Полный текст (1 425 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
١) موت أحدهما، أو جنونه جنوناً مطْبِقاً: فإذا مات أحدهما -الموكِّل أو الوكيل-، أو جُنَّ جنوناً مُطْبِقاً، بطلت الوكالة؛ لأنَّه بالموت أو الجنون زالت عنهما أهليَّة التصرُّف، وقد مرَّ أنَّ من شروط الوكالة: أن يكون الموكِّل والوكيل جائزي التصرُّف.
٢) الحَجْر على أحدهما لسَفَهِه؛ فإذا حُجِر على الموكِّل أو الوكيل لسَفَهٍ؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك؛ لأنَّ السفيه ليس له أهليَّة التصرُّف. لكنَّ ذلك مقيَّد بالتصرُّفات التي يُشتَرَط لها الرُّشد؛ كالتصرفات الماليَّة؛ من بيع، وشراء، وقَرْض، وصُلْحٍ، ونحو ذلك. أمَّا التصرُّفات التي لا يُشتَرَط لها ذلك؛ كالوكالة في الطلاق، أو الرجعة، ونحو ذلك؛ فإنَّها لا تبطل بالحَجْر على أحدهما لسَفَهٍ.
٣) طروءُ فِسْقٍ على أحدهما؛ كما لو شرب أحدهما الخمر؛ فإنَّ الوكالة تبطل فيما ينافيه الفسق فقط؛ كالوكالة في إيجاب عقد النكاح، أو في إثبات حدٍّ، أو استيفائه، ونحو ذلك؛ لأنَّ الفسق أخرجه عن أهليَّة التصرُّف.
أمَّا ما لا ينافيه الفسق؛ كالوكالة في قبول النكاح، أو في البيع والشراء، ونحو ذلك؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل؛ سواء طرأ الفسق على الموكِّل أو الوكيل؛ لأنَّ الوكيل يجوز له أن يلي هذه الأمور لنفسه وإنْ كان فاسقاً؛ فجازت وكالته فيها لغيره.
٤) الحَجْر على الموكِّل لفَلَسِه؛ فإذا حُجِر على الموكِّل بسبب فَلَسِه، فإنَّ الوكالة تبطل إذا كانت في أعيان ماله التي ثبتَ الحَجْر عليها؛ وذلك لانقطاع أهليَّته للتصرُّف فيها حينئذٍ؛ فمثلاً: لو وَكَّل زيدٌ عَمْراً في بيع بيته، ثمَّ تكاثرت الديون على زيدٍ، حتَّى صار دَيْنه أكثر من ماله؛ فحُجِر على أمواله؛ فعندئذٍ تبطل وكالتُه لعمروٍ؛ فلا يملك عمرٌو بيع البيت؛ لأنَّ موكِّله (زيدٌ) لا يملك الآن بيع بيته؛
стр. 597
فلا يملكه عمرٌو من باب أَوْلى.
أمَّا إذا لم تكن الوكالة في أعيان ماله؛ بل كانت في غير ذلك؛ كما لو كانت متعلِّقة بذمَّته؛ كتوكيله في شراء شيءٍ في الذِّمة، أو في ضمانٍ، أو اقتراضٍ، ونحو ذلك، أو كانت الوكالة في نكاحٍ، أو طلاقٍ، أو خُلْعٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها لا تبطل؛ لأنَّه جائز التصرُّف فيها.
٥) رِدَّةُ الموكِّل عن الإسلام؛ فإذا ارتدَّ الموكِّل عن الإسلام -عياذاً بالله- بطلت الوكالة؛ لأنَّه ممنوع من التصرُّف في ماله حال رِدَّته؛ وذلك لتعلُّق حقِّ الغير به؛ لأنَّه إِنْ قُتِل أو مات كان ماله فَيْئًا للمسلمين.
وهذا بخلاف الوكيل؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل برِدَّته؛ لأنَّ رِدَّته لا تُؤَثِّر في تصرُّفه، وإنَّما تُؤثِّر في ماله، إلَّا إذا كانت الوكالة في عمل يتنافى مع كون الوكيل مرتدًّا؛ كما لو وُكِّل في إيجاب أو قبول نكاح امرأة مسلمة.
٦) وَطءُ زوجةٍ كان قد وَكَّل في طلاقها؛ كما لو وكَّل زيدٌ عَمْراً في طلاق امرأته، ثمَّ جامعها زيدٌ قبل إيقاع الطلاق؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك؛ لأنَّ وطأه إيَّاها دلالة على رغبتِهِ فيها، واختيارِهِ إمساكها، بخلاف القُبْلة ونحوها؛ فإنَّ الوكالة لا تبطل بها.
٧) حدوثُ ما يدلُّ على رجوع أحدهما عن الوكالة؛ فإذا وُجِدَ من الموكِّل أو الوكيل ما يدلُّ على رجوعه عن الوكالة -كما في المثال السابق في حقِّ الموكِّل-؛ فإنَّ الوكالة تبطل بذلك.
ومثاله في حقِّ الوكيل: لو قَبِل الوكيل وكالة زيدٍ في شراء بيت عمرٍو، ثمَّ بعد
стр. 598
ذلك قَبِل الوكيل وكالة عمروٍ في تأجير بيته؛ فإنَّ الوكالة الأُولى تَبطُل حينئذٍ؛ لأنَّ قبوله وكالةَ عمروٍ في تأجير بيته دلالة على رجوعه عن وكالة زيد في شرائه.
٨) تلفُ العَيْن التي وُكِّل في التَّصرُّف فيها؛ فلو وكَّله في بيع شياهٍ أو إبلٍ، ثمَّ هَلكتْ؛ فقد بطلت الوكالة؛ لأنَّ محلَّها قد ذهب.
ثاني عشر: عَزْلُ الوَكيلِ:
ينعزلُ الوكيلُ بموتِ موكِّلِهِ، أو عَزْلِهِ له، ولو لم يعلمْ بموته، ولا عزله إيَّاه؛ لأنَّ الوكالة عقدٌ جائزٌ بين طرفين؛ لا يُفتَقِر في فسخه إلى رضا الطرف الآخر؛ فكذلك لا يُفتَقِر إلى عِلْمِه.
فإذا وكَّل زيدٌ عَمْراً في بيع دارٍ، أو أرضٍ له، ثمَّ مات زيدٌ، أو عَزَل وكيلَه عَمْراً، ولم يعلم عمرٌو بموته، أو عَزْلِه؛ فإنَّه ينعزل، وتبطل الوكالة.
- ويترتَّب على ذلك: أنَّ ما بقي بيده من أموال الموكِّل تكون أمانة في يده؛ لا يضمن تلفها إلَّا بالتعدِّي أو التفريط، أو التصرُّف فيها؛ كما لو نقلها من مكان إلى آخر فتَلِفَت؛ فإنَّه يضمنها؛ لأنَّ تصرفه حينئذٍ باطلٌ؛ لعَزْلِه، إلَّا في العفو عن القصاص بعد إنفاذه؛ فإنَّه لا يضمن.
وصورته: أن يكون وكيلاً في القصاص، فيستوفيه بمقتضى الوكالة، لكنَّ الموكِّل كان قد عزله، وعفا عن القصاص قبل استيفائه، ولم يعلم الوكيل بذلك؛ ففي هذه الحال لا ضمان عليه؛ لأنَّ العفو حصل على وجه لا يمكن استدراكه.
стр. 599
فصل
في ضمان الوكيل إذا خالف
- إذا باع الوكيلُ السِّلعةَ الموكَّل في بيعها بأقلَّ ممَّا قدَّره له الموكِّل، أو بأقلَّ من ثمن المثل -إذا لم يُقدِّر له الموكِّل ثمناً-؛ كما لو قال له الموكِّل: بِعْ لي هذه السيارة بعشرة آلاف دينار؛ فباعها بتسعة، أو بتسعة ونصف، أو لم يُقدِّر له الموكِّلُ ثمناً؛ فباعها بتسعة آلاف، أو بتسعة ونصف، ومثلُها يساوي عشرة؛ فإنَّ البيع صحيح؛ لأنَّ مَنْ صحَّ بيعه وشراؤه بثمنٍ، صحَّ بأنقص منه وَأَزْيدَ، لكنَّ الوكيل يضمن له هذا النقص؛ وذلك لتفريطه؛ بترك الاحتياط، وطلب الأحظِّ له.
إلَّا في حالة عدم تقدير الثمن له، وكان النقص قليلاً، يُتغافل عنه في العادة؛ فإنَّه لا يضمن شيئاً؛ كما لو باعها بعشرة آلاف إلَّا خمسين، أو إلَّا ثلاثين؛ لأنَّ مثل هذا معفوٌّ عنه؛ إذ لا يمكن التحرُّز منه.
- وكذا لو اشترى بأكثر ممَّا قدَّره له الموكِّل، أو بأكثر من ثمن المثل -إذا لم يقدِّر له الموكِّل ثمناً-؛ فلو قال له: اشتر لي سيارة؛ نوعها كذا، ووصفها كذا، بعشرة آلاف دينار؛ فاشتراها له بأحد عشر ألفاً. أو لم يحدِّد له ثمناً للشراء؛ فاشتراها بأحد عشر ألفاً، وسعر مثلها يساوي عشرة آلاف؛ فالبيع هنا أيضاً صحيح، لكنَّه يضمن هذه الزيادة لموكِّله على النحو السابق.
- إذا قال الموكِّل لوكيله: بِعْ هذه الأرض، أو الدار، أو غير ذلك لزيدٍ؛ فباعها لغيره، فإنَّ البيع باطل؛ لأنَّه قد يكون له غرضٌ في تمليكِ زيدٍ إياها دون غيره؛ فلا تجوز مخالفته، إلَّا إذا علم الوكيل صراحة أو بقرينة أنَّه لا غرض له في عين زيدٍ،
стр. 600
فيصحُّ البيع حينئذٍ.
