← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تنْتَثَل (١)، وأمُّك قد كادت تَثْكَل؟ أرأيتَكَ إن حوَّلْناها عنك بالمِحْوَل، ثم ملأناها بالجَنْدَل، وقذفنا فيها القُصَل، الذي مَضَى فأجزأك، وظنَّ أنْ لن يفعل؟ أتشكرُ لرَبِّكَ وتُصَلّ، وتدَعُ دينَ مَنْ أشرك وضَلّ؟ قال: قلت: نعم. قال: قُمْ، قد برئت. قال: فبرئ الرجل. ومات القُصَل فجُعل في حُفْرته. قال الجُهَنيُّ: فرأيتُ الجُهنيَّ بعد ذلك يصلَّي ويسبُّ الأوثانَ ويقَعُ فيها (٢). وقال الأموي: حدّثنا عبد اللَّه قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ في مجلس يتحدَّثون عن الجن، فقال خُريم بن فاتك الأسدي: ألا أحدِّثك كيف كان إسلامي؟ قال: بلى. قال: إني يومًا في طلب ذَوْدٍ لي، أنا منها على أَثَر، تنصَبُّ وتصعد (٣)، حتى إذا كنت بأبْرَقِ العَزَّاف (٤)، أنختُ راحلتي وقلت: أعوذُ بعظيم هذه البلدة، أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاثف يهتف بي: [من الرجز] ويحكَ، عُذْ باللهِ ذي الجلالِ … والمجدِ والعلياءَ والإفضالِ ثم اتلُ آياتٍ من الأنفال … ووحِّدِ اللهَ ولا تبالي قال: فذُعرت ذُعْرًا شديدًا، ثمَّ رجعتُ إلى نفسي فقلت: [من الرجز] يا أيُّها الهاتفُ ما تقولُ؟ … أرَشَدٌ عندكَ أمْ تَضْليلُ؟ بيِّنْ هداك اللهُ ما الحَوِيلْ (٥) قال: فقال: [من الرجز] هذا رسولُ اللَّه ذو الخيراتِ … بِيَثْربٍ يَدْعُو إلى النَجاةِ يأمر بالبرِّ وبالصَّلاةِ … ويَرْدَعُ الناسَ عن الهَنَاتِ (٦) قال: قلت له: والله لا أبرَحُ حتَّى اَتيَة وأؤمنَ به، فنصبتُ رِجْلي في غَرْز (٧) راحلتي وقلت: [من الرجز] أرشِدْني أرشِدْني هُديتا (٨) … لا جُعتَ ما عشتَ ولا عَرِيتا

стр. 1157

ولا برحتَ سيِّدًا مُقِيتا … لا تُؤثَرِ الخيرَ الذي أُتيتا على جميعِ الجِنِّ ما بَقِيتا فقال: [من الرجز] صاحبَكَ اللّهُ وأذَى رَحْلَكا … وعظَّمَ الأجْرَ وعافى نَفْسَكا آمِنْ به أفلَجَ ربِّي حقَّكا … وانْصُرْهُ أعز ربِّي نصْرَكا (١) قال: قلت: مَنْ أنتَ عافاك اللَّه؟ حتَّى أخبرَهُ إذا قدِمتُ عليه؟ فقال: أنا ملك بن ملك، وأنا نَقيبُه على جِنِّ نَصِيبين. وكُفيت إبلَكَ حتَّى أضُمَّها إلى أهلك إنْ شاء اللَّه. قال: فخرجتُ حتَّى أتيتُ المدينةَ يوم الجُمعة والناسُ أرسالٌ إلى المسجد، والنَّبِيّ ﷺ على المنبر كأنه البدْر يخطُب الناس، فقلت: أُنيخ على باب المسجد حتَّى يُصلي، وأدخلُ عليه فأسلِّم وأُخْبره عن إسلامي؛ فلما أنختُ خرج إليَّ أبو ذرٍّ فقال: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، قد بَلَغَنا إسلامُك، فادخُلْ فصلِّ. ففعلتُ، ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ -فأخبرني بإسلامي. فقلت: الحمد للّه. قال: "أما إنَّ صاحِبَك قد وفَى لك، وهو أهْلُ ذلك، وأدَّى اللّهُ إبلَك إلى أهلك" (٢). وقد رواه الطبراني في ترجمة خُرَيم بن فاتك من "معجمه الكبير" قائلًا (٣): حدَّثَنَا الحسين بن إسحاق التُّسْتَرِيُّ (٤)، حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدَّثَنَا عبد اللَّه بن موسى الإسكندري، حدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرةَ قال: قال خُرَيْمُ بن فاتِك لعمرَ بن الخطاب: يا أميرَ المؤمنين، ألا أخبرك كيف كان بُدُوُّ إسلامي؟ قال: بلى، فذكره، غيرَ أنه قال: فخرج إليَّ أبو بكرٍ الصدِّيق فقال: ادخلْ، فقد بلغَنا إسلامُك. فقلت: لا أُحْسِنُ الطُهُور. فعلَّمَني، فدخلتُ المسجد، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ كأنه البدْرُ وهو يقول: "ما من مسلمٍ توضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوء، ثم صلَّى صلاةً يَحْفَظُها ويَعْقِلُها إلا دَخَلَ الجنَّة" فقال لي عمر: لتأتينِّي على هذا ببيِّنة أو لأُنكِّلَنَّ بك. فشهِدَ لي شيخَ قُريش عثمانُ بن عفَّان، فأجازَ شهادَتَه.

