- الصُّلحُ على كتمان الشهادة، أو الشهادة بالزور؛ كما لو صالح شاهداً بمبلغ من المال على أنْ يكتم شاهدته عليه بحقِّ آدمي، أو حقٍّ لله تعالى، أو أنْ يشهد له زوراً؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه صلح على محرَّمٍ، أو على ترك واجبٍ.
* فائدة: ضابطٌ فيما يصحُّ الصُّلحُ فيه وما لا يصحُّ:
كلُّ ما يجوز أخذُ العِوَض عنه صحَّ فيه الصلحُ، وما لا يجوز أخذُ العِوَض عنه فلا يجوز الصلحُ فيه.
стр. 562
فصل في أحكام الجوار
أوَّلاً: تعريفُ الجِوَارِ:
المراد بالجِوَارِ هنا: المجاورة والملاصقة في السكن ونحوه؛ كالبستان والأرض والدُّكان ونحو ذلك.
ثانياً: عنايةُ الشَّريعَةِ بحقوقِ الجِوارِ:
راعت الشَّريعة حقوق الجوار؛ فبيَّنتْ أحكامه ومسائله -وهذا من محاسنها-؛ لأنَّ حقَّ الجار على جاره عظيم؛ قال النَّبيُّ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. وقال: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولأنَّ أداء هذه الأحكام، ورعاية تلك الحقوق يفضي إلى تحقيق المودَّة والأُلفة، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشرع الحنيف.
ثالثاً: مناسبةُ إلحاقِهِ بباب الصُّلْح:
لمَّا كانت غالب النزاعات والخصومات الحاصلة بين الجيران أو المتجاورين؛ تُحلُّ عن طريق المصالحة؛ كان من المناسب إلحاق أحكامه ومسائله بباب الصُّلح.
رابعاً: مِنْ أحكامِ الجِوَارِ:
- يحرمُ على الشخصِ أن يُجرِيَ ماءً في أرضِ غيره أو سَطْحِهِ بلا إذنه؛ لأنَّ فيه
стр. 563
تصرُّف في ملك الغير دون إذنه، وهو لا يجوز، ولأنَّه قد يتضرَّر بذلك في أرضه أو سَطْحِه، وقاعدة الشرع: أنَّه لا ضرر ولا ضرار.
وله أن يصالحه على ذلك بعِوَضٍ؛ لأنَّ المصالحة والحال هذه إمَّا بيع أو إجارة، وكلاهما جائز.
- يَحرُمُ على الجارِ أنْ يُحدِثَ بمِلكه ما يضرُّ بجارِه؛ كحمَّام يضرُّ ماؤه بحائطه، أو كنيفٍ يتأذَّى جارُه برائحته، أو تنُّورٍ يؤذيه باستدامة دُخانه، أو دكان جزارةٍ أو حِدادةٍ يتأذى بكثرةِ دَقِّه، أو اهتزاز حائطه جرَّاء ذلك، أو حفر بئرٍ تتسبَّب في قطع الماء عن جارِه، ونحو ذلك من كلِّ ما فيه أذىً للجار؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [رواه أحمد وابن ماجه]. ويحقُّ للجار في هذه الحال أن يمنعه من ذلك.
فإذا أحدث الشخصُ في ملكه شيئاً من ذلك، فتلف بسببه شيء لجاره فإنَّه يضمنه؛ لأنَّه متعدٍّ.
لكن يستثنى ممَّا سبق: ما يتعلَّق بالطَّبْخ والخَبْزِ من دخانٍ ونحوه؛ فلا يمنع منه الجار في مِلْكه؛ لأنَّ ضرره يسيرٌ، والحاجة تدعو إليه، فيُتسامح فيه.
- يحرمُ على الشخص التصرُّف في جِدارِ جاره أو في جِدارٍ مشتركٍ بينه وبين جارِه؛ وذلك بفتح نافذة أو طاقٍ أو بابٍ، أو ضَرْبِ وَتَدٍ ونحوه إلَّا بإذنه؛ لأنَّ ذلك انتفاع بمِلْك غيره، وتَصرُّفٌ فيه بما يضرُّ به.
وكذا يحرمُ عليه وضعُ خشبٍ على جِدار جاره، أو الجِدار المشترك بينهما، إلَّا إذا لم يمكن تسقيف بيته إلَّا بذلك، فيجوز بشرط ألَّا يلحقَ بجاره ضررٌ. ويُجْبَرُ جارُه في هذه الحال على تمكينه من ذلك إنْ أَبَى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 564
رسول الله ﷺ : (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ) [رواه البخاري، ومسلم]، ولأنَّه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضرُّه، فأشبه ما لو استند إليه.
والفَرْق في هذه الحال بين فتح النافذة والطاق في الجِدار وبين وضع الخشب عليه؛ أنَّ الخشب يمسك الحائط، بينما النافذة والطاق ونحوهما يضعفه، كما أنَّ وضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف النافذة والطاق ونحوهما؛ إذ يمكن الاستغناء عنهما. وجِدار المسجد كجِدار الدار في ذلك؛ لأنَّه إذا جاز ذلك في ملك الآدمي مع شُحِّه وضيقه، فجوازه في حقِّ الله من باب أَوْلَى.
- إذا كان للشخصِ سَطْحٌ أعلى من سَطْحِ جارِهِ، فليس له الصعود على سَطْحِهِ بحيث يُشْرفُ ويطَّلعُ على سَطْحِ جارِهِ؛ لأنَّ في ذلك إضراراً بجارِهِ، واطِّلاعاً على حُرُمِهِ، ويدلُّ على ذلك قوله ﷺ : (لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) [رواه البخاري، ومسلم]، إلَّا أن يَبْنِيَ سُتْرةً تمنع إشرافه على جارِهِ؛ فحينئذٍ لا بأس؛ لزوال المحذور.
أمَّا إذا استويا في العلوّ؛ فلم يكن سَطْحُ أحدهما أعلى من سَطْحِ الآخر؛ فإنَّهما يشتركان في بناء السُّتْرة؛ لأنَّه لا أولويَّة لأحدهما على الآخر. فإن امتنع أحدُهما من ذلك أُجبرَ عليه؛ لأنَّه حقٌّ عليه، فيُجبَرُ عليه كسائر الحقوق.
- للشخصِ أن يَستَنِدَ إلى حائطِ غيرِه ويستظلَّ بظلِّه دون إذْنِه، وله أن يسند إليه قماشه الذي يعرض عليه بضاعته دون إذنه، وله أن ينظر في ضوء سِراجِه أيضاً دون إذنه؛ لأنَّ التحرُّز من ذلك فيه مشقَّة، كما أنه لا ضرر يلحق صاحب الحائط أو السِّراج بذلك.
стр. 565
خامساً: أحكامُ المَرافِقِ العامَّة والمُشتركَة:
ومن ذلك ما يلي:
- يحرمُ على الشخص التصرُّف في طريق نافذٍ بما يضرُّ المارَّة؛ كإخراج دُكانٍ، وهو الحانوت، ودَكَّةٍ: وهي المكان المرتفع الذي يُبْنَى عند الدار ويجلس عليه، ويسمَّى بالعَتَبة أو المصْطَبة. وقيل: الدُّكَّان والدَّكَّة بمعنىً واحد، وهو: بِنَاءٌ يُسَطَّحُ أَعْلَاهُ لِلْمَقْعَدِ.
فيحرم إخراج ذلك ولو كان الطريق واسعاً، سواء أضرَّ بالمارَّة أو لا، أذِنَ فيه الإمامُ أو لا؛ لأنَّه بناء في مِلْكِ الغير، ولأنَّه إنْ لم يَضُرَّ حالاً فقد يضرُّ مآلاً، وليس للإمام أنْ يأْذَنَ فيما ليس فيه مصلحة. فإذا فعلَ الشخصُ شيئاً من ذلك، فتسبَّب في تلف شيءٍ فإنَّه يضمنُه؛ لأنَّه مُتعَدٍّ.
- وكذا يحرم إخراج جَناحٍ وسَابَاطٍ ومِيزَابٍ في طريق نافذٍ.
الجناح: هو أن يدفن شيئاً من الخشب ونحوه في الحائط؛ فيمتد إلى الخارج، ثمَّ يبني عليه ما يقارب المتر أو المترين ونحو ذلك.
والساباطُ: هو أن يجعل سقيفةً بين حائطينِ تحتها طريق. والميزَاب: هو الذي ينفذ من خلاله الماء المتجمِّع على سطح الدار، فيصبُّه في الطريق، ويسمَّى مَثعباً.
فيحرُم إخراج هذه الأشياء إلى الطريق العام؛ لأنَّه بناء في ملك الغير دون إذنٍ، ولأنَّ المارَّة قد يتضرَّرون بذلك؛ وخاصَّة الساباط؛ فإنَّه يُظلم الطريق، ويَسُدُّ الضَّوْءَ، وربَّما سقط على المارَّة، أو سقط شيء منه.
إلَّا إذا أَذِنَ الإمامُ أو مَنْ يقوم مقامه في إخراجها؛ فإنْ أَذِنَ ولم يكن في ذلك
стр. 566
ضررٌ على المارَّة جاز إخراجها؛ لأنَّه نائبُ المسلمين فإذْنُهُ كإذْنِهِم. ولحديث عمر ﵁ لمَّا اجتاز دار العبَّاس بن عبد المُطَّلِب وقد نصب ميزاباً، فأصابه الميزاب، فأمر عُمَرُ بِقَلْعهِ، فأتاه العبَّاسُ فقال: (وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَا صَعَدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِىي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَفَعَلَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ) [رواه أحمد]. ولأنَّ عادة الناس قد جرت بعملها.
