظ التي ينعقد بها السَّلَم: ينعقد السَّلَم بلفظه؛ كأَسْلَمْتُكَ هذه المائة دينار في مائة صاع من التَّمْر البرنيِّ، ويصحُّ بلفظ السَّلف؛ كأَسْلَفْتُكَ كذا بكذا. وينعقد السَّلَم أيضاً بلفظ البيع، وكلِّ ما يقوم مقامه من ألفاظ؛ كأن يقول: بعتُك خمسين صاعاً من الأَرزِّ الهندي تحِلُّ بعد سنةٍ بمائة دينار؛ وذلك لأنَّ السَّلَم نوع من البيع؛ عُجِّل أَحَدُ بَدَلَيْه -وهو الثمن-، وأُجِّل الآخر -وهو السِّلْعَة-. رابعاً: شروطُ صحَّة عقد السَّلَم: يُشترَطُ لصحَّة عقد السَّلَم سبعة شروط زائدة عن الشروط التي في البيع، وهي: الشرط الأوَّل: أن يكون المُسْلَم فيه ممَّا يمكن ضبطه بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهراً؛ لأنَّ ما لا يمكن ضبطه بالصفات يفضي إلى التنازع غالباً؛ لوجود الغرر والجهالة. وما ينضبطُ بالصِّفات هو: أ - المَوْزونُ: كالذَّهب، والفضَّة، والحديد، والنُّحاس، والقُطْن، والكَتَّان، والخُبز، ونحوها من الموزونات. ب- المَكِيلُ: كالبُرِّ، والشَّعير، والتَّمْر، والدُّهن، واللَّبن، ونحوها من المكيلات.

стр. 504

ج- المَذْروعُ: كالأقمشة، والخيوط، والحِبال، ونحوها من المذروعات. د - المَعْدودُ: من حيوان، ولو آدميًّا. وكلُّ ما لا يمكن ضبطه بالصِّفة لا يصحُّ السَّلم فيه؛ كالفواكه التي تُباع بالعدِّ، وكالجواهر، وكجلود البهائم، ورؤوسها، وأطرافها، وكالبَيْضِ، والجَوْزِ، وكالأَواني التي تختلف رؤوسها وأوساطها؛ وذلك لعدم انضباط صفاتها؛ إذ إنَّ أثمانها تختلف اختلافاً كبيراً بالصغر والكبر، والثَّخَانة والرِّقَّة، ودَوْرِ أعلاه وأسفله. وإذا أمكن ضبط شيءٍ من ذلك بالصِّفات التي لا يختلف فيها الثمن اختلافاً كبيراً -كما في الصناعات الحديثة-؛ فيصحُّ السَّلم فيه. قال في الإنصاف -عند مسألة السَّلَم في الجلود والرؤوس ونحوها-: «والرِّواية الثانية: يصحُّ السَّلَم»، ثمَّ ذكر من اختارها، وجزم بها، وصحَّحها من أئمَّة المذهب، ثمَّ قال: «قلت: وهو الصواب، فيما قاله المصنِّف كُلُّه حيث أمكن ضبطُه». قال في شرح المنتهى -عند مسألة السَّلَم في الأواني مختلفة الرؤوس والأوساط-: «فإن لم تختلف رؤوسها وأوساطها صحَّ السَّلَم فيها». الشرط الثَّاني: أن يُذْكَر جنسُ المُسْلَم فيه، ونوعُه، وصفاتُه التي يختلف بها الثمن غالباً؛ لأنَّه يشترط العلم بأحَدِ العِوَضَيْن إذا كان غير مُعَيَّن، ولا يُعْلَم إلَّا بمعرفة صفاته التي تُميِّزه عن غيره. مثاله: أنْ يكون المُسْلَم فيه تَمْراً؛ فهذا جِنْسُه، ويَذْكُر نَوعَه؛ فيقول: من البَرْنِيِّ، أو العَجْوَةِ، ويبيِّن صفته من حيث الحداثة والقِدَم، والجَوْدَة والرَّداءَة، والصِّغَر والكِبَر، وغيرها من الصفات التي تُميِّزه عن غيره ممَّا يختلف به الثمن غالباً.

стр. 505

- ويجوز لربِّ السَّلَم أن يأخذ دون ما وُصِف له؛ لأنَّ الحقَّ له، وقد رَضِيَ بدونه، ويَلْزمُه أخْذُ ما هو أجود ممَّا وُصِف له من نوعه؛ لأنَّه أتاه بما تناوله العقد، وزاده نفعاً. - ويجوز أن يأخذَهُ من نوعٍ آخر من الجِنْسِ نَفْسِهِ؛ لأنَّ النَّوْعَيْن مع اتِّحاد الجِنْسِ كالشيء الواحد. - ولا يجوز أن يأخذ المُسْلَم فيه إذا كان من جِنْسٍ آخَرَ، ولو تراضيا؛ لما رُوي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا أَسْلَمْتَ فِي شَيْءٍ، فَلَا تَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ) [أخرجه أبو داود، وابن ماجه، بإسناد ضعيف]. ولأنَّ أخذ العِوَضِ عن المُسْلم فيه من غير جِنْسِهِ بَيعٌ؛ فلم يجز، وهذا بخلاف ما لو أعطاه من جِنْسِ مَا أَسْلَم فيه خَيْراً منه أو دُونه في الصفات؛ فإنَّه يجوز؛ لأنَّه قضاءٌ للحقِّ، وليس بيعاً. الشرط الثَّالث: أن يكون المُسْلَم فيه معلوم المقدار بمعياره الشرعي؛ فإذا كان المُسْلَم فيه مكيلاً؛ فيكون تقديرُه بالكَيْلِ المتعارَفِ عليه، وإذا كان موزوناً؛ فيكون تقديرُه بالوزن المتعارَفِ عليه، وإذا كان مذروعاً؛ فيكون تقديرُه بالذَّرْع المتعارَفِ عليه؛ لأنَّه إذا كان مجهولاً، تعذَّر الاستيفاء به عند التلف، فيفوتُ العِلْمُ بالمُسلَم فيه. - ولا يصحُّ أن يُسْلمَ في مَكيلٍ وزناً، ولا في مَوزونٍ كيلاً؛ لأنَّه بيعٌ يشترط فيه معرفة قَدْرِه؛ فلم يجز بغير ما هو مُقَدَّر به في أصل الشرع؛ كما في بيع الربويَّات بعضها ببعض.