стр. 1158

ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة (١)، عن محمد بن تيم (٢)، عن محمد بن خليفة، عن محمد بن الحسن، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك: حدثني بحديثٍ يعجبني (٣). فذكر مثل السياق الأول سواء. وقال أبو نعيم (٤): حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شُرَحْبِيل، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبَاني (٥)، عن عبد اللَّه بن الدَّيلمي قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: بلغنا أنك تذكرُ سَطِيحًا، تزعم أنَّ الله خلقه، لم يخلقْ من بني آدم شيئًا يشبه؟ قال: نعم، إنَّ اللَّه خلق سَطيحًا الغسَّانيَّ لحمًا على وضَم (٦)، ولم يكن فيه (٧) عظمٌ ولا عصَب إلا الجُمْجُمة، والكفَّان. وكان يُطْوَى من رجلَيْهِ إلى تَرْقُوَتهِ كما يُطوى الثوب، ولم يكن فيه شيءٌ يتحرَّك إلا لسانه. فلما أراد الخروجَ إلى مكة حُمل على وَضَمِه فأُتِي به مكة، فخرج إليه أربعةٌ من قريش: عبد شمس وهاشم ابنا عبد مَنَاف بن قُصَيّ، والأحوصُ بن فهر، وعقيل بن أبي وقاص، فانتمَوْا إلى غير نسَبِهم وقالوا: نحن أناسٌ من جُمَح، أتيناك، بلَغَنا قدومُك، فرأينا أنَّ إتياننا إيَّاك حق لك واجبٌ علينا، وأهْدَى إليه عقيل صفيحةً هنديَّة، وصَعْدَة رُدَيْنيَّة، فوضعت على باب البيت الحرام (٨) لينظروا، أهل يراها سَطيحٌ أمْ لا؟ فقال: يا عقيل، ناولْني يدَك. فناولَه يدَه فقال:

стр. 1159

يا عقيل، والعالِمِ الخفيَّة، والغافر الخطيَّة، والذِّمَّةِ الوفيَّة، والكعبةِ المبنيَّة، إنك للجائي بالهديَّة، الصفيحةِ الهندية، والصعدةِ الرُّدَينيَّة. قالوا: صدقتَ يا سَطيح، فقال والآتي (١) بالفَرَح، وقوسِ قزَح، وسائرِ القُرَّح (٢)، واللَّطيم المُنْبَطِح (٣)، والنَّخْلِ والرُّطَب والبَلَح، إنَّ الغراب حيثُ مرَّ سَنَح، فأخبر أنَّ القومَ ليسوا من جُمَح، وأنَّ نسبَهُم من قريشٍ ذي البُطَح. قالوا: صدقتَ يا سَطيح، نحن أهلُ البيت الحرام، أتيناك لنزوركَ لما بَلَغنا من عِلْمِك، فأخْبِرْنا عمَّا يكونُ في زماننا هذا، وما يكون بعده، فلعل أنْ يكونَ عندك في ذلك عِلْم. قال: الآن صدقتم، خذوا مني ومن إلهام اللّهِ إيَّاي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرَم، سواءٌ بصائركم وبصائر العَجَم، لا علم عندكم ولا فَهْم، ويَنْشَؤُ من عَقِبكم ذوو فَهْم (٤)، يطلبون أنواعَ العلم، فيكسرون الصَّنَم، ويبلغون الرَّدْم (٥)، ويقتلون العُجْم، يطلبون الغُنْم. قالوا: يا سَطيح، فمن يكون أولئك؟ فقال لهم: والبيت ذي الأركان، والأمن والسكان (٦) ليَنْشَؤُنَّ من عقبكم وُلْدان، يكسرون الأوثان، ويُنكرون (٧) عبادة الشيطان، ويوحِّدُونَ الرحمن، وينشُرون دينَ الدَّيَّان، يُشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان (٨). قالوا: يا سطيح، من نَسْلِ مَنْ يكونُ أولئك؟ قال: وأشرفِ الأشراف، والمُحْصي للإسراف، والمزعزعِ الأحْقَاف (٩)، والمضعِفِ الأضعاف، ليَنْشَؤُنَّ الآلاف، من عبدِ شمسٍ وعبدِ مَناف، نُشوءًا يكون فيه اختلاف. قالوا: يا سوءتاهُ يا سَطيح ممَّا تخبرنا من العلم بأمرهم! ومن أيِّ بلدٍ يخرج أولئك؟ فقال: والباقي الأبَد، والبالغِ الأمَد، ليخرجَنَّ من ذا البلد، فتىً يَهْدي إلى الرَّشَد، يرفضُ يَغُوثَ والفَنَد (١٠)، يبرَأ من عبادة الضدد، يعبدُ ربًّا انفرد، ثم يتوفاه اللَّه محمودًا، من الأرض مفقودًا، وفي السماء مشهودًا. ثم يلي أمره الصدِّيق إذا قضى صدق، في ردِّ الحقوق لا خرِقٌ ولا نزِق؛ ثم يلي أمره الحَنيف، مُجَرِّبٌ غِطْريف، ويترك قولَ العنيف (١١). قد ضاف المضيف. وأحكم التحنيف. ثم يلي أمره داعيًا لأمره مجرِّبا (١٢). فتجتمع له جموعًا

