Полный текст (1 425 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ولكن يُستثنى الأسيرُ؛ فلا يحلُّ له ولو لضرورةٍ؛ لأنَّه يُمنَع من وطء امرأته إذا أُسِرَت معه مع صحَّة نكاحهما؛ لئلَّا يُستعْبَدَ الولد، فغيرُها أَوْلَى.
أمَّا إذا كان في جيش المسلمين، فله أن يتزوَّج؛ لأنَّ الكفَّار لا يد لهم عليه، أشبه من في دار الإسلام.
رابعاً: حُكْمُ الزَّواج بأَكثَرَ مِنْ واحِدَةٍ:
يُسنُّ أن يقتَصِرَ الرَّجُلُ على زوجةٍ واحدةٍ إن حصَل بها الإعفاف؛ لأنَّه أسلَمُ للذِّمَّة من الجَوْرِ؛ فقد لا يستطيع الزَّوج العَدْلَ بين زوجتيه أو زوجاته إذا كان له أكثر من زوجةٍ. ففي الزِّيادة على الزَّوجة الواحدة تَعريضٌ للمحرَّم بالميل لإحداهما؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى؛ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي].
- وتُستحب الزيادة إن لم تعفَّه الواحدة، إن كان قادراً على كُلْفة ذلك، مع تَوَقَانِ النَّفْس إليه، ولم يترتَّب عليه مفسدةٌ أعظمُ من فِعْلِه، وإلَّا فَلَا.
خامساً: صفاتُ المرأةِ التي يُسَنُّ نِكاحُها:
يُسنُّ للرَّجُل أن يَتَخيَّر من النِّساء الأفضل في الصِّفات، وممَّا يُسنُّ وجودُهُ من تلك الصِّفات:
стр. 877
أ - أن تكون من ذواتِ الدِّين: لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- أن تكون وَلُوداً؛ أي: من نساءٍ يُعْرَفْنَ بكَثْرَة الأولاد؛ لحديثِ مَعْقِل ابن يَسارٍ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي].
ج- أن تكون بِكْراً؛ لقولِهِ ﷺ لجابرٍ ﵁: (فَهَلَّا بِكْرًا، تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
د - أن تكون حَسِيبةً؛ أي: نَسيبَةً؛ وهي الطَّيِّبةُ الأصل؛ ليكون وَلَدُها نَجيباً من بيت معروف بالدِّين والصَّلاح.
هـ- أن تكون أجنبيةً؛ فإنَّ وَلَدَها يكون أَنْجَب، ولأنَّه لا يؤمَنُ الطَّلاقُ، فيُفْضي مع القَرابَةِ إلى العداوة، وإلى قطيعةِ الرَّحِم المأمور بصِلَتِها.
و - أن تكون جميلةً؛ لأنَّه أسكنُ لنفسِهِ، وأغضُّ لبَصَرِه، وأكملُ لموَدَّتِه.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قيلَ: يا رسول الله: أيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قال: (الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطَيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ) [رواه أحمد والنسائي].
стр. 878
أحكام الخِطبة
أوَّلًا: تَعريفُ الخِطْبَة:
الخِطْبَةُ لُغةً: -بكسر الخاء-؛ مصدر خَطَبَ، وهو طَلَبُ الزَّواج بالمرأةِ، منها، أو من وَلِيِّها.
ولا يخرج التعريف الاصطلاحي عن معناه اللُّغوي.
ثانياً: حُكْمُ النَّظَرِ إلى المَخْطوبَةِ:
يُباحُ لمن أرادَ خِطبة امرأةٍ، وغلبَ على ظنِّه الموافقة: أن ينظرَ منها إلى ما يظهر غالباً؛ كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدمٍ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ). [رواه أحمد، وأبو داود].
- أمَّا النَّظر إلى ما لا يظهر غالباً؛ فلا يجوز.
- وله أن يُكرِّر النَّظَر إذا احتاج إلى ذلك؛ للحديث السابق؛ فإذا لم يجد ما يدعوه إلى نكاحها في أوَّل مرَّة؛ فله أن ينظر مرَّةً ثانيةً، وثالثةً، وهكذا.
ثالثاً: شُروطُ النَّظَر إلى المَخْطوبَةِ:
يُشتَرَطُ لإباحَةِ النَّظَر لمن عَزَم على خِطْبة امرأةٍ شروطٌ:
الأوَّل: أن يَغلِبَ على ظنَّه إجابتُهُ، فإنْ ظنَّ عدم إجابته للنكاح لو خَطَبَ، أو شَكَّ في ذلك؛ لم يجز له النَّظر؛ لأنَّ الأصل تحريم النَّظر إلى الأجنبيَّة،
стр. 879
ولم يوجد ما يُبيحُه.
الثاني: أن يكون نَظَرُه إلى ما يظهرُ من المرأة غالباً؛ كالوجه، والرَّقبة، واليد، والقَدَم؛ لحديث جابر ﵁ السابق، وفيه: ( … فَخَطَبْتُ جَارِيَةً، فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا).
فلمَّا أَذِنَ في النَّظَرِ إليها من غير عِلْمِها، عُلِمَ أنَّه أَذِنَ في النَّظَر إلى جميع ما يظهر غالباً.
الثالث: أن يكون بلا خَلْوَةٍ؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) [رواه البخاري، ومسلم].
الرابع: أن يَأْمَنَ ثَوَرانَ الشَّهْوَةِ؛ لأنَّ المقصود من النَّظر هنا الاستعلامُ لا الاستمتاع.
ولا يُشترطُ إِذْنُ المَخْطوبَةِ في النَّظَر إليها وتأمُّلِ محاسنها.
رابعاً: حُكْمُ التَّصْريحِ بخِطْبَةِ المُعْتدَّةِ:
المقصودُ بالتَّصريح: هو ما لا يحتمل غير النكاح؛ كقول الخاطِب: «أريد أن أتزوَّجك»، أو «إذا انقضَتْ عِدَّتُكِ تَزَوَّجتُكِ»، أو «زوِّجيني نَفْسَكِ»، ونحو ذلك.
فيَحْرُمُ التَّصريحُ بخِطْبة المُعتدَّة من وَفاةٍ، أو مَنْ بانَتْ مِنْ زوجِهَا حال
стр. 880
حياتِهِ؛ وهي: المُطلَّقة ثلاثاً؛ بالإجماع؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ففيها دليلٌ على تحريم التَّصريح؛ لأنَّ التَّصريح لا يحتمل غير النِّكاح؛ فلا يُؤمَنُ أن يحملها الحرصُ عليه على الإخبار بانقضاء عِدَّتِها قبل انقضائِها.
- ويُباحُ التصريحُ بخِطْبة المعتدَّة إذا كان من زوجٍ تحلُّ له؛ كالمخلوعة، والمطلَّقة دون ثلاثٍ على عِوَضٍ؛ لأنَّه يُباح له نكاحها في عِدَّتها، أشبهت غير المعتدَّة بالنسبة إليه.
خامساً: حُكْمُ التَّعْريضِ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ:
المقصودُ بالتَّعْريضِ: ما يُفهمُ منه النكاح مع احتمال غيره؛ كقول الخاطب: «إنِّي في مثلك لراغبٌ»، و «لا تفوِّتيني بنفسك».
وتجيبُهُ المرأة المُعتدَّةُ -تعريضاً- إذا كانت بائناً: «ما يُرْغَبُ عنك»، و «إن قضي شيءٌ كان»، ونحو ذلك.
فلا يَحرم التَّعريضُ في عِدَّةِ وَفاةٍ، أو لمُبانةٍ؛ للآية السابقة.
أمَّا الرَّجعيَّةُ؛ فإنَّه يَحرُم التَّعريضُ -كالتَّصريحِ-؛ لأنَّها في حُكم الزَّوجات؛ فأشبهت التي في صُلْب النِّكاح.