стр. 506

والرواية الأخرى: أنَّه يجوز ذلك؛ لأنَّ الغرض مَعرِفَة قَدْرِه، وخروجه من الجهالة، وإمكان تسليمه من غير تنازع؛ فبأيِّ قَدْرٍ قَدَّرَه جاز، وليس المقام مقام بيع ربويٍّ بجِنْسِه حتَّى يشترط التماثل فيهما كيلاً ووزناً. الشرط الرَّابع: أن يكون المُسْلَم فيه في الذِّمَّة إلى أجلٍ معلوم، له وَقْعٌ في الثَّمَن عادَةً؛ كالشَّهْر، والسَّنَة؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ؛ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)، ولأنَّ اعتبار الأجل يُقْصَد منه تحقيق الرِّفق، ولا يحصل الرِّفق بمُدَّةٍ لا وَقْع لها في الثَّمَن. وعليه لا يصحُّ السَّلَم إذا كان الأجلُ مجهولًا؛ كزمن الحَصَاد، أو الجِذاذ، أو قُدوم الحاجِّ، أو نُزول المَطَر، ونحو ذلك. - ولا يصحُّ السَّلَم إذا كان الزَّمَن قَريباً؛ كيوم، ويومين؛ لأنَّه لا وَقْعَ له في الثمن، إلَّا أنْ يُسْلِم في شيءٍ يأخذُه منه كلَّ يومٍ أجزاءَ معلومة؛ كالخبز، واللَّحم، ونحوهما ممَّا يصحُّ فيه السَّلَم؛ لأنَّ الحاجة تدعو إليه. - ولا يصحُّ السَّلَم إذا كان المُسْلَم فيه عَيْناً، بل لا بدَّ أن يكون في الذِّمَّة؛ لأنَّ العين ربما تلفت قبل تسلميها، ولأنَّه يمكن بيعُها في الحال؛ فلا حاجة إلى السَّلَم فيها. الشرط الخامس: أن يكون المُسْلَم فيه ممَّا يوجد غالباً عند حُلول الأَجَل؛ لأنَّه يجب تسليمه عند حلول ذلك الأجل. فلا يصحُّ السَّلم في شيءٍ يكون المُسْلَم فيه مَعْدوماً عند حُلول الأَجَل؛ كالسَّلَم في العِنَب أو الرُّطَب يكون أجله في وقت الشتاء؛ لأنَّه لا يمكن تسليمه فيه،

стр. 507

ولا يوجد في ذلك الوقت غالباً. ولا يصحُّ السَّلَم إنْ عيَّن أن يكون المُسْلَم فيه من قرية صغيرةٍ، أو بستان معيَّنٍ؛ لما رُوي عن عبد الله بن سَلَام ﵁ قال: (أَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فِلَانٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فَلَانٍ، فَلَا) [أخرجه ابن ماجه وأبو يعلى، بإسناد ضعيف]، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ انقطاعُه، ولا تَلَفُه. الشرط السَّادس: أن يكون رأسُ مال السَّلَم معلومَ المِقْدار، يمكن ضبطُه بالصِّفَة؛ لأنَّ عقد السَّلَم قد ينفسخ لسبب؛ كتأخُّر تسليم المُسْلَم فيه؛ فوجب ردُّ رأسِ المال، فإذا لم يكن رأسُ المال معلومَ المقدار، منضبط الصِّفات، تعذَّر ردُّه، أو ردُّ بَدَلِه. ولا يكفي مجرَّدُ مشاهدة رأسِ المال في مجلس العقد؛ لأنَّ المشاهدة لا تستلزم معرفة مقداره، ولا ضبط صفاته. الشرط السَّابع: أن يُقبضَ رأسُ مال السَّلَم حقيقةً قَبْل التفرُّق من مجلس العَقْد تفرُّقاً يُبْطِل خِيارَ المجلس؛ لأنَّه لو أُجِّلَ قَبْضُ رأسِ مال السَّلَم، صار بيع دَيْنٍ بِدَيْنٍ؛ إذْ يُصْبح الثَّمَن والمُثْمَن كلاهما مُؤجَّلًا، وهذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه بَيْع كالِئٍ بكالِئٍ. ولأنَّ قوله ﷺ : (فَلْيُسْلِف)؛ أي: فَلْيُعْطِ؛ لأنَّ اسم السَّلَف لا يصدُق حتَّى يُعطيَه ما أسلَفَه قبل أن يفارِقَه. - ويَصحُّ السَّلَم لو كان رأسُ المال مَقْبوضاً حُكْماً؛ كأن يكون عند المُسْلَم إليه

стр. 508

مالٌ أمانةً، أو عاريةً للمُسْلَم له؛ فيجعلُها ربُّها رأسَ مال سَلَم؛ لأنَّ هذا في معنى القَبْض. أمَّا إذا كان رأس مال السَّلَم ديناً في ذمَّة المُسْلَم إليه؛ فلا يَصحُّ؛ لأنَّ المُسْلَم فيه دَيْنٌ، وكونه في ذمَّته لا يجعله قبضاً، ولا في معناه. - وإذا قبض المُسْلَم إليه بعضَ رأسِ مالِ السَّلَم، ثمَّ افترقا، صحَّ السَّلَم فيما قُبِض، وبَطَل فيما لم يُقْبَض. - ولا يشترط لصحَّة عقد السَّلَم ذِكْر مكان الوفاء؛ لعدم ورود النصِّ بذلك؛ ولأنَّ الوفاء يجب بمكان عقد السَّلَم إذا كان مَحَلَّ إقامةٍ؛ لأنَّ مقتضى العقد التسليم في مكانه، إلَّا إذا اشترطا مكاناً غير مكان العقد؛ فيصحُّ ذلك. فإنْ كان عقد السَّلَم في مكانٍ يَتَعَذَّر التَّسليم فيه؛ كبَرِّيَّة، أو على جَبَلٍ غير مَسْكون، أو في دار حَرْبٍ، أو في سَفينة؛ فيُشتَرط ذِكْر مكان الوفاء. ويصحُّ تَسليم المُسْلَم فيه في غير المكان الذي شُرِطِ في العقد، إذا تَراضَيا على ذلك. * حُكْمُ أَخْذِ الكَفالَة أو الرَّهْن على المُسْلَم فيه: لا يَصحُّ أَخْذُ كَفالةٍ أو رَهْنٍ على المُسْلَم فيه؛ لأنَّ الرَّهْن إنَّما يجوز بشيء يُمكن استيفاؤه من ثَمَنِ الرَّهْن، والمُسْلَم فيه لا يمكن استيفاؤه من الرَّهْن، ولا من ذِمَّة الضَّامِن؛ لأنَّه سيُفْضي إلى صَرْف المُسْلَم فيه إلى شيء غيره، وقد ورد النَّهي عن ذلك في حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا أَسْلَمْتَ فِي شَيْءٍ، فَلَا تَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ) [أخرجه أبو داود، وابن ماجه، بإسناد ضعيف].