стр. 1160

وعُصَبًا (١)، فيقتلونه نِقمةً عليه وغضَبًا، فيؤخذ الشيخ فيذبَحُ إرْبًا، فيقوم به رجالٌ خُطَبا، ثم يلي أمره الناصر (٢)، ويخلطُ الرأيَ برأي النَّاكر (٣)، يظهر في الأرض العساكر؛ ثم يلي بعدَهُ ابنه، ياخذُ جَمْعَه، ويُقلُّ حمدَه، ويأخذُ المالَ ويأكلُ وَحْدَه، ويَكْثُر المالُ بعقبِه (٤) من بعده؛ ثم يلي من [بعده عدةُ ملوك، لا شكَّ، الدَّمُ فيهم مسفوك، ثم] (٥) بعدهم الصُّعْلوك، يطويهم كطيِّ الدُّرْنُوك (٦) ثم يلي من بعده عظهور (٧)، يُقْصي الخلق (٨) ويُدْني مُضَر، يفتتح الأرضَ افتتاحًا منكرًا، ثم يلي قصيرُ القامة، بظهره علامة يموت موتًا وسلامة؛ ثم يلي قليلًا باكر، يترك الملك بائر (٩)، يلي أخوه بسنَّته سائر، يختص بالأموال والمنابر، ثم يلي من بعدِهِ أخْوَج، صاحبُ دنيا ونعيم، مُخَلَّج (١٠)، يُثاوِرُه معاشرُه وذووه، ينهضونَ إليه يخلعونَهُ بأخذِ الملك ويقتلونَه، ثم يلي أمْرَهُ من بعده السابع، يترك الملك مُخلَّى ضائع، تثوَّرَ في ملكه كالمُشَوَّهِ جائع، عند ذلك يطمعُ في الملك كل عُرْيان، ويلي أمْرَهُ اللَّهْفان، يُوطئ (١١) نزارًا جمعَ قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان، بين بَنْيان (١٢) ولُبْنان، يُصنَف اليمن يومئذ صنفان: صنف المَسَرَّة (١٣)، وصنف المخذول، لا ترى إلا حباء محلول (١٤). وأسيرًا مغلول (٤). بين القراب والخيول. عند ذلك تخرب المنازل [وتسلب الأرامل] (١٥)، وتُسقطُ الحوامل، وتظهر الزلازل،

стр. 1161

وتطلبُ الخلافةَ وائل، فتغضب نزار، فتُدْني العبيدَ والأشرار، وتُقْصي الأمثال والأخيار، وتغلو الأسعارُ في صفَرِ الأصفار، يُغَلُّ كلُّ جبَّار، ثم يسيرون إلى خنادق وأنها ذاتُ أشعارٍ وأشجار، تصد له الأنهار (١)، ويهزمهم أوَّلَ النهار، تظهر الأخيار، فلا ينفعهم نومٌ ولا قرار. حتَّى يدخل مصرًا من الأمصار، فيدركه القضاء والأقدار. ثم يجيء الرُّماة، تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة، وتهلك الغواة، هنالك يدرك في أعلى المياه. ثم يبور الدِّين، وتُقلب الأمور، ويكفر الزَّبُور، وتُقطع الجسور، فلا يفلت إلا مَنْ كان في جزائر البُحور، ثم تبور الحُبوب، وتظهر الأعاريب، ليس فيهم مَعِيب (٢)، على أهل الفسوق والريب، في زمان عَصِيب، لو كان للقوم حَيَا، وما تُغْني المُنى. قالوا: ثم ماذا يا سَطيح؟ قال: ثم يظهر رجلٌ من أهل اليمن كالشَّطَن، يُذْهِبُ اللَّه على رأسه الفتن. وهذا أثرٌ غريب كتبناهُ لغرابته، وما تضمَّنَ من الفتن والملاحم. وقد تقدَّم قصة شِقٍّ وسَطيح مع ربيعة بن نصر، ملك اليمن، وكيف بشَّر بوجود رسولِ اللّهِ ﷺ وكذلك تقدَّم قصة سَطِيح مع ابن أخته عبد المسيح حين أرسله ملك بني ساسان، لارتجاسِ الإيوان، وخُمود النيران، ورؤيا الموبذان. وذلك ليلةَ مولدِ الذي نسخ بشريعته سائرَ الأديان (٣). باب كيف بدأ الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ ، وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله ﷺ من العمر أربعون سنة. وحكى ابن جرير (٤) عن ابن عباس وسعيد بن المسيِّب: أنه كان عمرُه إذْ ذاك ثلاثًا وأربعين سنة. قال البخارى (٥): حدّثنا يحيى بن بُكَير، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أنها قالت: أوَّلُ ما بُدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوَحْي الرُّؤْيا الصالحة (٦) في النَّوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثمّ حُبِّبَ إليه الخَلاء، فكان يخلو بغارِ حِراء فيَتَحنَّثُ فيه - وهو التعبُّد - اللياليَ ذواتِ العدَد، قبل أنْ ينزِعَ إلى أهله، ويتزوَّدُ لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ فيتزوَّدُ

