الذي يُبطِنُ الكفرَ ويُظهِرُ الإسلام، ولا تقبلُ توبتُه ظاهراً-؛ فتجري عليه الأحكام التالية:
١) لا يَرِثونَ أحداً ولا يَرِثُهُم أحدٌ؛ لأنَّهم لا يُقَرُّون على ما هم عليه، فلا يثبت لهم حكم دينٍ من الأديان.
٢) تكون أمواله فَيْئاً للمسلمين، تُصْرف في مصارف الفيء؛ لأنَّه لا يرثُه أحدٌ من أقاربه المسلمين أو الكفَّار؛ لأنَّه يخالفُهم في حُكمِهم.
د - التوارثُ بين المَجُوس:
إذا أسلم المجوسيُّ ونحوه ممَّن يرى حِلَّ نكاح ذوات المحارم، وكان يُدْلي بقرابتين؛ فإنَّهم يرثون بالقرابتين جميعاً إن أمكن ذلك. وكذلك إذا تحاكموا إلى المسلمين قبل إسلامهم.
فلو خلَّف أُمَّهُ، وهي أختُه من أبيه في الوقت نفسه، ورِثَتِ الثُّلُثَ بكونها أُمًّا، وورِثَتِ النِّصْفَ بكونها أُختاً؛ لأنَّ الله فرض للأُمِّ الثُّلُث، وللأُخت النِّصْف، فوجب إعطاؤها ما فَرَضَ الله لها في الآيتين كالشخصين، ولأنَّهما قَرابَتان تَرِثُ بكلِّ واحدةٍ منهما منفردةً، لا تحجبُ إحداهما الأخرى، ولا ترجح بها، فتَرِثُ بهما مجتمعتين؛ كما لو كان زوجٌ هو ابن عمٍّ.
стр. 842
باب ميراث المطلَّقة
أوَّلًا: تَعريفُ المُطلَّقة:
المُطَلَّقة لُغةً: بتشديد اللَّام؛ اسمُ مفعولٍ مِنْ «طَلَّق»، مصدره «طَلَاقٌ» بمعنى تَخْلِيَةِ الشيء، وتَسْريحِه، وفَكِّ قَيْدِه.
واصطلاحاً: المرأةُ التي حُلَّ قيدُ نِكاحِها أو بَعْضُه.
ثانياً: أنواعُ المُطلَّقات:
تنقسم المطلَّقات إلى نوعين:
أ - الرَّجعيَّةُ: وهي من يجوز لزوجها ردُّها ما دامت في عِدَّتها من غير استئناف عقدٍ جديد.
ب- البائنُ: وهي من لا يحقُّ للزَّوج ارتجاعها بعد الطلاق إلَّا برضاها، وبعقدٍ جديد. وهو قسمان:
١) بينونةٌ صُغْرَى: وهو الذي يمكن للزَّوج فيه ارتجاع مطلَّقته بعقدٍ جديدٍ، سواء كانت في عِدَّتها، أو بعد انتهاء عِدَّتها.
٢) بينونةٌ كُبْرى: وهي من طلَّقها زوجها ثلاث تَطْليقات.
ثالثاً: مِيراثُ المُطلَّقة:
لا يخلو حال المطلَّقة الرجعيَّة أو البائن من أن يطلِّقها زوجها حال صحَّته، أو حال مَرَضِه مَرَضَ المَوْت المَخُوفِ.
стр. 843
أ - فإن طلَّقها طلاقاً رجعيًّا؛ فإنَّها تَرِثُ منه، ويَرِثُ منها، ما دامت في العِدَّة، وسواءٌ طلَّقها في حال صِحَّتِه، أو حال مَرَضِه مَرَضَ الموت، إجماعاً؛ لأنَّ الرجعيَّة في حُكْم الزَّوجة ما دامت في العِدَّة، فتلحقها أحكامها من طلاقٍ، وظهارٍ، وإيلاءٍ، ويملكُ إمساكها بالرَّجعة بغير رضاها، ومن غير وليٍّ، ونحو ذلك.
ب- وإن طلَّقها طلاقاً بائناً؛ فإن كان طلَّقها في حال الصحَّة، أو في مَرَضِه غَيْر المَخُوفِ؛ فإنَّها لا تَرِثُ منه، ولا يَرِثُ منها، إجماعاً؛ لانقطاع الزَّوجيَّة، وانقطاع أحكامها بينهما.
ج- وإن طلَّقها طلاقاً بائناً في مَرَضِ مَوْتِه المَخُوفِ، وهو غير متَّهمٍ بقَصْد حِرْمانِها من الميراث، فلا توارث بينهما كذلك؛ كأن تسأله الطلاق وهو في مرض الموت، فيطلِّقها وتنقضي عِدَّتها.
د - وإن طلَّقها طلاقاً بائناً في مَرَضِ مَوْتِه المَخُوف ابتداءً، وهو متَّهمٌ فيه بقَصْد حِرْمانِها من الميراث؛ فإنَّها تَرِثُ منه، ولا يَرِثُ منها، سواء كانت في عِدَّتها أو بعد انقضائها؛ لما روى أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) [رواه مالك].
- وتَرِثُ منه أيضاً إذا سألته في مَرَضِه المخوف طلاقاً رجعيًّا، فطلَّقها طلاقاً بائناً؛ لقرينة التهمة.
стр. 844
- وتَرِثُ منه كذلك: إذا علَّق طلاقها أثناء مَرَضِهِ المَخُوف على ما لا بدَّ منه شَرْعاً أو عَقْلًا؛ كالصلاة المفروضة، أو الصِّيام المفروض، أو الأكل، أو النوم؛ مثل أن يقول: «إنْ صَلَّيْتِ فأنت طالقٌ»، أو: «إن أَكْلْتِ فأنت طالقٌ».
وتَرِثُ أيضاً: إن أقرَّ في مَرَضِه المَخُوف أنَّه طلَّقها سابقاً طلاقاً بائناً في حال صحَّته.
- وتَرِثُ منه إنْ وكَّل في صِحَّته من يطلِّقها طلاقاً بائناً متى شاء، فطلَّقها في مَرَضِ مَوْتِه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه واطأه على إبانتها في مرضه المخوف، فكان محلَّ تهمةٍ.
- فإن تزوَّجت البائنُ زوجاً غير الأوَّل، لم تَرِثْ من الأوَّل، سواء أَبانَها الثاني أو لا. وكذا لو ارتدَّت عن الإسلام، لم تَرِثْ منه، ولو أَسْلَمَتْ بعد ذلك؛ لأنَّها فَعَلَت باختيارها ما يُنافي نكاح الأوَّل، فلم تَرِثْهُ.
- ولو طلَّق الزَّوج المتَّهمُ بقصد حرمان الميراث أربعَ زوجاتٍ كُنَّ معه، وانقضتْ عِدَّتُهُنَّ منه، ثمَّ تزوَّج أربعاً غيرهنَّ، ثمَّ مات، ورث منه الزَّوجات الثمان على السواء؛ وهنَّ المطلَّقاتُ الأربع، والمنكوحاتُ الأربع بعدهنَّ؛ لأنَّ المطلَّقة وارثةٌ بالزَّوجيَّة، فكانتْ أسوةَ من سواها، بشرط أن لا تتزوَّج المطلَّقة، أو ترتدَّ.
رابعاً: مِيراثُ الزَّوجِ من المُطلَّقة ونحوها:
- يثبتُ للزَّوج الميراثُ من زوجته المطلَّقة طلاقاً رجعيًّا ما دامت في العِدَّة؛
стр. 845
لأنَّ حكم الزَّوجيَّة باقٍ لم ينقطع، فثبت له حكم الميراث لوجود سببه -كما سبق بيانه-.
ويثبتُ له الميراثُ من زوجته دونها إذا فَعَلَت الزَّوجة في مرض مَوْتها المَخُوف ما يفسخُ نكاحها -كأن تُرْضِع ضرَّتها الصغيرة-؛ وذلك بشرطين:
١) موت الزَّوجة وهي في عِدَّتها.