стр. 509

* حُكْم بَيْعِ المُسْلَم فيه، أو هِبَتِه، أو الحَوالَةِ به قبل قَبْضِه: لا يَصحُّ بيع المُسْلَم فيه قبل قبضه لمن كان الدَّيْن في ذِمَّته، أو لغيره؛ سواءً كان المُسْلَم فيه طعاماً أو غيرَه؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ). [أخرجه البخاري، ومسلم -واللفظ له-]، ولأنَّه لم يدخل في ضمانه؛ فلم يجز بيعه؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ) [أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي -واللفظ له-، وابن ماجه]. - ولا يصحُّ هبةُ المُسْلَم فيه قبل قبضه لغير من هو في ذمَّته؛ فإن وهَبَه لمن هو في ذمَّته صحَّ ذلك. - ولا تصحُّ الحوالة بالمُسْلَم فيه قبل قبضه؛ لأنَّ الحوالة لا تجوز إلَّا على ديْن مستقرٍّ؛ والسَّلَم معرَّضٌ للفسخ. * حُكْم الإقالة في المُسْلَم فيه، وتعذُّر الوفاء به: تَصحُّ الإقالة في المُسْلَم فيه بالإجماع؛ لأنَّها فسخ للعقد وليست بيعاً. - وتَصحُّ أيضاً في بعض المُسْلَم فيه؛ لأنَّ الإقالة مندوب إليها، وكلُّ مندوب إليه جاز في الجميع، جاز في البعض. - ولا يشترط في التقايل قبض رأس مال السَّلَم أو بَدَلِه في مجلس الإقالة؛ لأنَّ الإقالة ليست بيعاً. - وإذا تعذَّر حصول المُسْلَم فيه أو بعضه؛ يخيَّر رب مال السَّلَم بين الصَّبْر إلى

стр. 510

أن يُوجد؛ فيطالب به، أو أن يَفْسَخَ العقد مع الرجوع برأس ماله على المُسْلَم إليه إن وُجِدَ بعينه، أو بَدَلِهِ إن تَعَذَّر؛ فإن كان مثليًّا ردَّ مثله، وإن كان متقوَّماً ردَّ قيمته.

стр. 511

باب القَرْض أوَّلاً: تَعريفُ القَرْض: القَرْضُ لغةً: القَطْع. وشرعاً: دفع مالٍ -على وجه الإرفاق- لمن ينتفعُ به، ويرُدُّ بَدَلَه. ثانياً: حُكْمُ القَرْض: القَرْض جائز؛ دلَّ على جوازه الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فنصَّت الآية على مشروعية الدَّيْن، والقَرْض مِنْ الدَّيْن. - أمَّا السُّنَّة: فما روى أبو رافعٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) [رواه مسلم]. - أمَّا الإجماع: فقال الحسن ابن القطّان: «وأجمع كلُّ من يُحفَظ عنه من أهل العلم على أنَّ استِقْراض الدَّنانير، والدَّراهم، والقمح، والشَّعير، والتَّمر، والذَّهب، وكلَّ ما له مِثْلٌ من سائر الأطعمة؛ المكيل منها والموزون، جائز». وقال ابن قدامة: «ويجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف». ثالثاً: الحِكْمَة من مشروعيَّة القَرْض: القَرْض من عقود الارتفاق التي يُقصَدُ بها الإحسان إلى المُقْتَرِض، وتفريج كُربته

стр. 512

ورفع الضِّيق عنه، وسدِّ حاجته؛ ولذا كان مندوباً إليه في حقِّ المُقْرِض؛ لما روى عبدُ الله بن عمرَ ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [متَّفق عليه]، وعن ابن مسعود ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ؛ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً) [أخرجه ابن ماجه]. رابعاً: ما يصحُّ فيه الإقْراض: كلُّ ما يصحُّ بَيْعُه من الأعيان يصحُّ قَرْضُه؛ سواءٌ كان مكيلاً، أو موزوناً، أو مذروعاً، أو معدوداً؛ كالبُرِّ، والتَّمر، والذَّهَب، والفِضَّة، والثِّياب، والحيوان. - ويُستثنَى من ذلك قَرْضُ الآدميِّ -عبداً أو أمَةً-؛ فإنَّه وإن كان يصحُّ بيعه؛ إلَّا أنَّه لا يصحُّ قَرْضه؛ لأنَّه لم يُنْقل عن الصحابة أنَّهم كانوا يُقْرِضون الآدميَّ، ولا يُعدُّ قَرْضه من المرافق، وقد يترتّب على قَرْضه مفسدة؛ كما في إقراض الإماء. - أمَّا ما لا يصحُّ بيعه، فلا يجوز قَرْضه؛ كالكلب، والميتة، والنجاسات، والمرهون، والموقوف. - ولا يصحُّ قَرْض المنافع؛ مثل أن يحصد معه يوماً، ويحصد معه الآخر يوماً، أو يسكنه الآخر داراً بدلها؛ وذلك لأنَّ المنافع ليست بأعيانٍ، وقَرْضُها غير معهود في العُرْف وعادة الناس، ولأنَّ من شرط صحَّة القَرْض: العِلْم بقَدْرِه ليَرُدَّ المقْتَرِضُ بدَلَه، والمنافع يصعب تقديرها. والرواية الأخرى: جواز قَرْض المنافع، واختارها شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ قياساً