أمَّا إنْ ترتَّب على إخراجها ضررٌ، كأن لا يستطيع الراكب المرور تحتها إلَّا مُنحَنِياً، أو يمرَّ الراكب تحتها فيرمي الساباطُ مثلاً عِمامَتَهُ أو يَشُجَّ رَأسَهُ، أو لا يمكن للسيارة المرتفعة المرور تحتها إلَّا بتضرُّرٍ؛ فحينئذٍ لا يجوز وضعها، ولا يجوز للإمام أن يأْذَنَ في ذلك.
- والفرق بين عدم جواز إخراج الدَّكَّة والدُّكان مطلقاً، وبين جواز إخراج الجناح والساباط والميزاب بإذن الإمام ما لم يكن ضرر: أنَّ إخراج الدَّكَّة والدُّكان يكون من الأسفل فيضيق الطريق بإخراجها، ويشقُّ على المارة، بخلاف الجناح والساباط والميزاب فإنَّ إخراجها يكون من الأعلى.
- يحرمُ إخراج ما سبق من (دَكَّة، ودُكَّان، وجناح، وساباط، وميزاب) في ملك الغير أو هوائه إلَّا بإذنه؛ لأنَّه تصرُّفٍ في ملك الغير على وجه يتضرّر به، فلم يجز إلَّا بإذن مالكه.
- وكذا يحرمُ إخراجها في دَرْبٍ غير نافذٍ إلَّا بإذن أهله؛ لأنَّ هذا الدَّرْبَ ملك لهم؛ فلم يجز إلَّا بإذنهم، لأنَّ الحقَّ لهم.
стр. 567
- وكذا يحرمُ على الشخص فتح بابٍ في ظهر داره في ملك غيره إلَّا بإذنه. وكذا يحرم فعل ذلك في دربٍ غير نافذٍ إذا كان بقصد الاستطراق؛ إلَّا بإذن أهل ذلك الدَّرب؛ لأَنَّ الدَّرْب مِلْكُهُم فلم يجُز التصرُّف فيه إلَّا بإذنهم. ويجوز الصلح على ذلك بعِوَض؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لمالكه أو لأهل الدَّرب، فجاز أخذ العِوَض عليه كسائر الحقوق.
أمَّا إن كان لغير الاستطراق؛ بأن يكون القصد منه وصول الضوء والهواء إليه، فيجوز له فتحه دون إذنهم؛ لأنَّ الحق لأهل الدَّرب في الاستطراق، ولم يزاحمهم فيه. ولأنَّ غايته التصرُّف في ملك نفسه بإزالة بعض حائطه؛ فجاز له دون إذنٍ.
- يُجبَرُ الشريك على العمارة مع شريكه في الملك أو الوقف المشترك بينهما؛ فإذا انهدم جدارهما، أو سقفهما، أو خيف ضرره بسقوطه؛ فطلب أحدهما الآخر أن يعمره معه، أُجبر على عمارته؛ لقوله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). ولأنَّه إنفاقٌ على ملكٍ مشترك يزيل الضرر عنهما، فأُجبر عليه. فإن امتنع أخذ الحاكم من ماله، أو باع من متاعه إن لم يكن له مال، وأنفق منه على حصَّته مع شريكه؛ لأنَّ الحاكم في هذه الحال يقوم مقامه؛ لامتناعه.
-إذا هدم الشريك البناء المشترك بينه وبين شريكه، وكان ذلك منه لخوف سقوطه فلا ضمان عليه؛ لأنَّه محسنٌ؛ حيث أزال الضرر الحاصل بسقوطه. أمَّا إذا لم يكن لخوف سقوطه فإنَّه يلزمه إعادته كما كان؛ لتعدِّيه على حصَّة شريكه.
- إذا اتَّفقَ الشريكان على بناء حائِطِ بُستانٍ؛ فبنَى أحدُهما ما عليه، وأهملَ الآخرُ، فما تلف من الثَّمَرَة بسبب إهمالِه؛ فإنَّه يضمن نصيب شريكه؛ لأنَّه تلف بسببه.
стр. 568
باب الحَجْر
أوَّلاً: تعريفُ الحَجْر:
الحَجْرُ لغةً: -بفتح الحاء وكسرها-: المنع والتضييق.
وشرعاً: هو منعُ الإنسانِ من التصرُّف في مالِهِ لمسوِّغٍ شرعيٍّ.
ثانياً: حُكْمُ الحَجْر:
الحَجْر جائز عند وجود مسوِّغه، والأصل في جوازه الكتاب والسنَّة:
- فمن الكتاب: قول الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]؛ أي: أموالَهم، وإنَّما أضافها إلى الأَوْلِياء؛ لأنَّهم هم القائمون عليها، والمُدَبِّرون لها.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
- ومن السُّنَّة: حديث كعب بن مالكٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ في دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ) [رواه الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما، وقد ضعَّفه جماعة].
ثالثاً: الحِكْمَة من مشروعيَّة الحَجْر:
تشريع الحَجْر من محاسن الشريعة؛ لما يترتَّب عليه من المصالح الخاصَّة والعامَّة؛ إذ فيه حفظٌ للحقوق والأموال من الضياع؛ سواء في حقِّ المحجور عليه لحظِّ نفسه
стр. 569
أو المحجور عليه لحظِّ غيره، كما أنَّ فيه إبراءً للذمَّة من الدَّين.
رابعاً: أقسام الحَجْر:
ينقسمُ الحَجْر إلى قسمين:
القسم الأوَّل: الحَجْر لحقِّ الغير؛ وذلك بأن يُحجَر عليه لتعلُّق حقِّ الغير به؛ ومن صوره ما يلي:
١) الحَجْر على المُفْلِس -وهو مَنْ كان دَيْنه أكثر من ماله- فيُحجر عليه؛ صَوْناً لحقِّ غرمائه ودائنيه.
٢) الحَجْر على الراهن -في حالة لزوم الرَّهْن- صوناً لحقِّ المرتهن.
٣) الحَجْر على المريض مَرَضَ المَوْتِ المَخُوف فيما إذا تبرَّع بأكثر من ثلث ماله؛ وذلك صوناً لحقِّ الورثة.
٤) الحَجْر على المرتدِّ؛ وذلك صَوْناً لحقِّ المسلمين في ماله؛ لأنَّ أمواله -بعد رِدَّته- صارت فَيْئاً للمسلمين.
القسم الثاني: الحَجْرُ لحقِّ النَّفس: وذلك بأن يُحْجَر عليه؛ صوناً لماله، وحفظاً له من الضياع؛ وذلك كالحجر على السفيه، والمجنون، والصغير الذي لم يبلغ؛ إذْ المصلحة في منعهم من التَّصرُّف هنا عائدة عليهم.
والفرق بين بين الحَجْر لحقِّ النفس والحَجْر لحقِّ الغير: أنَّ الحَجْر في الأوَّل يشمل المال والذمَّة؛ فليس له أن يتصرَّف في ماله ولا في ذمَّته؛ فلا يقترض، ولا يشتري بدينٍ ونحو ذلك. بخلاف الثَّاني (الحَجْر لحقِّ الغير) فإنَّه يختص بالمال دون الذمَّة؛
стр. 570
فله أن يتصرَّف في ذِمَّته، لكن ليس له أن يتصرَّف في ماله.
خامساً: أحكام الحَجْر على المَدِين:
من أحكام الحَجْر على المدين ما يلي:
- تحرُمُ مُطالبةُ المدين والحَجْر عليه بدَيْنٍ -غير قَرْضٍ- لم يحلّ؛ لأنَّه لا يلزمه أداؤُهُ قبل حلول أجله، فلا يُطالبُ به، ولا يُحجَرُ عليه من أجله.
- إذا أراد المدين السفر، ولم يوثِّق دَيْنَه برَهْنٍ يفي بالدَّين، أو بكفيلٍ مليءٍ (غنيٍّ)، فللدَّائن منعه من السفر، سواء كان الدَّيْن يَحِلُّ قبل عودته من سفره أم لا، وسواء كان السَّفر مَخُوفاً؛ كالسفر لجهاد -غير متعيَّن- ونحوه، أو غير مَخُوفٍ؛ لأنَّ الدائن سيتضرَّر بتأخير حقِّه، كما أنَّ قدوم المدين غير متيقَّن. أمَّا إذا وثَّق دَيْنه برَهْنٍ يفي بالدَّين، أو بكفيلٍ مليءٍ، فليس للدائن حينئذٍ منعه من السفر؛ وذلك لانتفاء الضرر.
- لا يحلُّ الدَّيْن المؤجَّل إذا طرأ على المدين جنون؛ لأنَّ الأجل حقٌّ له؛ فلا يسقط بجنونه.
وكذا لا يحلُّ الدَّيْن بموت المدين؛ لأنَّ الأجل حقٌّ للميِّت، فينتقل إلى ورثته؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) (١). لكن يُشترط أن يقوم الورثة بتوثيق هذا الدَّين برَهْنٍ يفي به، أو بكفيلٍ مَليءٍ؛ وذلك صوناً لحقِّ الدائن من الضياع؛ لأنَّ انتقال المال إلى الورثة مظنَّة ضياع الحقِّ، فيُحتاط لذلك بتوثيقه. فإنْ
стр. 571
لم يُوثَّق بما ذُكر فإنَّه يصبح حالًّا.
وإنَّما فُرِّقَ بين المجنون والميِّت في توثيق الدَّيْنِ؛ فاشتُرط في الثَّاني ولم يشترط في الأوَّل؛ لأنَّ المجنون يُحجر على ماله؛ حفظاً له من الضياع، فإذا حلَّ أجل الدَّيْن كان الوفاء من ماله، بخلاف الميِّت؛ فإنَّ ماله يُوزَّع بين ورثته، فإذا حلَّ الأجل كان حقُّ الدائن مَظِنَّةً للضياع، فاحتيج هنا إلى التَّوثيق.
