Полный текст (1 425 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
رابعاً: ما يُكرَهُ أثناءَ الجِماع:
أ - أن يُقبَّل الزَّوج زوجته أو يباشرها عند الناس؛ لأنَّه دناءةٌ.
ب- أن يُحدِّثا بما جرى بينهما، ولو أنْ تُحدِّث به الزَّوجة لضرَّتها؛ لما جاء في حديث أسماء بنت يزيد ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قُعُودٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: لَعَلَّ رَجُلًا يَقُولُ مَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ، وَلَعَلَّ امْرَأَةً تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا، فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ يَا رَسُولَ اللّاهِ؛ إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ، وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْطَانِ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي طَرِيقٍ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) [رواه أحمد]. ولأنَّه من السِّرِّ، وإفشاء السِّرِّ حرامٌ.
ج - أن ينْزِعُ الزَّوج قبل فَراغِها؛ لأنَّ فيه ضرراً عليها، ومنعاً لها من قضاء شهوتها.
خامساً: حُكْمُ تطوُّع الزَّوجة في حُضُورِ زَوْجِها:
لا يجوز للزَّوجة أن تتطوَّع بصلاةٍ أو صومٍ وزوجها حاضرٌ إلَّا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ … ) [رواه البخاري].
стр. 982
فصل
في حقوق الزَّوج
أوَّلًا: حُكمُ خِدمَة الزَّوجةِ زَوْجَها:
المقصود من عقد الزواج هو تحليل بُضْع الزَّوجة للوطء فقط، وليس من مقاصده أن تخدم الزَّوجة زوجها.
ولكن يستحبُّ لها خدمة زوجها في عَجْنٍ، وخَبزٍ، وطَبْخٍ، وتنظيف الدار وترتيبها، لأنَّ هذا ما جرت العادة بقيامها به، ولا تصلح الحال إلَّا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه، وهو سببٌ لاستمرار حُسْن المعاشرة بين الزَّوجين، ودوام الأُلْفةِ والمحبَّة بينهما.
وأمَّا خدمة نفسها في ذلك؛ فعليها هي ولا يلزمه، إلَّا أن يكونَ مِثْلُها
لا تخدم نفسها، فعليه خادمٌ لها.
ثانياً: أَحْكامُ إجْبارِ الزَّوجِ زَوجَتَه:
أ - للزَّوج إجبارُ زوجته -ولو ذمِّيَّةً- على غُسْل حيضٍ ونِفاس إذا كانت مُكلَّفة؛ لاستوائهما في حصول النُّفْرة ممَّن ذلك حالُها؛ إذ الدَّم يمنع الاستمتاع الذي هو حقٌّ له، فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقَّه.
ب- للزَّوج إجبار زوجته المسلمة البالغة على غُسْل جنابةٍ ونجاسة؛ لأنَّ الصلاة واجبةٌ عليها، ولا تتمكَّن من ذلك إلَّا بالغسل.
стр. 983
ج- للزَّوج إجبار زوجته -ولو ذمِّيَّةً- على إزالة نجاسة عليها، واجتناب مُحرَّم، وإزالة وَسَخٍ ودَرَنٍ. فإن اتَّحدَ مذهب الزَّوجين على هذا فظاهر الإلزام. وإن اختلف مذهبهما، وكان كلٌّ منهما عارفاً بمذهبه، عاملاً به، فيعمل كلٌّ بمذهبه، وليس له الاعتراض على الآخر؛ لأنَّه لا إنكار في مسائل الاجتهاد. ويجوز له أن يُصلِّي فيما طهَّرته على مذهبها، وعكسه.
أمَّا إذا كانت زوجته عاميَّةً لا مذهب لها؛ فإنَّه يلزمها بمذهبه.
د - للزَّوج أن يُجبر زوجته على أَخْذ ما تعافه النَّفْس من شَعْرِ عانةٍ، وقصِّ أظفارٍ ولو طالا قليلاً بحيث تعافه النَّفْس؛ لأنَّ ذلك يمنع كمال الاستمتاع.
هـ- للزَّوج منع زوجته من تناول ما يُمْرِضُها.
و - للزَّوج منع زوجته من أَكْل ما فيه رائحة كريهة كثومٍ، وبصلٍ؛ لأنَّه يمنع القُبْلَةَ، وكمال الاستمتاع.
ثالثاً: أَحْكامُ خُروج المَرْأَة مِنْ بَيْت زَوْجِها، وأَحْكامُ تَعامُلِها مَعَ أَهْلِها:
أ - يَحرمُ على زوجته الخروج من منزله بلا إذنه؛ لعموم النصوص الدالَّة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها.
ب- يُستحبُّ إذْنُ الزَّوج لزوجته في عيادة والِدَيْها، وشهود جنازتهما؛
لما فيه من صلة الرَّحم، والمعاشرة بالمعروف، ومنعُها يؤدِّي إلى النفور،
стр. 984
ويُغري العقوق.
ج- إن خرجت المرأة بغير إذنه؛ فلا نفقة لها مدَّة خروجها إن لم تكن حاملاً، ومحلُّ ذلك أيضاً إذا كان قائماً بحوائجها، وإلَّا فلا.
د - إذا كانت الزَّوجة تخرج لقضاء حوائجها حيث لم يقم زوجها بها جاز ذلك؛ لأنَّه لا بدَّ لها من الخروج للضرورة؛ فلا تسقط نفقتها به.
هـ- ليس للزَّوج منع الزَّوجة من كلام أبويها، ولا منعهما من زيارتها؛ لما فيه من قطيعة الرَّحِم؛ ولأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إلا إذا خاف الزَّوج حدوث ضررٍ بذلك -ولو بقرائن الحال-؛ فإنَّ له المنع.
و - يُسَنُّ إذْنُ الزَّوج لها في الخروج إن مرض مَحْرَمُها لتعودَه، كأخيها وعمِّها، أو إذا مات مَحْرَمُها لتشهد جنازته؛ لما في ذلك من صلة الرَّحِم.
ز - لا يلزم الزَّوجة طاعة أبويها في فِراق زوجها؛ ولا طاعتهما في زيارتها لهما؛ لأنَّ طاعة الزَّوج أَوْلَى وأحقُّ؛ وكذلك لو أَمَراها بعِصْيان زوجها، فلا يلزمُها طاعتُهما؛ بل زوجها أحقُّ؛ لوجوب طاعتها له.
ح- للزَّوج منع زوجته من إجارة نفسها، ومن رضاع وَلَدِها من غيره إلَّا لضرورة الولد؛ بأنْ لم يقبل ثَدْي غيرها؛ فليس له منعها إذاً؛ لما فيه من هلاك نَفْسٍ معصومةٍ.
стр. 985
ط- إن أبتِ الزَّوجة المبيت مع زوجها بدون عُذْرٍ؛ أو أبت السفر معه، أو سافرت بغير إذنه؛ سقط قَسْمها ونفقتها.
стр. 986
فصل في أحكام القَسْم بين الزَّوجات
من كان له زوجتان فأكثر، فإنَّ عليه مراعاة الأحكام التالية في القَسْم بينهنَّ:
أ - على الزَّوج التسوية بين زوجاته في المبيت وجوباً؛ وهو توزيع الزمان على الزَّوجتين فأكثر إن كُنَّ حرائر كلّهن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وزيادة إحداهنَّ في القسم مَيْلٌ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي].
وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ القَسْم بين المُسلمة والذمِّيَّة سواء».
ب- عمادُ زمان القَسْم المعتمد ومقصوده هو اللَّيلُ لمن معاشه بالنهار، ومن معيشته بليلٍ كحارسٍ؛ فإنَّه يقسم بين نسائه نهاراً، ولو كان خصيًّا أو عنيناً، أو مجبوباً، أو مريضاً؛ فإن شقَّ على المريض، استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهنَّ؛ فإن لم يأذنَّ له، أقام عند إحداهنُّ بقُرْعةٍ؛ أو اعتزلهنَّ جميعاً.
