← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لأنَّه أقرب إلى غرض الواقف. - ويصير البديل وقفاً بمجرَّد الشِّراء ولزوم البيع؛ لأنَّ القائم على الوقف هنا؛ سواء كان الحاكم أو نائبه أو ناظر الوقف كالوكيل في الشِّراء، وشراء الوكيل يقع لموكِّله، فكذلك هنا؛ يقع الشِّراء للجهة المشترى لها، ولا يكون ذلك إلَّا وقفاً. - يجوز نقل مكوِّنات المسجد -الذي يجوز بيعه-؛ من حجارةٍ، وفَرْشٍ، وأبوابٍ، وخشبٍ، ومصاحف، وأجهزة كهربائيَّة، ونحو ذلك، إلى مسجد آخر يحتاج إليها؛ لما تقدَّم من نقل عبد الله بن مسعود للمسجد الذي بالكوفة. وذلك أَوْلَى من بيعه؛ لبقاء الانتفاع بها من غير خلل؛ فكان أقرب لمقصود الواقف. - يجوز نقض منارة المسجد وجعلها في حوائطه؛ وذلك إذا اختلَّت هذه الحوائط، وكانت في حاجة إلى تحصينٍ وتقويةٍ، أو سدٍّ لبعض الثقوب فيها، ونحو ذلك؛ لأَّن هذا كلَّه في مصلحة المسجد؛ فيُتنازل عن النفع الأقلِّ لمصلحة النفع الأكبر. - من وقف على ثغرٍ (وهو الموضع الذي يُخاف منه هجوم العدوِّ، ولذا يُجعل عنده من يحرسه)، فتعطَّل هذا الثَّغر؛ كأنْ أصبح أَمِناً، ولم يحتج إلى مَنْ يحرسه، فإنَّه يُصرف ريع الموقوف إلى ثغر آخر. وكذا لو وقف على مسجدٍ، أو مدرسةٍ، أو سقايةٍ، ونحو ذلك، فتعطَّل الانتفاع بها، صُرِف ريعُ الموقوف إلى مسجد آخر، أو مدرسة أخرى، أو سقاية أخرى؛ لأنَّ هذا أقرب إلى مقصود الواقف. - يَحرُمُ حفر الآبار، وغرس الأشجار في المساجد، ولو كان لمصلحة عامَّة؛ لأنَّ بقعة المسجد مخصَّصة للصلاة فيها؛ فتعطيل ذلك عدوان وظلم. ولأنَّ المسجد لم يُبْنَ لهذا، وإنَّما بُنِيَ لذِكْرِ الله، والصَّلاة، وقراءة القرآن. ولأنَّ الشجرة ربَّما يسقط

стр. 737

وَرَقُها وثَمَرُها في المسجد، وتسقط عليها العصافير والطير فتبول في المسجد، وربَّما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها، ورموها بالحجارة ليسقط ثَمَرُها، ونحو ذلك ممَّا لا يليق بالمسجد. والوجه الآخر في المذهب: أنه يحرم ذلك إذا كان ليس فيه مصلحة راجحة؛ قال السفَّاريني: «وأمَّا مسألة حفْر البئر؛ فجزم في الإقناع والمنتهى بعدم جواز ذلك. قال في شرح المنتهى: ولو للمصلحة العامَّة؛ لأنَّ البقعة مستحقَّة للصلاة، فتعطيلها عدوان. وفي الإقناع: يتوجَّه جوازُ حفْر بئر إن كان فيه مصلحة، ولم يحصل به ضيق، وجزم به في الغاية … »، ثمَّ قال: «والمختار من هذا المنقول ما اعتمده الشيخ مَرْعِي في غايته من جواز حفر البئر، وغرس الشجرة للمصلحة الرَّاجحة، حيث كانتا في غير بُقَعِ المصلِّين». [غذاء الألباب (٢/ ٢٤٩)]. - وهذا بخلاف ما لو غُرِسَت الشجرة قبل بنائه، ووُقِفَت معه؛ فإنْ عيَّن الواقف مَصْرِفَها؛ بأن قال: تُصرَف ثَمَرَتُها للمساكين، أو للأيتام، ونحو ذلك، عُمِلَ به، وإلَّا يُعيَّن مَصْرِفُها كوقفٍ منقطعٍ، تُصرَفُ ثَمَرَتُها لورثة الواقف نَسَباً وَقْفاً، فإن لم يكن له ورثة، أو انقرضوا، فللمساكين.

стр. 738

باب الهِبَة أوَّلاً: تعريفُ الهِبَة: الهِبَةُ لغةً: التبرُّع، والعطيَّة بلا عِوَضٍ، مأخوذ من هُبوب الرِّيح، أي مُرورها. وشرعاً: هي تمليكُ جائزِ التصرُّف مالًا معلوماً أو مجهولًا تَعَذَّر عِلْمُه، موجوداً، مقدوراً على تسليمه، غيرَ واجبٍ، في حال الحياة، بلا عِوَضٍ، بما يُعدُّ هبةً عُرْفاً. ثانياً: حُكمُ الهِبَة: جنسُ الهِبَةِ مندوبٌ إليه؛ لأنَّها تُذْهِبُ الحِقْدَ، وتَجْلُبُ المحبَّة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَهَادُوا تَحَابُّوا) [أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»]، ولأنَّ فيها معنى التوسعة على الغير، ونفي الشحِّ عن النَّفس. ويثبتُ الفضلُ فيها إذا قُصِدَ بها وجهُ الله؛ كالهِبَةِ للعلماءِ، والصالحينَ، والفقراءِ، وما قُصِدَ به صلةُ الرَّحِمِ. أمَّا إذا قُصد بها المباهاة أو الرِّياء أو السُّمعة فهي مكروهة؛ لحديث جُنْدُبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ) [أخرجه البخاري، ومسلم]. ثالثاً: الفرقُ بين الهِبَة، والصَّدَقة، والهَدِيَّة: تشتركُ الهِبَةُ والصَّدَقةُ والهَدِيَّة في أنَّ جميعها تمليكٌ في الحياة بغير عِوَضٍ، لكنَّها تختلف من حيث المقصود بها؛ فإنْ قَصَدَ بها ثوابَ الآخرة فقط فهي صَدَقَةٌ، وإن قَصَدَ بها التودُّد، أو الإكرام، أو المحبَّة، أو المكافأة، ونحو ذلك، فهي هديَّة، وإنْ

стр. 739

لم يقْصِدْ بها شيئاً ممَّا سبق، بل مُجرَّد النَّفع للمُعْطَى فهي هِبَةٌ، وعَطِيَّة، ونِحْلةٌ. رابعاً: صيغةُ الهِبَة: تنعقد الهِبَةُ بكُلِّ قولٍ أو فعلٍ يدلُّ عليها؛ كوَهَبْتُك، أو مَلَّكْتُك، أو أَعْطَيْتُك، أو هذا لَكَ، ونحو ذلك. أو يدفع إليه شيئاً بما يُفْهَمُ منه أنَّه هِبَة فيأخذه منه، أو يُرْسِلْ إليه بشيءٍ؛ كما لو أرسل إليه شاةً -مثلاً- وعنده ضِيفان، دون أن يقول له شيئاً، فيأخذها منه؛ فهي هِبَة؛ لدلالة الحال عليها. فليس للهِبَة صيغة معيَّنة، ولا لفظٌ معيَّن، بل كلُّ لفظٍ أو فِعْلٍ دلَّ عليها انعقدت به؛ لأنَّه ﷺ كان يُهدِي وَيُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى له، وكان أصحابُه يفعلون ذلك، ولم يُنقَل عنهم في ذلك لفظُ إيجابٍ ولا قبولٍ، ولا أمْرٌ به ولا بتعليمه لأحدٍ، ولو كان ذلك شرطًا لَنُقِلَ عنهم نقلًا مشهوراً، بل كانوا يكتفون بأيِّ لفظٍ أو فِعْلٍ يدلُّ على ذلك، ولأنَّ دَلالة الرِّضا بنقل المِلك تقوم مقام الإيجاب والقبول. خامساً: شروطُ صحَّة الهِبَة: يشترط في الهبة ثمانية شروطٍ: الشَّرط الأوَّل: أن تكون من جائز التَّصرف؛ بأن يكون الواهب بالغاً عاقلاً حرًّا رشيداً؛ فلا تصحُّ من الصغير، ولا المجنون، ولا العبد، ولا السَّفيه؛ لأنَّها تبرُّع، فلا تصحُّ إلَّا ممَّن يصحُّ تبرُّعه. الشَّرط الثَّاني: أن يكون مختاراً غير هازلٍ؛ فلا تصحُّ من مُكْرَهٍ، ولا هازلٍ؛ لحديث أبي حُرَّةَ الرُّقَاشِي عن عمِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ

стр. 740

نَفْسٍ مِنْهُ) [رواه أحمد والدَّارقطني]. الشَّرط الثَّالث: أن يكون الموهوب ممَّا يصحُّ بيعُه. فإنْ كان ممَّا لا يصحُّ بيعه؛ كالكلب، أو جلد الميتة، أو المرهون، أو الموقوف ونحو ذلك، لم تصحّ الهبة؛ لأنَّ الهبة عقد يُقصد به تمليك العين، فأشبه البيع؛ فصحَّت فيما صحَّ فيه. فإن كان الكلبُ ممَّا يباح اقتناؤه؛ ككلب الصيد، والماشية، والحراسة، ونحو ذلك؛ فيجوز نقل اليد فيه، وليس هبةً حقيقةً. * حُكمُ هِبَةِ المجهول: لا تصحُّ هبة المجهول الَّذي لا يتعذَّر علمه ومعرفته -سواء كان مجهولاً في نفسه، أو كان مجهولاً لهما-؛ فلو قال له: وهبتك الجمل في بطن هذه النَّاقة، أو وهبتك اللَّبن الذي في ضرعها، أو وهبتك شاة من الشياه، أو وهبتك ما في هذا الصندوق من دراهم -ولا يعلم مقدار ما فيه- لم تصحَّ الهبة؛ لأنَّها تمليك؛ فلم تصحَّ في المجهول كما في البيع؛ لما فيه من الغرر والجهالة. إلَّا إذا كان مجهولاً يتعذَّر علمه؛ كالأعيان المشتبهة إذا تعذَّر تمييزها؛ كما لو اختلطت ثيابه بثيابه، أو زيته بزيته، أو دقيقه بدقيقه وتعذَّر تمييزها، فوهب أحدهما نصيبه للآخر، صحَّت الهبة حينئذٍ مع الجهالة؛ قياساً على الصُّلح؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك. الشَّرط الرَّابع: أن يكون الموهوب له ممَّن يصحُّ تملُّكه؛ فلا تصحُّ الهبة للملائكة، أو للحَمْل؛ لأنَّه لا يصحُّ تملُّكهم، ولأنَّ تمليك الحَمْل معلَّقٌ على خروجه حيَّاً، والهِبَةُ لا تَقْبَلُ التَّعليق.

стр. 741

الشَّرط الخامس: أن يقبل الموهوبُ له الموهوبَ -سواءً بالقول، أو بالفعل الدَّال عليه- قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عُرفاً؛ فلو انشغلا بما يُقْطَعُ به البيع في العُرْفِ، أو تفرَّقا من المجلس الذي حصلت فيه الهِبَة قبل حصول القبول من الموهوب له لم تتمَّ الهِبَة؛ قياساً على البيع. الشَّرط السَّادس: أن تكون الهبة منجَّزة؛ فلا يصحُّ تعليقها على شرطٍ في المستقبل؛ كما لو قال: إذا جاء شهر رمضان مثلاً وهبتك كذا، أو إذا قدم فلان من سفره وهبتك كذا؛ لأنَّها تمليك لمعيَّن في الحياة؛ فلم يجُز تعليقها على شرطٍ؛ كما في البيع. إلَّا إذا علَّقها على موته؛ كما لو قال: إذا أنا مِتُّ فسيَّارتي هِبَة لك، فتصحُّ، وتكون وصيَّة. الشَّرط السَّابع: أن تكون غير مؤقَّتة؛ فلو قال له: وهبتك كذا شهراً أو سنة؛ فلا تصحُّ؛ لأنَّها عقد تمليكٍ لعينٍ؛ فلم يصحَّ مؤقتاً؛ كما في البيع. إلَّا إذا وقَّتها بعُمر أحدهما، وهو ما يسمَّى (العُمْرَى)؛ لتقييدها بالعُمر؛ كما لو قال له: وهبتك هذه الدَّار أو هذه الفرس مدَّة عمرك أو حياتك، أو مدَّة عمري أو حياتي، فتصحُّ الهبة حينئذٍ، ويُلغى التوقيت، وتكون للموهوب له ولورثته من بعده؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ) [رواه مسلم]. فإنْ لم يكن للموهوب له ورثة كانت لبيت المال؛ كسائر الأموال المتخلِّفة. * حُكمُ اشتراطِ الوَاهِبِ عدمَ بَيْعِ الهِبَةِ أو هِبَتِها: لا يصحُّ أن يشترط الواهب على الموهوب له ألا يبيع الموهوب أو ألا يهبه ونحو

стр. 742

ذلك؛ لأنَّ الهبة تمليك، ومقتضى المِلك التَّصرُّف المطلق؛ فاشتراط عدم البيع أو الهبة ينافي مقتضاه. وتصحُّ الهبة في هذه الحال مع فساد الشرط؛ كما لو باعه شيئاً بشرط ألا يخسر فيه؛ فيصحُّ البيع ويفسد الشرط. الشَّرط الثَّامن: أن تكون بغير عوض؛ لأنَّها تبرُّع؛ وهذا يقتضي انتفاء العوض والمقابل. فإن اشترط الواهب أن يأخذ عوضاً على هبته؛ كما لو قال له: وهبتك داري على أن تهبني سيارتك مثلاً لم تكن حينئذٍ هبة وإنَّما بيعٌ بلفظ الهبة. وهو صحيح إذا كان العِوض معلوماً، ويثبت له أحكام البيع؛ من خيار المجلس، والرَّدِّ بالعيب ونحو ذلك؛ لأنَّه تمليك بعوض معلومٍ؛ أشبه ما لو قال له: بِعتك أو ملَّكتُك هذا بهذا. أمَّا إذا كان العوض مجهولاً؛ كما لو قال له: وهبتك سيارتي على أن تقضي لي حاجة أو تعطيني شيئاً؛ فلا تصحُّ الهبة حينئذٍ؛ لأنَّه عِوض مجهول في معاوضة؛ فلم يصحَّ العقد؛ كما في البيع. * حُكمُ من أَهْدَى ليُهدَى له أكثر: من أهدَى شيئاً ليُهدَى له أكثر منه؛ كمَنْ يُهدِي الملوك أو الأغنياء ليعطوه أكثر؛ فلا بأس بذلك لغير النبيِّ ﷺ ؛ لقول شريحٍ: « … وَالجَانِبُ المُسْتَغْزر يُثَابُ مِنْ هِبَتِهِ، أَوْ تُرَدُّ عَلَيْهِ» [أخرجه عبد الرزَّاق، وابن أبي شيبة]. قال ابن الأثير في «النِّهاية»: «الجانِبُ: الغَرِيبُ. يقال: جَنَبَ فلان في بَنِي فُلان يَجْنُب جَنابة فهو جَانِب: إذا نزل فيهم غَرِيباً؛ أي أنَّ الغَرِيب الطَّالب إذا أهْدَى إليك شَيْئاً ليَطْلُب أكْثَر منه فأعْطِه في مُقابَلَة هَدِيَّتِه. ومَعْنَى المسْتَغْزِر: الذي يَطْلُب أَكْثَر ممَّا أعْطَى».

стр. 743

أمَّا النَّبي ﷺ فممنوع من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]؛ أي: لا تُعطِ شيئاً لتأخذ أكثر منه. ولما في ذلك من الحرص والمنَّة، والنَّبي ﷺ مأمور بأشرف الأخلاق وأجلِّها. سادساً: حُكْمُ رَدِّ الهَدِيَّة: يكره ردُّ الهديَّة وإن كانت قليلة؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلَا تَرُدُّوا الهَدِيَّةَ … ) [أخرجه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»]، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: (لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ) [أخرجه البخاري]. بل السُّنَّة أن يكافَئ المُهْدِي على هديَّته؛ لحديث عائشة ﵂ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) [أخرجه البخاري]. فإن لم يستطع أن يكافئه فليدعو له؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ( … وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) [أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي]. إلا إذا علم المُهْدَى له أنَّه أَهدى له حياءً؛ فيجب ردُّ الهديَّة حينئذٍ؛ لأنَّ المقاصد في العقود معتبرة. سابعاً: تملُّكُ الهِبَةِ: يملك الموهوب له الموهوب بمجرَّد العقد؛ أي الإيجاب والقبول؛ سواء كان ذلك بقولٍ أو فعلٍ دالٍّ عليها؛ كما تقدَّم. فإذا قال: وَهَبْتُك هذه الدَّار أو هذه الفَرَس، فقال: قَبِلْتُ. أو أعطاه سيَّارةً، أو ناقةً بما يفهم منه أنَّها هِبَة، انعقدت الهِبَة

стр. 744

وصارت مِلك الموهوب له، لكنَّها لا تلزم إلَّا بالقبض؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ؛ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ؛ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللّاهِ) [أخرجه مالك]. فدلَّ قوله: (فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ) على أنَّ الهبة تلزم بالقبض. وعلى ذلك فللواهب الرجوع فيها قبل القبض، أمَّا إذا قبضها الموهوبُ له فقد صارت لازمة، ولا يملك الواهبُ الرجوع فيها حينئذٍ، وما حصل فيها من نماءٍ بعد العقد -كما لو ولدت الفَرَس أو النَّاقة-، فهو للموهوب له؛ لأنَّه نماء ملكه، وعلى الواهب تسليمه إياه. ويشترطُ في القبض أن يكون بإذن الواهب، فإذا قبضها الموهوب له بغير إذنه لم تتمَّ الهِبَة، ولم يصحَّ القبض؛ لأنَّه قبضٌ غير مستحقٍّ على الواهب؛ فلم يصحَّ بغير إذنه؛ كأصل العقد. ويحصل القبض بحسب نوع الموهوب؛ كما في قبض المبيع؛ فإن كان مكيلاً؛ كالبُرِّ، والأَرُزِّ، والذُّرة، ونحو ذلك؛ فقَبْضُه يكون بكَيْلِه. وإن كان موزوناً؛ كالذَّهب، والفضِّة، والحديد، واللُّحوم، ونحو ذلك ممَّا يوزن، فقَبْضُه يكون بوَزْنِه. وإن كان مذروعاً -كالأقمشة مثلاً-؛ فقَبْضُه يكون بذَرْعه. وإن كان معدوداً؛ كالبطيخ، والقَرْع، ونحو ذلك، فقَبْضُه يكون بِعَدِّه. وإن كان الموهوب ممَّا يُنْقَلُ؛