- إذا أَمَر الموكِّل وكيله أنْ يدفع ثوباً ونحوه إلى خياطٍ معيَّن؛ ليَخِيطَه، أو يُقَصِّرَهُ، ونحو ذلك، فدفعه إليه، ثمَّ نَسِيَه عنده، فضاع الثوب؛ لم يضمنه للموكِّل؛ لأنَّه أُمِرَ بدفعه إليه فقط، ففعل؛ فلم يتعدَّ ولم يُفرِّط حتَّى يضمن.
وإذا لم يُعيِّن له الموكِّل خيَّاطاً بعينه، بل أعطاه الثوب، وقال له: ادفعه إلى مَنْ يَخِيطه، أو يُقصِّره؛ فدفعه الوكيل إلى خيَّاطٍ لا يعرفه، ولا يعرف اسمه، ولا دُكَّانه، فضاع الثوب؛ فإنَّه يضمنه للموكِّل؛ لأنَّه في هذه الحالة مُفَرِّط.
- الوكيل أمينٌ على ما تحت يده من أموال المُوَكِّل؛ فلا يضمنُ ما تَلِفَ عنده منها إلَّا بالتعدِّي، أو التفريط؛ فمثلاً: إذا باع ما وُكِّل في بيعه من أرضٍ، أو دارٍ، أو غير ذلك، وقَبَض الثمن، ثمَّ غُصِب منه، أو سُرِق -وقد حفظه في حِرْزٍ-؛ فإنَّه لا يضمن؛ لأنَّه لم يفرِّط.
أمَّا إذا تعدَّى؛ كما لو قبض الثمن، ثمَّ أقرضه غيره، أو تصرَّف فيه، وضاع المال؛ فإنَّه يضمنه؛ لتعدِّيه. وكذا لو قَبَض الثمن، وتركه في مكانٍ غير آمنٍ، فضاع، أو سُرِق؛ فإنَّه يضمنه؛ لتفريطه.
- إذا ادَّعى الوكيل أنَّ المال أو العَيْن الموكَّل بها قد تلفت، وأنَّه لم يُفرِّط؛ فالقول قوله بيمينه؛ لأنَّه أمين؛ فالأصل براءة ذِمَّته، ولا يُكَلَّف إقامة البيِّنة على ذلك؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتعَذَّر إقامةُ البيِّنة عليه، ولأنَّه لو كُلِّف ذلك لامتنع الناسُ من الدخولِ في الأماناتِ، مع حاجاتهم إليها؛ فيلحقهم الضَّرر بذلك.
إلَّا إذا ادَّعى تلف المال بسببٍ ظاهرٍ؛ كحدوث حريقٍ، أو نَهْبٍ، ونحو ذلك ممَّا
стр. 601
لا يخفى، في داره، أو دُّكانه، أو شَرِكَته؛ فحينئذٍ لا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بإقامة البيِّنة على حدوث ذلك؛ لأنَّه أمرٌ ظاهرٌ لا يخفى؛ فلا تتعذَّر إقامة البيَّنة عليه.
ثُمَّ يُقبَل قولُه بيمينه في أنَّ تلف المال كان بسبب هذا الحريق، أو ذاك النَّهب؛ وذلك لتعذُّر إقامة البيِّنة على تلفه به.
- إذا ادَّعى الوكيل أنَّ موكِّله قد أَذِنَ له في البيع بالأجل، أو بغير عُمْلَة البلد، وأنكر ذلك الموكِّل؛ فالقول قول الوكيل؛ لأنَّه أمين في التَّصرُّف؛ فكان القول قوله في صفة هذا التصرُّف.
- إذا ادَّعى الوكيل أنَّه قد ردَّ العَيْن الموكَّل بها إلى الموكِّل، أو ادَّعى ردَّ ثمنها إليه، وأنكر ذلك الموكِّل؛ فالقول قول الوكيل بيمينه، إنْ كان متبرِّعاً بالوكالة؛ لأنَّه إنَّما قَبِل الوكالة لنفع الموكِّل، لا لحظِّ نفسه؛ فيُقبَل قوله في الردِّ؛ كالمودَع والوصيِّ.
بخلاف ما لو كانت وكالتُه في مقابل جُعْلٍ؛ فلا تُقْبَل دعواه الرَّد إلَّا ببيِّنة؛ لأنَّ وكالته كانت لنفع نفسه؛ فلم تُقبل دعواه؛ كالمستعير.
وكذا لو ادَّعى ردَّ العَيْن أو ثمنها إلى ورثة الموكِّل؛ كزوجةٍ، أو أبناءٍ، ونحو ذلك؛ فلا تُقبل دعواه مطلقاً؛ سواءً كانت الوكالة بجُعلٍ، أم كان متبرِّعاً بها، إلَّا إذا أقام البيِّنة على دعواه؛ لأنَّهم لم يأْتَمِنوه ابتداءً عليها؛ فلا يُقبل منه مجرَّد الدعوى.
- إذا كان على الشخص حقٌّ لغيره؛ كديْنٍ، أو عاريةٍ، أو وديعةٍ، ونحو ذلك، فجاءه رجل آخر، وادَّعى أنَّه وكيلٌ لصاحب الحقِّ في قَبْضِه، وصَدَّقه المَدِين، أو مَنْ عنده الحقُّ، لم يلزمه دَفعُه إليه؛ لأنَّه لا يبرأُ بهذا الدفع؛ لجواز أن يُنكرَ صاحب الحقِّ هذه الوكالَة؛ فتلحقه تبعة ذلك.
стр. 602
أمَّا إذا ادَّعى موت صاحب الحقِّ، وأنَّه وارثه، فصدَّقه المدين، أو مَنْ عنده الحقُّ؛ فإنَّه يلزمه دفعه إليه؛ لأنَّه قد أقرَّ له بهذا الحقِّ، وأنَّه قد انتقل إليه، وحينئذٍ يبرأ بدفعه إليه.
وإنْ كذَّبه في موت صاحب الحقِّ، أو في أنَّه وارثه؛ لزمه الحلف على ذلك؛ أي: أنَّه لا يعلم صحَّة ما ادَّعاه؛ من موت صاحب الحقِّ، أو أنَّه وارثه؛ لأنَّه إذا لزمه الدفع حال إقراره له بصحَّة ذلك؛ فإنَّه يلزمه اليمين حال إنكاره، وحينئذٍ لا يلزمه دفعه إليه.
стр. 603
كتاب الشَّرِكَة
أوَّلاً: تعريفُ الشَّرِكَة:
الشَّرِكة: -بفتح الشين مع كسر الرَّاء وسكونها، وبكسر الشين مع سكون الرَّاء- مشتقَّة من الاشتراك الذي هو الاجتماع.
وشرعاً: هي اجتماعٌ في استحقاقٍ، أو اجتماع في تصرُّفٍ.
ثانياً: حُكمُ الشَّرِكَة:
الشركةُ جائزة بالكتاب، والسُنَّة، والإجماع.
- فمن الكتاب: قوله : ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء هم الشركاء.
- ومن السُّنَّة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا) [أخرجه أبو داود، وجوَّد إسناده ابن الملقِّن، وأعلَّه ابن القطَّان والدارقطني].
ولحديث أبي المِنْهَالِ قال: (اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَسَأَلْنَاهُ. فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ) [رواه البخاري].
- وأمَّا الإجماع؛ فقد أجمع العلماء على جوازها في الجملة.
стр. 604
ثالثاً: الحِكمَةُ من مشروعيَّة الشَّرِكَة:
تشريع الشَّركة من محاسن هذه الشَّريعة؛ لما يترتَّب عليها من المصالح لكلا الشريكين؛ فقد يمتلكُ الرَّجلُ أموالاً كثيرة لكنَّه لا يستطيع إدارتها والاتِّجار بها، فيدفعها إلى آخر يمتلكُ الخِبرة والإدارة، فيُديرها ويتَّجر بها، ويحصل الرِّبح؛ فيقتسماه، وتعود الفائدة والمصلحة عليهما جميعاً.
ثالثاً: أنواعُ الشَّرِكَة:
الشركةُ نوعان:
النوع الأوَّل: شركة أملاك واستحقاق؛ بمعني أن يجتمع أو يشترك شخصان أو أكثر في استحقاقٍ؛ تملَّكاه بطريق الميراث، أو الهبة، أو الوصيِّة، ونحو ذلك.
مثاله: أن يرث الورثة عن مورِّثهم عقاراً أو أرضاً؛ فهم شركاء في ذلك، أو يوصي زيدٌ لعمروٍ ومحمَّدٍ بدارٍ، أو يهبها لهما، ونحو ذلك؛ فهي بينهما نصفين.
وهذا النَّوع من الشركة هو المراد بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. وليس هو المراد عند إطلاق الفقهاء للفظة الشَّركة.
النوع الثَّاني: شركة تصرُّف أو عقود؛ بمعنى أن يتعاقد اثنان أو أكثر في شيءٍ يشتركان فيه؛ فلا تثبت إلَّا بعقدٍ بينهما.
وهذا النوع هو المراد هنا. وهو على خمسة أقسام، وبيانها على النحو التالي:
стр. 605
القسم الأول: شَرِكةُ العِنَان:
١) تعريفُها:
هي: أن يشترك شخصان أو أكثر في مالٍ يتَّجران فيه، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتَّفقان عليه، وما كان من نقصٍ فهو عليهما.
وسُمِّيت بالعِنان؛ أخذاً من عِنان الفرس؛ وهو السير الذي يرتبط باللِّجام ويُمسك به الفارس؛ وذلك لأنَّ الشريكين فيها يتساويان في التصرُّف في مال الشّركة؛ كفارِسَيْن استويا على فَرَسَيْنِ وتساويا في السَّيْر. فعِنان كلِّ واحدٍ منهما يكون مساوياً لعِنان الآخر.