ج- يكون القسم بين زوجاته في المبيت ليلةً وليلةً؛ لفعله ﷺ مع نسائه، ولأنَّ في قَسْمِه ليلتين فأكثر تأخيراً لحقِّ من لها اللَّيلة الثانية لا التي قبلها؛ إلَّا أن يرضين بأكثر من ليلةٍ وليلةٍ؛ لأنَّ الحقَّ لا يعدوهنَّ، ولقوله ﷺ لأمِّ سَلَمَةَ ﵂: (وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي) [رواه مسلم].
стр. 987
د - النهار يدخل تبعاً للَّيل؛ لما روت عائشة ﵂: (أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ) [رواه البخاري، ومسلم]. ولقول عائشة ﵂: (إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي) [رواه البخاري، ومسلم]. والنبيُّ ﷺ كان قد قُبِضَ نهاراً.
هـ- يَحرُمُ على الزَّوج دخوله في نَوبةِ واحدةٍ إلى غيرها إلَّا لضرورة؛ كأن تكون في حال الاحتضار؛ فيُريد أن يحضرها، أو توصي إليه.
و - يَحرُمُ على الزَّوج كذلك أن يدخل إلى زوجته في نهارِ ليلةِ غيرِها إلَّا لحاجة؛ كعيادةٍ، أو سؤالٍ عن أمرٍ يُحتاج إليه، أو دَفْع نفقةٍ، أو زيارةٍ لبُعد عهدٍ بها. فإن دخل إليها ولم يمكث طويلًا، لم يقضِ للأخرى؛ لأنَّه زمن يسير.
ز - إذا لبث عندها في نهارِ ليلةِ غيرها فوق حاجته أو جامَعَ؛ لَزِمَه قضاءُ لُبْثٍ وجِماعٍ، بأن يَدْخُل على المظلومة في ليلةِ الأخرى؛ فيمكث عندها بقَدْر ما مَكَث عند تلك، أو يُجامعها -إن كان جامَعَ- ليعدل بينهما؛ لأنَّ اللُّبث اليسير مع الجماع يحصل به السَّكن، فأشبه الزمن الكثير.
ح- لا يلزمه قضاء قُبْلةٍ ونحوها من حقِّ الأخرى، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي يَوْمِ غَيْرِي؛ فَيَنَالُ مِنِّي كُلَّ شَيءٍ إِلَّا الجِمَاعَ) [رواه أبو داود].
ط- إن طلَّق زوجٌ لامرأتين واحدةً منهنَّ وقت نوبتها -أي قسمها- أثم؛
стр. 988
لأنَّه وسيلة لإبطال حقِّها من القسم، ويقضيها متى نكحها وجوباً؛ لقُدرته عليه؛ لتمكنه من إيفائها حقَّها، كالمعسر بالدَّيْن إذا أَيْسَرَ.
ي- لا يجبُ أن يسوِّي بينهنَّ في الوَطْء ودواعيه؛ لأنَّ ذلك طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهنَّ في ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس: في الحبِّ والجماع. لكن يُسنُّ أن يُسوِّي بينهن في وَطْءٍ، لأنَّه أبلغ في العَدْل بينهنَّ.
ك- لا يجبُ أن يسوِّي بينهنَّ في النفقة والكُسْوة إذا قام بالواجب. وإن أمكنه ذلك كان حسناً؛ لأنَّه أبلغ في العَدْل بينهنَّ.
ل- يجبُ القَسْم لحائضٍ؛ ونُفَساء، ومَريضة، ومَعيبةٍ كجَذْماء، ورَتْقاء، وكتابيَّةٍ، ومُحْرِمَةٍ، ومميِّزةٍ، ومجنونةٍ مأمونةٍ لا يُخاف ضررها؛ ومن آلى أو ظاهر منها، أو وُطئت بشبهةٍ زمن عِدَّتها؛ لأنَّ القصد بالقَسْم الأُنْسُ لا الوَطْء.
م - يجوز لإحدى زوجاته هِبَةُ قِسْمتها لضرَّتها بإذن الزَّوج؛ لفعل سَوْدَة بنت زَمْعَة ﵂ حين وَهَبَت يومها لعائشة ﵂. ولها هِبَةُ قَسْمِها لزوجها وأن يجعله لمن شاء من زوجاته، وللواهبة الرجوع في المستقبل؛ لأنَّها هِبةٌ لم تُقْبَض؛ بخلاف الماضي فقد استقرَّ حُكمُه.
стр. 989
فصل في حقِّ الزَّوج في المَبيت والتَّأديب
أوَّلًا: حقُّ الزَّوج في المَبيتِ والتَّأديبَ:
أ - إذا تزوج بِكْراً وله زوجةٌ غيرها أقام عندها سبعاً، وإن تزوَّج بثيِّبٍ أقام عندها ثلاثاً، ثمَّ يدور ويعود إلى القَسْم بينهنَّ، وتصير الجديدة آخرهنَّ نوبةً؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً، وَقَسَمَ. وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثاً ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَساً رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ [أخرجه البخاري ومسلم].
ب- للزَّوج تأديب زوجته على ترك الفرائض؛ كصلاةٍ أو صومٍ.
ثانياً: أَحْكامُ النُّشُوز:
النُّشوزُ: مأخوذٌ من نَشَزَ، وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنَّها ارتفعت وتعالت عمَّا فَرَضَه الله عليها من المعاشرة بالمعروف.
والنُّشوز معصيتها إيَّاه فيما يجب عليها طاعته فيه؛ كأن تمنعه من الاستمتاع بها، أو تجيبه متبرِّمةً متضجِّرةً متثاقلةً إذا دعاها؛ أو لا تُجيبه إلَّا بِكُرْهٍ.
فمن نشزت زوجته وعصته؛ فإن عليه:
أ - أن يعِظَها ويُخوِّفها بالله، ويُذكِّرها بما يُلين قَلْبَها من ثوابٍ وعقابٍ، ويذكُر
стр. 990
لها ما أوْجَبَ الله عليها من الحقِّ والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وما يسقط به من النَّفقة والكِسْوة، وما يُباح من هَجْرها وضَرْبها؛ لقوله ﵎: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
ب- فإن أصرَّت ناشزةً بعد وَعْظِها؛ هَجَرها زوجُها في المَضْجَع -وهو مكان الاضطجاع-، وترك مُضاجَعَتها ما شاء من مُدَّة؛ ما دامت كذلك. قال ابن عباس: «لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ» [رواه ابن أبي حاتم]، وقد (هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْراً) [رواه البخاري، ومسلم].
ج- للزَّوج أن يَهْجُر زوجَتَه الناشِزَ فلا يتكلَّم معها مُدَّة ثلاثة أيَّامٍ فقط؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) [رواه البخاري ومسلم].
د - إن أصَرَّت الزَّوجة على النُّشوز، مع هَجْرِها في المَضْجع والكلام، ضَرَبَها ضَرْباً غير شديدٍ؛ لحديث عمرو بن الأَحْوَص مرفوعاً وفيه: (فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ) [رواه الترمذي، وابن ماجه].
هـ- يجبُ على الزَّوج أن يتجنَّب الوَجْه والمواضع المَخوفَة والمُسْتَحْسَنة؛ لأنَّ القصد من الضرب التأديب؛ لا الإتلاف. ولما روى مُعاوية القُشَيْريُّ ﵁، أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ
стр. 991
إِلَّا فِي الْبَيْتِ) [رواه أحمد، وأبو داود].
و - إذا ضرب الزَّوج زوجته ضرباً شديداً فتلفت، ضمن.
ز - لا ليس للزَّوج ضرب زوجته الناشز إلَّا بعد الوعظ والهجر في الفراش والكلام؛ فلا يجوز قبل ذلك. وهو ظاهر الآية الكريمة: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ إذ الواو وقعت فيها للترتيب، إمَّا لأنَّ ذلك من مقتضاها، أو لدليلٍ من خارجٍ، وهو أنَّ المقصود زوال المفسدة، فيُدفَعُ بالأسهل فالأسهل، وهو مقتضى حديث عمرو بن الأَحوَص ﵁ السابق.
ح- يمنع الزَّوج من هذه الأشياء -الهَجْر في المضجع، وهَجْر كلامها، وضَرْبها- إن منع زوجته حقَّها حتَّى يوفِّيه لها؛ لظُلْمِه بطَلَبِه حقَّه مع منع حقِّها.