стр. 745

كما لو وَهَبَهُ حيواناً، أو ثياباً، أو سيَّارة، أو ثلاجة، ونحو ذلك؛ فقَبْضُه يكون بنَقْلِه. وإن كان ممَّا يُتناول باليد؛ كما لو وَهَبَه نُقوداً، أو كتاباً، أو ساعة، أو قلماً، ونحو ذلك؛ فقَبْضُه يكون بتناوله. وإن كان الموهوب غير ذلك ممَّا لا يُنْقَلُ؛ كالدُّور، والأراضي، والمزارع، والبساتين، ونحو ذلك؛ فقَبْضُه يكون بتَخْلِيَتِه؛ بأنْ يُخَلِّي الواهبُ بينه وبين الموهوب له. ثامناً: الهِبَةُ للصغير والمجنون: إذا وُهِبَ شيءٌ لصغيرٍ، أو مجنونٍ، أو سفيهٍ، صحَّت الهِبَةُ، وتولَّى وَلِيُّهم القائم بمصالحهم؛ من أبٍ، أو وصيٍّ -إن عُدم الأب الأمين-، أو حاكمٍ، أو أمينه القبول والقبض عنهم؛ لفقدانهم أهليَّة التصرُّف فكان ذلك إلى وليِّهم؛ لأنَّه قبول لما للمحجور عليه فيه حظٌّ ومصلحة. لكن يصحُّ من الصغيرِ والمجنونِ والسفيه قبضُ المأكول الذي يُدْفَعُ مثلُه للصغير عادة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا … ، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ) [أخرجه مسلم]. وإذا وهبَ الأبُ لولده الصغير شيئاً تولَّى هو القبضَ عنه؛ ولا يحتاج إلى توكيل مَنْ يقوم مقام وَلَدِه في القبول والقبض؛ لانتفاء التُّهْمَة عنه؛ قال ابن المنذر: «أجمعَ كلُّ مَنْ نحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلْمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا وَهَبَ لوَلَدِهِ الطِّفلِ داراً بِعَيْنِها، أو عبداً بِعَيْنِهِ، وَقَبَضَهُ له مِنْ نفْسِه، وأَشْهَدَ عليه، أنَّ الهِبَةَ تامَّةٌ» [الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٨٣)].

стр. 746

تاسعاً: إذا وَهَبَ شيئاً واستثنى نَفْعَهُ مُدَّة معلومةً: يجوز للواهب أن يَهَبَ شيئاً ويستثني نَفْعَهُ مُدَّةً معلومةً؛ كما لو قال له: وَهَبْتُك هذه الدَّار على أن أنتفع بسُكْناها سَنَةً، أو وَهَبْتُك هذه السيَّارة على أنْ أستعمِلَها شهراً؛ فيصحُّ ذلك؛ قياساً على البيع؛ فقد (بَاعَ جَابِرٌ ﵁ جَمَلاً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَاسْتَثْنَى ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ) [أخرجه البخاري، ومسلم]؛ فيجوز هذا في الهبة من باب أَوْلَى. عاشراً: إذا وَهَبَ شيئاً وشَرَطَ الرجوعَ متى شاء: - إذا وَهَبَ شيئاً وشَرَطَ على الموهوب له أنَّ له الرجوع متى شاء؛ كما لو قال له: وَهَبْتُك هذه السيَّارة على أنْ أَرْجِعَ في ذلك متى شِئتُ، صَحَّتِ الهِبَةُ وأُلغِيَ الشرطُ؛ لفساده؛ لأنَّه شَرْطٌ ينافي مقتضاها، كما لو قال له: أبيعكُ بشرطِ ألَّا تخسر؛ فيصحُّ البيعُ، ويُلْغَى الشَّرط. حادي عشر: هِبَةُ الدَّيْن: - تصحُّ هِبَةُ الدَّائن دَيْنه لمن هو عليه؛ فلو قال الدَّائن للمدين: دَيْنِي عليك هِبَةٌ لك، أو أَحْلَلْتُك منه، أو تَرَكْتُهُ لكَ، أو أَسْقَطُّه عنكَ، ونحو ذلك، صحَّت الهِبَةُ، ولزم الإبراءُ بمجرَّد ذلك، ولو لم يقبله المدين؛ لأنَّه إسقاط حقٍّ فلا يتوقَّف على قبوله؛ كإسقاط القَصاص والشُّفْعَة، ولو كان ذلك قبل حلول موعد الدَّيْن؛ لأنَّ الدَّين ثابتٌ في الذمَّة، فتأجيلُه لا يمنع من ثبوته. ويصحُّ الإبراء من الدَّيْن أيضاً، ولو جَهِلا -الدائن والمدين، أو أحدهما- قَدْره،

стр. 747

أو صفته، أو جُهل القَدْر والصفة معاً، بل يصحُّ الإبراء ولو لم يتعذَّر معرفة قَدْر الدَّين أو صفته؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرَجُلَيْنِ بينهما خصومة في ميراثٍ: (فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا [أخرجه أبو داود]. ولأنَّه إسقاط حقٍّ فينفُذ مع العلم والجهل. إلَّا إذا جَهِلَه الدَّائن وعَلِمَه المدين لكنَّه كتمه عن الدَّائن؛ خوفاً من أنَّه لو عَلِمَه لم يبرئه منه؛ فلا يصح الإبراء حينئذٍ؛ لأنَّه هضمٌ للحقِّ، وتغرير لصاحبه، وهو بمثابة إذن المُكرَه. أمَّا هبة الدَّيْن لغير من هو عليه فلا تصحُّ؛ كما لو قال لزيدٍ مثلاً: وهبتك الدَّين الذي في ذِمَّة عمروٍ؛ لأنَّه غير مقدور على تسليمه. إلَّا إذا كان ضامناً للدَّين، فتصحُّ هبته له؛ لأنَّ الدَّين متعلِّق بذمِّته كالمدين. ثاني عشر: الرُّجوعُ في الهِبَةِ: للواهب أن يرجع في هبته إذا كان ذلك قبل قبضها من قِبل الموهوب له؛ لأنَّ مِلك الواهب عليها لا يزال باقياً؛ إذْ إنَّها لا تلزم إلَّا بالقبض -كما تقدَّم-. لكن يُكره له ذلك؛ خروجاً من خلاف مَنْ قال: إنَّها تلزم بمجرَّد العقد. ولا يكون الرجوع إلَّا بالقول؛ كأن يقول: رَجَعْتُ في هبتي، أو ارتجعتُها، أو رددتُها، أو أَعَدْتُها إلى مِلْكي، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على الرُّجوع، فلا يكفي الرُّجوع بالنيَّة، ولا بفعلٍ يدلُّ على الرجوع؛ لأنَّ مِلك الهبة قد ثبت للموهوب له يقيناً، فلا يزول إلَّا بيقينٍ، وهو التَّصريح بالرُّجوع. أمَّا بعد قبضها فلا يصحُّ رجوعه، بل ويَحْرُم عليه؛ لحديث ابن عباس ﵄

стр. 748

أن النَّبي ﷺ قال: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) [أخرجه البخاري، ومسلم]. إلَّا إذا كان الواهب هو الأبُ، فيجوز له الرجوع في هبته لوَلَدِه؛ سواء قصد برجوعه التَّسوية بين أولاده أم لا؛ لحديث ابن عمرَ وابن عبَّاسٍ ﵃ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) [أخرجه أحمد، وأبو داود، والتَّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه]. لكن يُشترَطُ لرجوع الأب في هِبَتِه لوَلَدِه أربعة شروط: الشَّرط الأوَّل: أنْ لا يُسقط حقَّه في الرُّجوع؛ فإن أسقطه سقط؛ كما لو قال: وَهَبْتُ هذه السيَّارة لوَلَدِي فلان، وليس لي الحقُّ في الرجوع فيها؛ لأنَّ الرجوع حقٌّ له وقد أسقطه. الشَّرط الثَّاني: ألَّا تزيد زيادة متَّصلة؛ فإن زادت زيادة متَّصلة؛ كما لو وهبه ناقة فسَمِنَت، أو نخلة فكبرت، لم يكن له الرجوع؛ لأنَّ الزِّيادة صارت للموهوب له؛ لأنَّها نماء مِلكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الأب الرُّجوع فيها. وهذا بخلاف الزِّيادة المنفصلة فإنَّها لا تمنع رجوع الأب في هبته؛ كما لو وَهَبَ وَلَدَه ناقةً فوَلَدَت عنده، أو وَهَبَهُ نَخْلاً فأَثْمَرَ وجَذَّه الوَلَد؛ لأنَّ الرُّجوع في الأصل دون النَّماء. الشَّرط الثَّالث: أنْ تكون باقية في مِلك الولد؛ فإن خرجت عن مِلكه؛ كما لو باعها، أو وَهَبَها، أو وَقَفَها ونحو ذلك، لم يكن للأب الرجوع حينئذٍ؛ لأنَّ الرجوع فيها بعد خروجها عن مِلكه إبطال لمِلك غيره. الشَّرط الرَّابع: أنْ لا يرهنها الولد؛ فإنْ رهنها، لم يكن للأب الرُّجوع فيها؛ لأنَّ في رجوعه إبطالاً لحقِّ المرتهن وإضراراً به، وهو ممنوع شرعاً.