стр. 513

على العاريَّة؛ فإنَّها تمليكٌ للمنافع، والقَرْض تمليكٌ ورَدُّ بدله، ومنه المنافع المُقْرَضَة، والأصل في المعاملات الإباحة، ولا دليل يمنع من قَرْض المنافع. خامساً: شروطُ صحَّة عقدِ القَرْض: يشترط لصحَّة القَرْض، الشروط التالية: الأوَّل: العِلْمُ بقَدْر المال المُقْرَض بمقدَّرٍ معروف؛ من وَزْنٍ، أو كَيلٍ، أو عَدٍّ، أو ذَرْعٍ. الثَّاني: العِلْمُ بصفة المال المُقْرَض؛ لأنَّه باقتراضه يثبت في حقِّه بدله؛ فإذا جهلت صفته، تعذَّر ردُّ بَدَلِه. الثَّالث: أن يكون المُقْرِض جائز التصرُّف، وهو كلُّ من يصحُّ تبرُّعُه؛ كالمالك غير المحجور عليه، والمأذون له بالإقراض؛ فلا يصحُّ من المحجور عليه لسفهٍ أو فَلَسٍ، ولا يصحُّ من وليِّ اليتيم، والوصيِّ. سادساً: الألفاظ التي يصحُّ بها عقدُ القَرْض: يصحُّ القَرْض بلفظه، وبلفظ السَّلف؛ لورود الشرع بهما. ويصحُّ بكلِّ لفظ يدلُّ على معناهما؛ كأن يقول: ملَّكتك أو أعطيك هذا على أن تردَّ بدله، أو أن تكون هناك قرينة تدلُّ على إرادة القَرْض؛ كأن يقول له: أَقْرِضْني كذا؛ فيعطيه. سابعاً: ما يتمُّ به عقد القَرْض ويَلْزم: يتمُّ عقد القَرْض بالإيجاب والقبول، كما في البيع، إلَّا أنَّه لا يكون لازماً إلَّا إذا

стр. 514

قَبَضَه المُقْتَرِضُ؛ فيكون مالكاً له، ويَلْزمُه ردُّه، أو ردُّ بَدَلِه، ولا يملك المُقْرِض استرجاعه قبل حلول أجله؛ لأنَّه عقدٌ يتوقَّف التصرُّف فيه على القَبْض؛ فتوقَّف تملُّكه على قبضه. ثامناً: ما يلزم المُقْتَرِضَ ردُّه من القَرْض: إذا صار عقد القَرْض لازماً في ذِمَّة المُقْتَرِض؛ فإنَّه يثبت للمُقْرِض استحقاق بَدَلِه حالًا وإنْ أجَّله؛ كما لو أتلف مال غيره؛ فإنَّه يلزمه ردُّ بَدَلِه حالاً. وفي وجهٍ -اختاره ابن تيميَّة، وصوَّبه المرداويُّ-: صحَّة تأجيله، ولزومه إلى أجله. - ويلزم المُقْتَرضَ ردُّ بَدَلِ ما اقترضه، سواء كان مثليًّا، أو متقوَّماً. ١) ردُّ المثليِّ: إذا كان المُقْتَرَض مثليًّا -كالمكيل والموزون الذي لم تدخله الصناعة - ردَّ المُقْتَرِض مثله؛ لحديث أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: (اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهُ ﷺ بَكْرًا بِمِثْلِهِ) [رواه مسلم]. - وإذا أراد المُقْتَرِض ردَّ المثليِّ بعينه، وكان معيباً؛ كأنْ يُقْرِضه حِنْطةً ولم يستعملها، فأصابها بلل، وأراد أن يردَّها؛ فلا يلزم المُقْرِض قبولها، ويستحقُّ قيمتها. وكذلك إذا أَقْرَضَه فلوساً؛ ثمَّ حَرَّمَها الحاكمُ ومنع التعامل بها، وبقيت عنده؛ فلا يلزم المُقْرِضَ قبولها، ويستحقُّ قيمتها. ٢) ردُّ المُتقوَّم: وإذا كان المُقْتَرَض مُتَقَوَّماً -كالجواهر، والكتب- ردَّ المُقْتَرِض قيمته.

стр. 515

- والمعتبر في القيمة: قيمة القَرْض يوم قبض المُقْتَرِض؛ لأنَّ القيمة تختلف في الزمن اليسير باعتبار كثرة الراغب وقِلَّته؛ فإذا نقصت وقع الضرر على المُقْرِض، وإذا زادت وقع الضرر على المُقْتَرِض. تاسعاً: اشتراط المُقْرِض رَهْناً أو ضَميناً في القَرْض: يجوز للمُقْرِض أن يشترط أخذ رَهْن أو ضمينٍ في القَرْض؛ لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) [متَّفق عليه]. عاشراً: قَرْضُ الماءِ بغير الكيل، والخُبزِ والخَمير بغير الوزن: يصحُّ قَرْض الماء كيلًا، كما في سائر المائعات، ويصحُّ قَرْضه للسَّقْي إذا قُدِّر بأنبوبة ونحوها، إذا كان محدوداً يُعْرَف مقداره؛ لأنَّه يمكن ردُّ مثله. ويصحُّ قَرْض الخبز وزناً، ويردُّه وزناً، ويصح قَرْضه عدداً، ويردُّه عدداً بلا قصد زيادة، ولا قصد جَوْدَة، ولا اشتراط ذلك؛ لما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الخَمِيرَةِ وَالْخبْز نُقْرِضُهُ الْجِيرَانَ، فَيَرُدُّونَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فَقَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَمر مُوَافق بَيْنَ الْجِيرَانِ، وَلَيْسَ يُرَادُ بِهِ الْفَضْلَ) [أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق»]. وعن معاذ بن جبل ﵁: (أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ إقْرَاضِ الخَمِيرِ وَالخُبْزِ؛ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللّاهِ؛ هَذَا مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق؛ فَخُذِ الصَّغِيرَ وَأَعْطِ الْكَبِيرَ، وَخُذِ الْكَبِيرَ وَأَعْطِ الصَّغِيرَ، خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً؛ سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ)

