← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

- أمَّا إذا كان الرَّهن غير مركوبٍ، ولا محلوبٍ؛ كالثَّور، والبيت، والكتاب، والقلم؛ لم يجزْ للمُرتَهِن أن ينتفع به إلّا بإذن الراهن؛ لأنَّ الإنسان ليس له أن ينتفع بملك غيره إلَّا بإذنه؛ ولمَّا كان الرَّهن مِلْكاً للرَّاهن؛ لم يكن للمُرتَهِن أن ينتفع به إلَّا بإذن الرَّاهن. وخرج المركوب والمحلوب؛ لدلالة النصِّ. - وللمُرتَهِن الانتفاع بالرَّهن بغير عِوضٍ إذا أذِنَ له الرَّاهن، إلَّا إذا كان الدَّين قرضاً؛ فيَحْرُم؛ لأنَّه يكون من باب القرض الذي جرَّ نفعاً. ويكون الرَّهن في يد المُرْتهن مضموناً عليه إذا انتفع به؛ لأنَّه صار عاريَّةً. * نَفَقَةُ الرَّهْنِ: كلُّ ما يحتاجه الرَّهن من نفقة، ومؤنةٍ، وأجرة؛ فإنَّها تكون على مالكه؛ لما رُوي عن النبيِّ ﷺ قال: (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ). وإذا تعذَّر إنفاق الرَّاهن عليه؛ لعُسْرته، أو غَيبَتِه، ونحو ذلك؛ بِيعَ من الرَّهنِ بقدر حاجته إلى النفقة، أو بِيعَ كلُّه إن خيف أن تستغرق النفقة ثمنه؛ لما فيه من مصلحة الرَّاهن والمرتَهِن. - وإذا أنفق المُرتَهِن على الرَّهن بلا إذن من الرَّاهن، مع قدرته على استئذانه، وهو ينوي الرجوع عليه؛ فإنَّه يكون متبرِّعاً بالنفقة؛ لأنَّه مُفرِّط بعدم الاستئذان؛ إذِ الرجوعُ فيه معنى المعاوضة؛ فافتقر إلى الإذن والرِّضا. أمَّا إذا أنفق على الرَّهن بنيَّة الرجوع، مع إذن الراهن؛ كان له أن يرجع عليه؛ لأنَّه نائب عنه؛ فأشبه الوكيل. وإن تعذَّر استئذانه، وأنفق المُرتَهِن على الرَّهن بنِيَّة الرجوع على الرَّاهن؛ فله

стр. 527

الرجوع عليه بما أنفق، أو بنفقةِ مثلِه؛ أيُّهما أقلُّ، ولا يحتاج إلى إذن القاضي؛ لأنَّه بذلك محتاج إلى حراسة حقِّه.

стр. 528

فصل الاختلافُ في ردِّ الرَّهن إذا اختلف الرَّاهن والمرتَهِن في ردِّ العين المرهونة؛ فادَّعى المرتَهِن ردَّ العين، وأنكر الرَّاهن ذلك؛ فالقول قول الرَّاهن؛ لأنَّ الأصل عَدَمُ الرَّدِّ، ولأنَّ المُرتَهِن قبض الرَّهن لحظِّ نفسه ومنفعتِها؛ فلم يُقبَل قولُه في الردِّ؛ كالمستعير، والمستأجر، والمقترض، وغيرهم.

стр. 529

باب الضَّمان أوَّلاً: تعريفُ الضَّمان: الضَّمانُ لغةً: الالتزام؛ مأخوذ من الضِّمْن؛ أي: تكونُ ذِمَّةُ الضامِنِ في ضِمْنِ ذِمَّةِ المضمون. وشرعاً: هو التزامُ شخصٍ جائزِ التَّصرف ما وَجَبَ أو يجِبُ على غيرِه، من حقِّ ماليٍّ. ومثال التزام ما وجب: أن يكون شخص مديناً لآخر بِدَيْنٍ؛ فيقول له الدائن: أعطني دَيْنِي وإلَّا رفعتُ أَمْرَكَ إلى القاضي، فيتبرَّع رجلٌ من أهل الخير قائلاً: أنا أضمن دَيْنه. ومثال التزام ما يجب: أن يأتي رجلٌ إلى صاحب دكَّان؛ يريد أن يشتري بضاعة منه، وليس معه نقود، فيضمن رجلٌ آخر دَيْنَهُ؛ قائلاً: ما استدانَهُ هذا الرَّجل من هذا المحلِّ فضمانُه عليَّ. ثانياً: حُكْمُ الضَّمان: الضَّمان جائز بالكتاب، والسنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قال ابن عبَّاس ﵄: الزعيم: الكفيل. - ومن السُّنَّة: حديث أبي أُمامة الباهليِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه]؛ أي: ضامن.

стр. 530

- وأجمع العلماءُ على جواز الضَّمان في الجملة. ثالثاً: حِكْمةُ مشروعيّة الضَّمان: الضَّمان من محاسن الشَّريعة؛ إذ فيه تقوية أواصر المحبَّة والإخاء، كما أنَّ فيه تبادل المصالح، وتيسير أمور الناس ومصالحهم. رابعاً: أركانُ الضَّمان: أركانُ الضَّمان خمسةٌ: الأوَّل: ضامِنٌ: وهو الذي تبرَّع بالتزام الدَّين في ذمَّته، ويشترط فيه: أ - أن يكون جائز التصرف؛ بأن يكون بالغاً، عاقلاً، رشيداً؛ فلا يصحُّ من صغيرٍ -سواء كان مميِّزاً أو غير مميِّز-، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ؛ لأنَّه إيجاب مال بعقدٍ، فلم يصحَّ إلَّا من جائز التَّصرف. ويُستثنَى من ذلك المحجور عليه لفَلَس؛ فإنَّه يصحُّ ضمانه؛ لأنَّه تصرُّفٌ متعلِّق بذمَّته وهو أهلٌ له فيصحّ. ب- أن يكون مختاراً؛ لأنَّ الضمان تبرُّع بالتزام الحقِّ، فلا يصحُّ بغير رضا الملتزم. فإنْ أُكره عليه لم يصحَّ. - ولا يُشترَط معرفة الضامن للمضمون عنه، ولا المضمون له؛ لأنَّه لا يُعتبَرُ رِضاهُما -كما سيأتي-؛ فكذا معرفتهما. الثَّاني: مَضْمونٌ لَهُ: وهو الدائن، أو مَنْ له الحقُّ. ولا يعتبر رضاه؛ لحديث سَلَمَة بن الأَكْوَع ﵁ قال: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا:

стр. 531

صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ؛ فَصَلَّى عَلَيْهِ) [رواه البخاري]؛ فقد ضمن أبو قتادة ﵁ من غير رِضَا المضمون له، ولا المضمون عنه، وأجازه النبيُّ ﷺ . الثَّالث: مضمونٌ عَنْهُ: وهو المَدِين. ولا يعتبر رضاه؛ للحديث السابق، ولأنَّه لو قُضِيَ الدَّين عنه بغير إذنه ورضاه صحَّ، فكذلك إذا ضمن عنه. الرَّابع: مضمون: وهو الدَّيْن، ويشترط فيه: أن يكون واجباً، أو مآلُه إلى الوجوب؛ فإن لم يكن كذلك؛ كضمان الأمانات -كما سيأتي-؛ فإنَّه لا يصحُّ. الخامس: الصيغة: وهي اللفظ الذي يحصل به الضَّمان؛ كأنا ضمين، أو كفيل، أو زعيم، أو ضمنتُ دَيْنك، أو تحمَّلتُه، أو ضمنتُ إيصاله، أو هو عليَّ، أو تكفَّلت به، ونحو ذلك ممَّا يؤدِّي معنى التزامه ما عليه. أمَّا إنْ قال: أنا أؤدِّي ما عليه، أو: أنا أُحضر ما عليه؛ لم يصر ضامناً بذلك؛ لأنه وعد وليس بالتزام. - ويصحُّ الضَّمان بصيغة التَّنجيز؛ كأن يقول: أنا ضامن له الآن، وبصيغة التعليق؛ كأن يقول له: إنْ أعطيتَهُ كذا فأنا ضامنٌ لك ما عليه. وبصيغة التوقيت؛ كأنْ يقول له: إذا جاء رأس الشهر فأنا ضامن لك. - ويصحُّ ضمان الأخرس إذا كان بإشارة مفهومة؛ لأنَّها كاللفظ في الدلالة على مراده. فإنْ لم تكن بإشارة مفهومة فلا يصحُّ ضمانه. وكذا لا يصحُّ ضمانه بالكتابة إلَّا إذا كانت مع إشارة مفهومة؛ لأنَّه قد يكتب عبثاً، أو تجربة قلم.