стр. 749

ثالث عشر: هل للوَالدِ أن يتملَّكَ من مال وَلَدِه؟ يجوز للأب الحرِّ أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملَّكه ولو كان غير محتاج؛ سواء كان الولد صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، راضياً أم ساخطاً، بعلمه أم بغير علمه؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) [أخرجه ابن ماجه]. لكن يشترط لذلك خمسة شروط: الشَّرط الأوَّل: ألَّا يضرُّه بذلك؛ فإن أضرَّه؛ كأن يأخذ ما تعلَّقت به حاجته؛ كسيَّارته التي يستخدمها، أو بيته الذي يسكنه، أو آلته التي يتكسَّب بها، أو رأس مال تجارته، ونحو ذلك ممَّا يتضرَّر به الولد، فليس له الأخذ حينئذٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) [أخرجه ابن ماجه]. ولأنَّ حاجة الإنسان مقدَّمة على دَيْنه، فلأن تُقدَّم على أبيه أَوْلَى. الشَّرط الثَّاني: ألَّا يكون التملُّك في وقت مرض أحدهما مرض الموت؛ لأنَّه بالمرض المخُوف قد انعقد سبب الإرث، وهو مانع من التملُّك؛ لتعلُّقه بحقوق الآخرين. الشَّرط الثَّالث: ألَّا يتملَّكه ليعطيه لوَلَدٍ آخر؛ كما لو أخذ من مال وَلَدِه زيدٍ ليعطيه لوَلَدِه عمرٍو؛ لأنَّه ممنوع من تخصيص بعض وَلَدِه بالعطيَّة، فلأنْ يُمْنَعَ من تخصيصه بما أخذه من مال وَلَدِه الآخر أَوْلَى. الشَّرط الرَّابع: أنْ يكون التملُّك بقبض الأب لما يتملَّكه مع قولٍ أو نيَّة؛ بأنْ

стр. 750

يقول: تملَّكتُه، ونحو ذلك، أو ينوي تملُّكه؛ لأنَّ القبض يكون للتملُّك ولغيره؛ كالاستعارة مثلاً، فاحتيج إلى القول أو النيَّة لتعيين وجه القبض وأنَّه للتملُّك. فلا يصحُّ تملُّكه قبل القبض مع القول أو النيَّة؛ لأنَّ ملك الابن لا يزال تامًّا على مال نفسه. الشَّرط الخامس: أنْ يكون ما يتملَّكه الأبُ عَيْناً موجودة وقت التملُّك؛ فلا يصحُّ أن يتملَّك دَيْن وَلَدِه الذي له على زيدٍ -مثلاً-، ولا أن يتملَّك ما في ذمَّته لولده، ولا أن يبرئ نفسه من دينٍ عليه لولده؛ لأنَّ الولد لا يملك الدَّيْن إلَّا بقبضه. رابع عشر: حُكْمُ مطالَبَةِ الابْنِ أبَاهُ بقَضاءِ دَيْنِهِ الذي له عليه: إذا كان للابنِ دَيْنٌ له على أبيه؛ سواءً كان قَرْضاً، أو ثَمَنَ مَبيعٍ، أو قيمة مُتْلَفٍ أتلفه الأبُ، أو أُجرة دار سَكَنَها، ونحو ذلك؛ فليس له أن يطالبه بقضائه؛ لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُخَاصِمُ أَبَاهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فقَالَ نَبِيُّ ﷺ : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) [أخرجه ابن حبان]. ولا يملكُ الابن إحضار الأب لمجلس القضاء بسبب ذلك. لكن يكون هذا الدَّين ثابتاً للابن في ذمَّة أبيه، فإذا مات الأب أخذه من التركة، قبل قسمتها على الورثة؛ كسائر الدُّيون؛ لأنَّه حقٌّ ثابت على الأب لا تهمة فيه؛ فكان كدَيْن الأجنبي. فإذا مات الأب، ووجد الابن عين ماله الذي أقرضه لأبيه أو باعه ونحو ذلك، فله أخذه من التركة قبل قسمتها على الورثة؛ كسائر الدِّيوان؛ وذلك لتعذُّر العِوَض.

стр. 751

وهذا بخلاف نفقة الابن الواجبة له على أبيه، فله أن يطالبه بها إذا كان فقيراً وعاجزاً عن الكَسْبِ؛ لحديث هِنْد بنت عُتْبَة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) [أخرجه البخاري، ومسلم]. وإن وَجَدَ الابنُ عَيْنَ ماله الذي له بيد أبيه، فله مطالبته به. خامس عشر: قِسْمَةُ المالِ بين الوَرَثَةِ في الحياة: يباحُ للإنسان أنْ يقسِّم مَالَه بين ورثته في حال حياته على قَدْرِ ما فَرَضَهُ الله لكلِّ واحدٍ منهم؛ فصاحب الثُّلث يعطيه الثُّلث، وصاحب النِّصف يعطيه النِّصف، وصاحب الثُّلُثين يعطيه الثُّلُثين وهكذا؛ لأنَّها قِسمةٌ ليس فيها جَوْرٌ؛ فجازت في جميع ماله كما جازت في بعضه. فإنْ حَدَثَ وارثٌ له بعد القِسْمَةِ، وَجَبَ عليه أن يُعطِيَهُ حصَّته؛ ليحصل التَّعديل الواجب. سادس عشر: التَّسْويَةُ بين الوَرَثَةِ في العَطِيَّة: يجبُ على الواهبِ -ذكراً كان أو أنثى- أن يَعدل في هبته أو عطيَّته بين ورثته؛ من جهة القرابة لا من جهة الزوجيَّة؛ كأولاده، وأبيه، وأمِّه، وإخوته، وبنيهم، وأعمامه، وبنيهم، ونحوهم من قرابته؛ لحديث جابر ﵁ قال: (قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، وَقَالَتْ أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَهُ إِخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ) [أخرجه البخاري، ومسلم، واللفظ له]. وفي لفظٍ قال:

стр. 752

(اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ. قال النُّعمان: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ) [أخرجه مسلم]. وفي لفظ قال: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ) [أخرجه البخاري]. فَدَلَّ هذا على وجوب العدل بينهم في العطيَّة؛ إذْ سمَّى النبيُّ ﷺ التخصيص جَوْراً، والجَوْرُ حرامٌ. وقِيسَ الأقارب على الأولاد؛ بجامع القرابة. ويكون التعديل الواجب بإعطائهم بقَدْر إرثهم منه؛ فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ اقتداءً بقِسمة الله تعالى، وقياساً لحالة الحياة على حالة الموت. قال عطاء: «فَمَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى» [أخرجه عبد الرزَّاق]. فإنْ خصَّ بعضهم بالعطيَّة، أو فضَّله في الإعطاء، أو زوَّج أحدهم دون إذن الباقي، فإنَّه يأثم بذلك؛ لحديث النُّعمان السَّابق، وفيه: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ). ويجب على الأب فقط الرجوع، دون الأمِّ وغيرها؛ كالجَدِّ، والابنِ، والإخوةِ، والأعمامِ، فلا يجب عليهم الرجوع؛ لأنَّ الأب له ولاية على ولده، وقد يحوز جميع المال في الميراث، بخلاف الأمِّ وغيرها. ووجوبُ رجوع الأبِ مقيَّدٌ بما إذا أمكن ذلك؛ بأنْ كانت العطيَّة باقية وقَدِرَ على استرجاعها، أو يعطي الباقين حتَّى يستووا بمن خصَّه أو فضَّله؛ لحديث النُّعمان: (اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ). فإنْ مات الواهب أو المعطي قبل أن يُسوِّي بينهم، ولم تكن عطيَّته تلك في مرض موته المخُوف، فإنَّها تثبت للذي خُصَّ أو فضِّل بها؛ فلا يشاركه فيها بقيَّة الورثة؛ لحديث الصِّديق -السابق- في هبته لعائشة ﵂: (فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ).