стр. 992
كتاب الخُلْع
أوَّلًا: تَعريفُ الخُلْع:
الخُلْع لُغةً: -بضم الخاء- اسمٌ من الخَلْع -بفتحها- بمعنى النَّزْع.
واصطلاحاً: فِرَاقُ الزَّوْجَة بعِوَضٍ يأخذه الزَّوْج منها، أو من غيرها، بألفاظٍ مخصوصةٍ.
وسُمِّي الخُلْع بذلك؛ لأنَّ المرأة تخلع نفسها من الزَّوج كما تخلع اللِّباس من بَدَنها؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ثانياً: مشروعيَّةُ الخُلْع:
الخُلْع جائزٌ مشروعٌ، والأصل في مشروعيَّته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
- فأمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
- وأمَّا السُّنَّة: فقد ثبت من حديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْرَ، فَقَالَ رَسُولُ ا اللهِ ﷺ : فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا) [رواه البخاري].
- وأمَّا الإجماع: فقد قال الحافظ ابن عبد البَرِّ: «لا نعلم أحداً خالف فيه؛
стр. 993
إلَّا بكر بن عبد الله المُزَنِي؛ فإنَّه زعم أنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠].
ثالثاً: الأحْوالُ التي يُباحُ فيها الخُلْع:
يُباح الخُلْع على عِوضٍ تُقدِّمُه المرأة لزوجها، في الأحوال التالية:
أ - سوء العِشْرَة بين الزَّوجين؛ بأن صار كلٌّ منهما كارهاً للآخر، لا يُحسِنُ صُحبته؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ب- كراهة المرأة لخُلُق زوجها أو خَلْقِه وخَشِيَت أنَّها لا تؤدِّي حقَّ الله في طاعته، فتأثم بذلك؛ لحديث امرأة ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس السابق.
ج- نَقْصُ دِين زَوْجها.
أمَّا إذا كان زوجها يُحبُّها وهو على أحواله تلك؛ فيُسنُّ صَبْرها عليه، وعدم افتدائها منه؛ دفعاً لضرره.
رابعاً: مَكْروهاتُ الخُلْع:
أ - يُكره الخُلْع مع استقامة الحال؛ لحديث ثَوْبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ) [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه]، ولأنَّه عبثٌ.
فإن خالع وقع الخُلْع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ
стр. 994
هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
ب- يُكرَهُ الخُلْع بأكثر ممَّا أعطاها -وهو من مفردات المذهب-؛ لما روى ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ) [رواه ابن ماجه]. لكنَّه لا يَحْرُم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وقالت الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ ﵂: «اخْتَلَعْتُ فِيمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي، فَأَجَازَ عُثْمانُ ذَلِكَ). والعِقاص: خيطٌ تُشدُّ به أطراف الذوائب. والمعنى: أن المخالع له أن يأخذ كلَّ ما تملكه المرأة حتَّى ما دون عقاص رأسها إذا افتدت منه بذلك.
خامساً: مُحَرَّماتُ الخُلْع:
يَحرُمُ الخُلْع إذا عَضَل الزَّوج زوجتَه لتَخْتَلِع، فإن عَضَلَها؛ بأن ضَرَبَها، أو ضيَّق عليها، أو منعها حقَّها من نفقةٍ، أو كِسْوةٍ، أو قَسْمٍ، ونحو ذلك، لتَخْتَلِع منه، لم يصحَّ الخُلْع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
ولأنَّها مُكرهةٌ على بذل العِوَض بغير حقٍّ، فلم يستحقَّ أَخْذَه منها؛ للنهي عنه، والنَّهي يقتضي الفساد.
стр. 995
- فإنْ عَضَلَها زوجُها بحقٍّ صحَّ العَضْل ولم يَحْرُم؛ كما لو نَشَزَت، أو تَرَكَت فَرْضاً من صلاةٍ أو صيامٍ ونحوهما؛ فهنا يُباح الخُلْع وعِوَضُه؛ لأنَّه بحقٍّ، وكذا مع زِناها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، والاستثناء من النهي إباحة. وقد قال ابن عبَّاس ﵄ في معنى الآية: «يعني الرَّجُل تكون له امرأةٌ، وهو كارهٌ لصُحْبَتِها، ولها عليه مَهْرٌ؛ فيُضِرُّها لتَفْتَدي»، ثم قال في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: «يعني: إذا زنت؛ فلَكَ أن تَسْتَرْجِع منها الصَّداقَ الذي أعطيتها؛ وتُضاجِرُها حتَّى تتركه لك، وتُخالعها» [ذكره
ابن كثير في «التفسير»].
سادساً: أحكامٌ عامَّة متعلِّقةٌ بالخُلْع:
أ - لا يفتقر الخُلْع إلى حُكم حاكمٍ؛ فعن عبد الله بن شهابٍ الخَوْلانيِّ: (أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرُفِعُ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: بَاعَكِ زَوْجُكِ طَلَاقًا بَيْعًا. وَأَجَازَهُ عُمَرُ) [رواه البيهقي].
ب- يُستحبُّ للزَّوج إجابة المرأة إلى الخُلْع حيثُ أُبيح؛ لقوله ﷺ لثابت ابن قَيْس: (اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) [رواه البخاري].
ج- لا بأس بالخُلْع في الحيض والطُّهْر الذي أصابها فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يسأل المختلعة عن حالها.
стр. 996
سابعاً: شُروطُ الخُلْع:
شروطُ الخُلْع سبعةٌ:
الشرطُ الأوَّل: أن يقعَ من زوجٍ يصحُّ طلاقُه؛ وسواء كان الزوج مُسلماً أم ذمِّيًّا، حُرًّا أو عَبْداً؛ كبيراً أو صغيراً يعقله؛ لأنَّه إذا مَلَك الطلاق -وهو مجرَّدُ إسقاطٍ لا تحصيل فيه-، فلأَنْ يملكه مُحصِّلاً لعِوَضٍ أَوْلَى.
الشرط الثاني: أن يكون على عِوَضٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولقوله ﷺ لثابت بن قيس لمَّا طلبت زوجته مخالعته: (اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا)؛ حيث دلَّا على اشتراط العِوَض في الخُلْع.
فإن خالعها بغيرِ عِوَضٍ لم يصحَّ؛ لأنَّ الخُلْع فسخٌ، ولا يملكُ الزَّوج فَسْخ النكاح بلا مقتضٍ، بخلاف ما لو كان على عِوَضٍ، فيصير معاوضةً، فلا يجتمع لها العَوِضُ والمعَوَّضُ.
وإن خلا عن العِوَض وخالع ولم ينو به طلاقاً، فهو لغوٌ.
وإن نوى به الطلاق، وقع رجعيًّا ما لم يكن مُكمِّلاً لما يملكه من الطلاق؛ لأنَّ الخُلْع من كنايات الطلاق، فإذا نواه وقع به، وقد خلا عن العِوَض، فكان رجعيًّا.
ولهذا الشرط عدَّة مُقيِّدات:
أ - لا بأس إذا كان العِوَض في الخُلْع مجهولاً؛ كأن تقول: «على سيَّارةٍ من
стр. 997
سيَّاراتها»، أو «على ما بخزانتها من مالٍ»؛ وذلك مثل الوصيَّة؛ لأنَّه إسقاطٌ لحقِّه من البُضْع، وليس بتمليك شيءٍ. والإسقاط تدخله المسامحة.
ب- أن يكون العِوَضُ ممَّن يصحُّ تبرُّعه من أجنبيٍّ، أو زوجةٍ؛ وهو الحرُّ الرَّشيد (المُكلَّف)، غيرُ المحجور عليه؛ لأنَّه بذل مالٍ في مقابل ما ليس بمالٍ ولا منفعةٍ، فأشبه التبرُّع.
الشرط الثالث: أن يقع مُنجَّزاً: فلا يصحُّ الخُلْع مُعلَّقاً على شَرْطٍ مستقبَلٍ، ما عدا قوله: «إن شاء الله»؛ فلو قال: «خلعتُك إذا جاء رأسُ الشَّهْر»، أو «إن رضي زيدٌ»؛ فهذا لا يصحُّ.
ومثله لو قال: «إن بَذَلْتِ لي كذا من المال فقد خالعتُك»؛ فلا يصحُّ؛ إلحاقاً له بعقود المعاوضات، لاشتراط العِوَض فيه؛ وعقود المعاوضات لا تصحُّ معلَّقةً على شَرْطٍ.