ففي شركة العِنان يحقُّ لكلِّ واحدٍ من الشَّريكين أن يتصرَّف في جميع مال الشَّركة بما فيه مصلحتها؛ فيبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم، ونحو ذلك من كلِّ ما فيه حظٌّ للشَّركة؛ لأنَّ تصرُّفه في نصيبه بحكم مِلكيَّته له، وتصرُّفه في نصيب شريكه بحكم الوكالة التي يقتضيها عقد الشَّركة، ولا يحتاج إلى إذنٍ في ذلك؛ لأنَّ مقتضى عقد الشَّركة ولازمه: التصرُّف في هذا المال المشترك.
مثالها: أن يشترك عمروٌ وزيدٌ في مالٍ؛ فيدفع عمروٌ عشرة آلاف دينار، ويدفع زيدٌ مثله، أو يدفع عمروٌ عشرين ألفاً، وزيدٌ عشرة آلاف، ويتَّجران في هذا المال؛ فيعمل هذا، ويعمل ذاك، ويكون الرِّبح بينهما بحسب ما يتَّفقان عليه؛ فهي إذاً شركة في المال والعمل.
٢) حُكمُها:
شركة العِنان جائزة بالإجماع إذا كانت ممَّن يجوز تصرُّفه؛ بأنْ يكون بالغاً،
стр. 606
عاقلاً، رشيداً، وإن كان هناك خلاف في بعض شروطها.
٣) شروطُها:
يشترط لصحَّة شركة العِنان أربعة شروط:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون رأس المال من النقدين (الذَّهب والفضَّة) المضروبين -أي الدراهم والدنانير-، أو ما يقوم مقامهما من الأوراق الماليَّة المعاصرة؛ لأنَّهما ثمن المبيعات، وقِيم المتلفات، والناس يشتركون بهما منذ زمن النبيِّ ﷺ إلى زماننا هذا دون نكيرٍ.
* هل يصحُّ أن يكون رأس المال من العُرُوض؟
لا يصحُّ أنْ يكون رأس المال من العُرُوض؛ كالثِّياب أو الطَّعام، أو السيَّارات، أو العقارات؛ لأنَّ قيمتها غير منضبطة؛ فقد تزيد وقد تنقص، وقد تزيد قيمة عُروض أحدهما، وتنقص قيمة عُروض الآخر؛ فإذا أراد الشريكان -مثلاً- فسخ الشركة بعد مدَّة، وأنْ يرجع كلُّ واحد منهما برأس ماله ونصيبه من الربح، وقد زادت قيمة هذه العقارات أو السيارات، أو نقصت؛ فعلى أيِّ أساسٍ يتمُّ حساب قيمتها وقت فسخ الشركة؛ على أساس الزيادة، أو النقصان، أو على قيمتها وقت عقد الشركة؟
ولو زادت قيمة عقارات أحدهما؛ فربما استوعب الربح كلَّه، ولا يبقى لشريكه شيءٌ في الربح. وقد تنقص؛ فيشاركه الآخر في رأس ماله الذي هو قيمة عقاره … ؛ فمثل هذا يُفضي إلى الغرر؛ فلا يجوز أن يكون رأس المال من العُرُوض.
والرواية الأخرى: أنَّه يجوز أن يكون رأس المال من العُرُوض، وتكون قيمتها
стр. 607
وقت العقد هي رأس المال؛ فينتفي بذلك الغرر.
* هل يشترطُ اتِّفاقُ مالِ الشريكين في جِنْسِ النَّقْدِ؟
- لا يشترط هنا الاتِّفاق في جنس النَّقد؛ فلأحدهما أن يدفع بالدينار، والآخر بالدراهم، أو يدفع أحدهما بالدولار، والآخر بالجنيه الاسترليني، ونحو ذلك؛ لأنَّ المقصود هو الربح، وهو حاصل، وإنْ اختلف جنس النقد.
- ولا يشترط أيضاً التَّساوي في المال؛ فيجوز أن يشترك أحدهما بعشرة آلاف دينار -مثلاً-، والآخر بخمسة آلاف.
الشَّرط الثَّاني: أن يكون مال كلٍّ من الشَّريكين أو الشُّركاء معلوماً قَدْراً وصِفَةً؛ فيكون لزيدٍ -مثلاً- عشرة آلاف دينار، ولعمرٍو عشرة آلاف دينار، أو يكون لزيدٍ عشرة آلاف دينار، ولعمرٍو عشرة آلاف درهم، ولمحمَّدٍ عشرة آلاف دولار … ، وهكذا؛ فلا يصحُّ أن يكون رأس مال أحدهما مجهولاً؛ لأنَّ جهالته غرر، وقد نهت الشَّريعة عن الغرر، ولأنَّه عند فسخ الشركة سيرجع كلُّ شريكٍ بماله، ولا يمكن معرفة نصيب كلِّ واحدٍ منهم إلَّا إذا كان أصل ماله الذي دخل به الشَّركة معلوماً قَدْراً وصِفَةً.
الشَّرط الثَّالث: حضور المَالَيْن وقت عقد الشَّركة؛ فلا تصحُّ الشَّركة على مال غائبٍ، ولا على مالٍ في الذمَّة؛ فلو اتفق زيد وعمرٌو على عقد شركةٍ بينهما، وفي ذمَّة كلِّ واحد منهما عشرة آلاف لم تصحَّ الشَّركة، ولم تنعقد؛ لأنَّ مقصود الشَّركة هو التَّصرُّف في المال في الحال، وهو متعذِّر هنا؛ لعدم وجوده.
стр. 608
* هل يشترطُ خَلْط المَالَيْن معاً؟
لا يشترط لصحَّة الشَّركة خَلْط المَالَيْن معاً، ولا أنْ يكون المال بأيدي الشُّركاء؛ فيصحُّ أن يبقى مال كلِّ واحدٍ من الشَّريكين أو الشُّركاء بيده؛ لأنَّ المقصود من هذه الشَّركة هو الرِّبح؛ فسواءٌ كان المالان مُختَلِطَيْن أو مُتميِّزَيْن، لا أثر لذلك على الرِّبح. ولأنَّ الشَّركة عقد على التَّصرُّف في المال والاتِّجار به، وليس من شرط التَّصرُّف خلط المَالَيْن؛ ولهذا صحَّت الشَّركة على نَقدَيْن مختلفين.
الشَّرط الرَّابع: أن يَشْرُطا لكلِّ واحدٍ منهما جزءًا معلوماً مشاعاً من الرِّبح؛ كنصفٍ، أو ثلثٍ، أو ثلثين، أو رُبْعٍ، أو ٥٠%، أو ٣٠%، ونحو ذلك؛ لأنَّ الربح هو المقصود؛ فلا تصحُّ الشَّركة مع جَهْله؛ وسواءٌ كان الربح على قدر المال، أو كان أكثر، أو أقلَّ؛ لأنَّهما قد يتفاضلان في العمل؛ فيكون أحدهما أحذق وأنشط من الآخر.
فمثلاً: لو اشترك عمرٌو وزيدٌ؛ فدفع عمرٌو عشرة آلاف دينار، ودفع زيدٌ عشرة آلاف، لكنَّ زيداً أنشط وأحذق في التِّجارة من عمرٍو؛ فاتَّفقا على أن يكون لزيدٍ ثلثا الربح، ولعمرٍو ثلثه؛ فيصحُّ ذلك ولا بأس؛ لأنَّ العمل والجهد يُستحقُّ في مقابلهما من الربح.
فإنْ لم يُذكر الربح، أو كان مجهولاً؛ كما لو تعاقد عمرٌو وزيدٌ في شركةٍ، على أن يكون بعض الربح لعمرٍو، وبعضه لزيدٍ؛ لم تصحّ الشَّركة، أو اتَّفقا على أن يكون لأحدهما ربح محدَّد (غير مشاعٍ)؛ كأن يتَّفقا على أن يكون لزيدٍ مائة دينار من الربح، والباقي لعمرٍو؛ لم تصحَّ الشركة أيضاً؛ لأنَّه قد لا يكون ربح غير هذه المائة؛
стр. 609
فيكون زيدٌ قد أخذ جميع الرِّبح، وقد لا يربحا؛ فيكون زيدٌ قد أخذ جُزْءًا من رأس المال، وقد يربحا كثيراً وليس لزيدٍ إلَّا المائة؛ فيتضرَّر كثيراً بذلك.
* ما يترتَّبُ على فسادِ الشَّرِكَة:
إذا فسدت شركة العِنان بفقد شرط من شروطها -آنفة الذِّكْر-؛ فإنَّ الربح يُقسَّم بينهما على قدر مال كلٍّ منهما، وليس على ما شَرَطاه؛ لأنَّها شركة فاسدة؛ فلو كان لأحدهما ثلثا المال، وللآخر الثلث، واتَّفقا على أنَّ الربح بينهما مناصفة، ثمَّ تبيَّن بعد ذلك أنَّ الشَّركة فاسدة؛ لاختلال أحد شروطها؛ فحينئذٍ يكون لصاحب الثلثين ثلثا الربح، ولصاحب الثلث ثلثه.
لكن يرجع كلُّ واحدٍ منهما على الآخر بنصف أُجرة عمله؛ وذلك نظير عمله في مال شريكه؛ لأنَّه عَمِل في مال شريكه بعقدٍ يبتغي به الفضل؛ فوجب أن يقابل العمل فيه بعوض؛ فإذا كانت أجرة عمل أحدهما تساوي -مثلاً- ألف دينار، والآخر خمسمائة؛ فيكون لصاحب الألف خمسمائة، ولصاحب الخمسمائة مائتان وخمسون؛ ويتقاصَّا حينئذٍ؛ فتسقط المائتان وخمسون من الخمسمائة، ويُعطى صاحب الخمسمائة مائتين وخمسين.
* هل يضمنُ الشَّريكُ ما تَلف من مال الشَّركَة؟
- لا يضمن الشَّريك ما تلف من مال الشركة إلَّا بالتعدِّي أو التَّفريط؛ لأنَّه أمين؛ فلا يضمن إلَّا إذا تعدَّى أو فرَّط؛ لأنَّه تصرَّف في مِلك غيره بما لم يأذن فيه؛ كالغاصب.
