باب الموصَى إليه
(أحكام الناظر على الوصيَّة)
أوَّلًا: تعريفُ المُوصَى إليه:
الموصَى إليه: هو المأذون له بالتَّصرُّف بعد الموت في المال وغيره؛ ممَّا للمُوصِي التصرُّف فيه حال الحياة، وتَدْخُلُه النِّيابةُ؛ لأنَّ الموصَى إليه نائبٌ عن الموصِي في ذلك. ويُطلَق عليه: الناظِرُ على الوصيَّة.
ثانياً: حُكْمُ قَبُول المُوصَى إليه النَّظَر عَلَى الوَصِيَّة:
لا بأس بالدخول في الوصيَّة لمن قَوِيَ عليها ووَثِقَ من نفسه؛ لأنَّه قُرْبةٌ يُثابُ عليها، ولكونه من باب التعاون على البِرِّ والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولفعل الصحابة ﵃؛ فعن إسماعيل بن قَيْسٍ قال: (كَانَ أَبُو عُبَيْد عَبَرَ الفُرَاتِ فَأَوْصَى إلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) [رواه ابن أبي شيبة].
وعن هشام بن عروة عن أبيه: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ، وَالْمِقْدَادَ ابْنَ الأَسْوَدِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ عَوْفٍ، وَمُطِيعَ بْنَ الأَسْوَدِ، أَوْصَوا إلَى الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ. قَالَ: وَأَوْصَى إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) [رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»].
إلَّا أنَّ عَدَم الدُّخول فيها أَوْلَى، لا سيَّما في هذه الأزمنة؛ لما فيها من الخَطَر.
стр. 772
ثالثاً: الألفاظُ التي تَنعَقِدُ الوصيَّة بها للمُوصَى إليه:
تنعقدُ الوصيَّة بقول الموصي: «فَوَّضْتُ، أو أوصيتُ إليك، أو إلى زيدٍ بكذا»، أو «هو وَصِيِّي»، أو «جَعلْتُكَ وصيِّي»، أو «جَعلْتُك وصيِّي على كذا»، ونحو ذلك؛ فمتى قَبِلَ صار وصيًّا. ولو تَصرَّف مُوصَى إليه قبل القبول قام مقام القبول.
رابعاً: مَنْ تصحُّ الوَصِيَّةُ إليهم:
أ - أجمع العلماء على أنَّه تصحُّ وصيَّة المسلم إلى كُلِّ مسلمٍ:
١) مُكَلَّفٍ؛ فلا تصحُّ الوصيَّة إلى مجنونٍ، أو طفلٍ، أو مُراهِقٍ، أو أَبْلَه؛ لأنَّهم ليسوا أهلًا للتصرُّفٍ في أموالهم، فلا يلون على غيرهم.
٢) رَشيدٍ؛ فلا تصحُّ إلى سَفيهٍ؛ لأنَّه لا يصحُّ توكيله.
٣) عَدْلٍ، ولو كان مستوراً ظاهرَ العَدالة؛ لأنَّه أهلٌ للائتمان.
- وتصحُّ أن تكون الوصيَّة إلى الأعمى والعاجز؛ لأنَّهما من أهل الشهادة
والتصرُّف والأمانة، فأشبها البصير.
ويُضَمُّ إليه قويٌّ أمينٌ مُعاوِنٌ، ولا تُزالُ يدُه عن المال ولا نظره، ويكون الأوَّل -وهو الأعمى أو العاجزُ- هو الوَصِيُّ دون الثاني؛ لأنَّ التصرُّف للأوَّل وحده وهو الوَصِيُّ؛ والثاني هو المُعِينُ.
- وتصحُّ الوصيَّة إلى المرأة؛ لما روى ابن عمر ﵄ (أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) [رواه الدارمي]؛ ولأنَّ المرأة من أهل الشهادة؛
стр. 773
فيصحُّ الإيصاء لها كالرَّجُل.
ب- وتصحُّ الوصيَّة من كافرٍ إلى كافرٍ عَدْلٍ في دِينِه؛ لأنَّه يَلِي على غيره بالنَّسَبِ؛ فيَلِي بالوصيَّة كالمسلم.
خامساً: مَحلُّ اعتِبارِ صِفاتِ المُوصَى إليه:
أ - يُعتبر في الموصَى إليه وجودُ صفاتِ: الإسلام، والتَّكليف، والرُّشد، والعَدالَة عند صدور الوصيَّة؛ لأنَّها شروطٌ للعَقْد فاعتُبِرَت حال وجوده.
ب- ويُعتبر وجود هذه الصِّفات كذلك عند موت المُوصِي؛ لأنَّ الموصَى إليه إنَّما يتصرَّف بعد موت المَوصِي؛ فاعتبر وجودها عنده.
سادساً: أحكامُ قَبولِ الوَصِيَّة:
أ - للموصَى إليه أن يقبل الإيصاء إليه في حال حياة المُوصِي؛ لأنَّه إذْنٌ في التصرُّف؛ فصَحَّ قَبولُه بعد العقد؛ كالوكالة؛ بخلاف الوصيَّة بالمال؛ فإنَّها تمليكٌ في وقتٍ؛ فلم يصحَّ القَبول قَبْلَ الوقت.
ب- ويصحُّ القَبول أيضاً بعد موت المُوصِي؛ لأنَّها نوعُ وَصِيَّةٍ؛ فصَحَّ قَبولها كوصيَّة المال؛ فمتى قَبِلَ؛ صار وَصِيًّا؛ ويقوم فِعْلُ التصرُّف مقام اللَّفظ، كما في الوكالة.
ج- للمُوصَى إليه أن يَعزِلَ نفسَه متى شاء؛ مع القُدْرة والعَجْز، في حياة المُوصِي وبعد موته؛ وفي حُضورِه وغَيْبَتِه؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذْن كالوكيل.
стр. 774
سابعاً: شُروطُ صِحَّة الوَصِيَّةِ للمُوصى إليه:
يُشترط لصحَّة الوصيَّة للمُوصَى إليه ما يلي:
أ - أن تكون الوصيَّة في شيءٍ معلومٍ؛ ليَعلَمَ الموصَى إليه ما وُصِّي به إليه ليحفظَهُ، ويتصرَّفَ فيه كما أمر.
ب- أن يَملِكَ المُوصِي فِعْلَ ما أوصَى به؛ لأنَّه أصيلٌ، والوَصِيُّ فَرْعُه، ولا يملِكُ الفَرْعُ ما لا يملِكُه الأصلُ. وذلك مثل: قضاء الدَّيْن، وتفريق الوصيَّة، وردِّ الحقوق إلى أهلها؛ كغَصْبٍ، وعاريةٍ، وأمانةٍ.
ثامناً: تَعليقُ الوَصِيَّةِ وتأْقِيتُها:
أ - تصحُّ الوصيَّة للمُوصَى إليه مُعلَّقةً؛ كقوله: «إذا بَلَغَ، أو حَضَرَ، أو رَشَدَ، أو تاب من فِسقِه، أو صَحَّ من مَرضِه، أو اشتغل بالعِلْم، أو صالَح أُمَّهُ، أو أصبح راشداً؛ فهو وَصِيِّي»؛ أو أن يقول: «إن مات زيدٌ فعمرٌو مكانه»، وتُسمَّى الوصِيَّة لمنتَظَرٍ.