٢) وجود التُّهمة؛ وهي قَصْد حِرْمانه من الميراث.
فإن ماتت بعد انتهاء العِدَّة، أو انتفت تهمة قصد الحرمان من الميراث، لم يَرِثْ منها.
стр. 846
باب الإقرار بمشارك في الميراث
إذا أقرَّ الورثة كُلُّهم -وكانوا مُكلَّفين- بمن يشاركهم في الميراث، أو أقرُّوا بمن يَحْجبهم حجْبَ حِرْمانٍ؛ كأخٍ أقرَّ بابنٍ للميِّت، أو حجْب نُقْصان؛ كابْنٍ أقرَّ بابنٍ للميِّت، فإنَّه يصحُّ الإقرار، ويترتَّبُ عليه ما يلي:
أ - صحَّة نَسَب المُقَرِّ به من الميِّت.
ب- ثبوتُ الإرْث للمُقَرِّ به.
ج- ثبوت الحَجْب على المُقِرِّ إن كان يحجبُه.
وذلك لأنَّ الورثة يقومون مقام الميِّت في ماله وحقوقه، وهذا من حقوقه.
ويُشترطُ لثبوت نَسَبِه من الميِّت، واستحقاقه للميراث ما يلي:
أ - أن يكون المُقَرُّ به مجهول النَّسَب. فإن كان معلوم النَّسَب فلا يُقْبَلُ إقرارُه؛ لأنَّه يستلزم إبطال نَسَبِه المعروف.
ب- أن يكون الإقرار من جميع الوَرَثة، ولو كان الوارث واحداً، حتَّى الزَّوج، وولد الأمِّ، والمَوْلَى. أو أن يَشْهَد عَدْلان من الورثة أو من غيرهم بنَسَبِه من الميِّت.
ج- أن يُصدِّق المُقَرُّ به إقرار الورثة. فإن كان صغيراً أو مجنوناً، فلا عبرة بتصديقهما أو تكذيبهما؛ لأنَّه لا حكم لأقوالهما.
د - إمكان صِدْق الدَّعوى؛ بأن يكون المُقَرُّ به ممَّن يمكن إلحاقه بالميِّت نَسَباً.
стр. 847
فإن كان الميِّتُ دون ابن عشر سنين، لم يصحَّ الإقرار بولدٍ له.
هـ- أنْ لا يُنازِعَ المُقِرَّ في نَسَبِ المُقَرِّ به منازعٌ، بأنْ يدَّعي آخر نَسَبَه؛ لأنَّه إذا نوزع فيه فليس إلحاقه بأحدهما أَوْلَى من الآخر.
فإن أقرَّ بنَسَبِه بعضُ الوَرَثة ولم يُقِرَّ آخرون، وليس هناك شاهدا عدلٍ يشهدان بنَسَبِه؛ فإنَّ نَسَبَ المُقَرِّ به وإرثه يثبت ممَّن أقرَّ به فقط، دون الميِّت وبقية الورثة؛ لأنَّ النَّسَب حقٌّ أقرَّ به الوارث على نفسه، فلزمه كسائر الحقوق، فيشاركه فيما بيده، أو يأخذ الكُلَّ إن أسقطه.
مثاله: لو أقرَّ أحدُ ابني الميِّت بأخٍ لهما، ولم يُقِرَّ الآخر، فيرثُ المُقَرُّ به ثلث ما بيد المُقِرِّ؛ لأنَّ إقراره تضمَّن أنَّه لا يستحقُّ أكثر من ثلث التركة، والمُقِرُّ بيده نصف التركة، فيكون للمُقَرِّ به سُدُس ما بيد المُقِرِّ.
ولو كان للميِّت أخٌ أقرَّ بابنٍ للميِّت، فإنَّ المُقَرَّ به يَرِثَ التركة كلَّها؛ لأنَّ الوارث أقرَّ بأنَّه محجوبٌ بالابن عن الإرث.
стр. 848
باب ميراث القاتل
لا يخلو قَتْلُ الوارث مُوَرِّثَه من إحدى حالتين:
الحالة الأُولَى: أن يَقتُلَ الوارثُ مُورِّثه بغير حقٍّ، أو أن يُشارك في قَتْله قَتْلًا يُوجب قِصاصاً، أو دِيَةً، أو كَفَّارةً؛ سواء كان القتل عن عَمْدٍ، أو شِبْهِ عَمْدٍ، أو خطأ، بمباشرةٍ أو سببٍ، وسواءٌ كان القاتل صغيراً أو كبيراً. فإنَّ القاتل لا يَرِثُ من المقتول. والأصل فيه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ يقول: (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الِميرَاثِ شَيْءٌ) [رواه النسائي في «الكبرى»، والدارقطني]، فلفظ (القاتل) عامٌّ يدخل فيه كلُّ قاتلٍ، سواء كان متعمِّداً أو مخطئاً، مباشراً أو متسبِّباً، صغيراً أو كبيراً.
ولأنَّ توريث القاتل يُفضي إلى تكثير القتل استعجالًا لموت مورِّثه ليأخذ ماله، فمنع سدًّا للذريعة، وصيانةً للدماء.
- وإذا فعل الوالد بولدهِ فعلًا لحاجةٍ؛ كأن يسقيه دَواءً، أو يؤدِّبه، أو يفْصِدَه، أو يُحجِّمه، فيموت الولد من ذلك، لم يرثه؛ لأنَّه قاتل (١).
- وإذا شربت المرأة دواءً فأسقطت جنينها، لزمها الدِّيَةُ، وهي غُرَّة عبدٍ أو أمةٍ قيمتها خمس من الإبل. ولا ترث منها شيئاً؛ لأنَّها قاتلة.
стр. 849
الحالة الثانية: أن يقتل الوارث مُورِّثه بحقٍّ؛ كالقتل قِصاصاً، أو القتل حدًّا، أو القتل دَفْعاً عن نفسه، ولم يندفع إلَّا بالقتل، فإنَّ القاتل يرث من المقتول في هذه الحال؛ لأنَّ القتل هنا غير مضمون بقصاصٍ، ولا ديةٍ، ولا كفَّارة.
- ولا يَمنع من الإرث قَتْلُ الباغي العادلَ في الحَرْب، أو قَتْلُ العادلِ الباغيَ؛ لأنَّه فِعْلٌ مأذون فيه شرعاً، فيَرِثُ الباغي العادلَ، والعادلُ الباغِيَ.
стр. 850
باب ميراث المُعتَق بعضه
- الأصلُ في الرَّقيق بجميع أنواعه أنَّه لا يَرِثُ ولا يُورَثُ، سواءٌ كان مُدبَّراً، أو مُكاتَباً، أو أمَّ ولد، أو معلَّقاً عِتْقُه على صفةٍ؛ لأنَّه ملكٌ لسيِّده، فما يملكه يكون مِلْكاً لسيِّده.
- أمَّا المُبَعَّض: وهو من كان بعضُه حرًّا، وبعضُه رقيقاً؛ فإنَّه يَرِثُ ويُورَثُ ويَحْجُبُ بقَدْر ما فيه من الحرِّيَّة؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي المُبَعَّضِ يُعْتَقُ بَعْضُهُ: يَرِثُ وَيُورَثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ) [رواه عبد الله بن أحمد]. ولأنَّه يجبُ أن يثبت لكل بعضٍ حكمه.
مثاله: مات عن (بنتٍ وأمٍّ نصفهما حرٌّ، وأبٍ حُرٍّ).
- فللبنت بنصف حرِّيَّتها نصف ميراثها، وهو الربع.
- وللأمِّ مع حُرِّيَّتها ورِقِّ البنت: الثُّلُث، ولها السُّدُس مع حُرِّيَّة البنت؛ لأنَّها محجوبة عن السُّدُس بسبب جزء حُرِّيَّة البنت. فيبقى للأمِّ الربع لو كانت حُرَّةً، فيبقى لها بنصف حُرِّيَّتها نصف الرُّبُع، وهو الثُّمُن.