стр. 516

[أخرجه ابن عَديٍّ في «الكامل»؛ بإسناد ضعيف]. ولأنَّ قَرْضَ الخُبْز والخَمِير ممَّا تدعو الحاجة إليه، وهو من مرافق الناس التي لا يراد بها الفَضْل، فإنْ أقْرَضَه واشترط الزيادة، أو الجودة، وقصدهما؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه قَرْضٌ جرَّ نفعاً. حادي عشر: اشتراطُ مَنفعةٍ في القَرْض: لا يصحُّ اشتراطُ أخذِ منفعةٍ في مُقابِل القَرْض؛ كأنْ يشترط أنَّه إذا أقْرَضَه أنْ يُسْكنه دارَه، أو يُعيرَه دابَّته، أو أن يقضيه خيراً ممَّا أعطاه؛ لأنَّ القَرْض عقدُ إرفاق وقُرْبة، واشتراط النفع يخرجه عن موضوعه، ولأنَّ كلَّ قَرْضٍ جرَّ نفعاً فهو رباً؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ) [أخرجه أبو داود والترمذي]، وعن ابن عمر ﵄ قال: (مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ) [أخرجه مالك]، وعن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: (أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁، فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا، وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ؛ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا) [أخرجه البخاري]. أمَّا إذا كانت المنفعة من غير اشتراط، أو قضاه خيراً ممَّا أعطاه بلا مواطأة؛ جاز ذلك؛ لحديث أبي رافع (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ

стр. 517

قَضَاءً) [أخرجه مسلم]. ثاني عشر: بَذْل المُقْتَرِض ما عليه في غير بَلَدِ المُقْرِض: إذا بذل المُقْتَرض ما عليه للمُقْرِض في غير بَلَدِ المُقْرِض، صحَّ ذلك، ولزمه قبوله؛ بشرطين: الأوَّل: أنْ لا يكون لحَمْله مُؤنةٌ ولا كُلْفةٌ على المُقْرِض. الثَّاني: أنْ يكون البلد الذي قضاه فيه، والطريق إلى بلد المُقْرِض آمنين. وذلك لئلَّا يلحق المُقْرِض ضررٌ في دفع أُجرة نقله، أو ضياعه بسرقة أو غصب، وفي الحديث عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ) [أخرجه أحمد، وابن ماجه]. - وإذا أراد أجنبيٌّ قضاء دَيْنٍ عن غيره؛ فأبى ربُّ الدَّين قبْضَه من غير المدين، فله ذلك، ولا يجبرُ على قبوله؛ لأنَّ فيه شيئاً من المِنَّة، ولأنَّ المَدينَ إذا كان قادراً على الوفاء؛ وجب عليه ذلك، وإلَّا لم يلْزمه شيء. - وإذا مَلَّك الأجنبيُّ المَدِينَ ما عليه من دَيْنٍ لغيره؛ فقبضه، ثمَّ دفعه المَدِينُ لربِّ الدَّين، فإنَّه يلزم الدائنَ قبوله.

стр. 518

باب الرَّهْن أوَّلاً: تَعريفُ الرَّهْن: الرَّهْن لغةً: الثبوتُ والدَّوامُ. وشرعاً: توثيق دَيْنٍ بعَيْنٍ يمكن استيفاؤه، أو استيفاء بعضه منها، أو من ثمنها. ثانياً: حُكْمُ الرَّهْن: الرَّهْنُ جائز؛ بدلالة الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. - ومن السُّنَّة: حديث عائشة ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَه) [متَّفق عليه]. - أمَّا الإجماع: فقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ الرَّهْن في السَّفَر والحَضَر جائز». - ويصحُّ عقد الرَّهن في السَّفر والحضر؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا رَهَنَ دِرْعَهُ عند اليهودي، كان في المدينة، وهي بلد إقامته، وذِكْرُ السَّفر في الآية خَرَج مخرَجَ الغالب؛ لأنَّ الكاتب يُعدَم في السفر غالباً، ولأنَّه لا يشترط عدم الكاتب في جواز الرَّهن، مع أنَّه ذُكر في الآية. ثالثاً: الحِكْمَة من مشروعيَّة الرَّهْن: شُرِع الرَّهْن توثقةً للدُّيون التي تكون بين العباد؛ لئلَّا يضيع حقُّ الدائن إذا ما عجز المَدين عن الوفاء بما عليه من الدُّيون التي في ذمَّته للدائن؛ فكان في عقد الرَّهن

стр. 519

حفظٌ للمال من الضياع. رابعاً: أركانُ عَقْدِ الرَّهْن: لعقد الرَّهْن خمسة أركان؛ هي: ١) الرَّهْن: وهو العين المعلومة التي تُجْعل وثيقةً في مقابل الدَّيْن، ويصحُّ بيعها؛ كالدَّار، والدَّابة، والمتاع، ونحو ذلك. ٢) الرَّاهِن: وهو المدين الذي يكون عليه الدَّيْن؛ فيُعطي الدائنَ رَهْناً في مقابل ما له في ذِمَّته من الدَّيْن. ٣) المرتَهِن: وهو صاحب الدَّين (الدائن) الذي أَعطى المالَ للمَدين، ويأخذ في مقابله رَهْناً. ٤) الصِّيغة: وهي الإيجاب والقبول، وما يؤدِّي معناهما من الرَّاهِن والمُرْتَهِن. ٥) المرهون به: وهو الدَّين الذي بسببه يأخُذُ الدَّائن من المَدِين رَهْناً. خامساً: شروطُ عَقْدِ الرَّهْن: يُشترَط لصحَّة الرَّهن، خمسةُ شروط: الأوَّل: أن يكون الرَّهن منجَّزاً؛ فلا يصحُّ أن يكون الرَّهن مُعلَّقاً على شرط؛ كأن يقول: أقرضني ألف دينار، وأُعطيك سيَّارتي رَهْناً إن رَضِيَ والدي. الثَّاني: أن يكون الرَّهْنُ مع ثبوت الدَّيْن؛ كأن يقول البائع: بعتُك هذا البُستان بألف دينار مؤجَّلةٍ إلى سَنَةٍ، وترهَنُني دارَك هذه؛ فيقول المشتري: اشتريتُ، ورهَنْتُ داري.

