Полный текст (1 425 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فجرى الماء إلى أرض جاره فأغرقها؛ فإنَّه لا يضمن إذا كان فعله ممَّا جرت به العادة من غير تفريط منه؛ لأنَّه غير معتدٍ، وما حدث سِرَايَة فعلٍ مباح.
أمَّا إذا سَرَى الضرر الناشئ عن فعله بتفريط منه؛ كأن أوقد ناراً في يوم ريح شديد تحملها، أو كانت النار كثيرة بحيث تسري إلى غيرها عادة، أو نام تاركاً النار مشتعلة، أو فتح الماء أكثر ممَّا يحتاج عادة، أو فتحه وغفل عنه بنوم؛ فيضمن ما تلف بسبب فعله؛ لأنَّه متعدٍّ. فإن طرأت الريح بعد إشعال النار؛ فلا ضمان عليه فيما أتلفت؛ لأنَّه ليس بتفريطه، ولا فعله.
* ضمانُ ما تلفَ بسببِ فِعْلٍ مباحٍ، أو فيه مصلحةٌ عامَّة:
إذا تصرَّف إنسان تصرُّفاً مأذوناً له فيه، أو كان فيه تحقيق مصلحة عامة، أو منفعة للناس؛ فتلف بسبب تصرُّفه شيء؛ فلا ضمان عليه بسبب تصرُّفه؛ ومن صور ذلك:
أ - إذا وضع إنسان في مسجد فرشاً، أو نصب باباً، أو أوقد قنديلاً، أو وضع رفًّا؛ لمصلحة الناس ونفعهم؛ لم يضمن ما تلف بسببه؛ لأنَّه محسنٌ بفعله.
ب- إذا جلس إنسان في طريقٍ واسع، أو اضطجع فيه؛ فعثر به حيوان؛ فلا ضمان لما تلف بسببه؛ لأنَّ جلوسه واضطجاعه في مثل هذا الطريق فعل مباح، لم يتعدَّ فيه على أحد في مكان له فيه حقُّ.
ج - إذا وضع حجراً في طريقٍ فيه طينٌ؛ ليطأ عليه الناس؛ لم يضمن ما تلف بسبب فعله؛ لأنَّ في فعله نفعاً للمسلمين.
стр. 667
فصل
ضمان ما تُتلِفُه البهائم
إذا أَتلَفَت بهيمةٌ غير ضارية شيئاً من الأموال أو الأبدان نهاراً؛ فليس على صاحبها ضمان، إذا لم تكن يده عليها؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ) [متفق عليه]-أي: إتلافها هَدْرٌ-.
فإنْ كانت يده عليها؛ فإنَّه يضمن ما أتلفته نهاراً.
وإن أتلفت البهائم شيئاً من الأموال أو الأبدان ليلاً؛ فعلى صاحبها ضمان ما أتلفت إذا فرَّط في حفظها؛ لأنَّ العادة أنَّ أهل المواشي يرسلونها نهاراً للرعي، ويحفظونها ليلاً، وعادة أهل الحوائط حفظها نهاراً، وقد روى حَرام بن مُحَيِّصَة الأنصاريِّ، عن البراء بن عازب قال: (كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ، فَدَخَلَتْ حَائِطاً فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيهَا؛ فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ) [رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه].
فإن كانت البهيمة في يد مستعير، أو مستأجر، أو من يحفظها؛ فضمان ما أتلفته عليهم؛ لأنَّ يد كلِّ واحدٍ عليها؛ فكانت في ضمانه.
- إذا كان للبهيمة سائق يسوقها من خلفها، أو قائد يقودها من أمامها، أو كان عليها راكب، وكانوا قادرين على التصرُّف فيها؛ فضمان ما جنت يَدُها، وفَمُها، ووَطِئَتْ برِجْلِها على المُتصرِّف فيها؛ لحديث النُّعمان بن بَشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً في سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ المُسْلِمِينَ، أَوْ في سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ، أَوْ رِجْلٍ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ) [رواه الدارقطني، والبيهقي، بإسناد ضعيف جدًّا].
стр. 668
ولا ضمان عليهم فيما ضربت بحَدِّ حافرها من غير سبب؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) [رواه أبو داود، بإسناد ضعيف]، ولأنَّ المتصرِّف فيها يمكنه منعها من الوطء لما لا يريد، ولا يمكنه منعها من الضرب برجلها.
وإذا تعدَّد راكب البهيمة؛ فالضمان على المتصرِّف فيها المنفرد في تدبيرها؛ فإن كان الأوَّل هو المتصرِّف؛ فالضمان عليه وحده، وإن كان الأوَّل صغيراً، أو مريضاً، كان الضمان على من خلفه إذا انفرد بالتصرِّف فيها وتدبيرها.
وإن اشترك في تدبيرها والتصرِّف فيها أكثر من واحد؛ فالضمان عليهما جميعاً؛ كأن يكون لها قائد وسائق؛ لأنَّ كلًّا منهما لو انفرد لضَمِنَ، فإذا اجتمعا ضمنا معاً.
* دَفْعُ الصَّائِلِ، وإتلافُ المُحَرَّمَاتِ:
الصائل: هو القاصد الوثوب على غيره عدواناً.
إذا صال آدميٌّ أو حيوانٌ عدواناً على إنسان معصوم، أو على ماله؛ ولم يمكن دفعه إلَّا بقتله؛ فلا ضمان على من قتله؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].
- إذا أتلف إنسان مالاً محرَّماً بيعُه أو اقتناؤه؛ فلا ضمان على المتلِف؛ كمن أتلف آلة لهوٍ محرَّمة، أو مزماراً، أو كلباً، أو كسر آنيةً فيها خمر مأمور بإراقته، أو آنية ذهب أو فضَّة، أو أدوات سحر، أو تنجيم، أو كتب بدعةٍ مُضِلَّة، أو كتب فسق ومجون؛ وذلك لحديث ابن عمر ﵄ قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ آتِيهِ بِمُدْيَةٍ؛
стр. 669
-وَهِيَ الشَّفْرَةُ- فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ -أي: سُنَّت-، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ: اغْدُ عَلَيَّ بِهَا، فَفَعَلْتُ، فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ المَدِينَةِ وَفِيهَا زِقَاقُ خَمْرٍ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ؛ فَأَخَذَ المُدْيَةَ مِنِّي؛ فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقَ بِحْضَرْتِهِ، ثمَّ أَعْطَانِيهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي، وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الأَسْوَاقَ كُلَّهَا، فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ؛ فَفَعَلْتُ؛ فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ) [رواه أحمد].
стр. 670
باب الشُّفْعَة
أوَّلاً: تعريفُ الشُّفْعَة:
الشُّفْعَة لغةً: بضمِّ الشين، وسكون الفاء، وفتح العين؛ مأخوذة من الشَّفْع، وهو ضدُّ الوتر.
وشرعاً هي: استحقاق الشريك انتزاع حِصَّة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه، بعِوَضٍ ماليٍّ، بثمنه الذي استقرَّ عليه العقد.
ثانياً: حُكْمُ الشُّفْعَة:
الشُّفْعَةُ جائزةٌ ومشروعةٌ بالسنَّة والإجماع.
فمن السنَّة: ما روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ؛ فَلَا شُفْعَةَ) [رواه البخاري ومسلم].
وعن جابر ﵁ قال: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) [رواه مسلم].
وأمَّا الإجماع، فقد قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ إثبات الشُّفْعة للشريك الذي لم يقاسم؛ فيما بيع من أرض أو دار أو حائط».
- ويحرم التحيُّل لإسقاط الشُّفْعة، ولا تسقط به؛ لما في ذلك من إبطال الحقِّ الثابت بالشرع، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: (لَا تَرْتَكِبُوا مَا
стр. 671
ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ) [رواه ابن بطَّة في «إبطال الحيل»].
ثالثاً: حِكْمَةُ مَشروعيَّة الشُّفْعَة:
شُرعت الشُّفْعة دفعاً للضرر عن الشريك؛ بأن لا يلحقه أذى بمشاركة عدوٍّ، أو فاسد.
رابعاً: شُروطُ حقِّ الشُّفْعَة:
تثبت الشُّفْعة للشريك على شريكه بخمسة شروط:
الأوَّل: أن يكون الشِّقْص المنتقل عن الشريك مبيعاً؛ لأنَّ الشفيع يأخذه بمثل الثمن الذي انتقل به، وهذا لا يمكن في غير المبيع.
- يُلحق بالمبيع ما كان في معناه؛ كالصلح عن إقرارٍ بمال، أو جنايةٍ توجب مالاً، والهبة المشروط فيها ثواب معلوم؛ لأنَّ ذلك في حقيقته بيع.