- والباقي؛ وهو نصفٌ وثُمُنٌ للأب فرضاً وتعصيباً.
وإذا كان بين المُبعَّض وبين سيِّده مهايأة (١)؛ فكان يخدِمُ سيِّده بنسبةِ مِلْكِه، ويكْتَسِبُ بنِسْبةِ حُرِّيَّته، فإنَّ كُلَّ تَرِكَتِه التي جمعها بجزئه الحرِّ تكون لوارثه؛
стр. 851
لأنَّه لم يبق لسيِّده معه حقٌّ.
فإن لم يكن بينه وبين سيِّده مهايأةٌ، فتركته بين وارثه وبين سيِّده بالحصص.
стр. 852
باب الوَلاء
أوَّلًا: تَعريفُ الوَلاء:
الوَلاءُ لُغةً: -بفَتْح الواو مَمْدوداً- بمعنى المِلْك والقَرابة والنُّصْرَة.
واصْطِلاحاً: عُصوبَةٌ ثابتةٌ بِعِتْقٍ، أو تَعاطِي سَببِهِ؛ كاسْتيلادٍ، وتَدْبيرٍ.
أو هي: عُصوبَةٌ سَبَبُها نِعْمَةُ المُعْتِقِ على رَقيقِهِ بِالعِتْقِ.
ومعناه: أنَّ من أَعْتَقَ عَبْداً أو أَمَةً صارَ المُعْتِقُ عاصِباً للمُعْتَقِ، فيستحقُّ جميع أحكام التَّعْصيب عند عدم وجود عَصَبَةٍ له من النَّسَب؛ فيكون له ميراثُه، ويكون وليًّا له في النِّكاح، وغير ذلك.
ثانياً: أدلَّة ثُبوتِ الوَلاء لمن أَعْتَقَ:
الأصلُ في ثبوت الوَلاء لمن أَعْتَق القرآن، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة.
- فمن الكتاب: قول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
- ومن السُّنَّة المطهَّرة: ما جاء في حديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَق) [رواه البخاري ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «أجمع أهلُ العِلْم على أنَّ من أَعْتَقَ عَبْداً، أو عَتَقَ عليه، ولم يَعْتِقْه سائبةً -أي لله-، أنَّ له عليه الوَلاءَ».
стр. 853
ثالثاً: أَحكامُ ثُبوتِ الإِرْثِ بالوَلاءِ:
أ - إذا عُتِقَ العَبْدُ بأيِّ سببٍ من أسباب العِتْق؛ كالرَّحِم، أو المكاتبةِ، أو التدبير، أو الإيلاد، وغير ذلك؛ فإنَّه يترتَّب عليه الأحكامُ التالية:
الأوَّل: ثُبوتُ الوَلاءِ للمُعْتِق؛ لحديث عائشة -السابق-: (إِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَق).
الثاني: ثُبوتُ الوَلاءِ للمُعْتِقِ على أولاد العَتِيقِ، بشَرْط كَوْنِهم من زَوْجةٍ عَتيقَةٍ للعتيق أو لغيره، أو كَوْنِهم مِنْ أَمَةٍ له.
الثالث: ثُبوتُ الوَلاءِ للمُعْتِقِ على مَنْ للعَتِيقِ أو لأولاده -وإن سَفَلوا- وَلاؤُه؛ لأنَّه وليُّ نعمتهم، وبسببه عتقوا، ولأنَّهم فرعٌ، والفرعُ يتبعُ أصله، فأشبه ما لو باشَرَ عِتْقَهُم.
ب- يَرِثُ من له الوَلاءُ بالوَلاءِ -ولو مع التباين في الدِّين - بشرطين:
الأوَّل: أنْ لا يكون للعَتيق عَصَبةٌ من النَّسَب؛ كأبٍ، وابنٍ، وابن ابنٍ، وأخٍ.
الثاني: أن لا يكون للعَتيق ورثةٌ من ذوي الفُروض تستغرقُ فُروضُهم التركة؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) [رواه البخاري، ومسلم]، والوَلاء دون النَّسَب؛ لأنَّه مشبَّهٌ به، فتُقدَّم العَصَبةُ من النَّسَب على العَصَبةِ من الولاء.
فإن كان أصحاب الفروض لا يستغرقون التركة، وليس ثمَّة عَصَبةٌ
стр. 854
بالنَّسَب، فالباقي يكون للمَوْلى المُعتِقُ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ السابق.
فإن كان المَوْلَى المُعتِقُ ميِّتاً كانت التركة لأقرب عصبته، سواء كان ولداً، أو أباً، أو أخاً، أو عمًّا، أو غيره من العصبات، وسواء كان المُعتِق ذكراً أو أنثى. فلو كان للمُعتِق ابنٌ وابن ابنٍ، فالكُلُّ للابن، أو كان له أخٌ شَقيقٌ، وأخٌ لأبٍ؛ فالكلُّ للشقيق، وهكذا.
- وحُكْم ميراث الجدِّ مع الإخوة في الوَلاء كحُكْم ميراثه معهم في حال النَّسَب.
стр. 855
كتاب العتق
أوَّلًا: تَعريفُ العِتْق:
العِتْق لُغةً: الخُلُوص، ومنه سُمِّي البيتُ الحَرامُ عَتيقاً؛ لخُلوصِهِ من أيدي الجبابرة.
واصطلاحاً: تحريرُ الرَّقبة، وتخليصُها من الرِّق.
وإنَّما خُصَّت الرَّقبة به، وإن كان يتناول جميع البَدَن، لأنَّ مِلْكَ السيِّد له كالغُلِّ في رقبته المانع له من التصرُّف، وإن كان العِتْق لجميع بَدنِهِ.
ثانياً: مَشروعيَّة العِتْق وفَضلُه في الإسلام:
الأصلُ في مشروعيَّة العِتْق: الكتابُ، والسُّنَّة، والإجماع.
- أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣].
- وأمَّا السُّنَّة: فما روى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) [متّفق عليه].
- وأمَّا الإجماع: فيقول الزركشيُّ: «وأجمع المسلمون على مشروعيَّة ذلك، وأنَّه قُرْبةٌ في الجملة».
والعِتْق من أعظم القُرَب التي نَدَبَ إليها الشَّارع ممَّا يَتقرَّب العبدُ به إلى الله؛
стр. 856
إِذَا اقترنت به النِّيَّةُ المعتبرة الصَّحيحة:
- لأنَّ الله تعالى جعلَهُ كفَّارةً للقتلِ، واليمينِ، والظِّهار، وغيرِها.
- ولِمَا فيه من تخليص الآدميِّ المعصوم من ضَرَر الرِّقِّ، ومِلْك نَفْسِه، ومنافِعِه، وتكميل أحكامه، وتمكينه من التصرُّف في نَفْسِه، ومنافعه على حسب اختياره.
وأفضلُ الرِّقاب: أَنْفَسُها عند أهلها، وأغلاها ثَمَناً. وإعتاق الذَّكَرِ أفضل من إعتاق الأنثى، وإعتاق المتعدِّد ولو من إناثٍ أفضلُ من إعتاق واحدٍ، ولو كان ذكراً.
ثالثاً: حُكمُ العِتْق:
يختلف حُكْمُ العِتْق بحسب الحال:
أ - فيُسَنُّ عِتْقُ الرَّقيق: إن كان له كَسْبٌ؛ لانتفاعه بمِلْك كَسْبِهِ بالعِتْق.
ب- ويُكره عِتْق الرَّقيق: إن كان لا قوَّة له، ولا كَسْب؛ لأنَّه بإعتاقِهِ يتضرَّرُ بسقوط نفقتِهِ الواجبة، فيُخْشَى أن يتحوَّل إلى فقيرٍ يسأل الناس؛ فيكون عِبئاً على الناس والمجتمع.
- ويُكْرَهُ أيضاً إن كان يُخافُ منه الزِّنا أو الفساد، وكذا إن خِيفَ أن يرتدَّ ويَتركَ الدِّين، ويَلْحقَ بدار الحربِ.