стр. 1162

لمثلها، حتَّى جاءه (١) الحقُّ وهو في غار حِرَاءِ، فجاءه الملَكُ فقال: اقْرَأْ. فقال: "ما أنا بقارئ" قال: فأخذني فغَطَّني (٢) حتَّى بَلَغ مني الجَهْد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأْ، فقلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانيةَ حتَّى بلغ مني الجَهْد، ثمّ أرسلني، فقال: اقْرَأْ، فقلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتَّى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] فرجع بها رسولُ اللَّه - صلى الله عليه سلم - يَرْجُفُ فؤادُهُ، فدخل على خديجة بنتِ خُويلد، فقال: "زَمِّلُوني زَمِّلُوني" فزمَّلُوهُ حتَّى ذهب عنه الزَؤع، قال لخديجة - وأخَبَرها الخَبَر -: "لقد خَشِيتُ على نفسي". فقالت خديجة: كلا واللّه، لا يُخْزِيك اللّهُ أبدًا، إنَّك لتصِلُ الرَّحِم، وتَقْرِي الضَّيف، وتَحْمِلُ الكَلّ، وتَكْسِبُ المَعْدُوم، وتُعينُ على نوائب الحقّ. فانطلقتْ به خديجةُ حتَّى أتتْ ورقةَ بنَ نَوْفَل بن أسد بنِ عبد العُزَّى ابنَ عمَ خديجة؛ وكان امرءا قد تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتابَ العِبْرَاني (٣)، فيكتب من الإنجيل بالعِبْرانيَّةِ ما شاءَ اللَّه أنْ يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي، فقالت له خديجة: يا ابنَ عمّ، اسمَعْ من ابنِ أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خَبَر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس (٤) الذي كان ينزِلُ على موسى، يا ليتني فيها جذعًا (٥)، ليتني أكونُ حيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قومُك. فقال رسول الله ﷺ :" أو مُخرِجِيَّ هم؟ " فقال: نعم، لِم يأتِ أحدٌ بمثلِ ما جئتَ به إلا عُودي، وإنْ يُدركني يومُكَ أنْصُرْك نصرًا مُؤَزَّرًا. ثم لم يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفيَ، وفَتر الوَحْيُ فترة. حتى حزنَ رسول الله ﷺ - فيما بلغَنا - حُزْنًا غدا منه مِرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهِقِ الجبال، فكلّما أوْفى بذِرْوَةِ جبل لكي يُلقي نفسَه تبدَّى له جِبْرِيلُ فقال: يا محمد، إنَّك رسولُ اللَّه حقًا فيسكنُ لذلك جَأشُه، وتَقِرُّ نفسُه فيرجع، فإذا طالت عليه فترةُ الوَحْي غَدا كمثلِ ذلك. قال: فإذا أوفى بِذِرْوةِ جبل تبدَّى له جبريلُ فقال لهُ مثل ذلك.

стр. 1163

هكذا وقع مطوَّلًا في بابِ التعبير من البخاري (١). قال ابنُ شهاب (٢): وأخبرني أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه الأنصاريَّ قال - وهو يحدِّثُ عن فَتْرةِ الوحي - فقالَ في حديثه: "بينا أنا أمشي، إذْ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بَصَري فإذا الملَكُ الذي جاءَني بحِرَاء جالسٌ على كُرْسي بينَ السماءَ والأرض. فرُعِبْتُ منه، فرجعتُ فقلت: زَمِّلُوني، زَمِّلوني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥] فَحمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَع". ثمّ قال البخاري: تابعَهُ عبدُ اللَّه بن يوسف، وأبو صالح - يعني عن اللَّيث - وتابعه هِلالُ بنُ رَدَّاد، عن الزُّهْري. وقال يونس ومعمر: بوادِرُه. وهذا الحديث قد رواهُ الإمامُ البخاري ﵀ في كتابه في مواضع منه (٣)، وتكلَّمنا عليه مطولًا في أول شرح البخاري في كتاب بَدْء الوحي إسنادًا ومتنًا. وللّه الحمد والمِنَّة. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث اللَّيث به، ومن طريق يونس ومَعْمَر، عن الزُّهْري كما علَّقَهُ البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشي على زياداتِ مسلم ورواياتِه، وللّه الحمدُ، وانتهى سياقُهُ إلى قول ورقة: أنصرُك نصرًا مُؤَزَّرًا. فقول أمِّ المؤمنين عائشة: أوَّلُ ما بُدئ به من الوحي الرؤيا الصادِقة، فكان لا يَرَى رؤيا إلا جاءتْ مثل فَلَقِ الصُّبْح، يُقَوِّي ما ذكَرَهُ محمد بن إسحاق (٥) بن يسار، عن عُبيد بن عُمير اللَّيثي، أنَّ النبيّ ﷺ قال: "فجاءني جِبْريلُ وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج فيه كتاب (٦). فقال: اقرأ. فقلتُ: ما اقرأُ؟ فغتَّني، حتَّى ظننت أنَّه الموت، ثم أرسلني" وذكر نحوَ حديثِ عائشة سواء. فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعدَهُ من اليَقَظَة، وقد جاء مصرَّحًا بهذا في مغازي موسى بن عُقْبَةَ عن الزُّهري، أنه رأى ذلك في المنام ثمّ جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظُ أبو نُعيم الأصبهاني في كتابه "دلائل النبوة" (٧): حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن الحسن،