- يجب على المدين القادر وفاء دَيْنِهِ فوراً إذا كان حالًّا، أو كان مؤجَّلاً ابتداءً ثمَّ حلَّ أجله، وطالبه به ربُّه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) [رواه البخاري ومسلم]. والمماطلة إنَّما تتحقَّق بالطَّلب؛ فمماطلة المدين بعد طلبه مع قدرته على الوفاء ظلمٌ لصاحب الحقِّ، فإنْ لم يطالبه به فلا يجب عليه قضاؤه على الفور.
فإنْ مَطَله المدين حتَّى شكاه إلى القاضي، وجب على القاضي أنْ يأمره بالوفاء، وما غَرِمه الدائن في شكايته بسبب مماطلة المدين يرجع به على المدين؛ لِتسبُّبه فِي غُرْمه.
فإنْ أبى المدين الوفاء بعد أَمْرِ القاضي له، حبسه القاضي؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه]. قال الإمام أحمد: «قال وَكيعٌ: عِرْضُه؛ شَكْواهُ. وعُقوبَتُه؛ حَبْسُه».
ولا يجوز للقاضي إخراجه من الحبس؛ لأنَّ حبسه حُكْمٌ، فليس له رفعه دون رضا المحكوم له، إلَّا إذا تبيَّن أنَّه مُعْسِرٌ لا يستطيع الوفاء، أو يؤدِّى ما عليه، أو يُبْرئه صاحب الحقِّ، أو يرضى بخروجه؛ لأنَّ حبسه حقٌّ لربِّ الدَّيْن، وقد أَسْقطه.
فإذا تبيَّن أنَّه مُعْسِرٌ، وجب إطلاقه وتخليته؛ رضي خصمه بذلك أم لا؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فقد أوجب
стр. 572
الله تعالى إنظاره، فحَرُم حَبْسُه.
ويَحرُم حينئذٍ مطالبته بما عجز عنه، أو الحَجْر عليه؛ للآية السابقة، ولحديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: (أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا؛ فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) [رواه مسلم].
وفي إنظار المعسر فضلٌ عظيمٌ؛ من ذلك ما جاء في حديث بُرَيْدَة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ). قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ). قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ)، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ). قَالَ: (لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ؛ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ) [رواه أحمد].
- إذا كان للمدين مالٌ لا يفي بديونه، فسأل غرماؤه -كلُّهم أو بعضُهم- القاضي الحَجْر عليه، لزمه إجابتهم إلى الحَجْر عليه؛ لحديث كعب بن مالك السابق في الحَجْر على مال معاذٍ ﵁. فإنْ لم يسأل أحدٌ منهم الحَجْر عليه، لم يَجُزْ للقاضي أنْ يَحْجُرَ عليه؛ لأنَّ الحَجْر حقٌّ لهم، فلا يُحْكَمُ به بغير طلبهم.
- يُسَنُّ إظهار الحَجْر بسبب الفَلَس أو السَّفَه، والإعلان عنه بين الناس؛ حتى يكونوا على بيِّنة وبصيرةٍ في التعامل مع المحجور عليه؛ فلا يتصرَّفون معه تصرُّفاً يضرُّ بهم.
стр. 573
فصل في فائدة الحَجْر
يتعلَّق بالحَجْر على المُفْلِس أربعة أحكام:
الأوَّل: تعلُّق حقِّ الغرماء بالمال؛ بمعنى أنَّ أموال المحجور عليه صارت مشغولة بحقوق غرمائه، فلا يصحُّ تصرُّفه فيها بأيِّ تصرُّفٍ؛ لا ببيعٍ، ولا شراءٍ، ولا إجارةٍ، ولا هبةٍ، ولا رهنٍ، ولا وقفٍ، ولا غير ذلك من أنواع التصرُّفات المتعلِّقة بالمال؛ لأنَّه قد تعلَّقت به حقوق غرمائه، وهذه فائدة الحَجْر؛ وإلَّا لم يكن له فائدة.
فمثلًا: لو حُكم على رجل بالحَجْر، وعنده مزرعةٌ كان قد عَرَضَها للبيع قبل الحَجْر عليه، أو سيارةٌ وضعها في المعرض للبيع قبل الحَجْر عليه، ثمَّ حُكِمَ عليه بالحَجْر، فلا يمكنه حينئذٍ بيعها؛ لتعلُّق حقِّ الغرماء بها، فلا يمكنه التصرُّف فيها. إلَّا إذا كان بيعه قبل الحَجْر؛ فإنَّه نافذٌ؛ لأنَّ سبب المنع الحَجْر، فلا يتقدَّم سببه عليه.
أمَّا التصرُّفات المتعلِّقة بذمَّته؛ كأنْ يشتري شيئاً بثمنٍ مؤجَّل، أو أنْ يقترض، أو أنْ يضمن أحداً في دَيْنِه، أو أن يُقرَّ لأحدٍ بشيءٍ في ذمَّته ونحو ذلك، فتصحُّ منه، لأنَّه أهلٌ للتصرُّف، والحَجْر إنَّما يتعلّق بماله دون ذمَّته. لكنَّه لا يُطالب بما لزمه في ذمَّته إلَّا بعد فكِّ الحَجْر عنه؛ لأنَّ المال المحجور عليه صار حقًّا للغرماء.
فمثلاً: لو اشترى سيارةً من شخصٍ بثمنٍ مؤجَّلٍ في ذمَّته، فيصحُّ شراؤه، لكنْ لا يدفع ثمنَها من هذا المال الذي حُجِر عليه؛ لتعلُّقه بحقوق خصومه، فإذا رُفع الحَجْر عنه أعطى البائع ثمنَها.
الثَّاني: أنَّ من وجد عَيْنَ ما باعَه أو أقْرَضَه للمُفْلِس (المحكوم عليه بالحَجْر)
стр. 574
عنده فهو أحقُّ به؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) [رواه البخاري، ومسلم]، لكن يشترط لذلك عدَّة شروط:
١) ألَّا يكون عالماً بالحَجْر عليه، أمَّا إنْ كان عالماً بالحَجْر عليه، فليس له أن يأخذها؛ لأنَّه عامله على بيِّنة وبصيرة بأمره، فلا عذر له، ويُعَوَّض ببَدَلِها بعد فكِّ الحَجْر عنه.
٢) أن يكون المُفْلِس حيًّا إلى وقت أخذها؛ لقول النبيِّ ﷺ : (أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي؛ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ) [رواه أبو داود، وقد ضعفه جماعة]. فلو مات المفلس قبل أخذها، لم يكن للبائع أو المقرض الرجوع بها؛ لأنَّه بالموت قد انتقل الملك عن المفلس إلى الورثة؛ أشبه ما لو باعها.
٣) أن يكون عِوَض العَيْن كلُّه باقياً في ذمَّة المُفْلِس؛ فإنْ كان المفلس قد أدَّى بعض ثمنها، أو أُبرئ منه، لم يكن للبائع الرجوع بها، ويكون حاله كحال غيره من الغرماء؛ للحديث السابق، وفيه ( … وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ … ).
٤) أن تكون السلعة أو العَيْن كلُّها باقية في مِلْكِ المُفْلِس؛ فلو خرج عن ملكه منها شيء؛ كما لو باع بعض الدار، أو الأرض، أو وهبها، أو وقف شيئاً منها، لم يكن للبائع أو المُقْرِض الرجوع بها، وكان حاله كحال غيره من الغرماء؛ لأنَّه حينئذٍ لم يدرك سلعته أو متاعه، وإنَّما أدرك بعضه، ولا يحصل له بأخذ البعض
стр. 575
فصل الخصومة، وانقطاعها بينهما.
٥) أن تكون العين أو السلعة بحالها؛ وهذا يشمل ما يلي:
- ألَّا يتلف منها شيء يُنقِصُ من قيمتها؛ كما لو انهدم بعض الدار، أو تلف بعض الثوب، ونحو ذلك.
- ألَّا تتغيَّر صفتها بما يزيل اسمها؛ كما لو كانت السلعة خشباً، فتمَّت نجارته أبواباً، أو كانت قماشاً، فتمَّت خياطته أثواباً، أو كانت دقيقاً فتمَّ خبزه، ونحو ذلك.
- ألَّا تكون قد زادت زيادة متَّصلة؛ كما لو كانت السلعة شاة، أو بقرة فسمِنَت، أو كانت نخلاً فنمت وكبرت، ونحو ذلك.
- ألَّا تكون قد خُلطت بما لا يتميَّز؛ كما لو كانت السلعة زيتاً فخُلطت بزيتٍ، أو كانت قمحاً فخلطت بقمحٍ، ونحو ذلك.
فإنْ تغيَّرت السلعة عن حالها بشيءٍ ممَّا سبق لم يكن له الرجوع بها؛ لقوله ﷺ : (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ … )، وهذا لم يجده بعينه.
٦) ألَّا يتعلَّق بها حقٌّ للغير؛ فإنْ تعلَّق بها حقٌّ للغير؛ كما لو كان المفلس قد رهنها مثلاً ثمَّ أفلس، فليس لربِّها الرجوع بها؛ لأنَّ حقَّ المرتهن أسبق، ولأنَّ في رجوعه بها إضراراً بالمرتهن، ولا يُزال الضرر بالضرر. فإنْ ردَّ المرتهن العين المرهونة، فلربِّها حينئذٍ أنْ يأخذها.
الثَّالث: أنَّه يجب على القاضي أن يقوم بقَسْم أموال المُفْلِس التي من جنس دَيْنه بين غرمائه؛ فلو كان دَيْنَه قمحاً -مثلاً- فيقسم ما عنده من القمح، أو كان دَيْنُه
стр. 576
نقداً فيقسم ما عنده من النقد.