ج- ويَحرم عِتْق الرَّقيق: إنْ عُلِم، أو غَلَبَ على الظنِّ ارتكابه المُحَرَّم؛
стр. 857
لأنَّ التوسُّل إلى المُحرَّم حَرامٌ.
وإن أعتقه مع ذلك صحَّ العِتْق؛ لصدوره من أَهْلِه في مَحلِّه.
ومثل الإعتاق: المُكاتَبةُ؛ في الحُكْم المذكور.
رابعاً: وقوعُ العِتْق:
يحصلُ العِتْق بأحدِ الأمورِ التالية:
أ - بالقَوْلِ؛ وينقسم من أجل كونِهِ إزالةَ ملكٍ إلى: (صريح) و (كناية)؛ كالطَّلاق.
١) فصَريحُه: لفظُ «العِتْق»، و «الحُرِّيَّة»؛ لأنَّ الشَّرع ورَدَ بهما، فوجب اعتبارُهما.
فمن قال لرقيقِهِ: «أنتَ حُرٌّ»، أو «مُحرَّرٌ»، أو «قد حَرَّرْتُك»؛ أو «أنت عتيقٌ»، أو «مُعْتَقٌ» أو «قد أعتقْتُكَ»: عَتَقَ، ولو لم يَنْوِ عِتْقَه بذلك.
٢) وكنايتُهُ: ويشترطُ فيها: أن تكون معَ نيَّةِ العِتْق. وهي ألفاظ كثيرة؛ منها: «خَلَّيتُكَ»، و «أطلقتُكَ»، و «الحقْ بأهلك»، و «اذهبْ حيثُ شئتَ»، و «لا سبيلَ لي عليك»، أو «لا سلطانَ لي عليك»، أو «لا مِلكَ لي عليك»، أو «لا رِقَّ لي عليك»، أو «لا خِدْمَةَ لي عليك»، أو «وَهبتُك لله»، و «أنتَ لله»، و «رفعتُ يدي عنك إلى الله».
وتزيد الأمَةُ على العَبْدِ ب: «أنتِ طالقٌ»، أو «أنتِ حَرامٌ عَليَّ».
стр. 858
ب- ويحصل العِتْق بالفعلِ: فمَنْ مَثَّلَ برقيقِهِ -ولو بلا قصدٍ-؛ فجَدَعَ أنْفَه، أو أُذُنَه، أو خَصَاه، أو حَرَق عضواً منه، أو استكرهه على الفاحشة، أو وَطِئَ من لا يُوْطَأُ مثلُها لصِغَرٍ: عَتَقَ في الجميع؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: (أَنَّ زِنْبَاعًا أَبَا رَوْحٍ وَجَدَ غُلَاماً لَهُ مَعَ جَارِيَةٍ لَهُ فَجَدَعَ أَنْفَهُ وَجَبَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ؟ قَالَ زِنْبَاعٌ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبْدِ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ) [رواه أحمد].
ولكن لا يكون العِتْق بخَدْشٍ، وضَرْبٍ غير مُبرِّحٍ، أو لَعْنٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فلم يُعتَق بذلك، كما لو هدَّده.
ج- ويحصلُ العِتْق بمِلْكِ مُكَلَّفٍ رَشيدٍ وغيره لذي رحِمٍ مُحرَّمٍ من النَّسب؛ كأبيهِ وجدِّه وإن علا، وولده وولد ولده وإن سفل، وأخيه وأخته وولدهما وإن نزل، وعمِّه وعمَّته، وخاله وخالته؛ لما روى الحَسَن عن سَمُرَة أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ؛ فَهُوَ حُرٌّ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].
- ويُعتَقُ عليه ذو الرَّحِم المُحرَّم ولو كان حَمْلاً.
- ويُعتَقُ عليه كذلك إن مَلَكَ بعضه بشِراءٍ، أو هِبَةٍ، أو نحوهما؛ فيُعْتَقُ البعض الذي مَلَكَه، ويُعتَقُ الباقي بالسِّرايةِ إن كان موسِراً، ويَغْرم حِصَّة شريكه.
стр. 859
خامساً: صُدورُ العِتْق من هازِلٍ أو نائِمٍ، ومَن في حكمِهِ:
يَقَعُ العِتْق من الهازِل؛ كما في الطَّلاق، ولا يَقَعُ مِنْ نائمٍ ومجنونٍ ومُغْمًى عليه؛ لأنَّهم لا يَعْقِلون ما يَقولون.
سادساً: حُكْمُ تَعليقِ العِتَاقِ بصِفَةٍ أو شَرْطٍ أو عِوَضٍ:
- يصحُّ تعليقُ العِتْق بالصِّفة؛ كما لو قال لرقيقِهِ: «إن فَعَلْتَ كذا؛ فأنتَ حُرٌّ»؛ ومنه أيضاً: تعليقُهُ على دخولِ الدَّارِ، ومجيءِ الأمطار، لأنَّه عِتْقٌ بصفةٍ؛ فيصحُّ كالتدبير.
ويَبطل التَّعليقُ بموتِهِ؛ لزوال مِلْكِهِ زوالاً غير قابلٍ للعودة.
فإن وقَفَهُ أو باعَهُ قبل تحقُّقِ الصِّفَة: لم يُعْتَق إن وُجِدَتِ الصِّفَة؛ لأنَّه لا مِلْكَ له عليه؛ فلا يقع عليه عِتْقُه؛ لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) [رواه أبو داود، والترمذي].
- ولو أوْصَى بإعتاقِهِ بعد موتِهِ: صَحَّ وعَتَقَ؛ وكذا لو قال: «أنت حُرٌّ بعد موتي بشهر»؛ فلا يملكُ الوارث بيعه قبل مضيِّ الشهر، وكَسْبُه قَبْلَه للورثة؛ ككَسْبِ أمِّ الوَلَدِ حياة سيِّدها.
- وكذلكَ يَصحُّ قولُهُ: «كلُّ مملوكٍ أملكُه؛ فهوَ حُرٌّ»؛ فكلُّ مَنْ ملكَهُ عَتَقَ؛ سواء كان مُدبَّراً، أو مُكاتَباً، أو أمَّ ولدٍ، مَلَك شِقْصاً فيه؛ وذلك لعموم لفظه فيهم؛ كما لو عيَّنهم.
стр. 860
- وإنْ قالَ السيِّدُ لرقيقِهِ: «أنت حُرٌّ، وعليك ألفٌ»؛ عَتَقَ في الحال بلا شيء؛ لأنَّه أعتقه بغير شَرْطٍ، وجعل عليه عِوَضاً لم يقبله، فعَتَقَ ولم يلزمه شيءٌ.
- وأمَّا إن قالَ لرقيقِهِ: «أنت حُرٌّ على ألفٍ أو بألفٍ»: لا يُعْتَق حتَّى يقبل؛ لأنَّه أعتقَهُ على عِوَضٍ، فلا يعتق بدونِ قبولِهِ، ويلزمه الألف.
ولو قال: «على أن تخدمني سَنةً»: يُعتَق بلا قبول، وتلزمه الخِدْمة؛ لأنَّه في معنى العتق واستثناء الخدمة.
- ويصحُّ أن يعتقه، ويستثني أن يخدمه مدَّةَ حياتِهِ، أو مدَّةً معلومةً؛ كشهرٍ أو سَنةٍ؛ فإذا مات أو انتهت المُدَّة: عَتَقَ؛ لما روى سفينة أبو عبد الرحمن قال: «أَعْتَقَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ أَنْ أَخْدُمَ النَّبِيَّ ﷺ مَا عَاش» [رواه أحمد وابن ماجه].
- ومَن كان يملكُ أكثرَ مِنْ رقيقٍ؛ فقالَ: «رقيقي حُرٌّ»، ولم ينو من عبيده معيَّناً: عَتَقَ كلُّ عبيدِهِ؛ لأنَّه مفردٌ مضافٌ؛ فيعمُّ كلَّ رقيقٍ.