стр. 1164

حَدَّثَنَا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا مِنْجَاب (١) بن الحارث، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن الأجلح، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: إنَّ أولَ ما يُؤتى به الأنبياءُ في المنام، حتَّى تهدأ قلوبُهم، ثم ينزِلُ الوحي بَعْدُ. وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسِه، وهو كلامٌ حسن، يؤيِّدُه ما قبله ويؤيده ما بعده. ذكر عمرِه ﷺ وقت بعثتِه وتاريخها قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، عن داودَ بن أبي هند، عن عامر الشَّعْبي: أنَّ رسولَ الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابنُ أربعين سنة، فقرن بنبوَّتِهِ إسرافيل ثلاثَ سنين، فكان يعلِّمُه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضتْ ثلاثُ سنين قرن بنبوته جِبريل، فنزل القرآنُ على لسانه عشرين سنة، عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة. فمات وهو ابن ثلاث وستينَ سنة. فهذا إسنادٌ صحيح إلى الشعبي، وهو يقتضي أنَّ إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين، ثمّ جاءَهُ جبريل (٣). وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا يُنافي هذا، فإنه يجوز أنْ يكونَ أول أمره الرُّويا، ثم وُكِّل به إسرافيلُ في تلك المُدَّة التي كان يخلو فيها بِحرَاء، فكان يُلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيمُ معه، تدريجًا له وتمرينًا، إلى أن جاءه جبريل، فعلَّمه بعد ما غطَّه ثلاثَ مرَّات، فحكَتْ عائشةُ ما جرى له مع جِبْريلِ، ولم تحكِ ما جرى له مع إسرافيلَ اختصارًا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل. وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا يحيى عن هشام (٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أُنزل على النبي ﷺ

стр. 1165

وهو ابن ثلاثٍ وأربعين، فمكث بمكةَ عشرًا وبالمدينة عشرًا، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين (١). وهكذا روى يحيى بن سعيد، عن سعيد (٢) بن المسيِّب. ثمّ رواهُ أحمد (٣)، عن غُنْدر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ وأنزل عليه القرآن، وهو ابنُ أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين. ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا عفَّان، حدّثنا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: أقام النَّبِيُّ ﷺ بمكة خمسَ عشرةَ سنةً، سبعَ سنين يرَى الضَّوءَ ويسمع الصوت، وثماني سنين يُوحَى إليه، وأقام بالمدينة عشرَ سنين. قال أبو شامة: وقد كان رسولُ الله ﷺ يرى عجائبَ قبلَ بعثتِه، فمن ذلك ما في صحيح مسلم (٥) عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعْرِفُ حَجَرًا بمكةَ كان يُسَلِّم على قبلَ أنْ أُبْعَث، إني لأعْرِفُه الآن". انتهى كلامُه. وإنما كان رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ الخَلاءَ والانفرادَ عن قومه، لِمَا يراهم عليهِ من الضَّلال المُبين، من عبادةِ الأوثان والسجود للأصنام، وقويَتْ مَحبَّتُه للخَلْوَة عند مقاربة إيحاء اللّهِ إليه، صلواتُ اللَّه وسلامه عليه. وقد ذكر محمد بن إسحاق (٦) عن عبد الملك بن عبد اللَّه بن أبي سفيان بن العَلاء بن جارية (٧) - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول اللَّه ﷺ يخرجُ إلى حِرَاء في كلِّ عام شهرًا من السنة يتنسَّكُ فيه - وكان مِنْ نُسُكِ قريشٍ في الجاهلية - يُطْعِمُ مَنْ جاءَهُ من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورتِهِ، لم يدخلْ بيتَهُ حتَّى يطوفَ بالكعبة.

стр. 1166

وهكذا رُوي عن وهب بن كيسان، أنَّهُ سمع عُبيد بن عُمير يحدِّثُ عبد اللَّه بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدلُّ على أن هذا كان من عادة المتعبِّدين في قريش، أنهم يجاورون في حِرَاء للعبادة، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة (١): وثورٍ ومَنْ أرْسَى ثَبيرًا مكانَهُ … وراقٍ ليرْقَى في حِرَاءَ ونازِلِ هكذا صوَّبه على رواية هذا البيت، كما ذكره السُّهيلي وأبو شامة وشيخُنا الحافظ أبو الحجَّاج المِزِّي ﵏، وقد تصحَّف على بعض الرواة فقال فيه: وراقٍ ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب. واللّه أعلم. وحِرَاء يُقْصَر ويُمَدُّ، ويُصرف ويُمنع، وهو جبلٌ بأعلى مكة، على ثلاثةِ أميالٍ منها، عن يسار المارِّ إلى منى، له قُلَّةٌ مشرفةٌ على الكعبة منحنية، والغار فى تلك المحنيَّة، وما أحسن ما قال رُؤْبَة بن العَجَّاج (٢): فلا وربِّ الآمِناتِ القُطَّنِ … وربّ رُكنٍ من حِرَاءَ مُنْحني وقوله في الحديث: والتحنُّث: التعبد، تفسيرٌ بالمعنى، وإلَّا فحقيقة التحنُّث من حيثُ البِنْيَة فيما قاله السُّهيلي (٣): الدخول في الحِنْث، ولكنْ سمعتُ ألفاظًا قليلة في اللغة معناها الخروجُ من ذلك الشيء، فتحنَّثَ: أي خرج من الحِنْث، وتحوَّب، وتحرَّج، وتأثَّم، وتهجَّد، وهو تَرْكُ الهُجود، وهو النوم للصلاة، وتنجَّس وتقذَّر، أوردها أبو شامة. وقد سُئل ابنُ الأعرابي عن قوله يتَحنَّث، أي يتعبَّد؟ فقال: لا أعرف هذا، إنما هو يتحنَّف من الحنيفيَّة دينِ إبراهيم ﵇. قال ابنُ هشام (٤): والعربُ تقول: التحنُّث والتحنُّف، يُبْدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جَدَث، وجَدَف (٥)، كما قال رُؤْبة (٦): لو كان أحجاري مع الأجْدَافِ يريد الأجداث. قال: وحدَّثني أبو عُبيدة أنَّ العرب تقول: فُمَّ في موضع ثُمَّ. قلت: ومن ذلك قول بعضِ المفسرين وفُومها أنَّ المراد ثومها.

