← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

باب الشُّروط في النِّكاح أوَّلًا: المقصودُ بالشُّروط في النِّكاح: المقصودُ بالشُّروط في النِّكاح: ما يَشترطُهُ أحدُ الزَّوجين في عقد النكاح على الآخر ممَّا له فيه غرَضٌ صحيحٌ، وليس بمنافٍ لمقتضى العَقْد. ومحلُّ الصحيح منها: أ - ما كان في صُلْبِ العَقْد. ب- أو اتَّفقَا عليه قبل العَقْد. أمَّا لو وقع الشرط بعدَ لُزُوم العَقْد: لم يلْزَمْ؛ لفوات محلِّهِ. ثانياً: أقسامُ الشُّروط في النِّكاح: الشُّروطُ في النِّكاح قِسمانِ: الأوَّل: شرطٌ صَحيحٌ. الثَّاني: شرطٌ فاسِدٌ. القسم الأوَّل: الشَّرْط الصَّحيحُ في النِّكاح؛ وهو نوعان: الأوَّل: شرطُ ما يقتضيه العَقْد، بأن يكون هو مقتضى العقد؛ كتسليم الزوجة إليه، وتمكينه من الاستمتاع بزوجته، وتسليم المهر إليها؛ فوجودُ مثل هذا الشَّرْط كعدمِهِ؛ لأنَّ العقد يقتضي ذلك. الثاني: شَرْطُ ما تنتفعُ به المرأةُ، ولا ينافِي العَقْد؛ كزيادة معلومةٍ في مَهْرها،

стр. 912

أو أن يكون مهرها من نقدٍ معيَّنٍ، أو زيادةٍ في نفقتها الواجبة، أو أن لا يخرجها من دارها أو بَلَدِها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوَّج عليها، أو لا يُفرِّق بينها وبين أَبَوَيْها أو أولادها، أو أن تُرْضِع وَلَدَها. فهذا النَّوع من الشُّروط صحيحٌ لازمٌ للزَّوجِ ليس له فكُّه؛ بمعنَى ثبوت الخيار للزَّوجة بعدمه؛ لأنَّ لها فيه قصداً صحيحاً؛ ويدلُّ له ما روى عبد الرحمن ابن غَنْمٍ قال: (شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ وَاخْتُصِمَ إِلَيْهِ فِي امْرَأَةٍ شَرَطَ لَهَا زَوْجُهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، قَالَ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا. قَالَ رَجُلٌ: لَئِنْ كَانَ هَكَذَا لَا تَشَاءُ امْرَأَةٌ تُفَارِقُ زَوْجَهَا إِلَّا فَارَقَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ) [رواه عبد الرزاق]. ويؤيِّدُهُ حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) [رواه البخاري، ومسلم]. - يسنُّ للزوج الوفاء بهذا النوع من الشروط ولا يجب؛ لأنَّ عمر ﵁ لم يجبر الزوج عليه، بل قال: (لَهَا شَرْطُهَا). - فمتى لم يفِ الزَّوج بما شُرِطَ كان لها الفَسْخُ على التَّراخِي؛ لما تقدَّم من قول عمرَ ﵁: (المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ)، ولأنَّه شرْطٌ لازمٌ في عَقْدٍ، فثبت حقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوفاء به؛ كالرَّهنِ في البيع. وكونه على التَّراخي؛ لأنَّه خيارٌ يثبتُ لدَفْع الضَّرر، فكان على التراخي

стр. 913

تحصيلًا لمقصودها؛ كخيار العَيْب والقِصاص. - لا يَسقط حقُّ الزوجة في الفَسْخِ إلَّا بما يدلُّ على رضاها من قولٍ، أو تمكينٍ منها مع عِلْمِها بعدم وفائه لها بما شَرَطَتْ عليه. - لا تلزمُ هذه الشروط إلَّا في النكاح الذي شُرِطَت فيه؛ فإن أبانها الزوج منه، ثمَّ تزوجها ثانيةً، لم تعتبر هذه الشروط؛ لأنَّه إذا زال العقد زال ما ارتبط به. القسم الثَّاني: الشَّرطُ الفاسِدُ في النِّكاح؛ وهو: ما يُنافِي مقتضى العَقْد؛ لكن قد يبطلُهُ، وقد لا يُبطله. وهُو على نوعين: النَّوع الأوَّل: شَرْطٌ يُبْطِلُ النِّكاح من أصله؛ وهو أربعة أقسام: أ - نكَاحُ الشِّغار: بكسر الشين؛ مِنْ شَغَر الكلبُ؛ إذا رفع رِجْلَه ليبولَ؛ تَشبيهاً له في القُبْح برفع الكلبِ رِجْلَه للبَوْل. وهو من الأنكحة الفاسدة التي نهى عنها النبيُّ ﷺ ، وله صورتان: ١) أن يزوِّج رَجُلٌ رَجُلًا مَوليَّته؛ كبِنْتِه أو أُختِه، على أن يزوِّجه الآخرُ مَوليَّته، بلا مَهْرَ بينهما، سواء سكتا عنه أو شَرَطا نفيه؛ لما روى ابن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ). وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقُ. [رواه البخاري، ومسلم]. ٢) أن يجعل بُضْع كلِّ واحدةٍ منهما مع دراهم معلومة مهراً للأخرى؛ لما

стр. 914

روى عبد الرحمن بن هُرْمُز الأَعْرَج: (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَقَدْ كَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ [رواه أحمد، وأبو داود]. ب- نكاحُ المُحَلِّلِ: وهو -في الجملة- أن يتزوَّج رجلٌ امرأةً مطلَّقةً ثلاثاً بقصد تحليلها للزوج الأوَّل. وهو نكاحٌ محرَّمٌ باطلٌ، لا يحصل به التحليل للزَّوج الأوَّل؛ لما روى عليٌّ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : (لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ، وَالمُحَلَّلَ لَهُ) [رواه أبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه]. وله ثلاثُ صور: ١) أن يتزوَّج المطلَّقةَ ثلاثاً بشَرْطِ أنَّه متى أَحَلَّها لزوجها الأوَّل: طَلَّقَها لهُ. ٢) أن ينويَ المُحَلِّلُ أنَّه متى أحلَّها للزوج الأوَّل طلَّقها له، دون أن يذكر الشَّرْط في العَقْد، ولم يرجع عن نيَّته عند العَقْد. ويدلُّ له ما روى نافعٌ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ؛ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ، هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [رواه الحاكم]. ٣) أن يتَّفقَ الزَّوْجان على التحليل والطلاق قبل العَقْد، دون أن يُذكر ذلك

стр. 915

حال العقد، ولم يرجع عن نيِّته عند العَقْد؛ لعموم حديث (لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ، وَالمُحَلَّلَ لَهُ). لكنْ إنِ اتَّفقَا على شَرْط التَّحليل قبل العَقْد، ثمَّ نوى الزَّوج عند العَقْد أنَّه نكاح رغبةٍ: صحَّ منه؛ لخُلُوِّه عن نيَّة التَّحليل. ج- نكاحُ المُتْعةِ؛ وسُمِّي بذلك: لأنَّ الرَّجُلَ يتزوَّج المرأة لِيتمتَّع بها إلى أَمَدٍ، وله عدَّة صورٍ: ١) أن يتزوَّجَ المرأةَ إلى مُدَّةٍ معلومةٍ أو مجهولةٍ، كأن يقولَ الوليُّ: «زوَّجتُك ابنتي شهراً»، أو «زوجتُكَها إلى انقضاء الموسِم». أو يتزوَّج المرأة ويشترط طلاقها في العقد بوقت كذا. ٢) أن يقولَ الرَّجُل للمرأة: «أَمْتِعيني نَفْسَك»، فتقول: «أَمْتَعْتُك نَفْسي»، بلا وَليٍّ ولا شهودٍ. والنِّكاح في هاتين الصُّورتين باطلٌ؛ لما روى سَبْرة الجُهنيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ) [رواه مسلم]. ٣) أن ينوي الزَّوجُ طلاقَها في وقت محدَّدٍ بقلبِهِ، أو يتزوَّج الغريبُ امرأةً بنيَّة طَلاقِها متى ما أراد أن يعودَ إلى بلدِهِ. والنِّكاح في هذه الصورة باطلٌ أيضاً؛ لأنَّه أشبَهَ المُتْعَةَ فَحَرُمَ، إذِ الضَّررُ