- لا شفعة فيما انتقل عن ملكه بغير بيع؛ كما لو انتقل بهبةٍ بلا عِوَض، أو وصيَّة، أو إرثٍ، أو صَداق، وعِوَض الخلع، أو دية، ونحو ذلك.
الثَّاني: أن يكون شِقْصُ الشريك المباع مشاعاً غير مقسوم من عقار يمكن قسمته قسمة إجبار؛ فلا شُفْعة للجار في مقسوم محدود، ولا فيما لا يمكن قسمته؛ كالبئر، والطريق الضيِّقة، ولا فيما ليس بعقار؛ كالشجر، والحيوان، ونحوها من المنقولات؛ لحديث جابر ﵁: (قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ؛ فَلَا شُفْعَةَ)، ولأنَّ ضرر الشريك لا يبقى على الدوام في المنقولات، بخلاف الأرض.
стр. 672
- يتبع الأرض في الشُّفْعة ما فيها من غرس وبناء؛ لقول جابر ﵁: (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ … ) الحديث.
- أمَّا الزرعُ والثَّمَرةُ الظاهرة؛ فلا شُفْعَة فيها تبعاً ولا أصلاً؛ لأنَّها لا تدخل في البيع تبعاً؛ فلا تدخُلُ في الشُّفْعة.
الثَّالث: أن يطلب الشفيع الشُّفْعة ساعة علمه بالبيع؛ لما روي عن ابن عمر ﵄: (الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ) [رواه ابن ماجه؛ بإسناد ضعيف جدًّا]. فإن أخَّر طلب الشُّفْعة بلا عذرٍ سقط حقُّه في الشُّفْعة.
والجهل بأنَّ التأخير يُسقط الشفعة عذرٌ إذا كان مثله يجهل ذلك؛ لأنَّ الجهل ممَّا يُعذر به، أشبه ما لو ترك الشفعة لعدم علمه بها.
الرَّابع: أن يأخذ الشفيع جميع الحصَّة المباعة؛ فلا شُفْعة له إذا أراد أخذ بعضها؛ لأنّ في تبعيض الصفقة ضرراً على المشتري، ولأنَّ الشفعة شُرِعَت دفعاً لضرر الشَّركة؛ فإذا أخذ بعض الحصَّة المباعة، لم يندفع الضرر.
- إذا تعدَّد الشركاء؛ فتثبت الشُّفْعة لكلِّ واحد منهم على قَدْر مِلْكِه، فإن تركها بعضهم، فليس للباقي إلَّا أخذ الجميع.
الخامس: أن يكون مِلْك الشفيع لجزئه من العقار المبيع سابقاً على مِلْك المشتري؛ فإن كانا قد اشتريا العقار صفقة واحدة؛ فلا شُفْعة لأحدهما؛ لأنّه لا مَزيَّة لأحدهما على الآخر؛ لاستوائهما في البيع في زمن واحد.
مثاله: لو اشترى اثنان حصَّة في أرض لشخص صفقة واحدةً؛ فليس لأحدهما أن يشفع على الآخر؛ لأنَّ تملُّك أحدهما للحصَّة المشتراة من الأرض ليس سابقاً
стр. 673
على تملُّك الآخر؛ لكونهما اشترياها صفقة واحدة.
خامساً: تصرُّفُ المشتري في العَقارِ المشفوع فيه:
إذا تصرَّف المشتري في العقار المشفوع فيه بهبةٍ، أو وقف، أو صدقة، أو جعله مهراً، أو عوض خلع، ونحو ذلك، فلا يخلو تصرُّفه من أحد حالين:
الأوَّل: أن يتصرَّف فيه المشتري بعد طلب الشَّفيع الشُّفْعة؛ فيكون تصرُّفه باطلاً؛ لأنَّ ملك الجزء المشفوع انتقل إلى الشفيع بالطلب.
الثَّاني: أن يتصرَّف فيه المشتري قبل طلب الشَّفيع الشُّفْعة؛ فيكون تصرُّفه صحيحاً، ويسقط حقُّ الشفيع بالشفعة؛ لأنَّ في الشُّفْعة إضراراً بالمأخوذ منه بسبب زوال ملكه عنه بغير عِوض؛ لكون الثمن إنَّما يأخذه المشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
- إذا تصرَّف المشتري في العقار الذي ثبت فيه حقُّ الشُّفْعة ببيع؛ فللشفيع أخذه بثمن أيِّ البيعين شاء؛ فله أن يأخذه بالثمن الأوَّل الذي باع به شريكه، أو بالثمن الثاني الذي باع به المشتري من شريكه لمشترٍ آخر.
- يلزم الشفيع أن يدفع للمشتري الثمن الذي وقع عليه العقد؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا قَوْمٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ رِبَاعَةٌ أَوْ دَارٌ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، فَلْيَعْرِضْهُ عَلَى شُرَكَائِهِ؛ فَإِنْ أَخَذُوهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ) [رواه أحمد، بإسناد ضعيف].
- إذا كان الثمن مثليًّا دفع له مثله، أمَّا إذا كان الثمن متقوَّماً؛ دفع له قيمته وقت الشراء.
стр. 674
سادساً: ما يسقطُ به حَقُّ الشُّفْعَة:
تسقط الشُّفْعة في الحالات التالية:
الأوَّل: إذا تأخَّر الشفيع في مطالبة شريكه بحقِّ الشُّفْعة بلا عذر.
الثَّاني: إذا عجز الشفيع عن أداء ثمن الحصَّة المباعة كلِّه أو بعضه، بعد إنظاره ثلاثة أيَّام.
الثَّالث: إذا جُهِل ثمن الجزء المشفوع، أو عُلِم قَدْرُه عند الشراء ثمَّ نُسِي، سقطت الشُّفْعة، إلَّا أن يكون في الأمر حيلة؛ فلا تسقط.
الرَّابع: إذا طالب الشفيع ببعض نصيب شريكه.
الخامس: إذا مات الشفيع قبل طلب الشُّفْعة، فلا ينتقل حقُّ الشُّفْعة إلى الورثة.
стр. 675
باب الوديعة
أوَّلاً: تعريفُ الوَديعَة:
الوديعة لغةً: من وَدَع الشيء؛ إذا تَرَكَهُ، وأصلها من الدَّعَة؛ وهي الراحة.
وشرعاً: هي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوضٍ.
ثانياً: حُكْمُ الوَديعَة وحِكْمةُ مشروعيَّتها:
الوديعة جائزة بالكتاب والسنَّة والإجماع.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
- ومن السنَّة: ما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي].
وعن عبد الرحمن بن عُوَيْم بن ساعدة قال: ( … فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامَهَا حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْوَدِائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا لَحِقَ رَسُولَ اللهِ ﷺ [رواه البيهقي].
وقد أجمع العلماء على جواز الإيداع والاستيداع.
والحكمة من مشروعيَّتها: قيام الحاجة إليها؛ لأنَّه يتعذَّر على جميع الناس حفظ أموالهم بأنفسهم؛ فكانوا محتاجين إلى من يحفظها لهم.
стр. 676
وعقد الوديعة من العقود الجائزة؛ يجوز لأيٍّ من طرفي العقد فسخه دون رضا الآخر؛ فلو أراد المودِعُ أَخْذَ وديعته، لزم المودَع ردَّها إليه، وإذا أراد المودَع ردَّ الوديعة إلى صاحبها، لزمه قبولها.
ثالثاً: شُروطُ صحَّة الوَديعَة:
يُشترطُ لصحَّة عقد الوديعة ما يشترط لصحَّة الوكالة؛ لأنَّها نوعٌ منها، وهذه الشروط هي:
الأوَّل: أن تكون الوديعة مالاً محترماً، أو ما في حكمه؛ كالكلب الذي أباحت الشريعة اقتناءه؛ فلا تصحُّ الوديعة إذا كان المال غير محترمٍ؛ كما لو استودعه خمراً، أو خنزيراً، أو كلباً لم تبح الشريعة اقتناءه.
الثَّاني: أن يكون كلًّا من المودِع والمودَع أهلاً للتصرُّف؛ بأن يكونا بالغين، عاقلين، راشدين؛ فلا تصحُّ الوديعة إذا كان كلا الطرفين أو أحدهما فاقداً للأهليَّة؛ كالصغير، والمجنون، والسفيه؛ فإذا أودع أَهْلٌ للتصرُّف وديعةً عند فاقدٍ للأهليَّة فأتلفها، فلا ضمان على المتلِف؛ لأنَّ المودِع مفرِّط بدفع ماله لفاقد الأهليَّة.
وإذا قَبِلَ أَهْلٌ للتصرُّف وديعةً من فاقدٍ للأهليَّة، صار ضامناً لها إذا تلفت؛ لأنَّه تعدَّى بقبول الوديعة بغير إذن شرعيٍّ، ولا تبرأ ذمَّته إلَّا بردِّ الوديعة إلى الوليِّ.