سادساً: حُكْمُ الخِطْبَةِ عَلَى الخِطْبَةِ:
- يحرُمُ على الرَّجُل أن يَخطِب على خِطْبة أخيه إن كان يعلمُ أنَّه أُجَيبَ
стр. 881
بالقبول، تصريحاً أو تعريضاً؛ لما رَوَى أبو هريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (لَا يَخْطِبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ) [رواه البخاري، ومسلم].
ولأنَّ في ذلك إفساداً على الخاطِبِ الأوَّل، وفيه إيقاع العداوة بين الناس.
- ويجوز للخاطِب الثاني الخِطبة على خِطبة الأوَّل في الأحوال التالية:
أ - إذا رُدَّ الخاطبُ الأوَّل؛ لحديث فاطمة بنت قَيْسٍ: (أَنَّهَا أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فذَكَرَتْ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَلَى عَاتِقِهِ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- إذا تَرَكَ الخاطبُ الأوَّل؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ -السابق-: (حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ).
ج- إذا أَذِنَ له الخاطبُ الأوَّل بذلك؛ لحديث ابن عمر ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: (وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ) [رواه البخاري]. ولأنَّ الأوَّل أسقط حقَّه.
د - إذا كان الثاني لا يعلمُ بإجابة الأوَّل؛ لأنَّه معذورٌ.
سابعاً: حُكْمُ العَقْد في الأَحْوالِ المُحَرَّمَةِ ممَّا سَبَقَ:
إنْ خُطِبَتِ المُعْتدَّةُ تصريحاً، أو الرَّجعيَّةُ -ولو تعريضاً-، أو خَطَبَ الرَّجُلُ
стр. 882
على خِطْبةِ أخيهِ الذي أُجيب: فإنَّ العَقْد يَصحُّ مع تحريمِ الخِطْبة، لأنَّ المحرَّم لا يقارن العَقْد، فلم يؤثِّر فيه.
ثامناً: ممَّا يُستحَبُّ في العَقْد:
أ - يُسنُّ في العَقْد أن يكون مساءَ يوم الجمعة؛ أي: في آخر النَّهار؛ لأنَّه يومٌ شريفٌ، ويوم عيدٍ، وفي آخره ساعة الإجابة، فاستحبَّ العقد فيها؛ لأنَّها أعظم بركةً، وأحرى لإجابة الدعاء لهما، وقد استحبَّه جماعة من السلف.
ب- ويُسنُّ أن يخطُبَ بخُطبَةِ ابن مسعود ﵁ وهي المعروفة بخُطْبةِ الحاجة؛ فيقول: «إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهَدُ أن لا إله إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورَسولُه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
стр. 883
أمَّا بعدُ.
ثمَّ يَقول حاجتَهُ.
تاسعاً: مِنْ أحْكامِ النَّظَر بين الجِنْسَيْن:
يَجبُ غَضُّ البَصَر عن كلِّ ما حَرَّم الله تعالى، ويحرُمُ النَّظرُ لشهوةٍ وتلذُّذٍ، أو مع خوفِ ثَوَرانِ الشَّهوةِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: (وَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ) الحديث [رواه البخاري، ومسلم].
وليحذر العاقلُ إطلاقَ البَصَر، فإنَّ العينَ ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه، وربما وقع من ذلك العشق، فيهلك البدن والدِّين، فمن ابتلي بشيءٍ من ذلك فليفكِّر في عيوب النساء.
فلا ينظرُ إلَّا إلى ما ورد الشرعُ بجوازه.
والنَّظر -هنا- أقسامٌ؛ منها:
أ - نَظَرُ الرَّجل البالغ -ولو كان مجبوباً قد تعطَّل عضوه- للمرأة الحرَّة البالغةِ الأجنبيَّة عنه؛ لغيرِ حاجةٍ؛ فلا يجوز أن ينظر إلى شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
ب- نَظَرُ الرَّجُلِ للشَّهادة عليها، أو لمعاملتها، فيجوز له النظر لوجهها؛
стр. 884
ليعرفها بعينها، لتجوز الشهادة عليها، أو ليرجع عليها بالدرك.
وكذا يجوز له النظر لكفَّيْها، إذا كان لحاجةٍ.
ج- نَظَرُ الرَّجُلِ البالغ الطَّبيب إلى المرأةَ للمداواة، فيجوزُ أن ينظر إلى المواضِع التي يحتاج إليها، ويجوز لمسُها، حتَّى الفَرْج.
ويُشترط ذلك أن يكونَ معَ حضور مَحْرَمٍ أو زَوجٍ، ويَستُرَ منها ما عَدَا الحاجة.
- ومِثْلُ الطَّبيب من يلي خِدمةَ مريضٍ أو مريضةٍ في وضوءٍ، واستنجاءٍ، وغيرِهما، وكَتخليصِهَا من غَرَقٍ، وحَرَقٍ، ونحوِهِما.
د - نَظَرُ الصَّبيِّ المُميِّز الذي لا شهوة له للمرأة؛ فيُباحُ لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
هـ- نظرُ المرأة للمرأة -ولو كانت كافرةً مع مسلمةٍ-؛ لأنَّ النساء الكافرات كُنَّ يدخلن على نساء النبيِّ ﷺ ، ولم يكنَّ يحتجبن، ولا أَمرهُنَّ النبيُّ ﷺ بالحجاب.
و - نَظَرُ الرَّجُلِ إلى زوجته وهي إليهِ -ولو لشهوةٍ- إلى جميعِ بدَنِها، ولمسُهُ بلا كراهةٍ حتَّى الفرْج، لأنَّ الفَرْج مَحلُّ الاستمتاع، فجاز النظرُ إليه كبقيَّةِ البدن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦].
стр. 885
وعن بَهْزِ بن حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) [رواه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه].
- وحُكم السَّيِّد مع أَمَتِهِ المباحة له حُكْمُ الرَّجُلِ مع زوجته في النَّظَر واللَّمس.
стр. 886
باب أركان النِّكاح وشروطه
أوَّلًا: المقصودُ بالأَرْكانِ والشُّرُوطِ في هذا البابِ:
للنكاح أركانٌ، وله شروطٌ.
ويرادُ بأركانِهِ: مجموعُ ما يتكوَّن منه، وأركانُ الشَّيءِ أجزاؤُهُ الذي يتكوَّن منها، ويُعرِّفون الرُّكنَ: بأنَّه جزءُ ماهيَّةِ الشَّيءِ، كأركان البيتِ أو المسجدِ، وهي: حيطانُهُ التي يتكوَّن منها.
ويرادُ بشُروطه: جمع شَرْطٍ، وهو: ما يَلْزمُ من عَدَمِه العَدَمُ، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عَدَمٌ لذاته، فإذا عُدِمَ الشرطُ عُدِمَ المشروط، ولكن إذا اجتمعت الشروط فقد يتخلَّف المشروط، فههنا الشُّروط في النِّكاح هي لوازم النِّكاح التي لا يتمُّ إلَّا بها، وهي أيضاً شروط للعقد.
ثانياً: أركانُ النِّكاح:
للنِّكاحِ أركانٌ ثلاثةٌ:
الرُّكنُ الأوَّل: الزَّوجان؛ أي: الزَّوج والزَّوجة؛ إذ لا يتصوَّر عقد نكاح بدون الزَّوجين.
الرُّكن الثَّاني: الإيجاب؛ وهو: اللَّفظ الصَّادر من الوَلِيِّ، أو من يقوم مقامه بلفظ النِّكاح، أو التَّزويج؛ لأنَّهما اللَّفظان الوارد بهما القرآن؛ في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا
стр. 887
زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وسُمِّي إيجاباً؛ لأنَّه أوْجَب به العَقْد.