стр. 916

الحاصلُ للزَّوجة بهذا النِّكاح هو نفسُهُ الحاصل بنكاح المُتْعَةِ. د- النِّكاح المُعَلَّق على شَرْطٍ في المستقبل -غير مشيئةِ الله تعالى-؛ كأن يقول الوليُّ: «زوَّجتُك ابنتي إذا جاء رأس الشهر»، أو «إن رَضِيَتْ أُمُّها». فهذا النكاح باطلٌ؛ لأنَّه عقد معاوضة؛ فلا يَصحُّ تعليقه على شرطٍ مستَقبَلٍ؛ كالبيع، ولأنَّه وقفٌ للنِّكاح على شرطٍ، ولا يَجوز وقفه على شرطٍ. - ويصحُّ إذا عُلِّق على شَرْطٍ حاضِرٍ؛ كقوله: «زوَّجْتُكَها إن شئتَ»؛ فقال: «شئتُ وقبلتُ». - ويصحُّ إذا عُلِّق على شَرْطٍ ماضٍ؛ كقوله: «زَوَّجتُكها إنْ كانت بِنْتِي»، وهي ابنته في اعتقاد العاقِدَيْن، أو قال: «زَوَّجتُكَها إنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها»، فإن انقضت عدَّتها: صحَّ؛ لأنَّه ليس بتعليقٍ حقيقةً، بل توكيدٌ. - ويصحُّ إذا عُلِّق على مشيئة الله؛ كأن يقول: «زوجتُكَها إن شاء الله»؛ لأنَّ مقصود التَّعليق بالمشيئة التَّبرُّك، لا التَّردُّد في الغالب. النَّوع الثَّاني من الشروط الفاسدة: شَرطٌ لا يُبطِل النِّكاح؛ وله صورٌ، منها: ١) أن يَشترِطَ الزَّوجُ أَنْ لَا مَهْرَ لها. ٢) أن يَشترطَ أن لا نفقةَ لزوجتِهِ. ٣) أن يَشترطَ أن يَقسِمَ لها أقلَّ من ضَرَّتها، أو أكثرَ. ٤) أن يَشترطَ أن لا يطأها، أو يَعْزِل عنها، أو شَرَطَت هي ذلك، أو أن

стр. 917

لا يَقْسِمَ لها إلَّا في النَّهار دون الليل. ٥) أن يشترط الزوجان أو أحدهما الخيار في النِّكاح؛ كأن يقول الوليُّ: «زوَّجتُك بشرط الخيار أبداً، أو مدَّةً معلومة، أو مجهولة». ٦) أن تشترط أن لا تُسلِّم نفسَها إليه إلَّا بعد مدَّة معيَّنةٍ، أو أن تستدعيه إلى الجماع وقت حاجتها أو إرادتها. ففي جميع هذه الصور ونحوها يصحُّ النِّكاح، ويَبطلُ الشَّرط؛ لأنَّ هذه الشروط تنافي مقتضَى العَقْد، وتتضمَّن إسقاطَ حقوق تجبُ بالعَقْد قبل انعقاده؛ كما لو أسقط الشَّفيع شُفْعته قبل البيع، ولما في بعضها من الظلم والاعتداء على حقِّ الغير. وأمَّا صحَّة عقد النِّكاح؛ فلأنَّ هذه الشروط تعود إلى معنًى زائد في العَقْد، لا يشترط ذِكْرُه، ولا يضرُّ الجَهْل به، فلم يُبْطِلْه. ولأنَّ النكاح يصحُّ مع الجهل بالعِوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد. - وإن شَرَط الزَّوجُ أن تكون الزَّوجةُ مسلمةً، أو بِكْراً، أو جميلةً، أو نسيبةً، أو شَرَط نَفْي عيبٍ في الزَّوجة لا يُفسخ به النكاح؛ كأن تكون سميعةً، أو بصيرةً، أو طويلةً، ونحو ذلك؛ فبانت بخلاف ذلك، فللزوج الخيار في الفسخ؛ لأنَّه شرطَ صفةً مقصودةً، ففاتت، أشبه ما لو شَرَطَها حُرَّةً فبانت أَمَةً.

стр. 918

- وإن شَرَط فيها صفةً فبانت أحسن منها أو أعلى، فلا خيار له؛ كأن يشترطها كتابيَّةً، فبانت مُسلِمةً؛ لأنَّه زيادة خير فيها.

стр. 919

باب حكم العيوب في النِّكاح أوَّلًا: تَعريفُ العُيوبِ: العُيوبُ لُغةً: جمع عَيْبٍ؛ وهو النَّقْص. والمقصودُ بِهِ هُنا: بيانُ العيوبِ التي يثبتُ بها الخيارُ، والتي لا يثبت بها. ثانياً: ثبوتُ خيارِ العَيب في النِّكاح: يثبت خيار العيب لكلِّ واحدٍ من الزَّوجين في الجملة؛ لما روي عن عمر ﵁ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ غُرَّ بِهَا رَجُلٌ، بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ؛ فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَصَدَاقُ الرَّجُلِ عَلَى وَلِيِّهَا الَّذِي غَرَّهُ» [رواه الدارقطنيّ]، ونحوه عن ابن عمر، وابن عبَّاس ﵃. ولأنَّه عيبٌ يمنع الوطء، فأثبت الخيار؛ كالجَبِّ والعُنَّة. ثالثاً: أقسامُ العُيوبِ المُثْبِتةِ للخِيار: تنقسمُ العيوبُ المثبِتةُ للخِيارِ إلى ثلاثة أقسامٍ: القِسمُ الأوَّل: ما يَختصُّ بالرَّجُل؛ وهو ثلاثة عيوب: أ - الجَبُّ؛ وهو: كونه قد قُطِعَ ذَكَرُه كلُّه أو بعضُه، بحيث لم يَبْقَ منه ما يطأُ به؛ فيتعذَّر معه الجماع والاستمتاع المقصود بالنِّكاح، فكان كالعُنَّةِ، بل هو أَوْلى؛ لأنَّه ميؤوسٌ من زوالِهِ.

стр. 920

ب- قَطْعُ الخُصْيَتَيْن، ومثله: من رُضَّت بَيْضَتاه، أو سُلَّتا؛ لأنَّ فيه نقصاً يمنع الوطء، أو يُضْعِفه. ج- العُنَّةُ؛ وهو العَجْز عن الوَطْءِ، ولو لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرجى بُرْؤُه، مأخوذٌ مِنْ: عَنَّ الشيءَ يَعِنُّ، إذا اعترَضَ؛ فذَكَرُهُ يَعِنُّ -أي: يعترض- إذا أراد أن يُولِجَهُ في فَرْجِ المرأة. ويثبت الخيار لامرأة العِنِّين بعد تأجيلِهِ سَنَةً، قد ورَدَ ذلك عن جَمْعٍ من الصحابة؛ منهم: عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، والمغيرةُ بن شُعْبَةَ ﵃ [روى ذلك عبدُ الرزاق]، وليس لهم مخالفٌ. ولأنَّه عيبٌ يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجَبِّ. * طُرُق ثُبوت العُنَّةِ، وما يترتَّبُ عليه: تثبتُ عُنَّةُ الزَّوج بإقرارِه، أو ببيِّنةٍ. فإن عُدِمتا وطلبت امرأتُه يمينَهُ فنَكَلَ، ولم يَدَّع وَطْأً سابقاً على دعواها: أُجِّلَ سَنَةً هلاليَّة؛ لأنَّها المعتبرة في الأحكام الشرعيَّة، من حينِ تَرْفعُ الزَّوجة أمرَه إِلى القاضِي، فيضربُ القاضي له المدَّةَ، لا غيرُهُ؛ لوروده عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، والمغيرةِ بن شُعْبةَ ﵃، كما سبق. - ولأنَّه قد يكون عاجزاً لعُنَّةٍ، وقد يكون لمرَضٍ؛ فتمرُّ بِهِ الفصول الأربعةُ، فإن كان مِنْ يُبْسٍ زالَ في فصل الرُّطوبة، وهكذا بالعكس، وإن كان من