ب- وتصحُّ الوصيَّة مؤقَّتةً؛ كأن يقول: «زيدٌ وصِيِّي سَنةً، ثمَّ عمرٌو وَصِيٌّ بعده»؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄ قال: (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ فَاسْتَعْمَلَ زَيْدًا، فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ) [رواه أحمد]. والوصيَّة كالتأمير.
ج- يجوز أن يُوصِي إلى نَفْسَين؛ لما روى عامر بن عبد الله بن الزُّبير قال:
стр. 775
«أَوْصَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَكَتَبَ: إِنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللّاهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَإِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ» [رواه البيهقي].
وإن وَصَّى إلى رَجُلٍ وبَعدَهُ إلى آخر فهما وَصيَّان، إلَّا أنْ يَعْزِلَ الأوَّل، وليس لأحدهما الانفرادُ بالتصرُّف إلَّا أن يجعل ذلك إليه.
د - ليس للموصَى إليه أن يُوصِيَ إلَّا إنْ جعل الموصِي له ذلك؛ فيملكُه كالوكيل، وذلك نحو أن يقول: «أَذِنْتُ لكَ أن تُوصِيَ إلى من شِئتَ».
تاسعاً: ما لا تَصِحُّ الوصِيَّة فيه:
أ - لا تصحُّ الوصيَّةُ باستيفاء الدَّين مع رُشْدِ وارثه وبلوغه؛ لأنَّ المال انتقل عن الميِّت إلى ورثته الذين لا ولاية له عليهم؛ فلم تَصِحَّ الوصيَّة باستيفائه.
ب- لا تصحُّ وصيَّةُ الرَّجُل بالنَّظر على بالغٍ عاقلٍ رشيدٍ؛ لعدم ولاية المُوصِي حال الحياة، فلا يكون ذلك لوصيِّه بعد الممات.
عاشراً: التصرُّف بالوصَيَّة المأذونِ بها:
من وُصِّيَ في شيءٍ لم يَصِرْ وَصيًّا في غيره؛ لأنَّه استفاد التصرُّفَ بالإذن، فكان مقصوراً على ما أُذِنَ له فيه؛ كالوكيل.
مثاله: إذا أَوصَى زَيْدٌ بَكْراً في تعليم أولاده الصِّغار -مثلًا-: فلا يكون بَكْرٌ وَصيًّا في التصرُّف في أمواله.
стр. 776
كتاب الفرائض
أوَّلًا: تَعريفُ الفَرائِضِ:
الفَرائضُ لُغةً: جَمْعُ فَريضَةٍ، اسمُ مَصْدَرٍ مِنْ فَرَضَ وَأَفْرَضَ، بمعنى التقدير؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أي: قدَّرْتُم. ويأتي بمعنى القَطْع؛ كما في قوله سبحانه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
واصطلاحاً: هو العِلْمُ بقِسْمَةِ المَوَاريثِ؛ أي فقه المواريث، ومعرفة الحساب المُوصِلِ إلى قِسمَتِها بين مُستَحِقِّيها.
والمواريث: جمع ميراث، وهو المال المُخَلَّف عن الميِّت. وتُسمَّى التَّرِكَة.
ثانياً: مشروعيَّةُ الفَرائِض وحُكْمها:
تعلُّم الفرائض والمواريث من فروض الكفايات؛ وقد تولَّى الله بيانها بنفسه، وقسَّمها بين الورثة على مقتضى العدل والرحمة والمصلحة. وقد ثبتت مشروعيَّتها بالكتاب العزيز، والسنَّة المطهَّرة، والإجماع.
- فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وآيات المواريث الأخرى في سورة النساء.
- ومن السُّنَّة: ما روى ابن عبَّاس ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) [رواه البخاري، ومسلم].
стр. 777
- وقد أجمع العلماء -في الجملة- على مشروعيَّة الفرائض؛ فإنَّ كثيراً من مسائله هي محلُّ إجماع بين العلماء.
ثالثاً: الحُقوقُ المتعلِّقة بالتَّرِكَة:
يتعلَّق بالتركة أربعة حقوق، تنفَّذ مرتَّبة -إن وجدت- على النحو التالي:
أ - مُؤْنَةُ تجهيز الميِّت: وهي كلُّ ما يُحتاج للميِّت من ثَمَن الكَفَن والحَنوط، وأُجْرَة المُغَسِّل وحافر القَبْر، ونحو ذلك ممَّا يُجهَّز به الميِّت؛ فيُشترَى من صُلْب ماله -بالمعروف- من غير إسراف ولا إنفاق في ما لم يَشْرعه الله تعالى، سواء تعلَّق بماله حقُّ رهنٍ، أو أَرْشُ جناية، أو لم يتعلَّق به شيءٌ من ذلك.
ب- قضاءُ دُيون الميِّت: إذا بقي من مال الميِّت شيءٌ بعد تجهيزه بالمعروف، تُقْضَى دُيونه، سواء وَصَّى بها أو لم يُوْصِ. وهي نوعان:
الأوَّل: ما تعلَّق بعين التركة؛ كدينٍ برَهْنٍ، وأَرْش جِنايةٍ، فيبدأ بها أوَّلًا.
الثاني: الدُّيون المُرسَلَة في الذِّمَّة؛ سواء كانت الدُّيون لله تعالى؛ كزكاة المال، وصدقة الفطر، والكفَّارات، والحجِّ الواجب، والنَّذْر. أو كانت للآدميِّين؛ كالقَرْض، والأُجْرة، وثَمَن المَبيع، ومَهْر الزَّوجة، ونحو ذلك.
ج- تنفيذُ وَصايا الميِّت: إذا بقي بعد قضاء الدُّيون شيءٌ وللميِّت وصايا، أُنْفِذت وصاياه لغير وارثٍ من ثُلُث المتبقِّي، إلَّا أن يُجيز الوَرَثة ما زاد على الثُّلُث، فتنفذ.
стр. 778
د - تقسيمُ التَّركة على الوَرَثة: إذا بقي بعد تنفيذ الوصايا شيءٌ من المال؛ فإنَّه يُقسَّم بين الوَرَثة بحسب أنصبتهم الشرعيَّة؛ لقوله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
стр. 779
فصل أركان الإرث وأسبابه وموانعه
أوَّلًا: أرْكانُ الإِرْثِ:
أركانُ الإرْث ثلاثةٌ:
الأوَّل: المُوَرِّثُ: وهو الميِّت تحقيقاً أو حُكماً أو تقديراً، وترك أموالًا أو حقوقاً له على غيره.
الثاني: الوَارِثُ: وهو الحيُّ عند موت المورِّث تحقيقاً أو تقديراً، ويرتبط بالمورِّث بسبب واحد أو أكثر من أسباب الإرث.
الثالث: المَوْرُوثُ: وهو ما يتركُه الميِّت من مال عَيْناً أو حقًّا له على غيره.
ثانياً: شُروطُ الإِرْث:
شروط الإرْث ثلاثةٌ:
الأوَّل: تحقُّق موت الموَرِّث؛ حقيقةً: بمشاهدةٍ، أو شهادة عَدْلين، أو خبرٍ مستفيض.
أو حُكْماً: كالمفقود الذي حُكِمَ بموته، أو تقديراً؛ كالجنين إذا سقط ميِّتاً بسبب جنايةٍ على أُمِّه؛ فتُقَدَّر حياتُه وإن لم تتحقَّق بعدُ، ويرثُ وَرَثَتُه الدِّية.