فإن كان قد نوى بالخُلْع الطلاق، فهو طلاقٌ مُعلَّق، وإلَّا فلَغْوٌ.
الشرط الرابع: أن يقع الخُلْع على جميع الزوجة: فلا يصحُّ أن يخلعَ جزءًا منها مُشاعاً؛ كنِصْفِها، أو جزءًا مُعيَّناً؛ كيَدِها؛ لأنَّه فَسْخٌ، وكما يُشترط إيقاع الطلاق على جميع بَدَن الزَّوجة وأجزائها؛ فكذلك يُشترط ذلك في الخُلْع؛ لأنَّ الزوجة لا تتجزأ، فإمَّا أن تبقى جميعها، أو تُفارَق جميعها.
الشرط الخامس: أن لا يقعَ حِيلةً للفرار من وقوع الطلاق المعلَّق على
стр. 998
مستقبل: فإن وقع كذلك؛ حَرُمَ، ولا يصحُّ الخُلْع؛ لأنَّ الحِيَلَ خِداعٌ لا تُحِلُّ ما حَرَّم الله.
صورةُ ذلك: أنَّه إذا حَلَف عليها -مثلاً- بالطَّلاق أن لا تذهبَ إلى بيتِ أخيها، ثمَّ إنَّه نَدِم على ذلك فخالَعَها، واعتدَّت من الخُلْع، ثمَّ دخلت بيت أخيها في حال كونها ليست زوجةً له، ثم عَقَدَ عليها ودخل بها، فلا تنحلُّ يمينُه بدخولها الأوَّل حالة كونها ليست زوجةً له؛ فلو دخلت أخيراً وهي في عصمته وقع عليها طلاقُه الأوَّل.
الشرط السادس والسابع: أن لا يقع الخُلْع بلفظ الطلاق، ولا بلفظ الخُلْع مع نيَّة الطلاق؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون خُلعاً، بل يكون طلاقاً ينقص به عدد الطلقات؛ وبيانه على النحو التالي:
أ - إذا كان الخُلْع بلفظ الطلاق، أو بلفظ الخُلْع ناوياً به الطلاق، فإنَّه يقع طلاقاً بائناً إذا كان على عوضٍ.
ب- إذا كان الخُلْع بلفظ الطلاق، أو بلفظ الخُلْع ناوياً به الطلاق، وقد خلا عن العِوَض، أو كان العِوَض فاسداً -كأن تكون الزوجة مكرهةً على دفع العِوَض-؛ فإنَّه يقع طلاقاً رجعيًّا إذا كان دون ثلاث طلقاتٍ.
ويقع طلاقاً بائناً إذا تمَّ به ثلاث تطليقات، سواء وقع بعِوَضٍ أو لا.
فلا بدُّ أن يكون الخُلْع بلفظ الخُلْع، أو الفَسْخ، أو المُفاداة، ولا ينوي به الطلاق، فيكون بذلك فَسْخاً لا ينقصُ به عدد الطلاق.
стр. 999
- متى توفَّرت هذه الشروط؛ كان فَسْخاً بائناً؛ لا يَنقصُ به عدد الطلاق، وتبطلُ به الرَّجعة، ولو كانت الزَّوجة في العِدَّة؛ وذلك لما روي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: «إنَّمَا هُوَ فُرْقَةٌ وَفَسْخٌ، لَيْسَ بِطَلَاقٍ، ذَكَرَ اللهُ الطَّلَاقَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ، وَفِي آخِرِهَا، وَالخُلْعَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ؛ قَالَ اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) [رواه ابن أبي شيبة]. وذلك أنَّ الله تعالى ذكر بعد هاتين التطليقتين الخلع، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم ذكر تطليقة ثالثة، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فلو كان الخُلْع طلاقاً لكان رابعاً، ولا خلاف في تحريمها بثلاثٍ. ولأنَّه ليس بصريحٍ في الطلاق؛ ولا نوى به الطلاق؛ فصار فسخاً كسائر الفسوخ.
ثامناً: صيغةُ الخُلْع:
تنقسم صيغ الخلع إلى: صريحةٍ، وكنائيَّةٍ:
فأمَّا صِيَغُه الصَّريحة فلا تحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ الصريح لا يحتاج إليها.
والألفاظ الصريحة مثل:
(خَلَعْتُ)؛ أي خلعتُ زوجتي؛ فهي للخلع الصريح؛ لثبوت العُرْف به في هذه الصيغة.
و (فَسَخْتُ)؛ أي فسختُ نكاحها؛ لأنَّها صيغةٌ حقيقيَّةٌ فيه.
стр. 1000
و (فادَيْتُ)؛ أي: فاديت زوجتي؛ لوروده في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وأمَّا صيغ الخُلْع الكنائيَّة: فهي التي تُستعمل في الخُلْع وغيره، فيقع بها الخلع إذا نواه، أو دلَّت عليه قرينة الحال ولو بغير نيَّةٍ، نحو: «بارَيْتُكِ»، و «أبْرَأْتُكِ»، و «أبَنْتُكِ».
- فيصحُّ الخُلْع بلفظ كنايةٍ مع سؤال الزوجة إيَّاه، وبَذْلها العِوَض، بلا نيَّة؛ لأنَّ دلالة الحال من سؤال الخُلْع وبَذْلِ العِوَض صارفةٌ إليه، فأغنى عن النيَّة فيه.
فإذا لم يكن الخُلْع عن سؤالٍ، ولا بَذْلٍ للعوض؛ فلا بدُّ من النيَّة لمن أتى بلفظ كنايةٍ؛ كالطلاق وغيره.
تاسعاً: الخُلْع بغير العربيَّة:
يصحُّ الخُلْع بكلِّ لُغةٍ من أهل تلك اللُّغة، وتصحُّ من العارف بها؛ وإن لم يكن من أهلها؛ لعَدَم التعبُّد بلفظه؛ وذلك مثل: عربي يعرف معنى الخُلْع بالإنجليزيَّة، أو التركيَّة، وأتى بها كذلك؛ لأنَّهم يُشبِّهونه بالطلاق، وهو يقع من العربي بلغة العَجَم، إذا كان عارفاً بمدلول تلك الصيغة عند أهلها.
عاشراً: ما لا يصحُّ فيه الخُلْع:
أ - لا يحصلُ الخُلْع بمجرَّد بَذْل المال وقبوله من غير لفظٍ من الزَّوج؛
стр. 1001
ك «خلعتُكِ»، ولفظٍ من الزوجة؛ ك «رَضيتُ»؛ لقوله ﷺ لثابت بن قَيْس ﵁: (اقْبْلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً).
ب- لا يصحُّ شرطُ رجعةٍ، ولا شرطُ خيارٍ في الخُلْع؛ لأنَّه ينافي مقتضى الخلع. ويُلغَى الشرط دون الخُلْع؛ كالبيع بشرطٍ فاسدٍ.
ج- لا يقع بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ، ولو واجهها به؛ قاله ابن عبَّاس وابن الزُّبير [رواه ابن أبي شيبة]، ولا يُعرَف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعاً؛ ولأنَّه لا تحلُّ له إلَّا بعقدٍ جديد، فلم يلحقها طلاقُه، كالمطلقة قبل الدخول.
د - إن خالعها بمُحرَّم يعلمانه؛ كخمرٍ، أو شيءٍ مغصوبٍ؛ وقع طلاقاً رجعيًّا إذا كان بلفظ الطلاق أو نيَّته؛ لأنَّ الخلع من كنايات الطلاق، فإذا نواه به وقع، لخُلوِّه عن العِوَض. فإن لم ينو به طلاقاً فلغوٌ.
هـ- ليس للأب خَلْع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) [رواه ابن ماجه].
و - ليس للأب خَلْع ابنته الصغيرة بشيءٍ من مالها؛ لأنَّ تصرُّفه منوط بما لها فيه حظٌّ ومصلحة، ولا حظَّ لها في ذلك، بل فيه إسقاط حقِّها الواجب.