стр. 753

أمَّا إنْ كانت العطيَّة في مرض موته فإنَّها تكون حينئذٍ موقوفةً على إجازة الورثة؛ فإن أجازوها ثبتت لمن خَصَّه وإلَّا فلا؛ لأنَّها في حكم الوصيَّة. وقد قال النبيُّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) [أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]. وهذا ما لم يجعلها الواهب أو المعطي وقفاً عليه؛ فإن جعلها وقفاً عليه فإنَّها تصحُّ؛ لحديث عمر ﵁ في وقفه؛ حيث قال: (هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ الله عُمَرُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ: أَنَّ ثَمْغًا، وَصِرْمَةَ ابْنَ الأَكْوَعِ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالْوَادِي، تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْي مِنْ أَهْلِهَا؛ أَنْ لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى، يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ السَّائِلِ، وَالمَحْرُومِ، وَذِي الْقُرْبَى … ) [أخرجه أبو داود]. فعلَّقه بالموت، وجعل من جملة الموقوف عليهم ذوي القربى. ولأنَّ الوقف لا يُباع، ولا يورث، ولا يملكه الورثة؛ فكان للموقوف عليه دون غيره. وتنفُذ له العطيَّة حينئذٍ إذا كانت في حدود الثُّلث؛ كما في الوصيَّة. سابع عشر: عَطِيَّةُ المريضِ: المريضُ لا يخلو من حالين: الحال الأُولَى: أن يكون مرضه غير مرض الموت؛ بأنْ لا يكون مرضه سبباً صالحاً للموت عادة؛ كالصُّداع، ووجع الضِّرس، ومغص البطن، والرَّمد، والحمَّى اليسيرة، والإسهال اليسير من غير دمٍ ونحو ذلك، فهبته وتبرعه والحالة هذه نافذ في جميع ماله؛ كالصَّحيح؛ لأنَّ مثل هذه الأمراض لا يخشى منها في العادة. حتَّى لو مات

стр. 754

منه بعد ذلك، فتبرُّعه أيضاً نافذ؛ اعتباراً بحاله عند العطيَّة؛ لأنَّه إذْ ذاك في حكم الصحيح. الحال الثَّانية: أن يكون مرضه مرض الموت المَخُوف؛ كالسَّرطان، والطاعون، والإيدز، وأمراض القلب الشديدة، ونحو ذلك من الأمراض المخُوفة التي تفضي إلى الموت في العادة، - عافانا الله-، أو قُدِّم للقتل، أو حُبس له فتبرَّع، أو جُرح جُرحاً مهلكاً وعَقْلُه ثابتٌ، أو كان بين الصَّفَّيْن في وقت الحرب والقتال فتبرَّع، ونحو ذلك؛ نفذ تبرُّعه في حدود الثُّلث فقط لغير الوارث؛ كما في الوصيَّة؛ لحديث عِمْران بن حُصَين ﵁: (أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) [أخرجه مسلم]. فإذا لم ينفذ العتق مع سِرايَتِه إلَّا في الثَّلث فغيره من باب أَوْلَى، وللحديث السَّابق: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ). فإن لم يمت من هذا المرض المخوف؛ رجع كالصَّحيح في نفوذ عطاياه كلِّها، وصحَّة تصرُّفه؛ إذْ لا مانع حينئذٍ.

стр. 755

كلمة الإدارة الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجمعينَ. أمَّا بعدُ: فيسُرُّ إدارة الإفتاء بدولة الكويتِ أن تُقدِّم لكم الجزءَ الثالثَ من سلسلةِ كتاب (التَّسهيل في فقه الإمام أحمد بن حنبل)، الخاصِّ بما يُسمَّى -حديثاً- (الأحوال الشخصيَّة)؛ حيث ضمَّ أغلب الأبواب والمسائل المهمَّة التي تتعلَّق بالأحكام الشرعيَّة للأُسرة؛ كالوَصيَّة، والميراث، والنكاح، والطَّلاق، والنَّفقات، والحَضانة، وغير ذلك. وقد سِرْنا في الكتابِ وَفْق المنهجيَّة العلميَّة التي جَرَيْنا عليها في الجزئين السابقين المتعلِّقين بفقه العبادات، وفقه المعاملات؛ من حيث سهولةُ العبارةِ، وتفقيرُ المسائلِ، واعتمادُ القول الراجح في المذهب، والتَّدليلُ عليه من الأدلَّةِ الشرعيَّةِ المعتبرةِ. وقد قامَ بإنجازِ هذا العملِ فريقُ وحدةِ البحثِ العلميِّ بإدارةِ الإفتاءِ، وهم: الشيخ/ تركي عيسى المطيري رئيساً الدكتور/ أيمن محمَّد العُمَر عضواً الدكتور/ أحمد عبد الوهَّاب سالم عضواً كما شارك فيه من خارج وحدةِ البحثِ العلميِّ؛ كلٌّ من:

стр. 756

الشيخ/ د. محمود محمَّد الكَبْش: الأستاذ المشارك في جامعة أمِّ القرى. والشيخ/ خبَّاب مَروان الحَمَد، الباحث في الفقه الحنبليِّ وأصوله. وبعد الفراغِ من العَمَل العِلْميِّ في الكتاب؛ قامت الإدارة بعَرْضِه على صاحبي الفَضيلَة: - الشيخ/ د. عُثمان محمَّد الخَميس. - والشيخ/ وليد علي الدّيولِي. فقاما مشكورَيْنِ بمُراجَعتِه، واستدراكِ ما ينبغي استدراكُه، فجَزاهُما اللهُ خيرَ الجزاءِ. كما لا يفوتنا في هذا المقام أن نتوجَّه بالشكر الخالص لفضيلة الشيخ/ د. مُطْلَق بن جاسِر الجاسِر، العميد المساعد للشؤون الطُّلابيَّة بكُليَّة الشريعة -جامعة الكويت- على قراءة الكتاب والتقديم له على الرغم من ضيق وقته، وتزاحم أشغاله، فجزاه الله خيراً. وختاماً؛ نسألُ اللهَ العَليَّ القديرَ التوفيقَ والقبولَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين. إدارة الإفتاء

стр. 757

كتاب الوَصيَّة أوَّلًا: تَعريفُ الوَصِيَّة: الوَصِيَّةُ لُغةً: الأَمْرُ، كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: أَمَرَهُم، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: أَمَرَكُم. واصطلاحاً: الأمرُ بالتَّصَرُّف بعد الموت. وأمَّا الوصيَّة بمالٍ: فهو التبرُّع به بعد الموت. ثانياً: مشروعيَّة الوَصِيَّةِ: الوصيَّة مشروعة بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. - ومن السُّنَّة: ما ثبت من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوْصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) [رواه البخاري ومسلم]. - أمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «وأجمع العُلماء في جميع الأمصار والأَعصار على جواز الوصيَّة».

стр. 758

ويُسنُّ للمرء أن يكتب وصيَّته؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق. ويُستحبُّ أن يُشْهِدَ عليها؛ لأنَّه أحوط لها، وأحفظ لما فيها. فإذا ثبتت الوصيَّة ثبت حُكْمُها، ووجب العملُ بها، حتَّى وإن طالت المُدَّة بين كتابتها ووفاة كاتبها. ثالثاً: أركانُ الوَصِيَّةِ: للوصيَّة أربعة أركان؛ هي: أ - المُوصِي: وهو من صدرت منه الوصيَّة. ب- الصِّيغة: وهي الإيجاب من الموصِي، والقبول من الموصَى إليه. ج- المُوصَى به: وهو المال، أو التصرُّف. د - المُوصَى له: وهو من تبرَّع له الموصِي بمالٍ بعد وفاته. رابعاً: شُروطُ الوَصِيَّةِ: يُشترط في الوصيَّة عدَّة شروط: أ - إذا كانت ملفوظةً فلا بُدَّ أن تكون بلفظٍ مسموعٍ. ب- إذا كان المُوصِي أَخْرَسَ؛ فتصحُّ منه إن كانت إشارتُه مفهومةً، وإلَّا فلا؛ لأنَّ تعبيره إنَّما يحصلُ بذلك عُرْفاً، فكانت كاللَّفظ من قادرٍ عليه.

стр. 759

ج- إذا كانت بخطِّ المُوصِي فيُشترطُ ثبوته بإقرار الوَرَثة، أو بإقامة بيِّنةٍ أنَّه خطُّه، ويُعمَلُ بها وجوباً، ما لم يُعلَم رُجوعه عنها. د- أن يَقْبَل المُوصَى له الوصيَّة بعد موت الموصِي؛ إذا كان الموصى له شخصاً، أو جمعاً محصوراً؛ كأولاد زيدٍ -مثلًا-، فإن ردَّها الموصى له بعد موت الموصي بطلت الوصيَّة. أمَّا إذا كان الموصى له جَمْعاً غير محصورٍ؛ كالفقراء، والمساكين، والعُلماء، أو كان جهةً غير محدَّدةٍ أو غير مُعيَّنةٍ؛ مثل: المساجد، أو أعمال الخير؛ فلا يُشتَرط القبول؛ لأنَّ اعتبار القبول منهم متعذِّرٌ، وتلزم بمجرَّد موت الموصي. خامساً: مَنْ تَصِحُّ منه الوَصِيَّةُ: أ - تصحُّ الوصيَّة من كُلِّ عاقلٍ لم يُعاين مَلَكَ الموت؛ لأنَّ هِبَتهم صحيحة، فالوصيَّة أولى. فإذا عاين مَلَكَ الموت لم تصحَّ وصيَّتُه؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) [رواه البخاري ومسلم]. ولأنَّ من عاين مَلَك الموت لا قَوْل له، والوصيَّة قَوْل. ب- وتصحُّ الوصيَّة من كُلِّ مُميِّزٍ يعقل الكلام؛ لما روى أبو بكر بن حَزْم: (أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ، أَفَيُوصِي؟ قَالَ: فَلْيُوصِ) … قَالَ أَبُو بَكْرٍ:

стр. 760

وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً [رواه مالك]. أمَّا الطِّفْل فلا تصحُّ منه الوصيَّة؛ لأنَّه لا يعقل معناها، ولا حُكم لكلامه. ج- وتصحُّ الوصيَّة من سَفيهٍ، أو ضعيفِ عَقْلٍ ضَعْفاً يمنعُ رُشْدَه؛ لتمحُّضها نفعاً له بلا ضرر؛ إذ الحَجْرُ عليه لحِفْظِ مالِهِ، والوصيَّة لا إضاعة فيها له؛ لأنَّ المال له ما دام حيًّا، وإن مات فله ثوابه. سادساً: الأحكامُ التكليفيَّة الخَمْسةُ في الوصيَّة: تَعْتَري الوصيَّةَ الأحكامُ التكليفيَّةُ الخَمْسةُ؛ فقد تكون مُستحبَّةً، وقد تكون مكروهةً، أو مُباحةً، أو واجبةً، أو مُحرَّمةً. أ - الوصيَّة المستحبَّةُ: تُستحبُّ الوصيَّة إذا تَرَكَ الإنسان خَيْراً؛ وهو المالُ الكثيرُ عُرْفاً، فيُسنُّ له أن يوصي بخُمُسِ مالِهِ؛ لما جاء عن ابن عبَّاس ﵄ قال: (الَّذِي يُوصِي بِالخُمُسِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ، وَالَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالثُّلُثِ) [رواه البيهقي]. ويستحبُّ أن تكون الوصيَّة بالخُمُس لقريبٍ فَقيرٍ لا يَرِثُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، ثُمَّ لمسكينٍ وعالِمٍ فقيرٍ، ودَيِّنٍ فقيرٍ، ونحوهم. والأَوْلَى أن تكون الوصيَّة بأقلَّ من الثُّلُث؛ لما روى ابن عبَّاس رضي الله

стр. 761

عنهما قال: (لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبِعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) [رواه البخاري ومسلم]. ب- الوصيَّة المكروهةُ: تُكرهُ الوصيَّةُ من فقيرٍ -وهو من لم يترك مالًا كثيراً- إذا كان له ورثةٌ مُحتاجون؛ لأنَّ مراعاة القريب الفقير المحتاج أَوْلَى، وقد شرع الله الوصيَّة لمن تَرَكَ مالاً كثيراً؛ ولحديث سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) [رواه أحمد، وأبو داود]. ج- الوصيَّة المباحةُ: - تُباح الوصيَّة من الفقير إن كان ورثتُه أغنياء. - وتجوز وتصحُّ بجميع ماله، إذا لم يكن للميِّت ورثةٌ؛ لأنَّ المنع من الزيادة عن الثُّلُث إنَّما هو لحقِّ الورثة؛ لتعلُّق المال بحقِّهم، فإن لم يوجد وَرَثَةٌ جاز الزيادة على الثُّلُث. ولا يَحرُمُ أن يُوصي لأجنبيٍّ بزائدٍ عن الثُّلُث إذا كان الزَّوج ليس له وارثٌ إلَّا الزَّوجة، أو العكس؛ لأنَّهما لا يُردُّ عليهما، فلا تمتنع الوصيَّة بما زاد عن فَرْضِهما؛ إذ لو ردَّ أحدُ الزوجين الوصيَّة بما زاد عن الثُّلُث، بطلت الوصيَّة في قَدْرِ فَرْضِه من ثُلُثَيْه.

стр. 762

د - الوصيَّة الواجبةُ: تجبُ الوصيَّة على من عليه حقٌّ لله تعالى، أو لآدميٍّ بلا بيِّنةٍ؛ كزكاةٍ، أو حجٍّ، أو كفَّارةٍ، أو نَذْرٍ، أو دَيْنٍ، أو كان عنده وديعةٌ بلا بيِّنةٍ؛ وذلك لكَيْ لا تضيع الحقوق والودائع؛ لأنَّ أداءها واجبٌ. هـ- الوصيَّة المحرَّمةُ: تَحرُمُ الوصيَّة لوارثٍ، سواءٌ وَرِثَ بفَرْضٍ، أو بِعَصَبَةٍ، أو رَحِمٍ، لحديث أبي أُمامَةَ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) [رواه أحمد، وأبو داود]. لكنْ إن أجازها الورثةُ صحَّت الوصيَّة؛ لما روي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ) [رواه الدارقطني]. ولأنَّ المنع لحقِّ الورثة، فإذا رضوا بإسقاطه نفذ. سابعاً: أحكامٌ تتعلَّقُ بإجازَةِ الوَصِيَّةِ: - إجازةُ الورثةِ للوصيَّةِ تنفيذٌ لما وصَّى به المورِّث، وليست هِبَةً مُبتدَأَةً؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. - لا تصحُّ الإجازةُ إلَّا من جائزِ التصرُّف؛ إلَّا السَّفيه والمُفْلِسُ فتصحُّ منهما. - لا تصحُّ إجازة الوصيَّة من الورثة إلَّا بعد موت الموصِي. - تَلْزَمُ الوصيَّة بعد إجازة الورثة بغير قبول من المُجازِ له، وبغير قَبْضٍ؛

стр. 763

لأنَّها تنفيذٌ لقول الموصِي لا ابتداء عطيَّة. ثامناً: مُبْطِلاتُ الوَصِيَّةِ: تَبطُلُ الوصيَّة بخمسةِ أشياء: أ - رجوع المُوصِي في وَصِيَّتِه بقولٍ أو فِعْلٍ؛ لقول عمر ﵁: (يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ، وَمِلَاكُ الْوَصِيَّةِ آخِرُهَا) [رواه الدارمي]. - فالرُّجوعُ بالقَوْل مثل أن يقول: «رَجَعْتُ عن وَصِيَّتي»، أو «أَبْطَلْتُها»، أو «رَدَدْتُها»، أو «فَسَخْتُها». أو أن يقول مُوصٍ في مُوصَى به: «هذا لوَرَثَتِي»، أو «في مِيراثِي». أو أن يقول: «ما وصَّيْتُ به لزَيدٍ فهو لعَمْرٍو»؛ فإنَّه رجوعٌ عن الوصيَّة الأُولَى؛ لمُنافاتِه لها. لكن إن وصَّى بشيءٍ لإنسانٍ، ثمَّ وصَّى به لآخَرَ، ولم يقل: «ما وصَّيتُ به لزيدٍ فهو لعمرٍو»؛ فالمُوصَى به بينهما. - والرُّجوعُ بالفِعْل مثل: أن يُزيلَ اسمَ المُوصَى به، أو يُغيِّر من هيئته، أو عَيْنِه؛ كأن يَطْحَن الحِنْطَة، أو يَنْسِجَ الغَزْلَ، أو أن يكون وَصَّى لفلانٍ بسيَّارة ثمَّ باعَها؛ فكلُّ هذا رجوعٌ عن الوصيَّة، بل لو عَرَضَ السيارةَ للبيع وكان قد أوْصَى بها، فإنَّ هذا يُعدُّ رجوعاً؛ لأنَّه قرينةٌ على الرجوع. ب- مَوْتُ المُوصَى له قَبْلَ المُوصِي؛ لأنَّها عَطِيَّةٌ صادفت المُعطَى له مَيِّتاً؛ فلم تَصحَّ؛ كما لو وَهَبَ مَيِّتاً؛ ولأنَّ من شروط صحَّة الوَصِيَّة القَبول، وهنا انعدم المَحَلُّ، فكان لا شيء.

стр. 764

فإن كانت الوصيَّة بقضاء دَيْن الموصَى له، فلا تَبطلُ بموته؛ لبقاء اشتغال ذِمَّة الموصَى له بالدَّيْن حتَّى يؤدَّى. ج- قَتْلُ المُوصَى له للمُوصِي قَتْلاً مَضْموناً بقِصاصٍ، أو دِيَةٍ، أو كَفَّارَةٍ، أو قَتْله له خَطَأً؛ لأنَّ القَتْلَ يمنع الميراثَ، وهو آكدُ من الوصية؛ فهي أَوْلَى. والجامع: أنَّ كلًّا منهما قد استعجل أمراً قبل أوانه فعُوقِبُ بحِرْمانِه. وللمصلحة؛ حيث إنَّ ذلك فيه منعٌ لقتل الناس مُورِّثيهم، والمُوصِينَ لهم بشيءٍ. ويخرجُ من ذلك: ما لو كان المُوصَى له هو الذي يضرب بالسيف لإقامة القصاص، أو كان قاضياً وحَكَم على المُوصِي بالقَتْل، فلا تبطلُ بذلك؛ لأنَّه قَتْلٌ غير مضمونٍ. د - ردُّ المُوصَى له للوصيَّة بعد موت الموصِي، إذا كان المُوصَى له واحداً، أو جمعاً محصوراً؛ لأنَّه أسقط حقَّه في حالٍ يملك قبوله وأخذه. فإن كان الردُّ بعد قبولها، لم يصحَّ الرَّدُّ، سواء قبضها أو لم يقبضها؛ لاستقرار ملكه عليها بالقبول كسائر أملاكه. هـ- تَلَفُ العَيْن المعيَّنة المُوصَى بها؛ كما لو أوصى بدارٍ فانهدمت، أو أوصى بشاةٍ فماتت قبل موت المُوصِي أو بَعْدَه قَبْلَ قبولها؛ لأنَّ حقَّ المُوصَى له لم يتعلَّق بغير العَيْن؛ فإذا ذهبت زال حقُّه. لكن إن أتلفها وارثٌ أو غيره بعد قبول المُوصَى له فعلى مُتْلِفِها ضمانُها له.