- لا ضمان على المودَع إذا كان المودِع صغيراً مأذوناً له في الإيداع، أو خاف المودَع تلف الوديعة إن لم يأخذها منه.
الثَّالث: تعيينُ المودَع والوديعة؛ إمَّا بنسبةٍ تميِّزهما، أو إشارةٍ إليهما، أو نحو
стр. 677
ذلك ممَّا يحصل به التعيين، ويرفع الجهالة.
فلا يصح أن يقول: أودعت أحد هذين الرجلين مائة دينار، أو أودعت رجلاً مائة دينار -من غير تعيين-؛ لجهالة المودَع.
كما لا يصحُّ أن يقول: أودعتك أحد هذين المالين؛ لأنَّ الوديعة غير معيَّنة، فصارت مجهولة.
رابعاً: حِفْظُ الوَديعَة:
يُستحبُّ لمن يعلم من نفسه القُدرة على حفظ الأمانات لأهلها أن يقبل حِفظَ الوديعة؛ لما فيه من قضاء حاجة الناس، ومعاونتهم، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) [رواه مسلم].
فإذا قَبِلها فإنَّه يلزمه أن يحفظَها في حِرْز مثلها؛ أي: في مكان مناسب لحفظِها ممَّا جرت به عادة الناس أن يحفظوا فيه أموالهم الخاصَّة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ووجه الدلالة: أنَّه لا يمكنه أداؤها بدون حفظها، والمقصود من الإيداع الحفظ.
والأصلُ أنْ يحفظَ المودَع الوديعة بنفسه، وله أنْ يدفَعَها إلى من يقوم مقامه في الحِفظِ؛ كزوجته، أو ولده، أو خادمه، أو خازنه، إن كانوا أهلاً لحفظها؛ فإن تلفت في يد واحد منهم من غير تعدٍّ أو تقصير، لم يضمن؛ لأنَّه مأذون فيه عادة.
ولو دفع المودَع الوديعة إلى غيره من الثقات لعذرٍ؛ كسفرٍ لا يمكنه حفظها
стр. 678
معه، أو حضره مرض الموت؛ فإنَّه لا يُعدُّ مفرِّطاً، ولا متعدِّياً، ولا ضمان عليه.
خامساً: ضمانُ الوَديعَة:
الأصلُ في يد المودَع أنَّها يد أمانة؛ فإذا تلفت الوديعة عنده من غير تعدٍّ عليها، أو تقصير في حفظها؛ فإنَّه لا ضمان عليه؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
وممَّا يندرج تحت هذا الأصل من الصور ما يلي:
١) إذا عيَّن المودِع للمودَع محلًّا لحفظ الوديعة، فحفظها في محلٍّ مثله، فتلفت، لم يضمن؛ لأنَّ تعيين الحِرْز يقتضي الإذن في مثله.
ولا يضمن أيضاً إذا حفظها في حِرْزٍ فوقه، فتلفت؛ لأنَّه أحفظ لها؛ فكان غير مفرِّط.
٢) إذا نهى المودِع المودَع عن إخراج الوديعة من الحِرْز الذي يحفظها فيه، فأخرجها إلى حِرْزٍ آخر مثله أو فوقه؛ لوجود شيءٍ الغالب منه حصول تلف الوديعة أو هلاكها؛ كحريق، أو سرقة؛ فتلفت في المحلِّ المنقولة إليه، لم يضمن؛ لأنَّ في تركها تضييعاً لها.
٣) إذا نهى المودِع المودَع عن إخراج الوديعة من الحِرْز الذي يحفظها فيه، ووُجد شيءٍ الغالب منه حصول تلف الوديعة أو هلاكها؛ فأخرجها إلى حرزٍ آخر دونه؛ لتعذُّر إحرازها بمثل الحِرْز الأول أو فوقه، لم يضمن؛ لأنَّ نقلَها إليه أحفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه سواه.
стр. 679
٤) إذا نهى المودِع المودَع عن إخراج الوديعة من حِرْزها ولو خاف عليها التلف؛ فحصل خوف، وتركها؛ فإنَّه لا يضمن؛ لأنَّه عمل بأمر صاحبها؛ فهو كما لو أمره بإتلافها.
٥) إذا نهى المودِع المودَع عن إخراج الوديعة من حِرْزها ولو خاف عليها التلف؛ فحصل خوف، وأخرجها إلى حِرْز آخر مثله أو فوقه؛ فلا ضمان عليه؛ لأنَّه زاده خيراً وحفظاً.
٦) إذا هجم على الوديعة ناهِبٌ، أو غاصِبٌ ونحوهما، فألقاها المودَع في مكانٍ ليخفيها عنه، لم يضمنها؛ لأنَّه من عادة الناس في حفظ أموالهم.
٧) إذا أُكره المودَع على دفع الوديعة لغير مستحقِّها، لم يضمن.
ويضمنُ المُودَع الوَديعَة إذا تعدَّى عليها بغير إذنٍ من المُودِع، أو قصَّر في حفظها، ومن صور ذلك ما يلي:
١) إذا عيَّن المودِع للمودَع محلًّا لحفظ الوديعة، فحفظها في محلٍّ دونه وتلفت، ضمن الوديعة؛ لأنَّه مفرِّط.
٢) إذا ترك المودَع الوديعة في حِرْزِها مع طروء ما يخاف منه هلاكها أو تلفها في ذلك المحلِّ غالباً، ولم يخرجها؛ فتلفت؛ فإنَّه يضمنها.
٣) إذا نهى المودِع المودَع عن إخراج الوديعة من حِرْزها؛ فأخرجها من حِرْزها إلى حرزٍ آخر، لغير خوف هلاك أو تلف، فتلفت؛ فإنَّه يضمنها، سواء أخرجها إلى حِرْز مثله، أو فوقه؛ لمخالفته أمر المودِع بلا حاجة.
стр. 680
٤) إذا كانت الوديعة بهيمة؛ فماتت جوعاً أو عطشاً بتقصيرٍ من المودَع، ضمنها؛ لأنَّ علفها وسقيها هو أساس حفظها.
٥) إذا ركب المودَع دابَّة مودَعةً عنده ترفُّهاً، لا لحاجة صيانتها، فتلفت، فإنّه يضمنها.
٦) إذا استعمل المودَع ثياباً مودعةً تزيُّناً، لا لحفظها من الآفة، أو أتلفتها آفة لعدم نشرها، فإنَّه يضمنها؛ لأنَّه متعدٍّ ومفرِّط.
٧) إذا أخرج المودَع نقوداً مودعة عنده لينفقها، أو لينظر إليها، أو كَسَر ختْم محفظتها، أو حلَّ كيسها ولو لم يخرجها، صار ضامناً لها؛ لأنَّه متعدٍّ بهتك حِرْزها.
٨) إذا خلط المودَع الوديعة بما لا تتميَّز عنه؛ فإنَّه يضمنها؛ لأنَّه يعجز عن ردِّها.
٩) إذا امتنع المودَع من ردِّ الوديعة لمن يستحقُّها عند طلبها، أو أخَّرها من غير عذر، صار ضامناً لها؛ لأنَّه أشبه الغاصب في إمساكه مال غيره بلا إذنٍ منه.
- ومتى تعدَّى المودَع على الوديعة بَطَلَت، ووجب عليه ردُّها إلى مالكها فوراً؛ لأنَّها أمانة محضة، وقد زالت بالتعدِّي، ولا تعود أمانة إلَّا بعقد جديد.
- ويصحُّ قول المودِع للمودَع: كلَّما خُنْتَ ثمَّ عُدْتَ إلى الأمانة فأنت أمينٌ؛ لأنَّه يصحُّ تعليق الإيداع على الشرط، كالوكالة.
стр. 681
فصل
سفر المودَع بالوديعة
- إذا أراد المودَع السفر، وخاف على الوديعة عنده من الهلاك أو التلف، ردَّ الوديعة إلى مالكها، أو إلى وكيله، أو إلى من يحفظ مالَ مالكَ الوديعة عادةً.
- فإذا تعذَّر على المودَع دفع الوديعة إلى مالكها أو من يقوم مقامه، ولم يخف عليها معه في السفر، سافر بها، ولا ضمان عليه؛ لأنَّ إيداع المالك يقتضي الإذن في السفر بالوديعة.
- أمَّا إذا خاف عليها التلف أو الضياع إذا سافر بها معه؛ فإنَّه يدفعها إلى الحاكم المأمون، فإن تعذَّر الحاكم، فيدفعها إلى ثقة.
стр. 682
فصل
التنازع في الوديعة
- إذا وقع تنازع بين المودِع والمودَع في التعدِّي على الوديعة، أو التقصير في حفظها، أو خيانتها، أو في ردِّها إلى المودِع، أو من يقوم مقامه؛ فالقول قول المودَع مع يمينه؛ لأنَّ يده يد أمانة، ولا منفعة له في قبضها.