стр. 1002
كتاب الطَّلاق
أوَّلًا: تَعريفُ الطَّلاق:
الطَّلاقُ لُغةً: معناه التَّخْلِيَةُ، والحَلُّ، والإرْسال، ورَفْعُ القَيْدِ حِسًّا أو معنًى. وطَلقتِ المَرأةُ -بفتح اللَّام وضَمِّها-، أي: بانَتْ من زوجها.
واصطلاحاً: حَلُّ قَيْد النِّكاح بإيقاع نهايةِ عدَدِهِ، أو حَلُّ بعضِه بإيقاع ما دون النهاية.
ثانياً: حُكمُ الطَّلاق:
الأصل في الطلاق أنَّه مشروعٌ، وقد دلَّ على مشروعيَّته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع:
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وغيرهما من الآيات.
- ومن السُّنَّة: ما روى عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) [رواه البخاري، ومسلم].
стр. 1003
- وأمَّا الإجماع: فقال البهوتي: «وأجمعوا على مشروعيته بالكتاب والسُّنَّة».
ثالثاً: الحِكمَةُ من مَشْروعِيَّة الطَّلاقِ:
شرع الله تعالى الطلاق؛ لأنَّه قد يقع بين الزَّوجين من التنافر والتباغض ما يوجب الخصومة الدائمة، فلزوم النكاح ودوامه يكون فيه ضررٌ في حقِّ المرأة، ومفسدةٌ محضةٌ بلا فائدة، فوجب إزالتها ليخلص كلٌّ من الضرر.
رابعاً: الأحكامُ التي تَعْتَري الطَّلاقَ:
يختلف حكمُ الطلاق باختلاف الأحوال؛ ولذا فإنَّه تعتريه الأحكام التكليفيَّة الخمسة، وذلك على النحو التالي:
أ - فيُباح طلاقُ المرأةِ لسوءِ خُلُقِها وعِشْرَتها، والتَّضَرُّر بها من غير حصول الغرض بها؛ دفعاً للضَّرر عن نفسه.
ب- ويُسنُّ طلاقها إن كانت غير عفيفة؛ لأنَّ في إمساكها نَقْصاً ودَناءَةً، ولا يأمن إفساد فِراشِه، وإلحاقها به ولداً من غيره.
- ويُسنُّ طلاقها كذلك إذا كانت مُفرِّطة في حقوق الله؛ كالصلاة إذا لم يُمكنه إجبارها عليها، ولأنَّ فيه نقصاً لدينه.
- ويُسنُّ طلاقها لتضرُّرها ببقاء النكاح، كما في حال الشِّقاق بين الزَّوجين، أو كراهتها له، وكما في الحال الذي يُحْوجُ المرأةَ إلى المخالعة؛ ليزيل ضررها.
ج- ويُكرَهُ الطَّلاق من غير حاجة؛ لإزالة النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: (أَبْغَضُ الحَلَالِ إِلَى
стр. 1004
اللهِ الطَّلَاقُ) [رواه أبو داود، وابن ماجه].
د - ويَحرُمُ الطَّلاق -إجماعاً- في الحيض أو النِّفاس، أو في طُهْرٍ وَطِئها فيه، ويُسمَّى طلاقَ بِدْعَةٍ؛ لمخالفته الشرع. إلَّا أنَّه يقع الطَّلاق.
هـ - ويجبُ الطَّلاق على المُؤلِي بعد التربُّص إن أَبَى الفَيْئَةَ؛ بأن امتنع من الوَطْء. وطلاق الحَكَمَيْن في الشِّقاق إذا رأياه.
خامساً: شُروطُ صحَّةِ وُقوعِ الطَّلاق:
يُشترط لصحَّة وقوع الطَّلاق ما يلي:
الشرط الأوَّل: أن يكون من الزَّوج أو وكيله؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا. قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؟! إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) [رواه ابن ماجه].
ويصحُّ الطلاقُ من حاكمٍ على مُولٍ بعد التربُّص إن أبى الفيئة والطلاق.
الشرط الثاني: أن يكون من مُميِّزٍ؛ فيقعُ طلاقُ المُمَيِّز إن عَقَلَ الطَّلاق؛ بأن يعلمَ أنَّ زوجته تَبِينُ منه وتَحْرُم عليه إذا طلَّقها؛ لعموم حديث: (إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ)، ولما صحَّ عن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: (كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاق المَعْتُوهِ) [رواه البخاري تعليقاً].
стр. 1005
ولأنَّه طلاقٌ من عاقلٍ صادف محلَّ الطلاق، فأشبه طلاق البالغ.
وعلم منه: صحَّة طلاق السَّفيه ولو بغير إذن وليِّه، وطلاق العَبْد ولو بغير إذن سيِّده.
الشرط الثالث: أن يكون من عاقلٍ؛ فلا يقع طلاقُ من تلفَّظ به حال زوال عقله وهو معذورٌ؛ كالمجنون، والمغمى عليه، والنائم، ومن أصابه مرضٌ أزال شعوره؛ لأنَّ العقل مناط الأحكام، ولأثر عليٍّ ﵁ السابق.
ولعموم قوله ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [رواه النسائي، وابن ماجه].
* طلاق السَّكران:
أمَّا من زال عقله بتعاطيه مُسْكِراً مائعاً أو نحوه ممَّا يَحرُم استعماله، بلا حاجةٍ إليه، وهو عالمٌ به، مختارٌ غير مُكْرهٍ، ثمَّ طلَّق وهو سكران؛ فطلاقه واقعٌ، ولو خَلَطَ في كلامه، أو سَقَطَ تمييزُه بين الأعيان، ويُؤاخَذُ بسائر أقواله، ويُؤاخَذُ بكُلِّ فعلٍ يُعتبر له العَقْل؛ كإقرارٍ، وقَذْفٍ، وقَتْلٍ، وسَرقَةٍ.
فإن كان السَّكْران مُكْرَهاً على شُرْبِه، أو شَرِبَهُ وهو لا يعلمه، فَسَكِرَ وطَلَّق امرأتَه وهو سَكْران: فلا يقعُ طلاقُه؛ لأنَّه غير آثمٍ.
وهذا إذا لم يزد على ما أُكْرِه عليه، وإلَّا وَقَع؛ لأنَّه آثمٌ بالزِّيادة.
ومن شَرِبَ مُسْكِراً لدَفْع لُقْمَةٍ غَصَّ بها، فَسَكِرَ، لا يقعُ طلاقُه؛ لأنَّه غيرُ آثمٍ.
стр. 1006
وممَّا يُحتَرَزُ به عن طلاق السَّكْران: ما لو شَرِبَ غيرَ الخَمْر والنَّبيذِ ممَّا يُزيلُ العَقْل؛ للتَّداوي؛ فإنَّه لا يقعُ طلاقُهُ.
ودليلُ وقوع طلاق السَّكْران: ما رواه وَبَرَةُ الكَلْبِيُّ، قال: (أَرْسَلَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَأَتَيْتُهُ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵄، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَهُمْ مَعَهُ مُتَّكِئُونَ فِي المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِي الخَمْرِ، وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ فِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هُمْ هَؤُلَاءِ عِنْدَكَ فَسَلْهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: نُرَاهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى المُفْتَرِي ثَمَانُونَ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَبْلِغْ صَاحِبَكَ مَا قَالَ) [رواه الدارقطني، والبيهقي]، فجعلوه كالصَّاحي في فِرْيَته، وأقاموا مَظِنَّة الفِرْية مقامها. ولأنَّه فرَّط بإزالة عقله فيما يدخل فيه ضرراً على غيره.
* طلاقُ من تَعاطَى البَنْجَ وَالحَشِيشَةَ:
لا يقعُ طلاقُ من سَكِرَ بجامدٍ؛ كالبَنْج، سواء تعاطاه لتداوٍ أو غيره؛ لأنَّه لا لذَّة به، ولا يُشتهَى.
وأمَّا من تعاطى الحَشيشةَ المُسكِرَة فطلَّق، فمثله مثل السَّكْران طلاقه واقعٌ.
الشرط الرابع: أن يكون مختاراً غير مُكْرَهٍ؛ فإن أُكْرِه على الطلاق لم يقع طلاقه؛
стр. 1007
لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) [رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه]، والإغلاق: الإكراه.
ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه].