стр. 765

باب المُوصَى له أوَّلًا: من تصحُّ الوَصِيَّةُ له: أ - تصحُّ الوَصِيَّةُ لكُلِّ مَنْ يصحُّ تمليكُه، سواء أكان مُسلماً مُعيَّناً، أو غير مُعيَّنٍ كالفقراء، أو كان كافراً مُعيَّناً -ولو مُرْتدًّا، أو حَرْبيًّا-؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]. أمَّا الوصيَّة لكافرٍ غير معيَّنٍ، فلا تصحُّ؛ كالتوصية لعامَّة النصارى، أو عامَّة اليهود، أو فقرائهم؛ قياساً على عدم صحَّة الوقف عليهم. وكذلك لا تصحُّ التوصيةُ لكافرٍ بمُصحَفٍ، أو سِلاحٍ، أو عبدٍ مُسلِمِ؛ لأنَّه لا يصحُّ تمليكه ذلك. وكذا لا تصحُّ التوصية للكافر بحَدِّ قَذْفٍ يستوفيه لمسلمٍ مقذوف؛ لأنَّه لا يملك استيفاء ذلك لنفسه، فلغيره أَوْلَى. ب- وتصحُّ الوصيَّة للحَمْل إذا تحقَّق وجودُه حين صدور الوصيَّة؛ بأن تضعه أمُّه حيًّا قبل تمام ستَّة أشهر من الوصيَّة وكانت فراشاً لزوجٍ أو سيِّدٍ، أو وضعته لأقلَّ من أربع سنين إن لم تكن فراشاً لزوجٍ أو سيِّدٍ؛ لأنَّ الحَمْل يَرِثُ، والوصيَّة في معنى الإرْث من جهة الانتقال عن الميِّت مجَّاناً إن كان موجوداً حال الوصيَّة؛ لأنَّها تمليك. ج- وتصحُّ الوَصِيَّة لبهيمةٍ، لكن يُصْرَفُ في عَلَفِها؛ لأنَّ الوصيَّة لها أمرٌ

стр. 766

بصرف المال في مصالحها. د - وتصحُّ الوَصِيَّة للمساجد، والقناطر، ونحوها، وتُصْرَف في مصالحها؛ لأنَّه العُرْف، كما في الوَقْف عليها. ويبدأُ النَّاظِرُ بالأَهَمِّ والأَصْلَح باجتهادٍ. هـ- وتصحُّ الوصيَّة لله ورسوله، وتُصْرَف في المصالح العامَّة؛ كالفَيْء. و - ويصحُّ أن يوصِي ببناءِ ما يسكنه المُجتازُ -من يمرُّ بك مسافراً- من ذمِّيٍّ وحَرْبيٍّ؛ لأنَّ بناء مساكنهم ليس بمعصيةٍ. ثانياً: من لا تصحُّ الوصيَّة له: أ - لا تصحُّ الوصيَّة لكنيسةٍ، أو لبَيْتِ نارٍ، أو مكانٍ من أماكن الكُفْر، سواء كان المُوصِي مُسلماً أو كافراً -ولو ذمِّيًا-؛ ولا لحُصُرِها، وقَنادِيلِها؛ لأنَّ ذلك إعانةٌ على معصيةٍ. ب- ولا تصحُّ الوصيَّة لكَتْب التَّوراة والإنجيل؛ لأنَّهما منسوخان، والاشتغال بهما غير جائز؛ لما فيهما من التغيير والتبديل. ج- ولا تصحُّ الوصيَّةُ لمُبْهَمٍ؛ كأن يقول: «أوصيتُ لأحَدِ هذين»، أو «أحد هذين المسْجِدَين»؛ فتعيينه شرطٌ لصحَّتها، وإذا فُقِدَ الشرط فُقِدَ المشروط؛ كما في البيع على مُبْهَمٍ؛ بجامع الغَرَر والجَهْل. فإن كانت هناك قرينةٌ أنَّه أراد معيَّناً منهما، صحَّت الوصيَّة.

стр. 767

د - ولا تصحُّ الوصيَّة لمعدومٍ؛ كأن يوصي لحملٍ غير موجودٍ؛ لأنَّ الوصيَّة تمليكٌ، فلا تصحُّ لمعدوم. هـ- ولا تصحُّ الوصيَّةُ لمن لا يملك؛ كما لو وصَّى لمَلَكٍ، أو لجنِّيٍّ، أو لحائطٍ؛ لأنَّهم لا يملكون، أشبه ما لو وصَّى لحجر. فإن أوصى لمن يملك ومن لا يملك؛ كأن يوصِي لإنسانٍ وجانٍّ؛ ذهب الموصَى به كلُّه لمن يملك؛ لأنَّ من أَشْرَكَهُ معه لا يَملِكُ؛ فلم يصحُّ التَّشْريكُ. أمَّا لو أَوْصَى لحَيٍّ ومَيِّت، كان للحَيِّ النصف فقط من المُوصَى به؛ لأنَّه أضاف الوصيَّة إليهما؛ فإن لم يكن أحدُهما أهلًا للتمليك، بَطَلَت الوصيَّة في نصيبه دون نصيب الحيِّ، لخُلُوِّه عن المعارض؛ كما لو كانت لحيَّيْن، فمات أحدهما.

стр. 768

باب المُوصَى به أوَّلًا: الأشياءُ التي تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بها: أ - تَصِحُّ الوصيَّة بما لا يَصِحُّ بيعُه لعدم القُدْرَةِ على تَسْلِيمِهِ، ومن ذلك: ١) الوصيَّة بالعبد الآبِقِ، والشَّارِدِ من الدوابِّ، والمَغْصوبِ، وبالطَّيْر في الهواء؛ لأنَّ الوصيَّة تجري مجرى الإرث، وما يعجز عن تسليمه يورث عن الميِّت. ولأنَّ الوصيَّة بالمعدوم تصحُّ -كما سيأتي-، فهذه أَوْلَى. ٢) الوصيَّة بالحَمْلِ في البَطْنِ، سواء كان الحَمْل حَمْلَ بهيمةٍ أو أَمَةٍ، تحقَّقَ وجودُه حين الوصيَّة؛ لجريانها مجرَى الإرث. ٣) الوصيَّة باللَّبَنِ في الضَّرْع، والسَّمك في اللُّجَّةِ. وللمُوصَى له -في جميع ما سبق- السعي في تحصيله؛ فإنْ قدر عليه أخذه إن خرج من الثُّلُث. ب- تَصِحُّ الوصيَّة بالمعدوم؛ كأن يُوصِي بما ستَحمِلُ شجرَتُه أبداً، أو بما ستحمِلُ مُدَّةً مُعيَّنةً معلومةً، كسَنَةٍ أو سنتين؛ لأنَّه يجوز ملك المعدوم بالسَّلَم، والمضاربة، والمساقاة، فجاز ملكه بالوصيَّة. فإن حصل شيءٌ ممَّا وصَّى به من المعدوم؛ فللمُوصَى له بمقتضى الوصيَّة؛ وإن لم يحصلُ شيءٌ من ذلك؛ بطلت الوصيَّة؛ لأنَّها لم تُصادف محلًّا. ج- تصحُّ الوصيَّة بغير مالٍ؛ ككَلْبٍ مباحِ النَّفْع؛ وهو كَلْب صيدٍ، أو

стр. 769

ماشيةٍ، أو حَرْثٍ، أو زرعٍ، أو جروِ يُربَّى لما يُباح اقتناؤه له؛ لأنَّ فيه نفعاً مباحاً، وتُقرُّ اليدُ عليه. ويُستثنى من ذلك الكَلْب الأسود البهيم؛ لأنَّه لا يُباح صيده ولا اقتناؤه. د - تصحُّ الوصيَّة بالمنفعة المُفرَدَةِ عن الرَّقَبَة؛ كأُجْرة الدَّار، وخِدْمة العَبْد، وثَمَرة البستانٍ، ونحو ذلك؛ لأنَّه يصحُّ تمليكُها بعَقْدِ المعاوضة؛ فصحَّت الوصيَّة بها كالأعيان، سواء وصَّى بذلك مدَّةً معلومةً كسَنَةٍ، أو وصَّى بجميع الثَّمَرةِ والمنفعة في الزمان كُلِّه؛ لأنَّ غايته جهالة القَدْر، وجهالته لا تقدَحُ. ولو قال: «وَصَّيتُ بمنافعه» وأطلق؛ أفاد التأبيد أيضاً؛ لوجود الإضافة المُعمِّمَة. هـ- تصحُّ الوصيَّة بالمُبْهَم؛ كثوبٍ، ويُعطَى المُوصَى له ما يقع عليه اسم الثوب؛ لأنَّه اليقين، فيكون كالإقرار، سواء كان منسوجاً من حريرٍ، أو كتَّانٍ أو قُطْنٍ، أو صوفٍ، أو شَعْرٍ، ونحوه، مصبوغاً أو لا، صغيراً أو كبيراً، لأنَّها إذا صحَّت بالمعدوم فالمجهول أَوْلَى. ثانياً: الاختلافُ في الموصَى به بين العُرْف واللُّغة: إن اختلف الاسم المُوصَى به بين العُرْف والحقيقة اللُّغويَّة؛ تُغلَّب الحقيقة اللُّغويَّة على العُرْف؛ لأنَّها الأصل؛ ولهذا يُحمَلُ عليها كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ .

стр. 770

فلو أوصَى بشاةٍ، أو بقرةٍ، أو بعيرٍ، فهو يَصدُقُ على الذَّكر والأُنثى من صغيرٍ وكبيرٍ. ولو أوصَى بناقةٍ، أو نعجةٍ، فهو يَصدُقُ على أُنثى البعير، وأُنثى الضأن.