стр. 921

انحرافِ مزاج زالَ في فصل الاعتدالِ، فإن مضت الفصول الأربعة ولم يَزُل: عُلِم أنَّها خِلْقَة (١). ثمَّ إِنْ لم يطأها الزَّوج في هذه السَّنَةِ؛ فللزَّوجة الفَسْخُ؛ لما تقدَّم، وإلَّا لم يكن عِنِّيناً. القِسمُ الثَّاني: ما يَختصُّ بالمرأة؛ وهو شيئان: أ - كَوْن فَرْجِها مَسدوداً؛ بحيث لا يَسلُكُه الذَّكَر. - فإن كان ذلك بأصل الخِلْقةِ؛ فهو: رَتَقٌ؛ وهو تلاحم الشَّفْريْن. والمرأة رَتْقاءُ. - وإن لم يكن ذلك بأصلِ الخِلْقةِ؛ فهي: قَرْناء أو عَفْلَاء. والقَرَن: لحمٌ زائدٌ يسدُّ الفَرْج. والعَفَلُ: ورمٌ يكون في اللَّحْمَة التي بين مسلَكَي المرأة، فيضيقُ فَرْجُها، فلا يَسلُكُ فيه الذَّكَر. ويثبُتُ به الخيار؛ لأنَّه يمنع الوَطْء المقصود من النِّكاح. ب - أن يكون في فَرْجِها بَخَرٌ؛ وهو نتنٌ في الفَرْج يثور عند الوطء، أو في فَرْجِها قُروحٌ سيَّالةٌ، أو كونها فَتْقاء؛ وهو انخراق ما بين السَّبيلين، أو كونها مُستحاضَة؛ فيثبت الخيار للزوج؛ لما سبق.

стр. 922

القسمُ الثَّالث: ما هو مُشترَكٌ بينهُما؛ أي: بينَ الرَّجُل والمرأةِ، وهو: أ - الجنونُ، ولو أحياناً؛ لأثر عمر ﵁ السابق، ولأنَّ النَّفْس لا تَسكُنُ إلى من هذه حالُه. ب- الجُذامُ: وهو داءٌ تتهافَتُ منه الأطراف، ويتناثر منه اللَّحْم. وحكمُه كالجنون؛ لما تقدَّم. ومن العُيوب المشتركة بينهما مع ما ذُكِر: ج- البَرَصُ. د - بَخَرُ الفَمِ (الرائحة المنتنة). هـ - الباسورُ؛ وهو داء يُصيبُ المقعدة، منه ما هو ناتئ، ومنه ما هو داخل المقعدة، ومنه ما يسيل، ومنه ما لا يسيل. و - النَّاصورُ؛ وهو عِلَّةٌ تحدثُ في البَدَن من المقعدة وغيرها بمادةٍ خبيثةٍ ضيِّقةِ الفَم يَعْسُر بُرْؤها، أو يقال: كُلُّ قُرْحَةٍ تُزْمِن في البَدَن؛ فهي: ناصور. ز - استطلاقُ البَوْل أو الغائط. ح - كونُ أحدهما خُنْثى غير مُشْكِلٍ. فيثبت الفسخ بكلِّ ما ذُكر من هذه العيوب -ولو حدث بعد الدُّخول-؛ لما فيه من النُّفْرة، أو النقص، أو خشية تعدية أذاه، أو نجاسته.

стр. 923

وثبوت الفسخ بحدوثه بعد الدخول؛ لأنَّه عيبٌّ في النكاح يثبت به الخيار حال كونه مقارناً للعقد، فيثبت طارئاً، كما يثبت الفسخ بالإعسار، ولأنَّه عقدٌ على منفعةٍ، فحدوث العيب بها يُثبت الخيار، كما في الإجارة. رابعاً: حُكمُ ثُبوتِ الخِيارِ بغيرِ ما ذُكِرَ مِنْ العُيُوب: لَا يَثبت خِيارٌ لأحدِ الزَّوجين بغير ما ذُكِرَ من العيوب؛ كالعَور، والعَرج، وقَطْعِ اليد والرِّجْل، والعَمَى، والخَرَس، والطَّرَش؛ لأنَّ ذلك كُلَّه لا يمنع الاستمتاع، ولا يُخشَى تعدِّيه.

стр. 924

فصل في فسخ الأنكحة بالعيوب أوَّلًا: حقُّ الفَسْخِ بين التَّراخِي والفَوْرِيَّة: يكون الخيارُ في الفسخ على التَّراخي؛ لأنَّه لدَفْع ضَرَرٍ مُتَحقِّق، فكان على التَّراخي؛ كخيارِ القصاص. ولأنَّه لنقصٍ في المعقود عليه؛ أشبه خيار العيب، ولذا لا يسقط. ثانياً: سُقوطُ حَقِّ الفَسْخِ: يَسقطُ حقُّ فَسْخ النِّكاح لكلا الزَّوجين أو لأحدهما بالأمور التالية: أ - إذا زالَ العيبُ بعدَ العَقْد؛ لِزوالِ سَبَبِهِ، وهو الضَّرر النَّاتج عنه. ب- إذا كان عالماً بالعيب وقتَ العَقْد؛ وذلك لدخولِهِ على بصيرةٍ، فأشبَهَ مَنْ اشتَرَى ما يَعلم عيبَه. ج- أن يرضَى بالعَيْب في غير العُنَّة؛ ويكون ذلك: ١) بقولٍ؛ كأن يقول: «أسْقَطْتُ الفسخ»، أو: «رَضيتُ». ٢) أو بِفعلٍ؛ كوطءٍ إذا كان الخيار للزَّوج؛ لأنَّه يدلُّ على رغبتِه فيها، أو تمكينٍ مِنْ وطءٍ مع العِلْم بالعَيْب إن كان الخيار للزَّوجة؛ لأنَّه يدلُّ على رضاها به. د - ويَسقطُ حقُّ فَسْخ النكاح بالعُنَّةِ بقولِ امرأةِ العِنِّين: «أسقطتُ حقِّي من الخيار لعُنَّتِهِ»، أو «رَضيتُ به عنِّيناً»، ونحو ذلك؛ لأنَّ العِلْم بعدم قُدْرته

стр. 925

على الوطء لا يكون بدون التَّمكِين، فلم يكن التَّمكين دليل الرضا، فلم يبق إلَّا القول. ويسقطُ حقُّها في الفَسْخ كذلك باعترافها بوطئه في قُبُلها، لا بتمكينها من الوطء؛ لأنَّه واجبٌ عليها لتعلمَ أزالتْ عُنَّتُه أم لا. ثالثاً: دورُ القَضاء في الفَسْخِ بينَ الزَّوجين: الفُسوخ قسمانِ: أ - متَّفقٌ على ثبوتِ أصل الفسخِ فيهِ؛ كفَسْخ المعتَقَةِ تحت عَبْدٍ؛ فهذا لا يُشترط فيه حُكْمُ حاكم. ب- مختَلَفٌ فيه؛ كالعُنَّة، وعيوبِ النِّكاح الأخرى، فيَفسَخُ النِّكاحَ الحاكمُ بطلبِ مَنْ له الخيار، أو يَرُدُّه الحاكم إلى من له الخيار، فيفسخُهُ، ويكونُ كحُكْمِهِ. فلا يَصحُّ فسخُ النِّكاح بهذه العيوب المختلف فيها إلَّا مِنْ خلال حُكم الحاكم، ولا يَستقلُّ الزَّوجان بالفسخ؛ لأنَّه فسخٌ مُجتَهدٌ فيه يقع فيه الخلاف، كالفسخ للإعسار بالنفقة. رابعاً: حُكمُ المَهْرِ بعدَ فَسْخِ النِّكاح بالعَيْبِ: لا يخلو فَسْخُ النِّكاح مِنْ حالَيْن: أ - أن يكون الفَسْخ قبل الدُّخولِ: فَليس للمرأة مهرٌ، سواء كان الفسخ من الزَّوج، أو الزَّوجة؛ لأنَّ الفسخ إن كان منها؛ فالفُرقة من جهتِها؛ كرِدَّتِها،