والإكراه الذي لا يقعُ به الطلاق هو الإكراه المُلْجِئُ الذي تحقَّقت شروطه، وهي:
أ - أن يكون الإكراه ظُلْماً بغير حقٍّ. فإن أُكْرِهَ بحقٍّ وقع طلاقه؛ كما لو أَكْرَهَ الحاكمُ المُولِي على الطلاق بعد التربُّص إذا لم يفِ، وكإكراه الحاكم رجلين زوَّجهما وليَّان، ولم يُعلَم السابق منهما.
ب- أن يكون الإكراه من قادِرٍ على إنفاذ ما هدَّد به؛ كالسلطان، أو اللِّصِّ المتغلِّب، ونحوهما.
ج- أن يَغْلِبَ على ظنِّ المُكْرَه إيقاعُ المُكْرِه ما هدَّده به، وعَجْزِه عن دَفْعِه، أو الهرب منه؛ كأن يناله شيءٌ من العذاب، والخَنْق، والعَصْر، والحَبْس، والغَطِّ في الماء مع الوعيد. ولا يكون التوعُّدُ وحدَه إكراهاً.
د- أن يكون ما توعَّدَه به المُكرِهُ ممَّا يستضرُّ به المُكرَه ضرراً كثيراً؛ كالقَتْل، والضَّرْب الشديد، والحَبْس والقَيْد الطَّويلَيْن، وأَخْذِ المال الكثير.
أمَّا السبُّ والشَّتْم، وأَخْذُ المال اليسير، فليس بإكراهٍ، وكذا الضَّرْب في حَقِّ من لا يبالي.
стр. 1008
ومن الإكراه الذي لا يقع به الطَّلاق: الضَّرْبُ اليَسيرُ لذي المُروءَةِ على وَجْهٍ يكون فيه إهانةٌ لصاحبه، وغضاضةٌ وشُهْرَةٌ في حقِّه.
هـ- أن لا يقصد المُكْرَهُ إيقاع الطَّلاق، وإنَّما دفع الإكراه.
ومن أُكرِه على طلاقِ مُعيَّنةٍ من نسائه، فطلَّق غيرها، أو أُكره على طَلْقةٍ واحدةٍ، فطلَّق أكثر من طَلْقةٍ، وقع طلاقه.
و- أن يكون الإكراه واقعاً على نفس المكرَه، أو ولده. فإن كان الإكراه على غيره من الأقارب وطلَّق، وقع طلاقه.
стр. 1009
فصل في التَّوكيل في الطَّلاق
أ - من صحَّ طلاقُه -وهو العاقل المختار، ولو كان مُميِّزاً يعقله-؛ صحَّ أن يُوكِّل غيرَه فيه؛ وأن يتوكَّل فيه عن غيره؛ لأنَّ من صحَّ تصرُّفه في شيءٍ وكان ممَّا تدخله النيابة، صحَّ توكيله فيه وتوكُّلُه، ولأنَّ الطَّلاق إزالةُ مُلكٍ فصحَّ التوكيلُ، والتوكُّل فيه؛ كالعتق.
ب- للوكيل الذي لم يحدَّ له موكِّلُه حدًّا أن يُطلِّق متى شاء، لا وَقْتَ بِدْعةٍ من حيضٍ، أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه، فإن فعل حَرُمَ ولم يَقَعْ؛ لأنَّ لفظ التوكيل يقتضي الإطلاق، كالوكيل في البيع.
فإنْ حدَّ له الموكِّلُ حدًّا؛ وعيَّن له وقتاً للطلاق، فلا يتعدَّاه، وعليه أن يفعل ما أُذِنَ له؛ لأنَّ الأمر للمُوكِّل في ذلك، فلو قال: «طلِّقها اليوم»، لم يملكه في غيره؛ لأنَّه إنَّما ثبتت له الوكالة على حسب ما يقتضيه لفظ الموكِّل.
ج- يملكُ الوكيل طلقةً واحدةً لا أكثر، ما لم يجعل له الموكِّل ذلك؛ لأنَّها السُّنَّةُ؛ فينصرف الإطلاق إليها، لأنَّ الأمرَ المُطْلَق يتناولُ أقلَّ ما يقع عليه الاسم، وما زاد مشكوكٌ فيه، والأصل عدم الإِذْن، فلا يقع أكثرُ من واحدةٍ.
د - إذا قال الزَّوج لامرأته: «طلِّقي نفسَك»، كان للزَّوجة طلاقُ نَفْسِها متى شاءت، كما لو وكَّل غيرَها؛ لأنَّه مقتضى اللَّفظ والإطلاق.
стр. 1010
ولا تملك بقوله لها: «طلِّقي نفسَك» أكثر من طَلْقةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الأمر المُطلَق يتناول ما يقع عليه الاسم.
هـ- تملكُ الزَّوجة الطَّلاق بالثلاث إن قال الزَّوجُ لها: «طلاقُك أو أَمْرُك بيدك»، أو «وكَّلتُك في طلاقك، أو في الطلاق»؛ لأنَّ اللَّفظ الأوَّل مفردٌ مضافٌ، فيعمُّ جميع أمرها، فيتناول الثلاث، وفي اللَّفظ الثاني اقترن بأل الاستغراقيَّة، فأفاد العموم والاستغراق، فيعمُّ الثلاث.
ولما روي عن عثمان بن عفَّان ﵁ أنَّه قال: (فِي «أَمْرُكِ بِيَدِكِ»: القَضَاءُ مَا قَضَتْ) [رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في «تاريخه»]. وهو قول عليٍّ، وابن عمر، وابن عبَّاس، وفَضَالَة ﵃.
و - يبطلُ التوكيل بالطلاق في أحد حالين:
الأوَّل: رجوع الزَّوج عنه.
ويُقبَل دعوى الزوج بعد إيقاع الوكيل الطَّلاق أنَّه كان رَجَع عن الوكالة قبل إيقاع الطَّلاق.
الثاني: وَطْءُ الزَّوجةِ التي وَكَّلَ في طلاقها؛ لدلالة الحال على الرجوع عن الطلاق، لأنَّ الرُّجوع أو الوطء بمثابة العَزْل، فأشبه عَزْل سائر الوكلاء.
стр. 1011
باب سُنَّة الطَّلاق وبِدْعَته
ينقسمُ الطلاق من حيث مشروعيَّته وعدمها إلى قسمين:
الأوَّل: طلاقُ سُنَّةٍ؛ وهو إيقاع الطَّلاق على وجهٍ مشروعٍ.
فالسُّنَّة لمن أراد طَلاق زوجته أن يُطلِّقها طلقةً واحدةً في طُهْر لم يُجامعها فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، قال ابن مسعود وابن عبَّاس ﵄: «طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ» [رواه ابن جرير].
الثاني: طلاقُ بِدْعَةٍ؛ وهو إيقاع الطَّلاق على وجهٍ مُحرَّمٍ منهيٍّ عنه، وله أحوالٌ:
أ - طلاقُ الثلاث: إذا طلَّق الزَّوج امرأته ثلاثاً ولو بكَلِماتٍ، في طُهْرٍ لم يُصبْها فيه، أو طلَّقها ثلاثاً في أطهارٍ قبل رجعةٍ، حَرُمَ ذلك؛ لقوله تعالى بعد الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. ومن جَمَعَ الثلاث لم يجعل الله له مخرجاً، ولا من أمره يُسراً.
وقد رُوي ذلك عن عمر، وعليٍّ، وابن مسعود، وابن عبَّاس ﵃. [رواها البيهقي في «الكبرى»].
- وإذا طلَّق زوجته ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ وقعتْ ثلاثاً؛ لما روى مجاهد قال: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ، فَيَرْكَبُ الحُمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ:
стр. 1012
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللّاهَ، فَلَمْ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» [رواه أبو داود].
ب- طلاق الحائض والنُّفساء: إذا طلَّق الزَّوج امرأته في زمن الحيض، أو النِّفاس، فهو طلاقٌ بِدْعيٌّ مُحرَّمٌ؛ لمخالفته قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وعن ابن عمر ﵄ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) [رواه البخاري، ومسلم].
ولأنَّ ذلك يوجب تطويل العدِّة؛ لأنَّه لا يحتسب بالحيضة التي طلَّقها فيها.
