← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

انفصاله عنها، وهو تابع له في العقود والفسوخ. ب- أمَّا النماء المنفصل؛ فإن كان النماء قد حصل قبل انقضاء حَوْل التعريف؛ فهو لمالك اللُّقَطَة؛ لأنَّه نماءٌ حصل في مِلْكه. وإن كان النماء قد حصل بعد انقضاء حَوْل التعريف؛ فهو لواجد اللُّقطة؛ لأنَّه مَلَكها بعد مُضيِّ الحَوْل؛ فكان نماؤها نماءً لما يملكه، ولأنَّ ضمان النقص بعد الحَوْل عليه؛ فكانت الزيادة والنماء له؛ لأنَّ الخراج بالضمان. ٦) من وجد في حيوان نقداً، أو دُرَّة؛ فهو لُقطَة لمن وجدَه؛ يلزمه تعريفها كسائر الأموال الضائعة. مثاله: أن يشتري شخص شاةً، ويجد في جوفها نقوداً؛ فالنقود تكون لُقَطَة؛ فيلزمه تعريفها؛ ويبدأ في التعريف بالبائع؛ لأنَّه يُحتمَل أن تكون الشاة ابتلعتها في ملكه. وإن اصطاد سمكة من البحر؛ فوجد في بطنها دُرَّة غير مثقوبة؛ فهي للصائد؛ لأنَّ الظاهر أنَّها ابتلعتها من الدُّرِّ الذي يكون في البحر. وإن وجد في بطنها مالاً من دراهم أو دنانير، أو كان في بطنها درَّة مثقوبة، أو متّصلة بذهب أو فضة؛ فهو لقطة يلزمه تعريفها؛ لأنَّ مثل هذا لا يكون إلَّا لآدميٍّ. - ومن أُخذ متاعه، أو ثيابه، أو نعاله من حمَّامٍ، أو مسجد، وتُرِك له بدلُهُ؛ فما تُرِك يكون لُقَطَة، لا يملكه بذلك؛ لأنَّ الآخذ لم يجْر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عنها؛ فإذا أخذها يكون قد أخذ مال غيره. ولمَّا كان صاحبها غير معروف؛ كانت لُقَطةً يجب تعريفها. - إذا استيقظ نائم، أو مغمًى عليه؛ فوجد في ثوبه مالاً لا يدري من وضعه فيه؛

стр. 702

فهو له، ولا يلزمه تعريفه؛ لأنَّ قرينة الحال تقتضي تمليكه له. - من أخذ من نائم، أو من غافلٍ شيئاً، فإنَّه لا يبرأ بردِّه له وهو نائم، أو غافل، ولا يبرأ إلَّا بتسليمه له بعد انتباهه؛ لأنَّ الآخذ متعدٍّ؛ كالسارق، والغاصب؛ فلا يبرأ من عهدته إلَّا بردِّه في حالٍ يصحُّ قبضُ مالكه له فيها. ٧) حُكْمُ لُقَطَةِ الحَرَم: لُقَطَةُ الحَرَم كغيرها من اللُّقطة في غير الحرم؛ تُمْلَك بعد التعريف بها حَوْلاً؛ لعموم الأحاديث الواردة في اللُّقَطَة، ولأنَّها أمانة؛ فلم يختلف حُكْمُها بالحلِّ والحَرَم؛ كما في الوديعة. وفي المذهب رواية أخرى -اختارها ابن تيميَّة ﵀؛ وهي: أنَّ لُقَطَة الحَرَم لا تُمْلك بحالٍ، وإنَّما يجوز التقاطها ليُعرِّفها حتَّى يأتي صاحبُها، مهما طال الزمن؛ لما جاء في حديث عبد الرحمن بن عثمان التيميِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ) [أخرجه مسلم]. ولحديث ابن عبَّاس ﵄، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) [متَّفق عليه]. - أمَّا لُقَطَةُ حَرَم المدينة فحكمُها حكم سائر اللُّقطة التي تكون في الحلِّ؛ تُمْلَك بعد التعريف بها حَوْلاً. ٨) لُقَطَة الصَّبيِّ، والسَّفيه، والمجنون: إذا كان واجد اللُّقَطَة صغيراً، أو سفيهاً، أو مجنوناً؛ صحَّ التقاطه؛ لأنَّه نوع من

стр. 703

التكسُّب؛ فصحَّ كالصيد، ولكن يقوم وليُّه بتعريفها حَوْلاً، وبعد التعريف بها تكون ملكاً لمن وجدها. - وإذا تلفت اللُّقَطَة بيد أحدهم، وكان قد فرَّط في حفظها؛ ضمنها من ماله؛ كما لو أتلفها. وإن تلفت بتفريط الوَليِّ؛ فضمانها عليه؛ لأنَّه مُضيِّع لها بتركها مع من ليس أهلاً لحفظها. ٩) ضَمانُ اللُّقَطَة: المُلْتَقِط في القسم الثالث أمينٌ، لا يضمن اللُّقطة إلَّا بالتعدِّي؛ فإذا أخذ اللُّقطة لزمه حِفْظُها. وأمَّا إذا أخذها، وكان قادراً على تعريفها؛ ثمَّ ردَّها إلى موضعها؛ ضَمِنَها إذا تلفت، أو نقصت، ما لم يكن رَدَّها بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنَّ للإمام نظراً في حفظ المال الذي لا يُعلم مالكه. وإن ضاعت اللُّقَطَة من المُلتَقِط من غير تفريط، أو تقصير، في أثناء حَوْل التعريف؛ فلا ضمان عليه؛ لأنَّها أمانة في يده. أمَّا لو تلفت، أو نقصت بعد انقضاء الحَوْل؛ فإنَّه يضمنها مُطْلَقاً، ولو لم يكن منه تقصيرٌ، أو تفريطٌ، وسواء تلفت بفعله، أو بفعل غيره؛ لأنَّها بعد الحَوْل تكون قد دخلت في مِلْكِه؛ فيضمنها بمثلها إن كانت مثليَّة، وبقيمتها يوم عَرَّف بها إن لم يكن لها مثل.

стр. 704

باب اللَّقيط أوَّلاً: تعريفُ اللَّقِيط: اللَّقِيط: هو طِفْلٌ لا يُعْرَف نَسَبُه ولا رِقُّه، نُبِذَ، أو ضلَّ، إلى سنِّ التمييز. وقيل: إلى سنِّ البلوغ. ومعنى قوله: (نُبِذَ) أي: طُرح في شارع، أو على باب مسجد، ونحو ذلك. وقوله: (ضلَّ) أي: ضاعَ أو تاه في الطريق، ولم يهتد لقومه. ثانياً: حُكْمُ الْتِقاطِ اللَّقِيط: الْتقاطُ اللَّقيط واجبٌ كفائيٌّ؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإلَّا أثموا جميعاً مع إمكان أخذهم له. ودليل وجوبه: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولأنَّ فيه إحياء نفسٍ معصومةٍ؛ فكان واجباً؛ كوجوب إطعام المضطرِّ، وإنقاذ الغريق. ثالثاً: أحكامُ اللَّقِيط: ١) ديانةُ اللَّقيط: اللَّقيطُ إمَّا أن يُوجد في دار إسلام، أو في دار كُفْر. أ - فإذا وُجِدَ اللَّقيط في دار إسلام؛ فلا يخلو الحال ممَّا يلي: - أن يكون أهل دار الإسلام كلُّهم من المسلمين، وفيهم من يمكن كونه منه؛ فإنَّه يُحكمُ بإسلامه؛ اعتباراً بظاهر الحال، وتغليباً للإسلام؛ فإنَّه يعلو ولا يُعلَى عليه.

стр. 705

- أن يكون أهل دار الإسلام كلُّهم أهلُ ذمَّة؛ فيُحكم بكفره تبعاً لأهل الدار؛ لأنَّه لا يوجد فيها مسلم يُحتمل كونه منه. - أن يكون غالب أهل دار الإسلام من أهل الذمَّة، وفيهم مسلم يمكن كون اللَّقيط منه؛ فيُحكم بإسلامه؛ تغليباً للإسلام، ولظاهر الدار. ب- وإذا وُجدَ اللَّقيط في دار كفر؛ فلا يخلو حاله ممَّا يلي: - أن يكون أهل دار الكُفْرٍ كلُّهم غير مسلمين، أو فيهم قلَّة من المسلمين؛ فيُحكَمُ بكفر اللَّقيط؛ لأنَّ الدار لهم؛ وتغليباً لعددهم. - أن يكون أهل دار الكُفْر فيهم مسلمون كثيرون؛ فيُحكم بإسلام اللَّقيط؛ تغليباً للإسلام. ٢) حُرِّيَّة اللَّقيط ورِقُّه: يُحكمُ بحُرِّيَّة اللَّقيط سواءٌ وُجد في دار إسلام، أو دار كفر؛ لأنَّ الأصل في الآدميِّين الحُرِّيَّة؛ إذ إنَّ الله خلقهم كذلك، والرِّقُّ عارِضٌ، والأصل عدمُه. وقد حَكَمَ عمرُ بن الخطَّاب ﵁ بحرِّيَّته؛ فعن سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ-: (أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنِ الخَطَّابِ: اذْهَبْ؛ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) [أخرجه مالك].

стр. 706

٣) النَّفقةُ على اللَّقيط: - إذا وُجدَ مع اللَّقيط مالٌ؛ فهو مِلكٌ له؛ لأنَّ يده عليه، والطفل يملك مِلكاً صحيحاً، ويُنفِقْ عليه مُلْتَقِطُه ممَّا وُجِد معه؛ لأنَّ النفقة تجب عليه من ماله. - فإن لم يكن معه شيء؛ فتكون نفقته على بيت المال؛ كما دلَّ له أثر سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ؛ وفيه قول عمر ﵁: (اذْهَبْ؛ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ). - وإذا تعذَّر الإنفاق عليه من بيت المال، اقترض الحاكم على بيت المال، وأنفق عليه. فإن تعذَّر الاقتراض على بيت المال؛ كانت نفقته على من عَلِمَ بحاله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولأنَّ في الإنفاق عليه حِفْظاً له من الهلاك، وهو أمرٌ واجبٌ، ويكون المُنفِقُ في هذه الحال متبرِّعاً. ٤) حَضانَةُ اللَّقيط: الأحقُّ والأَوْلَى بحضانة اللَّقيط مَنْ وَجَدَه؛ لأنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ دفع اللَّقيط إلى سُنَيْنٍ أبي جَميلة، وهو الذي وجده؛ فكان أَوْلَى به. إلَّا أنَّه يشترط في الحاضن أن يكون: أ - حُرًّا: فلا حضانة لعبدٍ، ولا مدبَّرٍ، ولا مكاتَب، ولا من كان عِتْقُه معلَّقاً على صفة، ونحو ذلك؛ لأنَّهم ناقصوا الأهليَّة، وليس لأيٍّ منهم التبرَّع بماله، ولا بمنافعه إلَّا بإذن سيِّده. ب- مكلَّفاً: فلا حضانة لصغير، ولا مجنون، ولا يقرُّ في يد أيٍّ منهم؛ لأنَّه ليس لهما أن يَلِيا أمر نَفْسَيْهِما؛ فلا يَلِيان أمر غيرهما من باب أَوْلَى. ج- رشيداً: فلا حضانة لسفيه؛ لأنَّه لا ولاية له على نفسه؛ فغيرُه من باب أَوْلَى.