وأمَّا أمواله التي ليست من جنس دَيْنه؛ كما لو كان دَيْنه مالاً، وهو يمتلك قمحاً -مثلاً-؛ فيجب على القاضي أن يبيع هذا القمح بسعر مثله، ثمَّ يقسم ثمنه بين الغرماء (الدائنين)، والقسمة على الغرماء تكون بحسب ديونهم؛ فمثلاً: لو كان الدَّيْنُ الذي عليه عشرة آلاف دينار، والموجود ثمانية، فيكون نسبة الثمانية إلى العشرة أربعة أخماس؛ فيُعطَى كلُّ واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله؛ فمَنْ كان له ألف يأخذ ثمانمائة، ومَنْ كان له مائة يأخذ ثمانين، ومَنْ كان دَيْنه عشرة يأخذ ثمانية، ومَنْ كان دَيْنه خمسة يأخذ أربعة، وهكذا …
والأصل في ذلك حديث معاذٍ ﵁ السابق؛ فقد باع النبيُّ ﷺ ماله وقَسَمه بين غرمائه. ولأنَّ هذا جلُّ المقصود من الحجر.
- ويجب القَسْم على الفور؛ فلا يجوز للقاضي التأخير؛ لأنَّ التأخير مَطلٌ، وفيه ظلمٌ للغرماء. ولا يجوز للقاضي أو المفلس أنْ يعطي بعضهم دون بعض؛ فإنْ فعل ذلك لم يصحَّ؛ لأنَّهم جميعا شركاء في الدَّيْن.
- ولا يجب على الغرماء إثبات أنَّه لا يوجد غريم سواهم؛ لأنّ هذا يخفى غالباً. ثمَّ إنْ ظهر بعد ذلك غريمٌ دَيْنُه حالٌّ، فإنَّه يرجع على كلِّ واحد من الغرماء بقدر حصَّته كما لو كان موجوداً معهم حال القِسْمة؛ لأنَّه لو كان حاضراً لقاسمهم، فكذلك إذا ظهر.
فمثلاً: لو كان الدَّيْن ثمانية آلاف، والموجود ستة آلاف، فقسمنا الستة بين الغرماء، ثمَّ ظهر بعد ذلك غريمٌ له دَيْن مقداره أربعة آلاف، ففي هذه الحال تُضم
стр. 577
هذه الأربعة إلى الدَّيْن السابق (ثمانية آلاف) فيكون مجموع الدَّيْن اثني عشر ألفاً، ونسبة الدَّيْن الذي ظهر إلى مجموع الدَّيْن يساوي الثلث؛ فحينئذٍ يرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
- يجب على القاضي أنْ يُجري للمُفْلِس ولمن تلزمُه نفقتُه؛ من زوجةٍ، وولدٍ، ونحو ذلك -أثناء الحَجْر على ماله- من ماله أدنى نفقةِ مِثْلِهم بالمعروف؛ من مأكلٍ، ومشربٍ، وكسوةٍ، وتجهيز ميِّتٍ، ونحو ذلك، حتَّى يُقسَّم ماله؛ لأنَّ ملكه لا يزال باقياً عليه قبل القِسْمة.
- يجب أن يُترك للمُفْلِس -عند قَسْم أمواله بين الغرماء- من ماله ما تدعو إليه حاجته؛ من مسكنٍ صالح لمثله، ونحو ذلك؛ لأنَّه ممَّا لا غنى له عنه؛ فلا يجوز بيع مسكنه في دَيْنِه؛ كما لا يجوز بيع لباسه وقُوتِهِ، إلَّا إذا كان مسكنه عين مال غرمائه أو أحدهم؛ فلا يُترك له؛ لأنَّ مَنْ وجد عين ماله فهو أحقُّ به؛ كما مرَّ بشروطه. ويُترك للمفلس من ماله بدله؛ دفعاً لحاجته.
ويجب أن يُترَكَ له أيضاً شيءٌ من ماله ليتَّجِر به إن كان تاجراً، أو تترك له آلته إن كان صانعاً؛ لأنَّ حاجته تدعو إلى ذلك؛ تحصيلاً لأسباب معيشته. قال الإمام أحمد -في رواية المَيْمُونِيِّ-: «يُتْرَكُ لَهُ قَدْرُ مَا يَقُومُ بِهِ مَعَاشُهُ وَيُبَاعُ الْبَاقِي».
الرَّابع: انقطاع الطَّلب عن المفلس؛ بمعنى أنَّه إذا حُكم على المفلس بالحَجْر، فلا يملك مَنْ باعه أو أقرضه عالماً بالحجر عليه أنْ يطلبه بثمن مبيعه أو بعوض قَرْضه حتَّى يُرفَعَ عنه الحَجْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وهو خبر بمعنى الأمر؛ أي: فأنظروه إلى مَيْسرته. ولحديث: (خُذُوا
стр. 578
مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) [رواه مسلم]، ولأنَّه هو الذي أتلف ماله بمعاملة مَنْ لا شيءَ معه، ولأنَّ مال المحجور عليه قد تعلَّق به حقُّ غرمائه، لكن إنْ وجد البائعُ أو المُقْرِض عين ماله فله أَخْذُه -كما سبق- إنْ كان جاهلاً بالحَجْر عليه.
стр. 579
فصل
في مَنْ دَفَعَ مالَهُ إلى صَغيرٍ أو مَجنونٍ أو سَفِيهٍ
- من دفع ماله -بيعاً، أو قرضاً، أو عاريَّة، أو غير ذلك- إلى صغير، أو مجنون، أو سفيه؛ فأتلفه؛ لم يكن عليه ضمانه؛ سواء كان ذلك بتعدٍّ وتفريطٍ منه أو لا، وسواء علم الدافع بالحجر عليه أم لا؛ فلو أعار زيدٌ ساعته لسفيهٍ فأتلفها، فإنَّه لا يضمنها له. وكذا لو أقرضه مائة دينار فأتلفها فإنَّه لا يضمنها له؛ لأنَّه سلَّطه على ماله باختياره، ولأنَّه مفرِّط؛ إذْ الحَجْر عليه - أي: السفيه، أو الصغير، أو المجنون- مَظِنَّةِ الشُّهْرَة، فلا يُعذر فيه بالجهل.
بخلاف ما لو أتلف شيئاً لم يُدفع إليه؛ كما لو تعدَّى المجنون على سيارة زيدٍ أو ساعته، أو غَصَبَها؛ فإنَّه يضمنها في ماله؛ لأنَّه لا تفريط من المالك حينئذٍ، وضمان المُتلَف يستوي فيه صاحبُ الأهليَّة وفاقدُها.
- ومَنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمْ (الصغير أو المجنون أو السفيه) مالًا من نقدٍ أو عينٍ ونحو ذلك، دون إذن وليِّه فإنَّه يضمنه إذا تلف؛ فرَّط أو لم يفرِّط؛ لأنَّه متعدٍّ؛ إذْ قَبَضَ ممَّن لا يصحُّ منه الدَّفْعُ. ويُسلِّمه لوليِّه؛ لأنَّه هو الذي يصحُّ قَبْضُهُ.
بخلاف ما لو أخذه ليحفظه من الضياع، فتلف دون تفريطٍ فإنَّه لا يضمن؛ فمثلاً: لو وجد سيارةً لصغيرٍ أو مجنونٍ أو سفيهٍ غَصَبَها عمرٌو، فأخذها ليحفظها له، فتلفت عنده دون تفريطٍ فإنَّه لا يضمن؛ لأنَّ فِعْلَه إحسانٌ؛ إذْ فيه إعانة على ردِّ الحقِّ لمستحقِّه. بخلاف ما لو فرَّط فإنَّه يضمن حينئذٍ؛ لتفريطه.
- إذا بلغ الصغير، أو عقل المجنون، وكانا راشِدَيْن -ذَكَرَيْنِ أو أُنْثَيَيْنِ-؛ انْفَكَّ
стр. 580
الحَجْرُ عنهما بلا حُكْمٍ من القاضي؛ لقول الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. ولأنَّ الحَجْر إنَّما كان للعجز عن التصرُّف في المال؛ حفظاً له، وقد زال ذلك بالبلوغ والرُّشْدِ، أو بالعقل والرُّشْدِ، فيزول الحَجْر حينئذٍ؛ لزوال علَّته. ويُدْفَع إليهما مالهما؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وأمَّا قبل البلوغ مع الرشد، أو العقل مع الرشد؛ فلا يدفع إليهما المال، ولو صارا شيخين كبيرين؛ لظاهر الآية السابقة. وروى الجُوزَجانِيُّ في كتابه «المُتَرجِمِ» قال: «كان القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ يَلي أَمرَ شَيخٍ من قُرَيشٍ ذي أَهلٍ ومالٍ؛ لِضَعْف عَقْلِه».
* المقصود بالرُّشد هنا:
يقصد بالرُّشد هنا: إصلاح المال، وصونُه عمَّا لا فائدة فيه؛ لقول ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ يَعني: صَلاحاً في أموالهم. فلا يُشترط صلاح الدِّين في هذا الباب؛ فلو كان فاسقاً، لكنَّه في باب الأموال صالحٌ فهو رشيد، يُدفع إليه المال.
* علاماتُ البُلوغِ:
- يبلغ الذَّكَر بواحد من ثلاثة أشياء:
١) إنزالُ المَنِيِّ؛ يقظةً أو مناماً؛ بجماعٍ، أو احتلام أو غير ذلك؛ لقول الله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، ولقوله ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ … وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي،
стр. 581
والنسائي، وابن ماجه].
٢) تمامُ خمسَ عشرةَ سنةً؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي) [رواه البخاري ومسلم].
٣) نَبَاتُ الشَّعْر الخَشِنِ القَويِّ حول الْقُبُلِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لما حَكَّم سعد بن معاذ ﵁ في بني قُريظَة، فحَكَمَ بقتل مقاتِلَتِهم، وسَبْي ذَراريهم، وأمر بأن يُكشَفَ عن مُؤْتَزَرهم؛ فمن أنْبتَ فهو من المُقاتِلة، ومن لم يُنبِتْ أُلحق بالذريَّة [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]، وقد قال له النبيُّ ﷺ : (قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللّاهِ). [رواه البخاري ومسلم].