ج- الطلاق في طُهْرٍ وَطِئَها فيه: إذا طلَّق الزَّوج امرأته في طُهْرٍ وَطِئَها فيه؛ فهو كذلك طلاقٌ بِدْعيٌّ مُحرَّم؛ لمخالفته لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ قال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: «الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ: طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ».
ولأنَّها تتضرَّر بذلك وتَرْتاب، فلا تدري أَحَمَلت فتَعْتدُّ بوَضْع الحَمْل، أم هي حائل فتَعْتدُّ بالأَقْراء. ولأنَّه يحتمل تَبيُّن حَمْلها فيندم على فِراقها، ولهذا لو استبان حَمْلُها أُبيح الطَّلاق.
стр. 1013
- ويقع الطَّلاق البِدْعيُّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ فيه بالرَّجعة، كما في حديث ابن عمر ﵄: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا)، والرَّجعة لا تكون إلَّا بعد طلاق. ويؤيِّده قول سالم بن عبد الله بن عمر: «وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا» [رواه مسلم].
- يُباحُ الطَّلاق والخُلْع زَمَنَ البِدْعَةِ بسؤال الزوجة ذلك؛ لأنَّ المنع منه إنَّما شُرِع لحقِّ المرأة؛ فإذا رَضِيَت بإسقاط حقِّها، زال المنع.
* الطَّلاق الذي لا سُنَّةَ فيه ولا بِدْعَةَ:
من الطَّلاق ما لا يُوصَفُ بسُنَّة ولا بِدْعةٍ، وذلك في الصور التالية:
أ - طلاقُ غير المدخول بها؛ لأنَّها لا عِدَّة لها فتتضرَّرُ بتطويلها.
ب- طلاقُ الصغيرة والآيِسَة؛ لأنَّها لا تعتدُّ بالأَقْراء؛ فلا تختلف عِدَّتُها، ولا ريبة لهما، ولا ولد يندم المُطلِّق على فِراقِه.
ج- طلاق الحامِل؛ لأنَّ انقضاء عِدَّتها بوضع حَمْلِها؛ فلا يكون لها حالةُ سُنَّةٍ، ولا حالة بِدْعَةٍ.
стр. 1014
باب صريح الطلاق وكنايته
المعتبرُ في الطلاق اللَّفظ دون النيَّة التي لا يُقارنها لفظ؛ لأنَّ اللَّفظ هو الفعل المُعبِّر عمَّا في النَّفْس من الإرادة والعَزْم، والقَطْعُ بذلك إنَّما يكون بعد مقارنة القول للإرادة، فلا تكون الإرادة وَحْدَها من غير قولٍ فعلاً.
ولذلك قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ) [متفق عليه]، فلذلك لا تكون النيَّة وَحْدَها مؤثِّراً في الوقوع.
وبناء عليه؛ فإنَّه يُعتَبرُ للطلاق اللَّفظ، أو ما يقوم مقامه، كالإشارة المفهومة من الأَخْرَس، وكتابةُ الطلاق.
فلا يقع الطلاق بغير لفظٍ؛ فلو نواهُ بقَلْبِه من غير لفظٍ لم يقع؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فلم يحصل بمُجَرَّد النيَّة؛ كالعِتْق.
أوَّلًا: أَقْسامُ اللَّفْظِ في الطَّلاقِ:
ينقسمُ اللَّفْظُ في الطلاق إلى صريحٍ، وكِنايَةٍ.
والصريحُ: ما لا يحتملُ غيرَه، من كُلِّ شيءٍ وضع له اللَّفظ؛ من طلاقٍ، وعِتْقٍ، وظِهارٍ، وغيرها.
وصريح الطلاق لا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ سائر الصرائح لا تفتقر إلى نيَّة؛ فكذا صريح الطلاق.
стр. 1015
واللَّفظ الصريح في الطلاق هو قول الرجل لزوجته: «أنت طالقٌ»، وما تصرَّف منه: ك «مُطلَّقة»، و «طَلَّقْتُك».
فلو قال لزوجته: «أنت طالقٌ» ولم يَنْوِ الطلاق، فإنَّها تَطْلُق منه؛ لأنَّ إيجادَ هذا اللَّفظ من العاقل دليلُ إرادته.
أمَّا إذا كان لفظ الطلاق أمراً لها؛ كقوله لها: «طَلِّقي»، أو استفهاماً؛ كقوله لها: «هل طلقت؟»، أو تمنٍّ؛ كقوله: «ليتك طالق»، فإنَّها لا تكون بذلك طالقاً؛ لأنَّها لا تدلُّ على الإنشاء.
وكذلك لو كان يترجَّى زوجته بالطلاق، أو كان ذلك بالتحضيض.
وإذا كان الكلام معها بقوله لها بالفعل المضارع: «تَطْلُقين»، أو قوله لها باسم الفاعل: «مُطلِّقة»؛ فلا يقع الطلاق بهذه جميعاً؛ لأنَّ لفظ الإطلاق وما تصرَّف منه نحو: «أَطْلَقْتُكِ»، ليس بصريحٍ، بل كنايةٌ.
ثانياً: طَلاقُ الهَازِلِ:
الهازلُ: هو من يتكلَّم الكلامَ من غير قصدٍ لمُوجِبِه وحقيقته، ويكون ذلك على وجه اللَّعِب.
فإذا قال الزوج لزوجته: «أنت طالقٌ» طَلُقَت؛ هازلاً كان أو جادًّا، أو لاعباً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهَنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه].
قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ جِدَّ الطلاق وهَزْلَه سواء».
стр. 1016
ثالثاً: الكَذِبُ في الطَّلَاقِ:
لو قيل للزَّوج: «أَطَلَّقْتَ امرأتَكَ»؟ فقال: «نعم»؛ يريدُ الكَذِب بذلك؛ فإنَّها تَطْلُقُ؛ لأنَّ «نعم» صريحٌ في الجواب، والجوابُ الصريح للَّفظ الصريح صريحٌ؛ إذ لو قيل: «ألزيدٍ عليك ألفٌ»؟ فقال: «نعم». كان إقراراً.
ولو قيل: «أَلَكَ امرأةٌ»؟ فقال: «لا»، وأراد الكَذِب، لم تَطْلُق إن لم يَنْوِ به الطَّلاق؛ لأنَّه كنايةٌ تفتقر إلى نيةٍ، ولم توجد مع إرادة الكذب.
رابعاً: سَبْقُ اللِّسانِ في الطَّلَاقِ:
إذا سَبَق لسانُ الزَّوج بلفظ الطلاق الصَّريح؛ كما لو أراد أن يقول: «طاهراً» أو «طاعناً»، فسبق لسانه ب «طالقٍ»، وادَّعى أنَّه لم يُرد طلاقاً؛ لم تطلق ديانةً -أي فيما بينه وبين الله تعالى- إن كان صادقاً؛ لأنَّه أعلم بما أراد، ولا يُمكن الاطِّلاع على ذلك إلَّا من جهته. فإن رُفِع الأمر إلى القاضي حكم بوقوع الطلاق؛ لأنَّ ذلك خلاف ما يقتضيه الظَّاهر في العُرْف، فتَبْعُدُ إرادته ما ذَكَر؛ كما لو أَقَرَّ بعشرة دراهم، ثمَّ قال: أردتُ عشرة دراهم مغشوشة؛ فإنَّه لا يُقبل ذلك منه قضاءً.
وكذا لو قال: «طالقاً»، وقال: أردتُ: من وَثاقٍ، أو أردتُ: من زوجٍ كان قَبْلي. أو قال: «أنتِ طالقٌ»، وقال: أردتُ: إن قُمْتُ، فتَركْتُ الشَّرط، ولم أُرِدْ طلاقًا؛ لم يقع طلاقه دِيانةً إن كان صادقاً، ويقع قضاءً؛ لما سبق.
стр. 1017
خامساً: الحَلِفُ بالطَّلاقِ:
- من قال: «حَلَفْتُ بالطلاق لأن أفعل كذا»، أو «لا أفعل كذا»، وأراد الكذب؛ بأن لم يكن حَلَفَ بالطلاق. فإن فعل ما حلف عليه، وقع الطلاقُ حُكْماً؛ مؤاخذةً له بإقراره؛ لأنَّه يتعلَّق به حقُّ آدميٍّ معيَّنٍ، فلم يُقبل رجوعه عنه؛ كإقراره له بمالٍ، ثم يقول: كذبت. ودُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنَّه لم يحلف، واليمين إنَّما تكون بالحلف.