стр. 707

د - أميناً: فلا حضانة لفاسق، ولا لمن اشْتُهِر بأخذ أموال الناس وسَلْبِها؛ فإنَّ عمر ﵁ أقرَّ اللَّقيط في يد سُنين أبي جَميلة؛ حين قاله له عَريفُه: (إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ). ولأنَّ المقصود بالحضانة حِفْظُ المحضون، والقيامُ على مصالحه، وهو لا يتحقَّق بوجوده عند غير الأمين. - ولا حضانة لكافرٍ على لقيط مسلم؛ لأنَّ الكافرٍ لا ولاية له على مسلم، ولا يُؤمَنُ عليه أن يَفتِنَه في دِينِهِ. هـ- عَدْلاً؛ ولو في الظاهر: لأنَّ الأصل في المسلمين العدالة، والعَدْل ظاهراً، كالعَدْل ظاهراً وباطناً في أكثر الأحكام. ٥) حُكْمُ ما وُجِدَ مع اللَّقيط: كلُّ ما وُجد مع اللَّقيط من مالٍ، أو متاعٍ، أو لباسٍ، أو حيوان؛ فهو له؛ إذا كان متَّصلاً به، أو قريباً منه؛ كأن يكون تحته، أو فوقه، أو في جيبه، أو مربوطاً به، أو مدفوناً تحته طريًّا، أو وضع إلى جنبه قريباً منه؛ لأنَّ الطِّفلَ يَملِك مِلْكاً صحيحاً؛ فيثبت مِلْكُه له لثبوت يده عليه؛ كالبالغ. فإن كان منفصلاً بعيداً عنه، أو مدفوناً تحته غير طريٍّ، لم يكن له؛ اعتماداً على القرينة؛ فيكون لُقَطَةً لواجده. ٦) ميراثُ اللَّقيط ودِيَتُه: إذا مات اللَّقيط فترك ميراثاً، ولم يكن له وارث؛ فتَرِكَتُه لبيت مال المسلمين، ولا يرث المُلْتَقِط شيئاً؛ لأنَّ المورِّث إذا لم يكن له رَحِمٌ، ولا نكاحٌ؛ فالإرث

стр. 708

بالولاء؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) [متَّفق عليه]؛ ولمَّا لم يثبت على اللَّقيط رِقٌّ، لم يكن للمُلتَقِط ولاؤه؛ فلم يكن له ميراثه. وقول عمرَ لسُنَينٍ أبي جَميلة: (وَلَكَ وَلَاؤُهُ)؛ أي: لك ولايتُه. أمَّا لو تَرَك اللَّقيط وارثاً من أصحاب الفروض ممَّن لا يُرَدُّ عليه في الميراث؛ كالزوج، أو الزوجة؛ فيأخذ الوارث فرضه، والباقي لبيت المال. وإن كان له وارث بالتعصيب؛ كابنٍ، أو وارث بالفرض ممَّن يُردُّ عليه في الميراث؛ كبنْتٍ، أو لم يكن له إلَّا ذا رَحِم؛ كابْنِ بنتٍ، أو بنْتِ بنْتٍ؛ أخذ الوارث جميع المال؛ لاستغراق العَصَبة جميع المال، ولأنَّ الرَّدَّ، وذا الرَّحِم مقدَّم على بيت المال. - والحُكْم في دِيَة اللَّقيط إذا قُتِل كالحُكْم في ميراثه؛ لأنَّها من ميراثه، كسائر ماله. ٧) ما يثبتُ به نَسَبُ اللَّقيط: - إذا ادَّعى نَسَبَ اللَّقيطِ -ولو بعد موته- شخصٌ واحدٌ، يمكن كون اللَّقيط منه؛ فلا يخلو حال المدَّعِي ممَّا يلي: أ - أن يكون المدَّعِي رجلاً مسلماً حُرًّا؛ فيُلْحَق به اللَّقيط بدون بيِّنة؛ لأنَّ الإقرار بالنَّسَبِ مصْلَحة محْضَة للَّقيط؛ لما فيها من اتِّصال نَسَبِه، ولا مَضَرَّة فيه على غيره. ب- أن يكون المدَّعِي أُنثى مسلمةً حُرَّةً؛ فيُلْحَق بها اللَّقيط بدون بيِّنة؛ لأنَّ المرأةَ أحدُ الأبوين؛ فيثبتُ النَّسَبُ بدَعْوَاها؛ كالأب، ولأنَّه يمكن أن يكون منها؛ لأنّها قد تأتي به من زوج آخر، وقد تأتي به من وطء شُبْهة، ويلحقها وَلَدُها من الزنا، دون الرَّجُل.

стр. 709

ج- أن يكون المدَّعِي ذمِّيًّا -ذكراً أو أنثى-؛ فيُلْحَق به نَسَبُ اللَّقيط بدون بيِّنة، ولكن لا يتبعه في الدِّين إلَّا إذا أقام بيِّنة أنَّه وُلِدَ على فراشه؛ فيلْحَقُه في دِينِهِ لثبوت أنَّه وُلِد لذمِّيَّين، ولا حقَّ له في حضانته، إلَّا إذا أقام بيِّنة على تبعيَّته في الدِّين؛ لأنَّه قبل البيِّنة محكوم بإسلامه؛ فلا يُقبل قول الذمِّيِّ في كفره؛ لأنَّها دعوى تخالف الظاهر؛ فلم تقبل بمجرَّدها بدون بيِّنة. - وإذا ادَّعى نَسَبَ اللَّقيط اثنان أو أكثر معاً، سُمِعت الدَّعوى، من غير فَرْقٍ بين مسلمٍ وكافرٍ، وحرٍّ وعبدٍ. فإن كان مع أحدهم بيِّنة، قُدِّم من كانت له بيِّنة؛ لأنَّها علامة تُظْهِرُ الحقِّ وتُبيِّنُه. - فإنْ لم يكن لهم بيِّنة، أو تساوت بيِّناتُهم؛ عُرض اللَّقيط مع كلِّ مدَّعٍ، أو مع أقاربه -عند فقد المدَّعي- على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه؛ فمن ألحقته به لحقه؛ لما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) [متَّفق عليه]؛ فسرور النبيِّ ﷺ من كلام القائف يدلُّ على جواز الاعتماد على قوله. وعن عروة بن الزُّبير: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ دَعَا الْقَافَةَ فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدَ امْرأَةٍ وَقَعَا عَلَيْهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ) [أخرجه عبد الرزاق]. وإنْ ألحقته القافة بالجميع لحقهم جميعاً، وكان ابناً لهم يرثهم، ويرثونه؛ لما جاء عن ابن عمرَ ﵄: (أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ، فَدَعَا عُمَرَ الْقَافَةِ؛ فقالوا: أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ فَجَعَلَهُ بينهما) [أخرجه الطحاوي]، وفي

стр. 710

رواية: (فَجَعَلَهُ لَهُمَا، يَرِثَانِهِ وَيَرِثُهُمَا) [أخرجها البيهقي]. - أمَّا إذا أشكل أمرُه على القافة، أو لم يوجد قافة، أو نَفَتْه القافة عنهم، أو تعارضت أقوالهم؛ ضاع نسبه؛ لتعارض الأدلَّة، ولا مُرجِّح لمدَّعٍ على آخر. - ويكفي في إلحاق نَسَبِ اللَّقيط قائفٌ واحدٌ؛ لأنَّ قوله كحُكْم الحاكم؛ فيكفي مجرَّد خَبَرِه. - ويشترط في القائف ما يلي: أ - أن يكون ذَكَراً؛ لأنَّ القافة حُكْمٌ يستند إلى النظر والاستدلال؛ فاعتُبِرَت فيه الذُّكُورَة؛ كالقضاء. ب- أن يكون عَدْلاً؛ لأنَّ الفاسق لا يُقبَل خَبَرُه، ومقتضى هذا أن يكون مُسْلِماً. ج- أن يكون حُرًّا؛ لأنَّه كالحاكم؛ فلا يصحُّ أن يكون عَبْداً. د - أن يكون مشهوراً ومُجَرَّباً في الإصابة؛ لأنَّه أمرٌ عِلْميٌّ؛ فلا بدَّ من العِلْم بعِلْمِه له، وطريق ذلك التَّجرُبَة فيه، ويكفي في ذلك اشتهاره بالإصابة.