стр. 610
وكذا كلُّ عقدٍ لا ضمان في صحيحه إلَّا بالتَّعدِّي أو التَّفريط؛ كعقود الشَّركة، والوكالة، والوديعة، والرهن، والهبة، والوقف، ونحو ذلك، لا ضمان أيضاً في فاسده إلَّا بالتَّعدِّي أو التَّفريط. والعكس صحيح؛ فكلُّ عقد يجب الضمان في صحيحه -فرَّط أم لا-؛ كالبيع والإجارة ونحوهما، يجب الضمان كذلك في فاسده.
القسم الثَّاني: شركةُ المُضارَبَة:
١) تعريفُها:
هي دَفْعُ نَقْدٍ معلومٍ لمن يتَّجِرُ فيه، بِجُزءٍ مُشاعٍ مَعلومٍ مِنْ رِبْحِهِ.
مثال ذلك: أن يدفع عمرٌو إلى زيدٍ مائة ألف دينار، ويقول له: اتَّجر فيها ولك نصف الربح، أو رُبْعُه، أو ثُلُثُه …
وسمِّيت بذلك؛ أخذاً منَ الضَّرب في الأرض؛ أي السَّفَر فيها للتِّجارة؛ قال الله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وتُسمَّى أيضاً (قِرَاضاً) من القَرْض؛ بمعنى القَطْع؛ فكأنَّ ربَّ المال اقتطع من ماله قطعةً وسلَّمها إلى العامل، واقتطع له قطعةً من ربحها.
٢) حُكمُها:
المضاربة جائزة؛ لحديث زيد بن أَسْلَم عن أبيه قال: (خَرَجَ عَبْدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ
стр. 611
لَفَعَلْتُ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَا هُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَأُسْلِفُكُمَاهُ، فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ المَالِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا. فَقَالَا: وَدِدْنَا ذَلِكَ. فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا المَالَ. فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلُّ الجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالَا: لَا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ابْنَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا؛ أَدِّيَا المَالَ وَرِبْحَهُ. فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللهِ فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذَا؛ لَوْ نَقَصَ هَذَا المَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ. فَسَكَتَ عَبْدُ اللهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللّاهِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا. فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا. فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ المَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ المَالِ). [أخرجه مالك].
وقد أجمع العلماء على جوازها ممَّن يجوز تصرُّفه. نقل الإجماعَ الإمامُ ابنُ حزْمٍ في كتابه «مراتب الإجماع».
* الفرقُ بينَها وبينَ شَرِكَة العِنان:
الفرق بين شركة المضاربة وشركة العِنان: أنَّ المال هنا من أحدهما، والعمل من الآخر، بخلاف شركة العِنان؛ فإنَّ الشريكين فيها يشتركان في المال والعمل.
٣) شُروطُها:
يُشترَطُ لشركة المضاربة ثلاثة شروطٍ:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون رأس المال من النَّقْدَيْن -الذَّهَب والفِضَّة- المضروبين
стр. 612
-أي الدراهم والدنانير-، أو ما يقوم مقامهما من الأوراق الماليَّة المعاصرة؛ كما تقدَّم في شركة العِنان.
الشَّرط الثَّاني: أن يكون رأس المال معيَّناً، معلوماً قدره؛ فإن كان رأس المال غير معيَّن؛ كما لو أعطاه ظرفين فيهما مال، وقال له: ضارِبْ بما في أَحدِ هذين الظرفين لم تصحّ؛ سواءٌ تساوى ما فيهما من المال أو اختلف، وسواءٌ عَلِمَا بما فيهما أو جَهِلاه؛ لأنَّها عقدٌ تمنع صحَّتَهُ الجهالةُ، فلا يصحُّ على غير معيَّن.
وكذا لو كان رأس المال لا يُعلَم قَدْرُه؛ كما لو دفع إليه صندوقاً فيه دنانير لا يُعلَم قَدْرُها؛ ليتَّجر بها؛ لم تصح؛ لأنَّه إذا فُسخت الشركة فلا بدَّ من الرجوع إلى رأس المال حتَّى يُعلَم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل بمقدار رأس المال.
* هل يشترطُ تسليمُ رأسِ المالِ في مجلسِ العَقْدِ؟
- لا يشترطُ لصحَّة المضاربة قبض العامل لرأس المال في المجلس؛ فيصحُّ عقد المضاربة وإن بقي المال بيد صاحبه؛ فلو كان لزيدٍ عشرة آلاف دينار؛ فاتَّفق مع عمروٍ على أن يتَّجر بها والربح بينهما نصفين، لكنَّه لن يسلِّمه المال، بل سيبقى في يده -زيد-؛ يعطيه منه متى ما احتاج أثناء عمله، صحَّ عقد المضاربة؛ لأنَّ المقصود بعقد المضاربة هو العمل في مال المالك، وهذا يقتضي إطلاق يد العامل في التصرُّف في مال المالك بجزء مشاع من ربحه، وهو حاصلٌ مع التسليم وبدونه؛ إذْ عدم تسليمه المال لا يمنعه من العمل، ما دام سيأخذ متى ما احتاج.
- ولا يشترط أيضاً قول العامل في مجلس العقد: قبلت ونحوها، بل يكفي مباشرته للعمل.
стр. 613
الشَّرط الثَّالث: أن يُشرَطَ للعامل جزءٌ معلومٌ مشاعٌ من الربح؛ كنصفه، أو رُبْعه، أو ثُلُثه، ونحو ذلك، أو ٥٠%، أو ٣٠%، ونحو ذلك. فإن لم يذكر الربح، أو كان مجهولاً، أو حدَّد له مبلغاً معيَّناً؛ كمائة دينار مثلاً؛ فسدت المضاربة؛ كما تقدَّم في شركة العِنان.
* ما يترتبُ على فسادِ عقدِ المضارَبَة:
إذا فُقد شرطٌ من شروط المضاربة، كانت فاسدة، ويترتب على فسادها ما يلي:
أ - أنَّ للعامل أُجرة مِثْلِه؛ لأنَّه عَمِل في مقابل عِوضٍ لم يُسلَّم له؛ لفساد عقد الشركة؛ فوجب له قيمته؛ وهي أجرة مثله.
ب- أنَّ ما حصل من ربحٍ فجميعه لربِّ المال؛ لأنَّه نماء ماله.
ج- أنَّ ما حصل من خسارةِ يتحمَّلها المالك وحده؛ لأنَّ العامل أمين؛ لا يضمن إلَّا بالتعدِّي أو التقصير. وقد تقدَّم: أنَّ كلَّ عقدٍ لا ضمان في صحيحه، لا ضمان أيضاً في فاسده إلَّا بالتعدِّي أو التفريط.
* نفقةُ العامِلِ أو المُضارِبِ:
ليس للعامل نفقةٌ في مال المضاربة؛ لأنَّه تعاقد مع المالك على أنَّ له في الربح جزءًا؛ فلا يستحقُّ غيره، إلَّا إذا شَرَط ذلك على ربِّ المال؛ فحينئذٍ له النفقة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [أخرجه أبو داود].
ويستحبُّ تقديرها؛ قَطْعاً للخلاف والمنازعة. فإن لم تُقدَّر، وتُركت مطلقةً،
стр. 614
فاختلفا في قَدْرِها؛ فله نفقة مِثْلِه عُرْفاً من طعام وكسوة؛ لأنَّ إطلاق النفقةِ يقتضي جميع ما هو من ضروراته المعتادة.
* متى يملكُ العامِلُ حصَّته من الرِّبح؟
- يملك العامل أو المضارب نصيبه من الربح بمجرَّد ظهور الربح، وقبل قسمته مع ربِّ المال؛ لأنَّ المعاملة صحيحة، وشرطها صحيح؛ وهو أن يكون له جزء مشاع من الربح، فإذا وُجِدَ وَجَبَ أن يملكه بحُكْمِ الشرط. ولأنَّ هذا الجزء من الربح مملوك، ولا بدَّ له من مالك، ورَبُّ المال لا يملكه اتفاقاً؛ فلزم أن يكون للعامل.
لكن لا يملك العامل الأخذ منه إلَّا بإذن ربِّ المال؛ لأنَّه لا يزال مشاعاً بينه وبين ربِّ المال، وليس له أن يقاسم نفسه. ولأنَّ مِلْكَه له لم يستقرَّ بعدُ؛ لأنَّه قبل القِسمة عُرْضةٌ لأنْ يخرج عن يده لِجُبْران الخسارة إذا حصلت.
* فسخُ المضارَبَةِ:
يجوز لكلٍّ من العامل وربِّ المال فسخ عقد المضاربة في أيِّ وقت؛ لأنَّها من العقود الجائزة؛ كما مرَّ قبل ذلك.
فإذا اتَّفقا على الفسخ، أو أراد أحدهما ذلك، وكان المال عُروضاً (أي: بضائع وسِلَعاً)؛ ففي هذه الحال: إنْ رضي ربُّ المال بأخذ البضائع كما هي؛ فإنَّه يقوِّمها (يقدِّرها بالمال)، ويُعطي للعامل نصيبه من الربح بحسب ما اتَّفقا عليه.
وإن لم يَرْضَ ربُّ المال بأخذها عُرُوضاً، وجب على العامل بيعها، وقبض ثمنها، ثمَّ يسلِّمه إلى ربِّ المال؛ لأنَّه يجب عليه أن يردَّ المال على الصِّفة التي أخذه
стр. 615
عليها، ثمَّ يقتسما الربح على حسب ما اتفقا عليه.
* اختلافُ العامِلِ ورَبِّ المالِ:
الأصل أنَّ العامل في مال المضاربة أمين؛ لأنَّه يتصرَّف فيه بإذن مالكه، ولا يختصُّ بنفعه؛ فكان أميناً فيه كالوكيل؛ فإذا اختلف العامل مع ربِّ المال في قَدْر رأس المال، ولا بيِّنة لربِّ المال؛ فالقول قول العامل بيمينه.