- وإن نوى أنَّه كان طَلَّقَها من نكاحٍ سابقٍ؛ دُيِّنَ فيما بينه وبين الله؛ لأنَّ الله أعلمُ بنيَّتِه، وأمَّا في حُكْم الطلاق؛ فإن كان وُجِدَ منه طلاقٌ سابقٌ؛ قُبِلَ قوله، وإلَّا فلا.
- ولو قالت زوجته: «حَلَفْتَ بالطلاق الثلاث»؟ فقال: «لم أَحْلِفْ إلَّا بواحدةٍ». أو قالت: «عَلَّقْتَ طلاقي على قُدوم زيدٍ»؟ فقال: «لم أُعلِّقْه إلَّا على قدوم عمرٍو». كان القولُ قولَه، لأنَّه مُنكِرٌ لما تقوله، وهو أعلمُ بحال نفسه.
سادساً: قَولُ «عَلَيَّ الطَّلاقُ»، أو «يَلْزَمُنِي الطَّلاقُ» ونحوهما:
إذا قال الزَّوج لزوجته: «عليَّ الطَّلاقُ»، أو «يَلَزمُني الطَّلاقُ»؛ فهو من صريح الطَّلاق، ولا يُحتاج منه إلى نيَّةٍ، سواءٌ أكان:
١) مُنَجَّزاً؛ كقوله: «أنتِ الطَّلاقُ»، ويقع الطلاق بمُجرَّد قوله ذلك؛ لأنَّه بمنزلة «هي طالقٌ».
стр. 1018
٢) أو مُعلَّقاً بشَرطٍ؛ نحو قوله: «عليَّ الطَّلاقُ إن دخلتِ الدَّار»، أو «أنتِ الطَّلاقُ إن دخلتِ الدَّار»، أو «أنتِ الطَّلاقُ لأقومَنَّ»، فهي طالقٌ.
٣) أو مَحْلوفاً به؛ نحو قوله: «عليَّ الطَّلاقُ لأقومَنَّ»، أو «أنتِ الطلاق لأخرجنَّ»، أو «يَلْزمُني الطَّلاقُ لا أفعل كذا، أو لأفعلَنَّ كذا»؛ فهي طالق.
ووقوع الطلاق صريحاً بما سبق؛ لأنَّه قد اشتهر استعمالُه في إيقاع الطلاق، وهو مستعملٌ في عُرْفِهِم، وكونه مجازاً لا يمنع كونه صريحاً؛ لتعذُّر حَمْلِه على الحقيقة؛ ولا محلَّ له يظهر سوى هذا المحلِّ؛ فيتعيَّن فيه.
ويقع به واحدةً، ما لم يَنْوِ أكثر؛ لأنَّ أهل العُرْف لا يعتقدونه ثلاثاً،
ولا يعرفون أنَّ الألف واللَّام للاستغراق.
سابعاً: أَحْكامٌ مُتَعلِّقةٌ بكلمةِ «عليَّ الحَرامُ» وما جَرَى مَجْراها:
- إن قال: «عَلَيَّ الحَرام»، أو «يَلْزَمُنِي الحَرامُ»، أو «الحَرامُ لازمٌ لي»، ونَوَى امرأته، أو دلَّت قرينةٌ على إرادة ذلك؛ فهو ظِهارٌ؛ حتَّى وإن قال: نَوَيْتُ الطَّلاقَ؛ فإنَّه ظِهارٌ؛ لأنَّه صريحٌ في تحريمها.
وإن لم يَنْوِ امرأَتَهُ فلَغْوٌ لا يَصِحُّ أن يكون ظِهاراً.
ثامناً: مَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَشَرَّكَ مَعَها ضَرَّتها:
من طَلَّق زوجَتَه، أو ظَاهَرَ منها، ثمَّ قال عَقِبَهُ لضَرَّتها: «شَرَّكْتُكِ»، أو «أنتِ شَريكَتُها فيما أَوْقَعْتُ عليها من طلاقٍ أو ظِهارٍ»، أو قال لضَرَّتها: «أنتِ
стр. 1019
مِثْلُها»، أو «أنتِ كَهِيَ»؛ فقد وَقَعَ على الضَّرَّتَيْن بما قاله لهما طلاقٌ أو ظِهارٌ؛ لأنَّه صريحٌ فيهما، ولا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّه جَعَل الحُكْم فيهما واحداً، وهذا لا يحتمل غير ما فُهِمَ منه، أشبه ما لو أعاده بلَفْظِه على الثانية.
تاسعاً: مَنْ قَالَ: «عَلَيَّ الطَّلاق»، وله عِدَّة نِسْوَةٍ:
- إن قال: «عليَّ الطلاق»، أو «امرأتي طالِقٌ»، وله أكثرُ من زوجةٍ؛ فإن نَوَى مُعَيَّنةً انصرف إليها.
وإن نَوَى واحدةً مُبْهَمَةً أُخرِجَتْ بقُرْعَةٍ؛ لأنَّها طريقٌ شَرْعِيٌّ لإخراج المجهول، كمن طَلَّق إحدى زَوْجَتَيْه مُعَيَّنةً، ثمَّ نَسِيَها؛ فيُقْرَعُ بينهما، وتجبُ نَفَقَتُهما إلى القُرْعَةِ.
وإنْ تبيَّن للزَّوج أنَّ المُطلَّقة غيرُ التي خرجت قرعتها؛ بأن تذكَّر ذلك، رُدَّت إليه، ما لم تتزوَّج، أو تكن القُرْعة بحاكمٍ؛ فلا تُردُّ إليه.
- وإذا قال: «عليَّ الطَّلاقُ» ولم ينو شيئاً، لا مُعيَّنةً من زوجاته ولا مُبْهمَةً، ولم يكن هناك سببٌ يقتضي تعميماً أو تخصيصاً؛ وَقَعَ الطَّلاقُ على الكُلِّ؛ لأنَّ الكُلَّ امرأته، وهي محلٌّ لوقوع طلاقه عليها، ولا مُخَصِّصَ.
عاشراً: الطَّلاقُ في النَّفْسِ:
إذا طلَّق في نفسه، لم يقع طلاقُه؛ ما لم يتلفَّظ أو يُحرِّك لسانه؛ وذلك لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ
стр. 1020
بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ) [رواه البخاري، ومسلم]. فإن تلفَّظ به أو حرَّك لسانه، وقع ولو لم يسمعه؛ لأنَّه تكلَّم به.
حادي عشر: الطَّلاقُ بالكِتابَةِ والإشارَةِ:
أ - من كتبَ صريحَ طلاقِ زوجتِه وَقَعَ الطَّلاقُ وإن لم يَنْوِه؛ لأنَّ الكتابة صريحةٌ فيه، لأنَّها حروفٌ يُفْهَمُ منها المعنى، وتقومُ مقام قول الكاتب، بشرط أن تكون الكتابة واضحةً بيِّنةً في الطَّلاق.
فلو كَتَبَ الطلاق بإصبعه على وِسادَةٍ، أو على شيءٍ لا يَثْبُتُ عليه خَطٌّ؛ كالكتابة على الماء، أو في الهواء؛ فإنَّه لا يقع؛ لأنَّ هذه الكتابة بمنزلة الهَمْس بلسانه بما لا يُسمَع.
- أمَّا ما كان من كنايةِ الكتابة، فلا يُعدُّ طلاقاً.
ولو كَتَبَه صريحاً وقال: لم أُرِدْ إلَّا تَجويدَ خَطِّي، أو غَمَّ أَهْلي، أو قَرَأَ ما كَتَبَهُ وقال: لم أَقْصِد إلَّا القراءةَ والحِكايةَ للمكتوب؛ فإنَّه يُقْبَلُ حُكْماً؛ لأنَّه أَعْلَمُ بنيَّتِه، وقد نَوَى محتملًا غير الطلاق.
ب- ويقع الطَّلاقُ بإشارةٍ مفهومةٍ من الأَخْرَس؛ ويقعُ من العَدَد ما أشار إليه؛ لقيامها مقام نُطْقِه.
следующие страницы →