стр. 1167

وقد اختلف العلماءُ في تعبُّده ﵇ قبل البعثة، هل كان على شرعِ أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل شرع (١) نوح، وقيل شرع (١) إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل: كلُّ ما ثبت أنه شرعٌ عنده اتَّبعه وعمل به، ولبسطِ هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أُخر في أصول الفقه والله أعلم. وقوله: حتَّى فجِئَهُ الحقُّ وهو بغارِ حِرَاء (٢)؛ أي جاء بغتةً على غير موعد كما قال ثعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]. وقد كان نزولُ صَدْر هذه السورة الكريمة وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. وهي أولُ ما نزل من القرآن كما قرَّرْنا ذلك في "التفسير" (٣)، وكما سيأتي أيضًا في يوم الاثنين كما ثبتَ في صحيح مسلم (٤) عن أبي قتادة، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئل عن صوم يومِ الاثنين؟ فقال: "ذاك يومٌ وُلدتُ فيه، ويومٌ أُنْزِلَ عليَّ فيه". وقال ابن عباس (٥): وُلد نبيُّكم محمدٌ ﷺ يومَ الاثنين، ونُبِّئَ يومَ الاثنين. وهَكذا قال عُبيد بن عُمير، وأبو جعفر الباقر، وغيرُ واحدٍ من العلماء: إنه ﵊ أوحي إليه يوم الاثنين. وهذا ما لا خلافَ فيه بينهم. ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول كما تقدَّم عن ابن عباس وجابر أنَّه وُلد ﵇، في الثاني عشرَ من ربيعِ الأول يوم الاثنين، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء: والمشهور أنه بُعث ﵊ في شهر رمضان، كما نص على ذلك عُبيد بن عُمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما. قال ابن إسحاق مستدلًا على ذلك (٦) بما قال اللَّه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فقيل في ثاني عشرة. وروى الواقديُّ بسند (٧) عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداءُ الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ يومَ الاثنين، لسبعَ عشرةَ ليلة خلَتْ من رمضان. وقيل: في الرابع والعشرين منه.

стр. 1168

قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو سعيد مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا عمران أبو العوَّام، عن قتادة، عن أبي المَليح، عن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أُنْزِلَتْ صُحف إبراهيم في أولِ ليلةٍ من رمضان، وأُنْزلت التوراةُ لستٍّ مضيْنَ من رمضان، والإنجيل لثلاثَ عشرةَ ليلة خلتْ من رمضان، وأُنزل القرآن (٢) لأربعٍ وعشرين خلَتْ من رمضان". وروى ابنُ مردويه في "تفسيره"، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا نحوه؛ ولهذا ذهب جماعةٌ من الصحابة والتابعين، إلى أنَّ ليلةَ القدر ليلةُ أربع وعشرين. وأما قول جبريل (اقْرَأْ) فقال: "ما أنا بقارئ" فالصحيح أنَّ قوله "ما أنا بقارئ" نَفْيٌ؛ أيْ لستُ ممن يُحسن القراءة. وممن رجَّحه النووي، وقَبْلَه الشيخ أبو شامة؛ ومَنْ قال: إنها استفهامية، فقوله بعيد، لأنَّ الباء لا تزاد في الإثبات. ويؤيد الأولَ روايةُ أبي نعيم (٣) من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله ﷺ وهو خائف يُرْعَد -:"ما قرأتُ كتابًا قطُ ولا أُحْسِنُه، وما أكتبُ وما أقرأ" فأخذَهُ جبريل فغَتَّهُ غتًا شديدًا. ثم تركه فقال له: اقرأ. فقال محمد ﷺ : "ما أرى شيئًا أقرؤه، وما أقرأ، وما أكتب" - يُروى فغطَّني كما في الصحيحين وغتَّني، ويُروى قد غتَّنى، أي: خنقَني "حتَّى بلغَ مني الجهد" يُروى بضمِّ الجيم وفتحها وبالنَّصْب وبالرفع - وفعل به ذلك ثلاثًا. قاله أبو سليمان الخطابي (٤): وإنما فعل ذلك به ليبلُوَ صَبْرَه، ويُحسنَ تأديبه، فيرتاضَ لاحتمالِ ما كلَّفه به من أعباء النبوَّة؛ ولذلك كان يَعْتَريه مثلُ حالِ المَحْموم، وتاخذُه الرُّحَضَاء - أي: البُهْر والعَرَق -. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أنْ يستيقظ لعظَمَةِ ما يُلقَى إليهِ بعد هذا الصَّنِيع المُشِقِّ على النفوس، كما قال تعالى: (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] ولهذا كان ﵊ إذا جاءَهُ الوَحْيُ يَحْمَرُّ وَجْهُه، ويَغطُّ كما يَغطُّ البَكْرُ من الإبل (٥)، ويتفصَّدُ جَبينُهُ عَرقًا في اليوم الشديد البَرْد. وقوله (٦): فرجع بها رسولُ الله ﷺ إلى خديجة يَرْجُفُ فؤادُه. وفي رواية: بَوَادِرُه، جمع بادِرَة، قال أبو عبيدة: وهي لحمة بين المنكب والعُنق. وقال غيره: هو عروقٌ تضطرب عند الفَزَع، وفي