стр. 711

كتاب الوَقْف أوَّلاً: تعريفُ الوَقْفِ: الوقفُ لغةً: الحَبْسُ. وشرعاً: هو تحبيسُ مالكٍ مطلقِ التَّصرفِ مالَه المُنتفَعَ به مع بقاء عَيْنِه، وتَسْبيلِ منفعته من غلَّةٍ، وثَمَرَةٍ، وغيرها على جِهَةِ برٍّ أو قُرْبَةٍ. بمعنى أن يقوم المالك بحَبْسِ دارٍ، أو أرضٍ، أو بستانٍ، أو سيارةٍ، ونحو ذلك ممَّا يُمكن الانتفاع به؛ فيمنعُها عن كلِّ ما يَنْقِلُ مِلكيَّتها من بيعٍ، وشراءٍ، وهبةٍ، وميراثٍ، ونحو ذلك، ويجعل فوائدها من أُجرةٍ، أو غلَّةٍ، أو رَيْعٍ، وغير ذلك مصروفةً إلى جهة بِرٍّ أو قُربةٍ؛ كالفقراء والمساكين، أو المرضى، أو المساجد، أو الأقارب، أو فقراء آل زيدٍ، أو فقراء قبيلة عمروٍ، ونحو ذلك. ثانياً: حكمةُ الوَقْفِ ومحاسنُه: الوقفُ ممَّا اختصَّ به المسلمون؛ فلم يوجد قبل هذه الأمَّة، وهذا من مفاخر الإسلام وتشريعه الحكيم؛ إذ فيه من المصالح ما لا يوجد في سائر الصدقات؛ فقد يُنْفِقُ الإنسان أموالاً كثيرة في سبيل الله؛ على الفقراء، والمساكين، والأيتام وغير ذلك، ثمَّ يفنى المال؛ فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيءُ آخرون من الفقراء فيبقوا محرومين، بخلاف ما لو حَبَسَ شيئاً من ماله؛ كعقارٍ أو أرضٍ ونحو ذلك عليهم أو على غيرهم من مصارف البِرِّ والصدقات، فتكون لهم منافِعُه وغلَّتُه، ويبقى أصله، ينتفع به جيلٌ بعد جيلٍ؛ فيعمُّ الخيرُ، ويكثُر البِرُّ، ويدوم

стр. 712

الأَجْرُ للواقف بعد وفاته. ثالثاً: حكمُ الوَقْفِ: الوقف قُربةٌ مستحبَّةٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللّاهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ). [أخرجه البخاري ومسلم]. رابعاً: أركانُ الوَقْفِ: للوقف أربعةُ أركان: واقفٌ، وموقوفٌ، وموقوفٌ عليه، وصيغةٌ ينعقد بها. خامساً: صيغةُ الوَقْفِ: الصيغة التي ينعقد بها الوقف أحد أمرين: الأمر الأوَّل: القول؛ وهو إمَّا صريح، وإمَّا كناية. فالصَّريح: قوله: (وَقَفْتُ، أو حَبَسْتُ، أو سَبَّلْتُ). فهذه الألفاظ الثلاثة صريحة في الوقف؛ لأنَّها لا تحتمل غيره عُرْفاً وشَرْعاً؛ فقد قال ﷺ لعمر ﵁: (إنْ

стр. 713

شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا)؛ فإذا قال: وقفتُ داري، أو حبستُ داري، أو سَبَّلتُ داري؛ فقد صارت وَقْفاً. والكناية: كقوله: (تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ)؛ فهذه ألفاظ كناية؛ لأنَّها تحتمل الوقف وغيره. ولذا يُشترط فيها نيَّة الوقف؛ لتصير وقفاً. فإذا قال: تصدَّقتُ بداري أو أرضي، أو حَرَّمتُ، أو أَبَّدْتُ، ونوى بذلك الوقف صارت داره أو أرضه وقفاً. إلَّا إذا اقترن باللَّفظ الكنائيِّ لفظٌ من ألفاظ الوقف الصريحة؛ كأنْ يقول: تصدَّقتُ بكذا صدقةً موقوفةً، أَوْ مُحبَّسةً، أَوْ مُسبَّلةً. أو يقْرِن بلفظ الصدقة باقي ألفاظ الكناية؛ كأنْ يقول: تصدَّقْتُ بكذا صدقةً مُحرَّمةً، أو مُؤبَّدةً. أو يَقْرِن لفظ الكناية بحكم الوقف؛ كأنْ يقول: تصدَّقتُ بكذا صدقةً لا تُباع، أو لا تُوهب. أو يقول: تصدَّقتُ بداري على قبيلة كذا، أو طائفة كذا؛ فلا تشترط النيَّة حينئذٍ؛ لأنَّ هذه الصيغ لا تستعمل في غير الوقف؛ فأشبه ما لو أتى بلفظه الصريح. وينعقد الوقف كذلك بالإشارة المُفْهِمة من الأخرس؛ لأنَّها تقوم مقام القول من النَّاطق. الأمر الثَّاني: الفعل مع دليل يدلُّ عليه عُرفاً؛ كأنْ يبني بنياناً على هيئة المسجد، ويأذن للنَّاس إذناً عامًّا بالصَّلاة فيه، أو يجعل أرضه مقبرةً ويأذن إذناً عامًّا بالدفن فيها، أو يضع مُبَرِّدةُ ماءٍ على الطريق، أو في المسجد، ونحو ذلك؛ لدلالة الحال على تَسْبِيلِه ووَقْفِه. ولأنَّ الفعل مع وجود ما يدلُّ على الوقف كالقول؛ إذْ هما يشتركان في الدَّلالة على الوقف.

стр. 714

سادساً: شروطُ صحَّة الوَقْفِ: يشترط لصحَّة الوقف سبعة شروط: الشَّرط الأوَّل: أن يكون الوقف من جائز التَّصَرُّف؛ وهو البالغ العاقل الحرُّ الرَّشيد، المالك للعين الموقوفة أو وكيله؛ فلا يصحُّ الوقف من الصغير، أو المجنون، أو الرَّقيق، أو السَّفيه؛ كسائر تصرُّفاتهم الماليَّة، لا يصحُّ أن يقف الإنسان مِلك غيره دون إذنه. الشَّرط الثَّاني: أن يكون الموقوف عيناً يصحُّ بيعها، والانتفاع بها انتفاعاً مباحاً مع بقائها؛ كالعقار؛ من أرضٍ، ودارٍ، وعِمارةٍ، ودُكَّانٍ، وبستانٍ، ونحو ذلك، وكالحيوان؛ من خيلٍ، وإبلٍ، وبقرٍ، وغنمٍ، ونحو ذلك، وكالسيَّارات لنقل النَّاس، أو لنقل المرضى، أو الموتى، ونحو ذلك، وكالسِّلاح للجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك، وكالأثاث؛ من بِساطٍ، وسجَّادٍ لفَرْش المساجد، ونحو ذلك، وككتب العِلْم، والمصاحف، وغير ذلك. أمَّا ما في الذمَّة فلا يصحُّ وقفه ولو كان موصوفاً؛ كما لو قال: وقفت داراً صفتها كذا، أو حيواناً صفته كذا، أو سيَّارة صفتها كذا؛ لأنَّه ليس بمعيَّن، والوقف نَقْلٌ للمِلك على وجه القُرْبَةِ والصَّدَقَةِ؛ فلم يصحَّ في غير المعيَّن، كما في الهِبَةِ. ولا يصحُّ وقف ما لا يصحُّ بيعه؛ كالكلب، والخنزير، والمرهون، ونحو ذلك؛ لأنَّ الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وما لا منفعة فيه مباحة لا يحصل فيه تسبيل للمنفعة. وأمَّا المرهون؛ ففي وقفه إبطال لحقِّ المرتهن منه، وهذا لا يجوز.

стр. 715

ولا يصحُّ وقف ما لا ينتفع به إلَّا بذهاب عَيْنه؛ كالمطعوم والمشروب -ما عدا الماء-، وكالدَّراهم والدَّنانير -لينتفع باقتراضها مثلاً-، ومثل مصابيح الإضاءة للمساجد، أو مواد النظافة، ونحو ذلك؛ لأنَّه لا يمكن الانتفاع بها إلَّا بتلف عينها. والوقف إنَّما هو تحبيس للأصل وتسبيل للمنفعة، وما لا ينتفع به إلَّا بإتلافه لا يصحُّ فيه ذلك. ولأنَّ الوقف يُرادُ للدَّوام؛ ليكون صدقةً جارية، ولا يتحقَّق ذلك فيما لا تبقى عينه. بخلاف ما لو وقف على المسجد مثل النَّجفات أو الثُّريَّات التي تركَّب عليها مصابيح الإنارة؛ فهذه تسمَّى وقفاً؛ لأنَّه يُنتفع بها مع بقائها. أمَّا الماء فيجوز وقفه؛ لحديث عثمان بن عفَّان ﵁: (أَنَّهُ اشْتَرَى بِئْرَ رُومَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَعَلَهَا لِلْغَنِيِّ وَالفَقَيرِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [أخرجه الترمذي، والنسائي، وأصله عند البخاري]، وفي رواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: (فَاجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَكَ) [أخرجها النسائيُّ]. وكذا لا يصحُّ وقف ما لا ينتفع به انتفاعاً مباحاً؛ كقناديل الذَّهب والفضَّة؛ فلا يجوز وقفها على المساجد؛ لأنَّ الانتفاع بها على هذا النحو غير مباح، بل تُكْسَر وتُصْرَف. الشَّرط الثَّالث: أن يكون الوقف على جهة برٍّ وقُرْبَة؛ كالوقف على الفقراء، والمساكين، والأيتام، والأقارب، والمساجد، والجسور، والسِّقايات، والعُلماء، وطَلَبة العِلْم، وكُتُب العِلْم، والمدارس، والمستشفيات، والمجاهدين في سبيل الله -حقًّا-، ونحو ذلك؛ لأنَّ المقصود بالوقف التقرُّب إلى الله ؛ فإذا لم يكن على بِرٍّ لم يحصل مقصوده الذي شُرع لأجله.

стр. 716

وعليه؛ فلا يصحُّ الوقف على معابد غير المسلمين؛ من كنائس، وبِيَعٍ، وصوامع، وبيوت نار، وغير ذلك؛ لأنَّه إعانة على المعصية وإظهار الكفر؛ فليس من البرِّ في شيء. ولا يصحُّ الوقف على اليهود والنصارى؛ لأنَّه لا قربة في ذلك، بل الوقف عليهم إعانة لهم على كفرهم. ولا يصحُّ الوقف على جنس الفُسَّاق وقُطَّاع الطريق؛ لأنَّه ليس من البرِّ، وفيه إعانةٌ لهم على فُجورِهِم. وكذا لا يصحُّ الوقف على جنس الأغنياء؛ لأنَّه ليس من البرِّ. بخلاف ما لو وقف على ذمِّيٍّ معيَّنٍ أو فاسقٍ معيَّنٍ أو غنيٍّ معيَّنٍ فإنَّه يصحُّ؛ لحديث ابن عمر ﵄: (أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيٍّ أَوْصَتْ لِابْنِ أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ) [أخرجه عبد الرزَّاق]. ولأنَّه يجوز بِرُّه والصَّدَقة عليه؛ فجاز الوقف عليه. الشَّرط الرَّابع: أن يكون الوقف على معيَّنٍ؛ سواء كان جهةً؛ كمسجد كذا ونحوه، أم شخصاً كزيدٍ مثلاً. بشرط أن يكون الشخص ممَّن يصحُّ تملُّكه؛ فيقول مثلاً: وقفت أرضي على فلان، أو على أولادي، أو على مسجد كذا، أو على طَلَبة العِلْم، أو على الفقراء، أو المجاهدين، ونحو ذلك؛ إذْ لا يصحُّ الوقف على مجهولٍ أو مُبْهَمٍ؛ كما لو قال: وقفتُ على رَجُلٍ، أو على مسجدٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك يَصْدُقُ على كلِّ رَجُلٍ، وعلى كلِّ مسجدٍ. أو يقول: وقفتُ على أحد هذين الرَّجُلَيْن، أو على أحد هذين المسجِدَيْن، أو على إحدى هاتين القَبيلَتَيْن، ونحو ذلك؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ، وتمليكُ غير المُعيَّن لا يصحُّ؛ كما في الهِبَةِ.