الرُّكن الثَّالث: القَبول؛ وهو: اللَّفظ الصَّادرُ من الزَّوج، أو من يقوم مقامه، بلفظ: «قَبِلْتُ أو رَضِيْتُ هذا النِّكاح»، أو «قَبِلْتُ» أو «رضيت» فقط.
* ولا بُدَّ أن يكون الإيجاب والقبول بلفظٍ عربيٍّ على نحو ما سبق لمن يُحسِنُ العربيَّة؛ فإن كان عاجزاً عن العربيَّة أتَى بأيِّ لفظٍ يُفيد هذا المعنى، ويَصحُّ؛ لأنَّ في لغته نظير الإنكاح والتزويج، ولا يُكلِّف الله نفساً إلَّا وسعها.
فيقولُ الوليُّ -كالأب، أو الأخ-: «زَوَّجْتك ابنتي»، أو «زَوَّجْتك أختي»، ويقول الزوج: «قَبلتُ»، أو «رَضيتُ»، أو «تَزوجتُ».
أمَّا الأخرس؛ فيصحُّ منه الإيجاب والقبول بالإِشارةِ؛ لأنَّ النِّكاح معنًى لا يستفادُ إلاَّ من جهته، فصحَّ بإشارتِهِ، كما في بيعه، وطلاقه.
* ولا بُدَّ أن يكون صدورُ الإيجابِ والقبول مرتَّبَيْنِ؛ لأنَّ القبول إنَّما هو للإيجاب، فيُشترَطُ تأخُّرُه عنه، فلا يَصحُّ النِّكاح إنْ تقدَّم قبولٌ على إيجابٍ.
وإن تراخى القبولُ عن الإِيجابِ حتَّى تفرَّقا أو تشاغَلَا بما يقطعه عُرْفاً: بَطَل الإِيجابُ؛ للإعراض عنه بالتفرُّق، أو الاشتغال.
ثالثاً: الإيجابُ والقَبولُ من الهازِلِ:
إذا حصل الإيجابُ والقبولُ؛ انعقد النِّكاح، ولو كان المتلفِّظ هازلًا
стр. 888
لم يقصد معناه حقيقةً؛ لما روى أبو هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاح، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
رابعاً: شُروطُ صِحَّةِ النِّكاح:
للنِّكاحِ شُروطٌ خمسَةٌ:
الشَّرطُ الأوَّل: تعيينُ الزَّوجين في العقد؛ لأنَّ النِّكاح عقد معاوضة، أشبه تعيين المبيع في البيع.
وعليه؛ فلا يَصِحُّ النكاح إنْ قال الوليُّ: «زوجتُك بنتي»، وله بنتٌ غيرها، ولا قوله: «قَبِلْتُ نكاحها لابني»، وله ابنٌ غيره، حتَّى يُميَّزَ كُلٌّ منهما باسمه، أو صفته التي لا يشاركه فيها أحد؛ لأنَّ التعيين لا يحصل بدونه.
فإن كانت المرأةُ حاضرةً، فقال: «زوجتك هذه»، أو قال: «زوجتك بنتي»، ولم يكن له غيرُها، صحَّ؛ لحصول التعيين.
الشَّرطُ الثَّاني: رِضَا كُلٍّ من الزَّوجين بالآخر؛ فيُشترط رِضَا زوجٍ مكلَّفٍ؛ أي: بالغٍ عاقلٍ رشيدٍ، ورِضَا زوجةٍ حُرَّةٍ عاقلةٍ ثيِّبٍ، تمَّ لها تسع سنين، ولها إذنٌ صحيحٌ معتبرٌ.
فلا يَصحُّ إن أُكْرِهَ أحدُهما عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ. قَالُوا:
стр. 889
يَا رَسُولَ اللّاهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ) [رواه البخاري، ومسلم].
والتَّحديد بتسع سنين؛ لأنَّها بلغت سنًّا يمكن أن تحيض فيه، ويكون لها حاجة إلى النكاح، فكانت كالبالغة.
ويُستثنى من اشتراط الرِّضا: من يجوز للأبِ أو وصيِّهِ أن يجبرهم على التّزويج؛ وهُم:
أ - الثَّيِّبُ دونَ تِسع سنِين؛ لأنَّ إذنها غير معتبر.
ب- البِكْرُ، وإن كانتْ مكلَّفة؛ فلأبيها أن يجبرها على النِّكاح سواءً كانت صغيرةً أو كبيرةً؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا) [رواه مسلم]، فلما قَسَّم النِّساء قسمين، وأثبت الحقَّ لأحدهما، دلَّ على نفيه عن الآخر، وهي البِكْر، فيكون وليُّها أحقَّ منها بها.
إلَّا أنَّه يُستحبُّ استئذانها إذا تمَّ لها تسع سنين؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ السَّابق.
ويُشترط في استئذانها: تسميةُ الزَّوج لها على وجهٍ يحصل لها به معرفته؛ لتكون على بصيرةٍ في إذنها بتزويجه، ولا يُعتبرُ تسميةُ المَهْر.
ج- المَجْنونةُ؛ فللأبِ ووصيِّه إجبارها على الزواج ولو كانت بلا شهوةٍ، أو كانت ثيِّباً أو بالغةً؛ لأنَّ ولاية الإجبار انتفت عن المرأة العاقلة لعَقْلِها ونظرِها لنفسِها، بخلاف المجنونة.
стр. 890
ومع شهوتها يزوجها كلُّ وليِّ؛ لأنَّها بحاجةٍ إلى النكاح لدفع ضرر الشهوة عنها، وإعفافها، وصيانتها عن الوقوع في الفجور، وغير ذلك من مصالحها.
د - الصَّغيرُ غير البالغ؛ لما روى سُليمان بن يَسار: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ زَوَّجَ ابْناً لَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنُهُ صَغِيرٌ يَوْمَئِذٍ) [رواه البيهقي].
فإن كان قد قارب البلوغ؛ فله إذنٌ معتبرٌ، فيصحُّ تزويجه بإذْنِه؛ لأنَّه صار يَعرِفُ مصالِحَ النِّكاح.
هـ- البالِغُ المعتُوهُ؛ وهو: ناقص العَقْل، يزوِّجُه أَبوهُ ووَصِيُّه -كما سبق- بدون رِضَاه؛ لأنَّه غيرُ مكلَّف؛ فأشبهَ الصَّغير.
الشَّرْطُ الثَّالث: الوَلِيُّ؛ لحديثِ أبي موسى الأَشْعَريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه].
* ويُشترطُ في الوَلِيِّ ستَّة شروط:
أ - الذُّكوريَّة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ) [رواه ابن ماجه]، ولأنَّ المرأة لا ولاية لها على نفسها في
стр. 891
عقد النكاح، فعلى غيرها من باب أَوْلَى.
ب- التَكلِيفُ؛ بأن يكون بالغاً عاقلًا؛ لأنَّ غير المُكلَّف أحوجُ إلى مَنْ ينظر له، فلا ينظرُ لغيره.
ج- كمالُ الحُرِّيَّة؛ لأنَّ العَبْد لا ولاية له على نفسِه، فعلى غيره من باب أَوْلَى.
د - الرُّشْدُ في العَقْل، بأن يَعْرِفَ الكُفْءَ من غير الكُفْءِ، ومصالح النِّكاح؛ لقول ابن عباس ﵄: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» [رواه البيهقي].
هـ- اتِّفاقُ الدِّين بين الوَلِيِّ ومولِيَّتِهِ، واختلافُ الدِّين له ثلاثِ أحوال:
١) أن يكون الوَليُّ كافراً، وموليَّتُهُ مسلمة: فلا ولاية له عليها بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فدلَّت الآية على أنَّ غير المؤمنين ليسوا أولياء للمؤمنين.