стр. 532

خامساً: ما يصحُّ فيه الضَّمان، وما لا يصحُّ: - يصحُّ الضَّمان في كلِّ حقِّ من الحقوق الماليَّة الواجبة، أو التي تؤول إلى الوجوب؛ كضمان المهر قبل الدخول؛ لأنَّه يؤول إلى الوجوب بل وجب بالعقد، لكنَّه لا يستقرُّ إلَّا بالدخول، وكذا ضمانه بعد الدخول، لأنَّه صار حقًّا مستقرًّا، وكضمان أُجرة العين المؤجَّرة، وضمان ثمن المبيع في مدِّة الخيار، ونحو ذلك؛ لأنَّها تؤول جميعها إلى الوجوب واللزوم. - ويصحُّ ضمان المجهول إذا آل إلى العِلْم؛ كما لو قال له: أنا ضامن لك مالك على فلان، أو ما يُقضى به عليه، أو ما تقوم به البيِّنة، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وحِمْل البعير غير معلوم؛ لأنَّه يختلف باختلاف البعير؛ فقد يزيد وقد ينقص؛ لكنه يؤول إلى العلم. أمَّا إذا لم يؤل إلى العلم فإنَّه لا يصحُّ ضمانه؛ كضمان متلفاتٍ لشخصٍ لا يدري ما هي؛ فلو أتلف إنسان مُتلفاتٍ عظيمة، ولا يدري كم قيمتها؛ هل تساوي مليوناً، أو عشرة دنانير، ولا سبيل إلى معرفة ذلك، فهذا مجهول لا يمكن العلم به، فلا يصحُّ ضمانه؛ لأنَّ الضَّامن لا يَدري ماذا يؤدِّي. - ويصحُّ ضمان دين الميِّت وإن لم يترك شيئاً يُستوفى منه دَيْنه؛ لحديث سَلَمَة بن الأَكْوَع السابق؛ وفيه أنَّ أبا قتادة ﵁ ضمن دين ميِّت لم يترك وفاءً لدينه، وأقرَّه النبيُّ ﷺ ، ولأنَّه دَيْنٌ ثابتٌ فصحَّ ضمانُه كما لو ترك وفاءً له. ولا تبرأ ذمَّة الميِّت حتَّى يُقضَى عنه دَيْنُه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه].

стр. 533

- ويصحُّ ضمان دَيْن المُفْلِس؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : (الزَّعِيمُ غَارِمٌ)، وقياساً على ضمان دَيْن الميت. - ويصحُّ ضمان العاريَّة؛ كما لو استعار من شخص سيارة ليسافر بها إلى بلدٍ، فيقول صاحب السيارة: أريد ضامناً يضمن لي السيارة، فيصحُّ ذلك؛ لأنَّ العاريَّة مضمونة على المستعير فرَّط أم لم يفرِّط. وكذا يصحُّ ضمان المغصوب؛ كما لو غصب منه ساعته وهرب، ثمَّ أمسكه وأراد تسليمه للشرطة لتقوم بسجنه، فتقدَّم رجل آخر، وقال: أنا أضمن لك هذه الساعة، فيصحُّ الضمان، ويخلِّيه حينئذٍ؛ لأنَّ المغصوب مضمون في يد غاصبه في جميع الأحوال، فلذا صحَّ ضمانه. والمقصود بضمان المغصوب أو العاريَّة هنا: ضمان ردِّها وإرجاعها إلى صاحبها، أو ضمان قيمتها في حال التلف. وهذا بخلاف ضمان الأمانات؛ كالوديعة، والعين المؤجَّرة، ومال الشركة، والعَيْن التي يدفعها إلى الخياط أو القصَّار ونحو ذلك؛ فإنَّه لا يصحُّ ضمانها؛ لأنَّها غير مضمونة على الآخذ وهو الأصل؛ لأنَّه مؤتمَن؛ لا يضمن إلَّا بالتعدِّي، فلا تُضمن على الفرع؛ وهو الضامن. أمَّا في حال التعدِّي فإنَّه يصحُّ ضمانها؛ كأن يقول له: أَضَعُ هذه الأمانةَ عندكَ بِشَرْط أنَّك متى تعدَّيت عليها أو فرَّطْتَ، فإنَّ الضمان عليك، ثمَّ يَطلُب ضَميناً على ذلك، فيصحُّ؛ لأنَّها حينئذٍ تكون مضمونةً عليه أصلاً، فيجوز الضمانُ عليها فَرْعاً. - ويَصِحُّ ضَمانُ عُهدَةِ الثَّمن والمُثمَن في البيع: وذلك بأن يضمن الضامنُ

стр. 534

الثَّمن عن المشتري للبائع، وأن يضمن الضامنُ الثَّمن عن البائع للمشتري؛ فمثال الأوَّل: أن يقول للبائع: أعط فلاناً هذه السلعة التي تبايعتما عليها، وإنْ لم يُسلِّمك الثَّمن فهو في ضماني. ومثال الثَّاني: أن يقول للمشتري: أعطى البائع الثمن؛ فإن ثبت أنَّ السلعة ليست له، وأنَّه مغتصب لها، أو أنها مَعيبة فالضَّمان عليَّ. فيصحُّ ذلك؛ لأنَّ الحاجة داعية إليه؛ إذْ فيه راحة واطمئنان لكلا الطرفين، وفيه تيسير لمعاملات الناس، وإلَّا لتوقَّفت المعاملة مع مَنْ لم يُعرف. - ويصحُّ ضمانُ المقبوض على وَجْهِ السَّوْمِ: وذلك كأنْ يذهب إلى السُّوق مثلاً ويَسُوم سِلْعة، ثم يقول للبائع: دعني حتَّى أستشير فيها، وأُريها بعض الناس ويأخذها. فهذا هو المقبوض بسَوْمٍ؛ فيصحُّ الضمان فيه؛ بأن يقول البائع له: لن أُقبِضَك إيَّاه حتَّى تأتي بضمين يضمنك حتى ترجعه إليَّ؛ وذلك لأنَّ يد القابض هنا ضامنة في حال التلف، سواءً تعدَّى أم لم يتعدَّى؛ لأنَّه مقبوض على وجه البدل والعِوَض، وما كان كذلك يصحُّ الضمان فيه. أمَّا إنْ قبضه من غير سَوْم فلا يصحُّ الضمان فيه؛ لأنَّه حينئذٍ يكون من باب الأمانات، ويد الأمين غير ضامنة إلَّا بالتعدِّي كما مرَّ آنفاً. سادساً: لزومُ الضَّمان: - إذا صحَّ الضَّمان صار لازماً، وكان لربِّ الحقِّ مطالبة الضَّامن والمضمون عنه معاً، أو أيِّهما شاء منهما، في حال الحياة أو الموت؛ بالمطالبة من التركة؛ وذلك لثبوت الحقِّ في ذمَّتهما.

стр. 535

-ولو ضمن شخصٌ دَيْناً حالًّا إلى أجل معلوم صحَّ الضَّمان، وكان حالًّا على المضمون عنه، مؤجَّلًا على الضَّامن، وليس لصاحب الحقِّ مطالبته قبل الأجل؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ رَجُلاً لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيءُ أُعْطِيكَهُ. فَقَالَ: لَا وَاللّاهِ، لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فَجَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : كَمْ تَسْتَنْظِرُهُ؟ فَقَالَ: شَهْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ. فَجَاءَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ. قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا. وَقَضَاهَا عَنْهُ) [رواه أبو داود، وابن ماجه؛ واللفظ له]. سابعاً: قضاءُ الدَّين والرجوع على المضمون عنه: - إذا قضى الضَّامن ما على المضمون عنه -المدين- ونوى الرجوع عليه؛ فإنَّ له الرجوع واستيفاء ما قضاه عنه؛ سواء كان الضَّمان بإذن المضمون عنه أو بغير إذنه؛ لأنَّه قضاءٌ عن دين واجب. أمَّا إذا لم يكن قد نوى الرجوع عليه، فليس له حينئذٍ الرجوع عليه بما قضاه عنه؛ سواء ضمن بإذنه أو بغير إذنه؛ لأنَّه متطوِّع بذلك، فأشبه الصَّدقة. - وكذا الحكم في حقِّ كلِّ مَنْ أدَّى عن غيره ديناً واجباً لا يفتقر إلى نيَّة؛ كمن أنفق على زوجة غيره ونوى الرجوع؛ فإنَّ له ذلك، وإلَّا فلا. أمَّا إنْ كان يفتقر إلى نيَّة؛ كالزكاة ونحوها، فليس له الرجوع على المؤدَّى عنه حتَّى وإنْ نواه، لأنَّه لا يجزئ عن المؤدَّى عنه إلَّا بالنيَّة. - وإن برئ المضمون عنه بأداء ما عليه، أو بإبراء الدائن له، ونحو ذلك، فإنَّه

стр. 536

يبرأُ ضامنه؛ لأنَّه تبعٌ له، والضَّمان وثيقة، فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة كالرهن. بخلاف ما لو برئ الضَّامن؛ كأن أبرأه صاحب الحقِّ، فلا يبرأُ المضمون عنه؛ لأنه أصلٌ؛ فلا يبرأ بإبراء التَّبع، ولأنَّه وثيقة انحلَّت من غير استيفاء الدَّين منها، فلم تبرأ ذمَّة الأصيل؛ كالرَّهن إذا انفسخ من غير استيفائه. - ويجوز أن يضمن الحقَّ عن الرجل الواحد اثنان أو أكثر؛ فلو ضَمِنَهُ اثنان، وقال كلُّ واحد منهما: ضَمِنْتُ لك الدَّين، كان لصاحب الحقِّ مطالبة كلِّ واحد منهما بالدَّين كلِّه؛ لثبوته في ذمَّة المدين أصالة، وفي ذمَّة الضامنين تبعاً. ويبرؤون بأداء أحدهم، أو بإبراء المضمون عنه. أمَّا إن قالا: ضَمِنَّا لك الدَّيْن؛ فيكون بينهما مناصفةً؛ لأنَّ مقتضى الشَّركة التَّسوية.

стр. 537

باب الكفالة أوَّلاً: تعريفُ الكَفالَةِ: الكَفالةُ لغةً: الالتزام والضَّمان. وشرعاً: هي التزامُ شخصٍ جائزٍ التصرُّف إحضارَ بَدَنِ مَنْ عليه حقٌّ ماليٌّ إلى صاحبِ الحقِّ. ومثالها: رجلٌ في ذمَّته لشخص ألف دينار، فطالبه صاحب الحقِّ، وأمسك به، وقال: أَوْفِنِي، وإلَّا رفعتُ أمركَ للقضاء، والمَدينُ ليس معه ما يوفيه دَيْنَهُ الآن، فتقدَّم رجلٌّ مُحسِنٌ، وقال: أنا أكفل الرَّجل؛ يعني إحضاره، فهذا يصحُّ. والفرق بينها وبين الضَّمان؛ أنَّ الضَّمان: التزامٌ بإحضار الدَّين. أمَّا الكفالة: فالتزام بإحضار بَدَنِ المَدينِ، أو مَنْ عليه الحقِّ. ثانياً: حُكْمُ الكَفالَةِ: الكفالةُ جائزةٌ بدلالة الكتاب والسنَّة. - فمن الكتاب: قول الله : ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]. - أمَّا من السنَّة: فما روى أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : (أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ؛ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلاً … ) [أخرجه البخاري].