стр. 861
باب التَّدبير
أوَّلًا: تَعريفُ التَّدْبيرِ:
التَّدْبيرُ لُغةً: مشتقٌّ من الدَّبْر، وهو الموت، وأدْبَرَ الرجلُ: إذا مات. والتَّدْبيرُ في الأمر: النَّظرُ في عاقبةِ الأُمور.
واصطلاحاً: تعليقُ العِتْق بالموت. كقول السيِّد لرقيقِهِ: «إن مِتُّ فأنتَ حُرٌّ بعد موتي»، أو «مُعْتَقٌ»، أو «مُدبَّرٌ».
وسُمِّي تَدبيراً؛ لأنَّ الموتَ إنَّما يكون دُبُرَ الحياة؛ فلا يُستعمل في وصيَّةٍ ولا وَقْفٍ.
ثانياً: حُكم التَّدبير:
التَّدْبيرُ مشروع بدلالة السُّنَّة، والإجماع.
- أمَّا السُّنَّة: فحديثُ جابرٍ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ) [رواه البخاري ومسلم].
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ من دَبَّر عَبْدَهُ أو أَمَتَهُ ولم يَرْجِعْ عن ذلك حتَّى ماتَ، فالمُدَبَّر يُخْرَجُ من ثُلُث مالِهِ بعدَ قَضَاءِ دَيْنٍ، إنْ كان عليه، وإنْفاذِ وَصايا إنْ كان أوصى بِها».
стр. 862
ثالثاً: شُروطُ صحَّةِ التَّدْبير:
يُشترطُ لصحَّة التدبير شرطان:
الأوَّل: أن يَصدُرَ التَّدبير ممَّن تصحُّ وصيَّتُه؛ لأنَّه تبرُّعُ بالمال بعد الموت، فأشبه الوصيَّة. فيصحُّ مِنْ محجورٍ عليهِ لسَفَهٍ، وفَلَسٍ، ومن مُميِّزٍ يعقل التَّدْبير. ولا يصحُّ من مجنونٍ، ولا سكرانَ، ولا طفلٍ.
الثاني: أن يكونَ التَّدبير مِنْ ثُلُثِ مال السَّيِّد المُدَبِّر يوم موته، سواءً كان التدبير في الصِّحَّة أو المَرَض؛ لأنَّه تبرُّعٌ بعد الموت، أشبه الوَصِيَّة في اشتراطِ الثُّلُث.
رابعاً: ألفاظُ التَّدْبير:
للتَّدبير ألفاظٌ صريحةٌ، وألفاظٌ كنائيَّةٌ؛ كالعِتْق فيمَا مَضَى.
أ - فمِن صريحِه: قوله: «أنتَ حُرٌّ بعد موتي»، و «أنتَ عَتيقٌ بعد موتي»، «أنتَ مُدَبَّر».
ب- ومِن كناياتِه: قوله: «إن مِتُّ فأَنْتَ لله»، أو «فأنتَ سائبةٌ»، أو «الْحَقْ بأهلِكَ بعد موتي». ويُشترط في الكناية النِّيَّة، وإلَّا لم يحصل العِتْق بالموت.
خامساً: أنواعُ التَّدبيرِ وأحكامُها:
ينقسم التدبير إلى عدَّة أنواع:
أ - فيَصحُّ مُطْلقاً من غير قيْدٍ ولا تعليقٍ؛ كأن يقول لرقيقِهِ: «أنتَ مُدبَّر».
стр. 863
ب- ويصحُّ مُقيَّداً؛ كأن يقولَ لرقيقِهِ: «إن مِتُّ في عامي هذا، أو مرضي هذا؛ فأنت مُدَبَّرٌ».
ج- ويصحُّ مُعَلَّقاً، كأن يقول لرقيقِهِ: «إذا قَدِمَ زيدٌ فأنتَ مُدَبَّرٌ»، ولا يصيرُ مُدَبَّراً حتَّى يوجدَ الشَّرطُ في حياة سيِّدِهِ.
د - ويصحُّ مُؤقَّتاً، كأن يقول لرقيقه: «أنتَ مُدَبَّرٌ اليومَ»، أو «سَنَةً».
سادساً: ما يَصحُّ في المُدبَّر من المعاملاتِ:
أ - يصحُّ بيعُ المدبَّر وهِبَتُهُ: لحديث جابر ﵁، وقد سبق.
ب- ويصحُّ وقْفُهُ ورَهْنُه كذلك؛ قياساً على البيع.
سابعاً: ما يَبطل به التَّدبير:
يبطل التَّدبير بثلاثةِ أشياء:
أ - وَقْفُ المُدَبَّرِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يجبُ أن يكون مُستَقِرًّا.
ب- قتلُهُ لسيِّدِهِ؛ لأنَّه استعجَلَ ما أُجِّلَ له، فعوقِبَ بنقيض قَصْدِهِ، كحِرْمان القاتل من الميراث. ولئلَّا يُتَّخذ ذلك وسيلةً لأجلِ العِتْق.
ج- إيلادُ الأَمَةِ مِنْ سَيِّدِها؛ أيْ: أنَّ الأَمَةَ المُدَبَّرة متَى وَلَدتْ من سيِّدها بَطَل تَدْبيرُها، وصارتْ أمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّ مقتضى التَّدبير العِتْق من الثُّلُث، والإيلاد: العِتْقُ من رأس المال، ولو لم يملك غيرَها، فالاستيلاد أقوى، فيبطل به الأضعفُ.
стр. 864
باب الكتابة
أوَّلًا: تَعريفُ الكتابةِ:
الكتابةُ لُغةً: اسمُ مصدرٍ، بمعنى المكاتبَةِ. وأَصْلُها من الكَتْب، وهو الجَمْعُ، لأنَّها تجمَعُ نجوماً.
واصطلاحاً: بيعُ السيِّدِ رَقيقَه نَفْسَهُ أو بعضَه بمالٍ في ذمَّته، مباحٍ معلومٍ، يصحُّ السَّلَم فيه، مُؤَجَّلٌ بأجلَيْنِ فأكثر، يَعلمُ قَدْرَ كُلِّ أَجَلٍ ومُدَّتَهِ.
ثانياً: حُكْمُ الكِتابَةِ:
الكتابةُ مشروعة في الجملة، وتُسنُّ كتابةُ مَنْ عُلِمَ فيه خيرٌ، وقد دلَّ على ذلك: الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
- فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ يعني: كَسْباً وأمانةً، في قول أهل التفسير. وقال الإمام أحمد: «الخير: صِدْقٌ وصَلاحٌ ووفاءٌ بمال الكتابة».
- ومن السُّنَّة: حديث عائشة ﵂ قالت: (دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي، فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي، فَأَعْتِقِينِي قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ- فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا … ) الحديث. [رواه البخاري ومسلم].
стр. 865
- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «وأجمعت الأمَّةُ على مشروعيَّة الكتابة».
ثالثاً: شَرْطُ الكِتابَةِ:
يُشترط لصحَّة الكتابة ما يلي:
أ - أن تَصْدُرَ من جائزِ التَّصرُّف مع قبولِ المُكاتَب، فلا تصحُّ من المجنون، ولا الطفل؛ لأنَّها عقدُ معاوضةٍ؛ كالبيع.
ولا تصحُّ الكتابةُ من مميِّزٍ لرقيقه إلَّا بإذن وليِّه؛ لأنَّها تصرُّفٌ في المال، فلم يصحَّ إلَّا بإذن وليِّه، كالبيع.
لكن تصحُّ كتابة رقيقٍ مميِّزٍ؛ لأنَّه يصحُّ تصرُّفُه وبيعُه بإذن سيِّده، فصحَّت كتابتُه كالمُكلَّف. وإيجابُ سيِّدِه الكتابة له إذنٌ له في قبولها.