فمثلاً: لو جاء العامل بألفي دينار، وقال: رأس المال ألف دينار، والرِّبح ألف دينار، فقال ربُّ المال: بل الألفان رأس المال. ولا بيِّنة له؛ فالقول قول العامل بيمينه؛ لأنَّه أمين، ولأنَّ ربَّ المال يدَّعي عليه الزيادة، وهو ينكرها، والأصل عدمها.
- وكذا لو اختلفا في قدر الرِّبح؛ فادَّعى ربُّ المال أنَّه ألفٌ -مثلاً-، وقال العامل: بل خمسمائة. ولا بيِّنة لربِّ المال. أو اختلفا في الربح وعدمه؛ فادَّعاه ربُّ المال، وأنكره العامل. أو اختلفا في هلاك المال؛ فادَّعى العامل هلاكه، وأنكر ذلك ربُّ المال، ولا بيِّنة. أو اختلفا في الخسارةٍ؛ فادَّعاها العامل، وأنكرها المالك، ولا بيِّنة للمالك. أو أقرَّ العامل بالرِّبح أوَّلاً، ثمَّ ادَّعى هلاك المال أو الخسارة؛ فالقول في هذه الصور جميعها للعامل بيمينه؛ لأنَّه مؤتمن، وهذا يقتضي تصديقه. فإنْ أقام ربُّ المال البيِّنة على ما يدعيه فالقول قوله.
- أمَّا إذا اختلفا في مقدار ما شرطه ربُّ المال للعامل؛ كما لو ادَّعى ربُّ المال أنَّه شرَط للعامل ثلث الرِّبح، وادَّعى العامل أنَّه شرط له النصف؛ فالقول قول ربِّ المال بيمينه؛ لأنَّ العامل يدَّعي الزيادة، والمالك ينكرها؛ والقول قول المنكر، إلَّا إذا أقام العامل بيِّنة تشهد له؛ فالقول حينئذٍ قوله. حتَّى لو أقام المالك بيِّنة، وأقام
стр. 616
العامل بيِّنة؛ قُدِّمت بيِّنة العامل؛ لأنَّ معها زيادة عِلْمٍ.
القسم الثَّالث: شركةُ الوُجُوه:
١) تعريفُها:
هي أن يشتركَ اثنان أو أكثر لا مالٍ لهما في ربح ما يشتريان في ذِممهما بجاههما، والرِّبح بينهما بحسب ما يتَّفقان عليه.
سمِّيت بذلك؛ لأنَّه ليس لها رأس مال، وإنَّما المعاملة فيها قائمة على الإعطاء بالجاه، وثقة التُّجار فيهما.
صورتُها: أن يتَّفق رجلان -أو أكثر- لا يملكان مالاً، لكنْ لهما وجاهةٍ وقَدْرٍ وثقةٍ بين التُّجار، على أن يشتريا بضاعة بالأَجَل، ثمَّ يقومان ببيعها نقداً، وسداد ما في ذمَّتهما، واقتسام الرِّبح بينهما على حسب ما اتَّفقا عليه.
فمثلاً: زيدٌ وعمرٌو لا يَمْلِكان مالاً، لكنَّهما وَجيهان، ومحلُّ ثقةٍ عند تجار السيَّارات، فيتَّفقان على أن يشتريا منهم مجموعةً من السيارات بثمنٍ مؤجَّلٍ على أن يقوما ببيعها نقداً، وما حصل من ربحٍ يكون بينهما نصفان، أو لزيدٍ ثلثاه؛ لكونه أوجه وأحذق في البيع والشِّراء، ونحو ذلك، ولعمروٍ الثلث.
٢) حُكمُها:
شركةُ الوجوه جائزةٌ؛ لاشتمالها على مصلحةٍ بغير مفسدة، ولأنَّها لا تخرج في حقيقتها عن الجمع بين الوكالة والضَّمان أو الكفالة؛ فكلُّ شريك فيها وكيل عن شريكه في شراء السلعة وبيعها وضمان ثمنها، والوكالة والضَّمان جائزان؛ فما
стр. 617
اشتمل عليهما فهو جائز أيضاً.
٣) المِلْكُ والرِّبحُ والخسارةُ في شَركَة الوُجوه:
- يكون المِلك والربح في شركة الوجوه بحسب ما اتَّفق عليه الشَّريكان أو الشُّركاء؛ ففي المثال السابق؛ اتَّفق زيدٌ وعمرٌو على شراء مجموعة من السيَّارات بالأَجَل، واتَّفقا على أنَّ حصَّة زيدٍ في مِلكيَّتها الثلثان، وحصَّة عمرٍو الثلث، فيصحُّ ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)، ولأنَّها مبنيَّة على الوكالة؛ فتتقيَّد بما وقع الإذن والقبول فيه.
- وإذا اتَّفقا أيضاً على أنَّ الرِّبح بينهما؛ نصفه لزيدٍ ونصفه لعمرٍو، أو ثلثاه لزيدٍ وثلثه لعمرٍو؛ صحَّ ذلك؛ لما سبق من أنَّ أحدهما قد يكون أوثق عند التُّجار، وأحذق في أمور التِّجارة، ونحو ذلك.
- أمَّا الخسارة فتكون على قَدْر مِلْك كلٍّ منهما في هذه البضائع أو الأموال، وليس على ما اتَّفقا عليه؛ فلو كانت حصَّة زيدٍ في مِلكيَّة هذه السيَّارات الثلثين، وحصَّة عمرٍو الثلث، وخسرت هذه التِّجارة؛ فيتحمَّل زيدٌ ثلثي الخسارة. ويتحمَّل عمرٌو ثلثها؛ لأنَّ الخسارة على قَدْر المال في جميع أنواع الشَّركة.
القسم الرَّابع: شَرِكةُ الأبْدَان:
١) تعريفُها:
هي أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يتملَّكانه بأبدانهما من المباح، أو يتقبَّلاه في ذِممهما من العمل. وسمِّيت بذلك؛ لاشتراكهما في عمل أبدانهما.
стр. 618
٢) حُكمُها:
شركة الأبدان جائزة؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ) [رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ وإسناده منقطع]. قال الإمام أحمد: أشرَكَ بَينهُم النَّبيُّ ﷺ . فدلَّ ذلك على جواز شركة الأبدان. ولأنَّ العمل أحد جِهَتَيْ شركة المضاربة، وهي صحيحة؛ فتصحُّ الشَّركة عليه كالمال.
٣) أقسامُها:
تنقسم شركة الأبدان إلى قسمين:
الأوَّل: أن يشتركا فيما يتملَّكانه بأبدانهما من المباح؛ كالصيد، أو استخراج المعادن من باطن الأرض، أو حمل الأمتعة والبضائع للناس، ونحو ذلك من المباحات، ويكون الكسب بينهما بحسب ما يتَّفقان؛ كما لو اتَّفق زيدٌ وعمرٌو على أنَّ ما صاداه من صيدِ البرِّ أو البحر فهو شركة بينهما نصفين، أو لزيدٍ ثُلُثاه ولعمرٍو ثُلُثه. أو اتَّفقا على أنَّ ما استخرجاه من باطن الأرض من المعادن فهو بينهما نصفين، أو لزيدٍ رُبعُه، وثلاثة أرباعه لعمرٍو. أو كان لكلِّ واحدٍ منهما سيَّارة لحمل البضائع والسِّلَع؛ فاتَّفقا على أن يشتركا في ذلك، ويكون الربح بينهما نصفين، أو لزيدٍ ثُلُثاه، ولعمرٍو ثُلُثه، ونحو ذلك؛ صحَّت الشركة في الجميع، وصحَّ التفاضل في الرِّبح بينهما؛ لأنَّ أحدهما قد يكون أنشط وأحذق من صاحبه، كما مرَّ.
الثَّاني: أن يشتركا في كَسْب ما يتقبَّلاه في ذِممهما من عملٍ؛ كالخياطة، والحدادة، والنجارة، ونحو ذلك من الأعمال المباحة، ويكون الكسب بينهما بحسب ما
стр. 619
يتَّفقان عليه أيضاً؛ كما لو اشترك نجَّاران في ورشة نجارة يعملان فيها، أو حدَّادان في ورشة حدادة، أو خيَّاطان في محلِّ خياطة، ونحو ذلك، واتَّفقا على أنَّ ما اكتسباه؛ فهو بينهما على النصف، أو الثلثين والثلث، ونحو ذلك؛ فهي شركة صحيحة.
- وكذا لو اختلفت الصنعة؛ كما لو كان أحدهم نجَّاراً، والثَّاني خيَّاطاً، والثَّالث بنَّاءً، ونحو ذلك؛ فاتَّفقوا على ما أنَّ ما اكتسبوه في مقابل عملهم فهم جميعاً شركاء فيه، على أن يكون لكلٍّ منهما الثُّلُث، أو يكون للنَّجار النصف، ولكلٍّ من الخيَّاط والبنَّاء الرُّبع؛ صحَّ ذلك؛ لأنَّهم اشتركوا فِي كَسْبٍ مباحٍ، وإن اختلفت الصنعة.
القسم الخامس: شَرِكَةُ المفاوَضَة:
١) تعريفُها:
هي أن يفوِّض كلُّ واحدٍ من الشَّريكين أو الشُّركاء إلى صاحبه كلَّ تصرُّف ماليٍّ وبدنيٍّ من أنواع الشَّركات (بيعاً، وشراءً، ومضاربةً، وتوكيلاً، وابتياعاً في الذمَّة، وسفراً بالمال، وارتهاناً، وضماناً).
أو هي: أن يشترك رجلان أو أكثر في جميع أنواع الشَّركات؛ فيجمعان بين شركة العِنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان.