- ويُقبل قول المودَع مع يمينه في أنَّها تلفت، أو أنَّه دفعها لآخر بإذن المودِع، ولو أنكر المودِعُ ذلك الإذن.
- وإذا ادَّعى المودَع ردَّ الوديعة بعد مماطلته في ردِّها إلى مستحقِّها بلا عذر؛ لأنَّه صار كالغاصب، ولو ادَّعى ورثة المودَع ردَّ الوديعة، لم يقبل قولهم إلَّا ببيِّنة؛ لأنَّهم غير مؤتمنين عليها من قِبَل مالكها.
- وإذا أنكر المودَع أنَّ المودِع أودعه شيئاً، ثمَّ أقرَّ به، أو ثبت ببيِّنة أنَّه أودعه إيَّاها، ثمَّ ادَّعى المودَع أنَّه ردَّ الوديعة للمودِع، أو أنَّها تلفت قبل يوم الجحود؛ لم يقبل قوله، وإن أقام بذلك بيِّنة؛ لأنَّه صار ضامناً بجحوده، ولا تسمع بيِّنته؛ لتكذيبه لها بجحوده.
مثاله: أن يدَّعي عليه الوديعة يوم الجمعة؛ فينكرها، ثمَّ يقرُّ، أو تقوم بيِّنة بها؛ فيُقيم بيِّنة بأنّها تلفت، أو ردَّها يوم الخميس أو قبله، فلا يقبل قوله ولا بيِّنته.
أمَّا إن ادَّعى ردَّها أو تلفها بعد يوم الجحود ببيِّنةٍ، قبلت بيِّنته؛ لعدم تكذيبه لها.
стр. 683
باب إحياء الموات
أوَّلاً: تعريفُ إحياءِ المواتِ:
الموات لغةً: مشتقٌّ من الموت، وهو هَدْمُ الحياة.
والأرض المَوَاتُ شرعاً: هي الأرضُ المُنفَكَّةُ عن الاختصاصات، وملك معصومٍ؛ فهي: الأرض الخراب المُنْدَرِسَةُ التي ليس لها مالكٌ، ولا بها أثر عِمارةٍ، أو وجد بها أثر مِلْكٍ وعِمارةٍ؛ كالخِرَب التي ذهبت أنهارها، واندَرَسَت آثارها، ولم يُعلم لها مالك، وكآثار الأمم البائدة.
وإحياؤها: استصلاحها وعمارتها بما يجعلها صالحة للانتفاع بها.
ثانياً: حُكْمُ إحياء الموات:
إحياءُ الموات جائز، قد دلَّت السنَّة على مشروعيَّته؛ ومن ذلك:
ما ثبت عن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ) [رواه البخاري].
وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي].
ثالثاً: شروطُ صحَّة إحياء الموات:
يُشترَطُ لصحَّة إحياء الأرض الموات ما يلي:
الأوَّل: أنْ لا تكون الأرض مِلْكاً لمعصوم؛ سواء أكان ذلك المالك مُسلِماً، أم ذمِّيًّا، أم مستأمناً.
стр. 684
ويستثنى من الموات غير المملوك: موات الحَرَم، وعَرَفات، ومِنًى، ومُزْدَلِفَة؛ فلا يُمْلَكُ بالإحياء؛ لما فيه من التضييق على الحُجَّاج في أداء المناسك، واختصاصه بمحلٍّ يستوي الناس فيه.
الثَّاني: أن تكون الأرض مُنفكَّة عن الاختصاصات؛ وهي ما تعلَّقت به منفعة عامَّة؛ كالطُّرُق، والأَفْنِيَة، ومَسيلِ الماء، وأماكن دَفْنِ الموتَى، ومواضع القُمامة، والبِقاع المُعَدَّة لصلاة العيد والاستسقاء، والمَراعي، ونحو ذلك.
رابعاً: صِفَةُ الإحياءِ وكيفيَّتُه:
يحصل إحياء الأرض الموات بأحد الأمور التالية:
١) أن يحيط الأرض بحائط منيع ممَّا جرت العادة به أن يمنع ما وراءه؛ لما روى جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ؛ فَهِيَ لَهُ) [رواه أحمد، وأبو داود].
٢) أن يُجرِيَ في الأرض الموات ماءً من عَينٍ، أو بئرٍ، أو نهرٍ، لا تُزرَعُ الأرض إلَّا به؛ لأنَّ نفع الأرض يحصل بذلك أكثر من حصوله بإحاطتها.
٣) أن يحبس الماء عن أرضٍ لا يمكن زَرْعُها بوجوده؛ كالأرض التي تَفسُد بكثرة الماء؛ فيكون إحياؤها بِسَدِّه عنها، بحيث يمكن زرعها.
٣) أن يَحفِرَ في الأرض الموات بئراً، فَيَصِل إلى مائها.
٤) أن يَغْرِس في الأرض الموات شجراً؛ لأنَّ غرس الشجر يُراد للبقاء؛ فكان كبناء الحائط.
стр. 685
ومن أحيا مواتاً فإنَّه يملكه، سواءٌ أحياه بإذن الإمام، أو بغير إذنه؛ فيجوز له بيعه وهبته.
خامساً: تَحْجيرُ الموات:
يحصل تحجير الموات بأن يدير حوله أحجاراً، أو تراباً، أو شوكاً، أو حائطاً غير منيع، ولا يستر ما وراءه، أو أن يحفر بئراً لم يصل إلى مائها، أو سقى شجراً مباحاً، أو أصلحه ولم يُرْكِبْهُ، أو حَرَثَ الأرض، أو حَفَرَ خَنْدَقاً حولها، ونحو ذلك.
- ومن تحجَّر مواتاً لم يملكه؛ لأنَّ تملَّك الموات يكون بالإحياء، وهو لم يوجد، إلَّا أنَّه يكون أحقّ به من غيره؛ لحديث: (مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ).
ويكون وارثه أيضاً أحقَّ به من بعده؛ لأنَّه حقٌّ للمَوْروث؛ فقام فيه وارثه مقامه، كسائر حقوقه.
- إذا أعطى المُحَجِّر ما تَحَجَّره من الموات لأحدٍ غيره؛ كان المعطَى أحقَّ به، وورثته من بعده؛ لأنَّ صاحب الحقِّ آثره به، وأقامه مقامه فيه.
- إذا طالت مدَّة التحجُّر عُرْفاً، ولم يتمَّ إحياؤه، وكان هناك من يتشوَّق لإحيائه، خيَّره الإمام أو نائبه بين إحيائه أو تركه لغيره يحييه؛ لأنَّه بتأخيره يكون قد ضيَّق على الناس في حقٍّ مشترك بينهم.
سادساً: إحياءُ المواتِ من المعادِنِ، أو تَحْجيرُها، أو إِقْطاعُها:
- لا تُملَكُ المعادِنُ الظاهرة والباطنة بالإحياء، ولا بالإقطاع، ولا بالتَّحجير؛
стр. 686
كالنِّفط، والقار، والكبريت، والياقوت، والملح، والحديد، والنُّحاس، والذَّهب، والفضَّة، ونحوها؛ لأنَّها من مصالح المسلمين العامَّة، وفي تملُّكها ضررٌ بالمسلمين، وتضييق عليهم.
- ومن مَلَكَ أرضاً مَواتاً بالإحياء مَلَكَها بما فيها من المعادن الباطنة (كالملح، والكُحْل)، والظاهرة (كالذَّهب، والفضَّة، والحديد)؛ لأنَّها تبعٌ للأرض؛ فملكها بجميع أجزائها وطبقاتها.
- وإذا تحجَّرَ أرضاً، أو قَطَعَها؛ فظهر فيها معدنٌ قبل إحيائها؛ كان له إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنَّه صار أحقَّ بتحجُّره وإقطاعه، فلم يُمنع من إتمام حقِّه.
- وإذا ظهر في المُحْيا من الأرض عين ماء، أو معدن جارٍ؛ كالنفط والقار، أو ظهر فيها كلأٌ، أو شجرٌ، فهو أحقُّ به بغير عوض؛ لحديث أسْمَر بن مُضَرِّس قال: (أتيت النبيَّ ﷺ فبايعتُه، فقال: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ) [رواه أبو داود، بإسناد ضعيف]. إلَّا أنَّه لا يملكه؛ لحديث أبي خِدَاشٍ عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: في المَاءِ، وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ) [رواه أحمد، وأبو داود].
سابعاً: إقطاعُ الإمام الموات لمن يُحْييهِ:
- لا يشترط لصحَّة إحياء الموات إذن الإمام؛ لعموم قوله ﷺ : (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ).