стр. 538

- ولعموم حديث أبي أُمامة الباهليِّ، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه]. ثالثاً: حِكْمَةُ مشروعيَّة الكَفالَةِ: شُرِعَت الكفالة تيسيراً على النَّاس في إنجاز مصالحهم ومعاملاتهم؛ لأنَّ الحاجة داعية إلى الاستيثاق؛ بضمانِ المال والبدن، وضمانُ المال يمتنع منه كثير من الناس، فلو لم تَجُزِ الكفالة بالنَّفْس لأدَّى ذلك إلى الحَرَج، وتعطُّل المعاملات التي يحتاجها الناس. رابعاً: أركانُ الكَفالَةِ: أركانُ الكَفالَةِ أربعة: الأوَّل: الكفيلُ: وهو الذي التزم إحضار بَدَنَ المَدين أو مَنْ عليه الحقُّ. ويشترط فيه: - أن يكون بالغاً، عاقلاً، رشيداً؛ فلا تصحُّ من الصبيِّ، ولا المجنون، ولا السفيه. أمَّا المحجور عليه لفَلَسٍ فتصحُّ منه الكفالة؛ لما سبق في باب الضمان من أنَّه تصرُّفٌ متعلِّق بذمَّته، وهو أهلٌ له؛ فيصحّ. - أن يكون ذلك برضاه؛ لأنَّه متبرِّع ابتداءً بالتزام إحضار المكفول، فلا يلزمه ذلك إلَّا برضاه، وإلَّا لم تصح الكفالة. الثَّاني: المكفولُ، أو المكفولُ به، أو المكفولُ عنه: وهو المدين أو مَنْ عليه الحقُّ. ولا يشترط رضاه؛ لحديث سَلَمَة بن الأَكْوَع ﵁ قال: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ

стр. 539

عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) [رواه البخاري]؛ فقد ضَمِنَ أبو قتادةَ ﵁ من غير رضا المضمون له ولا المضمون عنه، وأجازه النبيُّ ﷺ ؛ فكذلك الكفالة؛ إذ هي نوع من الضَّمان. الثَّالث: المكفولُ له: وهو الدائن أو صاحب الحقِّ. ولا يشترط رضاه أيضاً؛ للحديث السابق، ولأنَّها وثيقة له لا قبض فيها؛ فأشبهت الشهادة. كما أنَّها التزام حقِّ له من غير عِوَض، فلم يفتقر ذلك إلى رضاه. الرَّابع: الصِّيغةُ: وهي اللفظ الذي تنعقد به الكفالة. وهي تنعقد بما ينعقد به الضَّمان من الألفاظ؛ إذ هي نوع منه؛ كأنا كفيل بفلان، أو ببدنه، أو بنفسه، أو ضمين، أو زعيم، أو تكفَّلت بإحضاره، أو ضمنت إحضار بدنه، أو عليَّ إحضاره، ونحو ذلك من الألفاظ. - وتصحُّ الكفالة بصيغة التَّنجيز؛ كأن يقول: أنا كفيل به الآن. وبصيغة التِّعليق؛ كأن يقول له: إنْ أعطيتَهُ كذا فأنا كافل لك بدنه. وبصيغة التَّوقيت؛ كأنْ يقول له: إذا جاء رأس الشهر فأنا كفيل به. خامساً: ما تصحُّ فيه الكَفالَةُ، وما لا تصحُّ: - تصحُّ الكفالة ببَدَنِ مَنْ عليه دَيْن؛ سواء كان دَيْنُه معلوماً أو مجهولاً لكنَّه يؤول إلى العلم؛ كما تقدَّم في الضَّمان. - وتصحُّ الكفالة ببَدَنِ مَنْ عنده عينٌ مضمونة؛ كالعاريَّة والغصب ونحوهما؛ فلو قال له: لا أُعيرك هذه العَيْن حتَّى تأتي بكفيل صحَّت الكفالة؛ فكلُّ عينٍ

стр. 540

تُضمن تصحُّ فيها الكفالة. - وتصحُّ الكفالة ببَدَنِ المحبوس والغائب؛ لأنَّ كلَّ وثيقة صحَّت مع الحضور، صحَّت أيضاً مع الغيبة والحبس؛ لأنَّ الحبس لا يمنع من التَّسليم؛ إذِ المحبوسُ يمكن تسليمه بأمر الحاكم، أو بأمر من حبسه، ثمَّ يُعاد إلى الحبس بالحقَّين جميعاً. وأمَّا الغائب فيمضي إليه الكفيل لإحضاره إن كان يعلم خبره، فإن لم يعلم خبره لزمه ما عليه. - ولا تصحُّ الكفالة ببَدَنِ من عليه حَدٌّ؛ سواء كان حقًّا لله تعالى؛ كحدِّ الزنا والسَّرقة، أو حقٌّ لآدميٍّ؛ كحدِّ القذف والقصاص؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ) [رواه البيهقي، وابن عَدي؛ بإسناد ضعيف]. ولأنَّ مبنى الحدود على الإسقاط والدرء بالشبهة؛ فلا يدخله الاستيثاق، كما أنَّه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل إذا تعذَّر عليه إحضار المكفول به؛ فمثلاً: رجل سارقٌ، أمسكته الجهات المسؤولة لتُقيم عليه حدَّ السَّرقة، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأخبرهم بأنِّي مستحقٌّ لقطع اليد، فقالت الجهات المسؤولة: لا نتركك، لا بدَّ من القطع الآن، فقال السارق: هناك مَنْ يكفلني إلى أن أرجع، فتقدَّم رجل وقال: أنا أكفله. فهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لو تعذَّر الاستيفاء من السَّارق، لم يمكن الاستيفاء من الكفيل، فأيُّ فائدة في الكفالة حينئذٍ؟! - ولا تصحُّ الكفالة بزوجةٍ لزوجِها، في حقِّ الزوجيَّة له عليها، ولا بشاهد ليشهد له؛ لأنَّ الذي عليهما أداؤه من الحقِّ ليس بماليٍّ، ولا يمكن استيفاؤه من الكفيل. - ولا تصحُّ كفالة الابنِ لأبيه؛ لأنَّها تتطلَّب إحضار المكفول إلى مجلس القضاء،

стр. 541

والولد لا يملك ذلك على أبيه، ولا يملك رفع الدعوى عليه، إلَّا في النفقة الواجبة. - ولا تصحُّ الكفالة في الأمانات؛ كالوديعة، ومال الشركة، وأُجرة العين المؤجَّرة، ونحو ذلك؛ لأنَّها غير مضمونة على مَنْ هي بيده؛ لأنَّه أمين. إلَّا في حال التَّعدِّي والتَّفريط، فتصحُّ حينئذٍ؛ كما تقدَّم في باب الضَّمان. - ولا تصحُّ الكفالة بشخصٍ مجهولٍ؛ لأنَّه غير معلومٍ في الحال ولا في المآل؛ فلا يمكن تسليمه. - ولا تصحُّ الكفالة إلى أجل مجهول؛ كما لو قال: ضمنته أو كفلته إلى مجيء المطر أو هبوب الرياح؛ لأنَّه ليس له وقت يستحقّ مطالبته فيه. سادساً: متى يَبْرأُ الكَفيلُ؟ يبرأ الكفيل في الحالات التالية: ١) إذا سلَّم الكفيلُ المكفولَ به (المَدين) للمكفولِ له (الدائن) بمحلِّ العقد، وقد حَلَّ أَجَلُ الكفالة بَرِئَ الكفيلُ؛ لأنَّ الكفالة عقدٌ على عَمَلٍ؛ فإذا سلَّمه فقد أدَّى ما عليه. أمَّا إنْ سلَّمه في غير محلِّ العقد أو في غير موضع شَرْط المكفول له؛ لم يبرأ؛ لأنَّ ربَّ الحقِّ قد لا يقدر على إثبات حُجَّته فيه؛ لغياب الشُّهود -مثلاً-، ونحو ذلك. ٢) إذا سلَّم الكفيلُ المكفولَ به للمكفول له قبل حلول الأجل، ولا يترتَّب على ذلك ضررٌ على المكفول له، برئ الكفيل أيضاً؛ لأنَّه قد زاده خيراً بتعجيل حقِّه. أمَّا إنْ ترتَّب على تسليمه قبل حلول الأجل ضررٌ للمكفول له؛ كغياب وثائقه

стр. 542

أو شهوده -مثلاً-، أو لم يكن يوم مجلس الحكم، ونحو ذلك، لم يبرأ الكفيل. ٣) إذا سلَّم المكفول به (المدين) نفسه لربِّ الحقِّ؛ لأنَّ الأصيل (المكفول به) أدَّى ما عليه. ٤) إذا مات المكفول به؛ لأنَّه سقط إحضاره بموته. ٥) إذا تلفت العين المضمونة -التي تكفَّل ببَدَنِ من هي عنده- بفعل الله تعالى قبل طلب إحضاره؛ لأنَّه بمنزلة موت المكفول به. ٦) إذا أحضر الكفيل المكفول به، فامتنع الكفول له من تسلُّمه بلا ضرر، ولو لم يُشهد على امتناعه من تسلَّمه. - أمَّا إذا تعذَّر على الكفيل إحضار المكفول به مع كونه حيًّا؛ كأنْ توارى، أو غاب عن البلد ونحو ذلك، ومضى زمنٌ يمكن ردُّه فيه، أو امتنع الكفيل من إحضاره؛ ضمن الكفيل ما عليه؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : (الزَّعِيمُ غَارِمٌ)، إلَّا إذا شَرَطَ الكفيل لنفسه البراءة من المال عند تعذُّر إحضاره؛ لقول النبيِّ ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [رواه أبو داود]. ولأنَّه إنَّما التزم إحضاره على هذا الوجه فلا يلزمه غير ما التزمه. - ومن كفله اثنان، فسلَّمه أحدهما لم يبرأ الآخر؛ وذلك لأنَّ إحدى الوثيقتين انحلَّتْ من غير استيفاءٍ، فلم تنحلَّ الأخرى، كما لو أبرأ المكفول له أحدَهُما ولم يُبرئ الآخر. أمَّا إذا سلَّم المكفول به نفسه برئ الكفيلان؛ لأنَّه أدَّى ما يلزم الكَفيلَيْن لأَجْلِه، وهو إحضارُ نفْسِهِ؛ فبرئت ذمَّتهما.