стр. 1169

بعض الروايات ترجُف بآدِلُه، واحدتها بَأْدَلَة. وقيل بَأْدَل، وهو ما بين العُنق والتَّرْقُوة، وقيل: أصْلُ الثَّدْي، وقيل: لحم الثَّدْيَيْن، وقيل غير ذلك. فقال: "زَمِّلُوني زَمِّلُوني" فلما ذهب عنه الرَّوْعُ قال لخديجة: "ما لي؟ أيّ شيءٍ عَرَضَ لي؟ " وأخبرها ما كان من الأمر. ثمّ قال: "لقد خَشِيتُ على نفسي"، وذلك أنه شاهَدَ أمرًا لم يَعْهَدْهُ قبل ذلك، ولا كان في خَلَدِه، ولهذا قالت خديجة: أبْشِرْ، كلا واللّه لا يُخْزِيكَ اللّهُ أبدًا. قيل من الخِزْي، وقيل من الحُزن، وهذا لعلمها بما أجرى اللّهُ به جميلَ العوائدِ في خَلْقِهِ؛ أي: مَنْ كان متصفًا بصفات الخير لا يَخْزَى في الدنيا ولا في الآخرة. ثم ذكرتْ له من صفاتِه الجليلة (١) ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: إنك لتصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحديث - وكان مشهورًا بذلك صلواتُ اللَّه وسلامه عليه عند الموافق والمفارق - وتحمِلُ الكَلَّ؛ أي: عن غيرِك، تُعطي صاحبَ العَيْلَةِ (٢) ما يُريحُهُ من ثِقَلِ مُؤْنَةِ عِياله - ويكْسِبُ المَعْدُوم، أي تسبقُ إلى فعل الخير، فتبادر إلى إعطاء الفقير، فتكسب حسنته قبل غيرك. ويسمَّى الفقيرُ مَعْدُومًا لأنَّ حياتَهُ ناقصة، فوجودُهُ وعَدَمُه سواء، كما قال بعضهم (٣): [من الخفيف] ليس مَن مات فاستراحَ بمَيْتٍ … إنَّما الميْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ وقال أبو الحسن التّهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم: [من الخفيف] عُدَّ ذا الفقرِ ميِّتًا، وكُسَاهُ .... كَفَنًا باليًا، ومأواهُ قَبْرا (٤) وقال الخطابي (٥): الصواب: وتكسب المعدوم؛ أي: تبذلُ إليه، أو يكون: وَتكسِبُ المعدمَ بعطيه مالًا يعيشُ به. واختار شيخُنا الحافظ أبو الحجاج المِزِّي أنَّ المراد بالمعدوم هاهنا المال المُعْطى، أي: يُعطي المال لمن هو عادِمُه. ومن قال: إن المراد تَكْسِبُ باتِّجَارِكَ المالَ المعدوم، أو النفيس، القليل النظير، فقد أَبْعَدَ النُّجْعَة، وأَغْرَقَ في النَّزْع (٦)، وتكلَّف ما ليس له به علم، إنَّ مثل هذا لا يُمدَحُ به غالبًا، وقد ضعَّف هذا القول عياضٌ والنووي وغيرُهما، والله أعلم.