الثاني: تحقُّق حياة الوارث بعد موت مُورِّثه؛ حقيقةً: بمشاهدةٍ، أو شهادة عَدْلَين، أو خبرٍ مستفيضٍ.
стр. 780
أو تقديراً: كالحَمْل، ولو كانت حياته للحظة.
الثالث: العِلْمُ بمقتضى الإرْث؛ وذلك بمعرفة سبب الإرْث، وتعيين جهة القَرابة ودرجتها، وقوَّتها.
ثالثاً: أسبابُ الإِرْثِ:
أسبابُ الإرْث ثلاثةٌ:
أ - النَّسَبُ: أي القرابة؛ وهي صِلةٌ بين اثنين سببُها ولادةٌ قريبةٌ أو بعيدةٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وجهاتُ النَّسَب ثلاثة:
١) الأُصول: وهم من ينتمي إليهم الشخص بولادتهم إيَّاه. وهم الآباء والأمَّهات، والأجداد والجدَّات وإن علوا.
٢) الفُروع: وهم من ينتمون إلى الشخص بولادته إيَّاهم. وهم: أولاده
-ذكوراً وإناثاً-، وأولاد بنيه وإن نزلوا.
٣) الحَواشي: وهم من ينتمون إلى أبوي الشخص وأجداده؛ وهم الإخوة والأخوات الأشقَّاء، أو لأب، أو لأم، وبنو الإخوة الأشقَّاء أو لأب وإن نزلوا، والأعمام الأشقَّاء أو لأب وإن علوا، وبنوهم وإن نزلوا.
ب- النِّكاح الصحيح: وهو عقد الزوجيَّة الصحيح، ولو لم يحصل بعده وطءٌ ولا خَلْوَةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، وقوله:
стр. 781
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. فلا توارث في نكاحٍ باطلٍ، أو فاسِدٍ.
ج- الوَلَاء: وهو عُصوبةٌ سببُها نعمةُ المُعتِق على رَقيقه بالعِتْق؛ لما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ) [رواه ابن حبَّان، والحاكم]، فشبَّه الولاء بالنَّسَب، والنَّسبُ يورث به، فكذا الولاء.
ويُورَثُ بالولاء من جانبٍ واحدٍ؛ فيَرثُ المُعتِقُ عَتيقَه دون العكس.
رابعاً: موانعُ الإِرْثِ:
موانع الإرْث ثلاثة:
أ - القَتْل: وهو إزهاقُ الوارث -ولو غير مُكَلَّفٍ- روح مورِّثه بغير حقٍّ؛ وهو كلُّ ما يوجب القصاص، أو الدِّية، أو الكفَّارة؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الِميرَاثِ شَيْءٌ) [رواه النسائي في «الكبرى»، والدارقطني]. فلا فَرْق في القَتْل المانع من الميراث بين العَمْد، أو شِبْه العَمْد، أو الخَطَأ.
ب- الرِّقُّ: وهو وَصْفٌ يكون به الشخص مملوكاً؛ فالرقيق مِلْكٌ لسيِّده، ولهذا ليس له ميراثٌ بالإجماع. ولا فرق بين القِنِّ، والمُكاتَب، والمُدَبَّر.
ج- اختلافُ الدِّين: وهو أن يكون دِينُ الوارث غير دِينِ المُوَرِّث؛ كأنْ
стр. 782
يكون أحدُهما مسلماً والآخرُ كافراً، أو أحدُهما يهوديًّا والآخرُ نصرانيًّا، لما جاء في حديث أُسامة بن زَيْد ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ) [رواه البخاري، ومسلم]، وعن عمرو بن العاص ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى) [رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه].
خامساً: المُجْمَعُ على تَوْريثِهِم:
أ - المُجْمَعُ على توريثهم من الذُّكور عَشَرَةٌ:
١) الابن؛ لقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
٢) ابن الابن وإن نزل بمحض الذكورة؛ للآية السابقة.
٣) الأب؛ لقوله : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
٤) أب الأب وإن علا بمحض الذُّكورة؛ للآية السابقة.
٥) الأخ لأبوين، أو لأب، أو لأمٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
٦) ابن الأخ لأبوين، أو لأب بمحض الذُّكورة؛ لأنَّهما عَصَبَةٌ.
٧) العمُّ لا من جهة الأُمِّ؛ لحديث: (أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ
فصل
أنواع الورثة
أوَّلًا: أقسامُ الوَرَثَة باعتبار أنواعِ الإِرْثِ:
ينقسمُ الورثة باعتبار أنواع الإرث إلى ثلاثة أقسام:
أ - أصحابُ الفُروض: وهم الذين يَرِثُون نصيباً مقدَّراً شرعاً، لا يزيد إلَّا بالردِّ، ولا ينقص إلَّا بالعَوْل.
ب- العَصَبَاتُ: وهم الذين يَرِثُون بلا تقدير.
ج- ذوو الأَرْحام: وهم الذين يَرِثُون عندما لا يوجد صاحب فَرْضٍ -غير الزوجين-، ولا يوجد عَصَبَة.
ثانياً: أقسامُ الوَرَثَة باعتبارِ الفَرْض والتَّعْصيب:
ينقسمُ الورثة باعتبار الفَرْض والتَّعْصيب إلى ثلاثة أقسام:
أ - من يرث بالفَرْض فقط، وهم خمسة:
١) الزوج ٢) الزوجة ٣) الأمُّ
٤) الجدَّة ٥) الإخوة من الأمِّ.
ب- الوارثون بالتَّعْصيب فقط، وهم اثنا عشر:
١) الابن ٢) ابن الابن ٣) الأخ لأبوين
٤) الأخ لأب ٥) ابن الأخ لأبوين ٦) ابن الأخ لأب
стр. 786
٧) العم الشقيق ٨) العم لأب ٩) ابن العم الشقيق
١٠) ابن العم لأب ١١) المُعتِق ١٢) المُعتِقة.
ج- الوارثون بالفَرْض تارةً، وبالتَّعْصيب تارة، ويرثون بهما معاً تارة أخرى، وهم اثنان:
١) الأب ٢) أبو الأب
د - الوارثون بالفَرْض تارة، وبالتَّعْصيب تارة، ولا يرثون بهما معاً، وهم أربعة:
١) البنت فأكثر ٢) بنت الابن فأكثر
٣) الأخت لأبوين فأكثر ٤) الأخت من الأب فأكثر.
ثالثاً: أصحابُ الفُروض:
أصحاب الفروض عشرةٌ؛ هم:
١، ٢) الزوج، والزوجة.
٣، ٤) الأب، والأم.
٥، ٦) الجدُّ، والجدَّة مطلقاً.
٧، ٨) البنت، وبنت الابن.
٩، ١٠) الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم، والأخ من الأمِّ.
والفروض المقدَّرة ستَّةٌ؛ وهي:
стр. 787
أ - النِّصْف: وهو فَرْضٌ لخمسةٍ:
١) الزَّوج إذا لم يكن للزَّوجة فَرْعٌ وارثٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].
٢) البنت إذا لم يكن معها أختها، أو أخٌ لها يعصِّبها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].
٣) بنت الابن إذا لم يكن معها أختها، أو أخٌ لها يعصِّبها، وعدم الفَرْع الوارث الأعلى منها.
٤) الأخت الشَّقيقة مع عدم الفَرْع الوارث، وعدم الأصل الوارث، وعدم المشارك لها وهو أختها، وعدم المُعَصِّب لها وهو أخوها؛ قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].