стр. 543

بابُ الحَوالَة أوَّلاً: تعريفُ الحَوَالَةِ: الَحِوالةُ لغةً: بفتح الحاء وكَسْرها؛ مشتقَّة من التحوُّلِ؛ لأنَّها تُحَوِّلُ الحقَّ مِنْ ذِمَّةِ المُحيل إلى ذِمَّةِ المُحال عليه. وشرعاً: نقل دَيْنٍ من ذِمَّة إلى ذِمَّة أخرى. - وصورتها: أن يكون لزيدٍ ألف دينار على عمرٍو، ولعمرٍو ألف دينار على بَكْرٍ، فيأتي زيدٌ ليطلب حقَّه من عمرٍو، فيقول له عمرٌو: أحَلْتُك به على بَكْرٍ الذي لي عنده ألف دينار؛ فهذا يُسمَّى حوالة؛ لأنَّ الحقَّ الَّذي في ذِمَّة عمرٍو تحوَّل إلى ذمَّة بَكْرٍ. - وعقد الحوالة ليس من جنس عقود البيوع، ولا في معناها، وإنَّما هو عقد منفردٌ بنفسه، من جنس إيفاء الحقوق، وبراءة الذِّمم؛ لأنَّ هذا الذي في ذمَّته الحقُّ تبرأ ذمَّتُه بنقل هذا الحقِّ إلى ذمَّة شخص آخر. ثانياً: حُكْمُ الحَوَالَةِ: الحوالة جائزة بالسنّة، وبالإجماع: - فمن السُّنَّة: حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ) [متَّفق عليه]. وفي لفظٍ: (وَمَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ) [رواه أحمد]. - وأمَّا الإجماع: فقد أجمع العلماء على جوازها في الجملة. كما ذكر ذلك ابن قدامة

стр. 544

في «المغني». ثالثاً: الحِكْمةُ من مشروعيَّة الحَوَالَةِ: شُرِعَت الحوالةُ لما فيها من ترَفُّقٍ بالعباد، وتيسيرِ أداء ما عليهم من حقوق، وعونٍ على إبراء الذِّمم، واستيفاء الحقوق. رابعاً: أركانُ الحَوَالَةِ: للحوالة خمسة أركان: الأوَّل: المُحيل: وهو المَدينُ الأوَّل؛ أي: من عليه دَيْن. الثَّاني: المُحتالُ: وهو الدائن، أو صاحب الحقِّ. الثَّالث: المُحال عليه: وهو المدين الثاني؛ فهو الذي عليه دين للمَدين الأوَّل. الرَّابع: المُحالُ به: وهو الدَّيْن الذي في ذمَّة المُحيل. الخامس: الصيغة: وهي اللَّفظ الذي تنعقد به الحوالة؛ كأَحَلْتُك بدَيْنِك، أو ما في معناها؛ كأتْبَعْتُك بدَيْنِك على فلان، أو خُذْ دَيْنَك من فلان، أو اطْلُبْه منه، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على المقصود. خامساً: شروطُ الحَوَالَةِ: يُشترَطُ لصحَّة الحوالة خمسة شروط: الشرط الأوَّل: اتِّفاق الدَّيْنين في الجنس، والصِّفة، والحلول، والأَجَل، والقَدْر: - فيُشترَطُ اتِّفاق الدَّيْن الذي في ذمَّة المُحيل مع الدَّيْن الذي في ذمَّة المُحال عليه في الجنس؛ بأن يكون كلاهما ذهباً، أو فضةً، أو بُرًّا أو شعيراً، أو دنانير، أو

стр. 545

دراهم، أو دولارات … ؛ فإن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، أو أحدهما بُرًّا، والآخر شعيراً، أو أحدهما دنانير والآخر دولارات؛ لم تصحَّ الحوالة. - وكذا اتفاقهما في الصِّفة؛ بأن يكون كلاهما جيِّداً، أو رديئاً، أو وَسَطاً، أو كلاهما دنانير سليمة أو مُكسَّرة؛ فإنْ كان أحدهما جيِّداً والآخر رديئاً، أو أحدهما دنانير سليمة والآخر مكسَّرة؛ لم تصحَّ الحوالة. - وكذا اتِّفاقهما في الحلول والأجل؛ بأن يكون كلاهما حالًّا، أو مؤجَّلاً؛ فإن كان أحدهما حالًّا، والآخر مؤجَّلاً، أو أحدُهما إلى شهرٍ والآخرُ إلى شهرين، لم تصحَّ الحوالة. - وكذا اتَّفاقهما في القَدْر؛ كأن يكون كلاهما ألفاً، أو مائةً، فيُحيل بألفٍ على ألفٍ، أو بمائةٍ على مائةٍ. فلو أحال بألفٍ على خمسمائةٍ، أو بمائةٍ على ثمانين لم تصحَّ الحوالة. وكذا لو أحال بالأقل على الأكثر؛ كما لو أحال بخمسمائةٍ على ألفٍ، أو بثمانين على مائةٍ؛ فإنَّ هذا لا يصحُّ أيضاً؛ لاختلاف الدَّيْنَيْنِ، ولأنَّه لا يصحُّ بيع الدَّيْن بالدَّيْن. لكن لو كان عليه مائة مثلاً، وله على المُحال عليه مائتان، فيصحُّ أن يحيل المائة التي عليه على مائة من المائتين التي له، وتبقى الزيادة في ذمَّة المُحال عليه. وكذا يصحُّ العكس؛ كما لو كان عليه مائتان، وله مائة، فيصحُّ أن يحيل بمائة من المائتين التي عليه، على المائة التي له، والمائة الباقية في ذمَّته للمُحتال (صاحب الدَّيْن). وذلك لأنَّ الحوالة تحويلٌ للحقِّ، ونقلٌ له؛ فيُنْقَل على صفته، ولأنَّها من عقود الإرفاق كالقرض، وليست من عقود المعاوضة؛ فلو جازت مع الاختلاف وعدم

стр. 546

التماثل لصار المطلوب منها التماس الفضل؛ فتخرج عن موضوعها، وهو الإرفاق، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز في القرض. - وإذا اجتمعت هذه الأمور، وصحَّت الحوالة، وتراضيا بأنْ يدفع المُحال عليه خيراً من حقِّه، أو رضي المُحتال بدون الصفة، أو رضي مَنْ عليه المؤجَّل بتعجيله، أو رضي مَنْ له الحالُّ بتأجيله، أو رضي المُحتال بأخذ عِوَضِه، جاز ذلك؛ لأنَّه يجوز في القرض، ففي الحوالة من باب أَوْلَى. لكن إن جرى بين العِوَضَيْن رِبا النَّسيئة؛ كما لو كان الدَّيْن المُحال به من الموزونات فعَوَّضه فيه مَوْزوناً من غير جِنْسِه، أو كان مَكيلاً فعَوَّضَه عنه مَكيلاً من غير جِنْسِه اشتُرِط فيه التقابض في مجلس التعويض. الشرط الثَّاني: عِلْمُ قَدْر كلٍّ من الدَّيْنين؛ فلا تصحُّ الحوالة مع جهالة قَدْر الدَّيْنَين؛ لأنَّها إبراء للذِّمم، واستيفاء للحقوق؛ والجهالة تمنع ذلك، فلا بدَّ أن تكون بالمعلوم. الشرط الثَّالث: استقرار الدين في ذمَّة المُحال عليه؛ بأن يكون ثابتاً مستقرًّا في ذمَّته؛ كثمن المبيع في بيع لازم مثلاً؛ فإنَّه قد استقرَّ في ذمَّة المشتري؛ فللبائع أن يحيل به؛ وذلك لأنَّ مقتضى عقد الحوالة أن يلتزم المُحال عليه بالدَّيْن الذي قد أُحيل عليه به؛ فإذا كان الدَّيْن غير مستقرٍّ؛ فهو عُرْضَةٌ للسقوط، فكيف تبرأ ذمَّة الأوَّل وتتعلَّق به ذمَّة الثَّاني مع عدم استقراره، فحينئذٍ يكون قد التزم والدَّين ليس بلازم. ومن أمثلة عدم استقرار الدَّيْن: ما لو أحال البائع بثمن المبيع على المشتري في مدَّة الخيار، فلا تصحُّ الحوالة؛ لعدم استقرار الثَّمن في ذمَّة المشتري. وكذا لو أحال المؤجِّر على أُجرة العين المؤجَّرة بالعقد قبل استيفاء المنفعة، لم تصحَّ الحوالة؛ لعدم