ويكون كلُّ واحد من الشَّريكين شريكاً في مال شريكه، ومفوَّضاً فيه؛ يتصرَّف فيه بكلِّ تصرُّفٍ ماليٍّ وبدنيٍّ من أنواع الشركة؛ فيبيع من مال شريكه، ويشتري له، ويضارب بماله، ويشتري له في ذمَّته، ونحو ذلك …
مثال ذلك: أن يتَّفق شريكان مهندسان على إقامة شركة مفاوضة؛ تضمُّ جميع أنواع الشَّركة (العِنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان)؛ فيدفع كلُّ واحد منهما
стр. 620
مائة ألف دينارٍ كرأس مال للشَّركة، ويتَّفقان على التِّجارة في السيَّارات، والربح بينهما نصفين؛ فهذه شركة عِنان، ويتَّفقان أيضاً على فتح ورشة لتصليح السيَّارات، والربح بينهما نصفين؛ فهذه شركة أبدان، وتورِّد لهما شركات السيَّارات (بيعاً) سيارات في ذمتهما؛ نظراً لوجاهتهما وكونهما أهلًا للثقة، فيبيعانها نقداً؛ فهذه شركة وجوه، ويتَّفقان أيضاً مع عامل على أن يعطياه مبلغاً معيَّناً معلوماً؛ كأربعين ألفاً -مثلاً- على أن يتاجر بها في قطع غيار السيارات، والربح بينهم على الثلث؛ لكلِّ واحدٍ منهم؛ فهذه شركة مضاربة.
فهذه الشركة جمعت أنواع الشركات في شركة واحدة، وكلُّ شريك فيها مفوَّض في مال شريكه بكلِّ تصرُّفٍ ماليٍّ وبدنيٍّ تقتضيه هذه الشَّركات.
٢) حُكمُها:
شركة المفاوضة جائزة؛ لأنَّها لا تخرج عن شركة العِنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان، وكلُّ واحدة منها جائزة إذا انفردت؛ فكذلك إذا اجتمعت.
٣) الرِّبْحُ والخَسارَةُ في شَرِكَةِ المفاوَضَةِ:
يكون الربح في شركة المفاوضة بحسب ما اتَّفقا عليه؛ على أن يكون ربحاً معلوما مشاعاً؛ كالنصف، أو الثلث، أو الربع؛ على ما تقدَّم.
وأمَّا الخسارة فتكون على قَدْر حصَّة كلِّ واحدٍ منهما في رأس مال الشركة؛ فصاحب النصف يتحمَّل نصف الخسارة، وصاحب الرُّبع يتحمَّل رُبعها … وهكذا.
стр. 621
* مسائلُ متفرِّقَةٌ:
- يجوز للإنسان أن يدفع دابَّته، أو سيَّارته، أو آلةً عنده لمن يعمل بها مقابل جزءٍ معلومٍ من ربحها؛ كما لو دفع زيدٌ سيَّارته إلى سائقٍ ليعمل عليها في توصيل الناس إلى دُورِهِم وأماكن عملهم، ونحو ذلك، وله رُبعُ كَسْبِها، أو ثُلُثُه؛ صحَّ ذلك؛ لأنَّها عينٌ تُنَمَّى بالعمل؛ فجاز العقد عليها ببعض نمائها؛ كما في المساقاة والمزارعة؛ إذ يجوز التعاقد على القيام بمصالح الشجر، أو زرع الأرض، والقيام عليها بجزء معلومٍ ممَّا يخرج منها.
- وكذا لو دفع قِماشاً إلى خيَّاطٍ لِيُفَصِّلَه قُمْصانًا ليبيعها، وله نصف ربحها، أو دفع خَشباً إلى نجَّارٍ لنَجْرِه أبواباً، وبيعها مقابل نصف ربحها، أو قاول مزارعاً على أنْ يحصد زرعه، وله رُبعُه أو ثُلثه، أو دفع سيَّارته إلى تاجرٍ ليبيعها له، وللتاجر نصف ربحها أو ثُلثه؛ صحَّ ذلك؛ لما تقدَّم.
- يجوز للإنسان أيضاً أن يدفع دابَّته أو نَحْله لمن يقوم عليه مدَّةً معلومةً، وله نصفه أو ربعه.
فمثلاً: لو دفع زيدٌ عشرة من الماشية إلى عمروٍ ليقوم على رَعْيها وسقيها، ونحو ذلك من خدمةٍ لمدَّة سنة، أو دفع إليه مَنْحَلاً ليقوم على شؤونه لمدَّة سنة، على أن يكون له نصف هذه الماشية، أو ثُلُثها، أو نصف هذا النحل، أو ثُلثه؛ صحَّ ذلك، وما حصل من نماءٍ لهذه الماشية أو النَّحل؛ كولادة صغارٍ، ونحو ذلك؛ فهو بينهما بحسب حصَّة كلِّ منهما؛ فصاحب الثلثين له ثُلُثاها، وصاحب الثلث له ثُلُثها؛ لأنَّه نماء مِلْكهما.
стр. 622
بخلاف ما لو دفع إليه الماشية أو النَّحل بجزءٍ من النَّماء؛ كما لو اتَّفق معه على أنْ يقوم على هذه الماشية أو النَّحْل سنة، وله نصف النَّسل، أو له نصف ما يخرج من اللَّبَن أو العَسَل؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا النَّماء أو النَّسل لم يحصل نتيجة لعمله؛ لأنَّه يحصل بدون عمل؛ فلا يستحقُّ منه شيئاً.
وللعامل حينئذٍ أُجرة مِثْلِه؛ لأنَّه قام على شؤون هذه الماشية، أو هذا النَّحل في مقابل عِوَضٍ لم يُسلَّم له؛ لفساد هذا العقد؛ فتُفرض له أُجرة المِثْل.
стр. 623
باب المُساقاة وَالمُزارَعَة
أوَّلاً: المُساقاة:
١) تعريفُ المَساقاة:
المساقاة لغة: مفاعلة من السَّقْي.
وشرعاً: هي دفع شجرٍ مغروسٍ لمن يقوم بمصالحه؛ من سقيٍ وتأبيرٍ ورعايةٍ ونحو ذلك بجزءمُشَاعٍ معلومٍ من ثَمَرِه.
مثال ذلك: أن يدفع زيدٌ بستان نخلٍ مثلاً إلى عمرٍو ليقوم على مصالحه من سقيٍ وتأبيرٍ وإصلاح شأن الثمر ونحو ذلك، على أن يكون له رُبع ثمره أو ثُلثه.
٢) حُكمُ المُساقاةِ:
المساقاةُ جائزةٌ إذا كانت ممَّن يجوز تصرُّفه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ) [أخرجه البخاري ومسلم].
٣) الحِكمَةُ من مشروعيَّة المُساقاةِ:
تشريعُ المساقاة من محاسن هذه الشريعة؛ لما في ذلك من دفع حاجتي ربِّ الشجر والعامل؛ لأنَّ الإنسان قد يكون عنده عدَّة بساتين مثمرة، ويعجز عن القيام بشؤونها جميعاً؛ فيحتاج إلى دفعها، أو دفع بعضها لمن يقوم على سقيها ورعايتها، مقابل جزءٍ من ثمرها لهذا العامل الذي يحتاج إلى الثمر؛ فكان في تجويزها دفعٌ للحاجتين، وتحصيلٌ لمصلحة الفئتين.
стр. 624
٤) شروطُ صحَّة المساقاةِ:
يُشترَط لصحَّة المساقاة ثلاثة شروط:
الشرط الأوَّل: أن يكون الشَّجر معلوماً بالرؤية أو بالوصف؛ فلو كان غير معلومٍ؛ كما لو عاقده على بستانٍ لم يره ولم يوصف له، لم تصحّ؛ لأنَّه عقد على مجهول، والجهالة تمنع صحَّة العقد. وكذا لو عاقده على أحد هذين البستانين، أو على أحد بساتينه، أو قال له: أعاقدك على ما شئتَ من نخلي أو شجري، لم تصحّ المساقاة أيضاً؛ لأنَّها عقد معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف العين المعقود عليها؛ فلزم تعيينها.
الشرط الثَّاني: أن يكون له ثَمَرٌ يُؤكل؛ سواءً كان نخلاً أو غيره؛ كالعنب والبرتقال والرمَّان والتفاح وغير ذلك. فإنْ كان الشَّجر لا ثَمَرَ له، أو كان له ثَمَرٌ لكنَّه لا يؤكل؛ كشجر الصَّفْصاف، أو شجر السَّرْوِ -وهو شجرٌ قويٌّ كبير، تُتَّخذُ منه الأبواب لكن ليس له ثَمَرٌ-، أو الوَرْد، ونحو ذلك ممَّا لا يؤكل ثَمَرُه؛ لم تصحَّ المساقاة؛ لأنَّ المساقاة إنَّما تكون في مقابل جزءٍ من الثَّمَرَةِ، وهذا لا ثَمَرَةَ له.
الشرط الثَّالث: أن يُشْرَطَ للعاملِ جزءٌ مشاعٌ معلومٌ من ثَمَرِهِ؛ بأنْ يقول له: لك رُبع الثَّمَر أو ثُلُثُه أو نِصْفُه، ونحو ذلك؛ لحديث ابن عمر السابق: (عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ).
فإن لم يَشْرِط له، أو شَرَطَ له جزءًا مبهماً؛ كما لو قال له: هذا بستاني من النَّخْل اعْمَلْ فيه ولك نصيبٌ مِنْ ثَمَرِهِ، أو لك حصَّة في ثَمَرِهِ، لم تصحَّ المساقاة؛ وذلك
стр. 625
للغَرَر والجهالة؛ لأنَّ الربح إذا لم يكن معلوماً لا يمكن القسمة بينهما؛ لأنَّ نصيب كلٍّ منهما مجهولٌ. وكذا لو شَرَطَ له ثَمَرَ عددٍ من الشجر، أو ثَمَرَ جهةٍ من البستان؛ كما لو قال له: اعْمَلْ في هذا البستان ولك ثَمَرُ هذه الشجرات العَشْرِ، أو لك ثَمَرُ هذه الجهة، فلا يصحُّ أيضاً؛ لما فيه من الغَرَر؛ فقد لا تُنْتِج هذه الشجرات العَشْر، فلا يأخذ العامل شيئاً، وقد تُنْتِج هذه الجهة ولا تُنْتِج الجهة الأُخرى؛ فيتضرَّر أحدهما.