- وللإمام أن يُقْطِع الأرضَ الموات لمن يُحييها؛ لما جاء في حديث وائل بن حُجْر
стр. 687
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتٍ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي]، و (أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثَ العَقِيقَ أَجْمَعَ) [رواه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي، بإسناد ضعيف].
- من أقطعه الإمام مواتاً لم يملكه بمجرَّد الإقطاع، وإنَّما يملكه بالإحياء؛ فإن عجز عن إحيائه؛ فللإمام استرجاعه، وإقطاعه لغيره ممَّن يقدر على إحيائه؛ لما جاء في حديث بلال بن الحارث: (أنَّ رسول الله ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِبِلَالٍ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يُقْطِعْكَ إِلاَّ لِتَعْمَلَ. قَالَ: فَأَقْطَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ لِلنَّاسِ الْعَقِيقَ).
ثامناً: السَّبْقُ إلى حِيازَةِ المُباحاتِ:
من سَبَق إلى مباح فهو له، يملِكُه بأَخْذِه؛ كالصَّيْدِ، والعَنْبَر، واللُّؤلُؤ، والمَرْجان، والحَطَبِ، والثَّمَرِ، وما يتركه أهل الحصاد رغبة عنه، والنِّثار في الأعراس، والعَظْم يكون به شيء من لحم رُغِبَ عنه.
- لا فرق في تملُّك السابق إلى المباح بين المسلم والذمِّيِّ.
- إذا سبق إلى المباح أكثر من واحد؛ فيقسَّم بينهم؛ لاستوائهم في السبب.
- مِلْكُ السابق إلى المباح مقتصرٌ على القَدْر المأخوذ؛ أمَّا ما لا يحوزه فلا يملكه، ولا يمنع غيره منه.
стр. 688
باب الجعالة
أوَّلاً: تعريفُ الجعالَةِ:
الجعالة لغةً: مثلَّثة الجيم؛ من الجَعْل؛ بمعنى التسمية.
وشرعاً: هي أن يجعل شيئاً معلوماً من المال لمن يعمل له عملاً مباحاً ولو مجهولاً، مُدَّةً ولو مجهولة.
وصورة عقد الجعالة: أن يقول إنسان: من بنى لي هذا الحائط، أو ردَّ عليَّ سيارتي المفقودة؛ فله كذا من المال، أو له عن كلِّ يومٍ كذا من المال. فمن فعل ذلك استحقَّ ذلك العِوَض أو الجعل.
والجعالة نوع من الإجارة؛ لأنَّ العِوَض يقع في مقابل منفعة، إلَّا أنَّها تختلف عن الإجارة من عدَّة وجوه:
١) أنَّها عقدٌ جائزٌ، لا يلتزم الفاعل فيه بالعمل.
٢) أنّه يصحُّ وقوع العقد في الجعالة مبهماً من جهة العمل، والمدَّة، ومن جهة العامل.
٣) أنَّ العمل فيها قائمٌ مقام القبول؛ لأنَّه يدلُّ عليه، كالوكالة.
٤) أنَّه يجوز الجَمْعُ فيها بين تقدير المُدَّة والعَمَل.
ثانياً: حُكْمُ الجعالَةِ:
الجعالة عقدٌ مشروعٌ؛ دلَّ على مشروعيَّته الكتاب، والسنَّة.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
стр. 689
- ومن السُّنَّة: حديث أبي سعيد ﵁ قال: (انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ؛ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ؛ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللّاهِ؛ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا؛ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ الحَمْدُ لِلّاهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ؛ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ؛ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا؛ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: حِكْمَةُ مشروعيَّة الجعالَةِ:
شُرِعَ عقدُ الجعالة نظراً لحاجة الناس إلى إنجاز العديد من الأعمال التي لا تصحُّ معها الإجارة؛ نظراً لعدم توفُّر شروطها؛ كردِّ ما يفقدونه من أموالهم؛ نظراً لجهالة العمل؛ لذلك دعت الحاجة إلى إجازة العِوَض مع جهالة العمل؛ تيسيراً على الناس، ورفعاً للحرج عنهم، وهذه هي صورة الجعالة.
стр. 690
رابعاً: شروطُ صحَّةِ الجعالَةِ:
لا تصحُّ الجعالة إلَّا بالشروط التالية:
الأوَّل: أن يكون الجاعل أهلاً للتصرُّف؛ وهو البالغ، العاقل، الرشيد؛ فلا يصحُّ من الصغير، والمجنون، والمحجور عليه لسفهٍ.
الثَّاني: أن يكون الجعل (العِوَضُ) معلوماً؛ فلا يصح أن يقول: من ردَّ عليَّ ضالتي فله نصفها. وإلَّا فيكون للعامل أُجرة المِثْل.
الثَّالث: أن يكون الجعل (العِوضُ) مالاً مباحاً؛ فلا يصحُّ أن يكون خمراً، أو خنزيراً. وإلَّا فيكون للعامل أُجرة المِثْل.
الرَّابع: أن يكون العمل الذي عليه الجعل مباحاً؛ فلا يصحُّ على محرَّم؛ كأن يكون العمل غناءً، أو زمراً، أو صناعة مسكرٍ، أو سرقةً، أو عملَ سِحْرٍ، أو نياحةً.
- ويصحُّ عقد الجعالة إذا كان العمل الذي عليه الجعل مجهولاً؛ كأن يقول: من خاط لي هذا الثوب فله كذا؛ من غير أن يبيِّن صفة خياطة الثوب.
- ويصحُّ عقد الجعالة أيضاً إذا كانت مدَّة العمل مجهولة؛ كأن يقول: من حَرَسَ زَرْعِي فله كلُّ يوم كذا.
- ويصحُّ عقد الجعالة إذا كان العامل غير معيَّن؛ كأن يقول: من ردَّ عليَّ ضالَّتي فله كذا.
- ويصحُّ عقد الجعالة على أعمال القُرَب والطاعات التي يتعدَّى نفعها، ويشترط إسلام فاعلها؛ كالأذان، والإمامة، وتعليم القرآن، والفقه، والقضاء، والرُّقية؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق.
стр. 691
خامساً: استحقاقُ العامِلِ الجعلَ:
لا يخلو حال العامل في عقد الجعالة من إحدى الصور التالية:
الأُولَى: أن يعمل العمل بعد أن بلغه عقد الجعالة؛ فهذا يستحقُّ العوض كلَّه؛ لأنَّ العقد استقرَّ بتمام العمل؛ فاستحقَّ ما جُعِل له.
الثَّانية: أن يبلغه عقد الجعالة أثناء العمل؛ فإنَّه يستحقُّ حصَّة تمامه إذا أتمَّه بنيَّة الجعل؛ فيستحقُّ من الجعل بقَدْر ما بقي من العمل فقط؛ لأنَّ عمله قبل أن يبلغه العقد تبرُّع، وهو غير مأذون له فيه؛ فلم يستحقَّ عنه عوضاً.
الثَّالثة: أن يبلغه عقد الجعالة بعد الفراغ من العمل؛ فهذا لا يستحقُّ شيئاً من العِوَض؛ لأنَّه غير مأذون له فيه، وفَعَلَه متبرِّعاً، ولأنَّه إذا وجده وجب عليه ردُّه، ولا يجوز له أخذ عِوَضٍ على الواجب.
ويُستثنَى من ذلك ما إذا عَمِلَ شخصٌ على تخليص متاعِ غيرِه من مَهلَكَةٍ يُظَنُّ هلاكه بتركه؛ فيكون له أجرةُ المِثْلِ؛ لأنَّه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، وفيه حثٌّ وترغيبٌ في إنقاذ الأموال من الهلكة.
- إذا عَمِلَ شخصٌ ممَّن أعدَّ نفسه للتكسُّب بالعمل، وأذن له المعمول له في العمل؛ فله أجرة المثل؛ لدلالة العُرف على ذلك.
- إذا زادَ الجاعلُ في جعلٍ، أو نقص منه قبل شروع العامل في العمل جاز، وعُمِل به؛ لأنَّه عقد جائز.
- وإذا اشترك جماعةٌ في العمل اشتركوا في الجعل؛ فلو قال: من بنى هذا الجدار فله دينار؛ فاشترك في بنائه ثلاثة، اشترك الثلاثة في الدينار.
стр. 692
- إذا كان العامل معيَّناً، فقال له الجاعل: إن رددت عليَّ لُقَطَتي فلك كذا، استحقَّ العامل المعيَّن الجعل وحده إذا ردَّها، ولا يستحقُّه غيره إذا ردَّها ذلك الغير؛ لأنَّ الجاعل خصَّ المعيَّن في استحقاق الجعل.