стр. 520

أو أن يكون الرَّهْن بَعدَ ثبوت الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ حيث جعل الرَّهْن بدلاً عن الكتابة؛ فيكون في محلِّها؛ وهو بعد وُجوب الحقِّ. ومثاله: أن يُقرض رجلٌ آخر مالاً، ثمُّ يطالبُه بقضاء دينه عند حلول أجله؛ فيقول المُقْتَرِضُ: ليس عندي ما أقضيكَ به دَيْنَك؛ فيقول المُقْرِضُ: إذاً ارْهَنِّي سَيَّارتَك؛ فيقول: المُقْتَرِضُ: رَهَنْتُك سَيَّارتي. - ولا يصحُّ الرَّهْن قبل ثبوت الدَّيْن؛ لأنَّ الرَّهْنَ تابعٌ له؛ فلا يصحُّ تقدُّمه عليه. الثَّالث: أنْ يكون الرَّاهن ممَّن يصحُّ بيعُه وتبرُّعُه؛ لأنَّ الرَّهن تصرُّفٌ في المال؛ فلا يصحُّ إلَّا من جائز التصرُّف؛ وهو البالغ، العاقل، الرَّشيد. الرَّابع: أنْ يكون الرَّاهن مالكاً للرَّهْن، أو مأذوناً له في رَهْنه؛ قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ الرَّجُلَ إذا استعارَ من الرَّجُل الشيءَ يرهنُه على دنانير معلومة، عند رَجُلٍ سُمِّيَ له، إلى وقتٍ معلوم، فرَهَنَ ذلك على ما أُذِنَ له فيه، أنَّ ذلك جائز». الخامس: أن يكون الرَّهْن معلوم الجِنْس، والصِّفة، والقَدْر؛ لأنَّه عقدٌ على مال؛ فيُشترَط العِلْم به، كما يُشترَط العِلْم بالمبيع، ولأنَّ المرتَهِن مأمور بردِّه بعد الوفاء بالدَّيْن؛ فإذا جُهِلَ ما يَتميَّز به عن غيره، تعذَّر رَدُّه، وأفضى إلى النِّزاع. سادساً: ما ينعقدُ به الرَّهْن: لا ينعقد الرَّهن إلَّا بإيجاب وقبول، أو ما يدلُّ عليهما من الرَّاهن والمرتهن؛ كأن يقول الرَّاهن: رَهَنْتُك هذه السيارة بما لك عليَّ من هذا الدَّيْن، فيقول

стр. 521

المُرتَهِن: قَبِلْتُ. أو يقول الرَّاهنُ: خُذْ هذا المِقْدارَ من الذَّهب بما لك عليَّ من دَيْن؛ فيأخذه المُرتَهِن. سابعاً: ما يَصحُّ رَهْنُه وما لا يَصحُّ: يصحُّ رَهْن كلِّ عينٍ يصحُّ بيعها؛ كالدَّار، والسيَّارة، والسِّلاح، والإبل، والبقر، والآلات، والأواني، ونحو ذلك. وأمَّا ما لا يصحُّ بيعُه فلا يصحُّ رهنه؛ كالخمر، والكلب، والخنزير، والموقوف، والمجهول؛ لأنَّ القصد من الرَّهن استيفاء الدَّين من ثمنه عند تعذُّر الوفاء، فإذا كان الرَّهْن ممَّا لا يصحُّ بَيعُه؛ لم يتحقَّق المقصد منه. ويُستثنَى من ذلك: رَهْنُ الثمرة قبل بُدوِّ صَلاحها، والزرع قبل اشتداد حبِّه؛ فيصحُّ ذلك وإن كان لا يصحُّ بيعه؛ لأنَّ الرَّهن توثقةُ دينٍ، وليس بَيْعاً، وتقديرُ تَلَفِها لا يُفوِّت حقَّ المرتَهِن؛ لتعلُّق الدَّيْن بذمَّة الرَّاهن. فإذا حلَّ الأجلُ، وكان قد بدا صلاحُ الثمرة، واشتدَّ الحبُّ، أمكن البيع، وإلَّا انتظر حتَّى يبدو صلاحُ الثمرة، ويشتدَّ الحبُّ؛ فلا يضيع حقُّ المرتَهِن. وممَّا لا يصحُّ رهنه أيضاً: - رَهْنُ المصحف؛ لأنَّه وسيلة إلى بيعه، وهو محرَّم. - رَهْنُ مالِ اليتيم لفاسقٍ؛ لما فيه من تعريض ماله للهلاك؛ إذ قد يجحدُه الفاسق، أو يضيِّعه.

стр. 522

فصل لزوم الرَّهن، ونماؤه، وصفته بيد المرتهن * لزومُ الرَّهن: لا يكون الرَّهن لازماً إلَّا إذا قبضه المرتَهِن من الرَّاهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فيكون الرَّهن لازماً في حقِّ الرَّاهن، جائزاً في حقِّ المرتَهِن؛ فالرَّاهن بعد قبض المرتَهِن للرهن ليس له الرجوع فيه، ولا فسخه، ولا يصحُّ تصرُّفه فيه بلا إذن المرتَهِن. * كسبُ الرَّهن ونَماؤهُ: كسْبُ الرَّهن، ونماؤه المتَّصل وغير المتَّصلِ يُعامَلُ معاملة الرَّهْن؛ فيكون رَهْناً، ويُباع معه لوفاء الدَّين؛ لأنَّه تبعٌ للرَّهْن، ولأنَّ النماء حُكْمٌ ثبت في العين بعقد المالك؛ فيدخل فيه النماءُ والمنافعُ. ومثال كسب الرَّهن: أن يرهن شخصٌ داراً، أو سيَّارة، ويأْذَنَ للمُرتَهِن أن يؤجِّرهما؛ فالأجرة تكون رَهْناً. ومثال نماء الرَّهن: أن يرهن شاةً؛ فتسمَن، أو تلد، أو يُجَزُّ صوفها، أو تُحْلَب، أو يَرْهَن بستاناً؛ فيُثْمِر شجرُه عند المُرتَهِن؛ فالنماء يكون رَهْناً أيضاً؛ كأصله. ويتبع الرَّهنَ أيضاً: أَرْشُ الجناية عليه؛ لأنَّ الأَرْش بَدَلُ جُزْئِه؛ فكان منه؛ كقيمته لو أُتْلِف. كما لو كان الرَّهنُ شاةً، فاعتدى عليها إنسان وكَسَرَ رِجْلَها، فنقصت قيمتها، فللرَّاهن صاحبِ الشاةِ أخذُ أَرْشِ النقص من المعتدي، فيكون