٥) صيغةُ عقدِ المُساقاة:
تصحُّ المساقاة بلفظ المساقاة، وبكلِّ لفظٍ يؤدِّي معناها؛ كعاملتك على بستاني هذا، أو اعْمَلْ في بستاني هذا، ونحو ذلك؛ لأنَّ القصد المعنى؛ فإذا دلَّ عليه بأيِّ لفظٍ صحَّت المساقاة.
ثانياً: المُزارَعَة:
١) تعريفُ المُزارَعَة:
هي دفع أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم بمصالحه، أو مزروعٍ ليعمل عليه، بجزء مشاعٍ معلومٍ من المُتحصَّل.
٢) حُكم المُزارَعَة:
المزارعةُ جائزة ممَّن يجوز تصرُّفه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ).
стр. 626
والفرق بينها وبين المساقاة: أنَّ المساقاة تكون على الشجر. أمَّا المزارعة: فتكون على الزرع؛ من قمحٍ وشعيرٍ وأرزٍ ونحو ذلك.
٣) الحِكْمَةُ من مشروعيَّة المُزارَعَة:
الحكمةُ من مشروعيِّتها -كما تقدَّم في المساقاة- دفعُ حاجة كلا الطرفين؛ ربِّ الأرض والعامل؛ فمن النَّاس من يمتلك أرضاً لكنَّه لا يستطيع زراعتها والعمل فيها، ومنهم من يستطيع العمل في الزراعة ولا يملك أرضاً؛ فاقتضت الحكمة تجويزها؛ لينتفع الطرفان.
٤) شروطُ صحَّة المُزارَعَة:
يُشترَطُ لصحَّة المزارعة ثلاثة شروط:
الشرط الأوَّل: أن يكون البَذْر معلوماً؛ جِنْساً وقَدْراً؛ بأن يُعْلَم أنَّ هذا البذر الذي سيُزرع قمحٌ، أو أَرُزٍّ، أو ذُرَة، ونحو ذلك، وأنَّ مقداره مثلاً عشرون صاعاً أو ثلاثون … ، وذلك ليصير الأجر معلوماً؛ فإذا جُهل جنسُ البَذْر أو قَدْرُه لم تصحَّ المزارعة؛ لأنَّها عقد على عمل، فوجب أن يكون معلوم الجنس والقَدْر؛ كما في الإجارة.
الشرط الثَّاني: أن يكون البَذْر من ربِّ الأرض؛ فلو كان البَذْر من العامل أو منهما، أو كان البَذْر من أحدهما، والأرض لهما؛ لم تصحَّ المزارعة؛ لأنَّهما شريكان في نماء هذا البَذْر، وهذا يقتضي أن يكون رأس المال كلُّه من أحدهما، والعمل من الآخر؛ قياساً على المضاربة؛ فكما أنَّ رأس المال فيها يكون من ربِّ المال، والعمل
стр. 627
يكون من العامل؛ فكذلك هنا؛ يكون البذر من ربِّ الأرض والعمل من العامل.
والرواية الثَّانية: أنَّه لا يشترط كون البذر من ربِّ الأرض؛ فيجوز أن يكون من العامل؛ لأنَّ الأصل المعوَّل عليه في المزارعة قضية خيبر، ولم يذكر النبيُّ ﷺ فيها أنَّ البذر على المسلمين، ولو كان ذلك شرطاً لذكره، ولنُقل إلينا، لكن ذلك لم يحصل. بل جاء في بعض روايات الحديث ما يدل على أنَّه جعل البذر عليهم؛ قال ابن عمر: (دَفَعَ النبيُّ ﷺ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلِرَسُولِ الله ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا) [أخرجه مسلم].
- ومن الصور الجائزة أيضاً في المزارعة: أنَّ تكون الأرض والبذر والبقر -أي بقر العمل، أو آلة العمل- من أحدهما، والعمل من الآخر؛ قياساً على المضاربة؛ إذِ المزارعة عقدٌ على العمل في أرضٍ ببعض نمائها، فأشبهت المضاربة، والمعاملة في المضاربة قائمة على كون رأس المال كلّه من أحدهما، والعمل من الآخر؛ فكذا هنا؛ رأس المال (الأرض، والبذر، وآلة العمل) من أحدهما، والعمل من الآخر؛ فصحَّت.
الشرط الثَّالث: أن يُشْرَطَ للعاملِ جزءٌ مشاعٌ معلومٌ ممَّا يخرج من الزرع؛ كرُبْعِه أو ثُلُثه أو نصفه، ونحو ذلك؛ فلو كان نصيب العامل مجهولاً؛ كما لو قال له: ازرع هذه الأرض ولك بعض الزرع، أو بعض الغلَّة؛ لم تصحَّ؛ للجهالة والغَرَر؛ إذ كيف يقتسمان الغلَّة ونصيب كلٍّ منهما مجهول؟
وكذا لو كان نصيب العامل غير مشاع؛ بأن حدَّده له فقال: ازرع هذه الأرض
стр. 628
ولك مائة صاع ممَّا يخرج منها؛ فسدت المزارعة؛ لأنَّه قد لا يخرج من الأرض إلَّا مقدار هذه الآصع، فيتضرر صاحب الأرض.
٥) صيغةُ عقدِ المُزارَعَة:
تصحُّ المزارعة بلفظها، وبكلِّ لفظٍ يؤدِّي معناها؛ كأن يقول: زارعتُك على أرضي، أو عاملتُك، أو عَهِدتُ إليك بها، أو أَسْلَمْتُكَ أرضي، ونحو ذلك من كلِّ لفظٍ يؤدِّي معناها؛ لأنَّ المقصود هو المعنى، فإذا دلَّ عليه بأيِّ لفظٍ كانت المزارعة صحيحة.
٦) فسادُ عقدِ المُساقاة والمُزارَعَة وما يترتَّب على ذلك:
يفسدُ عقدا المساقاة والمزارعة إذا تخلَّف شرط من شروطهما السابقة، ويترتَّب على فسادهما ما يلي:
أ - أنَّ الثَّمر يكون لربِّ الشجر، والزرع يكون لربِّ الأرض والبذر؛ لأنَّ كلًّا من الثَّمَر والزَّرْع نماءُ مالِهِما، ولا شيء فيهما للعامل؛ لفساد العقد.
ب- أنَّ للعامل أُجرة المثل نظير عمله؛ لأنَّه عمل في مقابل عِوَضٍ لم يُسلَّم له؛ لفساد العقد، فوجب له بدله؛ وهو أجرة مثله.
٧) فسخُ عقدِ المساقاةِ والمزارعَةِ وما يترتَّب على ذلك:
المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة؛ فيجوز لكلا الطرفين فسخ العقد في أيِّ وقتٍ شاءا؛ وقد جاء عن ابن عمر ﵄ في قصة خيبر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لليهود: (أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا)؛ فدلَّ ذلك على أنَّهما من العقود الجائزة؛ إذْ
стр. 629
لو كان عقدهما لازماً لما جازا بغير تحديد مدَّة.
وإذا فُسخ عقد المساقاة أو المزارعة فإنَّه لا يخلو من حالتين:
الحالة الأُولى: أن يكون الفسخ بعد شروع العامل في العمل، وقبل ظهور الثَّمرة أو الزَّرع، وهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأوَّل: أن يكون الفسخ من جهة العامل؛ فحينئذٍ لا يستحق العامل شيئاً مقابل عمله؛ لأنَّه -بفسخه العقد قبل ظهور الثَّمرة أو الزَّرع- قد رضي بإسقاط حقِّه؛ كعامل المضاربة إذا فسخها قبل ظهور الربح. وكذا لو هرب العامل قبل ظهور الثَّمرة أو الزَّرع؛ فلا شيء له.
الأمر الثَّاني: أن يكون الفسخ من جهة ربِّ الشجر أو ربِّ الأرض؛ ففي هذه الحال يستحقُّ العامل الأُجرة مقابل عمله؛ لأنَّ العقد يقتضي العِوَض المسمَّى للعامل، وقد منعه المالك من إتمام العمل؛ بفسخه للعقد، وحيث تعذَّر العِوَض المسمَّى للعامل هنا؛ فتجب له أُجرة المِثْل.
وكذا لو مات العامل أو ربُّ الشجر أو الأرض، فللعامل أيضاً أُجرة المثل؛ لأنَّ الموت لم يأته باختياره، وقد عمل في الشَّجر أو الزَّرع عملاً مُفْضِياً إلى ظهور الثَّمرة أو الزَّرع غالباً، فاستحقَّ الأُجرة في مقابل ما أدَّاه من العمل.
الحالة الثَّانية: أن يكون الفسخ بعد ظهور الثَّمرة أو الزَّرع؛ ففي هذه الحال يكون الثَّمَر والزَّرع بينهما بحسب ما اتفقا عليه في العقد؛ قياساً على المضاربة؛ فإنَّ العامل هناك يملك حصَّته في الرِّبح بظهوره؛ فكذا العامل هنا.
لكن يلزم العامل أن يستمرَّ في عمله؛ ممَّا فيه نموٌ وصلاحٌ للثَّمَر أو الزَّرع؛ من
стр. 630
سَقْيٍ، وإصلاحِ طريقٍ، وتَلْقيحٍ، وقَطْعِ حَشيشٍ يَضُرُّ، ونحو ذلك حتَّى يتمَّه؛ قياساً على المضاربة؛ فإنَّ العامل هناك يلزمه -حال فسخ المضاربة بعد ظهور الربح- أن يبيع العروض؛ ليردَّ المال إلى صاحبه نقداً كما أخذه.