стр. 926

وإن كان منه؛ فإنَّما فسخ لعيبٍ بها دلَّسَته بالإخفاءِ، فصار الفسخ كأنَّه منها. ب- أن يكون الفَسخُ بعدَ الدُّخول، أو بعد الخلوةِ، ونحو ذلك ممَّا يُقرِّر المهر؛ فلها المهرُ المسمَّى كلُّه؛ لقول عمر ﵁ السابق: (أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا). ولأنَّه نكاح صحيحٌ وُجِدَتْ أركانُه وشروطُه، فترتَّب عليه أحكام الصحَّة، ولأنَّ المهر يجب بالعَقْد ويستقرُّ بالدُّخول، فلا يسقط بحادثٍ بعده. خامساً: حُكمُ الرُّجوع بالمَهْر بسبب العَيْب على من غَرَّهُ (غَشَّهُ): يَرْجعُ الزَّوج بالمَهْر على المُغِرِّ له؛ وهو من عَلِم بالعَيْب وكَتَمَه، سواء كانَ الغارُّ زَوجةً عاقلةً، أو وَليَّها، أو وكيلها؛ لقول عمر ﵁-السابق. - فإن كان التغريرُ من أحدهم؛ بحيث لا يعلم به غيره، كأن يكون التغرير من المرأة، والوليُّ لا يعلم: فليس على الوليِّ شيءٌ؛ لأنَّه لم يعلم، فيرجع عليها بجميع الصَّداق. - وإن كان التغرير من المرأة العاقلة ووَلِيِّها بالاشتراك؛ فالضَّمان على الوليِّ؛ لأنَّه المباشرُ للعَقْدِ، إذ ليس من العادة أنَّ المرأة تخرج إلى الزَّوج، وتقول: إنَّ فيها العيبَ الفلانيَّ. - وإن كان التغرير من المرأة العاقلة ووكيلها: فالضَّمان بينهما نصفان؛ لأنَّ

стр. 927

فِعْل الوكيل كفِعْل المُوكِّل، فالتغرير قد صدر منهما، فيكون بينهما نصفان، بخلاف الوَليِّ، فليس فِعْلُه فعل مولاه. - وإذا حصلت الفرقةُ بين الزوجين من غير فسخٍ؛ بموتٍ، أو طلاقٍ، فلا يرجعُ به على غارٍّ ولا غيره؛ لأنَّ سبب الرجوع على الغارِّ الفسخُ، وهو لم يوجد. - ليس لوليِّ الصغير أو المجنون أو الرَّقيق تزويجه بمن به عيبٌ يُردُّ به في النكاح؛ لأنَّ الوليَّ ناظرٌ لهم بما فيه الحظُّ والمصلحةُ، وهو منتفٍ في هذا العقد. فإن زوَّج الوليُّ غير المكلَّف بمعيبٍ يُردُّ به في النكاح، لم يصحَّ النكاح إن كان يعلم أنَّه معيبٌ؛ لأنَّه عَقَدَ لهم عقداً لا يجوز عَقْدُه. وإن كان لا يعلم أنَّه معيبٌ، صحَّ العقدُ، وله الفسخ إذا علم العيب.

стр. 928

باب نكاح الكفَّار أوَّلًا: المقصودُ بالكفَّار: المقصود بالكفَّار هنا: أهلُ الكتاب وغيرُهم؛ كالمجوس، والوثنيِّين. والمراد من هذا الباب: بيان حكم أنكحة الكُفَّار، وما يُقرُّون عليه لو ترافعوا إلينا، أو أسلموا. ثانياً: حُكمُ نكاحِ الكفَّار: تتعلَّق بأنكحة الكفَّار أحكامُ النِّكاح الصَّحيح: من وقوع الطَّلاق، والظِّهار، والإباحة للزوج الأوَّل، والإحصان، وغير ذلك؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، وقال: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]؛ فقد أضاف النِّساء إليهم، وحقيقةُ الإضافة تقتضي زوجيَّةً صحيحةً. وعن جعفر بن محمَّد عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (أُخْرِجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أُخْرَجْ مِنْ سِفَاحٍ) [رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة]. وإذا ثبتَت الصِّحةُ ثبتت أحكامُها. ثالثاً: شُروطُ إقْرار الكُفَّار على أَنْكِحَتِهم: يُقَرُّ الكُفَّارُ على أنكحتهم المُحرَّمَةِ والفاسِدَة، والمخالِفَةِ لأنكحة المسلمين بشرطَيْن: الأوَّل: أن يكونوا معتقدِين حِلَّها في شَرْعِهم. أمَّا ما لا يعتقدون حِلَّه

стр. 929

-كالزِّنا- فلا يُقرون عليه؛ لأنَّه ليس من دينِهم. الثاني: أن لا يترافعوا إِلَينا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، حيث دلَّت الآية على أنَّهم يُخلَّوْن وأحكامَهم إن لم يجيئوا إلينا. ولأنَّ النبيَّ ﷺ (أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ) [رواه البخاري، ومسلم]، ولم يتعرَّض لأنكحتهم، مع علمه أنَّهم يستبيحون نكاحَ محارمِهم. رابعاً: حُكمُ أَنْكِحَة الكُفَّار إذا تَرافَعوا إلينا: إذا ترافعَ الكُفَّار إلينا فلا يخلُو ذلكَ مِنْ أمرَين: الأوَّل: أن يأتوا إلينا قبل عَقْد النِّكاح فيما بينَهم؛ فنعقده لهم كأنكحة المسلمين؛ بإيجابٍ، وقبولٍ، ووليٍّ، وشاهدَيْ عَدْلٍ من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. ولأنَّه لا حاجة إلى عقدٍ يخالف ذلك. الثَّاني: أن يأتوا إلينا بعد العَقْد فيما بينهم، أو أسلم الزَّوْجان على نكاحٍ: فلا نتعرَّض لكيفيَّة العقد؛ إجماعاً، لأنَّ النبيَّ ﷺ كان قد أقرَّ خَلْقاً كثيراً ممَّن أَسْلَمَ في عَصْره على أنكحتهم، ولم يسأل عن كيفيَّة عقدها، ولا عن شروط النِّكاح؛ على ما سبق. لكن ننظر في هذه الحالة:

стр. 930

أ - فإن كانت المرأةُ وقت التَّرافع إلينا أو الإسلام ممَّن يجوز ابتداءُ نكاحِها؛ كأن يعقد عليها وهي في العِدَّة، ولم يترافعا إلينا إلَّا بعد أن فَرَغت من عِدَّتها، أو أن يعقد على أخت زوجته ثمَّ تموتُ زوجته قبل الترافع، أو وَقَعَ العَقْدُ بلا إيجابٍ وقبولٍ، أو بلا وَليٍّ، أو بلا شهودٍ؛ ففي هذه الحالة يُقَرَّانِ على نكاحهما، إجماعاً؛ لما تقدَّم، ولأنَّ ابتداء النِّكاح حينئذ لا مانع منه، فلا يمنع ذلك من استدامته من باب أَوْلَى. ب- وإن كانت الزَّوجة وقت التَّرافع إلينا أو الإسلام ممَّن يحرمُ ابتداءُ نِكاحِها؛ كأن تكون ذَاتَ مَحْرَمٍ من نَسَبٍ، أو رَضاعٍ، أو مُصاهَرَةٍ، أو أن تكون مُعتَدَّةً من غيره، أو تكون مطلَّقةً منه ثلاثاً ولم تنكح زوجاً غيره؛ فإنَّه يُفرَّقُ بينهما؛ لأنَّه يُمْنَعُ من ابتداء العَقْد في هذه الحال، فيُمْنَعُ من استدامتِهِ؛ كنكاح ذوات المحارم. خامساً: حُكمُ النِّكاح مع إسْلَام الزَّوْجَين أو أَحَدِهما: إذا أسلَمَ الزَّوجان معاً أو أحدُهما؛ فلا يَخلو ذلكَ مِنْ أحوال: أ - أن يُسلِمَ الزَّوجان معاً: بأن تلفَّظا بالإسلام دفعةً واحدةً: فيُقرَّان على نكاحِهما؛ لأنَّه لم يوجد بينهما اختلافُ دِينٍ، ولأنَّه أسلمَ خَلْقٌ كثيرٌ في عصر النَّبيِّ ﷺ ؛ فأقرَّهم على أنكحتهم، ولم يسأل عن كيفيَّتها. ب- أن يُسلِمَ زَوجُ الكِتابيَّة: سواء كان كتابيًّا أو غير كتابيٍّ؛ فيُقرَّان علَى