стр. 523

ذلك الأَرْشُ رهناً. * صِفَةُ الرَّهْنِ بِيَدِ المُرْتَهِنِ: الرَّهنُ أمانة بيد المُرتَهِن، أو من ينوب عنه؛ سواء كان بيده قبل عقد الرَّهن، أو بعدَ وفاء الدَّيْن، أو الإبراء منه، ولا يضمنه إلَّا إذا تَعَدَّى على الرَّهن، أو فَرَّط في حِفْظِه؛ لما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) [أخرجه الشافعي، والدارقطني مرفوعاً، والصواب أنَّه مرسل]، ولأنَّه لو ضَمِنَ لامتنع الناس عن الرَّهن خوفاً من ذلك؛ فتتعطَّل المداينات، وهذا فيه ضررٌ عظيمٌ. ويُقبَل قولُ المُرتَهِن مع يمينه في عدم التعدِّي، أو عدم التفريط في تلف الرَّهن. وإذا ادَّعى المُرتَهِن تلف الرَّهن بحادثٍ ظاهر؛ كحريق، ونَهْب؛ فيُقبَل قوله ببيِّنة تشهد وقوع الحادث، ثمَّ يُقبل قوله بيمينه في تلف الرَّهن فيه بدون بَيِّنة. أمَّا إذا لم تقم بيِّنة بما ادَّعاه من السبب الظاهر، لم يُقبَل قوله؛ لأنَّ الأصل عدمُه، ولا تتعذَّر إقامة البيِّنة عليه. - وإذا ادَّعى تلفه بسبب خفيٍّ؛ كالسَّرقة، أو لم يُعيِّن سبباً لتلفه؛ قُبِل قوله مع يمينه؛ لأنَّه أمين. - وإذا تلف بعض الرَّهن، وبقي بعضه؛ فالباقي منه يكون رَهْناً بجميع الحقِّ الذي له على الرَّاهن؛ لأنَّ الحقَّ كلَّه متعلِّق بجميع أجزاء الرَّهن. - لا ينفكُّ شيء من أجزاء الرَّهن، حتى يقضي الرَّاهن الدَّيْن كُلَّه؛ إجماعاً، ولأنَّ الرَّهن وثيقة بالدَّين كلِّه؛ فكان متعلِّقاً بجميع أجزائه.

стр. 524

- إذا حلَّ أجلُ الدَّين، وكان الرَّاهن قد شرط للمرتَهِن أنَّه إن لم يأته بحقِّه عند حلول الأجل؛ فالرَّهن له؛ لم يصحَّ الشرْط؛ لحديث: (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ)؛ أي: لا يستحقُّه المرتَهِن إذا لم يتمكَّن صاحبُه من فكِّه. ويلزم الرَّاهن الوفاء بالحقِّ الذي عليه، أو يأذن للمُرتَهِن في بيع الرَّهْن، أو يبيعه هو بنفسه؛ ليوفِّي المرتَهِن حقَّه. وليس للمرتَهِن بيعُ الرَّهن بغير إذن الرَّاهن، أو القاضي. فإذا امتنع الرَّاهن عن بيع الرَّهن، ووفاء الدَّيْن؛ حَبَسَه القاضي، أو عَزَّره حتى يُوفِّي دَيْن المُرتَهِن، أو يبيعَ الرَّهن لتوفيته الدَّيْنِ الذي له في ذِمَّته. فإن أصرَّ الرَّاهنُ على الامتناع؛ باع القاضي الرَّهْن بنفسه أو أمينه؛ لأنَّه تعيَّن طريقاً لأداء الواجب الذي عليه؛ فوجب فعله، ووفاء دَيْنه.

стр. 525

فصل انتفاعُ المُرتَهِن بالرَّهن لا يصحُّ الانتفاع بالرَّهْن إلَّا في صورتين: الأُولَى: أن يكون الرَّهن مركوباً؛ كالفرس، والبعير، والسيَّارة، ونحو ذلك. الثَّانية: أن يكون الرَّهن محلوباً؛ كالناقة، والبقرة، والشاة. فإذا كان الرَّهن مركوباً أو محلوباً؛ فإنَّ للمُرتَهِن ركوب المركوب، وحَلْب المحلوب من غير أن يُلْحِق بالرَّهن ضرراً؛ لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ) [أخرجه البخاري]. وعنه -أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى المُرْتَهِنِ عَلَفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُهُ نَفَقَتُهُ، وَيَرْكَب) [أخرجه أحمد]. - ويكون ركوب المرتَهِن للمركوب، وحلب المحلوب بقدر نفقته عليه؛ فلو رَهن بعيراً، وأراد المُرتَهِن استئجاره للركوب مدَّة أسبوع؛ وكانت أُجرة ركوبه لسبعة أيام خمسين ديناراً، وكان المُرتَهِن قد أنفق على البعير خمسين ديناراً؛ فحينئذ له أن يركب البعير بقدر الخمسين ديناراً، لا أكثر. وإن كانت أُجرتُه أكثرَ من النفقة؛ فحينئذ يدفع المُرتَهِن ما زاد على النفقة للرَّاهن، وإن كانت أُجْرتُه أقلَّ من النفقة؛ فيَرجع المُرتَهِن على الرَّاهن بالزيادة. ولا يحتاج المُرْتَهِن في ذلك إلى إذْنِ الرَّاهن، ولو كان حاضراً؛ لأنَّه مأذونٌ له فيه من الشرع.