- أمَّا الأُنثى فتبلغُ بما يبلغُ به الذَّكَرُ، وتزيد عليه بأمرين:
١) الحَيْض؛ لقوله ﷺ : (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
٢) الحَمْل؛ لأنَّ حَمْلَها دليلٌ على إنزالها المَنِيِّ؛ لأنَّ الله جَلَّت قُدْرَتُه قدَّر خَلْقَ الولد من ماء الذَّكَر والأُنثى؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧].
стр. 582
فصل في الولاية على الصَّغير والمجنون والسَّفيه
تثبت الولاية على الصغير، والبالغ السفيه، والمجنون، للأب الرشيد العدْل؛ وذلك لكمال شفقته، وحرصه على صيانة مال ولده، ولأنَّها ولايةٌ كولاية النكاح، فيُقدَّم فيها الأب. واشتُرط فيه الرُّشد والعدل ولو ظاهراً؛ لأنَّه لو لم يكن كذلك لكان إسناد الولاية إليه تضييع للمال. والمراد بالأب هنا: الأب المباشر؛ وهو الذي جاءوا من صلبه.
- فإن لم يكن له أب، أو كان موجوداً لكنَّه غير متَّصف بالوصف المذكور من رُشْدٍ وعدالةٍ؛ فوصيُّ الأب؛ وهو الذي أوصى إليه الأبُ بالقيام على أمر هؤلاء؛ لأنَّه نائبه والقائم مقامه، أشبه ما لو كان وكيله حال الحياة.
- فإن لم يكن أبٌ ولا وصيُّه انتقلت الولاية للقاضي؛ لأنَّها انقطعت من جهة الأب فتكون للقاضي؛ كولاية النكاح؛ لأنَّه وليُّ من لا وليَّ له.
- فإنْ لم يوجد قاضي أو وُجد لكنَّه غير متَّصف بالصفات المعتبرة من الرُّشد والعدالة الظاهرة، انتقلت الولاية إلى أمينٍ يتمُّ اختياره ليقوم مقام القاضي في النظر على هؤلاء.
- ولا ولاية للجدِّ، ولا للأمِّ، ولا لسائر العَصَبات على أحدٍ من هؤلاء (الصغير والسفيه والمجنون) إلَّا إذا أوصى الأبُ إلى أحدٍ منهم؛ وذلك لقصور شفقتهم، ولأنَّ المال محلٌّ للخيانة، فلا يُؤْمَنون عليه.
- يَحرُمُ على وَليِّ الصغير والسفيه والمجنون أن يتصرَّف في أموالهم إلَّا بما فيه نفع
стр. 583
ومصلحة لهم؛ لقول الله في حقِّ اليتيم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، والسفيه والمجنون في معناه؛ فمثلاً: إذا احتاج الصغير إلى بيع عقارٍ أو أرضٍ ونحو ذلك فعلى الوليِّ ألَّا يتعجَّل في البيع، بل يتريَّث حتَّى يقف على الأحظِّ والأنفع له في السِّعْر، ونحو ذلك.
وعلى ذلك؛ فليس للوليِّ أنْ يَهَبَ أو يتصدَّقَ من ماله، أو يُحابي في بيعٍ أو شراءٍ؛ فيبيع بأنقص، أو يشتري بأزْيَدَ محاباةً، فإنْ فعل شيئاً من ذلك ضمن ما تبرَّع أو حابى به؛ لأنَّه مفرِّط.
- إذا تصرَّف الصغير أو المجنون أو السفيه في ماله ببيعٍ أو شراءٍ أو هبةٍ أو وقفٍ أو إقرارٍ، لم يصح تصرُّفه؛ لقول الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]. ولأنَّهم محجور عليهم لحظِّ أنفسهم؛ فلا يصحُّ تصرُّفهم في مالهم ولا في ذِممهم؛ كما سبق.
لكنَّ السفيه إذا أقرَّ على نفسه بما يوجب إقامة الحدَّ عليه من زناً، أو قَذْفٍ، أو شُرْبِ خَمْرٍ، أو سرقةٍ، ونحو ذلك، أو أقرَّ بنَسَب ولدٍ له، أو بطلاق امرأته، أو بقصاصٍ على نفسه، صحَّ إقراره، وأُخِذَ به في الحال؛ فلا تتوقَّف إقامة الحدِّ على فكِّ الحَجْر عنه؛ لأنَّ الحَجْر متعلِّق بماله لا بنفسه.
قال ابن المنذر: «وأجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز، إذا كان إقراره بزنى، أو سرقةِ، أو شرب خمرِ، أو قذفِ، أو قتلِ، وأنَّ الحدود تقام عليه» [الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٢٢٤)].
وكذا إذا أقرَّ على نفسه بمالٍ للغير؛ كاقتراضٍ منه، أو ثمن مبيعٍ له، ونحو ذلك
стр. 584
صحَّ إقراره؛ لأنَّه مكلَّف، يلزمه ما أقرَّ به، لكن لا يؤاخذ به إلَّا بعد رَفْعِ الحَجْرِ عنه؛ حتَّى لا يزول معنى الحَجْر؛ لأنَّه لو أُخذ به في الحال لم يكن للحَجْر فائدة؛ لأنَّه إذاً يتصرَّف في ماله. لكن إنْ عَلِمَ الوَلِيُّ صحَّة إقراره لزمه -أي الوَلِيُّ- أداؤه في الحال.
стр. 585
فصل في تصرُّفات الوليِّ
- يجوز لوليِّ الصغير والسفيه والمجنون أن يأكل من مالهم إذا كان محتاجاً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيءٌ، وَلِي يَتِيمٌ. قَالَ: فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ -أي مُدَّخِرٍ-» [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه].
ويقدَّر ذلك بالأقلِّ من أجرة مثله، أو كفايته؛ فمثلاً: لو قُدِّر أنَّ كفايته مائة دينار، وأُجْرَتُه ستُّون ديناراً، لا يأخذ إلَّا الستِّين؛ لأنَّها الأقلُّ، وكذا العكس؛ فلو قُدِّر أنَّ كفايته ستُّون ديناراً، وأجرته مائة، لم يأخذ أيضاً إلِّا الستِّين؛ لأنَّه مستحقٌّ للمال من الجهتين؛ من جهة قيامه على حفظ المال ورعايته، ومن جهة فَقْرِه وحاجته، لكن لا يأخذ إلَّا الأقلَّ منهما؛ لأنَّ الأصل حفظ المال لليتيم أو السفيه أو المجنون، وإباحة الأكل إنَّما كانت لوجود الحاجة، وما أُبيح للحاجة يُقَدَّر بقَدْرِه.
- فإنْ لم يكن محتاجاً؛ بأن كان غنيًّا؛ فلا يجوز له أن يأكل من أموالهم شيئاً؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]، إلَّا إذا فرض القاضي له شيئاً منها لمصلحةٍ يراها؛ فلا بأس حينئذٍ أن يأخذ ما فَرَضَه له القاضي، ولو كان غنيًّا؛ إعمالاً للمصلحة.
- يجوز للزوجة، وكذا كلُّ متصرِّف في بيتٍ؛ كالخازن، والأجير، والخادم، ونحو ذلك أن يتصدَّق منه دون إذن صاحب البيت بما لا يضرُّ؛ كبيضة، ورغيف،
стр. 586
ونحو ذلك؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا) [رواه البخاري، ومسلم]، ولأنَّ العادة جرت بسماح النفس وطيبها بمثل ذلك دون إذنٍ.
إلَّا إذا منع ربُّ البيت من ذلك، أو كان بخيلاً، ويُشَكُّ في رضاه؛ فيحرُم حينئذٍ التصدُّق من ماله دون إذنه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) [رواه أحمد].
стр. 587
باب الوكالة
أوَّلاً: تعريفُ الوَكالَة:
الوَكالَة لغةً: بفتح الواو وكسرها؛ الحفظ والتفويض.
وشرعاً: استنابةُ شخصٍ جائزِ التَّصرُّفِ شخصاً آخرَ جائزَ التَّصرُّفِ فيما تَدْخُلُه النِّيابَةُ.
ثانياً: حُكْمُ الوَكالَة:
الوكالة جائزةٌ بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والمعقول.
- فمن الكتاب: قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]؛ أَيْ على الزَّكَاةِ؛ فقد جوَّز الله العمل عليها، وهذه تُعدُّ وكالة -في الجملة- عن المستحقين.
وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]؛ فهذه وكالة في الشراء.
- ومن السُّنَّة: فِعْلُه ﷺ ؛ فَقَدْ وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ ﵁ فِي شِرَاءِ شَاة. [رواه البخاري]، ووكَّل أبا رافع ﵁ في زواجه بميمونة ﵂. [رواه مالك، والترمذي].
- وأمَّا الإجماع: فقد أجمعت الأُمَّة على جوازها.
ثالثاً: الحِكْمَةُ من مشروعيَّة الوَكالَة:
لما كان الإنسانُ عاجزاً عن فعل كلِّ ما يحتاجه بنفسه، بل يحتاج أحياناً إلى من
стр. 588
يقوم عنه في بعض شؤونه؛ من بيع، أو شراء، ونحو ذلك؛ جاء تشريع الوكالة في الإسلام مراعاة لهذه الحاجة.
رابعاً: ما تجوزُ الوَكالَة فيه:
أ - التَّوْكِيل فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ؛ ومِنْ ذلك:
١) التوكيلُ في عُقودِ البَيعِ والشِّراءِ؛ لما مرَّ آنفاً من توكيله ﷺ عُرْوةَ في الشراء، ولأنَّ الحاجة داعية إلى التَّوكِيل في ذلك؛ لأنَّه قد يكون ممَّن لا يُحْسن البيع والشِّراء، أو لا يُمكنه الخروج إلى السُّوق، فأباحها الشَّرع دفعاً للحاجة، وتحصيلًا للمصلحة.