٥) الأخت لأبٍ إذا لم يكن معها أصلٌ وارثٌ، ولا فَرْعٌ وارثٌ، ولا أخت تشاركها، ولا أخٌ يُعصِّبها، وعدم الإخوة الأشقَّاء؛ للآية السابقة.
ب- الرُّبُع: وهو فَرْضٌ لاثنين:
١) الزَّوج: إذا كان للزَّوجة فَرْعٌ وارثٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢].
٢) الزَّوجة فأكثر: عند عدم الفَرْع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].
стр. 788
ج- الثُّمُن: وهو فَرْضٌ للزَّوجة فأكثر إذا كان للزَّوج فَرْعٌ وارثٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢].
د - الثُّلُثان: وهو فَرْضٌ لأربعةٍ:
١) البِنْتان فأكثر إذا لم يكن معهما مُعصِّبٌ؛ وهو أخوهنَّ؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].
٢) بِنْتا الابن فأكثر مع عدم ولد الصُّلْب، وعدم المُعَصِّب وهو أخوهنَّ؛ لأنَّ بنات الابن كبنات الصُّلْب.
٣) الأُختان الشَّقيقتان فأكثر مع عدم الفَرْع الوارث، وعدم الأَصْل الوارث من الذُّكور، وعدم المُعَصِّب لهنَّ؛ وهو أخوهنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].
٤) الأُختان لأبٍ فأكثر مع عدم الأخ الشقيق، وعدم المُعَصِّب لهنَّ؛ وهو أخوهنَّ، وعدم الأَصْل الوارث من الذُّكور، وعدم الفَرْع الوارث؛ للآية السابقة؛ قال ابن قدامة: «والمراد بهذه الآية ولد الأبوين، أو ولد الأب بإجماع أهل العلم».
هـ- الثُّلُث: وهو فَرْضٌ لاثنين:
١) ولدا الأُمِّ فأكثر، سواء كانوا ذُكوراً أو إناثاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ
стр. 789
كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. قال البهوتي: «وقد أجمع العلماء على أنَّ المراد بالأخ والأخت هنا ولدُ الأمِّ».
٢) الأُمُّ: إذا لم يكن للميِّت فَرْعٌ وارثٌ، ولا جَمْعٌ من الإخوة والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
- وللأمِّ ثُلُث الباقي إذا كان للميِّت أبٌ وأمٌّ، مع أحد الزَّوجين؛ لقضاء عمر بن الخطَّاب ﵁؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: (إنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا سَلِكَ طَرِيقًا فَسَلِكْنَاهُ وَجَدْنَاهُ سَهْلًا، وَأَنَّهُ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ، فَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الرُّبْعُ، وَلِلأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَمَا بَقِيَ لِلأَبِ) [رواه ابن أبي شيبة].
وتُسمَّى: العُمَريَّتان أو الغَرَّاوان.
و - السُّدُس: وهو فَرْضٌ لسبعةٍ:
١) الأُمُّ مع وجود الفَرْع الوارث، أو جَمْعٍ من الإخوة والأخوات؛ قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
٢) الجدَّة فأكثر إلى ثلاثٍ (١) إن تساوين (٢)، مع عدم وجود الأمِّ؛ لما جاء في حديث قبيصة بن ذُؤيب أنَّه قال: (جَاءَتِ الجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، تَسْأَلُهُ
стр. 790
مِيرَاثَهَا؟ فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: (يَرِثُ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ: جَدَّتَانِ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ، وَجَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الأَبِ) [رواه ابن أبي شيبة].
٣) ولد الأمِّ الواحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. والمراد بالأخ والأخت هنا ولد الأمِّ بالإجماع.
٤) بنت الابن فأكثر مع بنت الصُّلْب؛ لما روى هُزَيْل بن شُرَحْبيل أنَّ ابن مسعودٍ ﵁ قال: (أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ : لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ) [رواه البخاري].
٥) الأخت لأب مع الأُخت الشقيقة؛ قياساً على بنت الابن مع بنت الصُّلْب.
стр. 791
٦) الأب مع الفَرْع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١].
٧) الجدُّ مع الفَرْع الوارث وعدم الأب؛ لأنَّه بمنزلة الأب.
ولا ينزل الأبُ والجدُّ عن السُّدُس بحالٍ؛ للآية السابقة.
стр. 792
فصل
أحكام الجدِّ مع الإخوة
أوَّلًا: المرادُ بالجدِّ والإخْوَة في هذه المسألة:
- يقصد بالجدِّ هنا: هو الجدُّ الصحيح أبو الأب وإن علا بمحض الذكورة.
- ويقصد بالإخوة هنا: الإخوة والأخوات الأشقَّاء، والإخوة من الأب. ولا يدخل الإخوة من الأمِّ؛ لأنَّهم محجوبون بالجدِّ اتِّفاقاً.
ثانياً: حالاتُ ميراثِ الجدِّ مع وجودِ الإخْوَة:
إذا اجتمع الجدُّ مع الإخوة في الميراث، فلا يخلو ميراث الجدِّ من حالين:
أحدهما: أن لا يكون معهم صاحب فَرْضٍ؛ فيخيَّر الجدُّ بين أحظِّ أمرين:
أ - مقاسمة الإخوة والأخوات كأنَّه واحدٌ منهم -للذَّكَر مثل حظِّ الأُنثيين-. وتكون هي الأحظَّ إذا كان الإخوة أقلَّ من مثلَي الجدِّ.
وتنحصر صُوَرُه في خَمْسٍ: (جدٌّ وأخٌ)، و (جدٌّ وأختٌ)، و (جدٌّ وأختان)، و (جدٌّ، وأخٌ، وأختٌ)، و (جدٌّ، وثلاث أخوات).
ب- أَخْذُ ثُلُث جميع المال. والباقي بين الإخوة للذَّكَر مثل حظِّ الأُنثيين. ويكون هو الأحظَّ إذا كان الإخوة أكثر من مِثْلَي الجدِّ؛ ومن صُوَرِها: (جدٌّ، وأربع إخوة)، و (جدٌّ، وعشرةُ إخوة)، وهكذا.
فإن كان الإخوة مِثْلَي الجدِّ، استوى له المقاسمة وثلثُ جميع التركة،
стр. 793
وتنحصر صورُهُ في ثلاث: (جدٌّ، وأخوان)، و (جدٌّ، وأربعُ أخوات)، و (جدٌّ، وأخٌ، وأختان).
الثاني: أن يكون معهم صاحب فَرْض؛ فيُخيَّر الجدُّ بين أحظِّ ثلاثة أمور:
أ - مقاسمة الإخوة والأخوات، كأنَّه أخٌ منهم. وتكون هي الأحظَّ في الصور التالية:
١) إذا كان الباقي بعد الفروض النِّصْف أو أكثر، وكان الإخوة أقلَّ من مِثْلَي الجدِّ. ومن صُوَرِها: (زوجةٌ، وجدٌّ، وأختٌ)، أو (بنتٌ، وجدٌّ، وأختٌ).
٢) إذا كان الباقي أقلَّ من النِّصْف وأكثرَ من الثُّلُث، والإخوة مثل الجدِّ أو أقلَّ. ومن صُوَرِها: (أمٌّ، وزوجةٌ، وجدٌّ، وأخٌ).
٣) إذا كان الباقي الثُّلُث، والإخوة أقلُّ من مِثْلَي الجدِّ. ومن صُوَرِها: (بنتان، وجدٌّ، وأختٌ).