стр. 771

باب الموصَى إليه (أحكام الناظر على الوصيَّة) أوَّلًا: تعريفُ المُوصَى إليه: الموصَى إليه: هو المأذون له بالتَّصرُّف بعد الموت في المال وغيره؛ ممَّا للمُوصِي التصرُّف فيه حال الحياة، وتَدْخُلُه النِّيابةُ؛ لأنَّ الموصَى إليه نائبٌ عن الموصِي في ذلك. ويُطلَق عليه: الناظِرُ على الوصيَّة. ثانياً: حُكْمُ قَبُول المُوصَى إليه النَّظَر عَلَى الوَصِيَّة: لا بأس بالدخول في الوصيَّة لمن قَوِيَ عليها ووَثِقَ من نفسه؛ لأنَّه قُرْبةٌ يُثابُ عليها، ولكونه من باب التعاون على البِرِّ والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولفعل الصحابة ﵃؛ فعن إسماعيل بن قَيْسٍ قال: (كَانَ أَبُو عُبَيْد عَبَرَ الفُرَاتِ فَأَوْصَى إلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) [رواه ابن أبي شيبة]. وعن هشام بن عروة عن أبيه: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ، وَالْمِقْدَادَ ابْنَ الأَسْوَدِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ عَوْفٍ، وَمُطِيعَ بْنَ الأَسْوَدِ، أَوْصَوا إلَى الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ. قَالَ: وَأَوْصَى إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) [رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»]. إلَّا أنَّ عَدَم الدُّخول فيها أَوْلَى، لا سيَّما في هذه الأزمنة؛ لما فيها من الخَطَر.

стр. 772

ثالثاً: الألفاظُ التي تَنعَقِدُ الوصيَّة بها للمُوصَى إليه: تنعقدُ الوصيَّة بقول الموصي: «فَوَّضْتُ، أو أوصيتُ إليك، أو إلى زيدٍ بكذا»، أو «هو وَصِيِّي»، أو «جَعلْتُكَ وصيِّي»، أو «جَعلْتُك وصيِّي على كذا»، ونحو ذلك؛ فمتى قَبِلَ صار وصيًّا. ولو تَصرَّف مُوصَى إليه قبل القبول قام مقام القبول. رابعاً: مَنْ تصحُّ الوَصِيَّةُ إليهم: أ - أجمع العلماء على أنَّه تصحُّ وصيَّة المسلم إلى كُلِّ مسلمٍ: ١) مُكَلَّفٍ؛ فلا تصحُّ الوصيَّة إلى مجنونٍ، أو طفلٍ، أو مُراهِقٍ، أو أَبْلَه؛ لأنَّهم ليسوا أهلًا للتصرُّفٍ في أموالهم، فلا يلون على غيرهم. ٢) رَشيدٍ؛ فلا تصحُّ إلى سَفيهٍ؛ لأنَّه لا يصحُّ توكيله. ٣) عَدْلٍ، ولو كان مستوراً ظاهرَ العَدالة؛ لأنَّه أهلٌ للائتمان. - وتصحُّ أن تكون الوصيَّة إلى الأعمى والعاجز؛ لأنَّهما من أهل الشهادة والتصرُّف والأمانة، فأشبها البصير. ويُضَمُّ إليه قويٌّ أمينٌ مُعاوِنٌ، ولا تُزالُ يدُه عن المال ولا نظره، ويكون الأوَّل -وهو الأعمى أو العاجزُ- هو الوَصِيُّ دون الثاني؛ لأنَّ التصرُّف للأوَّل وحده وهو الوَصِيُّ؛ والثاني هو المُعِينُ. - وتصحُّ الوصيَّة إلى المرأة؛ لما روى ابن عمر ﵄ (أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) [رواه الدارمي]؛ ولأنَّ المرأة من أهل الشهادة؛

стр. 773

فيصحُّ الإيصاء لها كالرَّجُل. ب- وتصحُّ الوصيَّة من كافرٍ إلى كافرٍ عَدْلٍ في دِينِه؛ لأنَّه يَلِي على غيره بالنَّسَبِ؛ فيَلِي بالوصيَّة كالمسلم. خامساً: مَحلُّ اعتِبارِ صِفاتِ المُوصَى إليه: أ - يُعتبر في الموصَى إليه وجودُ صفاتِ: الإسلام، والتَّكليف، والرُّشد، والعَدالَة عند صدور الوصيَّة؛ لأنَّها شروطٌ للعَقْد فاعتُبِرَت حال وجوده. ب- ويُعتبر وجود هذه الصِّفات كذلك عند موت المُوصِي؛ لأنَّ الموصَى إليه إنَّما يتصرَّف بعد موت المَوصِي؛ فاعتبر وجودها عنده. سادساً: أحكامُ قَبولِ الوَصِيَّة: أ - للموصَى إليه أن يقبل الإيصاء إليه في حال حياة المُوصِي؛ لأنَّه إذْنٌ في التصرُّف؛ فصَحَّ قَبولُه بعد العقد؛ كالوكالة؛ بخلاف الوصيَّة بالمال؛ فإنَّها تمليكٌ في وقتٍ؛ فلم يصحَّ القَبول قَبْلَ الوقت. ب- ويصحُّ القَبول أيضاً بعد موت المُوصِي؛ لأنَّها نوعُ وَصِيَّةٍ؛ فصَحَّ قَبولها كوصيَّة المال؛ فمتى قَبِلَ؛ صار وَصِيًّا؛ ويقوم فِعْلُ التصرُّف مقام اللَّفظ، كما في الوكالة. ج- للمُوصَى إليه أن يَعزِلَ نفسَه متى شاء؛ مع القُدْرة والعَجْز، في حياة المُوصِي وبعد موته؛ وفي حُضورِه وغَيْبَتِه؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذْن كالوكيل.

стр. 774

سابعاً: شُروطُ صِحَّة الوَصِيَّةِ للمُوصى إليه: يُشترط لصحَّة الوصيَّة للمُوصَى إليه ما يلي: أ - أن تكون الوصيَّة في شيءٍ معلومٍ؛ ليَعلَمَ الموصَى إليه ما وُصِّي به إليه ليحفظَهُ، ويتصرَّفَ فيه كما أمر. ب- أن يَملِكَ المُوصِي فِعْلَ ما أوصَى به؛ لأنَّه أصيلٌ، والوَصِيُّ فَرْعُه، ولا يملِكُ الفَرْعُ ما لا يملِكُه الأصلُ. وذلك مثل: قضاء الدَّيْن، وتفريق الوصيَّة، وردِّ الحقوق إلى أهلها؛ كغَصْبٍ، وعاريةٍ، وأمانةٍ. ثامناً: تَعليقُ الوَصِيَّةِ وتأْقِيتُها: أ - تصحُّ الوصيَّة للمُوصَى إليه مُعلَّقةً؛ كقوله: «إذا بَلَغَ، أو حَضَرَ، أو رَشَدَ، أو تاب من فِسقِه، أو صَحَّ من مَرضِه، أو اشتغل بالعِلْم، أو صالَح أُمَّهُ، أو أصبح راشداً؛ فهو وَصِيِّي»؛ أو أن يقول: «إن مات زيدٌ فعمرٌو مكانه»، وتُسمَّى الوصِيَّة لمنتَظَرٍ. ب- وتصحُّ الوصيَّة مؤقَّتةً؛ كأن يقول: «زيدٌ وصِيِّي سَنةً، ثمَّ عمرٌو وَصِيٌّ بعده»؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ فَاسْتَعْمَلَ زَيْدًا، فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ) [رواه أحمد]. والوصيَّة كالتأمير. ج- يجوز أن يُوصِي إلى نَفْسَين؛ لما روى عامر بن عبد الله بن الزُّبير قال:

стр. 775

«أَوْصَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَكَتَبَ: إِنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللّاهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَإِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ» [رواه البيهقي]. وإن وَصَّى إلى رَجُلٍ وبَعدَهُ إلى آخر فهما وَصيَّان، إلَّا أنْ يَعْزِلَ الأوَّل، وليس لأحدهما الانفرادُ بالتصرُّف إلَّا أن يجعل ذلك إليه. د - ليس للموصَى إليه أن يُوصِيَ إلَّا إنْ جعل الموصِي له ذلك؛ فيملكُه كالوكيل، وذلك نحو أن يقول: «أَذِنْتُ لكَ أن تُوصِيَ إلى من شِئتَ». تاسعاً: ما لا تَصِحُّ الوصِيَّة فيه: أ - لا تصحُّ الوصيَّةُ باستيفاء الدَّين مع رُشْدِ وارثه وبلوغه؛ لأنَّ المال انتقل عن الميِّت إلى ورثته الذين لا ولاية له عليهم؛ فلم تَصِحَّ الوصيَّة باستيفائه. ب- لا تصحُّ وصيَّةُ الرَّجُل بالنَّظر على بالغٍ عاقلٍ رشيدٍ؛ لعدم ولاية المُوصِي حال الحياة، فلا يكون ذلك لوصيِّه بعد الممات. عاشراً: التصرُّف بالوصَيَّة المأذونِ بها: من وُصِّيَ في شيءٍ لم يَصِرْ وَصيًّا في غيره؛ لأنَّه استفاد التصرُّفَ بالإذن، فكان مقصوراً على ما أُذِنَ له فيه؛ كالوكيل. مثاله: إذا أَوصَى زَيْدٌ بَكْراً في تعليم أولاده الصِّغار -مثلًا-: فلا يكون بَكْرٌ وَصيًّا في التصرُّف في أمواله.
следующие страницы →