٢) أن يكون الوَليُّ مُسْلِماً، وموليَّتُهُ كافرة: فلا ولاية له عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. إلَّا إذا كانت من أهل دار الإسلام ولا وليَّ لها، فيزوِّجها السلطان؛ لعموم ولايته على أهل دار الإسلام، فتثبت له الولاية عليها.
٣) أن يكونا كافرين؛ كأن يكون الوليُّ نصرانيًّا، وموليَّته مجوسيَّة، ونحو ذلك: فلا ولاية له عليها؛ لأنَّه لا توارث بينهما بالنَّسب.
стр. 892
و - العَدالةُ؛ لحديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ) [رواه ابن حبَّان]، ولأنَّها ولاية تحتاج إلى النظر والتقدير، فلا يستبدُّ بها الفاسق؛ كولاية المال.
ويكفي في الوليِّ أن يكون مستور الحال؛ لأنَّ اشتراطَ العَدْل ظاهراً وباطناً فيه حَرَجٌ ومَشقَّةٌ، ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.
* تَرْتيبُ الأَوْلياءِ في نِكاحِ الحُرُّة:
أحقُّ الأولياء بتزويج الحرَّة هم:
أ - الأبُ؛ لأنَّه أكمل نظراً وأشدُّ شفقةً، ولأنَّ الولد موهوبٌ لأبيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وإثبات ولاية الموهوب له على الموهوب أَوْلَى من العكس.
ب- ثمَّ وصيُّ الأبِ؛ لأنَّه يقوم مقامه.
ج- ثُمَّ جدٌّ لأبٍ وإِن علَا، الأقرب فالأقرب؛ لأنَّ له إيلاداً وتعصيباً؛ فأشبهَ الأبَ.
د - ثُمَّ الابن وإنْ نَزَل؛ الأقرب فالأقرب؛ لما روت أمُّ سَلَمَة ﵂ (أنَّها لما انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطِبُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِداً. قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ، وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ. فَقَالَتْ لِابْنِهَا: قُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَزَوَّجَهُ) [رواه أحمد، والنسائي]، فدلَّ على أنَّ لها وليًّا حاضراً في الجملة. ولأنَّه عدْلٌ من
стр. 893
عصبتها، فقُدِّم على سائر العصبات؛ لأنَّه أقربهم نسباً، وأقواهم تعصيباً.
هـ- وهكذا على ترتيبِ الميراث، فيُقدَّمُ -بعد الابن وإن نزل-: الأخُ لأبوين، ثمَّ لأب، ثمَّ بنوهما وإن نزلوا، ثمَّ العمُّ لأبوين، ثمَّ لأب، ثمَّ بنوهما، ثمَّ أقرب العَصَبات على ما سبق في الميراث؛ لأنَّ مبنى الولاية على الشفقة والنَّظر، ومظنَّة ذلك القرابة، والأحقُّ بالميراث هو الأقرب، فيكون أحقُّ بالولاية.
و - ثمَّ المولَى المُنعم بالعِتق؛ لأنَّه يرثها ويَعقل عنها، فكان له أن يزوجها عند عدم عصبتها.
ز - ثمَّ عصبةُ المولَى المُعتِق بعده؛ الأقرب فالأقرب؛ كما في الميراث.
ح- ثمَّ مولى المولى، ثمَّ عصباته؛ الأقرب فالأقرب، وهكذا كما في الميراث.
ط- ثمَّ السُّلطَانُ؛ وهو الإمام أو نائبه، أو من فوَّضا إليه الأنكحة؛ لحديث عائشة ﵂ -السَّابق-: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ … ) وفيه: (فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ).
ح - فإن عُدِمَ الكُلُّ في المحلِّ الذي هي فيه؛ زوَّجها ذو سلطانٍ في ذلك المكان؛ كوالي البَلَد، أو كبيره، أو أمير القافلة ونحوه؛ لأنَّ له سلطنة؛ فيدخل في عموم الحديث.
ط - فإن تعذَّر ذو سلطان في مكانها وكَّلَت عَدْلًا في ذلك المكان يُزوِّجها بإذنها؛ لأنَّ اشتراطَ الوليِّ في هذه الحالة يمنع النِّكاح بالكُلِّيَّة، فلم يجز، كاشتراط كون الوليِّ عصبةً في حقِّ مَنْ لا عَصَبَةَ لها.
стр. 894
* تنبيهان:
الأوَّل: لا ولاية لغير العَصَبات النَّسَبيَّة أو السَّبَبيَّة مِنْ الأقارب؛ مثل: الأخ من الأمِّ، والخال، وأبي الأمِّ، وعمِّها، ونحوهم؛ لقول عليٍّ ﵁: «إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الحَقَائِقِ -أي: الإدراك-، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى» [رواه البيهقي].
الثاني: إذا زوَّج الأبعدُ، أو زوَّجَ أجنبيٌّ -ولو كانَ حاكماً- من غيرِ عذرٍ للأقرب: لم يصحَّ النِّكاح؛ لأنَّه لا ولاية للحاكم والأبعد مع وجود من هو أحقُّ منهما؛ لأنَّ قوله ﷺ : (إِلَّا بِوَلِيٍّ) وصف مشتقٌّ من الولاية، فيقتضي أن يكون الأحقُّ الأَوْلَى فالأَوْلَى، وكُلُّ حُكمٍ عُلِّقَ على وَصْفٍ فإنَّه يَقْوَى الحُكْمُ بقوَّة هذا الوصف فيه.
* اسْتِواءُ الأَوْلِياءِ في النِّكاح:
إذا استوى وليَّان فأكثر لامرأةٍ، بحيث كانوا في درجةٍ واحدةٍ، كإخوةٍ لها من الأبوين، أو كلُّهم لأب، أو أعمام، وقد أذنت لهم في تزويجها صحَّ التزويج من كلِّ واحدٍ منهم؛ لأنَّ سبب الولاية موجودٌ في كلِّ واحدٍ منهم.
فإن أَذِنَت لأحدهم تَعيَّن وليًّا للتزويج، ولم يصحَّ نكاح غيره من الأولياء.
* ما يُسقِطُ الوِلايَة:
تسقطُ ولاية الوليِّ بأحد الأسباب التالية:
أ - العَضْلُ: ومعناه: منعُ المرأة من التزويج بكُفْءٍ رضيته، ورَغِب كلٌّ
стр. 895
منهما في الآخر بما صحَّ مَهْراً، ولو كان بدون مَهْر مثلها.
والعَضْلُ مُحرَّم، ويُفسَّق به الوليُّ إن تكرَّر منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
ب- الغَيبة المُنقَطِعة: وهي ما لا تُقطَعُ إلِّا بكُلْفَةٍ ومشقَّة، سواءً كانت غيبته فوقَ مسافةِ قَصْرٍ أو دونَها؛ لأنَّ التحديد بابه التوقيف، ولا توقيف.
ج- إذا تعذَّرَت مراجعته؛ بأَسْرٍ، أو حَبْسٍ، أو كان غائباً لا يُعلَم مكانُه؛ لأنَّه صار كالبعيدِ المنقطعِ.
فإذا سقطت ولاية الأقرب بأحد هذه الأسباب انتقلت الولاية إلى الأبعد؛ لحديث عائشة ﵂ السابق: (فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ).
* التوكيلُ في التزويج:
وكيل الوليِّ يقوم مقامه، سواء كان الوليُّ حاضراً أو غائباً، مجبِراً أو غيرَ مجبِرٍ؛ لأنَّه عقدُ معاوضةٍ فجاز التوكيل فيه كالبيع، وقياساً على توكيل الزَّوج؛ لَأنَّهُ ﷺ وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ. [رواه مالك].
ولا يفتقر توكيله إلى إذن موليَّته؛ لأنَّه إذن من الوليِّ في التزويج، فلا يفتقر إلى إذن المرأة، ولا الإشهاد عليه، كإذن الحاكم.