стр. 547

استقرار الأُجرة في ذمَّة المستأجر. وكذا لو أَحالت الزوجة على صَدَاقِها الذي على الزوج قبل الدخول بها؛ لم تصحُّ الحوالة؛ لعدم استقراره في ذمَّة الزوج. وهكذا سائر الديون غير المستقرَّة لا يصحُّ الحوالة عليها. - بخلاف المُحال به؛ وهو الدَّيْن الذي على المُحيل؛ فلا يشترط استقراره؛ فلو أحال الزَّوج زوجته بمهرها قبل الدخول على شخص يطلبه صحَّت الحوالة؛ فمثلاً: رجل تزوج امرأة على صداقٍ قَدْرُه عشرة آلاف دينار، وهذا الزوج له دَيْنٌ على رجل آخر قَدْرُه عشرة آلاف دينار، فللزَّوج أن يُحيل امرأتَه بصَدَاقِها على هذا الرَّجل قبل الدخول بها؛ لأنَّه يجوز له تسليمه إليها قبل استقراره، وحوالته به تقوم مقام تسليمه. وكذا لو أَحال المشتري البائِعَ بثمن المبيع في مدَّة الخيار على آخر مَدِينٍ له، صحَّ ذلك، رغم عدم استقراره في ذمَّة المشتري؛ لأنَّ المَدِين له تسليم الدَّيْن قبل استقراره. - ولا تصحُّ حوالة الولد على أبيه؛ لأنَّ الولد لا يملك طلب أبيه. الشرط الرَّابع: أن يكون المال المُحال عليه ممَّا يصحُّ السَّلَمُ فيه؛ وهو ما يُضبَطُ بالصفات؛ سواء كان له مِثْلٌ؛ كالحبوب، والأدهان، والثمار، أو لم يكن له مِثْلٌ؛ كالحيوان، والثياب. الشرط الخامس: رضا المُحيل؛ فليس للدَّائن أن يُلْزِمَ المَدِين بالحوالة، لأنَّ له استيفاء دَيْنِه دون أن يُلْزِم المَدِينَ بجهةٍ معيَّنةٍ. - ولا يشترط رضا المُحال عليه، وذلك لأنَّ المُحيل هو صاحب الدَّيْن، فله أن يستوفي حقَّه في ذمَّة المُحال عليه بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المُحتال (الدَّائن)

стр. 548

مقام نفسه؛ فكان كالوكيل عنه؛ فيلزم المُحال عليه حينئذٍ الدفع إليه. ولا يُشترَطُ أيضاً رضا المُحتال؛ إنْ كان المُحال عليه مَليئاً؛ وهو الذي له قُدْرَةٌ على الوفاء وليس مُماطلاً، ويمكن حضوره لمجلس القضاء والحكم؛ فيجب عليه حينئذٍ أن يحتال؛ لظاهر قوله ﷺ : (وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)، ولأنَّ للمُحيل وفاء ما عليه من الحقِّ بنفسه وبمن يقوم مقامه، وقد أقام المُحال عليه مقام نفسه في إيفاء دَيْنِه، فلزم المُحتال القبول. فإن امتنع أُجبر على قبولها. وهذا من مفردات المذهب. - فإن أحاله على غير مليء فلا يجب عليه أن يحتال إلَّا برضاه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)، ومفهومه: أنَّه إذا أحيل على غير مليءٍ لا يلزمه الاحتيال؛ كما لو أحاله على والده، أو أحاله على من هو في غير بلده؛ لأنَّه لا يمكنه إحضاره إلى مجلس الحكم. وكذا لو أحاله على مُماطِلٍ أو جاحِدٍ للحقٍّ، أو من لا يستطيع الوفاء؛ فلا يلزمه أن يحتال. - وإن أحاله بغير رضاه على مليءٍ، ثمَّ ظهر أنَّه مُفْلِسٌ، فله أن يرجع بدَيْنِه على المُحيل؛ لأنَّ الفَلَسَ عيبٌ، وهو لم يرضَ به؛ كالمبيع إذا ظهر أنَّه معيب. وكذا إنْ أحاله برضاه، لكنَّه اشترط مَلاءَةَ المُحال عليه، ثمَّ ظهر أنَّه غير مليءٍ، فله الرجوع عليه أيضاً. بخلاف ما لو أحاله برضاه، ولم يشترط مَلاءَةَ المُحال عليه، ثمَّ ظهر أنَّه غير مليءٍ، فليس له الرجوع على المُحيل؛ وذلك لتفريطه بترك اشتراطها. - فإذا صحَّت الحوالة واجتمعت شروطها برئت ذمَّة المُحيل، وانتقل الحقُّ إلى ذمَّة المُحال عليه؛ فلا يملك المُحتال الرجوع عليه بحال؛ لأنَّ الحقَّ انتقل،

стр. 549

فلا يعود بعد انتقاله هذا، حتَّى لو أفلسَ المُحال عليه بعد ذلك، أو مات، أو جَحَدَ الدَّيْن؛ إذِ الحوالة بمنزلة الإيفاء. وهذا ممَّا تختلف فيه الحوالة عن الضمان والكفالة؛ فالضمان والكفالة لا ينقلان الحقَّ من ذمَّة المضمون عنه أو المكفول إلى ذمَّة الضامن أو الكفيل. أمَّا الحوالة فتنقله، ويبقى المُحيل بريئاً. - ومتى اختلَّ شرط من هذه الشروط فإنَّ الحوالة لا تصحُّ، وتكون صورتها حينئذٍ من باب الوكالة. سادساً: الحَوَالةُ بثمنِ بيعٍ باطلٍ، وبيعٍ مفسوخٍ لعَيْبٍ أو تدليسٍ ونحوهما: - إذا أحالَ المشتري البائعَ بالثمن على مدينٍ له، أو أحال البائعُ مَديناً له على المشتري بثمن مبيعه، فظهر أنَّ البيع باطلٌ، بطلت الحوالة؛ لأنَّه إذا بطل البيع فلا ثمن حينئذٍ على المشتري، والحوالة فرع عن الثمن؛ فإذا بطل الأصل بطل فرعه تبعاً له؛ إذ هو مبنيٌّ عليه. مثاله: لو اشترى عمرٌو كتاباً من زيدٍ بعشرة دنانير، وأحاله عمرٌو على بَكْرٍ؛ لأنَّه كان مَديناً له؛ فتبيَّن بطلان البيع؛ لكون الكتاب وَقْفاً، والوقف لا يُباع؛ فهنا تَبْطُل الحوالة، والبائع يرجع على المشتري بالمبيع، وهو هنا زيد، فيأخذ كتابه وينتهي الأمر. بخلاف ما لو فُسِخَ البيع لعيبٍ، أو تدليس، ونحو ذلك؛ فإنَّ الحوالة لا تبطل؛ لأنَّ عقد البيع لم يرتفع من أصله؛ فلم يسقط الثمن، ومِنْ ثَمَّ لم تبطل الحوالة. مثاله: لو اشترى عمرٌو الكتاب من زيدٍ، فوجد فيه عيباً، فردَّه لعيبه، فهذا فسخ

стр. 550

للعقد؛ فلا تبطل الحوالة حينئذٍ، ولزيدٍ أن يطالب بَكْراً بالثمن؛ لأنَّ حقَّه انتقل إلى ذِمَّته، فله مطالبته، ولكنَّه إذا قبضه يردُّه إلى المشتري وهو عمرٌو؛ لأنَّ البيع قد فُسِخ. سابعاً: التنازعُ والاختلافُ بين المُحيل والمُحتالِ: - إذا اختلف المُحيل والمُحتال؛ فقال المُحيل: أَحَلْتُك، وقال المُحتال: بل وكَّلتني في القبض، أو العكس؛ بأنْ قال المُحيل: وكَّلتك في القبض، فقال المُحتال: بل أَحَلْتني؛ فالقول قول مدَّعي الوكالة؛ وذلك لأنَّ الوكالة فيها إبقاء الحقِّ، والحوالة فيها نقل للحقِّ، والأصل هو إبقاء الحقِّ على ما كان. - إذا اتَّفق الدائن والمدين على قول المدين للدائن: أَحَلْتك على زيدٍ، أو أَحَلْتك بديْني على زيد، وادَّعى أحدهما إرادة الوكالة، وادَّعى الآخر إرادة الحوالة، فالقول قول مدِّعي إرادة الوكالة بيمينه؛ لأنَّ الأصل بقاء الدَّيْن على كلٍّ من المُحيل والمُحال عليه، ومدِّعي الحوالة يدَّعي نقله، ومدِّعي الوكالة ينكره، ولا موضع للبيِّنة هنا؛ لأنَّ الاختلاف في النيَّة. بخلاف ما لو اتَّفقا على قول المدين للدائن: أَحَلْتك بديْنك، وادَّعى أحدهما إرادة الحوالة، والآخر إرادة الوكالة، فالقول قول مدَّعي الحوالة؛ لأنَّ الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة هنا، فلا يقبل قول مدَّعيها. - إذا قال زيدٌ لعمرٍو: أَحَلْتني بديْني على بَكْرٍ، واختلفا -أي: زيدٌ وعمرٌو- هل جرى بينهما لفظ الحوالة، أو غيره؛ كالوكالة؛ فقال زيدٌ: أَحَلْتني بلفظ

стр. 551

الحوالة، وقال عمرٌو: وكَّلْتك بلفظ الوكالة؛ فإنْ كان لأحدهما بيَّنة عُمل بها؛ لأنَّ الاختلاف هنا في اللَّفظ. وإنْ لم يكن لأحدهما بيِّنة؛ فالقول قول عمرٍو بيمينه؛ لأنَّه يدَّعي بقاء الحقِّ على ما كان، وهو الأصل.