سادساً: فَسْخُ عقدِ الجعالَةِ:
عقد الجعالة من العقود الجائزة؛ فيجوز لكلا الطرفين فسخه دون رضا الطرف الآخر؛ ويترتَّب على فسخه من الأحكام ما يلي:
١) إذا فسخ الجاعل أو العامل المعيَّن العقد قبل الشروع في العمل، انفسخ العقد، ولا شيء للعامل.
٢) إذا فسخ الجاعلُ العقدَ بعد شروع العامل في العمل، انفسخ العقد، وللعامل أجرة المثل على ما عمله.
٣) إذا فسخ العاملُ عقدَ الجعالة بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، انفسخ العقد، ولا شيء للعامل؛ لأنَّه أسقط حقَّ نفسه، ولم يوف ما شُرِط عليه.
سابعاً: اختلافُ الجاعِلِ والعامِلِ في عقد الجعالَةِ:
- إذا اختلف الجاعل والعامل في أصل الجعل وتسميته؛ فالقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدم الجعل، وبراءته ممَّا لم يعترف به.
- وإذا اختلف الجاعل والعامل في قَدْر الجعل، أو قَدْر المسافة؛ فالقول قول الجاعل؛ لأنَّ الأصل براءته ممَّا لم يعترف به.
стр. 693
باب اللُّقَطة
أوَّلاً: تعريفُ اللُّقَطَة:
اللُّقَطَة لغةً: اسمٌ لما يُلْتقطُ؛ يقال: لُقَطَة بضمٍّ ثمَّ فتحٍ، ولُقْطَة بضمٍّ ثمَّ سكون، ويقال: لُقَاطَة.
وشرعاً: هي اسمٌ لمالٍ، أو مختصٍّ، ضاعَ -أو ما في معناه-، لغير حربيٍّ.
ويُقصدُ ب (المختصِّ): ما يختصُّ به الإنسان بدون مِلْك؛ فلا يصحُّ تملُّكه، ولا أخذ العِوَض عنه؛ ككلب الحراسة، والصيد، وخَمْر ذمِّيٍّ، ونحو ذلك.
ويقصد بما هو (في معنى الضائع): المتروكُ قَصْداً لمعنى يقتضيه؛ كمن ترك دابَّته بمهلكة ليأسه، ومن ألقى متاعه في البحر خوفاً من الغرق، والمدفون المنسي.
ثانياً: حُكْمُ اللُّقَطَة:
اللُّقَطة مشروعة؛ والأصل في مشروعيَّتها حديث زيد بن خالد الجهنيِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا؛ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؛ مَعَهَا حِذَاؤُهَا، وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) [متَّفق عليه].
ثالثاً: أقسامُ اللُّقَطَة:
تنقسم اللُّقَطة إلى ثلاثة أقسام:
стр. 694
القسم الأوَّل: ما يباح التقاطُه، وأخذُه والانتفاع به بلا تعريف:
وهو ما لا تتعلَّق به نفوس أوساط الناس، ولا يهتمُّون في طلبه؛ لحقارته، وقلَّة ثمنه؛ كقلَمٍ سعره زهيد، ورغيف خبز، وتمرةٍ، وعصا، ونحوها؛ فيباح له أخذه وتملُّكه؛ وذلك لما رُوي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالحَبْلِ، وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ) [أخرجه أبو داود، بإسناد ضعيف]. والأفضل أن يتصدَّق به.
لكن إن وَجَدَ الملتقطُ صاحبَها؛ فإنَّه يدفعها إليه إن كانت باقيةً، وإلَّا لم يلزمه ضمانها.
- ومن تركَ دابَّة في مهلكةٍ، أو أرض فَلاةٍ، وقد يئس من سلامتها، أو بسبب عجزها عن السَّيْر، أو عَجْزه عن علَفها؛ فإنَّها تكون ملكاً لمن أخذها؛ لما رَوى الشعبيُّ مرفوعاً؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا أَنْ يَعْلِفُوهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ) [أخرجه أبو داود].
- وإذا ألقى شخص متاعاً ونحوه من سفينة؛ خوفاً من الغرق؛ فإنَّه يكون مِلْكاً لمن أخذه؛ لأنَّه مال ألقاه صاحبه اختياراً فيما يتلف بتركه؛ كما لو ألقاه رغبةً عنه.
القسم الثَّاني: ما لا يجوز التقاطه، ولا يُملَكُ بالتعريف:
وهو الضوالُّ التي تمتنع عن صغار السِّباع؛ إمَّا لقُوَّتها وتحمُّلها؛ كالإبل، والبقر، وإمَّا لسُرعة جَرْيها؛ كالخيل، والظباء، وإمَّا لطيرانها؛ كالحَمام؛ فهذه يحرُم التقاطها، ولا يملكها بالتعريف؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ السابق-؛ وفيه: (قَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ
стр. 695
وَجْنَتَاهُ، أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؛ مَعَهَا حِذَاؤُهَا، وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا).
- فإذا أخذها ملتقط؛ فإنَّه يلزمه ضمانها إن تلفت، أو نقصت؛ كالغاصب؛ لأنَّه غير مأذون له بذلك شرعاً، ولا تبرأ ذمَّتُه، أو يزول ضمانه إلَّا بدفعها إلى الإمام، أو نائبه؛ لأنَّ له نظراً في حفظ مال الغائب، أو أنْ يردَّها الآخذ إلى مكانها بإذنٍ من الإمام؛ لما جاء عن ثابت بن الضحَّاك الأنصاريِّ (أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالحَرَّةِ فَعَقَلَهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ) [أخرجه مالك، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة]، ولأنَّ الأمر بِرَدِّه كأخذه منه.
- ومن التقط شيئاً ممَّا لا يجوز التقاطه، وكتمه عن مالكه، ثمَّ ثبت ببيِّنة، أو إقرارٍ، فتلف؛ فإنَّه يلزم المُلتقِطَ قيمةُ اللُّقَطة مرَّتين يدفعها لمالكها؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ضَالَّةُ الْإِبِلِ المَكْتُومَةِ غَرَامَتُها وَمِثْلُهَا مَعَها) [أخرجه أبو داود].
- وإذا تَبِعَ شيءٌ من هذه الضوالِّ دوابَّ شخص؛ فطَرَدَها، أو دخلت دارَه؛ فأخرجها؛ فإنَّه لا ضمان عليه؛ لأنَّه لم يأخذها، ولم تثبت يده عليها.
- ولا يجوز التقاطه ما يتحفَّظ بنفسه؛ كأحجار الطَّواحين، والقُدُور الضخمة، والأخشاب الكبيرة، ونحو ذلك؛ لأنَّها لا تكاد تضيع عن صاحبها، ولا تبرح من مكانها، بل هي أَوْلَى من الضوالِّ التي يمكن أن تتعرَّض في الجملة للتلف؛ إمَّا بسَبُعٍ، أو جوعٍ، أو عطشٍ، ونحو ذلك.
стр. 696
القسم الثَّالث: ما يجوز التقاطُه، ويُملَك بالتعريف المعتبر شرعاً:
وهو كلُّ ما سوى القسمين السابقين؛ كالذَّهب والفِضَّة، والثياب، والأواني، والكتب، وما لا يمتنع عن صغار السِّباع؛ كالغنم، وولد الناقة، وولد البقرة، والطيور التي لا تطير؛ كالإوَزِّ، والدجاج؛ فهذه يجوز التقاطها إذا كان المُلتَقِطُ أميناً، وقادراً على تعريفها؛ لما جاء في حديث خالد الجهني ﵁ قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ؛ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ؛ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً؛ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ؛ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ؛ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؛ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا. وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؛ فَقَالَ: خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ) [أخرجه مسلم].
- والأفضل له مع أمانته وقدرته على التعريف ترْكُها؛ لما جاء عن عبد الله بن دينار قال: (قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: وَجَدْتُ لُقَطَةً، قَالَ: وَلِمَ أَخَذْتَهَا؟) [أخرجه ابن أبي شيبة]، وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: (لَا تَرْفَعْهَا مِنَ الأَرْضِ؛ فَلَسْتَ مِنْهَا في شَيْءٍ) [أخرجه ابن أبي شيبة، بإسناد ضعيف]، ولأنَّ فيه تعريض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها؛ فكان ترْكُها أَوْلى وأسلم.
- أمَّا إن كان لا يأمن نفسه عليها؛ فلا يجوز له أخذها بحال؛ لما فيه من إضاعتها على ربِّها؛ كما لو أنَّه أتلفها، أو نوى كتمانها. فإنْ أخذها ضَمِنَها إن تلفت، ولو بغير تفريط؛ لأنَّه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذُه؛ فكان كالغاصب.
- وإن كان عاجزاً عن تعريفها؛ فلا يجوز له أخذها أيضاً، ولو بنيَّة الأمانة؛ لأنَّه
стр. 697
لا يحصل بأخذها المقصود من وصولها إلى ربِّها.