стр. 526

- أمَّا إذا كان الرَّهن غير مركوبٍ، ولا محلوبٍ؛ كالثَّور، والبيت، والكتاب، والقلم؛ لم يجزْ للمُرتَهِن أن ينتفع به إلّا بإذن الراهن؛ لأنَّ الإنسان ليس له أن ينتفع بملك غيره إلَّا بإذنه؛ ولمَّا كان الرَّهن مِلْكاً للرَّاهن؛ لم يكن للمُرتَهِن أن ينتفع به إلَّا بإذن الرَّاهن. وخرج المركوب والمحلوب؛ لدلالة النصِّ. - وللمُرتَهِن الانتفاع بالرَّهن بغير عِوضٍ إذا أذِنَ له الرَّاهن، إلَّا إذا كان الدَّين قرضاً؛ فيَحْرُم؛ لأنَّه يكون من باب القرض الذي جرَّ نفعاً. ويكون الرَّهن في يد المُرْتهن مضموناً عليه إذا انتفع به؛ لأنَّه صار عاريَّةً. * نَفَقَةُ الرَّهْنِ: كلُّ ما يحتاجه الرَّهن من نفقة، ومؤنةٍ، وأجرة؛ فإنَّها تكون على مالكه؛ لما رُوي عن النبيِّ ﷺ قال: (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ). وإذا تعذَّر إنفاق الرَّاهن عليه؛ لعُسْرته، أو غَيبَتِه، ونحو ذلك؛ بِيعَ من الرَّهنِ بقدر حاجته إلى النفقة، أو بِيعَ كلُّه إن خيف أن تستغرق النفقة ثمنه؛ لما فيه من مصلحة الرَّاهن والمرتَهِن. - وإذا أنفق المُرتَهِن على الرَّهن بلا إذن من الرَّاهن، مع قدرته على استئذانه، وهو ينوي الرجوع عليه؛ فإنَّه يكون متبرِّعاً بالنفقة؛ لأنَّه مُفرِّط بعدم الاستئذان؛ إذِ الرجوعُ فيه معنى المعاوضة؛ فافتقر إلى الإذن والرِّضا. أمَّا إذا أنفق على الرَّهن بنيَّة الرجوع، مع إذن الراهن؛ كان له أن يرجع عليه؛ لأنَّه نائب عنه؛ فأشبه الوكيل. وإن تعذَّر استئذانه، وأنفق المُرتَهِن على الرَّهن بنِيَّة الرجوع على الرَّاهن؛ فله

стр. 527

الرجوع عليه بما أنفق، أو بنفقةِ مثلِه؛ أيُّهما أقلُّ، ولا يحتاج إلى إذن القاضي؛ لأنَّه بذلك محتاج إلى حراسة حقِّه.

стр. 528

فصل الاختلافُ في ردِّ الرَّهن إذا اختلف الرَّاهن والمرتَهِن في ردِّ العين المرهونة؛ فادَّعى المرتَهِن ردَّ العين، وأنكر الرَّاهن ذلك؛ فالقول قول الرَّاهن؛ لأنَّ الأصل عَدَمُ الرَّدِّ، ولأنَّ المُرتَهِن قبض الرَّهن لحظِّ نفسه ومنفعتِها؛ فلم يُقبَل قولُه في الردِّ؛ كالمستعير، والمستأجر، والمقترض، وغيرهم.

стр. 529

باب الضَّمان أوَّلاً: تعريفُ الضَّمان: الضَّمانُ لغةً: الالتزام؛ مأخوذ من الضِّمْن؛ أي: تكونُ ذِمَّةُ الضامِنِ في ضِمْنِ ذِمَّةِ المضمون. وشرعاً: هو التزامُ شخصٍ جائزِ التَّصرف ما وَجَبَ أو يجِبُ على غيرِه، من حقِّ ماليٍّ. ومثال التزام ما وجب: أن يكون شخص مديناً لآخر بِدَيْنٍ؛ فيقول له الدائن: أعطني دَيْنِي وإلَّا رفعتُ أَمْرَكَ إلى القاضي، فيتبرَّع رجلٌ من أهل الخير قائلاً: أنا أضمن دَيْنه. ومثال التزام ما يجب: أن يأتي رجلٌ إلى صاحب دكَّان؛ يريد أن يشتري بضاعة منه، وليس معه نقود، فيضمن رجلٌ آخر دَيْنَهُ؛ قائلاً: ما استدانَهُ هذا الرَّجل من هذا المحلِّ فضمانُه عليَّ. ثانياً: حُكْمُ الضَّمان: الضَّمان جائز بالكتاب، والسنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قال ابن عبَّاس ﵄: الزعيم: الكفيل. - ومن السُّنَّة: حديث أبي أُمامة الباهليِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه]؛ أي: ضامن.

стр. 530

- وأجمع العلماءُ على جواز الضَّمان في الجملة. ثالثاً: حِكْمةُ مشروعيّة الضَّمان: الضَّمان من محاسن الشَّريعة؛ إذ فيه تقوية أواصر المحبَّة والإخاء، كما أنَّ فيه تبادل المصالح، وتيسير أمور الناس ومصالحهم. رابعاً: أركانُ الضَّمان: أركانُ الضَّمان خمسةٌ: الأوَّل: ضامِنٌ: وهو الذي تبرَّع بالتزام الدَّين في ذمَّته، ويشترط فيه: أ - أن يكون جائز التصرف؛ بأن يكون بالغاً، عاقلاً، رشيداً؛ فلا يصحُّ من صغيرٍ -سواء كان مميِّزاً أو غير مميِّز-، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ؛ لأنَّه إيجاب مال بعقدٍ، فلم يصحَّ إلَّا من جائز التَّصرف. ويُستثنَى من ذلك المحجور عليه لفَلَس؛ فإنَّه يصحُّ ضمانه؛ لأنَّه تصرُّفٌ متعلِّق بذمَّته وهو أهلٌ له فيصحّ. ب- أن يكون مختاراً؛ لأنَّ الضمان تبرُّع بالتزام الحقِّ، فلا يصحُّ بغير رضا الملتزم. فإنْ أُكره عليه لم يصحَّ. - ولا يُشترَط معرفة الضامن للمضمون عنه، ولا المضمون له؛ لأنَّه لا يُعتبَرُ رِضاهُما -كما سيأتي-؛ فكذا معرفتهما. الثَّاني: مَضْمونٌ لَهُ: وهو الدائن، أو مَنْ له الحقُّ. ولا يعتبر رضاه؛ لحديث سَلَمَة بن الأَكْوَع ﵁ قال: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا:
следующие страницы →