* على مَنْ يكونُ حصادُ الزَّرْعِ وجِذَاذُ الثَّمَر؟
حصاد الزرع يكون على العامل؛ لأنَّه جزء من عمله؛ فكان عليه. وأمَّا جِذَاذ الثَّمَر -أي قطعه من الشجر- فيشترك فيه العامل وربُّ الشجر؛ كلٌّ بحسب حصَّته في الثَّمرة؛ فصاحب الثُلُثين يتحمَّل ثُلُثَ الجِذاذ، وصاحب الثُّلُث يتحمَّل الثُّلث … وهكذا؛ لأنَّ الجِذاذ لا يكون إلَّا بعد تكامل الثَّمَرَة وانتهاء العقد بينهما، فلم يَعُدْ من عمل العامل؛ فأشبه نقل الثَّمَرِ إلى المنزل. وعليه؛ يتحمَّل كلُّ طرفٍ ما يخصُّه.
والرواية الثَّانية: أنَّه على العامل؛ لأنَّ النَّبي ﷺ دفع خيبر إلى يهود خيبر على أن يعملوها من أموالهم؛ كما مرَّ في الحديث، ولأنَّ هذا جزء من عمل العامل.
إلا إذا اشترط ربُّ الشَّجر أو الأرض أنَّه على العامل، فيصحُّ شرطه ويُعمل به؛ لأنَّه شرطٌ لا يُخِلُّ بمقصود العقد، ولا مفسدة فيه؛ فصحَّ.
* هل يتحمَّلُ المالكُ ما تفرِضُه الدَّولةُ من ضَريبةٍ ونحوها على الزُّروع أو الثِّمار؟
إذا كانت الدَّولة تفرض على الزُّروع أو الثِّمار بعض الأموال أو الضَّرائب ونحو ذلك؛ فإنَّه يُرجع إلى عُرْف الناس فيمن يتحمَّل ذلك؛ فما عُرِفَ أخذُه من ربِّ المال فهو عليه. وما عُرف أَخْذُه من العامل فعليه. وإذا جرى العُرْف على أن يتحمَّلها الطرفان مناصفة فإنَّه يُعمل بذلك؛ ويدفعها الطرفان مناصفة. أو جرى العُرْف على أن يتحمَّلها
стр. 631
المالك وحده، أو العامل وحده؛ فإنَّه يُعمل بذلك أيضاً.
إلَّا إذا كان هناك شرطٌ بينهما بخلاف العُرْف؛ فيعمل بالشَّرط؛ فلو كان العُرْف يقضي بأنَّ الذي يدفعها هو العامل، لكنَّ العامل اشترط على ربِّ الشَّجر أو الأرض أن يدفعها هو، واتَّفقا على ذلك؛ فإنَّه يُعمل بهذا الشَّرط؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [أخرجه أبو داود].
стр. 632
باب الإجارة
أوَّلاً: تعريفُ الإجارَةِ:
الإجارةُ لغةً: مشتقَّة من الأَجْر، وهو العِوَض.
وشرعاً: عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ، معلومةٍ، مدَّةً معلومةً، من عَيْنٍ معيَّنة، أو موصوفةٍ بالذمَّة، أو عملٍ معلومٍ، بعِوَضٍ معلومٍ.
ثانياً: حُكْمُ الإجارَةِ:
الإجارةُ جائزة بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والمعقول.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
ومن السُّنَّة: ما روت عائشة ﵂ قالت: (اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيتًا -أي ماهراً-) [رواه البخاري].
أمَّا الإجماع: فقد أجمعت الأمَّة على جواز الإجارة في الجملة.
وأمَّا المعقول: فلأنَّ الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان؛ فلمَّا جاز العقد على الأعيان، جاز العقد على المنافع.
ثالثاً: الحِكْمَةُ من مشروعيَّة الإجارَةِ:
لمَّا كان الناس يتفاوتون في القدرة على شراء الأعيان وتملُّكها، وكذا يتفاوتون في القدرة على ممارسة بعض المهن والحرف ومزاولتها، أباحت الشريعة الإجارة على منافع الأعيان، وأرباب المهن؛ تيسيراً على الناس، وقضاءً لحاجاتهم.
стр. 633
رابعاً: أركانُ عقدِ الإجارَةِ:
أركان الإجارة خمسة:
١، ٢) المتعاقدان: وهما المؤجِّر، والمستأجر.
٣، ٤) العِوَضان: وهما المنفعة، وثمنها.
٥) الصِّيغَةُ: وهي الإيجاب والقبول؛ وتنعقد بلفظ: أجَّرتُك، وأكْرَيتُك، وما في معناهما؛ كأعطيتُك نَفْعَ هذه الدار، أو ملَّكتُك نَفْعَ هذه الدابَّة.
خامساً: شروطُ عقدِ الإجارَةِ:
يُشتَرَطُ لصحَّة عقد الإجارة جملة من الشروط، هي:
١) أن تكون الإجارة من جائز التصرُّف؛ بأن يكون كلًّا من المؤجِّر والمستأجر بالِغَيْن، عاقِلَيْن، راشِدَيْنِ، حُرَّيْن، مختارَيْن غير مُكْرَهَيْن.
٢) أن يكون المؤجِّر مالكاً للشيء الذي يؤجِّره، أو مأذوناً له في تأجيره.
٣) أن تكون المنفعة المعقود عليها، معلومةً لطرفي العقد؛ المؤجِّر والمستأجر؛ إمَّا بعُرفٍ، أو تعيين، أو وصف يرفع الجهل بها؛ لأنَّ المنفعة هي المعقود عليها؛ فاشترط العلم بها؛ كالعلم بالمبيع.
٤) أن تكون الأجرة معلومة غير مجهولة؛ لحديث أبي سعيد أنَّ النبيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ) [رواه أحمد بإسناد ضعيف]، ولأنَّها أحد العِوَضَيْن؛ فاعتبر العلم به، كثمن المبيع.
٥) أن تكون المنفعة مباحةً غير محرَّمة؛ فلا تصحُّ الإجارة على الزنا، أو القتل،
أو استئجار آلات اللَّهو والطرب، أو استئجار دارٍ لجعلها كنيسة، أو خَمَّارة.
стр. 634
٦) أن تكون أُجرة المنفعة مباحة؛ فلا يصحُّ أن يكون الثمن خمراً، أو خنزيراً.
٧) أن تكون المنفعة مقصودة؛ أي لها غرض صحيح شرعاً وعقلاً؛ فلا يجوز استئجار طير ليوقظه للصلاة، أو لسماع صوته، أو استئجار تفَّاحة ليشمَّها، ونحو ذلك ممَّا لا غرض له صحيح إلَّا السَّفّه والتباهي.
٨) أن تكون المنفعة قابلة للاستيفاء؛ فلا تصحُّ الإجارة على شيء يتعذَّر استيفاء المنفعة منه؛ كاستئجار أعمى لحفظ ما يحتاج إلى رؤية، أو إجارة دابَّة مسروقة.
٩) أن تبقى العين المؤجَّرة بعد استيفاء المنفعة؛ فلا يصحُّ إجارة الطعام لأكله،
أو الشمع ليشعله.
١٠) أن تكون مدَّة الإجارة معلومة؛ بحيث يغلب على الظنِّ بقاء العين المؤجَّرة فيها، وإن طالت.
سادساً: أنواعُ الإجارَةِ:
الإجارةُ نوعان:
النوع الأوَّل: إجارة على منفعةِ عَينٍ؛ وهي صنفان:
أحدهما: أن تكون العين مُعيَّنة؛ أي حاضرة مشاهدة؛ فتصحُّ إجارتها بالشروط التي سبق بيانها؛ كاستئجار دار معيَّنة للسكنى مدَّة محدّدة.
الثَّاني: أن تكون العين موصوفة؛ أي غير حاضرة ولا مشاهدة، فيشترط لها مع الشروط التي سبق ذكرها أن تكون منضبطة بالصفات التي ترفع الجهالة والغرر، وتمنع التنازع؛ نحو: استأجرت منك بعيراً صفته كذا وكذا، لأركبه سنةً بكذا وكذا، أو إلى بلد كذا وكذا.
стр. 635
النوع الثَّاني: إجارة على منفعة في الذمَّة؛ كخياطة ثوب، وبناء جدار.
ويشترط لصحَّتها ثلاثة أمور:
الأوَّل: أن تكون المنفعة منضبطة بوصفٍ لا يختلف به العمل؛ ففي خياطة الثوب يذكر جنس الثوب، وقَدْرَه، وصفة الخياطة، ونحو ذلك، وفي بناء الجدار يذكر طوله، وعرضه، وسُمْكَه، ونوع الحِجارة، ونحو ذلك.
الثَّاني: أنْ لا يجمع بين المُدَّة والعمل؛ كأن يقول: استأجرتك لتخيط ثوباً في يوم؛ لما فيه من الغرر؛ لأنَّه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم؛ فيكون استعمال الأجير بقيَّة اليوم زيادة على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل الأجير فيما بقي من اليوم، كان تاركاً للعمل في بعض زمنه، وهذا من الغرر الذي يمكن التحرُّز منه.
الثَّالث: أن يكون العمل ممَّا لا يُشترط أن يكون فاعله مسلماً؛ كتعليم العلوم الدنيويَّة.
* الإجارةُ على الطَّاعاتِ:
لا يصحُّ أخذ الأجرة على الأعمال التي تختصُّ أن يكون فاعلُها من أهلِ القُرْبة؛ كالأذان، وإمامة الصلاة، وتعليم القرآن، وتعليم العلوم الشرعيَّة، والنيابة في الحجِّ والعُمْرة، ونحو ذلك؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه].
وعن أُبَيِّ بن كعب قال: عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: (إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ)؛ فَرَدَدْتُهَا. [رواه ابن ماجه].
- وتجوز الجعالة على هذه الأعمال؛ لأنَّ الجعالة أوسع من الإجارة.
следующие страницы →