لكن لا بدَّ من إذن غير المجبَرةِ لوكيل وليِّها بالتزويج، ويكون إذنها بعد توكيله؛ لأنَّه قبل ذلك أجنبيٌّ.
стр. 896
- يُشترط في وكيل الوليِّ ما يشترط في الوليِّ من الشروط؛ من ذكورة، وبلوغ، وعقل، وعدالة، ورشدٍ، وغيرها؛ لأنَّها ولاية، فلا يصحُّ أن يباشرها غير أهلها.
- ويصحُّ توكيل الفاسق في قبول النِّكاح؛ لأنَّه يصحُّ قبوله النِّكاح لنفسه، فيصحُّ لغيره.
- ويصحُّ التوكيل في إيجاب النِّكاح توكيلًا مقيَّداً؛ كأن يقول: «زوِّج زيداً»، أو «زوِّج هذا». فليس له أن يزوِّج غيره. ويصح توكيله توكيلًا مُطْلَقاً؛ كأن يقول لوكيله: «زوِّج مَنْ شئت»، ويتقيَّد الإطلاق بالكُفء.
- يُشترط لصحَّة النِّكاح مع وجود التوكيل عند الإيجاب والقبول أن يقول الوليُّ لوكيل الزَّوج، أو وكيل الوليِّ لوكيل الزَّوج: «زوَّجتُ فلانةً فلاناً»، أو «زوَّجتُ فلانةً لفلان»، ويصفه بما يتميَّز به.
ويُشترط قول وكيل الزَّوج: «قَبِلتُه لموكِّلي فلان»، أو «قَبِلتُه لفلان».
ولا يصحُّ إن لم يقل: «لفلان»؛ لفوات شرطٍ من شروطه، وهو تعيين الزَّوجين.
* تولِّي الوَليِّ طَرَفي العَقْد:
يصحُّ أن يتولَّى الوليُّ طرفي عقد النِّكاح إذا كان وليًّا للطرفين؛ كأن يزوِّج ابنه من بنت أخيه، أو وكَّل الزَّوج وليَّ المرأة في قبول نكاح الزَّوج من الوليِّ نفسه، ونحو ذلك.
стр. 897
ولا يُشترط فيمن يتولَّى طرفي عقد النِّكاح أن يأتي بالإيجاب والقبول، ويكفي أن يقول: «زوَّجتُ فلاناً فلانةً»، من غير أن يقول: «قَبِلتُ نكاحها»، أو «تزوَّجتها».
الشَّرْط الرابع: الشهادة على النِّكاح؛ لحديث عبد الله بن عبَّاس ﵄ -السابق-: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ).
ولأنَّه عقْدٌ يتعلَّق به حقُّ غير المتعاقِدَيْن، وهو الولَدُ، فاشترط فيه الشَّهادة؛ لئلَّا يجحده أبوه فيَضيعَ نَسَبُه، بخلاف غيره من العقود.
ويُشترَطُ في الشُّهود شروط؛ وهِيَ:
أ - أن يكونا اثنين؛ لخبر ابن عبَّاس ﵄ المتقدِّم: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ)، فلا يكفي شاهدٌ واحدٌ.
ب- الإسلامُ: فلا ينعقد نكاحُ مسلمٍ بشهادة ذمِّيَّيْن، ولا بشهادة مسلمٍ وذمِّيٍّ، ولو كانت الزوجة ذمِّيَّةً كتابيَّة، أبواها كتابيَّان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وللخبر السَّابق.
ج- أن يكونا ذَكَرَيْنِ؛ لأنَّه عَقْدٌ ليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو ممَّا يطَّلع عليه الرِّجال غالباً، فلم ينعقد بشهادة النساء؛ كالحدود.
د - أن يكونا مُكلَّفَيْن؛ أي: بالغين عاقلين؛ لأنَّ الصبيَّ والمجنون ليسَا من أهل الشهادة، ولا لهما قولٌ يُعتبر.
стр. 898
هـ- أن يكونا عَدْلَين ولو في الظاهر دون الباطن؛ لخبر ابن عبَّاس ﵄ -السَّابق-؛ فينعقد النِّكاح بشهادة مستوري الحال؛ لأنَّ النِّكاح يكون في القُرَى والبادية، وبين عامَّة الناس، فاعتبار العدالة في الباطن يشقُّ، فاكتفي بظاهر الحال.
و- أن يكونا من غير أصل الزَّوجين وفرعيهما؛ فلا تصحُّ شهادة أبي الزَّوجة، أو جَدِّها فيه، ولا شهادة ابنها وابنه فيه، ولا شهادة أبي الزَّوج، وجَدِّه، وابنه وابن ابنه وإن نزل؛ وذلك لمحلِّ التُّهمة.
ز - أن يكونا سَمِيعَيْن؛ لأنَّ الأصمَّ لا يَسمع العَقْد؛ فيشهد به.
ح- أن يكونا نَاطِقَيْنِ؛ لأنَّ الأخرس لا يتمكَّن من أداء الشهادة.
ولا يُشترط كون الشاهدين بصيرين، فتصحُّ شهادتهما ولو كانا ضريرين إذا حصل التيقُّن من صوت العاقدين، بحيث لا يُشكُّ فيهما؛ لأنَّها شهادة على قولٍ، أشبهت الاستفاضة.
الشرط الخامس: خلوُّ الزَّوجين من الموانع؛ بأن لا يكونَ بِهما، أو بأحدهما ما يَمنع التَّزويج من نسبٍ، أو سببٍ؛ كرضاعٍ، ومصاهرةٍ، أو اختلافِ دينٍ؛ كأن يكون مسلماً وهي مجوسيَّة، وغير ذلك على ما سيأتي في باب المحرَّمات.
خامساً: الكَفاءَةُ في النِّكاح:
الكفاءة لغةً: المماثلة والمساواة.
стр. 899
وهي ليست شرطاً لصحَّة النِّكاح: بل هي شرطٌ للزومِه، فيصحُّ النِّكاح مع فَقْدها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
و (لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِه) [رواه مسلم]، وفاطمة قرشيَّة، وأسامة مولًى.
وعن عائشة ﵂: «أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِماً، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ» [رواه البخاري].
- وإذا زُوِّجت امرأةٌ بغير كفءٍ فلها أن تفسخ نكاحها، ولو متراخياً، ما لم تَرْضَ بقولٍ أو فعلٍ؛ لأنَّه لنقصٍ في المعقود عليه، أَشْبَهَ خيارَ العيب.
وكذا لأوليائِهَا الفسْخُ؛ لأنَّ العار في تزويج من ليس بكفءٍ يلحقهم جميعاً. ما لم يسقطوا حقَّهم بقولٍ؛ كأن يقولوا: «أسقطنا الكفاءة»، أو «رضينا به غير كفءٍ»
ولو رضيت، أو رضي بعض الأولياء، فلمن لم يرضَ الفسخ، ويملكه الأبعد مع رضا الأقرب.
ولو زالت الكفاءة بعد العَقْد، فللزوجة فقط حقُّ الفسخ دون أوليائها؛ لأنَّ حقَّ الأولياء في ابتداء العَقْد، لا في استدامته.
* الأمورُ التي تُعتَبر فيها الكَفاءَةُ:
الكفاءةُ معتبرةٌ في خمسة أشياء، هي:
стр. 900
أ - الدِّيانَةُ: لحديث أبي حاتم المُزَنيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّاهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-). [رواه الترمذي].
وتكون الدِّيانةُ بأداء الفرائض واجتناب النواهي؛ فلا تُزوَّجُ عفيفةٌ بفاسق ولا فاجرٍ؛ لأنَّه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيَّته، فلا يكون كفئاً لعَدْلٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].
ب- النَّسَبُ، فلا يكون العَجَمِيُّ كفئاً لعربيَّةٍ؛ لأنَّ العرب يعدُّون الكفاءة في النَّسَب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصاً وعاراً.