ب- أن تكون بالقولِ: بأن يقول السَّيِّدُ لمن يريد أن يكاتبه: «كاتبتُكَ على كذا»؛ لأنَّها إمَّا بيعٌ، أو تعليقٌ للعِتْق على الأداء، وكلاهما يشترط له القول، ولا مَدْخَل للمعاطاة هنا، لأنَّ المعاطاة لا تكون فيها صريحاً.
رابعاً: الأثرُ المترتِّبُ على الأداءِ أو الإبراءِ:
يُعتَق المكاتَبُ إذا تحقَّقُ أحد الحالين:
أ - إذا أدَّى المكاتَبُ ما عليه لسيِّده؛ فقبضَهُ منه سيِّدُه أو وَلِيُّه -إن كان محجوراً عليه-؛ لمفهوم حديث عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه عن النبيِّ ﷺ قال: (المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) [رواه أبو داود]؛ فدلَّ
стр. 866
بمفهومِهِ على أنَّه إذا أدَّى جميعَ كتابته لا يبقى عَبْداً.
ب- إذا أبرأ السيِّدُ المكاتَبَ من مال الكتابة؛ لأنَّه لم يبق عليه لسيِّده شيءٌ منها.
- وما بقي بيد المكاتب بعد أدائه ما عليه من مال الكتابة فهو له؛ لأنَّه كان له قبل عتقِهِ، فبقي على ما كان.
خامساً: ما يَمْلِكُهُ المُكاتَبُ وما لا يَمْلِكُه:
يملِكُ المكاتب ما يلي:
أ - كَسْبَهُ.
ب- ونَفْعَهُ.
ج- وكُلَّ تصرُّفٍ يُصلِحُ مالَهُ: كالبيعِ، والشِّراءِ، والإجارةِ، والاستدانة؛ لأنَّ الكتابة وُضِعَت لتحصيل العِتْق، ولا يحصلُ العِتْق إلَّا بالأداء، ولا يمكنه الأداء إلَّا بالتَّكَسُّب، وهذه أقوى أسبابه.
ولا يملِكُ ما يلي:
أ - أن يُكفِّر بمالٍ إلَّا بإذن سيِّده؛ لأنَّه في حُكم المعسِرِ.
ب- أن يسافر لجهاد؛ لأنَّ فيه تفويتاً لحقِّ سيِّده.
ج- أن يتزوَّج إلَّا بإذن سيِّده؛ لأنَّه عبدٌ.
د - أن يتبرَّع أو يُقْرِضَ، وغير ذلك، إلَّا بإذن سيِّده في الكُلِّ، لأنَّ حقَّ سيِّدِه لم ينقطع عنه، لأنَّه ربما عَجَزَ فعاد إليه كُلُّ ما في مِلْكِه.
стр. 867
فصل أَحكامُ عقد الكتابة وفَسْخه
أ - الكتابةُ عقدٌ لازمٌ مِنْ الطَّرفَيْن؛ لأنَّها بيعٌ، ولا يملك أحدهما فسخها كسائر العقود اللَّازمة.
ب - لا تنفسِخُ الكتابةُ بموتِ السيِّد، ولا جنونه، ولا إذا حُجِر عليه لسَفَهٍ فيه أو فَلَسٍ؛ كبقيَّةِ العقودِ اللَّازمةِ.
ج- يُعْتَقُ المكاتَبُ بالأداء إلى من يقومُ مقامَ السيِّد من وَلِيِّه ووكيلِه، أو الحاكم مع غيبة سيِّدِه، أو إلى وارثِه إن ماتَ.
د - إذا حَلَّ على المكاتَب أجَلٌ من مال الكتابة؛ فلم يؤدِّ ما عليه في وقتِهِ وعلى صورتِهِ، فلسيِّدِه الفَسْخُ بلا حُكْمِ حاكِمٍ؛ كما لو أعْسَرَ المشتري ببعضِ ثمنِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ.
هـ- يلزَمُ السَّيِّدَ إنظارُ المكاتَبِ قبلَ فَسْخِ الكتابةِ ثلاثَ ليالٍ بأيَّامِها إن استنظَرَهُ المكاتَبُ لبيع عَرْضٍ، ولمالٍ غائبٍ دون مسافة القَصْر يرجو قدومه؛ قَصْداً لحظِّ المكاتَب والرِّفْق به، مع عدم الإضرارِ بالسَّيِّد.
و - بعدَ قبضِ جميعِ مالِ الكتابةِ؛ يجبُ على السَّيِّد أن يدفع للمكاتَبِ رُبع مالِ الكتابةِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر
стр. 868
الأمر الوجوب.
وأمَّا كونُه رُبعَ مال الكتابة: فلما رُوِي عن عليٍّ ﵁ في قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾؛ قال: «رُبُعُ الكِتَابَةِ» [رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة].
ز - يَصحُّ فَسْخُ الكتابَةِ باتِّفاقِ المكاتَبِ والسَّيِّد؛ فيَصِحُّ أن يتقايَلَا أحكامَها؛ قياساً على البيعِ.
стр. 869
باب أحكام أمِّ الوَلَد
أوَّلًا: تَعريفُ أمِّ الوَلَد:
الأصلُ اللُّغويُّ لأمَّهات: أُمَّهَةٌ؛ ولذلكَ جُمِعَتْ على أمَّهات باعتبارِ الأصلِ.
واصطلاحاً: مَنْ وَلَدَتْ مِنْ مَالِكِهَا -سواء مَلَكَ كُلَّها أو بعضَها- ما فيه صُورةٌ، ولو خَفِيَّةٌ.
ثانياً: شُروطُ أُمِّ الوَلَد:
أمُّ الوَلَدِ من اجتَمَعَ فيها شَرْطانِ:
الشَّرْطُ الأوَّل: أنْ تَضَعَ ما يَتبيَّن فيه خَلْقُ إنسانٍ، ولو كانت صورتُهُ خَفيِّةً، ولو كان ما ولدته ميِّتاً؛ لقول عمر ﵁: (الأَمَةُ يُعْتِقُهَا وَلَدُهَا، وَإِنْ كَانَ سَقْطاً) [رواه عبد الرزاق].
فإن وَضَعَت جِسْماً لا تخطيط فيه؛ كمُضْغَةٍ ونحوها؛ لم تَصِرْ به أمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّه ليس بولد، وعِتْقُها مشروطٌ بصَيْرورَتِها أمَّ وَلَدٍ.
الشَّرْطُ الثَّاني: أن تَحمِلَ به في مِلْكِه، سواء كان من وَطْءٍ مُباحٍ أو مُحرَّمٍ؛ كالوَطءِ في الحيض، والنفاس، والإحرام، والظِّهار، ولو كان مالِكاً جُزءًا يسيراً منها.
стр. 870
ثالثاً: ما تُوافِقُ فيه أُمُّ الوَلَدِ الأَمَةَ:
أحكامُ أمُّ الولَدِ كأحكام الأَمَةِ غير المُستولَدَة؛ من: وطءٍ، وخِدْمةٍ، وإجارةٍ، وتزويجٍ، وعِتْقٍ، ومِلْكِ كَسْبِها، وحَدِّها، وعَوْرَتها، وغيره من أحكام الإماء؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ) [رواه أحمد، وابن ماجه].
فأُمُّ الولد باقيةٌ على الرِّقِّ مدَّة حياة سيِّدها، إِلَّا في أمرَيْن:
أ - في التَّدْبير؛ فلا يصحُّ تدبيرها؛ لأنَّه لا فائدة فيه؛ إذ الاستيلاد أقوى من التَّدْبير؛ لأنَّ مقتضى الاستيلاد العِتْق من رأس المال وإن لم يملك غيرها، ومقتضى التَّدْبير: العِتْق من الثُّلُث؛ فيَبْطُلَ الأضعفُ وهو التَّدْبير.
ب - في نَقْلِ المِلْكِ في رَقَبَتِها؛ كبيعٍ (١)، وهِبةٍ، ووَقْفٍ، أو ما يُرادُ له؛ كرَهْنٍ؛ لما روى ابن عمر عن عمرَ ﵄: (أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا حَيَاتَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ) [رواه الدارقطني].