стр. 931

نكاحِهما؛ لأنَّ للمُسلِم ابتداء نكاح الكتابيَّة. وسواءً كان قبلَ الدُّخول أو بعدَه في الحالتَيْن. ج- أن تُسْلِمَ الكتابيَّةُ تحتَ زوجِها الكافر، أو يُسْلِمَ أحدُ الزَّوجين غير الكتابِيَّيْن -كالمجوسِيَّيْنِ-؛ فلا يخلُو ذلك من حالَيْن: ١) أن يكون ذلك قبلَ الدُّخول: فإنَّ النِّكاح باطلٌ وينفسِخُ، ولا يكون طَلاقاً؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً؛ لأنَّه لا يجوز لكافرٍ ابتداءُ نكاحِ مسلمةٍ، فاستدامته أوْلَى. ولقولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ٢) أن يكون ذلك بعدَ الدُّخول: فيُوقَفُ الأمرُ إلى انقضاء العِدَّة؛ لما رُوِي عن ابن شِهابٍ قال: «كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرَيْنِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا» [رواه مالك. قال ابن عبد البر: «شهرةُ هذا الحديث أقوى من إسناده»]. فإن أسلم المتأخِّرُ عن الإسلام قبل انقضاء العدَّة، فهما على نكاحهما، وإلَّا انفسخ النكاح منذ أسلم الأوَّل منهما، لاختلاف الدِّين، ولا تَحتاج لعِدَّةٍ ثانيةٍ.

стр. 932

سادساً: حُكمُ المَهْر إنْ فُرِّقَ بينهما بإسْلام أَحَدِهما: - إن سبقتِ الزوجةُ زوجَها بالإسلام، وكان ذلك قبل الدُّخول، فلا مهْرَ لها؛ لمجيءِ الفُرْقَة من قِبَلها. وإن سبَقَها هو بالإسلام: فلَها نصفُ المهرِ؛ لمجيءِ الفُرقَةِ من قِبَله، كما لو طلَّقها. - وأمَّا إن كان إسلامُ أحدِهما قبلَ الآخر بعد الدُّخول: فيَجب لها المهرُ بكلِّ حال؛ لاستقرارِهِ بالدُّخول. فإن كان المُسمَّى صحيحاً: فهو لها. وإن كان مُحرَّماً وقد قَبَضَتْه: فليس لها غيرُه؛ لأنَّا لا نتعرَّض لما مضى ممَّا تقابضاه، وإن لم تكن قبضته، فلها مَهْرُ المِثْل.

стр. 933

فصل فيمن أسلم وتحته من يَحرُم جَمْعُهنَّ أوَّلًا: حُكمُ النِّكاح إذا أَسْلَمَ وتحتَه أكثرُ من أربع زوجات: إذا أَسْلَمَ الكافرُ وتحتَه أكثر من أربعٍ من النِّساء؛ فأسلمْنَ في عِدَّتهنَّ أو كُنَّ كتابيَّاتٍ: لم يكن له إمساكُهُنَّ كلُّهنَّ، بغير خلافٍ. - ويَجِب علَيهِ أن يختار منهنَّ أربعاً إن كان مُكَلَّفاً، ويفارِقُ سائرَهُنَّ، لما روى ابن عمر ﵄ (أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ) [رواه الترمذي، وابن ماجه]. وسواء تزوَّجهنَّ في عَقْدٍ أو عقود، وسواءً اختار الأوائل أو الأواخر. - فإذا أَبَى الاختيار: أُجْبِرَ بِحَبْسٍ، ثمَّ تعزيرٍ؛ لِيختار؛ لأنَّه حقٌّ عليه، فأُجبرَ على الخروج منه إذا امتنع؛ كسائر الحقوق. - وعليه نفقتُهنَّ إلى أن يختار؛ لوجوب نفقة زوجاته عليه. وقبل الاختيار لم تتعيَّن زوجاتُه من غيرهنَّ بتفريطه، وليست إحداهُنَّ أَوْلَى بالنَّفقة من الأخرى. - ويحصل الاختيار بينهنَّ: ١) بالقول: كأن يقول: «أمسكتُ هؤلاء، وتركتُ هؤلاء»، أو: «أبقيتُ

стр. 934

هؤلاء، وباعدتُ هؤلاء»، ونحو ذلك. ٢) أو الوطء؛ لأنَّ الوطءَ لا يكون إلَّا في زوجةٍ. فإن وَطِئَ الكُلَّ قبلَ الاختيار بالقول: تعيَّنَ الأربعُ الأُوَل الموطُوآت منهنَّ أوَّلًا للإمساكِ، وما بعدَهنَّ للتَّرك. ٣) أو الطَّلاق؛ فمن طلَّقها فهي مختارةٌ؛ لأنَّ الطلاق لا يكون إلَّا في زوجةٍ. ولا يحصل الاختيارُ بظِهارٍ أو إيلاءٍ؛ لأنَّهما كما يدلَّان على التَّصرُّف في المنكوحة يدلَّان على اختيار تَرْكِها، فيتعارضُ الاختيارُ وعدمُهُ؛ فلا يثبت واحدٌ منهما. ثانياً: حُكمُ النِّكاح إن ارتدَّ أحدُ الزَّوجين أو كلاهما: إذا ارتدَّ أحدُ الزَّوجين، أو هما معاً؛ فلا يخلو ذلك من حالين: أ - أن تكونَ الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخول: فيُوقَفُ الأمرُ على انقضاء العِدَّةِ؛ لأنَّ الرِّدَّةَ اختلافُ دِينٍ بعد الإصابة؛ فلا يوجب فسخه في الحال، كإسلام كافرة تحت كافر. فإن تابَ من ارتدَّ قبل انقضاء العدَّة؛ فهما على نكاحهما، وإلاَّ تبيَّنَّا فسخَهُ منذ ارتدَّ. ب- أن تكون الرِّدَّةُ قبل الدُّخول: فيبطلُ النِّكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقولِهِ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾

стр. 935

[الممتحنة: ١٠]، ولاختلافِ دِينهما. - ويجب لها نصفُ المَهْر إن سَبَقَها بالرِّدَّة، أو ارتدَّ الزَّوج وَحْدَه دونَها؛ لمجيء الفُرْقة من جهته، فأشبه الطَّلاق.

стр. 936

كتاب الصَّداق أوَّلًا: تَعريفُ الصَّداق: الصَّدَاق لُغةً: بفتح الصَّاد وكَسْرها: المَهْرُ. يقال: أَصْدَقْتُ المرأة ومَهَرْتُها، وأَمَهْرتُها. واصطلاحاً: العِوَض المُسمَّى في عَقْد النِّكاح وبَعْدَه، أو في وَطْءِ شُبْهةٍ، وزِناً بمُكرَهَةٍ. ومن ألفاظه: المَهْرُ، والصَّدُقَةُ، والنِحْلَةُ، والفَرِيضَةُ، والأَجْرُ، والعَلَائِقُ، والعُقْرُ، والحِبَاءُ. ثانياً: مشروعيَّةُ الصَّداق: الصَّداق مشروعٌ بنصِّ القرآن، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة. - فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. - ومن السُّنَّة: ما روى أنسُ بن مالكٍ ﵁ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) [رواه البخاري، ومسلم]. - أمَّا الإجماع: فقال ابن قُدامة: «أجمع المسلمون على مشروعيَّة الصَّداق في النكاح».