стр. 717

وكذا لا يصحُّ الوقف على مَنْ لا يصحُّ تملُّكه؛ كما لو قال: وقفت على فلان الميِّت، أو على فلان الرَّقيق، أو يقول: وقفت على جبريل ﵇، أو على الملائكة، أو على البهائم؛ لأنَّ هؤلاء لا يصحُّ تملُّكهم، والوقف تمليكٌ؛ فلم يصحَّ على مَنْ لا يملك. * حُكْمُ الوَقْفِ على الحَمْل: لا يصحُّ الوقف على الحَمْل استقلالاً؛ كأنْ يقول: هذا وقف على ما في بطن هذه المرأة؛ لأنَّ الحمل لا يصحُّ تمليكه بغير الإرث والوصيَّة؛ فلا يصحُّ الوقف عليه. بخلاف ما لو قال: هذا وقف على هذه المرأة وما في بطنها، أو هذا وقف على فلان ومن يُولد له، فيصحُّ؛ لأنَّه حينئذٍ ليس مستقلاًّ بل تبعٌ. * حُكْمُ الوَقْفِ على النَّفْسِ: لا يصحُّ الوقف على النَّفس؛ كما لو قال: وقفت على نفسي بيتي الفلانيَّ، أو أرضي، أو عِمارتي، ثمَّ على أولادي من بعدي، ونحو ذلك؛ لأنَّ الوقف تمليكٌ؛ إمَّا للعين، وإمَّا للمنفعة، وكلاهما لا يصحُّ هنا؛ إذْ لا يجوز له أن يُملِّك نَفْسَه مِنْ نَفْسِه، كما لا يجوز له أن يبيع ماله مِنْ نَفْسِه. ويَنصرفُ الوقف إلى من بعدَه في الحال؛ فإذا وقف على نَفْسِه، ثمَّ على أولاده -مثلاً-، فإنَّه يُصرَفُ في الحال إلى أولاده؛ لأنَّ وجود مَنْ لا يصحُّ الوقف عليه كعدمه، فكأنّه وقفه على مَنْ بعده ابتداءً. والرواية الثَّانية: أنَّه يصحُّ الوقف على النَّفس؛ لأنَّه يصحُّ أن يقف وقفاً عامًّا؛

стр. 718

كمسجدٍ أو مقبرةٍ، وينتفع بهما كغيره، فكذلك إذا خصَّ نفسه بانتفاعه، ولأنَّ فيه مصلحةً عظيمةً، وترغيباً في فعل الخير؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّه يجوز له أن يوقِفَ شيئاً من ماله ويستفيد من ريعه في حياته؛ فإنَّ هذا يكون مرغِّباً له فيه. قال المرداوي: «قلت: وهذه الرِّواية عليها العمل في زماننا وقَبْلَه عند حُكَّامنا، من أزمنةٍ متطاولةٍ، وهو الصواب، وفيه مصلحة عظيمة، وترغيب في فعل الخير، وهو من محاسن المذهب» [الإنصاف (٧/ ١٦)]. الشَّرط الخامس: أن يكون الوقف منجَّزاً؛ بمعنى أن يكون غير معلَّقٍ، ولا مؤقَّتٍ، ولا مشروط فيه خيارٌ ونحوه؛ فلو قال: وقفت داري إن شفى الله مريضي، أو إن جاء زيدٌ من سفره. أو قال: داري وقفٌ إلى أن يرجع زيدٌ من سفره، أو إلى أن يُولَدَ لي وَلدٌ. أو قال: إذا جاء شهر رمضان فَدَارِي وقفٌ على كذا. أو قال: وقفتُ داري مدَّة سنة أو خمس سنوات، ونحو ذلك؛ لم يصحَّ الوقف؛ لأنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ، فلم يَجُزْ تعليقُه على شرطٍ في الحياة؛ كما في الهِبَةِ. إلَّا إذا علَّقه على موته؛ بأنْ قال -مثلاً-: إذا أنا مِتُّ فَدَارِي وقفٌ على الفقراء، أو الأيتام، ونحو ذلك؛ فيصحُّ الوقف حينئذٍ؛ لما جاء في وصيَّة عمر ﵁؛ حيث قال: (هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللهِ عُمَرُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ ابْنِ الْأَكْوَعِ صَدَقَةٌ) [أخرجه عبد الرزَّاق، وأبو داود]. وثَمْغٌ -بفتح الثاء وسكون الميم- أرضُ نخلٍ تلقاء المدينة. وصِرْمَةُ: القطعة اليسيرة من النخل. وقيل: من الإبل، وكانتا لعمر ﵁ فوقفهما. ولأنَّ هذا تبرع مشروطٌ بالموت فيصحُّ كالهبة والصَّدقة.

стр. 719

ويكون هذا الوقف لازماً من حين صدوره منه لا من حين موته؛ لأنَّ من أحكام الوقف لزومه في الحال، وذلك إذا كان في حدود الثلث؛ لأنَّه في حكم الوصيَّة، فإنْ زاد عن الثُّلث كان الوقف لازماً في الثُّلث، وكان لزوم الوقف في الزائد موقوفاً على إجازة الورثة. الشَّرط السَّادس: أنْ لا يُشترط في الوقف ما ينافيه؛ كما لو قال: وقفت داري، أو دكَّاني، أو سيَّارتي على أنْ أبيعها أو أهبها متى شئتُ؛ أو على أن يكون لي الخيار فيها أبداً، أو مدَّة سنة، أو بشرط أن يكون لي تحويلها من جهة إلى جهة، أو بشرط أن أرجع متى شئت، ونحو ذلك؛ فلا يصحُّ الوقف حينئذٍ؛ لأنَّ هذا الشَّرط ينافي مقتضى الوقف. الشَّرط السَّابع: أن يكون الوقف على التأبيد؛ فلو قال مثلاً: وقفتُ داري هذه شهراً، أو سنةً، أو عشر سنوات؛ لم يصحَّ الوقفُ؛ لمنافاة ذلك لمقتضاه؛ إذْ مقتضى الوقف التأبيد. * حُكْمُ الوَقْفِ إذا لم يُعَيِّن الواقفُ له مَصْرِفًا: يصحُّ الوقف إذا لم يعيِّن الواقف له مَصْرِفاً؛ بأنْ قال: وقفت داري، أو أرضي، أو سيَّارتي، وسكت؛ لأنَّ الوقف إزالة مِلكٍ على وجه القُربة؛ فيصحُّ مطلقاً؛ كالأضحيَّة والوصيَّة. وينصرف إلى ورثته من جهة النَّسب لا من جهة النِّكاح؛ لأنَّ الوقف مصرفه البِرُّ، وورثته أولى النَّاس ببِرِّه، فكأنَّه عيَّنهم لصرفه. وقد قال ﷺ لسعد بن أبي وقَّاصٍ:

стр. 720

(إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) [أخرجه البخاري، ومسلم]. ويكون لهم رَيْعه على قَدْرِ ميراث كلِّ واحدٍ منهم من الواقف، ولا يملكون في هذه الحال نَقْلَ المِلْكِ في رقبته؛ لأنَّه صار وقفاً. فإنْ لم يكن له ورثةٌ انصرف الوقف إلى الفقراء والمساكين وقفاً عليهم؛ لأنَّ القصد بالوقف الثَّواب الجاري على وجه الدَّوام، وإنَّما قُدِّم الأقارب؛ لكونهم أَوْلَى، فإذا لم يكونوا، فالفقراء والمساكين أهلٌ لذلك. * هل يَملِكُ الموقوفُ عليه الوَقْفَ؟ لا يخلو ذلك من حالتين: الأُولى: أن يكون الموقوف عليه جهة عامَّة؛ كمسجد، أو مدرسة، أو الفقراء، أو الأيتام، أو طلبة العِلْم، ونحو ذلك؛ فهنا يكون مِلْكُه لله تعالى، وينتفع بالوقف من وُجِدَ فيه الوصف الذي اشترطه الواقف؛ من فَقْرٍ، أو يُتْمٍ، أو طَلَبِ عِلْمٍ، وغير ذلك؛ كما لو قال: هذه السيَّارة وقفٌ على الدُّعاة إلى الله، فهنا لا يملكها أحدهم، وإنَّما يَنتَفِعُ بها، ثمَّ يَرُدُّها إلى النَّاظر على الوقف. الثَّانية: أن يكون الوقف على شخص معيَّن؛ كزيدٍ، أو عمرٍو، أو على جَمْعٍ محصورٍ؛ كأولادي، أو أولاد زيدٍ؛ فهنا يملك الموقوف عليه الوقف؛ لأنَّ الوقف سببٌ لنقل المِلك عن الواقف؛ فوجب أن ينتقل إلى الموقوف عليه في الحال؛ كما في البيع والهِبَةِ، ولأنَّ الوقفَ لو كان تمليكاً للمنفعة المجرَّدة لما كان لازماً، ولما زال

стр. 721

مِلْكُ الواقف عنه. لكن لا يُباح للموقوف عليه التَّصرُّف فيه إلَّا بحسب ما أَذِن فيه الشَّرع؛ لأنَّه موقوف؛ فلو قال الواقف -مثلاً-: هذا البيت وقفٌ على زيدٍ؛ فلزيدٍ أن يَسكنَ فيه، أو أن يؤجِّره، أو أن يَهَبَ السُكنى فيه لمن يشاء، ونحو ذلك؛ لأنَّه يملكُ التصرُّف في منافعه، لكنَّه لا يملكُ التصرُّف في أصله؛ فليس له بيعه، أو هِبَتُه، أو الوصيَّة به، ونحو ذلك؛ لأنَّه موقوف. * النَّاظِرُ على الوَقْفِ: لا يخلو ذلك من أحوال ثلاثة: الأُولَى: أن يكون الواقف قد عينَّ ناظراً بعينه على الوقف، فيكون هو الناظر حينئذٍ؛ سواءً كان الوقف على معيَّن أو على جهة عامَّة؛ لحديث عمر ﵁ -في وَقْفه- وفيه: ( … تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا … ) [أخرجه أبو داود]؛ فجعل النِّظارة لحفصة ﵂، ثمَّ لذَي الرأي من أهلها. ولأنَّ مَصْرِف الوقف يُتْبع فيه شرط الواقف؛ فكذلك النَّاظر فيه. الثَّانية: أنْ لا يعيِّن الواقف ناظراً بعينه، والوقف على شخص معيَّنٍ، أو أشخاصٍ معيَّنين، ففي هذه الحال يكون الموقوف عليه هو الناظر على الوقف؛ كُلٌّ منهم يكون ناظراً على حصَّته إنْ كان أهلاً لذلك؛ بأن كان بالغاً عاقلاً رشيداً؛ لأنَّه مِلكه وغلَّته له. فإنْ لم يكن أهلاً للنَّظر على الوقف؛ بأنْ كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً، كان وليُّه هو النَّاظر عليه.