ج- الحُرِّيَّةُ؛ فلا يكون العبدُ كفئاً لحُرَّةٍ -ولو معتَقَةً-؛ لأنَّه منقوصٌ بالرِّقِّ، ممنوعٌ من التَّصرُّف في كَسْبِه، ولا يملكه؛ فلا يساوي الحُرَّة. و (لأنَّ النَّبيَّ ﷺ خَيَّر بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ) [رواه البخاري، ومسلم]، فإذا ثبت الخيار في الاستدامة، ففي الابتداء أَوْلَى.
د - الصِّناعَةُ؛ فصاحب الصناعة الدنيئة؛ كالحجَّام، والزبَّال ليس كُفئاً لبنت من هو أعلى منه صناعةً؛ كالتَّاجر، وصاحب العقار، ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك يُعدُّ في عُرْف الناس نَقْصاً، فأشبه نقص النَّسَب.
стр. 901
هـ- المَيْسَرَةُ؛ وهو اليَسار بمالٍ بحسب ما يجب لها من المَهْر والنَّفَقَة؛ لأنَّ هذا القدر من المال هو الذي يُحتاج إليه. فلا يكون المُعْسِرُ كفئاً لمُوسرةٍ؛ لأنَّ ذلك يُعدُّ في عُرْف الناس نَقْصاً، وهم يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النَّسَب. ولأنَّ على المُوسِرَة ضرراً في إعسار زوجها؛ لأنَّه يخلُّ بنفقتها، ومُؤْنَة أولاده. ولهذا كان لها الفسخ بإعساره بالنفقة.
стр. 902
باب المحرّمات في النِّكاح
أوَّلًا: أقسامُ المُحرَّمات في النِّكاح:
تنقسمُ المحرَّمات من النساء في النِّكاح إلى صنفين:
الصنف الأوَّل: المحرَّمات على التأبيد: وهُنَّ من يَحرمُ نكاحهنَّ مطلقاً؛ إمَّا لنَسَبٍ، أو رَضاعٍ، أو مُصاهرةٍ. وهنَّ كما يلي:
القسم الأوَّل: المُحرَّمات بالنَّسَبِ، وهُنَّ سَبْعٌ:
أ - الأُمُّ، والجَدَّةُ -وإِن عَلَت- مِنْ كلِّ جهةٍ؛ سواء من جهة الأب أو الأمِّ؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وأمَّهاتكم هنا: كلُّ مَنْ انتسبتَ إليها بولادةٍ؛ لقول أبي هريرة ﵁ لما ذكر النبيُّ ﷺ هاجرَ أمَّ إسماعيل: (تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) [رواه البخاري، ومسلم].
ب- ابنةُ الصُّلْب، وبنتُ الولدِ؛ ذَكَراً كان الولد أو أُنثى -وإن سَفَلَ-، وهي: كلُّ من انتسبتْ إليك بولادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ويستوي في التحريم: البنت من حلالٍ، أو مِنْ حَرامٍ، أو من شُبهةٍ، أو منفيَّة بلِعانٍ؛ لدخولِهنَّ في عمومِ لفظٍ: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾.
وكذا يقال في الأخوات وغيرهنَّ ممَّن يأتي من الأقسام.
ج- الأختُ مِنْ كلِّ جهةٍ؛ شقيقة، أو لأبٍ، أو لأمٍّ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
стр. 903
د- بنتُ الأختِ الشقيقة، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وبنت وَلَدِها؛ أي: بنت ابن الأخت، وبنت بنت الأخت وإن سَفَلَت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].
هـ- بنت الأخ الشقيق، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وبنتها، أيْ: بنتُ بنتِ الأخِ، وبنتُ ولدِها، وإن نزلْنَ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ [النساء: ٢٣].
و، ز- العمَّةُ والخالةُ مطلقاً؛ أي: مِنْ كلِّ جهةٍ، وهنَّ جميعُ أخواتِ آبائِكَ وأمَّهاتك، وأجدادِكَ وجدَّاتِكَ، وإن عَلَوْنَ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
القسم الثَّاني: المُحرَّماتُ بالرَّضاعِ؛ وهُنَّ سبعٌ:
فكلُّ امرأةٍ حَرُمَت من النَّسَب حَرُمَ مثلُها بالرضاع؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) [رواه البخاري، ومسلم].
أمَّا الأمَّهات والأخوات من الرَّضاع، فقد نُصَّ عليهنَّ في قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، والباقيات يدخلْنَ في عموم لفظ سائر المحرَّمات.
وعليه؛ فيكون المحرَّمات بسبب الرَّضاع هنَّ:
- الأمَّهات وإن عَلَوْن.
стр. 904
- والبنات وإن نَزَلْن.
- والأخوات.
- والعمَّات والخالات.
- وبنات الأخ وبنات الأخت.
القسم الثَّالث: المُحرَّمات بالمُصاهَرَةِ، وهُنَّ أربعٌ:
ثلاثٌ منهنَّ يَحرُمْن بمجرَّدِ العَقْد، وإن لم يحصل دخولٌ ولا خَلْوة، وهنَّ:
أ - زوجاتُ آبائِهِ وإن عَلَو: وهنَّ كلُّ مَنْ تزوَّجها أبوه، أو جدُّه لأبيه أو لأمِّه، مِنْ نَسَبٍ أو رَضاعٍ، ماتَ عنها أو فارقها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
ب- زوجاتُ أبنائه وإن نَزَلوا: وهنَّ كلُّ من تزوَّجها أحدٌ من أبنائه، أو من بنيهم، من البَنِين أو البنات، من نَسَبٍ أو رَضاعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ج- أمَّهاتُ زوجاتِه من نَسَبٍ أو من رَضاعٍ -وإن عَلَوْن-؛ لقولِهِ : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعقود عليها تُعدُّ من نسائه، فتدخل أمُّها في عموم الآية، قال ابن عبَّاس ﵄: «هِيَ مُبْهَمَةٌ، فَأَرْسِلُوا مَا أَرْسَلَ اللهُ، وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ اللهُ » [رواه سعيد بن منصور]، ومعناهُ: عمِّموا حُكْمَها في كلِّ حالٍ، ولا تفصِّلوا بين المدخول بها وغيرها.
стр. 905
وأمَّا الرابعة من المحرَّمات بالمصاهرة فلا تحرُمُ إلَّا بالدُّخول؛ وهي:
د - بنتُ زوجتِهِ التي دَخَل بها، وهي: رَبيبتُهُ، وبنتُ رَبيبتِهِ، وبنتُ ولدِها مِنْ الذُّكور والإِناث وإن نزلَتْ، مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ؛ لقوله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ولا يشترط كونهنَّ في حِجْرِه؛ لأنَّ التربية لا تأثير لها في التحريم.
فإن ماتت الزَّوجة، أو أبانها بطلاقٍ أو فسخٍ أو نحوه، قبل الدخول: لم تحرُم بناتها، ولو بعد الخلوة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
* أثرُ الوَطْءِ بغيرِ عَقْدٍ:
إذا وَطِئَ الرَّجلُ امرأةً وطأً مُحرَّماً؛ كزِناً، أو وَطْءٍ في الدُّبر: فإنَّه يثبت به التَّحريم بالمصاهرة؛ فإذا زنى بامرأةٍ حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمُّها وابنتها، ونحو ذلك؛ لأنَّ الوطءَ يُسمَّى نكاحاً، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢].