ويلحق بالتوكيل في البيع والشراء سائر العقود؛ كالقَرْضِ، والإجارَةِ، والشَّرِكَة، والمُضارَبَة، والمُساقاة، والهِبَة، والوَصِيَّة، والصُّلْح، وغير ذلك، فتجوز فيها الوكالة؛ لأنَّها في معنى البيع في الحاجة إلى التَّوكيل فيها، فيثبت فيها حُكمه.
٢) التوكيلُ في عقد النِّكاح؛ لأنَّه ﷺ وكَّل فيه؛ كما مرَّ. ولأنَّ الحاجة تدعو إليه؛ فإنَّ الإنسان رُبَّما رغب في التَّزوُّج من مكان بعيد، ولا يُمْكِنُه السَّفر إليه، وقد تزوَّج النَّبيُّ ﷺ أُمَّ حبيبة ﵂، وهي يومئذ بأرض الحبشة. [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي].
٣) التوكيلُ في الفَسْخِ؛ كالخُلع، والإِقالة في البيع؛ فله أن يوكِّل مَنْ يخالع زوجته، ومَنْ يُقيل بيعاً له، ونحو ذلك؛ لأنَّ ما جاز التَّوكيل في عَقْده جاز في حَلِّه من باب أَوْلَى.
٤) التوكيلُ في الطَّلاقِ؛ فله توكيل مَنْ يُطلِّق عنه؛ لأنَّه إذا جاز التوكيل في عقد
стр. 589
النِّكاح؛ جاز التوكيل في حَلِّه كما مرَّ.
٥) التوكيلُ في الرَّجْعَةِ؛ فله أنْ يُوكِّل مَنْ يراجع زوجته؛ لأنَّه يملك بالتَّوكيل ما هو أقوى من الرَّجعة، وهو إنشاء النكاح ابتداءً، فكان التوكيل في الأضعف
-وهو الرَّجعة- أَوْلَى.
ب- التوكيلُ في العبادات التي تَدْخُلُها النِّيابَةُ؛ ومِنْ ذلك:
١) التوكيلُ في الحجِّ والعُمْرَةِ؛ فله أن يوكِّل مَنْ يقوم بهما عنه؛ وذلك في نافلة الحجِّ والعمرة، أمَّا في فَرْضَيْهما فلا يجوز له التوكيل إلَّا إذا كان عاجزاً؛ وذلك لما تقدَّم في باب الحجِّ من جواز الاستنابة في الحجِّ والعمرة في حال العجز؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّاهِ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ) [رواه البخاري، ومسلم].
٢) التوكيلُ في ذبح الأُضحية، ونَحْر الهَدْي، ونحو ذلك؛ لحديث عليٍّ ﵁، قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِىَ الجَزَّارَ مِنْهَا) [رواه مسلم].
٣) التوكيلُ في العبادات الماليَّة؛ كتفريق الزَّكاة، والصدقات، والنذور، والكفَّارات؛ لأنَّه ﷺ كان يبعث عُمَّاله لقبض الصدقات، وتفريقها؛ كما في حديث معاذ ﵁؛ وفيه: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ؛ تُؤْخَذُ
стр. 590
مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) [رواه البخاري، ومسلم].
ج- التوكيلُ في الحدود؛ إثباتاً واستيفاءً:
فيجوز للحاكم أنْ يُوَكِّل مَنْ يقوم بالنَّظر في الأدلَّة التي تُثبت الحدَّ على الجاني، ويجوز له أن يُوَكِّل من يستوفي الحدود؛ فيقيمها على أربابها؛ لقوله ﷺ : (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا؛ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا) [رواه البخاري، ومسلم].
د - التوكيلُ في المطالبة بالحقوق الماليَّة، وإثباتها، والمحاكمة فيها:
فله التوكيل في المطالبة بالحقوق الماليَّة، وإثباتها، والمحاكمة فيها؛ سواء كان الموكِّل حاضراً أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً؛ لأنَّه حقٌّ تجوز النِّيابة فيه، ولأنَّ عليًّا ﵁ كان إذا كانت له خصومة يُوَكِّل عَقيل بن أبي طالب، أو عبد الله بن جعفر، وكان يقول: «مَا قُضِيَ لِوَكيلِي فَلِي، وَمَا قُضِيَ عَلَى وَكِيلِي فَعَلَيَّ» [رواه ابن أبي شيبة؛ بإسناد ضعيف].
ولأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فقد يكون للرجل حقٌّ، أو يُدَّعى عَليْه، وهو لا يُحسِن الخصومة، أو لا يُحبُّ أَنْ يتولَّاها بنفسه.
خامساً: ما لا تجوزُ الوَكالةُ فيه:
لا تجوز الوكالة فيما لا تدخله النيابة؛ ومِنْ ذلك:
١) العبادات البدنيَّة المحضة؛ كالصَّلاة، إلَّا رَكْعتي الطَّواف؛ فيجوز النيابة فيهما؛ لأنَّهما تَبعٌ للحجِّ.
стр. 591
وكذا لا تجوز الوكالة في الصِّيام، والطَّهارة مِنْ الحَدَث، والاعتكاف، والاغتسال للجمعة، ونحو ذلك؛ لأنَّها تتعلَّق ببدن المكلَّف، إذْ المقصود فعلها ببَدَنِه؛ فلا يقوم غيرُه مقامَه فيها.
٢) الأَيْمان، والنذور، واللِّعان، والإيلاء، ونحو ذلك؛ فلا تجوز الوكالة فيها؛ لأنَّها تتعلَّق بعَيْن الحالف والنَّاذر؛ فلا تدخلها النِّيابة؛ كالعبادات البدنيَّة.
٣) الشهادة؛ فلا تجوز الوكالة فيها؛ لأنَّها تتعلَّق بِعَيْن الشَّاهد؛ لكونها خبراً عمَّا رآه، أو سمعه، ولا يتحقَّق هذا المعنى في نائبه.
سادساً: صيغةُ انْعِقَادِ الوَكالَة:
- تنعقد الوكالة بكلِّ ما يدلُّ عليها من قول أو فعل؛ كوكَّلتك في بيع هذا البيت، أو فوَّضتك، أو أَذِنت لك في بيعه، أو أقمتُك مقامي، أو جعلتُك نائباً عنِّي في بيعه، أو بعْ لي هذا البيت، أو اشتره لي، أو يعطيه ثوبه بما يُفْهَم منه توكيله في خياطته، أو تغسيله، أو بيعه، ونحو ذلك من الأقوال أو الأفعال؛ لأنَّه لفظٌ أو تصرُّفٌ دالٌّ على الإذن؛ فجرى مجرى لفظ الوكالة الصريح.
- ويصح قبولها بكلِّ قولٍ أو فعلٍ يدلُّ على القبول؛ كأن يقول له: قبلتُ، أو قد فَعَلْتُ، ونحو ذلك، أو يقول له: وكَّلتُك في بيع هذه السلعة؛ فيأخذها منه بما يدلُّ على رضاه؛ فتصحُّ الوكالة وتنعقد.
وسواءٌ كان القبول على الفور أو التراخي؛ كما لو قال له: بِعْ لي هذه الدار، فقال: قبلتُ، أو كان قبوله متراخياً؛ كأنْ يَبْلُغَه بعد زمن أنَّ فلاناً قد وكَّله في بيع هذه الدار؛ فيقول: قبلتُ، أو يبيعها؛ لأنَّ قبول وكلاء النَّبيِّ ﷺ لوكالته كان
стр. 592
بفعلهم، وكان مُتراخياً عن توكيله إيَّاهم، ولأنَّه إذنٌ في التصرُّف، والإذن لا يزال قائماً، إلَّا إذا كان قد رجع عنه قبل القبول.
سابعاً: تَعْليقُ الوَكالَة وتَنْجيزُها:
تصحُّ الوكالةُ مُنجَّزة؛ كأن يقول له: أنت وكيلي الآن.
وتصحُّ مؤقَّتة؛ كأن يقول له: أنتَ وكيلي مدَّة شهر، أو سنة في بيع كذا، أو شرائه.
وتصحُّ الوكالة معلَّقة على شرط؛ كأن يقول له: إذا دخل شهر رمضان فأنت وكيلي في كذا، أو إذا جاء الشتاء فبِعْ لي هذه الدار، أو إذا طلب منك أهلي شيئاً فادْفَعْه إليهم، ونحو ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال -في غزوة مؤتة-: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) [رواه البخاري]، وهذا في معناه.
ثامناً: شروطُ صحَّة الوَكالَة:
يُشترَطُ لصحَّة الوكالة ما يلي:
١) أن يكون كلٌّ من الموكِّل والوكيل جائزي التصرُّف فيما وَكَّل أو وُكِّل فيه؛ بأنْ يكونا بالغين، عاقلين، راشدين في التصرُّفات الماليَّة؛ سواء كانا ذَكَرَيْنِ أو أُنْثَيَيْن، أو أحدُهما ذكرٌ والآخر أُنثى.
٢) تعيين الوكيل؛ بأنْ يقول الموكِّل: وكَّلت فلاناً، فإن قال: وكَّلت أحد هذين، أو وكَّل أحداً لا يعرفه، أو كان الوكيل لا يعرف الموكِّل؛ بأن قيل له: وكَّلك زيدٌ، وهو لا يعرفه؛ لم تصحَّ الوكالة؛ وذلك للجهالة.