стр. 722

الثَّالثة: أنْ لا يعيِّن الواقف ناظراً بعينه، والوقف على جهة عامَّة؛ كالفقراء، أو الأيتام، أو طلبة العِلْمِ، ونحو ذلك؛ ففي هذه الحال يكون النَّاظر على الوقف هو الإمام أو من يُنيبه؛ لأنَّه ليس له مالكٌ معيَّن ينظر فيه. * صَرْفُ الوَقِفِ إلى الجِهَةِ التي وُقِفَ عليها: يتعيَّن صَرْفُ الوقف إلى الجهة التي وُقِفَ عليها في الحال؛ فلو وقف كتباً على طلبة العِلْم -مثلاً-، وَجَبَ صَرْفُها إليهم دون غيرهم بمُجرَّد الوقف. أو وقف عمارة على الأيتام أو الأرامل وجب صرف ريعها إليهم في الحال؛ وكذا لو وقف ماءً للشُّرب لم يجُز الوضوء ولا الغسل به، وهكذا؛ لأنَّ تعيينه لهذه الجهة صَرْفٌ لها عمَّا سواها؛ ولو لم يجب اتِّباع تعيينه لم يكن له فائدة. إلَّا إذا استثنى الواقف منفعته أو ريعه أو غلَّته لولده أو لصديقه -مثلاً- مدَّة حياته، أو مدَّة معلومة -كسَنةٍ مثلاً-؛ فيُعمل بذلك؛ فلو قال: وقفت هذه العمارة على مسجد كذا على أن يكون ريعها مدَّة حياتي لي، أو لأولادي، أو لأولاد فلان؛ صحَّ الوقف، ويُعمل بما قاله؛ لحديث عمر ﵁ السابق؛ وفيه: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ)؛ فشرط أَكْل الوالي منها، وكان هو الوالي عليها إلى أن مات. ولأنَّه لو وقف وقفاً عامَّا؛ كالمساجد أو القناطر (الجسور) -مثلاً- كان له الانتفاع به، فكذلك هنا. فإن مات الواقف أثناء المدَّة التي اشترط نفعها له، كان لورثته الانتفاع بما اشترطه بقيَّة المدَّة؛ كما لو باع داراً واستثنى سُكناها سنة، ثمَّ مات في أثنائها.

стр. 723

* إذا انقطعتِ الجِهَةُ الموقوف عليها والواقِفُ لا يزال حيًّا؛ فهل يعود إليه الوقف؟ إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها والواقف على قيد الحياة؛ كما لو وقف داراً على أولاده فقط، أو على أولاد زيدٍ فقط، فماتوا في حياته؛ رجعت إليه الدار مرَّة أخرى وقفاً عليه؛ يتصرَّف فيها مدَّة حياته - بغير بيع ولا هبة ونحو ذلك؛ لأنَّها خرجت عن مِلكه-؛ لأنَّه الأقرب إلى الموقوف عليهم. فإذا مات كانت للفقراء والمساكين. * مَنْ وَقَفَ على الفقراءِ ثمَّ افْتَقَرَ: - من وقف على الفقراء وقفاً كدارٍ أو أرضٍ ونحو ذلك، ثمَّ افتقر بعد ذلك؛ جاز له أن يأخذ من ريع أو غلة ما وقف؛ وذلك لوجود الوصف الذي شرطه في الموقوف عليهم؛ وهو الفقر؛ فيشمله الوقف حينئذٍ. * شَرْطُ الوَاقِفِ: نصُّ الواقف كنصِّ الشارع في جوب العمل والاتِّباع؛ فيجب العمل بجميع ما شرطه الواقف ما لم يخالف الشَّرع، أو يفضي إلى مخالفة مقصوده؛ لقول الله في الوصيَّة: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]؛ فبيَّن الله أنَّ من بدَّل الشَّرط الذي اشترطه الموصي في نقل مِلكه بعدما سمعه فعليه الإثم، فدلَّ ذلك على وجوب اتِّباع شَرْطه والعمل به؛ لحديث عمر ﵁ السابق؛ إذْ اشترط في وقفه شروطاً؛ فقال: ( … فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ،

стр. 724

وَفِي سَبِيلِ اللّاهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ … ). وقال أيضاً: ( … تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا … )؛ فلولا أنَّه يجب تنفيذها لكان اشتراطه لها لا فائدة منه. ولأنَّ ابتداء الوقف مفوَّض إلى واقفه؛ فيتَّبع شرطه فيه. ومن الأمور التي يجب العمل فيها بشرط الواقف ما يلي: - مَصْرِف الوَقْفِ؛ فإذا قال: وقفت هذه العمارة على الأيتام أو على المطلَّقات، لم يجُز صرفها إلى غيرهم، أو قال: وقفته على زيدٍ وعمروٍ، لم يجُز صرفه إلى غيرهما. أو قال: وقفته على أولادي لصُلْبي، لم يكن لأولادهم شيئاً؛ لوجوب العمل بشرط الواقف. - قِسمة غَلَّة الموقوف؛ كما لو قال: وقفت هذه العمارة على أن يكون ثلاثة أرباعها للفقراء وربعها لأبنائي، أو قال: على زيدٍ وعمروٍ؛ على أن يكون لزيدٍ ثلثا ريعها، ولعمروٍ الثُّلث، فإنَّه يُعمل بشرطه. فإن جُهل شرطه في ذلك ولم يُعرف؛ فإنَّه يُعمل بالعادة الجارية في قِسمة الوقف؛ فلو كانت العادة الجارية -مثلاً- أن يكون الثُّلثان لأولاد الواقف والثُّلث للفقراء والمساكين عُمل بذلك. فإنْ لم تكن عادة جارية؛ رُجع إلى العُرْف المستقرِّ بين النَّاس؛ فلو كان العُرْف يقضي بأن يكون الثُّلثان للفقراء -مثلاً- والثُّلث للأبناء؛ فإنَّه يعمل بذلك؛ لأنَّ العادة المستمرَّة والعُرْف المستقرَّ في الوقف يدُلَّان على شرط الواقف أكثر من دلالة لفظ الاستفاضة (الشُّهرة). فإن لم تَكن عادةٌ جاريةٌ، ولا عُرْفٌ مستقرٌّ ببلدِ الواقف؛ كما لو كان يعيش في البادية -مثلاً-، فيُسَاوى حينئذٍ في صَرْف الوقف بين المستحقِّين؛ لثبوت الشَّرِكة فيه بين المستحقِّين دون تفضيل، وهذا يقتضي المساواة.

стр. 725

- التَّرتيبُ بين مستحقِّي الوَقْفِ؛ فلو قال -مثلاً-: وقفتُ هذا البيت على أولادي، ثمَّ أولادهم؛ فيكون ريع الوقف كلُّه لأولاده، ولا يستحق أولاد الأولاد شيئاً ما دام أحد الأولاد حيًّا. وكذا لو قال: وقفت هذا البيت على زيدٍ ثمَّ عمروٍ؛ فلا يستحقُّ عمرو منه شيئاً ما دام زيدٌ حيًّا. - الجَمْعُ أو الاشتراكُ بين المستحقِّين؛ كما لو قال: وقفت هذه الأرض على أولادي وأولادهم، أو على أولادي وأولاد زيد؛ فيشترك الجميع حينئذٍ في الوقف؛ على التساوي بين الجميع. - التَّقديمُ والتَّأخيرُ؛ فلو قال -مثلاً-: وقفتُ على زيدٍ وعمرٍو، على أن يُبدأ بزيدٍ فيُعطى مائة دينار أو ألفاً، فيُعمل بذلك ويُبدأ بزيدٍ؛ فيُعطى المقدَّر له، فإنْ بقي بعد ذلك شيء كان لعمرٍو، وإلَّا فلا شيء له. - إيجارُ الوَقْفِ وعدمُه، ومُدَّتُه؛ فلو قال: وقفت هذه العمارة على أولادي وأولادهم للسُّكنى فقط؛ فيُعمل بذلك؛ فلا يجوز تأجيرها. أو قال: وقفتُها على أولادي وأولادهم على ألَّا تُؤَجَّر أكثر من سنةٍ، عُمِلَ بشرطه؛ فلا يجوز تأجيرها أكثر من ذلك إلَّا عند الضَّرورة؛ كما لو تعطَّلت منافع الموقوف، ولم يمكن تعميره إلَّا بذلك؛ فتجوز الزيادة في المدَّة بحسب ما تقتضيه الضَّرورة؛ لأنَّ عمارة الوقف واجبة، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فلا بدَّ من فعله، وهذا واجب بالشَّرع، وعلى ذلك عمل القضاة من أزمنة طويلة. - تعيينُ النَّاظِرِ على الوَقْفِ؛ وقد تقدَّم ذلك. - إذا شرط ألَّا ينزل في الوقف فاسقٌ -سواء كان فِسقُه بظُلْمِه للخلق، وتعدِّيه