ب- أَخْذُ ثُلُث الباقي من المال بعد صاحب الفَرْض. ويكون هو الأحظَّ إذا كان الباقي أكثر من النِّصْف، والإخوة أكثر من مِثْلَي الجدِّ. ومن صورها: (أمٌّ، وجدٌّ، وثلاثةُ إخوةٍ)، أو (زوجةٌ، وجدٌّ، وثلاثةُ إخوةٍ).
ج- أَخْذُ سُدُس جميع المال. ويكون هو الأحظَّ في الصور التالية:
١) إذا كان الباقي أقلَّ من النِّصْف وأكثر من الرُّبُع، والإخوة أكثر من مثل الجدِّ. ومن صورها: (بنتٌ، وأمٌّ، وجدٌّ، وأخٌ، وأختٌ)، أو (بنتُ ابنٍ،
стр. 794
وزوجةٌ، وجدٌّ، وثلاثُ أخواتٍ).
٢) إذا كان الباقي الرُّبُع فقط، والإخوة مثل الجدِّ أو أكثر. ومن صورها: (بنتٌ، وزوجٌ، وجدٌّ، وأخٌ).
٣) إذا كان الباقي أقلَّ من الرُّبُع؛ فيكون السُّدُس أحظَّ للجدِّ مطلقاً. ومن صورها: (بنتان، وزوجةٌ، وجدٌّ، وأختٌ).
- إذا لم يبق من المال -بعد أَخْذِ صاحب الفَرْض- إلَّا السُّدُس، أَخَذَه الجدُّ وسَقَط الإخوة، إلَّا فيما يُسمَّى بالمسألة الأَكْدَريَّة؛ وسقوط الإخوة لأنَّ أصحاب الفروض استغرقوا التركة؛ والجدُّ لا ينقصُ عن سُدُس جميع المال.
* المسألةُ الأَكْدَريَّة:
سُمِّيت الأكدريَّة؛ لأنَّها كَدَّرت أُصولَ زَيْدِ بن ثابتٍ ﵁ في الجدِّ؛ حيث أعالها، ولا عول عنده في مسائل الجدِّ والإخوة.
وصورتها: أن يجتمع من الوَرَثة: زوجٌ، وأمٌّ، وجدٌّ، وأخت (شقيقة أو لأب).
فيكون للزوج (النِّصْف)، وللأمِّ (الثُّلُث)، وللجدِّ (السُّدُس)، وللأخت (النِّصْف)، وتعول المسألة إلى (تسعة). ثمَّ يُجمعُ نصيبُ الجدِّ ونصيبُ الأخت، ويُقسَّم بينهما أثلاثاً؛ للجدِّ (ثُلُثان)، وللأُخت (ثُلُث).
ثمَّ نصحِّحُ المسألة بناءً على عدد رؤوس الجدِّ مع الأُخت، وهو (ثلاثة)، ثمَّ نضربُ المسألة كلَّها في (ثلاثة)؛ فتصحُّ المسألة من (سبع وعشرين)، ثمَّ نضرب
стр. 795
نصيب كلِّ وارثٍ في (ثلاثة).
الأصل … المصح
الوارث … الفروض … ٦ • ٩ … ٩×٣ = ٢٧
زوج … ١/ ٢ … ٣ … ٩
أم … ١/ ٣ … ٢ … ٦
جد … ١/ ٦ … ١ … ٤ … ٨
خت … ١/ ٢ … ٣ … ٤
* اجتماعُ الإخوة الأشقَّاء والإخوة لأب مع الجدِّ:
إذا اجتمع مع الجدِّ إخوةٌ أشقَّاء وإخوةٌ لأب؛ فلذلك حالتان:
الأولى: أن يكون الإخوة الأشقاء مثلي الجدِّ فأكثر، أو يكون الباقي بعد أصحاب الفروض الرُّبُع فأقلّ؛ فعندئذٍ لا يعتدُّ بوجود الإخوة لأب؛ لأنَّ الجدَّ لا يتأثَّر بوجودهم.
مثاله: جدٌّ، وأخوان شقيقان، وأخ لأب؛ فيأخذ الجدُّ الثُّلُث؛ لأنَّه الأحظُّ له، والباقي للأخوين الشَّقيقين، ولا شيء للأخ لأب. فهنا لا فائدة من عدِّ الأخ لأب مع الشَّقيق؛ لأنَّ الجدَّ يلتجئ إلى الأحظِّ -وهو الثُّلُث- عندما يشعر أنَّ الشقيق سيَعُدُّ عليه الأخ لأب للإضرار به.
الثانية: أن يكون الإخوة الأشقَّاء أقلَّ من مِثْلَي الجدِّ، ويكون الفاضل من التركة بعد أصحاب الفروض أكثر من الرُّبُع؛ فحينئذٍ يعدُّ الإخوة لأب مع
стр. 796
الشَّقيق على الجدِّ، فيأخذ الجدُّ نصيبه، ثمَّ يحجب الأخ الشَّقيقُ الإخوةَ لأب فلا يأخذون شيئاً، كما لو لم يكن معهم جدٌّ، وتسمَّى (المُعادَّة)؛ لأنَّ إدخال الإخوة لأب في المقاسمة للإضرار بالجدِّ؛ ليكون نصيبه أقلَّ.
مثاله: جدٌّ، وأخٌ شقيقٌ، وأخٌ لأبٍ؛ فيستوي للجدِّ المقاسمة والثُّلُث، فيأخذ ثُلُثه، والباقي للإخوة، ثمَّ يأخذ الشقيق ما في يد الأخ لأبٍ؛ لأنَّه أقوى منه تعصيباً، ويكون نصيبه ضعف نصيب الجدِّ.
فإن كان مع الجدِّ والأخ لأبٍ أختٌ شقيقةٌ؛ فيأخذ الأخ لأبٍ ما زاد بعد أَخْذِ الأختِ الشَّقيقة نِصْفَها؛ ومن صُوَرِها: الزَّيْديَّات الأربع؛ نسبةً إلى زيد ابن ثابتٍ ﵁؛ وهي:
أ - العَشْرِيَّة، وهي: (جدٌّ، وأخت شقيقة، وأخ لأب).
تقسم المسألة على رؤوسهم (خمسة): فيأخذ الجدُّ (٢) مقاسمة؛ لأنَّه الأحظُّ، والباقي (٣) للشَّقيقة والأخ لأب. ولما كان للشَّقيقة (النِّصْف) من (خمسة)، تصحَّح المسألة بضَرْب أصلها في مخرج النِّصْف: (٢)، فتصحُّ المسألة من (عشرة)؛ للجدِّ (٤)، وللشَّقيقة (٥)، وللأخ لأب الباقي (١).
ب- العِشْرينيَّة، وهي: (جدٌّ، وأخت شقيقة، وأختان لأب).
تقسم المسألة من (خمسة): للجدُّ (٢) مقاسمةً وهو الأحظُّ هنا، والباقي (٣) مشترك بين الأخوات، ثمَّ نضرب أصل المسألة في (٢)، لتصحَّ المسألة من (عشرة): للجدِّ (٤)، وللشَّقيقة النِّصْف (٥)، والباقي للأختين لأب
стр. 797
(١)، ثمَّ نضرب المسألة في (٢)، فتصحُّ من (عشرين): للجدِّ (٨)، وللشَّقيقة (١٠)، والباقي (٢)، لكُلِّ واحدة منهما (١).