стр. 552

باب الصُّلْح أوَّلاً: تعريفُ الصُّلْح: الصُّلْحُ لغةً: التَّوفيقُ وقَطْعُ المنازعة. وشرعاً: هو معاقدة يُتوصَّل بها إلى إصلاحٍ بين المتخاصمين. ثانياً: حُكمُ الصُّلْح والحِكْمَةُ من مشروعيَّته: الصُّلْح مشروعٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. - ومن السُّنَّة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه]. - وأمَّا الإجماع: فقد أجمعت الأُمَّة على جوازه، كما حكاه ابن قدامة في «المغني». والصُّلْحُ من العقود التي شُرِعَتْ لقطع النِّزاع والشِّقاق بين المتخاصمين والمتنازعين، والتوفيق بينهم. ثالثاً: شُروطُ الصُّلْح: يُشترطُ في الصُّلح أن يكون المُصالِح ممَّن يصحُّ تبرُّعه؛ فإن كان ممَّن لا يصحُّ تبرُّعه؛ كالصغير، أو السفيه، أو المجنون، أو وَلِيِّ اليتيم، ونحوهم، لم يصحَّ الصُّلح؛ لأنَّه تبرُّع، وهم لا يملكونه. إلَّا إذا أنكر مَنْ عليه الحقُّ، ولا بيِّنة للمدَّعِي، ويُخشى

стр. 553

ضياع الحقِّ؛ فيصحُّ الصُّلح في هذه الحال؛ لأنَّ استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكلِّ أَوْلَى من تركه. رابعاً: أنواعُ الصُّلْح: الصُّلْح خمسة أنواع: الأوَّل: صُلْحٌ بين مسلمِينَ وأهلِ حَرْب. الثَّاني: صُلْحٌ بين أهل عَدْلٍ وأهل بَغْي. الثَّالث: صُلْحٌ بين زوجين لشِقاقٍ بينهما، أو خافت الزوجة إعراضَ الزوج عنها. الرَّابع: صُلْحٌ بين متخاصِمَيْنِ في غير مالٍ. الخامس: صُلْحٌ بين متخاصِمَيْنِ في مالٍ. وهذا النوع الخامس هو المقصود هنا، وهو على نوعين: أ - صلحٌ مع الإقرار. ب- وصلحٌ مع الإنكار. بمعنى أنَّ الصُّلْح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحقُّ، ويكون على شيء أنكره مَنْ عليه الحقُّ. أ - الصُّلْحُ مع الإقرار: وهو على نوعين: ١) صلحٌ على جنس الحقِّ المقرِّ به. ٢) صلحٌ على غير جنس الحقِّ المقرِّ به.

стр. 554

فأمَّا الأوَّل: وهو الصُّلْحُ على جنس الحقِّ المقرِّ به: وذلك بأن يدَّعي عليه دَيْناً أو عَيْناً؛ فيقرُّ له بذلك، ثمَّ يصالحه عليه من جنسه. مثاله: لو ادَّعى عمرٌو على زيدٍ أنَّ له عليه مائة دينار، أو أنَّ هذه الدار التي يسكنُها حقٌّ له؛ فيقرُّ له زيدٌ بذلك، ثمَّ يتصالحا على أنْ يُسقِطَ عنه من المائة خمسيناً، أو أنْ يهبَه نصف الدار؛ فيصحُّ ذلك بشرط أن يكون بلفظ الهِبَة؛ لأنَّ الإنسان لا يُمنَع من إسقاط بعض حقِّه أو هِبَتِه؛ كما لا يُمْنَعُ من استيفائه. ولا يصحُّ بلفظ الصُّلْح؛ إذْ المعاوضة عن الشيء ببعضه محظور؛ لأنَّ معناه: صالحني عن المائة بخمسين؛ أي: بعني، وذلك غير جائز؛ لأنَّه رباً، وهضم للحقِّ، وأكل مالٍ بالباطل. وأما الثَّاني: وهو الصُّلْح على غير جنس الحقِّ المقرِّ به: وذلك بأن يدَّعي عليه دَيْناً أو عَيْناً؛ فيقرُّ له بذلك، ثمَّ يصالحه عليه من غير جنسه ممَّا يجوز التعويض به. مثاله: لو ادَّعى عليه مائة دينار دَيْناً، أو أنَّ هذه الدَّار التي يسكنها حقٌّ له، فيُقرُّ المدَّعَى عليه بذلك، ثمَّ يتصالحا على أن يعطيه عِوَضاً عن المال ثوباً، أو أرضاً، أو أن يعطيه عِوَضاً عن الدَّار بستاناً، أو أرضاً، أو مالاً، ونحو ذلك؛ فيصحُّ ذلك بلفظ الصُّلْح، ويكون بيعاً، وتجري فيه أحكام البيع وشروطه. ومن صور ذلك ما يلي: ١) أن يصالحه عن الدَّيْن بعَيْنٍ، ويتَّفقا في علَّة الربا؛ كما لو صالحه عن الذهب بفضَّة، أو عن الفضَّة بذهب؛ فيصحُّ الصلح، لكن بشرط أن يكون قبض العِوَض في مجلس العقد؛ لأنَّ هذه المصالحة من باب الصَّرْف؛ لأنَّها بيعُ أحد النقدين بالآخر؛

стр. 555

فيُشترَطُ لها ما يُشتَرَطُ للصَّرْف من التقابُضِ بالمجلسِ. وكذا لو صالحه عن القمح شعيراً، أو عن الشعير قمحاً، ونحو ذلك ممَّا يحرُمُ بيعه به نسيئة، صَحَّ الصُّلْح، واشتُرطَ القبض في مجلس العقد. ٢) أن يصالحه عن النَّقْد بعَرْض، أو عن العَرْض بنقدٍ، أو عن العَرْض بعَرْض؛ كأن يكون له عليه مائة دينار، فيصالِحُه عِوَضاً عنها بثيابٍ، أو بفَرَسٍ، ونحو ذلك، أو العكس؛ كأن يكون له عنده فَرَسٌ أو ثيابٌ، فيصالحه عِوَضاً عنها بذَهَبٍ أو فضَّةٍ، أو يكون له عنده ثيابٌ، فيصالحه بثيابٍ؛ فهذه المصالحة تُعَدُّ بَيْعاً؛ فيُشترَطُ لها شروط البيع؛ من العِلْم بالمصالَحِ به، والمصالَحِ عنه، والرِّضا، والقُدْرة على التسليم، ونحو ذلك من شروط البيع. ٣) أن يصالحه عن النَّقْد أو العَرْض بمنفعة؛ كسُكْنى دار مثلاً، أو أن يعمل له عملاً معلوماً؛ كخياطة ثوبٍ، أو بناء بيتٍ، ونحو ذلك؛ فهذه المصالحة إجارةٌ؛ لأنَّ حقيقتها بيع المنفعة؛ فيشترط لها ما يشترط للإجارة. ب- الصُّلْح مع الإنكار: وهو أن يُنكر المدَّعَى عليه ما ادَّعاه عليه المدَّعِي من دَيْن، أو عيْن، ونحو ذلك، أو يسكت وهو يجهل ثبوت المدَّعَى به، فيصالحه على شيء من المال أو العِوَض، أو يهبه بعضها إن كانت أرضاً، أو داراً، ونحو ذلك؛ قَطْعاً للخصومة، وإبراءً للذمَّة، وليس عن إقرار؛ فيصحُّ هذا الصُّلْح، حالًّا كان العِوَض أو مؤجَّلاً؛ وذلك لعموم قوله ﷺ : (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ). ويكون هذا الصلح بَيْعاً في حقِّ المدَّعِي؛ لأنَّه يعتقدُه عِوَضاً عن ماله، وتترتَّب

стр. 556

عليه آثار البيع؛ فله ردُّه بالعيب؛ فمثلاً: لو كان ما يدَّعيه فَرَساً وصالحه المدَّعَى عليه بجَمَلٍ، فوجد به عيباً فله ردُّه والمطالبة بفرسه. وأيضاً لو كان ما يدعيه داراً فصالحه المدَّعَى عليه على نصيبه من أرضٍ له نصفها، ولشريكه النصف الآخر، فينتقل هذا النصف إلى ملك المدَّعِي، ويكون لشريك المدَّعَى عليه حقُّ الشُّفعة على المدَّعِي، فله أخذها منه بالشفعة. بينما يكون هذا الصلح في حقِّ المدَّعى عليه إبراءً؛ لأنَّه ليس في مقابلة حقِّ ثبت عليه، فلا تترتَّب عليه آثار البيع؛ فليس له الردُّ بالعيب؛ فلو وجد في الفَرَس الذي ادَّعاه عليه المدَّعي -وأنكره هو- عيباً؛ فليس له ردُّه؛ لأنَّ هذا مقتضى الإقرار والإنكار، وهو ينكر كونه للمدَّعي بل يعتقد أنَّه ملكه. كما يسقط حقُّ الشفعة؛ كما لو ادَّعى عليه نصف أرضه، فأنكر ذلك، لكنَّه صالحه على مبلغٍ من المال، فليس لشريك المدَّعى عليه في النصف الآخر حقُّ الشفعة، لأنَّه ليس بيعاً في حقِّ المدعى عليه، بل ملكه كما يعتقد، وإنَّما دفع هذا العِوَض؛ قطعاً للخصومة، وحسماً للنزاع. - وهذا الصلح مبنيٌّ على صِدْق ادَّعاء كلٍّ منهما؛ المدَّعي في دعواه، والمدَّعى عليه في إنكاره؛ أمَّا إن كان أحدهما يعلم أنَّه كاذب، فالصلح حينئذٍ يكون باطلاً في حقِّه؛ لأنَّه إن كان الكاذب هو المدَّعي؛ فإنَّ الصلح مبنيٌّ على دعواه الباطلة، وإن كان هو المدَّعى عليه فإنَّ الصلح مبنيٌّ على جَحْدِه حقَّ المدَّعي. وحينئذٍ يكون ما أخذه الكاذب منهما حراماً لا يحلُّ له؛ لأنَّه أَكْلُ مال الغير بالباطل، ولقوله ﷺ : (إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً).