رابعاً: الأحكامُ التي تترتَّبُ على أخذ اللُّقَطَةِ من القسم الثالث:
١) اللُّقطة التي من القسم الثالث على ثلاثة أنواع:
النوع الأوَّل: أن تكون اللُّقَطةُ حيواناً مأكولاً؛ كشاة، وولد ناقة، وولد بقرة، ودجاجة، ونحوها؛ فإنَّه يلزم الملتقط فعلُ الأفضل والأحظِّ من ثلاثة أمور:
أ - أن يأكله، ويضمن قيمته في الحال؛ لحديث خالد بن زيد؛ وفيه: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ)؛ فجعل النبيُّ ﷺ الشاة للآخذ في الحال؛ لأنَّه سوَّى بينه وبين الذئب الذي لا ينتظر في أكلها؛ ولأنَّ في أكلها حالاً استغناء عن الإنفاق عليها، وحراستها.
ب- أن يبيع الحيوان ويحفظ ثمنه لصاحبه؛ لأنَّه إذا جاز أكله، جاز بيعه من باب أَوْلى.
ولا يحتاج في أكله، أو بيعه إلى إذن الإمام؛ لظاهر الحديث السابق، إلَّا أنَّه يلزمه حفظ صفة اللُّقطة قبل الأكل، أو البيع؛ ليتمكَّن من الردِّ إذا وصفها ربُّها.
ج- أن يحفظ الحيوان، وينفق عليه من ماله؛ لما في ذلك من حفظه لصاحبه، ولا يتملَّكُه بموجب تلك النفقة. وله أن يرجع على صاحبه بما أنفقه إن كان قد نوى الرجوع عليه بذلك. وإن لم ينو الرجوع بما أنفقه؛ فليس له الرجوع على صاحبه؛ لأنَّه يكون بذلك متبرِّعاً.
وإذا ترك المُلتَقِطُ الحيوان ولم ينفق عليه حتَّى تلف، ضمِنه؛ لأنَّه مفرِّط.
- إذا استوت هذه الأمور الثلاثة في الأفضلية في نظر المُلتَقِط؛ فإنَّه يُخيَّر في فعل
стр. 698
أيٍّ منها.
النوع الثَّاني: أن تكون اللُّقَطة ممَّا يُخشى فساده بإبقائه؛ كالثِّمار، والفواكه، والخضروات، ونحوها؛ فيلزم المُلتقِط فعل الأفضل والأصلح من ثلاثة أمور:
أ - أكله، بلا إذن حاكم، وعليه قيمته لصاحبه.
ب- بيعه، بلا إذن حاكم، وعليه حفظ ثمنه لصاحبه.
ج- تجفيف ما يُجفَّف منه؛ كالعنب، والرُّطَب، والحبِّ.
فإذا استوت هذه الأمور الثلاثة، خُيِّر المُلْتقِط في فِعْل أيٍّ منها.
النوع الثَّالث: أن تكون اللُّقَطة من سائر الأموال التي هي من غير النوعين السابقين؛ كالأثمان، والمتاع، والأواني، ونحو ذلك؛ فيلزم المُلتقِط حفظها كما يحفظ غيرها من النوعين السابقين، ويلزمه تعريفها على الفور، كما يلزمه تعريف غيرها من النوعين السابقين؛ لظاهر الأمر في حديث خالد بن زيد الجهني ﵁: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً) [متَّفق عليه]؛ إذ مقتضاه الفور، ولأنَّ صاحبها يطلُبُها عقب ضياعها فوراً.
والتعريف: أن ينادي عليها بنفسه، أو بنائبه، في مجامع الناس؛ كالأسواق، وأبواب المساجد أدبار الصلوات؛ لأنَّ المقصود إشاعة ذِكْرها.
- ولا يصفُ المنادي ما يُعَرِّفها، وإنَّما يقول: من ضاع منه شيء؟ أو من ضاع منه نفقة؟ لأنَّه لا يُؤْمَن أن يدَّعيها بعض من سمع صفتها؛ فتضيع على مالكها.
- أُجرة المنادي يتحمَّلها المُلتقِط؛ لأنَّه سبب في العمل.
ويُكره النداء عليها في المساجد؛ لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 699
رسول الله ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) [أخرجه مسلم].
ويكون التعريف حَوْلاً هلاليًّا كاملاً؛ لحديث زيد بن خالد السابق، ويكون في وقت النهار، كلَّ يوم مرَّة مدَّة أسبوع؛ لأنَّ الطلب فيه أكثر، ثمَّ على عادة الناس فيما تبقَّى من الحَوْل؛ كأن ينادي مرَّة في كلِّ أسبوع مدَّة شهر، ثمَّ مرَّة في كلِّ شهر، حتَّى يتمَّ الحَوْل.
٢) إذا عرَّف المُلتقِط اللُّقطة حولاً كاملاً فوراً، ولم تُعَرَف، دخلت في مِلْكِه قَهْراً عليه؛ وله أن يتصرَّف فيها بما شاء، ويضمنها لصاحبها إذا جاء يطلبها؛ لما جاء في حديث خالد بن زيد: (فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ؛ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) [أخرجه البخاري، ومسلم، واللَّفظ لمسلم].
- وإذا أخَّر المُلْتَقِط التعريف عن الحَوْل، أو عن بعضه من غير عذرٍ، أثِمَ؛ لتركه واجباً، ولم يملك اللُّقطة بالتعريف بعد الحَوْل؛ لأنَّ شرط الملك التعريف في الحَوْل، وهو لم يوجد، وصاحبُ اللُّقَطَة بعد الحَوْل يتركُ طَلَبَها غالباً؛ فلا تتحقّق فائدة التعريف بعد مضيِّ زمنه.
٣) يحرم على المُلتقِط أن يتصرَّف في اللُّقَطة بعد تعريفها حولاً، حتَّى يَعْرِف منها ما يلي:
أ - وعاءَها: وهو الظرف الذي وضعت فيه؛ هل هي في كيس، أو خِرْقة، أو في قِدْر، أو إناءٍ، ونحو ذلك.
ب- وكاءَها: وهو الخيط أو السَّيْر الذي تُشدُّ وتُربَط به؛ فيَعْرِف كونه خيطاً،
стр. 700
أو سيراً، ونوع الخيط هل هو من الحرير، أو القطن، أو الجلد، ونحو ذلك.
ج- عِفاصَها: وهو أن يعرف صفة الشدِّ والعَقْد؛ فيعرف هل هي عُقْدة، أو عقدتان، أو أُنْشوطَة، أو غيرها.
د - قدْرَها: أي يعرف قَدْر اللُّقَطَة بمعيارها الشرعي؛ من كيل، أو وزن، أو ذَرْع، أو عدٍّ.
هـ- جِنْسَها، وصِفَتَها، ونوعها، ولونها، وكلَّ ما تتميَّز به.
وقد دلَّ على ذلك كلِّه حديث خالد بن زيد ﵁، وفيه: (فَإِنْ اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا) [أخرجه مسلم].
- ويُسنُّ للمُلتقطِ إشهاد عدْلين على اللُّقَطَة؛ لما جاء في حديث عِياض بن حِمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ) [أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه].
٤) إذا جاء صاحب اللُّقَطَة يطلبها في أيِّ يومٍ من الدَّهر ولو بعد الحَوْل، وقد ذكر أوصافها؛ لزم المُلتقِط أن يدفعها إليه إن كانت عنده، من غير بيِّنة ولا يمين؛ لقوله ﷺ : (فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) [أخرجه مسلم].
وإن لم يجدْها طالبُها عند المُلتَقِط؛ لكونها خرجت عن مِلْكِه ببيع، أو هِبَة، أو وَقْف، ونحو ذلك، بعد أن عرَّفها حولاً كاملاً، ثمَّ ملكها؛ فلا رجوع لطالبها عليه في عينها، وله أن يطالب ببدلها؛ فيأخذ مثلها إن كانت مثليَّة، أو قيمتها إن كانت متقوَّمةً.
٥) إذا حصل في اللُّقطة نماء؛ فلا يخلو أن يكون النماء متَّصلاً، أو منفصلاً.
أ - أمَّا النماء المتَّصل؛ فإنَّه يكون لصاحب اللُّقطة؛ لأنَّه مِلْكٌ لمالكها، ولا يمكن
стр. 701
انفصاله عنها، وهو تابع له في العقود والفسوخ.
ب- أمَّا النماء المنفصل؛ فإن كان النماء قد حصل قبل انقضاء حَوْل التعريف؛ فهو لمالك اللُّقَطَة؛ لأنَّه نماءٌ حصل في مِلْكه.
وإن كان النماء قد حصل بعد انقضاء حَوْل التعريف؛ فهو لواجد اللُّقطة؛ لأنَّه مَلَكها بعد مُضيِّ الحَوْل؛ فكان نماؤها نماءً لما يملكه، ولأنَّ ضمان النقص بعد الحَوْل عليه؛ فكانت الزيادة والنماء له؛ لأنَّ الخراج بالضمان.