ج- مُختَصَرةُ زَيْدٍ، وهي: (أمٌّ، وجدٌّ، وأختٌ شقيقةٌ، وأخٌ وأختٌ لأب).
ففي هذه المسألة يستوي للجدِّ المقاسمة وثلث الباقي. وسمِّيت بذلك لأنَّ زيداً ﵁ حَلَّها على طريقة المقاسمة، ثمَّ اختصرها، وذلك على النحو التالي:
١) إذا كان للجدِّ ثُلُث الباقي: فللأمِّ السُّدُس (١)، والباقي (٥) مشترك بين الجدُّ والإخوة، فنضرب أصل المسألة والأسهم في (٣)، فتصحُّ من (ثمانية عشر): للأمِّ (٣)، والباقي (١٥) ثُلُثها (٥) للجدِّ، ونصف جميع المال للشَّقيقة (٩)، والباقي (١) للإخوة من الأب؛ للذَّكَر مثل حظِّ الأُنثيين، فنصحِّح المسألة، فنضرب رأس المسألة والأسهم في (٣)، وهو عدد رؤوس الإخوة من الأب، فتصحُّ المسألة من (أربعة وخمسين): للأمِّ (٩)، وللجدِّ (١٥)، وللشَّقيقة (٢٧)، وللإخوة من الأب (٣): للأخ (٢)، وللأخت (١).
٢) إذا كان الجدُّ يقاسم الإخوة: فللأمِّ السُّدُس (١)، والباقي (٥) مشترك بين الجدِّ والإخوة، نصحِّح المسألة بناء على عدد رؤوسهم، فنضرب المسألة في (٦)، فتصحُّ من (ستَّةٍ وثلاثين): للأمِّ (٦)، والباقي (٣٠): للجدِّ سهمان (١٠)، ونصف كُلِّ المال للشَّقيقة (١٨)، والباقي (٢) لأولاد الأب، ثمَّ نصحِّح المسألة بضربها بعدد رؤوسهم (٣)، فتصحُّ المسألة من (مائة وثمانية):
стр. 798
للأمِّ (١٨)، وللجدِّ (٣٠)، وللشَّقيقة (٥٤)، وللإخوة من الأب (٦): للأخ (٤)، وللأخت (٢). وإذا اختصرنا مصحَّ المسألة مع سهام الورثة بقِسْمَتها على (٢)، صار مصحُّ المسألة (أربعة وخمسين): للأمِّ (٩)، وللجدِّ (١٥)، وللشَّقيقة (٢٧)، وللأخ من الأب (٢)، وللأخت من الأب (١). كما في الحالة الأولى.
د - تِسْعِينيَّة زَيْدٍ، وهي: (أمٌّ، وجدٌّ، وشقيقةٌ، وأخوان لأب، وأخت لأب).
للأمِّ (السُّدُس)، وللجدِّ الأحظ وهو (ثُلُث الباقي)، وللشَّقيقة (نصف جميع المال)، والباقي للإخوة من الأب؛ فيكون أصل المسألة من (ستَّة)، للأم (١)، والباقي (٥) يشترك فيه الجدُّ مع الإخوة والأخوات، ولمعرفة ثُلُث الباقي نضرب كُلَّ مسألة في (٣)، فتصحُّ من (ثمانية عشر): للأمِّ (٣)، والباقي (١٥): ثُلُثها (٥) للجدِّ، وللشَّقيقة نصف جميع المال (٩)، والباقي (١) للإخوة من الأب. ثمَّ نضرب رؤوسهم الخمسة في (١٨)، فتصحُّ من (تسعين): للأمِّ (١٥)، وللجدِّ (٢٥)، وللشَّقيقة (٤٥)، وللإخوة من الأب (٥): للأخوين (٤)، ولأختهم (١).
стр. 799
باب الحَجْب
أوَّلًا: تَعريفُ الحَجْب:
الحَجْبُ لُغةً: المَنْعُ.
واصطلاحاً: مَنْعُ مَنْ قامَ به سَبَبُ الإرْثِ من الإرْثِ بالكُلِّيَّة، أو مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْه.
ثانياً: أسبابُ الحَجْب:
للحَجْب سببان:
الأوَّل: حَجْبٌ بسبب وَصْفٍ: وهو أن يتَّصف الوارث بأحد موانع الإرث الثلاثة: الرِّقُّ، أو القَتْل، أو اختلاف الدِّين. فمن اتَّصف بأحد هذه الأوصاف لا يَرِثُ ولا يَحْجبُ غيره، ولا يُعصِّبُ غيره. وهو وصفٌ يمكن دُخوله على جميع الوَرَثة.
الثاني: حَجْبٌ بسبب شَخْصٍ: وهو كون شخصٍ سبباً لمنع آخر من بعض إرْثِه أو كُلِّه. وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأوَّل: حَجْب نُقْصان: وهو كون شخص سبباً لمنعِ آخرَ بعضَ إرْثِه. ويدخل على جميع الوَرَثة أيضاً. وهو نوعان: ازدحام، وانتقال.
أ - النوع الأوَّل: الازدحام: وله ثلاثة أحوال:
١) ازدحامٌ في فَرْضٍ: ويكون في حقِّ الوَرَثة الذين يشتركون في فَرْضٍ
стр. 800
واحدٍ؛ كاشتراك الزَّوجات في الرُّبُع أو الثُّمُن، وكالجدَّات في السُّدُس، وكالبنات، وبنات الابن، والأخوات الشَّقيقات، والأخوات لأب في الثُّلُثين، وكبنات الابن، والأخوات من الأب في السُّدُس، وكالإخوة للأمِّ في الثُّلُث. فاشتراك عددٍ من الوَرَثة في فَرْضٍ واحدٍ سببُ نقص بعض الإرْث على أفراد العدد.
٢) ازدحامٌ في تَعْصيبٍ: ويكون في حقِّ كلِّ وارثٍ يشترك في تَعْصيبٍ؛ كالأولاد، وأولاد البنين وإن نزلوا، والإخوة والأخوات الأشقَّاء أو لأب، وبني الإخوة الأشقَّاء أو لأب، والأعمام الأشقَّاء أو لأب وإن علوا، وبنيهم وإن نزلوا، والمعتِقين والمعتِقات وعَصَبَتِهم بالنَّفْس.
٣) ازدحامٌ في عَوْلٍ: ويكون ذلك عند ازدحام فروضٍ تكاثرت في مسألةٍ، فزادت سهامهم على أصل المسألة.
مثاله: أن تموت امرأةٌ عن زوجٍ، وأمٍّ، وأختين شقيقتين، وإخوةٍ لأمٍّ.
فللزَّوج النِّصْف، وللأمِّ السُّدُس، وللأختين الشَّقيقتين الثُّلُثان، وللإخوة من الأمِّ الثُّلُث. فازدحمت سهام فروض المسألة، فزادت على أصلها، وعالت المسألة من ستَّةٍ إلى عشرةٍ.
ب- النوع الثاني: الانتقال: وله أربعة أحوال:
١) انتقالٌ من فَرْض إلى فَرْض أقلَّ منه: ويكون في حقِّ كلِّ من له فَرْضان؛ كأحد الزَّوجين، والأُمِّ؛ فينتقل نصيب الزَّوج من النِّصْف إلى الرُّبُع، ونصيب
стр. 801
الزَّوجة من الرُّبُع إلى الثُّمُن، ونصيب الأمِّ من الثُّلُث إلى السُّدُس.