стр. 726

عليهم بقوله أو فعله، أو كان فسقه بتعدِّيه حدود الله-، أو مبتدعُ، أو شرِّيرُ، أو ذو جاهٍ، أو ذو منصبٍ؛ فهذا شرطٌ صحيح؛ فيجبُ العمل به. - إذا خصَّص مقبرةً أو مدرسةً بأهل مذهبٍ معيَّنٍ؛ كالحنابلة، أو الشافعيَّة، أو شرطها لأهل بلدٍ معيَّنٍ؛ كالكويت، أو العراق، أو مصر، أو شرطها لقبيلةٍ بعينها؛ كبني تميمٍ، أو بني كعبٍ، ونحو ذلك، أو وقف مسجداً وشرط إمامته أو الخطابة فيه لأهل مذهبٍ معيَّن، أو بلدٍ معيَّن، أو قبيلةٍ بعينها؛ فإنَّه يُعمَلُ بشرطه في ذلك كلِّه. * إذا خالَفَ شَرطُ الواقفِ الشَّرعَ أو مقصودَه: إذا كان شرط الواقف مخالفاً للشرع أو مقصوده فإنَّه لا يعمل به؛ كما لو وقف مسجداً وشرط لإمامته صاحب مذهب مخالفٍ -في شيءٍ من أحكام الصلاة- لصريح السُّنَّة أو لظاهرها؛ سواء كان خلافه لعدم الاطِّلاع على السُّنَّة أو لتأويلٍ ضعيفٍ؛ إذْ لا يجوز اشتراط مثل هذا. - وكذا لو وقف مسجداً وشرط ألَّا يصلِّي فيه إلَّا أهلُ مذهبٍ بعَيْنِه، أو قبيلةٍ بعَيْنِها؛ فإنَّه لا يُعمَلُ بشرطه، وكان لغيرهم الصَّلاة فيه؛ لأنَّ إثبات المَسْجِدِيَّة تقتضي عدم الاختصاص؛ إذْ المسجد بُنِيَ لإقامة الصَّلاة، وهي ليست لقومٍ دون قومٍ. - وكذا لو شرط في وقفه ألَّا يُعْطَى منه مَنْ سلك طريق الصلاح والاستقامة؛ كما لو قال: وقفتُ هذه العمارة على أولادي، على ألَّا يُعطَى منها للصالح من أولادي؛ لم يُعمل بشرطه؛ لأنَّ هذا يخالف مقصود الشَّرع. أو يقول: وقفت هذه

стр. 727

العمارة على أهل العُزوبة فقط؛ فلا يستفيد منها المتزوجون؛ فلا يُعمل بشرطه؛ لأنَّ المتزوج أحقُّ من المتعزِّب إذ استويا في الصِّفات. * شروطُ النَّاظِرِ على الوَقْفِ: يشترط في النَّاظر على الوقف خمسة شروط: ١) الإسلامُ؛ فلا يجوز أن يكون النَّاظر على الوقف كافراً إذا كان الموقوف عليه مسلماً، أو كان جهة من جهات الإسلام؛ كمسجد ومدرسة ونحو ذلك؛ لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. أمَّا إن كان الموقوف عليه كافراً معيَّناً -وقد مرَّ جواز الوقف عليه- فله أو لوليِّه النِّظارة عليه؛ لأنَّه مِلْكُه. ٢) التَّكليفُ؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً؛ لأنَّ غير المكلَّف لا ينظر في مِلكه المطلق، ففي الوقف من باب أَوْلَى، ولأنَّ السَّفيه محجورٌ عليه في تصرُّفاته في ماله؛ فلا يتصرَّف في مال غيره. ٣) الكفايةُ في التَّصرُّف؛ بأن يكون كُفئاً؛ قادراً على التَّصرُّف وضبط أمور الوقف وأشتاته. ٤) القوَّةُ عليه؛ بأنْ يكون قويًّا؛ بحيث يتمكَّن من الحفاظ على الوقف، واستخلاص رَيْعه وصرفه في مصارفه. ٥) الخِبرةُ به؛ بأنْ يكون ذا علم ودراية بكيفيَّة إدارة الوقف؛ لأنَّ مراعاة حفظ الوقف مطلوبةٌ شرعاً. فإنْ لم يكن النَّاظر متَّصفاً بهذه الصِّفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف.

стр. 728

فإنْ كان النَّاظر ضعيفاً -سواء عيَّنه الواقف أو تعيَّن لكون الوقف عليه-؛ فإنَّه يُضمُّ إليه ناظرٌ قويٌّ أمينٌ؛ ليُكمل ما نقص ويحصل المقصود. * اشتراطُ الذُّكورَةِ في النَّاظِرِ: لا يشترط في النَّاظر الذكورة؛ فيجوز أن تكون المرأة ناظراً على الوقف؛ لأنَّ عمر ﵁ أوصى بالنَّظر على الوقف إلى حفصة ﵂. * اشتراطُ العَدالَةِ في النَّاظِرِ: لا يخلو ذلك من أحوال: الحالة الأُولَى: أن يكون الواقف قد عيَّن ناظراً -غير الموقوف عليه-؛ فلا تشترط فيه العدالة؛ لأنَّ الواقف شرَطَه؛ لكن إن كان فاسقاً ضُّمَّ إليه ناظر عَدْلٌ؛ لما في ذلك من العمل بشرط الواقف، وحفظ الوقف. الحالة الثَّانية: أن يكون الموقوف عليه هو النَّاظر؛ سواء عيَّنه الواقف أو لم يعيِّنه؛ لكنَّه تعيَّن؛ لكون الوقف عليه، وكان أهلاً للنّظارة وإلَّا قام وليُّه مقامه -كما تقدَّم-؛ فلا تشترط العدالة حينئذٍ؛ لأنَّه يملك الوقف، فهو ينظر لنفسه. الحالة الثالثة: أنْ لا يعيِّن الواقف ناظراً، والوقف على جهةٍ؛ كمسجد، أو مدرسةٍ، ونحو ذلك، أو على أشخاصٍ غير محصورين؛ كالفقراء، أو طلبة العِلْمِ، ونحو ذلك، فتكون النِّظارة للحاكم، أو من يُعيِّنه، فإذا عيَّن الحاكم ناظراً؛ اشتُرطت فيه العدالة؛ لأنَّها ولاية على مالٍ فاشترط لها العدالة؛ كالولاية على مال اليتيم. وليس للحاكم النَّظر في الوقف مع وجود ناظره؛ وليس له الاعتراض عليه أو

стр. 729

منعه؛ ما دام قائماً بأمر الوقف، ساعياً في مصلحته؛ إلَّا إذا فعل النَّاظر في الوقف ما لا يسوغ فعله؛ كما لو خالف شرط الواقف، أو أجَّر الوقف على من يستعين به في المعصية، أو أراد هدم الوقف أو تكسيره دون مصلحةٍ؛ فللحاكم حينئذٍ منعه والاعتراض عليه؛ وذلك لعموم ولايته. * وظيفةُ النَّاظِرِ على الوَقْفِ: يتعيَّن على النَّاظر أن يقوم بحفظ الوقف وعمارته، وإيجاره، وزرعه إن كان أرضاً، والمخاصمة فيه؛ من مطالبةٍ بحقوقه، وتخاصمٍ إلى القضاء إن احتاج إلى ذلك، وتحصيل رَيْعه؛ من أُجرةٍ، أو زرعٍ، أو ثَمَرٍ، والاجتهاد في تنميته، وصرف الرَّيْع في جهاته؛ من عمارةٍ، وإصلاحٍ، وترميمٍ، وإعطاء المستحقِّين له، ونحو ذلك؛ لأنَّ النَّاظر هو الذي يلي الوقف، وحفظه، وحفظ ريعه، وتنفيذ شرط واقفه، وطلب الحظِّ فيه مطلوب شرعاً، فكان ذلك إلى النَّاظر. * تصرُّفاتُ النَّاظِرِ: - إذا أجَّر الناظر الوقف بأنقص من أُجرة مثله؛ كما لو كان الموقوف عمارة، تحتوي على عدد من الشُّقق تؤجَّر، فقام النَّاظر بتأجيرها بأقلَّ من أُجرة مثلها، صحَّ عقد الإجارة، لكنَّ النَّاظر يضمن هذا النقص؛ لأنَّه يتصرَّف في مال غيره على وجه الحظِّ وطلب المصلحة له، فيضمن ما نقصه بعقده؛ كما في الوكالة؛ فإنَّ الوكيل إذا باع بدون ثمن المِثْل، أو أَجَّر بدون أُجرة المِثْل، ضمن ذلك للمُوكِّل، إلَّا في حالتين؛ لا يضمن الناظر فيهما:

стр. 730

الحالة الأُولَى: أن يكون هذا النقص يسيراً؛ لأنَّه يُتسامح فيه عادةً، ولا يُلتفت إليه. الحالة الثَّانية: أن يكون هو المستحقُّ لهذه الأجرة؛ كأنْ يكون هو الموقوف عليه، وهذا الريع أو هذه الأجرة ترجع إليه، فلا يضمن حينئذٍ؛ لأنَّه ماله؛ يتصرَّف فيه كما يشاء. - للنَّاظر أن يأكل من مال الوقف بالمعروف؛ فلا يضرُّ بالوقف ولا بالموقوف عليهم، ولو لم يكن محتاجاً؛ لحديث عمر ﵁ السابق، وفيه: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ). - للنَّاظر أن يقرِّر في وظائف الوقف؛ فيُنَصِّب مَنْ يقوم بوظائفه؛ من إمامٍ، ومؤذِّنٍ، ومدرِّس، ومحفِّظٍ، ومحاسبٍ، وعاملٍ، وحارسٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك من مصالح الوقف التي يُوكَلُ إلى الناظر القيام بها. - إذا عُيِّن أحدٌ في وظيفةٍ من وظائف الوقف، وكان تعيينه على وَفْق الشرع؛ بأن كان مستحقًّا لذلك، أهلاً لتولِّيها والقيام بها؛ فإنَّه يحرم على النَّاظر وغيره إخراجه منها بلا موجب شرعيٍّ يقتضي عزله؛ كطروء فسق عليه ينافي وظيفته، أو تفريطه في وظيفته وعدم قيامه بها. - من تعيَّن في وظيفةٍ من وظائف الوقف؛ كإمامةٍ، أو خطابةٍ، أو تدريسٍ، ونحو ذلك، ثمَّ تنازل عنها لمن هو أهلٌ للقيام بها؛ صحَّ ذلك، وكان أحقَّ بها من غيره؛ لأنَّه حَقٌّ للنازل نَقَلَهُ إلى غيرِه، إلَّا إذا رفض ذلك مَنْ له حقُّ الولاية على الوقف؛ كالناظر؛ فتعود الوظيفة ثانيةً إلى النَّازل عنها؛ لأنَّه لم يحصُل منه رغبة