стр. 937

ثالثاً: أحكامُ الصَّداق: ١) تَسْميةُ الصَّداق: - تُستحبُّ تسميةُ الصَّداق أثناء عقد النِّكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. ويُكرَهُ تَرْكُها؛ لأنَّه قد يؤدِّي إلى التنازع. - وليست التَّسمية شَرْطاً في عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ٢) مِقْدارُ الصَّداق: - ليس للصَّداق مقدارٌ معيَّن، فيصحُّ بكلِّ ما جاز أن يكون ثمناً أو أُجرةً، سواء كان قليلًا أو كثيراً؛ لحديث سَهْل بن سَعْد ﵁ قال: (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلّاهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا. قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) [رواه البخاري ومسلم]؛ فيصحُّ النكاح على عَيْنٍ، أو دَيْنٍ حالٍّ أو مؤجَّلٍ، أو منفعةٍ معلومةٍ مُدَّةً معلومةً؛ كرِعايةِ ماشِيَتِها، أو عَمَلٍ معلومٍ؛ كأن يجعلَ صَداقَها تعليمَها عِلْماً معيَّناً؛ من فقه، أو حديث، أو شعرٍ، أو أدبٍ، أو تعليمَ صَنْعةٍ معيَّنةٍ.

стр. 938

ولا يصحُّ أن يجعل صَداقها تعليمَ القُرآن، أو شيئاً مُعيَّناً منه؛ لأنَّ الفُروج لا تُستباح إلَّا بالأموال؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنَّ تعليم القرآن قُرْبةٌ، ولا يصحُّ أن يكون صَداقاً. وأمَّا قول النبيِّ ﷺ : (زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)؛ فمعناه: زوجتكها لأنَّك من أهل القرآن، كما زوَّج أبا طلحة على إسلامه، وليس في الحديث ذكر التعليم. وقد يكون خاصًّا بذلك الرجل. - يُستحبُّ تخفيفُ الصَّداق وعدمُ المغالاة فيه؛ لما روت عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا، وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا) [رواه ابن حبان والبيهقي]. ٣) ما لا يَصِحُّ في الصَّداق: أ - لا يصحُّ أن يكون الصَّداق مجهولًا غير معلومٍ قَدْراً وصِفةً؛ كأن يُصْدِقها داراً أو ثوباً غير مُعيَّنين، أو أن يُصْدِقها شيئاً معدوماً؛ كسَمَكٍ في ماءٍ، أو أن يُصدِقها شيئاً لا يُتموَّل به عادةً؛ كحبَّة حِنْطةٍ؛ لأنَّ الصَّداق عِوَضٌ في عَقْد معاوَضَةٍ، فيُشترطُ كونُه معلوماً، كالعِوَض في البيع. ولا تضرُّ الجهالةُ اليسيرةُ في الصَّداق؛ مِثْل أن يُصْدِقها بيتاً من بيوته؛ فيصحُّ؛ لأنَّه يمكن تعيينه بالقُرْعة. ب- لا يصحُّ أن يجعل صَداقها طلاقَ زوجةٍ له، أو أن يجعله إليها إلى مدَّةٍ

стр. 939

معلومةٍ؛ لما روي عن عبد الله بن عَمْرو أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ أَنْ يَنْكِحَ المَرْأَةَ بِطَلَاقِ أُخْرَى) [رواه أحمد]. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) [رواه البخاري ومسلم]؛ وما نهى عنه النبيُّ ﷺ لا يصحُّ أن يُجعَل صداقاً ينتفع به. ولأنَّ خروج البضع من الزوج ليس بمتموَّل، فهو كما لو أصدقها خمراً. ج- لا يصحُّ أن يجعل صَداقها شيئاً مُحرَّماً؛ كخَمْر، أو خنزير، أو مالًا مغصوباً يعلمانه. إلَّا أنَّ عقد النكاح صحيحٌ، ويكون لها مَهْر المِثْل؛ لأنَّ فساد العِوَض لا يزيد على عدمه، ولو عُدِمَ العِوَضُ فالنكاح صحيح، فكذا إذا فسد، ولها مهر المثل. - فإن لم يعلما أنَّ الصداق مغصوبٌ، صحَّ النكاح، ولها قيمته يوم العقد؛ لأنَّ العقد وقع على التسمية، وهي رَضِيَت بما سُمِّي لها، فلمَّا امتنع تسليمه لعدم قابليَّة كونه صداقاً، وجب الانتقال إلى قيمته يوم العقد؛ لأنَّه بدله. - وإن أصدقها عصيراً فبان خمراً، صحَّ العقد، ولها مثله؛ لأنَّ العصير مثليٌّ، وهو أقرب إليه من القيمة، ولهذا يُضمَن بالمثل في الإتلاف. - وكلُّ موضعٍ لم يَصحَّ فيه تسميةُ الصَّداق، أو خلا عقدُ النكاح عن ذِكْرِه؛ فإنَّه يجبُ فيه للمرأةِ مَهْر المِثْل بالعقد؛ لأنَّ المرأةَ لا تُسلِّم نفسَها إلَّا ببَدَلٍ، ولم يُسلَّم البَدَل، ورَدُّ العِوَض مُتَعذِّرٌ، فوجب بَدَلُه، وهو مَهْر المِثْل.

стр. 940

* ما يعتبر به مَهْر المِثْل: - مَهْر المِثْل مُعتبرٌ بمن يساوي المرأة من جميع أقاربها؛ كأمِّها، وخالتها، وعمَّتها، وأختها، وبنت أخيها، وبنت عمِّها، وغيرهنَّ القُرْبى فالقُرْبى؛ لما روى عَلْقَمَةُ قال: (أُتِيَ عَبْدُ اللهِ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَتُوُفِّيَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا. قَالَ: فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَى لَهَا مِثْلَ صَدَاقِ نِسَائِهَا، وَلَهَا المِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ هَذَا) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. - ويُعتبرُ التساوي في المال، والجمال، والعَقْل، والأدب، والسِّنِّ، والبَكارَة أو الثُّيوبَة، والبَلَد، وصَراحَةُ النَّسَب، وكلُّ ما يختلف لأجله المَهْر؛ لأنَّ مَهْر المِثْل بدلُ مُتْلَفٍ، وهذه الصفات مقصودةٌ فيه، فاعتبرت. - فإذا لم يكن في نسائها إلَّا من هو دونها زِيد لها في مَهْرِها بقَدْر فضيلتها؛ لأنَّ زيادة فضيلتها تقتضي زيادة مَهْرها. وإن لم يوجد في نسائها إلَّا من هو فوقها، نقصتْ بقدْر نَقْصِها؛ كما في أرش العيب يُقدَّرُ بقَدْر نَقْص المبيع. - وإذا اختلفت المُهور، أُخذَ بأوسط الأحوال.