الصنف الثاني من أقسام المحرَّمات: المُحرَّمات إلى أَمَدٍ:
وهنَّ كلُّ من حَرُمَ نكاحهنَّ لوجود سببٍ عارضٍ يمنع من ذلك، وهنَّ على قسمين:
القسم الأوَّل: المُحرَّمات لأجلِ الجمْع، وهنَّ:
стр. 906
أ - الجمْعُ بينَ الأُخْتَيْن: سواءً كانت أختَها مِنْ نسبٍ أو رضاع، وسواء كان ذلك قبل الدُّخول أو بعده، وكذلك أختُ مُعتدَّتِهِ قبل انقضاء عِدَّتها؛ لأنَّها في حكم الزَّوجة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
ب- الجمْعُ بين المرأة وعمَّتها، أو خالتها، وإن عَلَتا من كُلِّ جهةٍ، مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ؛ إجماعاً؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) [رواه البخاري، ومسلم].
* حُكم مَنْ جمَعَ بينَ مَنْ سَبَقَ:
- من تزوَّج أُختَيْن أو نحوهما -ممَّا سبق- في عقدٍ أو عقدَيْن معاً: بَطَل العَقْدان؛ لأنَّه لا يمكن تصحيحُهما، ولا مزيَّة لإحداهما على الأخرى، فبطَل فيهما.
- وإن تزوَّجهما في عقدين في زمنين، وعُلِم السَّابق: صحَّ العقد الأوَّل فقط؛ لأنَّه لا جَمْع فيه، وبطلَ الثَّاني، لأنَّ الجمع حصل بِهِ.
- فإن جُهل أسبقُ العَقْدين: فَسَخَهُما حاكمٌ إن لم يُطلِّقْهما؛ لبطلانِ النِّكاح في أحدهما وتحريمها عليه، ونكاح إحداهما صحيح، ولا يُتَيقَّن بينونتها منه إلَّا بطلاقهما، أو فسخ نكاحهما، فوجب ذلك.
ج- الجمْعُ بين أكثرَ من أربع زوجات؛ لحديث ابن عمر ﵄:
стр. 907
أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لغَيْلانَ بن سَلَمة ﵁ حين أسلم وتحته عشر نِسْوة: (اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً) [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه]، فلما منعه النبيَّ ﷺ من استدامة ما زاد على أربع، دلَّ ذلك على أنَّ المنع من ابتداء ذلك أَوْلى.
- وخُصَّ النَّبيُّ ﷺ بجواز ذلك؛ فكان له أن يتزوَّج بأيِّ عدد شاء؛ تكرمةً له من الله تعالى.
- ومن طلَّق واحدةً من أربعٍ، حَرُمَ عليه تزوُّج بَدَلَها حتَّى تنقضي عِدَّتها؛ لأنَّ المعتدَّة في حكم الزَّوجة. بخلاف ما لو ماتت فله أن ينكح بَدَلها في الحال؛ لأنَّه لم يبق لنكاحها أثرٌ.
* حُكمُ الجَمعِ -فيما سبق- مع وَطْءِ شُبهةٍ أو زِناً:
- مَنْ وطِئَ امرأةً بشبْهةٍ أو زِنًا: حَرُم في زَمَنِ عِدَّتها نكاحُ أُختِها، أو عمَّتها، أو خالتِها.
- وحَرُمَ أن يزيدَ على ثلاثٍ غيرَها بعقدٍ. فإن كان له ثلاثُ زوجاتٍ لم يحلَّ له نكاح رابعة، حتَّى تنقضي عِدَّة من وَطِئَها بشبهةٍ أو زناً.
ولو كان له أربعُ زوجاتٍ: لم يحلَّ له أن يطأَ منهنَّ أكثر من ثلاث، حتَّى تنقضي عدَّة من وَطِئها بشبهةٍ أو زناً، لِئلَّا يُجمع ماؤُه في أكثر من أربع نسوة.
القسم الثَّاني من المُحرَّمات لأَمَدٍ: ما كان سببُ التَّحريمِ فيه عارضاً، ويمكن أن يَزولَ، وهُنَّ أنواع:
стр. 908
أ - تَحرُم الزَّانيةُ على الزَّاني وغيرِهِ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: (أنَّ مَرْثَدَ بنَ أبي مَرْثَدٍ الغَنَويَّ كَانَ يَحْمِلُ الأُسَارَى بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالَ لَهَا: عَنَاقُ، وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]؛ فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا) [رواه أبوداود، والترمذي، والنّسائي].
ولا يُباح نكاحها إلَّا بِشرطَيْن:
١) أن تَتُوب من الزِّنا؛ فيزولُ الحكمُ عنها. وتوبتُها: بأن تُراودَ على الزنا فتمتنع.
٢) أن تنقضِي عِدَّتُها من نكاح الزِّنا.
ب- وتَحرم مُطَلَّقَتُهُ ثلاثاً حتَّى تنكح زوجاً غيرَه، نكاحاً صحيحاً، ويطأها في قُبُل، مع انتشار، ويطلِّقَها الثاني وتنقضيَ عدَّتها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
ولحديث عائشة ﵂ قالت: (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنَ ابنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) [رواه البخاري، ومسلم].
стр. 909
ج- وتَحرُمُ المُحْرِمَةُ حتَّى تَحِلَّ من إحرامها؛ لحديث عثمان ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ) [رواه مسلم].
د - وتَحرُمُ مُسلِمةٌ على كافرٍ حتَّى يُسْلِم، إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
هـ- وتَحرُمُ كافرةٌ غير كتابيَّة على مُسلِمٍ -ولو كان عبداً- حتَّى تُسلِمَ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
أمَّا حرائرُ أهل الكتاب فيباحُ نكاحهنَّ بالإجماع، إذا كُنَّ من أبوين كتابيَّين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
فإن كان أحدُ أبويها غير كتابيٍّ، فلا يحلُّ لمسلمٍ أن يتزوَّجها؛ تغليباً لجانب الحظر؛ لأنَّها لم تتمحَّض كتابيَّة.
وأهل الكتاب: هم من يَدينُ بالتوراة والإنجيل خاصَّة، ولو كان من بني تَغْلِبَ، ومن في معناهم من نصارى العرب ويهودهم.
و - وتَحرُمُ زوجةُ غيرِهِ؛ لقوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
ز - وتَحرُمُ المعتدَّة من غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
ح- وتَحرُمُ المُستَبْرَأة من غيره؛ لأنَّها في معنى المعتدَّة، وتزوُّجُها زمن
стр. 910
الاستبراء يُفضي إلى اختلاط المياه والأنساب.
ط- ويَحرُمُ نكاحُ خُنْثَى مُشْكِل قبل تبيُّنِ حالِهِ؛ لعدم تحقُّق ما يُبيحُ النِّكاح؛ فغُلِّب الحَظْر، كما لو اشتبهت أختُه بأجنبيَّات. ولا يصحُّ إن كان قبل التحقُّق.
ي- ولا يحلُّ لمسلمٍ كامل الحرِّيَّة نكاح أَمَةٍ مُسلمةٍ، إلَّا بشرطين:
١) أن لا يجد طَوْلًا -أي مالًا- حاضراً، يكفي لنكاح حرَّةٍ، ولو كانت كتابيَّةً، وكان لا يَقْدِرُ على ثَمَن أَمَةٍ ولو كتابيَّةً.
٢) أن يخاف على نفسه العَنَت؛ وهو مشقَّة ترك النكاح.
لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 911
باب الشُّروط في النِّكاح
أوَّلًا: المقصودُ بالشُّروط في النِّكاح:
المقصودُ بالشُّروط في النِّكاح: ما يَشترطُهُ أحدُ الزَّوجين في عقد النكاح على الآخر ممَّا له فيه غرَضٌ صحيحٌ، وليس بمنافٍ لمقتضى العَقْد.
ومحلُّ الصحيح منها:
أ - ما كان في صُلْبِ العَقْد.
ب- أو اتَّفقَا عليه قبل العَقْد.
أمَّا لو وقع الشرط بعدَ لُزُوم العَقْد: لم يلْزَمْ؛ لفوات محلِّهِ.