стр. 731

مطلقة عن وظيفته، بل مقيَّدة بحصوله للمنزول له، ولم يحصل. - ما يأخذه الفقهاء أو المدرسون في مدارس الوقف في مقابل عملهم، أو الأئمة أو المؤذنون العاملون في مساجد الوقف، إنَّما هو كالرِّزْق من بيت المال للإعانة على الطاعة، والعِلْمِ، ودفع الحوائج، وليس كأُجرة أو جُعالة استُحِقَّت في مقابل عمل. ولا يُخْرِج ذلك عمَلَهُم عن كونه قربةً لله ، كما لا يقدح في إخلاصهم؛ لأنَّه لو قدح ما اسْتُحِقَّت الغنائم في المعارك والغزوات. وقد مرَّت مسألة أخذ الأجرة على أعمال القُرب بتمامها في باب الإجارة. * ألفاظُ الواقِفِ في الموقوف عليهم: - إذا وقف الواقف على ولده، أو أولاده، أو على أولاد غيره؛ كما لو قال: وقفت على ولدي، أو أولادي، ثمَّ على المساكين، أو قال: وقفت على أولاد زيدٍ، ثمَّ على المساكين، كان الوقف لأولاده أو لأولاد زيدٍ الموجودين حال الوقف فقط -ولو كان حَمْلاً-، ذكوراً كانوا أو إناثاً أو خُنَاثى -جمع خنثى-؛ لأنَّ اللفظ يشملهم؛ لأنَّ الولد مصدرٌ أريد منه اسم المفعول؛ أي المولود؛ قال الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ فجعل الأنثى من الأولاد، لكنَّ الحَمْل لا يستحقُّ من ريع الوقف إلَّا بعد ولادته؛ لأنَّه لا يُسمَّى ولداً قبلها. ويكون الوقف بينهم بالسويَّة؛ لأنَّ الواقف جعله شِرْكاً بينهم، وإطلاق التَّشريك يقتضي التَّسوية؛ فيكون للأنثى مثل ما للذَّكَر. أمَّا من وُلِدَ بعد ذلك؛ بأنْ حَمَلَتْ به أُمُّه بعد صدور الوقف فلا حقَّ له فيه؛

стр. 732

لأنَّه لم يكن موجوداً مع مَنْ وقع عليهم الوقف مسبقاً. والرواية الثَّانية: أنَّ من وُلد بعد ذلك له أو لزيدٍ دخل في الوقف كالموجودين؛ بدليل دخول أولاد الأولاد الذكور في قول الواقف: (وقفت على أولادي) -كما سيأتي-؛ فإذا دخل أولاد الأولاد في الوقف وقد وُلِدوا بعد الوقف، كان دخول أولاده -لصلبه- الحادثين بعد الوقف أَوْلَى؛ لأنَّهم أولاده حقيقة. بخلاف ما لو صرَّح؛ فقال: وقفت على ولدي ومَنْ يولد لي؛ فيدخل حينئذٍ في الوقف أولاده الموجودون حالة الوقف، ومن سيولد له بعد ذلك؛ لأنَّه نصَّ على ذلك. - ويدخل في الوقف أيضاً أولاد أولاده البنين -الموجودين- وإنْ سفلوا، سواء وجدوا حالة الوقف أو لا؛ لأنَّ ولدَ ابنه ولدٌ له؛ لقول الله ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، ولقوله ﷺ : (ارْمُوا بَنِى إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا) [أخرجه البخاري]. ولأنَّ كلَّ موضعٍ ذَكر الله تعالى فيه الولد دخل فيه ولد البنين، فكذا المطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينةٍ فإنَّه يُحمل على المطلق من كلام الله تعالى، ويُفسَّر بما يُفسَّر به. ويستحقُّونه مرتَّباً بعد آبائهم؛ فلا يُعطى أولاد الأبناء مع وجود الأبناء. إلَّا إذا قيَّد ذلك الواقف؛ كما لو قال: وقفت على ولدي لصُلبي، أو على أولادي الذين يلونني؛ فلا يشملهم الوقف حينئذٍ. وأمَّا أولاد البنات فلا يدخلون في الوقف؛ لأنَّهم لا يُنسبون إلى الواقف، وإنَّما يُنسبون إلى آبائهم؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٥].

стр. 733

وقال الشاعر: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ. وسواء كان أولاد أولاده الذُّكور موجودين حالة الوقف، أو وُلدوا بعد ذلك في حياة الواقف. أمَّا من وُلد بعد موت الواقف فلا يدخل معهم في الوقف حينئذٍ؛ لعدم وجوده عند موت الواقف؛ كما في الوصيَّة. - إذا قال: وقفت على عَقْبي، أو على نَسْلي، أو على ولد ولدي، أو على ذُرِّيَّتي؛ دخل في ذلك أولاده الذُّكور والإناث، وأولاد أولاده الذكور وإنْ سفلوا، ولا يدخل في ذلك أولاد الإناث؛ لما تقدَّم؛ إلَّا بقرينة؛ كما لو قال: وقفت كذا على أولادي ومَنْ مات عن ولدٍ فنصيبه لولده، فيدخل أولاد البنات في ذلك؛ لأنَّه قال: من مات عن ولدٍ، والبنت قد تموت عن أولادها فيدخلون، ويكون نصيبها لهم. وكذا لو قال: وقفت على أولادي؛ فلان، وفلان، وفلانة، ثمَّ أولادهم، أو قال: هذا وقف على أولادي، ويُفَضَّل أولاد الأبناء، أو قال: هذا وقف على أولادي على أن يكون لولد الذكر سهمان، ولولد الأنثى سهم، ونحو ذلك؛ فيدخل حينئذٍ ولد الأنثى؛ للقرينة الدَّالة على دخوله. - من وقف على بَنِيهِ أو على بَنِي زيدٍ -مثلاً-، كان ذلك خاصًّا بالذُّكور؛ لأنَّ لفظ البنين وضع لذلك حقيقة؛ كما قال الله : ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]. ولا يدخل فيه الخُنْثى؛ لأنَّه لا يُعلم هل هو ذكرٌ أم لا. وإنْ خصَّ بناته فقط؛ كما لو قال: وقفت على بناتي؛ كان لهنَّ خاصة؛ دون الذكور أو الخُناثى.

стр. 734

إلَّا إذا كان الوقف على قبيلةٍ كبيرةٍ؛ كبني هاشمٍ، أو بني تميمٍ، ونحو ذلك، فيشمل الوقف النِّساء حينئذٍ -دون أولادهن من غير رجال القبيلة-؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وهذا يشمل الذَّكر والأُنثى. ولأنَّ اسم القبيلة يشمل ذَكَرَها وأُنثاها. * التَّفْضيلُ في الوَقْفِ على الأولاد: - يُكره في الوقف تفضيل بعض الأولاد على بعضٍ، أو تخصيص بعضهم بالوقف دون بعضٍ لغير سببٍ شرعيٍّ؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى التقاطع بينهم. والسُّنَّة أنْ لا يُزاد الذَّكر على الأنثى، وإنَّما يقسمه الواقف على أولاده؛ للذَّكر مثل حظِّ الأنثى؛ لأنَّ القصد هو القربة على وجه الدَّوام، وقد استووا في القرابة. أمَّا إذا كان التخصيص أو التفضيل لسببٍ يقتضي ذلك؛ كما لو كان بعضهم ذو عيالٍ، أو به فقر أو عجز عن التكسُّب، أو مشتغلاً بطلب العلم، أو كان من أهل الديانة والصلاح؛ فلا بأس حينئذٍ من التَّخصيص أو التَّفضيل؛ لأنَّه لِغَرَضٍ مقصودٍ شرعاً. لحديث عائشة ﵂ قالت: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقاً مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ) [أخرجه مالك، وعبد الرزَّاق]. * لزومُ الوَقْفِ: الوقف عقد لازم؛ يلزم بمجرَّد صدوره من الواقف؛ سواء كان بلفظٍ أو بفعلٍ يدلُّ عليه، ويزول عنه مِلك الواقف، ولا يشترط للزومه خروجه عن يد الواقف، ولا قبول الموقوف عليه إن كان شخصاً معيَّناً؛ لأنَّه تبرُّع يمنع البيع والهبة؛ فيلزم

стр. 735

بمجرَّده. ولا ينفسخ برجوعٍ ولا بإقالةٍ ولا بغير ذلك؛ لأنَّه عقد يقتضي التأبيد. ولا يصحُّ بَيعُه، ولا هِبَتُه، ولا رَهْنُه، ولا إِرْثُه، ولا إبْدالُه -ولو بخيرٍ منه-؛ لحديث عمر ﵁ السابق-، وفيه: (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ). إلَّا إذا تعطَّلت منافعه المقصودة به بالكُلِّيَّة؛ بحيث أصبح لا يُنتفع به لخرابٍ أو غيره؛ كما لو انهدمت العمارة الموقوفة، أو المدرسة الموقوفة، أو خرِبت الأرض الموقوفة للزراعة، ولا يوجد فِي رِيع الوقف ما تُعمَّر به، أو كان الموقوف مسجداً، وتعذَّر الانتفاع به؛ بأنْ ضاق على أهله؛ وتعذَّرت الصَّلاة فيه، ولا يُمكن توسعته، أو كان المسجد في بلدةٍ فخرِبت ولم يبق فيها ساكنٌ، بل أصبحت مزارع وبساتين -مثلاً-، أو صار موضعه قذراً، ولا يمكن الصَّلاة فيه، ونحو ذلك؛ فحينئذٍ يجب بيع الوقف؛ لأنَّ عمرَ ﵁ كتب إلى ابن مسعودٍ ﵁ لما بلغه أنَّ بيت المال الذي في الكوفة نُقِب-: (أَنِ انْقُلِ المَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ المَالِ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ في المَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي. فَنَقَلَهُ عَبْدُ الله) [أخرجه الطبراني في الكبير]؛ فقد أمره عمرُ ﵁ بنقله من مكانه؛ فدلَّ على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكان آخر، وهذا معنى البيع. ولأنَّ الوقف مؤبَّد، فإذا لم يمكن تأبيده بعينه استبقينا الغرض منه؛ وهو الانتفاع على وجه الدَّوام في عينٍ أخرى. ويُشترى بثمنه مِثْلَه إن أمكن؛ فتُشترَى عمارة أخرى، أو مدرسة أخرى، أو أرض أخرى لتزرع، أو أرض ليقام عليها مسجد آخر، ونحو ذلك؛ لأنَّ في إقامة البدل مقامه تأبيداً له، وتحقيقاً للمقصود منه. فإنْ لم يمكن شراء مثله؛ فبعض مثله؛