стр. 557

- إذا قال المدَّعَى عليه للمدَّعِي: صالحني عمَّا تدَّعيه، لم يكن هذا إقراراً له بالحقِّ الذي ادَّعاه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه أراد صيانة نفسِهِ عن التبذّل، أو عن حضور مجلس الحُكْم بذلك؛ فإنّ ذوي المروءات يصعب عليهم ذلك، ويرون رفع ضررها عنهم من أعظم مصالحهم. - إذا صالَحَ أجنبيٌّ عن مُنكِرٍ للدَّعوى، صحَّ الصلح، أَذِنَ له المنكِر أو لا؛ كما لو ادَّعى زيد على عمروٍ أنَّ الدار التي بيده حقٌّ له، فأنكر ذلك عمرٌو، فصالح بَكْرٌ زيداً على شيء من المال مقابل قطع هذه الخصومة عن عمرٍو، فيجوز ذلك؛ أَذِنَ عمرٌو لبَكْرٍ أو لم يأذن؛ وذلك لجواز قضاء الدَّين عن الغير بإذنه وبغير إذنه، وقد مرَّ دليل ذلك في باب الضمان؛ من إقرار النبيِّ ﷺ لأبي قتادة على ذلك. لكنَّه إذا أدَّى عنه بَكْرٌ بغير إذنه فليس له الرجوع عليه؛ لأنَّه أدَّى عنه ما لا يلزمه، فكان كالمتبرِّع. بخلاف ما لو أَذِنَ له عمرٌو في الصلح أو الأداء، وقد نوى بَكْرٌ الرجوع على عمرٍو، فله الرجوع عليه حينئذٍ؛ لأنَّه في حكم الوكيل عنه. خامساً: مسائلُ في الصُّلْح: - إذا صالَحَه عن عيبٍ في المبيعِ بشيءٍ معين؛ كعشرة دنانير مثلاً، أو منفعةٍ؛ كسكنى دارٍ معيَّنةٍ شهراً، صحَّ الصلح؛ لأنَّه يجوز أخذُ العِوَضِ عن عيب المبيعِ، لكن لو زال العيب سريعاً بِلَا كُلْفَةٍ ولا تعطيل نفعٍ عَلَى مُشْتَرٍ؛ بأن كان المبيعُ مريضاً فعُوفِي، أو تبيَّن أنَّه لم يكن عيباً، رجَعَ البائع على المشتري بما دفعه؛ لأنَّه تبيَّن عدم استحقاقه. - إذا صالحَه عن دَيْنِه بشيءٍ في الذمَّة؛ كأنْ يكون له عنده خمسون ديناراً فيصالحه

стр. 558

عن ذلك بإرْدَبِّ قمح، أو شعير، ونحو ذلك، في ذمَّته، فيصحُّ الصلح، لكنَّه يبطل إذا تفرَّقا قبل القبض؛ لأنَّه إذا حصل التفرُّق قبل القبضِ كان كلُّ واحدٍ من العِوَضَيْنِ دَيْناً، لأنَّ محلَّهُ الذِّمَّة، فيصير بيع دَيْنٍ بدَيْنٍ، وهو منهيٌّ عنه شرعاً. - لا يَصِحُّ الصُّلحُ عن دَيْنٍ مؤجَّل ببعضه حالًّا؛ كما لو كان لرجل على آخر ألف دينار مؤجَّلة إلى سنة، وفي أثناء تلك السَّنَة قال الدَّائن للمَدين: أعطني خمسمائة حالَّة وأُبرئك من الباقي، فهذا الصلح لا يجوز؛ لأنَّ المحطوط عِوَضٌ عن تعجيل ما في ذمَّته، ولا يجوز بيع الحلول والأجل. - يَصِحُّ الصُّلحُ عن المجهول الذي تعذَّر معرفته -سواءً كان ديناً أو عيناً- بمعلومٍ حالًّا ومؤجَّلاً؛ كرجلين بينهما معاملة، وحساب مضى عليه زمن، ولا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه، فلهما أن يصطلحا على شيءٍ ويتراضيا به؛ لقوله ﷺ لرجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ بينهما: (فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ) [رواه أحمد وأبو داود]، ولأنَّه إسقاط حقٍّ فصحَّ في المجهول؛ للحاجة، ولما فيه من إبراء الذمم، وإيفاء ما يمكن من الحقوق. وهذه الصورة مستثناةٌ من صور بيع الدَّيْن بالدَّيْن. فأمَّا إذا أمكن معرفته ولم تتعذَّر؛ كما لو صالح الورثة زوجة أبيهم على شيء من المال لتتنازل عن حقِّها من الإرث ولا يُعلم قدر حقِّها، لكن يمكن معرفته؛ وذلك بحصر مال مورِّثها، فقولان: أشهرهما الجواز؛ قطعاً للنزاع. - إذا قال الدَّائن للمَدِين: أَقِرَّ لي بدَيْنِي، وأعطيك منه مائة، أو أقرَّ لي بدَيْنِي وخُذْ منه مائةً -مثلاً-، فأقرَّ، صَحَّ الإقرار، ولزمه الدَّيْن؛ لأنَّه حقٌّ ثابتٌ قد أقرَّ

стр. 559

به، ولا يحلُّ له إنكارُه. ولا يَصِحُّ الصلح حينئذٍ؛ لأنَّه يجب عليه الاقرار بما عليه من الحقِّ؛ فلم يحلّ له أَخْذُ العِوَض عمَّا يجب عليه؛ فإنْ أَخَذَ شيئاً ردَّه. - إذا صالح المدَّعَى عليه المدَّعِي عن دارٍ، أو أرضٍ، أو سيارةٍ، أو ثوبٍ، ونحو ذلك، بعِوْضٍ؛ كفَرَسٍ، أو جَمَلٍ، ونحو ذلك، ثمَّ تبيَّن أنَّ هذا العِوَضَ مُستَحَقٌّ للغير ولا يملكه المدَّعَى عليه، فَسَدَ الصلح؛ لفساد عِوَضِه، وحينئذٍ يرجع المدَّعِي على المدَّعَى عليه بالدَّار، أو الأرض، أو السيارة، أو الثوب، إن كانت باقية، وبقيمتها إن كانت تالفة. وهذا في حال إقرار المدَّعى عليه ابتداء بالدَّعوَى، أمَّا إنْ كان مُنكِراً لها فَسَدَ الصلح أيضاً؛ لفساد عِوَضِه، ويرجع المدَّعي إلى دعواه قبل الصلح، فيعود الأمر إلى ما كان عليه قبل عقد الصلح. * الصُّلْحُ عمَّا ليس بمالٍ ولا يؤول إليه: ومن صور ذلك ما يلي: - الصُّلحُ على خيار البيع أو الإجارة: كأنْ يكون مدَّة الخيار بين البائع والمشتري، أو بين المؤجِّر والمستأجر شهراً؛ فيصالح البائعُ المشتريَ، أو المؤجِّرُ المستأجرَ على إسقاط حقِّه في الخيار في مقابل عِوَضٍ ماليٍّ، فهذا لا يجوز ولا يصحُّ الصلح فيه؛ لأنَّ الخيار لم يُشرع لاستفادة المال، وإنَّما شُرع لينظر في الأحظِّ له، فلا يصحُّ أخذ العوض عنه. - الصُّلحُ على حقِّ الشُّفْعَة: وذلك بأنْ يصالح المشتري مَنْ له حقُّ الشفعة على إسقاط حقِّه في الشفعة بعِوَضٍ ماليٍّ، فهذا لا يجوز؛ فمثلاً: اشترك محمَّدٌ وعليٌّ في أرضٍ، فباع محمَّدٌ نصيبه لزيدٍ، فحقُّ الشفعة يثبت للشريك الذي لم يبع وهو عليٌّ،

стр. 560

فيأتيه المشتري وهو زيدٌ، فيقول له: أَسْقِطْ حقَّك في الشفعة وسأُعَوِّضك بعشرة آلاف دينار؛ فهذا لا يجوز، ولا يصحُّ الصلح فيه؛ لأنَّ الشفعة إنَّما شُرِعت لإِزالة الضَّررِ عمَّن يحقُّ له الشفعة، فإذا رَضِيَ بالعِوَضِ تبيَّن أنَّه لا ضرر، فلا استحقاق حينئذٍ، ويبطل العِوَضُ، لبطلان معوَّضِه. - الصُّلحُ عن حدِّ القَذْف -ومثله السَّرِقة-: كأنْ يقذف رجلٌ آخر، فيقولُ القاذفُ للمقذوف: لا ترفع أمري للقضاء، وسأعطيك عشرة آلاف دينار مثلاً؛ فهذا لا يجوز، ولا يَصِحُّ الصلحُ فيه؛ لأنَّ حدَّ القذف شُرِعَ للزَّجْر عن الوقوع في أعراض الناس، ثمَّ إنَّه ليس له الاعتياض عنه؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يؤول إليه؛ فإمَّا أن يُرفَعَ أمرُه للقضاء أو يُتْرَكَ دون مقابلٍ، بخلاف الصُّلْح في القَصاص فإنَّه يجوز؛ لأنَّه يُستعاضُ عنه بالمال؛ فجاز الصلح فيه. ومع عدم جواز الصلح في هذه الأمور المتقدِّمة (الخيار، الشُّفْعَة، حدُّ القَذْف)، إلَّا أنَّه في هذه الحال تسقطُ جميعُها؛ فيسقط حقُّه في الخيار والشُّفْعَة والقَذْف؛ لأنَّه رَضِيَ بتركها. - الصُّلحُ على إطلاق شارب الخَمْر، أو السَّارِق، أو الزَّاني: فلو أمسك شخصٌ سارقاً، أو زانياً، أو شاربَ خَمْر، فصالحه (السارق، أو الزاني، أو الشارب) على عدم رفعه لوليِّ الأمر، على أن يعطيه مبلغاً من المال، فهذا لا يجوز ولا يَصِحُّ الصلح فيه؛ فإمَّا أن يرفعَ أمرَه، أو يتركَه ويسترَ عليه إن رأى في ذلك مصلحةً؛ لأنَّ الرَّفع إلَى السلطان أو وليِّ الأمر ليس حَقًّا يجوز الاعتياض عنه. كما أنَّ الصلح في ذلك يفوِّت الحِكْمة من مشروعيَّة هذه الحدود؛ وهي الزَّجر عن الوقوع فيها والتلبُّس بها.