ثانياً: أقسامُ الشُّروط في النِّكاح:
الشُّروطُ في النِّكاح قِسمانِ:
الأوَّل: شرطٌ صَحيحٌ.
الثَّاني: شرطٌ فاسِدٌ.
القسم الأوَّل: الشَّرْط الصَّحيحُ في النِّكاح؛ وهو نوعان:
الأوَّل: شرطُ ما يقتضيه العَقْد، بأن يكون هو مقتضى العقد؛ كتسليم الزوجة إليه، وتمكينه من الاستمتاع بزوجته، وتسليم المهر إليها؛ فوجودُ مثل هذا الشَّرْط كعدمِهِ؛ لأنَّ العقد يقتضي ذلك.
الثاني: شَرْطُ ما تنتفعُ به المرأةُ، ولا ينافِي العَقْد؛ كزيادة معلومةٍ في مَهْرها،
стр. 912
أو أن يكون مهرها من نقدٍ معيَّنٍ، أو زيادةٍ في نفقتها الواجبة، أو أن لا يخرجها من دارها أو بَلَدِها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوَّج عليها، أو لا يُفرِّق بينها وبين أَبَوَيْها أو أولادها، أو أن تُرْضِع وَلَدَها.
فهذا النَّوع من الشُّروط صحيحٌ لازمٌ للزَّوجِ ليس له فكُّه؛ بمعنَى ثبوت الخيار للزَّوجة بعدمه؛ لأنَّ لها فيه قصداً صحيحاً؛ ويدلُّ له ما روى عبد الرحمن ابن غَنْمٍ قال: (شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ وَاخْتُصِمَ إِلَيْهِ فِي امْرَأَةٍ شَرَطَ لَهَا زَوْجُهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، قَالَ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا. قَالَ رَجُلٌ: لَئِنْ كَانَ هَكَذَا لَا تَشَاءُ امْرَأَةٌ تُفَارِقُ زَوْجَهَا إِلَّا فَارَقَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ) [رواه عبد الرزاق].
ويؤيِّدُهُ حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) [رواه البخاري، ومسلم].
- يسنُّ للزوج الوفاء بهذا النوع من الشروط ولا يجب؛ لأنَّ عمر ﵁ لم يجبر الزوج عليه، بل قال: (لَهَا شَرْطُهَا).
- فمتى لم يفِ الزَّوج بما شُرِطَ كان لها الفَسْخُ على التَّراخِي؛ لما تقدَّم من قول عمرَ ﵁: (المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ)، ولأنَّه شرْطٌ لازمٌ في عَقْدٍ، فثبت حقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوفاء به؛ كالرَّهنِ في البيع.
وكونه على التَّراخي؛ لأنَّه خيارٌ يثبتُ لدَفْع الضَّرر، فكان على التراخي
стр. 913
تحصيلًا لمقصودها؛ كخيار العَيْب والقِصاص.
- لا يَسقط حقُّ الزوجة في الفَسْخِ إلَّا بما يدلُّ على رضاها من قولٍ، أو تمكينٍ منها مع عِلْمِها بعدم وفائه لها بما شَرَطَتْ عليه.
- لا تلزمُ هذه الشروط إلَّا في النكاح الذي شُرِطَت فيه؛ فإن أبانها الزوج منه، ثمَّ تزوجها ثانيةً، لم تعتبر هذه الشروط؛ لأنَّه إذا زال العقد زال ما ارتبط به.
القسم الثَّاني: الشَّرطُ الفاسِدُ في النِّكاح؛ وهو: ما يُنافِي مقتضى العَقْد؛ لكن قد يبطلُهُ، وقد لا يُبطله.
وهُو على نوعين:
النَّوع الأوَّل: شَرْطٌ يُبْطِلُ النِّكاح من أصله؛ وهو أربعة أقسام:
أ - نكَاحُ الشِّغار: بكسر الشين؛ مِنْ شَغَر الكلبُ؛ إذا رفع رِجْلَه ليبولَ؛ تَشبيهاً له في القُبْح برفع الكلبِ رِجْلَه للبَوْل.
وهو من الأنكحة الفاسدة التي نهى عنها النبيُّ ﷺ ، وله صورتان:
١) أن يزوِّج رَجُلٌ رَجُلًا مَوليَّته؛ كبِنْتِه أو أُختِه، على أن يزوِّجه الآخرُ مَوليَّته، بلا مَهْرَ بينهما، سواء سكتا عنه أو شَرَطا نفيه؛ لما روى ابن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ). وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقُ. [رواه البخاري، ومسلم].
٢) أن يجعل بُضْع كلِّ واحدةٍ منهما مع دراهم معلومة مهراً للأخرى؛ لما
стр. 914
روى عبد الرحمن بن هُرْمُز الأَعْرَج: (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَقَدْ كَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ [رواه أحمد، وأبو داود].
ب- نكاحُ المُحَلِّلِ: وهو -في الجملة- أن يتزوَّج رجلٌ امرأةً مطلَّقةً ثلاثاً بقصد تحليلها للزوج الأوَّل. وهو نكاحٌ محرَّمٌ باطلٌ، لا يحصل به التحليل للزَّوج الأوَّل؛ لما روى عليٌّ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : (لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ، وَالمُحَلَّلَ لَهُ) [رواه أبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه].
وله ثلاثُ صور:
١) أن يتزوَّج المطلَّقةَ ثلاثاً بشَرْطِ أنَّه متى أَحَلَّها لزوجها الأوَّل: طَلَّقَها لهُ.
٢) أن ينويَ المُحَلِّلُ أنَّه متى أحلَّها للزوج الأوَّل طلَّقها له، دون أن يذكر الشَّرْط في العَقْد، ولم يرجع عن نيَّته عند العَقْد. ويدلُّ له ما روى نافعٌ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ؛ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ، هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [رواه الحاكم].
٣) أن يتَّفقَ الزَّوْجان على التحليل والطلاق قبل العَقْد، دون أن يُذكر ذلك
стр. 915
حال العقد، ولم يرجع عن نيِّته عند العَقْد؛ لعموم حديث (لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ، وَالمُحَلَّلَ لَهُ).
لكنْ إنِ اتَّفقَا على شَرْط التَّحليل قبل العَقْد، ثمَّ نوى الزَّوج عند العَقْد أنَّه نكاح رغبةٍ: صحَّ منه؛ لخُلُوِّه عن نيَّة التَّحليل.
ج- نكاحُ المُتْعةِ؛ وسُمِّي بذلك: لأنَّ الرَّجُلَ يتزوَّج المرأة لِيتمتَّع بها إلى أَمَدٍ، وله عدَّة صورٍ:
١) أن يتزوَّجَ المرأةَ إلى مُدَّةٍ معلومةٍ أو مجهولةٍ، كأن يقولَ الوليُّ: «زوَّجتُك ابنتي شهراً»، أو «زوجتُكَها إلى انقضاء الموسِم». أو يتزوَّج المرأة ويشترط طلاقها في العقد بوقت كذا.
٢) أن يقولَ الرَّجُل للمرأة: «أَمْتِعيني نَفْسَك»، فتقول: «أَمْتَعْتُك نَفْسي»، بلا وَليٍّ ولا شهودٍ.
والنِّكاح في هاتين الصُّورتين باطلٌ؛ لما روى سَبْرة الجُهنيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ) [رواه مسلم].
٣) أن ينوي الزَّوجُ طلاقَها في وقت محدَّدٍ بقلبِهِ، أو يتزوَّج الغريبُ امرأةً بنيَّة طَلاقِها متى ما أراد أن يعودَ إلى بلدِهِ.
والنِّكاح في هذه الصورة باطلٌ أيضاً؛ لأنَّه أشبَهَ المُتْعَةَ فَحَرُمَ، إذِ الضَّررُ
следующие страницы →