وأمَّا عدم جواز رهنها؛ فلأنَّ القصد من الرَّهن بيعها في الدَّيْن، ولا سبيل إليه.
стр. 871
رابعاً: عِتْقُ أُمِّ الوَلَد:
تُعْتَقُ أمُّ الولَدِ -مُسلِمَةً كانت أو كافِرَةً- بموت سيِّدِهَا؛ ولو لم يملك غيرها.
أمَّا كونُها تُعْتَقُ وإن لم يملك غيرها؛ فلظواهِرِ الأحاديث؛ كما سبق في حديث ابن عبَّاس ﵄ مرفوعاً: (أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ).- وعن عكرمة عن عمر ﵁ قال: (أُمُّ الوَلَدِ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا وَإِنْ كَانَ سِقْطًا) [رواه ابن أبي شيبة].
- ولأنَّ الاستيلادَ إتلافٌ حَصَلَ بسببِ حاجةٍ أصليَّةٍ، وهي الوطء، فكان من رأسِ المال، كمَن أتلفَ طعاماً يأكلُه؛ فإنَّه يُحسَبُ من رأس مالِهِ؛ فهذا هو القياس، والجامعُ: الإتلاف في كلٍّ.
خامساً: متفرِّقات في أَحْكامِ أُمِّ الوَلَدِ:
أ - من مَلَك أَمَةً حاملًا من غيره، فوطئها قبل وضعها، حَرُمَ عليه بيع ذلك الولد، ويلزمه عتقه؛ لأنَّه قد شَرِك فيه؛ لأنَّ الماء يزيدُ في الولد.
ب- من قال لأَمَتِه: «أنت أمُّ ولدي»، أو «يَدُكِ أمُّ ولدي»، صارت أمَّ ولدٍ؛ لأنَّه إقرار منه، وإذا أقرَّ جزءًا منها مُستَوْلَدٌ سَرَى إقراره بالاستيلاد إلى جميعها.
ومثله لو قال لابنها: «أنت ابني»، أو «يَدُكَ ابني»، ويثبت النَّسبُ.
стр. 872
ج- لا يَبْطُلُ الإيلاد بحالٍ، ولو بقتل أمِّ الولد سيِّدَها.
د - حكمُ ولد المملوكة من غير سيِّدها إن أتت به بعد إيلادها وصيرورتها أُمَّ ولد، كحكم أُمِّه، ويجوز فيه من التصرُّفات كلُّ ما يجوز في أمِّ الولد، ويمتنع فيه من التصرُّفات ما يمتنع في أمِّ الولد؛ لأنَّ الولد يتبع أمَّه في الحرِّيَّة والرِّقِّ، فكذلك في سبب الحرِّيَّة.
لكن لا يُعتَق ولدُها بإعتاقها؛ لأنَّها عتقت بغير السبب الذي يتبعها فيه، ويبقى عتقه موقوفاً على موت سيِّدها.
هـ- إذا مات سيِّدها وهي حاملٌ منه، فنفقتها مدَّة الحمل من مال حملها؛ لأنَّ الحَمْل له نصيبٌ من الميراث، فتجبُ نفقته في نصيبه. وإلَّا كانت نفقته على وارثه؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
و - إذا أسلمت أمُّ ولدٍ لكافرٍ، مُنِع من غشيانها، وحِيلَ بينه وبينها؛ لتحريمها عليه بالإسلام.
стр. 873
كتاب النِّكاح
أوَّلًا: تَعريفُ النِّكاح:
النِّكاح لُغةً: الضمُّ والجَمْع، ومنه قولهم: تَناكَحَتِ الأشجارُ، إذا انْضَمَّ بعضُها إلى بعض.
واصطلاحاً: عَقْدُ التزويج. أي: عَقْدٌ يُعتبَرُ فيه لَفْظُ نِكاحٍ، أو تَزْويجٍ، أو ترجمته.
وقد يُطلَقُ النكاحُ على الوَطْءِ المباح، وقد يكون بمعنى العَقْد؛ فإن قيل: «نكح فلانة»؛ أي: تزوَّجها، وعَقَدَ عليها، وإن قيل: «نكح امرأتَه»؛ أي: جامَعها؛ لوجودِ القرينة.
والمعقودُ عليه: منفعةُ الاستمتاع، لا مِلْكُ المنفعة، ولهذا يقع الاستمتاعُ من جهة الزَّوجة معَ أنَّه لا مِلْكَ لها.
ثانياً: مَشْروعيَّةُ النِّكاح:
ثبتت مشروعية النِّكاح في الكتابِ، والسُّنَّة، والإجماع:
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وغيرها من الآيات.
- ومن السُّنَّة: حديث ابن مسعودٍ ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال:
стр. 874
(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) [رواه البخاري، ومسلم]. وغيرها من الأحاديث.
- وأمَّا الإجماع: فقال الزركشيُّ: «وهو مشروعٌ بالإجماع القطعي في الجملة».
ثالثاً: حُكْمُ النِّكاح:
النّاسُ في النِّكاح على أربعةِ أقسامٍ:
القسمُ الأوَّل: من يُسنُّ له النِّكاح، وهو صاحب شَهْوةٍ لا يخافُ الزِّنا مِنْ الرِّجالِ والنِّساء، ولو كان فقيراً عاجزاً عن الإِنفاق؛ لحديث ابن مسعودٍ
﵁ السابق، ولحديث سَهْل بن سعدٍ ﵁ قال: (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلّاهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ … ) [رواه البخاري]. فالنَّبيُّ ﷺ زوَّج هذا الرجل وهو فقيرٌ لم يقدر على ثوبٍ ولا خاتم من حديد.
واشتغالُ هذا بالنِّكاح أفضلُ له من التَّخلِّي لنوافلِ العبادات؛ لظاهر قول الصحابة وفعلهم، فعن سَعيدِ بن جُبَيْرٍ قال: قال لي ابن عبَّاس: (هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً) [رواه البخاري].
стр. 875
القسمُ الثَّاني: من يجبُ عليه النِّكاح؛ وهو مَنْ يخافُ الزِّنا بتركِ النِّكاح -ولو كان ظنًّا-، مِنْ الرِّجال والنِّساء؛ لأنَّ نكاحه طريقٌ لإعفافِ نفسِهِ وصونِها عن الحرام.
ولذا إذا تعارض زواجه في هذه الحالة معَ وجوب الحجِّ عليه؛ فإنَّه يُقدَّمُ حينئذٍ على الحجِّ الواجبِ؛ لخشيةِ الوقوعِ في المحذور بتأخُّرِهِ، بخلافِ الحجِّ.
القسمُ الثَّالث: مَنْ يباحُ النِّكاح له؛ وهو:
أ - من لا شهوةَ له أصلًا؛ كالعِنِّينِ.
ب- أو كانتْ له شهوةٌ، وذهبتْ لعارضٍ؛ كالمرضِ والكِبَرِ.
لأنَّ العِلَّةَ التي يجب لها النِّكاح، أو يستحبُّ -وهو خوفُ الزنا، أو وجودُ الشهوة- غير موجودةٍ فيه.
ولأنَّ المقصودَ من النِّكاح الولدُ وتكثيرُ النَّسلِ، وهو غير موجودٍ فيمنْ لا شهوةَ له، فلا ينصرفُ إليه الخطاب به، إلَّا أنَّه يكون مباحاً في حقِّهِ، كسائِرِ المباحاتِ، لعدمِ مَنْعِ الشرعِ منه.
القسمُ الرَّابع: مَنْ يَحرُمُ بحقِّه النِّكاح، وهو الذي بدارِ الحَرْب لغير ضرورة؛ لأنَّه أقربُ لسلامة الولد من أن يُستعبد ويصير على دينهم.
فإن اضطرَّ جاز له نكاحُ مسلمةٍ، ويعزل عنها ندباً.
ولا يصحُّ أن يتزوَّج من الكفَّار وهو في دار الحرب.