وكبنات الابن مع فَرْعٍ أُنثى وَرِثَتِ النِّصْف، فينتقل بناتُ الابن من النِّصْف أو الاشتراك في الثُّلُثين إلى السُّدُس.
وكالأخوات من الأب مع أختٍ شقيقةٍ ورثت النِّصْف فَرْضاً؛ فينتقل الأخوات لأبٍ من النِّصْف أو الاشتراك في الثُّلُثين إلى السُّدُس.
٢) انتقالٌ من فَرْضٍ إلى تَعْصيبٍ أقلَّ منه: ويكون ذلك في حقِّ ذوات النِّصْف إذا انتقلن من فَرْض النِّصْف إلى التَّعْصيب بالغير.
كالبنت إذا كان معها أخوها؛ فتنتقلُ من النِّصْف فرضاً إلى الثُّلُث تعصيباً.
٣) انتقالٌ من تَعْصيبٍ إلى تَعْصيبٍ أقلَّ منه: ويكون ذلك في حقِّ العَصَبَة مع الغير عندما ينتقلن منها إلى العُصوبة بالغير.
كالأخت الشَّقيقة ترث النِّصف مع البنت تعصيباً مع الغير، فإن كانت مع أخيها ورثت الثلث تعصيباً أيضاً.
٤) انتقالٌ من تَعْصيبٍ إلى فَرْضٍ أقلَّ منه: ويكون ذلك في حقِّ الأب، وأب الأب وإن عَلا، إذا انتقل أحدُهم من إرثِ المال بالتَّعْصيب إلى فَرْضِ السُّدُس.
القسم الثاني: حَجْبُ حِرْمان: وهو كون شخص سبباً لحرمان آخر من الإرث كلِّه. وهذا القسم مبنيٌّ على ثلاث قواعد:
القاعدة الأُولى: الفروعُ لا يحجبهم إلَّا الفُروع. ويتفرَّع عنها قاعدتان:
стр. 802
١) كلُّ فَرْعٍ ذَكَرٍ يَحجبُ من هو أَنْزَل منه، ذَكَراً كان أو أُنثى؛ فالابن الذَّكَر يحجبُ جميع أولاد البنين، وابن الابن يحجبُ كلَّ ابنَ ابنٍ أنزل منه.
٢) الأُنثى من الفُروع لا تحجبُ أحداً من الفُروع؛ فالبنتُ أو البناتُ لا يَحجبن أولاد البنين.
لكن بنات الابن يَسقُطْن ببنتي الصُّلْب فأكثر، ما لم يكن معهنَّ من يعصِّبهنَّ من ولد الابن.
القاعدة الثانية: الأُصولُ لا يحجبهم إلَّا الأُصول. ويتفرَّع عنها قاعدتان:
١) الذُّكور الأُصولُ لا يَحجبُهم إلَّا ذُكور الأُصول؛ فالأبُ يحجب الجدَّ، وكلُّ جدٍّ أبعد يَسقطُ بالأقرب منه. أمَّا الجدَّة فلا تَحجِبُ الجدَّ؛ لأنَّها من إناث الأُصول.
٢) إناثُ الأُصول لا يَحجبُهنَّ إلَّا إناثُ الأُصول؛ فالجدَّة تَحجبُها الأمُّ، ولا يَحجبُها الأبُ، ولو كانت من قِبَلِه. وكلُّ جدَّة بُعْدَى تسقطُ بجدَّة قُرْبى.
القاعدة الثالثة: الحواشي يَحجبُهم الفُروع والأُصول والحواشي. ويتفرَّع عنها القواعد التالية:
١) كلُّ ذَكَرٍ من الفُروع يَحجبُ جميع الحواشي. فابن الابن وإن نزل يحجبُ الأخَ الشَّقيق أو لأب، والعمَّ الشَّقيق أو لأب، ومَنْ دونهما.
٢) الأُنثى من الفُروع لا تَحجبُ من الحواشي غير أولاد الأُمِّ. فالبنتُ لا
стр. 803
تحجبُ ابنَ العَمِّ وإن نَزَل؛ إذ يكون لها النِّصْف، والباقي لابن العَمِّ تَعْصيباً.
٣) كلُّ ذَكَرٍ من الأُصول يَحجبُ جميع الحواشي، إلَّا الجدَّ مع الإخوة لغير الأمِّ، فإنَّه لا يَحجبُهم.
٤) الأُنثى من الأصول لا تَحجبُ أحداً من الحواشي؛ كالأمِّ مع ابن عَمٍّ نازلٍ، ومع أختٍ من الأمِّ، فإنَّها لا تَحجبُهم.
٥) كلُّ فَرْدٍ من الحواشي (ذَكَراً أو أُنثى) يَحجبُ كلَّ من دُونَه جِهَةً أو دَرَجَةً أو قُوَّةً، إذا كان وارثاً بالتَّعْصيب، إلَّا ولد الأُمِّ فلا يَحجبُه إلَّا الفَرْع الوارث مُطلَقاً، أو الأَصْلُ الذَّكَرُ الوارث.
مثاله: الإخوةُ لأبٍ محجوبون بالأخ الشَّقيق؛ لقوَّته بزيادة القُرْب من الميِّت؛ وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: (إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلَّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ) [رواه الترمذي].
- والأعمامُ محجوبون بأبناء الإخوة وإن نزلوا؛ لأنَّهم أقرب جهةً.
- والأخُ لأبٍ محجوبٌ بالأخت الشَّقيقة إذا صارت عَصَبَةً مع البنت أو بنت الابن؛ لأنَّها تصير بمنزلة الأخ الشَّقيق.
* الأخواتُ لأبٍ يَسقُطْنَ بالأختين الشَّقيقتين فأكثر؛ لاستكمال الثُّلُثين،
стр. 804
ما لم يكن معهنَّ أخوهنَّ فيعصِّبهُنَّ في الباقي؛ للذكر مثل حظِّ الأُنثيين.
* حَجْبُ الحِرْمان لا يدخلُ على سِتَّةٍ من الوَرَثة؛ هم:
الزَّوجان (الزَّوْج والزَّوجة)، والأبوان (الأب والأم)، الوَلَدان (الابن والبنت).
* من لا يَرِثُ لمانعٍ لا يَحجبُ أحداً مُطْلقاً، لا حَجْبَ حِرمانٍ ولا نُقصانٍ؛ إلَّا الإخوة مُطْلقاً؛ سواء كانوا أشقَّاء، أو لأبٍ، أو لأمٍّ؛ فقد لا يرثون؛ لوجود الأب أو الابن، إلَّا أنَّهم يَحجبون الأُمَّ حَجْبَ نُقْصان من الثُّلُث إلى السُّدُس.
стр. 805
باب العَصَبات
أوَّلًا: تَعريفُ العَصَبَة:
العَصَبَةُ لُغةً: جمع عاصِبٍ، مأخوذ من العَصَب؛ وهو الشَّدُّ، ومنه سُمِّيت العِمامَةُ عِصَابةً، وسُمِّيَ العَصَب عَصَباً؛ لأنَّه يَشُدُّ الأعضاء، وعِصَابة القوم لاشتداد بَعْضِهم ببَعْضٍ.
أمَّا في الاصطلاح: فالعَصَبة هم الوارثون بلا تَقْديرٍ؛ فيأخذ العاصِبُ المال كُلَّه، أو ما أَبْقَتِ الفُروض.