ولا يشترط لصحَّة الوكالة عِلْم الوكيل بها؛ فمثلاً: لو باع عمرٌو سيارة زيدٍ، وكان
стр. 593
هذا التصرُّف منه فضوليًّا، ثمَّ تبيَّن أنَّ عَمْراً كان قد وكَّله في بيعها قبل البيع، صحَّت الوكالة، وصحَّ البيع؛ لأنَّ العِبْرَةَ بما في نفس الأمر، لا بما في ظنَّ المكلَّف.
٣) أن تكون الوكالة في تصرُّفٍ معلوم؛ فلو قال له: وكَّلتك في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ، أو وكَّلتك فِي كُلِّ تصرُّفٍ يجوز لي، (وهي ما تسمَّى بالوكالة المفوَّضة)؛ لم تصحَّ؛ لأنَّ هذه الصيغة تشمل كلَّ شيء يتعلَّق بتصرُّفات الموكِّل؛ من هِبَة أمواله، وطلاق نسائه، وغير ذلك؛ ولا يخفى ما في ذلك من الغرر والضرر.
وتصحُّ الوكالة في بيع المال كلِّه؛ فللموكِّل أن يوكِّل غيره في بيع ماله كلِّه؛ لأنَّه يعرف ماله، فلا غرر حينئذٍ. وله أن يوكِّل في بيع بعضه؛ لأنَّه إذا جاز التَّوكيل في كلِّه، ففي بعضه أَوْلَى.
وتصحُّ الوكالة أيضاً في المطالبة بحقوقِهِ كلِّها، أو ما شاء منها، وبالإِبراءِ منها كلِّها، أو ما شاء منها.
٤) ألَّا تكون الوكالة في عقدٍ فاسدٍ؛ فإنْ كانت في عقدٍ فاسدٍ؛ كنكاحٍ بدون وليٍّ، أو بيعٍ اشتمل على محرَّمٍ؛ كخمرٍ، أو رِباً، ونحو ذلك، لم تصحَّ؛ لأَنَّ الشرَّع حرَّم ذلك؛ فلا يملك الموكِّل أن يوكِّل فيه.
تاسعاً: توكيلُ الوَكيلِ غَيرَه:
إذا أراد الوكيل توكيل غيره فيما وُكِّل فيه؛ فلا يخلو ذلك من أحوال ثلاثة:
الحالة الأُولى: أن يأذن له الموكِّل في ذلك؛ بأن يقول له: وكَّلتك في كذا، ولك أن توكِّل من تشاء؛ فيجوز له حينئذٍ أن يوكِّل غيره؛ لأنَّه عقدٌ أَذِنَ له فيه مَنْ يملكُه.
الحالة الثَّانية: أن يمنعه الموكِّل من ذلك؛ بأن يقول له: وكَّلتك في كذا، لكن
стр. 594
ليس لك أن توكِّل أحداً سواك؛ ففي هذه الحال لا يجوز له توكيل غيره؛ لأنَّ ما نهاه عنه غير داخل في إِذْنه له بالتَّصرُّف.
الحالة الثَّالثة: أنْ يُطْلِقَ الموكِّل في الوكالة؛ فلا يصرِّح له بإذنٍ ولا منعٍ؛ فيقول له: وكَّلتك في كذا؛ فهذه الحال لها صور ثلاث:
الصورة الأُولى: أن يكون ما وُكِّل فيه ممَّا يتولَّاه الوكيل بنفسه، ويليق بمثله، ولا يعجز عنه؛ كما لو وكَّله في بيع سيارته، أو أرضه، أو داره، ونحو ذلك؛ فحينئذٍ لا يجوز له توكيل غيره إلَّا بإذن الموكِّل؛ لأنَّه قد استأمنه فيما يمكنه القيام به؛ لثقته فيه، فلعله لا يثق في غيره.
الصورة الثَّانية: أن يكون ما وُكِّل فيه ممَّا يترفَّع عنه، ولا يليق بمثله من الأعمال الوضيعة والدَّنِيَّة؛ كما لو وكَّله أن يشتري علفاً لدوابِّه كلَّ يوم؛ فيجوز له في هذه الحال أن يوكِّل غيره؛ لأنَّ الإذن في الوكالة ينصرف إلى ما جرت به العادة، وقد جرت العادة ألَّا يتولَّى أمثال هذا الوكيل ذلك العمل بنفسه.
الصورة الثَّالثة: أن يكون ما وكِّل فيه ممَّا يتولَّاه الوكيل بنفسه، ويليق بمثله، لكنَّه يعجز عن القيام به كلِّه؛ لكثرته وانتشاره؛ كما لو وكَّله في بيع عقارات كثيرة له في وقت محدَّد؛ كموسم الصيف، وهذه العقارات منتشرة في أماكن أو بلدان كثيرة، ويعجز عن القيام بذلك خلال هذا الوقت؛ فيجوز له في هذه الحال أن يوكِّل غيره في ذلك؛ لأنَّ هذا وإنْ لم يأذن فيه الموكِّل لفظاً، فهو كالمأذون فيه عُرْفاً؛ فدلالة الحال تدلُّ على الإذن فيه.
стр. 595
عاشراً: ما لا يَصِحُّ تصرُّفُ الوكيلِ فيه إلَّا بإِذْنِ المُوِكِّل:
- ليس للوكيل أن يعقد مع فقير، أو قاطع طريق، ونحو ذلك ممَّن يعسُر أخذ العِوَض منهم، إلَّا بإذن الموكِّل، فإن فعل ذلك لم يصحَّ العقد؛ لأنَّ في ذلك تغرير بمال موكِّله، وتعريضه للضياع.
- وليس له أن يبيع بعَرْض أو بمنفعةٍ، إلَّا بإذن الموكِّل؛ كما لو وكَّله في بيع سيارته؛ فباعها بإبلٍ، أو شياهٍ، ونحو ذلك، أو باعها بمنفعةٍ؛ كتأجير محلٍّ لمدَّة سنة مثلاً؛ فإنَّ ذلك لا يصحُّ؛ لأنَّ إطلاق عقد الوكالة يُحمَل على العُرْف، والعُرْف يقتضي أن يكون الثمن من الدَّراهم، أو الدَّنانير.
- وليس له أن يبيع بثمن مؤجَّلٍ، أو أن يبيع بغير عُمْلَة البلد، إلَّا بإذن الموكِّل، فإنْ فعل ذلك لم يصحَّ؛ كما لو وكَّله في بيع داره بمائة ألف دينار مثلاً، فباعها بمائة ألف دينار، لكنَّها مؤجَّلة إلى شهر، أو شهرين؛ فإنَّ العقد حينئذٍ لا يصحُّ؛ لأنَّ عقد الوكالة يقتضي أن يكون الثمن حالًّا لا مؤجَّلاً.
وكذا لو باعها بثلاثمائة ألف دولار مثلاً؛ فإنَّ العقد أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ عقد الوكالة يقتضي أن يكون الثمن بعُمْلَة بلده.
حادي عشر: ما تَبطُل به الوَكالَة:
عقد الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين المتعاقدين، وليس من العقود اللَّازمة؛ لأنَّ غايته إِذْنٌ من جهة الموكِّل، وبذلُ نفعٍ من جهة الوكيل، وكلاهما جائز، ومِنْ ثَمَّ يحقُّ لكلٍّ منهما فسخُه في أيِّ وقت دون رضى الآخر.
وإذا لم يفسخه أحدُهما فإنَّها تبطل بما يلي:
стр. 596
١) موت أحدهما، أو جنونه جنوناً مطْبِقاً: فإذا مات أحدهما -الموكِّل أو الوكيل-، أو جُنَّ جنوناً مُطْبِقاً، بطلت الوكالة؛ لأنَّه بالموت أو الجنون زالت عنهما أهليَّة التصرُّف، وقد مرَّ أنَّ من شروط الوكالة: أن يكون الموكِّل والوكيل جائزي التصرُّف.
٢) الحَجْر على أحدهما لسَفَهِه؛ فإذا حُجِر على الموكِّل أو الوكيل لسَفَهٍ؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك؛ لأنَّ السفيه ليس له أهليَّة التصرُّف. لكنَّ ذلك مقيَّد بالتصرُّفات التي يُشتَرَط لها الرُّشد؛ كالتصرفات الماليَّة؛ من بيع، وشراء، وقَرْض، وصُلْحٍ، ونحو ذلك. أمَّا التصرُّفات التي لا يُشتَرَط لها ذلك؛ كالوكالة في الطلاق، أو الرجعة، ونحو ذلك؛ فإنَّها لا تبطل بالحَجْر على أحدهما لسَفَهٍ.
٣) طروءُ فِسْقٍ على أحدهما؛ كما لو شرب أحدهما الخمر؛ فإنَّ الوكالة تبطل فيما ينافيه الفسق فقط؛ كالوكالة في إيجاب عقد النكاح، أو في إثبات حدٍّ، أو استيفائه، ونحو ذلك؛ لأنَّ الفسق أخرجه عن أهليَّة التصرُّف.
أمَّا ما لا ينافيه الفسق؛ كالوكالة في قبول النكاح، أو في البيع والشراء، ونحو ذلك؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل؛ سواء طرأ الفسق على الموكِّل أو الوكيل؛ لأنَّ الوكيل يجوز له أن يلي هذه الأمور لنفسه وإنْ كان فاسقاً؛ فجازت وكالته فيها لغيره.
٤) الحَجْر على الموكِّل لفَلَسِه؛ فإذا حُجِر على الموكِّل بسبب فَلَسِه، فإنَّ الوكالة تبطل إذا كانت في أعيان ماله التي ثبتَ الحَجْر عليها؛ وذلك لانقطاع أهليَّته للتصرُّف فيها حينئذٍ؛ فمثلاً: لو وَكَّل زيدٌ عَمْراً في بيع بيته، ثمَّ تكاثرت الديون على زيدٍ، حتَّى صار دَيْنه أكثر من ماله؛ فحُجِر على أمواله؛ فعندئذٍ تبطل وكالتُه لعمروٍ؛ فلا يملك عمرٌو بيع البيت؛ لأنَّ موكِّله (زيدٌ) لا يملك الآن بيع بيته؛
стр. 597
فلا يملكه عمرٌو من باب أَوْلى.