стр. 941

فصل في التَّزويج بدون صَداق المِثْل - للأب تزويجُ ابنته مُطْلقاً -بِكْراً أو ثَيِّباً، صغيرةً أو كبيرةً- بدون صَداق مِثْلها، وإن كَرِهت ذلك؛ لما روى أبو العَجْفاء السُّلَميُّ قال: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَخْطُبُ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللّاهِ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً … ) الحديث [رواه الدارمي]. وكان هذا بمحضرٍ من الصحابة، ولم يُنْكر، فكان اتِّفاقاً منهم على أنَّ له أن يزوِّج بذلك، وإن كان دون صَداق مِثْلها. وهذا من مُفْردات المذهب. ولأنَّ المقصود من النكاح ليس العوض، بل حصول السكن، والازدواج، ووضع المرأة في منصبٍ عند من يكفيها ويصونها ويُحسِن عِشْرَتها. والظاهر أنَّ الأبَ مع شفقته لا يُنقصها من صداقها إلَّا لتحصيل المعاني المقصودة بالنكاح. - وليس للمرأة إلَّا ما وقع عليه العقد، ولا يَلْزَم أحداً تتمَّة مَهْر المِثْل. - وإذا زوَّج غيرُ الأبِ مَولِيَّته بأقلَّ من مَهْر المِثْل؛ فلا يخلو ذلك من حالين: الأولى: أن يكون ذلك بإذْنِها مع كَوْنها رَشِيدَةً؛ فيصحُّ، وليس لأحدٍ الاعتراض؛ لأنَّ الحقَّ لها، وهي رَضِيَت بإسقاطه.

стр. 942

الثانية: أن يكون بغير إِذْنها، فلا يصحُّ، ويَلْزَم الزَّوج تكملة مَهْر المِثْل؛ لفساد التَّسْمية؛ لكونها غير مَأْذونٍ فيها شَرْعاً. ويرجع الزَّوج على الوليِّ بضمان مَهْر المِثْل؛ لأنَّه المفرِّط، كما لو باع سِلْعةً لها بدون ثَمَن المِثْل. - إذا أَذِنَت المرأةُ لولِيِّها بتزويجها بمَهْر مُقَدَّرٍ، فزوَّجها بدونه، ضَمِنَ الوليُّ النقص، ولو كان أكثرَ من مَهْر المِثْل؛ لأنَّه ضَيَّعه بتزويجها بدونه. - إذا زوَّج الأبُ ابنه الصغير بأكثرَ من مَهْر المِثْل، صحَّ؛ لأنَّ تصرُّف الأب ملحوظٌ فيه المصلحة، ولزم الصداق الابن؛ لأنَّ العقد له، فإن تعسَّر الابن لم يضمنه الأبُ؛ لأن الأب ينوب عنه في التزويج، فأشبه الوكيل في شراء سلعةٍ. وأمَّا إن زوَّجه، فقيل له: ابنُكَ فقيرٌ، من أين يُؤْخَذُ الصَّداقُ؟ فقال الأبُ: عندي. ولم يَزِدْ على ذلك. لَزِمَه؛ لأنَّه صار ضامناً بقوله هذا. وغيرُ الأبِ مِثْلُه. وكذا لو ضمنه عنه غير الأب، فيلزمه. * قَبْضُ صَداقِ المرأة: قبضُ الصَّداق حقٌّ للمرأةِ إن كانت مكلَّفة رشيدةً، ولو كانت بِكْراً؛ فليس للأب قَبْضُه إلَّا بإذْنِها، وغيره من باب أَوْلَى؛ لأنَّها المتصرِّفة في مَالِهَا، فاعتُبِرَ إذنُها في قبضه، كما في قبضها ثَمَن مبيعها. فإن سَلَّم الزَّوج الصَّداقَ لأبيها بغير إذْنِها، لم يَبْرأ الزَّوج بتسليمه له، وترجعُ الزَّوجةُ على الزَّوج؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، ثمَّ يرجع هو على الأبِ بما غَرِمَه. أمَّا إن كانت المرأةُ غير رَشِيدةٍ، فإنَّ الزَّوج يُسلِّم صَداقها إلى وَلِيِّها الذي

стр. 943

يلي مَالَها؛ لأنَّ الصَّداق مالٌ، فأشبه ثَمَن مبيعها. - إذا تزوَّج العبدُ بإذْنِ سيِّدِه على صداقٍ مسمًّى صحَّ، وعلى سيِّدِه المَهْر والنَّفَقَةُ والكِسْوَةُ والمَسْكَنُ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ تعلَّق بعقدٍ بإذن سيِّده، فتعلَّق بذمَّة السيِّد. وإن تزوَّج بلا إذْنِه لم يصحَّ النكاح؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ) [رواه أحمد، والترمذي].

стр. 944

فصل في تملُّك الصَّداق - تملِكُ الزَّوجةُ جميع الصَّداق المُسَمَّى -حالًّا كان أو مؤجَّلًا- بمجرَّد العقد؛ لما جاء في حديث سهل بن سعدٍ الساعديِّ ﵁ في قصَّة المرأة الواهبة نفسها، وفيه: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا) [رواه أحمد، وأبو داود]؛ فقوله هذا يدلُّ على أنَّ جميع الإزار للمرأة، ولا يبقى للرَّجُل فيه شيء. - إذا كان الصَّداق مُعَيَّناً؛ فللزوجة نماؤه المتَّصل والمنفصل، ولها حقُّ التصرُّف فيه، وعليها زكاته، وضمانه، ونقصُه، سواء قبضته أو لم تقبضه، إلَّا إذا منعها قبضه؛ لأنَّ هذه الأمور كُلَّها من مقتضيات الملك؛ فكان كسائر أملاكها. ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. فإن منعها الزَّوج قَبْض صَداقها فتَلِفَ بغير فِعْلِها، أو نَقَصَ بعَيبٍ، فإنَّ ضمانه عليه؛ لأنَّه بمنزلة الغاصب. أمَّا إن زاد الصَّداق فالزيادة لها. - وإن كان الصَّداق غير معيَّنٍ؛ كشَقَّةٍ في عمارةٍ، مَلَكَت الصَّداق بالعقد أيضاً، إلَّا أنَّها لا تملك التصرُّف فيه، ولا يدخل في ضمانها إلَّا بقَبْضِه أو تعيينه، قياساً على التصرُّف في المبيع قبل قَبْضِه أو تعيينه.

стр. 945

- إذا قَبَضَتِ المرأة صَداقها، ثمَّ طلَّقها الزَّوج قبل الدُّخول، وكان الصَّداق باقياً بحاله فإنَّ لها نِصْفَه، ويرجع الزَّوج عليها بنِصْفِه الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فإن زاد الصَّداق زيادةً منفصلةً؛ مِثْل أن يجعل صداقها غنماً، فحَمَلَت عندها ووَلَدَت، فالزيادة التي نتجت تكون للزوجة؛ لأنَّه نماءُ مِلْكِها، ويرجع في نصف الأصل؛ لعدم ما يمنعه. أمَّا إن زاد الصَّداق زيادة متَّصلةً؛ مِثْل أن تَسْمَن الأغنامُ التي أَصْدَقها إيَّاها، وكانت المرأة غير مَحجورٍ عليها، خُيِّرت بين دَفْع نِصْف المَهْر زائداً، وبين دَفْع نِصْف قيمته يوم العَقْد إن كان متميِّزاً. فإن كان غير متميِّزٍ فللزَّوج نِصْف قيمة المَهْر يوم الفُرْقَة على أدنى صفةٍ من وقت العَقْد إلى وقت القَبْض. فإن كانت المرأة محجوراً عليها، فلا يعطيه وليُّها إلَّا نِصْف القيمة حال العَقْد إن كان متميِّزاً، وإن لم يكن متميِّزاً فيعطيه نصف القيمة يوم الفُرْقَة على أدنى صفةٍ من وقت العَقْد إلى وقت القَبْض. - إذا تصرَّفت المرأة في الصَّداق ببيعٍ، أو هبةٍ مقبوضةٍ، أو رَهْنٍ، ونحو ذلك، امتنع الرجوع في نِصْفِه؛ لأنَّ تصرُّفها فيه ينقل المِلْك، أو يمنع المالك من التصرُّف، ويرجعُ الزَّوج عليها في المِثْليِّ بنِصْف مِثْله، وفي المُتَقَوَّم بنِصْف قيمته يوم العَقْد.