стр. 876
ولكن يُستثنى الأسيرُ؛ فلا يحلُّ له ولو لضرورةٍ؛ لأنَّه يُمنَع من وطء امرأته إذا أُسِرَت معه مع صحَّة نكاحهما؛ لئلَّا يُستعْبَدَ الولد، فغيرُها أَوْلَى.
أمَّا إذا كان في جيش المسلمين، فله أن يتزوَّج؛ لأنَّ الكفَّار لا يد لهم عليه، أشبه من في دار الإسلام.
رابعاً: حُكْمُ الزَّواج بأَكثَرَ مِنْ واحِدَةٍ:
يُسنُّ أن يقتَصِرَ الرَّجُلُ على زوجةٍ واحدةٍ إن حصَل بها الإعفاف؛ لأنَّه أسلَمُ للذِّمَّة من الجَوْرِ؛ فقد لا يستطيع الزَّوج العَدْلَ بين زوجتيه أو زوجاته إذا كان له أكثر من زوجةٍ. ففي الزِّيادة على الزَّوجة الواحدة تَعريضٌ للمحرَّم بالميل لإحداهما؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى؛ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي].
- وتُستحب الزيادة إن لم تعفَّه الواحدة، إن كان قادراً على كُلْفة ذلك، مع تَوَقَانِ النَّفْس إليه، ولم يترتَّب عليه مفسدةٌ أعظمُ من فِعْلِه، وإلَّا فَلَا.
خامساً: صفاتُ المرأةِ التي يُسَنُّ نِكاحُها:
يُسنُّ للرَّجُل أن يَتَخيَّر من النِّساء الأفضل في الصِّفات، وممَّا يُسنُّ وجودُهُ من تلك الصِّفات:
стр. 877
أ - أن تكون من ذواتِ الدِّين: لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- أن تكون وَلُوداً؛ أي: من نساءٍ يُعْرَفْنَ بكَثْرَة الأولاد؛ لحديثِ مَعْقِل ابن يَسارٍ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي].
ج- أن تكون بِكْراً؛ لقولِهِ ﷺ لجابرٍ ﵁: (فَهَلَّا بِكْرًا، تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
د - أن تكون حَسِيبةً؛ أي: نَسيبَةً؛ وهي الطَّيِّبةُ الأصل؛ ليكون وَلَدُها نَجيباً من بيت معروف بالدِّين والصَّلاح.
هـ- أن تكون أجنبيةً؛ فإنَّ وَلَدَها يكون أَنْجَب، ولأنَّه لا يؤمَنُ الطَّلاقُ، فيُفْضي مع القَرابَةِ إلى العداوة، وإلى قطيعةِ الرَّحِم المأمور بصِلَتِها.
و - أن تكون جميلةً؛ لأنَّه أسكنُ لنفسِهِ، وأغضُّ لبَصَرِه، وأكملُ لموَدَّتِه.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قيلَ: يا رسول الله: أيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قال: (الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطَيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ) [رواه أحمد والنسائي].
стр. 878
أحكام الخِطبة
أوَّلًا: تَعريفُ الخِطْبَة:
الخِطْبَةُ لُغةً: -بكسر الخاء-؛ مصدر خَطَبَ، وهو طَلَبُ الزَّواج بالمرأةِ، منها، أو من وَلِيِّها.
ولا يخرج التعريف الاصطلاحي عن معناه اللُّغوي.
ثانياً: حُكْمُ النَّظَرِ إلى المَخْطوبَةِ:
يُباحُ لمن أرادَ خِطبة امرأةٍ، وغلبَ على ظنِّه الموافقة: أن ينظرَ منها إلى ما يظهر غالباً؛ كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدمٍ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ). [رواه أحمد، وأبو داود].
- أمَّا النَّظر إلى ما لا يظهر غالباً؛ فلا يجوز.
- وله أن يُكرِّر النَّظَر إذا احتاج إلى ذلك؛ للحديث السابق؛ فإذا لم يجد ما يدعوه إلى نكاحها في أوَّل مرَّة؛ فله أن ينظر مرَّةً ثانيةً، وثالثةً، وهكذا.
ثالثاً: شُروطُ النَّظَر إلى المَخْطوبَةِ:
يُشتَرَطُ لإباحَةِ النَّظَر لمن عَزَم على خِطْبة امرأةٍ شروطٌ:
الأوَّل: أن يَغلِبَ على ظنَّه إجابتُهُ، فإنْ ظنَّ عدم إجابته للنكاح لو خَطَبَ، أو شَكَّ في ذلك؛ لم يجز له النَّظر؛ لأنَّ الأصل تحريم النَّظر إلى الأجنبيَّة،
стр. 879
ولم يوجد ما يُبيحُه.
الثاني: أن يكون نَظَرُه إلى ما يظهرُ من المرأة غالباً؛ كالوجه، والرَّقبة، واليد، والقَدَم؛ لحديث جابر ﵁ السابق، وفيه: ( … فَخَطَبْتُ جَارِيَةً، فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا).
فلمَّا أَذِنَ في النَّظَرِ إليها من غير عِلْمِها، عُلِمَ أنَّه أَذِنَ في النَّظَر إلى جميع ما يظهر غالباً.
الثالث: أن يكون بلا خَلْوَةٍ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) [رواه البخاري، ومسلم].
الرابع: أن يَأْمَنَ ثَوَرانَ الشَّهْوَةِ؛ لأنَّ المقصود من النَّظر هنا الاستعلامُ لا الاستمتاع.
ولا يُشترطُ إِذْنُ المَخْطوبَةِ في النَّظَر إليها وتأمُّلِ محاسنها.
رابعاً: حُكْمُ التَّصْريحِ بخِطْبَةِ المُعْتدَّةِ:
المقصودُ بالتَّصريح: هو ما لا يحتمل غير النكاح؛ كقول الخاطِب: «أريد أن أتزوَّجك»، أو «إذا انقضَتْ عِدَّتُكِ تَزَوَّجتُكِ»، أو «زوِّجيني نَفْسَكِ»، ونحو ذلك.
فيَحْرُمُ التَّصريحُ بخِطْبة المُعتدَّة من وَفاةٍ، أو مَنْ بانَتْ مِنْ زوجِهَا حال
стр. 880
حياتِهِ؛ وهي: المُطلَّقة ثلاثاً؛ بالإجماع؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ففيها دليلٌ على تحريم التَّصريح؛ لأنَّ التَّصريح لا يحتمل غير النِّكاح؛ فلا يُؤمَنُ أن يحملها الحرصُ عليه على الإخبار بانقضاء عِدَّتِها قبل انقضائِها.
- ويُباحُ التصريحُ بخِطْبة المعتدَّة إذا كان من زوجٍ تحلُّ له؛ كالمخلوعة، والمطلَّقة دون ثلاثٍ على عِوَضٍ؛ لأنَّه يُباح له نكاحها في عِدَّتها، أشبهت غير المعتدَّة بالنسبة إليه.
خامساً: حُكْمُ التَّعْريضِ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ:
المقصودُ بالتَّعْريضِ: ما يُفهمُ منه النكاح مع احتمال غيره؛ كقول الخاطب: «إنِّي في مثلك لراغبٌ»، و «لا تفوِّتيني بنفسك».
وتجيبُهُ المرأة المُعتدَّةُ -تعريضاً- إذا كانت بائناً: «ما يُرْغَبُ عنك»، و «إن قضي شيءٌ كان»، ونحو ذلك.
فلا يَحرم التَّعريضُ في عِدَّةِ وَفاةٍ، أو لمُبانةٍ؛ للآية السابقة.
أمَّا الرَّجعيَّةُ؛ فإنَّه يَحرُم التَّعريضُ -كالتَّصريحِ-؛ لأنَّها في حُكم الزَّوجات؛ فأشبهت التي في صُلْب النِّكاح.
سادساً: حُكْمُ الخِطْبَةِ عَلَى الخِطْبَةِ:
- يحرُمُ على الرَّجُل أن يَخطِب على خِطْبة أخيه إن كان يعلمُ أنَّه أُجَيبَ