أمَّا إذا لم تكن الوكالة في أعيان ماله؛ بل كانت في غير ذلك؛ كما لو كانت متعلِّقة بذمَّته؛ كتوكيله في شراء شيءٍ في الذِّمة، أو في ضمانٍ، أو اقتراضٍ، ونحو ذلك، أو كانت الوكالة في نكاحٍ، أو طلاقٍ، أو خُلْعٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها لا تبطل؛ لأنَّه جائز التصرُّف فيها.
٥) رِدَّةُ الموكِّل عن الإسلام؛ فإذا ارتدَّ الموكِّل عن الإسلام -عياذاً بالله- بطلت الوكالة؛ لأنَّه ممنوع من التصرُّف في ماله حال رِدَّته؛ وذلك لتعلُّق حقِّ الغير به؛ لأنَّه إِنْ قُتِل أو مات كان ماله فَيْئًا للمسلمين.
وهذا بخلاف الوكيل؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل برِدَّته؛ لأنَّ رِدَّته لا تُؤَثِّر في تصرُّفه، وإنَّما تُؤثِّر في ماله، إلَّا إذا كانت الوكالة في عمل يتنافى مع كون الوكيل مرتدًّا؛ كما لو وُكِّل في إيجاب أو قبول نكاح امرأة مسلمة.
٦) وَطءُ زوجةٍ كان قد وَكَّل في طلاقها؛ كما لو وكَّل زيدٌ عَمْراً في طلاق امرأته، ثمَّ جامعها زيدٌ قبل إيقاع الطلاق؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك؛ لأنَّ وطأه إيَّاها دلالة على رغبتِهِ فيها، واختيارِهِ إمساكها، بخلاف القُبْلة ونحوها؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل بها.
٧) حدوثُ ما يدلُّ على رجوع أحدهما عن الوكالة؛ فإذا وُجِدَ من الموكِّل أو الوكيل ما يدلُّ على رجوعه عن الوكالة -كما في المثال السابق في حقِّ الموكِّل-؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك.
ومثاله في حقِّ الوكيل: لو قَبِل الوكيل وكالة زيدٍ في شراء بيت عمرٍو، ثمَّ بعد
стр. 598
ذلك قَبِل الوكيل وكالة عمروٍ في تأجير بيته؛ فإنَّ الوكالة الأُولى تَبطُل حينئذٍ؛ لأنَّ قبوله وكالةَ عمروٍ في تأجير بيته دلالة على رجوعه عن وكالة زيد في شرائه.
٨) تلفُ العَيْن التي وُكِّل في التَّصرُّف فيها؛ فلو وكَّله في بيع شياهٍ أو إبلٍ، ثمَّ هَلكتْ؛ فقد بطلت الوكالة؛ لأنَّ محلَّها قد ذهب.
ثاني عشر: عَزْلُ الوَكيلِ:
ينعزلُ الوكيلُ بموتِ موكِّلِهِ، أو عَزْلِهِ له، ولو لم يعلمْ بموته، ولا عزله إيَّاه؛ لأنَّ الوكالة عقدٌ جائزٌ بين طرفين؛ لا يُفتَقِر في فسخه إلى رضا الطرف الآخر؛ فكذلك لا يُفتَقِر إلى عِلْمِه.
فإذا وكَّل زيدٌ عَمْراً في بيع دارٍ، أو أرضٍ له، ثمَّ مات زيدٌ، أو عَزَل وكيلَه عَمْراً، ولم يعلم عمرٌو بموته، أو عَزْلِه؛ فإنَّه ينعزل، وتبطل الوكالة.
- ويترتَّب على ذلك: أنَّ ما بقي بيده من أموال الموكِّل تكون أمانة في يده؛ لا يضمن تلفها إلَّا بالتعدِّي أو التفريط، أو التصرُّف فيها؛ كما لو نقلها من مكان إلى آخر فتَلِفَت؛ فإنَّه يضمنها؛ لأنَّ تصرفه حينئذٍ باطلٌ؛ لعَزْلِه، إلَّا في العفو عن القصاص بعد إنفاذه؛ فإنَّه لا يضمن.
وصورته: أن يكون وكيلاً في القصاص، فيستوفيه بمقتضى الوكالة، لكنَّ الموكِّل كان قد عزله، وعفا عن القصاص قبل استيفائه، ولم يعلم الوكيل بذلك؛ ففي هذه الحال لا ضمان عليه؛ لأنَّ العفو حصل على وجه لا يمكن استدراكه.
стр. 599
فصل
في ضمان الوكيل إذا خالف
- إذا باع الوكيلُ السِّلعةَ الموكَّل في بيعها بأقلَّ ممَّا قدَّره له الموكِّل، أو بأقلَّ من ثمن المثل -إذا لم يُقدِّر له الموكِّل ثمناً-؛ كما لو قال له الموكِّل: بِعْ لي هذه السيارة بعشرة آلاف دينار؛ فباعها بتسعة، أو بتسعة ونصف، أو لم يُقدِّر له الموكِّلُ ثمناً؛ فباعها بتسعة آلاف، أو بتسعة ونصف، ومثلُها يساوي عشرة؛ فإنَّ البيع صحيح؛ لأنَّ مَنْ صحَّ بيعه وشراؤه بثمنٍ، صحَّ بأنقص منه وَأَزْيدَ، لكنَّ الوكيل يضمن له هذا النقص؛ وذلك لتفريطه؛ بترك الاحتياط، وطلب الأحظِّ له.
إلَّا في حالة عدم تقدير الثمن له، وكان النقص قليلاً، يُتغافل عنه في العادة؛ فإنَّه لا يضمن شيئاً؛ كما لو باعها بعشرة آلاف إلَّا خمسين، أو إلَّا ثلاثين؛ لأنَّ مثل هذا معفوٌّ عنه؛ إذ لا يمكن التحرُّز منه.
- وكذا لو اشترى بأكثر ممَّا قدَّره له الموكِّل، أو بأكثر من ثمن المثل -إذا لم يقدِّر له الموكِّل ثمناً-؛ فلو قال له: اشتر لي سيارة؛ نوعها كذا، ووصفها كذا، بعشرة آلاف دينار؛ فاشتراها له بأحد عشر ألفاً. أو لم يحدِّد له ثمناً للشراء؛ فاشتراها بأحد عشر ألفاً، وسعر مثلها يساوي عشرة آلاف؛ فالبيع هنا أيضاً صحيح، لكنَّه يضمن هذه الزيادة لموكِّله على النحو السابق.
- إذا قال الموكِّل لوكيله: بِعْ هذه الأرض، أو الدار، أو غير ذلك لزيدٍ؛ فباعها لغيره، فإنَّ البيع باطل؛ لأنَّه قد يكون له غرضٌ في تمليكِ زيدٍ إياها دون غيره؛ فلا تجوز مخالفته، إلَّا إذا علم الوكيل صراحة أو بقرينة أنَّه لا غرض له في عين زيدٍ،
стр. 600
فيصحُّ البيع حينئذٍ.
- إذا أَمَر الموكِّل وكيله أنْ يدفع ثوباً ونحوه إلى خياطٍ معيَّن؛ ليَخِيطَه، أو يُقَصِّرَهُ، ونحو ذلك، فدفعه إليه، ثمَّ نَسِيَه عنده، فضاع الثوب؛ لم يضمنه للموكِّل؛ لأنَّه أُمِرَ بدفعه إليه فقط، ففعل؛ فلم يتعدَّ ولم يُفرِّط حتَّى يضمن.
وإذا لم يُعيِّن له الموكِّل خيَّاطاً بعينه، بل أعطاه الثوب، وقال له: ادفعه إلى مَنْ يَخِيطه، أو يُقصِّره؛ فدفعه الوكيل إلى خيَّاطٍ لا يعرفه، ولا يعرف اسمه، ولا دُكَّانه، فضاع الثوب؛ فإنَّه يضمنه للموكِّل؛ لأنَّه في هذه الحالة مُفَرِّط.
- الوكيل أمينٌ على ما تحت يده من أموال المُوَكِّل؛ فلا يضمنُ ما تَلِفَ عنده منها إلَّا بالتعدِّي، أو التفريط؛ فمثلاً: إذا باع ما وُكِّل في بيعه من أرضٍ، أو دارٍ، أو غير ذلك، وقَبَض الثمن، ثمَّ غُصِب منه، أو سُرِق -وقد حفظه في حِرْزٍ-؛ فإنَّه لا يضمن؛ لأنَّه لم يفرِّط.
أمَّا إذا تعدَّى؛ كما لو قبض الثمن، ثمَّ أقرضه غيره، أو تصرَّف فيه، وضاع المال؛ فإنَّه يضمنه؛ لتعدِّيه. وكذا لو قَبَض الثمن، وتركه في مكانٍ غير آمنٍ، فضاع، أو سُرِق؛ فإنَّه يضمنه؛ لتفريطه.
- إذا ادَّعى الوكيل أنَّ المال أو العَيْن الموكَّل بها قد تلفت، وأنَّه لم يُفرِّط؛ فالقول قوله بيمينه؛ لأنَّه أمين؛ فالأصل براءة ذِمَّته، ولا يُكَلَّف إقامة البيِّنة على ذلك؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتعَذَّر إقامةُ البيِّنة عليه، ولأنَّه لو كُلِّف ذلك لامتنع الناسُ من الدخولِ في الأماناتِ، مع حاجاتهم إليها؛ فيلحقهم الضَّرر بذلك.
إلَّا إذا ادَّعى تلف المال بسببٍ ظاهرٍ؛ كحدوث حريقٍ، أو نَهْبٍ، ونحو ذلك ممَّا