стр. 736

لأنَّه أقرب إلى غرض الواقف. - ويصير البديل وقفاً بمجرَّد الشِّراء ولزوم البيع؛ لأنَّ القائم على الوقف هنا؛ سواء كان الحاكم أو نائبه أو ناظر الوقف كالوكيل في الشِّراء، وشراء الوكيل يقع لموكِّله، فكذلك هنا؛ يقع الشِّراء للجهة المشترى لها، ولا يكون ذلك إلَّا وقفاً. - يجوز نقل مكوِّنات المسجد -الذي يجوز بيعه-؛ من حجارةٍ، وفَرْشٍ، وأبوابٍ، وخشبٍ، ومصاحف، وأجهزة كهربائيَّة، ونحو ذلك، إلى مسجد آخر يحتاج إليها؛ لما تقدَّم من نقل عبد الله بن مسعود للمسجد الذي بالكوفة. وذلك أَوْلَى من بيعه؛ لبقاء الانتفاع بها من غير خلل؛ فكان أقرب لمقصود الواقف. - يجوز نقض منارة المسجد وجعلها في حوائطه؛ وذلك إذا اختلَّت هذه الحوائط، وكانت في حاجة إلى تحصينٍ وتقويةٍ، أو سدٍّ لبعض الثقوب فيها، ونحو ذلك؛ لأَّن هذا كلَّه في مصلحة المسجد؛ فيُتنازل عن النفع الأقلِّ لمصلحة النفع الأكبر. - من وقف على ثغرٍ (وهو الموضع الذي يُخاف منه هجوم العدوِّ، ولذا يُجعل عنده من يحرسه)، فتعطَّل هذا الثَّغر؛ كأنْ أصبح أَمِناً، ولم يحتج إلى مَنْ يحرسه، فإنَّه يُصرف ريع الموقوف إلى ثغر آخر. وكذا لو وقف على مسجدٍ، أو مدرسةٍ، أو سقايةٍ، ونحو ذلك، فتعطَّل الانتفاع بها، صُرِف ريعُ الموقوف إلى مسجد آخر، أو مدرسة أخرى، أو سقاية أخرى؛ لأنَّ هذا أقرب إلى مقصود الواقف. - يَحرُمُ حفر الآبار، وغرس الأشجار في المساجد، ولو كان لمصلحة عامَّة؛ لأنَّ بقعة المسجد مخصَّصة للصلاة فيها؛ فتعطيل ذلك عدوان وظلم. ولأنَّ المسجد لم يُبْنَ لهذا، وإنَّما بُنِيَ لذِكْرِ الله، والصَّلاة، وقراءة القرآن. ولأنَّ الشجرة ربَّما يسقط

стр. 737

وَرَقُها وثَمَرُها في المسجد، وتسقط عليها العصافير والطير فتبول في المسجد، وربَّما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها، ورموها بالحجارة ليسقط ثَمَرُها، ونحو ذلك ممَّا لا يليق بالمسجد. والوجه الآخر في المذهب: أنه يحرم ذلك إذا كان ليس فيه مصلحة راجحة؛ قال السفَّاريني: «وأمَّا مسألة حفْر البئر؛ فجزم في الإقناع والمنتهى بعدم جواز ذلك. قال في شرح المنتهى: ولو للمصلحة العامَّة؛ لأنَّ البقعة مستحقَّة للصلاة، فتعطيلها عدوان. وفي الإقناع: يتوجَّه جوازُ حفْر بئر إن كان فيه مصلحة، ولم يحصل به ضيق، وجزم به في الغاية … »، ثمَّ قال: «والمختار من هذا المنقول ما اعتمده الشيخ مَرْعِي في غايته من جواز حفر البئر، وغرس الشجرة للمصلحة الرَّاجحة، حيث كانتا في غير بُقَعِ المصلِّين». [غذاء الألباب (٢/ ٢٤٩)]. - وهذا بخلاف ما لو غُرِسَت الشجرة قبل بنائه، ووُقِفَت معه؛ فإنْ عيَّن الواقف مَصْرِفَها؛ بأن قال: تُصرَف ثَمَرَتُها للمساكين، أو للأيتام، ونحو ذلك، عُمِلَ به، وإلَّا يُعيَّن مَصْرِفُها كوقفٍ منقطعٍ، تُصرَفُ ثَمَرَتُها لورثة الواقف نَسَباً وَقْفاً، فإن لم يكن له ورثة، أو انقرضوا، فللمساكين.

стр. 738

باب الهِبَة أوَّلاً: تعريفُ الهِبَة: الهِبَةُ لغةً: التبرُّع، والعطيَّة بلا عِوَضٍ، مأخوذ من هُبوب الرِّيح، أي مُرورها. وشرعاً: هي تمليكُ جائزِ التصرُّف مالًا معلوماً أو مجهولًا تَعَذَّر عِلْمُه، موجوداً، مقدوراً على تسليمه، غيرَ واجبٍ، في حال الحياة، بلا عِوَضٍ، بما يُعدُّ هبةً عُرْفاً. ثانياً: حُكمُ الهِبَة: جنسُ الهِبَةِ مندوبٌ إليه؛ لأنَّها تُذْهِبُ الحِقْدَ، وتَجْلُبُ المحبَّة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَهَادُوا تَحَابُّوا) [أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»]، ولأنَّ فيها معنى التوسعة على الغير، ونفي الشحِّ عن النَّفس. ويثبتُ الفضلُ فيها إذا قُصِدَ بها وجهُ الله؛ كالهِبَةِ للعلماءِ، والصالحينَ، والفقراءِ، وما قُصِدَ به صلةُ الرَّحِمِ. أمَّا إذا قُصد بها المباهاة أو الرِّياء أو السُّمعة فهي مكروهة؛ لحديث جُنْدُبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ) [أخرجه البخاري، ومسلم]. ثالثاً: الفرقُ بين الهِبَة، والصَّدَقة، والهَدِيَّة: تشتركُ الهِبَةُ والصَّدَقةُ والهَدِيَّة في أنَّ جميعها تمليكٌ في الحياة بغير عِوَضٍ، لكنَّها تختلف من حيث المقصود بها؛ فإنْ قَصَدَ بها ثوابَ الآخرة فقط فهي صَدَقَةٌ، وإن قَصَدَ بها التودُّد، أو الإكرام، أو المحبَّة، أو المكافأة، ونحو ذلك، فهي هديَّة، وإنْ

стр. 739

لم يقْصِدْ بها شيئاً ممَّا سبق، بل مُجرَّد النَّفع للمُعْطَى فهي هِبَةٌ، وعَطِيَّة، ونِحْلةٌ. رابعاً: صيغةُ الهِبَة: تنعقد الهِبَةُ بكُلِّ قولٍ أو فعلٍ يدلُّ عليها؛ كوَهَبْتُك، أو مَلَّكْتُك، أو أَعْطَيْتُك، أو هذا لَكَ، ونحو ذلك. أو يدفع إليه شيئاً بما يُفْهَمُ منه أنَّه هِبَة فيأخذه منه، أو يُرْسِلْ إليه بشيءٍ؛ كما لو أرسل إليه شاةً -مثلاً- وعنده ضِيفان، دون أن يقول له شيئاً، فيأخذها منه؛ فهي هِبَة؛ لدلالة الحال عليها. فليس للهِبَة صيغة معيَّنة، ولا لفظٌ معيَّن، بل كلُّ لفظٍ أو فِعْلٍ دلَّ عليها انعقدت به؛ لأنَّه ﷺ كان يُهدِي وَيُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى له، وكان أصحابُه يفعلون ذلك، ولم يُنقَل عنهم في ذلك لفظُ إيجابٍ ولا قبولٍ، ولا أمْرٌ به ولا بتعليمه لأحدٍ، ولو كان ذلك شرطًا لَنُقِلَ عنهم نقلًا مشهوراً، بل كانوا يكتفون بأيِّ لفظٍ أو فِعْلٍ يدلُّ على ذلك، ولأنَّ دَلالة الرِّضا بنقل المِلك تقوم مقام الإيجاب والقبول. خامساً: شروطُ صحَّة الهِبَة: يشترط في الهبة ثمانية شروطٍ: الشَّرط الأوَّل: أن تكون من جائز التَّصرف؛ بأن يكون الواهب بالغاً عاقلاً حرًّا رشيداً؛ فلا تصحُّ من الصغير، ولا المجنون، ولا العبد، ولا السَّفيه؛ لأنَّها تبرُّع، فلا تصحُّ إلَّا ممَّن يصحُّ تبرُّعه. الشَّرط الثَّاني: أن يكون مختاراً غير هازلٍ؛ فلا تصحُّ من مُكْرَهٍ، ولا هازلٍ؛ لحديث أبي حُرَّةَ الرُّقَاشِي عن عمِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ

стр. 740

نَفْسٍ مِنْهُ) [رواه أحمد والدَّارقطني]. الشَّرط الثَّالث: أن يكون الموهوب ممَّا يصحُّ بيعُه. فإنْ كان ممَّا لا يصحُّ بيعه؛ كالكلب، أو جلد الميتة، أو المرهون، أو الموقوف ونحو ذلك، لم تصحّ الهبة؛ لأنَّ الهبة عقد يُقصد به تمليك العين، فأشبه البيع؛ فصحَّت فيما صحَّ فيه. فإن كان الكلبُ ممَّا يباح اقتناؤه؛ ككلب الصيد، والماشية، والحراسة، ونحو ذلك؛ فيجوز نقل اليد فيه، وليس هبةً حقيقةً. * حُكمُ هِبَةِ المجهول: لا تصحُّ هبة المجهول الَّذي لا يتعذَّر علمه ومعرفته -سواء كان مجهولاً في نفسه، أو كان مجهولاً لهما-؛ فلو قال له: وهبتك الجمل في بطن هذه النَّاقة، أو وهبتك اللَّبن الذي في ضرعها، أو وهبتك شاة من الشياه، أو وهبتك ما في هذا الصندوق من دراهم -ولا يعلم مقدار ما فيه- لم تصحَّ الهبة؛ لأنَّها تمليك؛ فلم تصحَّ في المجهول كما في البيع؛ لما فيه من الغرر والجهالة. إلَّا إذا كان مجهولاً يتعذَّر علمه؛ كالأعيان المشتبهة إذا تعذَّر تمييزها؛ كما لو اختلطت ثيابه بثيابه، أو زيته بزيته، أو دقيقه بدقيقه وتعذَّر تمييزها، فوهب أحدهما نصيبه للآخر، صحَّت الهبة حينئذٍ مع الجهالة؛ قياساً على الصُّلح؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك. الشَّرط الرَّابع: أن يكون الموهوب له ممَّن يصحُّ تملُّكه؛ فلا تصحُّ الهبة للملائكة، أو للحَمْل؛ لأنَّه لا يصحُّ تملُّكهم، ولأنَّ تمليك الحَمْل معلَّقٌ على خروجه حيَّاً، والهِبَةُ لا تَقْبَلُ التَّعليق.
следующие страницы →