٦) من وجد في حيوان نقداً، أو دُرَّة؛ فهو لُقطَة لمن وجدَه؛ يلزمه تعريفها كسائر الأموال الضائعة.
مثاله: أن يشتري شخص شاةً، ويجد في جوفها نقوداً؛ فالنقود تكون لُقَطَة؛ فيلزمه تعريفها؛ ويبدأ في التعريف بالبائع؛ لأنَّه يُحتمَل أن تكون الشاة ابتلعتها في ملكه.
وإن اصطاد سمكة من البحر؛ فوجد في بطنها دُرَّة غير مثقوبة؛ فهي للصائد؛ لأنَّ الظاهر أنَّها ابتلعتها من الدُّرِّ الذي يكون في البحر.
وإن وجد في بطنها مالاً من دراهم أو دنانير، أو كان في بطنها درَّة مثقوبة، أو متّصلة بذهب أو فضة؛ فهو لقطة يلزمه تعريفها؛ لأنَّ مثل هذا لا يكون إلَّا لآدميٍّ.
- ومن أُخذ متاعه، أو ثيابه، أو نعاله من حمَّامٍ، أو مسجد، وتُرِك له بدلُهُ؛ فما تُرِك يكون لُقَطَة، لا يملكه بذلك؛ لأنَّ الآخذ لم يجْر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عنها؛ فإذا أخذها يكون قد أخذ مال غيره. ولمَّا كان صاحبها غير معروف؛ كانت لُقَطةً يجب تعريفها.
- إذا استيقظ نائم، أو مغمًى عليه؛ فوجد في ثوبه مالاً لا يدري من وضعه فيه؛
стр. 702
فهو له، ولا يلزمه تعريفه؛ لأنَّ قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
- من أخذ من نائم، أو من غافلٍ شيئاً، فإنَّه لا يبرأ بردِّه له وهو نائم، أو غافل، ولا يبرأ إلَّا بتسليمه له بعد انتباهه؛ لأنَّ الآخذ متعدٍّ؛ كالسارق، والغاصب؛ فلا يبرأ من عهدته إلَّا بردِّه في حالٍ يصحُّ قبضُ مالكه له فيها.
٧) حُكْمُ لُقَطَةِ الحَرَم:
لُقَطَةُ الحَرَم كغيرها من اللُّقطة في غير الحرم؛ تُمْلَك بعد التعريف بها حَوْلاً؛ لعموم الأحاديث الواردة في اللُّقَطَة، ولأنَّها أمانة؛ فلم يختلف حُكْمُها بالحلِّ والحَرَم؛ كما في الوديعة.
وفي المذهب رواية أخرى -اختارها ابن تيميَّة ﵀؛ وهي: أنَّ لُقَطَة الحَرَم لا تُمْلك بحالٍ، وإنَّما يجوز التقاطها ليُعرِّفها حتَّى يأتي صاحبُها، مهما طال الزمن؛ لما جاء في حديث عبد الرحمن بن عثمان التيميِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ) [أخرجه مسلم].
ولحديث ابن عبَّاس ﵄، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) [متَّفق عليه].
- أمَّا لُقَطَةُ حَرَم المدينة فحكمُها حكم سائر اللُّقطة التي تكون في الحلِّ؛ تُمْلَك بعد التعريف بها حَوْلاً.
٨) لُقَطَة الصَّبيِّ، والسَّفيه، والمجنون:
إذا كان واجد اللُّقَطَة صغيراً، أو سفيهاً، أو مجنوناً؛ صحَّ التقاطه؛ لأنَّه نوع من
стр. 703
التكسُّب؛ فصحَّ كالصيد، ولكن يقوم وليُّه بتعريفها حَوْلاً، وبعد التعريف بها تكون ملكاً لمن وجدها.
- وإذا تلفت اللُّقَطَة بيد أحدهم، وكان قد فرَّط في حفظها؛ ضمنها من ماله؛ كما لو أتلفها.
وإن تلفت بتفريط الوَليِّ؛ فضمانها عليه؛ لأنَّه مُضيِّع لها بتركها مع من ليس أهلاً لحفظها.
٩) ضَمانُ اللُّقَطَة:
المُلْتَقِط في القسم الثالث أمينٌ، لا يضمن اللُّقطة إلَّا بالتعدِّي؛ فإذا أخذ اللُّقطة لزمه حِفْظُها.
وأمَّا إذا أخذها، وكان قادراً على تعريفها؛ ثمَّ ردَّها إلى موضعها؛ ضَمِنَها إذا تلفت، أو نقصت، ما لم يكن رَدَّها بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنَّ للإمام نظراً في حفظ المال الذي لا يُعلم مالكه.
وإن ضاعت اللُّقَطَة من المُلتَقِط من غير تفريط، أو تقصير، في أثناء حَوْل التعريف؛ فلا ضمان عليه؛ لأنَّها أمانة في يده.
أمَّا لو تلفت، أو نقصت بعد انقضاء الحَوْل؛ فإنَّه يضمنها مُطْلَقاً، ولو لم يكن منه تقصيرٌ، أو تفريطٌ، وسواء تلفت بفعله، أو بفعل غيره؛ لأنَّها بعد الحَوْل تكون قد دخلت في مِلْكِه؛ فيضمنها بمثلها إن كانت مثليَّة، وبقيمتها يوم عَرَّف بها إن لم يكن لها مثل.
стр. 704
باب اللَّقيط
أوَّلاً: تعريفُ اللَّقِيط:
اللَّقِيط: هو طِفْلٌ لا يُعْرَف نَسَبُه ولا رِقُّه، نُبِذَ، أو ضلَّ، إلى سنِّ التمييز. وقيل: إلى سنِّ البلوغ.
ومعنى قوله: (نُبِذَ) أي: طُرح في شارع، أو على باب مسجد، ونحو ذلك.
وقوله: (ضلَّ) أي: ضاعَ أو تاه في الطريق، ولم يهتد لقومه.
ثانياً: حُكْمُ الْتِقاطِ اللَّقِيط:
الْتقاطُ اللَّقيط واجبٌ كفائيٌّ؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإلَّا أثموا جميعاً مع إمكان أخذهم له.
ودليل وجوبه: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولأنَّ فيه إحياء نفسٍ معصومةٍ؛ فكان واجباً؛ كوجوب إطعام المضطرِّ، وإنقاذ الغريق.
ثالثاً: أحكامُ اللَّقِيط:
١) ديانةُ اللَّقيط:
اللَّقيطُ إمَّا أن يُوجد في دار إسلام، أو في دار كُفْر.
أ - فإذا وُجِدَ اللَّقيط في دار إسلام؛ فلا يخلو الحال ممَّا يلي:
- أن يكون أهل دار الإسلام كلُّهم من المسلمين، وفيهم من يمكن كونه منه؛ فإنَّه يُحكمُ بإسلامه؛ اعتباراً بظاهر الحال، وتغليباً للإسلام؛ فإنَّه يعلو ولا يُعلَى عليه.
стр. 705
- أن يكون أهل دار الإسلام كلُّهم أهلُ ذمَّة؛ فيُحكم بكفره تبعاً لأهل الدار؛ لأنَّه لا يوجد فيها مسلم يُحتمل كونه منه.
- أن يكون غالب أهل دار الإسلام من أهل الذمَّة، وفيهم مسلم يمكن كون اللَّقيط منه؛ فيُحكم بإسلامه؛ تغليباً للإسلام، ولظاهر الدار.
ب- وإذا وُجدَ اللَّقيط في دار كفر؛ فلا يخلو حاله ممَّا يلي:
- أن يكون أهل دار الكُفْرٍ كلُّهم غير مسلمين، أو فيهم قلَّة من المسلمين؛ فيُحكَمُ بكفر اللَّقيط؛ لأنَّ الدار لهم؛ وتغليباً لعددهم.
- أن يكون أهل دار الكُفْر فيهم مسلمون كثيرون؛ فيُحكم بإسلام اللَّقيط؛ تغليباً للإسلام.
٢) حُرِّيَّة اللَّقيط ورِقُّه:
يُحكمُ بحُرِّيَّة اللَّقيط سواءٌ وُجد في دار إسلام، أو دار كفر؛ لأنَّ الأصل في الآدميِّين الحُرِّيَّة؛ إذ إنَّ الله خلقهم كذلك، والرِّقُّ عارِضٌ، والأصل عدمُه. وقد حَكَمَ عمرُ بن الخطَّاب ﵁ بحرِّيَّته؛ فعن سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ-: (أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنِ الخَطَّابِ: اذْهَبْ؛ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) [أخرجه مالك].
следующие страницы →