стр. 561

- الصُّلحُ على كتمان الشهادة، أو الشهادة بالزور؛ كما لو صالح شاهداً بمبلغ من المال على أنْ يكتم شاهدته عليه بحقِّ آدمي، أو حقٍّ لله تعالى، أو أنْ يشهد له زوراً؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه صلح على محرَّمٍ، أو على ترك واجبٍ. * فائدة: ضابطٌ فيما يصحُّ الصُّلحُ فيه وما لا يصحُّ: كلُّ ما يجوز أخذُ العِوَض عنه صحَّ فيه الصلحُ، وما لا يجوز أخذُ العِوَض عنه فلا يجوز الصلحُ فيه.

стр. 562

فصل في أحكام الجوار أوَّلاً: تعريفُ الجِوَارِ: المراد بالجِوَارِ هنا: المجاورة والملاصقة في السكن ونحوه؛ كالبستان والأرض والدُّكان ونحو ذلك. ثانياً: عنايةُ الشَّريعَةِ بحقوقِ الجِوارِ: راعت الشَّريعة حقوق الجوار؛ فبيَّنتْ أحكامه ومسائله -وهذا من محاسنها-؛ لأنَّ حقَّ الجار على جاره عظيم؛ قال النَّبيُّ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. وقال: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ أداء هذه الأحكام، ورعاية تلك الحقوق يفضي إلى تحقيق المودَّة والأُلفة، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشرع الحنيف. ثالثاً: مناسبةُ إلحاقِهِ بباب الصُّلْح: لمَّا كانت غالب النزاعات والخصومات الحاصلة بين الجيران أو المتجاورين؛ تُحلُّ عن طريق المصالحة؛ كان من المناسب إلحاق أحكامه ومسائله بباب الصُّلح. رابعاً: مِنْ أحكامِ الجِوَارِ: - يحرمُ على الشخصِ أن يُجرِيَ ماءً في أرضِ غيره أو سَطْحِهِ بلا إذنه؛ لأنَّ فيه

стр. 563

تصرُّف في ملك الغير دون إذنه، وهو لا يجوز، ولأنَّه قد يتضرَّر بذلك في أرضه أو سَطْحِه، وقاعدة الشرع: أنَّه لا ضرر ولا ضرار. وله أن يصالحه على ذلك بعِوَضٍ؛ لأنَّ المصالحة والحال هذه إمَّا بيع أو إجارة، وكلاهما جائز. - يَحرُمُ على الجارِ أنْ يُحدِثَ بمِلكه ما يضرُّ بجارِه؛ كحمَّام يضرُّ ماؤه بحائطه، أو كنيفٍ يتأذَّى جارُه برائحته، أو تنُّورٍ يؤذيه باستدامة دُخانه، أو دكان جزارةٍ أو حِدادةٍ يتأذى بكثرةِ دَقِّه، أو اهتزاز حائطه جرَّاء ذلك، أو حفر بئرٍ تتسبَّب في قطع الماء عن جارِه، ونحو ذلك من كلِّ ما فيه أذىً للجار؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [رواه أحمد وابن ماجه]. ويحقُّ للجار في هذه الحال أن يمنعه من ذلك. فإذا أحدث الشخصُ في ملكه شيئاً من ذلك، فتلف بسببه شيء لجاره فإنَّه يضمنه؛ لأنَّه متعدٍّ. لكن يستثنى ممَّا سبق: ما يتعلَّق بالطَّبْخ والخَبْزِ من دخانٍ ونحوه؛ فلا يمنع منه الجار في مِلْكه؛ لأنَّ ضرره يسيرٌ، والحاجة تدعو إليه، فيُتسامح فيه. - يحرمُ على الشخص التصرُّف في جِدارِ جاره أو في جِدارٍ مشتركٍ بينه وبين جارِه؛ وذلك بفتح نافذة أو طاقٍ أو بابٍ، أو ضَرْبِ وَتَدٍ ونحوه إلَّا بإذنه؛ لأنَّ ذلك انتفاع بمِلْك غيره، وتَصرُّفٌ فيه بما يضرُّ به. وكذا يحرمُ عليه وضعُ خشبٍ على جِدار جاره، أو الجِدار المشترك بينهما، إلَّا إذا لم يمكن تسقيف بيته إلَّا بذلك، فيجوز بشرط ألَّا يلحقَ بجاره ضررٌ. ويُجْبَرُ جارُه في هذه الحال على تمكينه من ذلك إنْ أَبَى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 564

رسول الله ﷺ : (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ) [رواه البخاري، ومسلم]، ولأنَّه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضرُّه، فأشبه ما لو استند إليه. والفَرْق في هذه الحال بين فتح النافذة والطاق في الجِدار وبين وضع الخشب عليه؛ أنَّ الخشب يمسك الحائط، بينما النافذة والطاق ونحوهما يضعفه، كما أنَّ وضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف النافذة والطاق ونحوهما؛ إذ يمكن الاستغناء عنهما. وجِدار المسجد كجِدار الدار في ذلك؛ لأنَّه إذا جاز ذلك في ملك الآدمي مع شُحِّه وضيقه، فجوازه في حقِّ الله من باب أَوْلَى. - إذا كان للشخصِ سَطْحٌ أعلى من سَطْحِ جارِهِ، فليس له الصعود على سَطْحِهِ بحيث يُشْرفُ ويطَّلعُ على سَطْحِ جارِهِ؛ لأنَّ في ذلك إضراراً بجارِهِ، واطِّلاعاً على حُرُمِهِ، ويدلُّ على ذلك قوله ﷺ : (لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) [رواه البخاري، ومسلم]، إلَّا أن يَبْنِيَ سُتْرةً تمنع إشرافه على جارِهِ؛ فحينئذٍ لا بأس؛ لزوال المحذور. أمَّا إذا استويا في العلوّ؛ فلم يكن سَطْحُ أحدهما أعلى من سَطْحِ الآخر؛ فإنَّهما يشتركان في بناء السُّتْرة؛ لأنَّه لا أولويَّة لأحدهما على الآخر. فإن امتنع أحدُهما من ذلك أُجبرَ عليه؛ لأنَّه حقٌّ عليه، فيُجبَرُ عليه كسائر الحقوق. - للشخصِ أن يَستَنِدَ إلى حائطِ غيرِه ويستظلَّ بظلِّه دون إذْنِه، وله أن يسند إليه قماشه الذي يعرض عليه بضاعته دون إذنه، وله أن ينظر في ضوء سِراجِه أيضاً دون إذنه؛ لأنَّ التحرُّز من ذلك فيه مشقَّة، كما أنه لا ضرر يلحق صاحب الحائط أو السِّراج بذلك.

стр. 565

خامساً: أحكامُ المَرافِقِ العامَّة والمُشتركَة: ومن ذلك ما يلي: - يحرمُ على الشخص التصرُّف في طريق نافذٍ بما يضرُّ المارَّة؛ كإخراج دُكانٍ، وهو الحانوت، ودَكَّةٍ: وهي المكان المرتفع الذي يُبْنَى عند الدار ويجلس عليه، ويسمَّى بالعَتَبة أو المصْطَبة. وقيل: الدُّكَّان والدَّكَّة بمعنىً واحد، وهو: بِنَاءٌ يُسَطَّحُ أَعْلَاهُ لِلْمَقْعَدِ. فيحرم إخراج ذلك ولو كان الطريق واسعاً، سواء أضرَّ بالمارَّة أو لا، أذِنَ فيه الإمامُ أو لا؛ لأنَّه بناء في مِلْكِ الغير، ولأنَّه إنْ لم يَضُرَّ حالاً فقد يضرُّ مآلاً، وليس للإمام أنْ يأْذَنَ فيما ليس فيه مصلحة. فإذا فعلَ الشخصُ شيئاً من ذلك، فتسبَّب في تلف شيءٍ فإنَّه يضمنُه؛ لأنَّه مُتعَدٍّ. - وكذا يحرم إخراج جَناحٍ وسَابَاطٍ ومِيزَابٍ في طريق نافذٍ. الجناح: هو أن يدفن شيئاً من الخشب ونحوه في الحائط؛ فيمتد إلى الخارج، ثمَّ يبني عليه ما يقارب المتر أو المترين ونحو ذلك. والساباطُ: هو أن يجعل سقيفةً بين حائطينِ تحتها طريق. والميزَاب: هو الذي ينفذ من خلاله الماء المتجمِّع على سطح الدار، فيصبُّه في الطريق، ويسمَّى مَثعباً. فيحرُم إخراج هذه الأشياء إلى الطريق العام؛ لأنَّه بناء في ملك الغير دون إذنٍ، ولأنَّ المارَّة قد يتضرَّرون بذلك؛ وخاصَّة الساباط؛ فإنَّه يُظلم الطريق، ويَسُدُّ الضَّوْءَ، وربَّما سقط على المارَّة، أو سقط شيء منه. إلَّا إذا أَذِنَ الإمامُ أو مَنْ يقوم مقامه في إخراجها؛ فإنْ أَذِنَ ولم يكن في ذلك
следующие страницы →