ثانياً: أسبابُ التَّعْصيب:
للتَعْصيب سببان، هما:
أ - النَّسَب: وهم جميع القرابة الذكور الوارثين -عدا أولاد الأمِّ-، والبنات، وبنات الابن وإن نزل أبوهنَّ، والأخوات الشَّقيقات، والأخوات لأب.
ب- الوَلاء: وهو المُعْتِقُ والمُعْتِقَةُ، وعَصَبَتُهما بالنَّفْس.
ثالثاً: أقسامُ العَصَبَةِ:
تنقسم العَصَبة إلى ثلاثة أقسام:
الأوَّل: عَصَبةٌ بالنَّفْس: وهم كلُّ ذَكَرٍ ليس بينه وبين الميِّت أثنى. وهم أربعة عشر:
стр. 806
١) الابن ٢) ابن الابن وإن نزل
٣) الأب ٤) أب الأب وإن علا
٥) الأخ الشَّقيق ٦) الأخ لأب
٧) ابن الأخ الشَّقيق وإن نزل ٨) ابن الأخ لأب وإن نزل
٩) العم الشَّقيق وإن علا ١٠) العمُّ لأب وإن علا
١١) ابن العمِّ الشقيق وإن نزل ١٢) ابن العمِّ لأب وإن نزل
١٣) المُعتِق ١٤) المُعتِقَة
الثاني: العَصَبة بالغير، وهم أربعة:
١) البنت إذا كان معها أخوها.
٢) بنت الابن إذا كان معها أخوها.
٣) الأخت الشَّقيقة إذا كان معها أخوها الشَّقيق.
٤) الأخت من الأب إذا كان معها أخوها من الأب.
الثالث: العَصَبة مع الغير، وهم اثنان:
١) الأخوات الشَّقيقات مع الفروع الإناث (بنت أو بنت ابن فأكثر).
٢) الأخوات من الأب مع الفروع الإناث (بنت أو بنت ابن فأكثر).
رابعاً: أحكامٌ تختصُّ بالعَصَبة:
أ - الوارث بالتَّعْصيب يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض؛ لحديث ابن
стр. 807
عبَّاس ﵄ -السابق- عن النبيِّ ﷺ قال: (أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ).
ب- إذا لم يبق للعَصَبَة شيءٌ بعد أصحاب الفُروض سقطوا؛ لمفهوم الحديث السابق.
ج- إذا انفرد أحدٌ من العَصَبَة أخذ جميع المال؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
د - العَصَبَة بالغير يقتسمون ما وَرِثوا: للذَّكَر مثل حظِّ الأُنثيين؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
هـ- للأب والجدِّ ثلاث حالات:
١) يرثان بالتَّعْصيب فقط عند عدم الفرع الوارث.
٢) يرثان بالفَرْض فقط عند وجود الفرع الوارث الذَّكَر.
٣) يرثان بالفَرْض والتَّعْصيب عند وجود الفَرْع الوارث الأُنثى.
* المسألة المُشَرَّكة:
وصورتها: زوجٌ، وأمٌّ، وإخوةٌ لأمٍّ اثنان فأكثر، وإخوةٌ أشقَّاء، فتقسم المسألة من ستَّة؛ للزوج النِّصْف (ثلاثة)، وللأمِّ السُّدُس (واحد)، وللإخوة للأمِّ الثُّلُث (اثنان)، ولا شيء للإخوة الأشقَّاء؛ لأنَّهم عَصَبَة، ولم يبق لهم من
стр. 808
التركة شيءٌ بعد أن أخذ أصحاب الفروض فَرْضهم.
الورثة … الفروض … الأسهم
زوج … ١/ ٢ … ٣
أم … ١/ ٦ … ١
إخوة لأم … ١/ ٣ … ٢
إخوة أشقاء … ع … -
وسُمِّيت المشرَّكة؛ لأنَّ بعض أهل العلم شرَّك فيها بين الإخوة الأشقاء والإخوة للأم، فجعل الثُّلُث بينهم.
وتُسمَّى أيضاً: «الحماريَّة»؛ لأنَّه يُروى أنَّ عمر ﵁ أسقط الإخوة الأشقَّاء، فقال بعضهم: «يا أمير المؤمنين: هَبْ أنَّ أبانا كان حِماراً، أليستْ أُمُّنا واحدةً»؛ فشرَّك بينهم.
стр. 809
فصل
فيمن يرث عند الاجتماع
أ - إذا اجتمع كلُّ الذُّكور، وَرِثَ منهم ثلاثةٌ: الابن، والأب، والزَّوج.
ب- إذا اجتمع كلُّ الإناث، وَرِثَ منهنَّ خمسةٌ: البنت، وبنت الابن، والأمُّ، والزَّوجة، والأخت الشَّقيقة.
ج- إذا اجتمع من يُمكن اجتماعُه من الرِّجال والنِّساء، وَرِثَ منهم خمسةٌ: الأب والأمُّ، والابن والبنت، وأحدُ الزَّوجين.
د - إذا كان العاصِبُ هو عمُّ الميِّت، أو ابن عمِّه، أو ابن الأخ: انفرد بالإرْث دون أَخَواته؛ لأنَّهنَّ من ذوي الأرحام، والعَصَبة مقدَّمٌ على ذوي الأرحام.
هـ- إذا عُدِمَت العَصَبات من النَّسَب، وَرِث المَوْلَى المُعتِق ولو كان أُنثى، ثمَّ عَصَبته الذُّكور الأقرب فالأقرب على ترتيب النَّسَب؛ لأنَّهم يُدْلون بالعِتْق، والولاء مشبَّهٌ بالنَّسَب، فأُعطِيَ حكمه.
و- إذا لم يكن للميِّت عَصَبةُ نَسَبٍ ولا ولاءٍ، رُدَّ الباقي على ذوي الفروض. فإن لم يكن ذو فَرْضٍ كان الميراث لذوي الأرحام؛ لأنَّ سبب الميراث القَرابَة، وهو موجودٌ في ذوي الأرحام؛ قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
стр. 810
باب الردِّ وذوي الأرحام
أوَّلًا: تَعريفُ الرَّدِّ:
الرَّدُّ لغةً: الإعادةُ والصَّرْف، والإرْجاعُ.
واصطلاحاً: زيادةٌ في الأنْصِباء، ونَقْصٌ في السِّهام.
ثانياً: شُروطُ الرَّدِّ:
يُشترطُ للرَّدِّ شرطان:
الأوَّل: أن تكون سِهام الفروض أقلَّ من أصل المسألة.
الثاني: أن لا يوجد عاصِبٌ في الورثة.
فإذا تحقَّق الشَّرطان رُدَّ الزائد من التركة على كلِّ صاحب فَرْض بقَدْر فَرْضِه. إلَّا الزَّوجين؛ فلا يُردُّ عليهما من حيث الزَّوجيَّة؛ لأنَّهما ليسا من ذوي القَرابة.
ثالثاً: أحوالُ مسائلِ الرَّدِّ:
الحالة الأولى: أن لا يكون للميِّت إلَّا وارثٌ واحدٌ بالفَرْض، فيأخذ الوارث كلَّ المال فَرْضاً، ورَدًّا؛ لأنَّه ليس له مُزاحِمٌ من الوَرَثَةِ.
مثاله: توفي عن أُمٍّ. فتأخذ الأمُّ الثُّلُث فَرْضاً، والباقي ردًّا.
الحالة الثانية: أن يكون الوارثون جماعةً من جِنْسٍ واحدٍ؛ كالبنات، أو