стр. 946

* من بيده عُقْدَة النكاح: الذي بيده عُقْدةُ النكاح في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: هو الزَّوج لا وليُّ الصغيرة؛ لما روى شُريحٌ قال: قال لي عليٌّ: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟ قُلْتُ: وَلِيُّ المَرْأَةِ. قَالَ: لَا، بَلْ هُوَ الزَّوج) [رواه الدارقطني]. ولأنَّ الذي بيده عقدةُ النكاح بعد العقد هو الزَّوج؛ لتمكُّنه من قطعه وإمساكه، وليس إلى الوليِّ منه شيء. * التصرُّف بالصَّداق قبل الدُّخول: - إذا طلَّق الزَّوج قبل الدُّخول، فأيُّ الزَّوجين عفا لصاحبه عمَّا وجب له من المَهْر، وهو جائزُ التصرُّف في مالِهِ، بَرِئَ منه صاحبُه؛ للآية السابقة، ولقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. - وإذا وهبت الزَّوجة صَداقها قبل فُرْقَةِ زوجها لها، أو باعته لزوجها، ثمَّ حصل ما يوجب للزَّوج نِصْفَ المَهْر -كالطلاق أو الخُلْع قبل الدُّخول-، رَجَعَ الزَّوج عليها ببَدَل نِصْف المَهْر. - وإن حصل بعد هبتها إيَّاه، أو بيعها له ما يُسْقِطُ المَهْرَ -كرِدَّتها قبل الدُّخول-، رَجَع الزَّوج عليها ببَدَل جميع المَهْر؛ لأنَّ الجهة التي استحقَّ بها الزَّوج الصَّداق حال الطلاق أو الردَّة غير الجهة التي استحق بها أوَّلًا؛ وهي الهبة أو البيع، كما لو أَبْرأ إنسانٌ آخر من دَيْنٍ، ثمَّ ثبت عليه مِثْلُه من وجهٍ آخر.

стр. 947

فصل فيما يُسقطُ الصَّداق ويُنصِّفه ويُقرِّره أوَّلًا: ما يَسْقطُ به المَهْر كُلُّه: يسقطُ الصَّداقُ كُلُّه، ولا يجبُ للمرأة شيءٌ بدلًا عنه، لا مُتْعَةٌ ولا غيرها، وذلك في الأحوال التالية: أ - الفُرْقَةُ باللِّعان قبل الدُّخول؛ لأنَّ الفسخ من قِبَلِها، وهو لا يكون إلَّا إذا تمَّ لِعانُها. ب- فَسْخُ الزَّوج النكاح قَبْل الدُّخول لعَيْبٍ في المرأة يوجِبُ الفَسْخ؛ كأن تكون رَتْقاءَ، أو بَرْصاءَ، أو جَذْماءَ؛ لأنَّ المُعَوَّضَ قد تَلِفَ قبل تَسَلُّمه، فسقط العِوَضُ كُلُّه. ج- الفُرْقةُ من قِبَلها، ولها صور عدَّة: ١) أن تُسلِمَ وزوجُها كافرٌ، أو ترتدَّ وزوجُها مُسلمٌ، وذلك قَبْل الدُّخول. ٢) أن تَفْسَخَ النكاحَ قَبْل الدُّخول لعَيْبٍ في الزَّوج، أو إعْسارِه، أو عدم وَفائه بشَرْطٍ من شروط النكاح، أو اختيارها الفَسْخ لنَفْسِها بجَعْل الزَّوج لها ذلك، بسؤالها إيَّاه. ٣) أن تُرضِع من ينفسخُ برضاعها نكاحها؛ كأن تُرضِع زوجةً صغيرةً له قبل الدُّخول.

стр. 948

فيسقطُ المهر في الصور السابقة؛ لحصول الفُرْقَة بفعلها، وهي المستحقِّة للصداق، فسقط. ثانياً: ما يَتَنَصَّفُ به المَهْر: يَتنصَّف الصَّداقُ في الأحوال التالية: أ - إذا كانت الفُرْقَة من قِبَل الزَّوج قبل الدُّخول؛ وله صور: ١) طلاق الزَّوج لزوجته قبل الدُّخول. ٢) خُلْع الزَّوج إيَّاها قبل الدُّخول، ولو بسؤالها إيَّاه. ٣) إسلام الزَّوج قبل الدُّخول أو الخَلْوَة، إذا كانت الزَّوجة غير كتابيَّة. ٤) ردَّة الزَّوج عن الإسلام قبل الدُّخول والزَّوجة مسلمة. ٥) وطء الزَّوج أمَّ زوجته أو ابنتها قبل الدُّخول بشبهةٍ أو زِنًا. فتأخذ الزوجة -فيما سبق من الصور- نصف الصَّداق؛ لأنَّ الفُرْقَة حصلت قبل الدُّخول بسببٍ من الزَّوج، فاستحقَّت المرأة نصف المهر، كما في الطلاق، والباقي يقاس عليه. ب- إذا كانت الفُرْقَة بسببٍ أجنبيٍّ؛ كما لو أَرْضَعَت أختُ الزَّوج أو أُمُّه زوجتَه الصغيرة رَضاعاً مُحَرِّماً قبل الدُّخول، وكما لو وَطِئَ ابنُ الزَّوج أو أبوهُ الزَّوجة قبل الدُّخول؛ والأصل في ذلك كلِّه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فثبت في الطلاق، والباقي قياساً عليه؛ لأنَّه في معناه.

стр. 949

ولأنَّه لا فعل للزَّوجة في ذلك حتَّى يسقط به صداقها. وأمَّا تنصُّفه في الخُلْع؛ فلأنَّ المُغَلَّب فيه جانب الزَّوج، بدليل أنَّ بذل عِوَضِه يصحُّ منها ومن غيرها، فصار الزَّوج كالمنفرد به. ثالثاً: ما يَتَقَرَّرُ به المَهْر كاملًا: يَتقرَّرُ المَهْر كاملاً في الحالات التالية: أ - موتُ أحد الزَّوجين، ولو بقَتْل أحدهما الآخر، أو قَتْل نفسه؛ لحديث عَلْقَمة -السابق- قال: (أُتِيَ عَبْدُ اللهِ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَتُوُفِّيَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا. قَالَ: فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَى لَهَا مِثْلَ صَدَاقِ نِسَائِهَا، … ، فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ هَذَا) الحديث. ولأنَّ الموتَ أوجبَ العِدَّة، فوجب لها كمال المهر. ب- وَطْءُ الزَّوج زوجتَه وهي حَيَّةٌ، ولو في الدُّبُر؛ لأنَّه قد وُجِدَ استيفاء المقصود، فاستقرَّ العِوَضُ. ج- لمسُ الزَّوج زوجته بشهوةٍ، ولو لم يخلُ بها. د- نظرُ الزَّوج إلى فَرْج زوجته بشهوةٍ، ولو لم يخلُ بها. هـ- تقبيلُ الزَّوج زوجته ولو بحضرة الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،

стр. 950

وحقيقة اللَّمس الْتقاءُ البَشَرتَين. ولأنَّ اللَّمس والنظر والتقبيل نوع استمتاعٍ، فأُجْري مَجْرَى الوَطْءِ، وقد نال بها الزَّوج شيئاً لا يُباح لغيره. و- طلاقُ الزَّوج لها وهو في مَرَض مَوْتِه المَخُوف الذي تَرِثُه فيه؛ معاملةً له بنقيض قصدِه، ولأنَّه يجب عليها عِدَّة الوفاة، فوجب كمال المَهْر، ما لم تتزوَّج قبل موته، أو ترتدَّ. ز- خَلْوةُ الزَّوج بزوجته وإن لم يحصل بينهما وَطْءٌ؛ لقول زُرارَة بن أَوْفَى قال: (قَضَى الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ أَنَّهُ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا، وَأَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ المَهْر) [رواه عبد الرَّزاق، وابن أبي شيبة]. فإن منعته من الوطء لم يتقرَّر كامل المَهْر؛ لعدم التمكين التام. ويُشترط للخَلْوة المُقرِّرة للمَهْر أن تكون مِنْ مُميِّزٍ، يَطَأُ مِثْلُه؛ وهو ابن عشر سنين، والزَّوجة ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها وهي ابنة تسع سنين.
следующие страницы →