стр. 1170

وتَقْري الضَّيْف - أي: تُكرِمُه في تقديم قِرَاه، وإحسان مأواه. وتُعينُ على نوائب الحق. ويُروى: الخير. أي: إذا وقعتْ نائبةٌ لأحدٍ في خير أعنتَ فيها، وقمتَ مع صاحبها حتى يجد سِدَادًا من عَيْش، أو قِوَامًا من عيش، وقوله: ثم أخذَتْهُ فانطلقتْ به إلى ابن عمِّها وَرَقَة بن نوفل، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي. وقد قدَّمنا طرفًا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيل ﵀ (١)، وأنَّهُ كان ممنْ تنصَّر في الجاهلية ففارقهم، وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو، وعثمان بن الحُويرث، وعُبيد اللَّه بن جَحْش، فتنصَّرُوا كلُّهم، لأنهم وجدوه أقربَ الأديانِ إذْ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرِو بن نُفيل فإنه رأى فيه دَخَلًا وتخبيطًا (٢) وتبديلًا وتحريفًا وتأويلًا. فأبَتْ فِطْرَتُه الدخولَ فيه أيضًا، وبشَّروه: الأحبارُ والرهبان (٣) بوجودِ نبيٍّ قد أزِفَ زمانُه، واقتربَ أوَانُه، فرجع يتطلَّبُ ذلك، واستمرّ على فطرته وتوحيده، لكن اخترمَتْهُ المنيَّةُ قبلَ البِعْثَةِ المحمدية؛ وأدركها ورقةُ بن نوفل، وكان يتوسَّمُها في رسول الله ﷺ كما قدَّمنا بما كانتْ خديجةُ تَنْعَتُه له وتصفُه له، وما هو منطوٍ عليه من الصفات الطاهرة الجميلة، وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذتْ بيدِ رسولِ الله ﷺ وجاءتْ به إليه، فوقفت به عليه، وقالت: ابنَ عم (٤)، اسمعْ من ابنِ أخيك. فلما قصَّ عليه رسولُ اللَّه ﷺ خَبَر ما رأى قال ورقة: سُبُّوح سُبُّوح! هذا الناموسُ الذي أُنزل على موسى -[والناموسُ في اللغة: هو الرسول في الخير؛ والجاسوس: هو الرسول في الشر - وقال: الذي أنزله على موسى] (٥)، ولم يذكُره عيسى، وإنْ كان متأخِّرًا بعد موسى، لأنه كانت شريعتُه مُتَمِّمَة ومكمِّلة لشريعةِ موسى ﵉، ونسختْ بعضَها على الصحيح من قول (٦) العلماء. كما قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. وقولُ ورَقَةَ هذا كما قالت الجن: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]. ثم قال ورقة: يا ليتني فيها جَذَعًا (٧). أي: يا ليتني أكونُ اليومَ شابًّا متمكِّنًا من الإيمان والعِلْم النافِع والعملِ الصالح، يا ليتني أكون [اليوم شابّا متمكنًا] (٨) حَيًّا حين يُخرجك قومُك، يعني حتى أخرجَ معك

стр. 1171

وأنصرَكَ. فعندها قال رسول اللّه ﷺ : "أوَ مُخْرِجي هُمْ؟ " قال السُّهَيْلي (١): وإنما قال ذلك، لأن فراقَ الوطن شديدٌ على النفوس. فقال: نعم، إنّهُ لم يأتِ أحدٌ بمثلِ ما جئتَ به إلا عُودي، وإنْ يُدْركني يومُك أَنْصُرْكَ نصرًا مؤزَّرًا. أي: أنصركَ نصرًا عَزيزًا أبدًا. وقوله: ثم لم ينشَبْ ورقَةُ أنْ تُوُفِّي؛ أي: تُوفِّي بعدَ هذه القصة بقليل (٢) ﵀ ورضي عنه، فإنَّ مثلَ هذا الذي صَدَر عنه، تصديقٌ بما وجدوا، إيمانٌ بما حَصَل من الوحي، ونيَّةٌ صالحة للمستقبل. وقد قال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا حسن، عن ابنِ لَهِيعة، حدّثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، أنَّ خديجةَ سألتْ رسولَ اللَّه ﷺ عن ورقَةَ بن نوْفَل فقال: "قَدْ رأيتُهُ [في المنام] فرأيتُ عليه ثيابَ بَيَاضٍ، فأحسَبُهُ لو كانَ من أهلِ النارِ لَمْ يَكُنْ عليه ثيابُ بَيَاض". وهذا إسنادٌ حسن (٤)، لكنْ رواهُ الزُّهْري وهشام عن عروة مرسلًا. فاللّه أعلم. وروى الحافظُ أبو يَعْلَى (٥) عن سُرَيج (٦) بن يونس، عنِ إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللَّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئل عن ورَقَةَ بن نوْفل فقال: [قد رأيتُهُ فرأيتُ عليه ثيابَ بَيَاضٍ] (٧)، أبْصَرْتُهُ في بُطْنَانِ الجنَّةِ وعليه السُّنْدُس" (٨). وسُئل عن زيد بن عمرِو بنِ نُفيل فقال: "يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أُمَّةً وَحْدَه" (٩). وسئل عن أبي طالب [هل تَنْفَعُهُ نُبوَّتُك؟] فقال: " [نعم] أخْرَجَتْهُ من غَمْرَةٍ من جهنم إلى ضَحْضَاح منها". وسئل عن خَدِيجة - لأنَّها ماتَتْ قَبْلَ الفَرَائِضِ وأحكامِ القرآن - فقال: "أبْصَرْتُها على نَهَرٍ في الجنَّة، في بيتٍ من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب". إسنادٌ حَسَنْ (١٠)، ولبعضه شواهِدُ في الصَّحِيح. واللّه أعلم.

стр. 1172

وقال الحافظ أبو بكر البزَّار (١): حَدَّثَنَا عُبيد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا وَرَقَة، فإني رأيتُ له جنَّةً أو جنَّتَيْنِ". وكذا رواه ابنُ عساكر (٢) من حديث أبي سعيد الأشجّ، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ وهذا إسنادٌ جيد. ورُوي مرسلًا، وهو أشبه. وروى الحافظان: البيهقيّ وأبو نُعيم في كتابيهما "دلائل النبوة" (٣)، من حديث يونس بن بُكير، عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، أنَّ رسول الله ﷺ -قال لخديجة: "إني إذا خلَوْتُ وحدي سمعتُ نداءً، وقد خَشِيت واللّه أنْ يكون لهذا أمر". قالت: معاذَ اللَّه، ما كان ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لَتُؤَدِّي الأمانة، وتصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُق الحديث، فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله ﷺ ثم ذكرتْ له خديجةُ، فقالت: يا عَتِيق (٤)، اذهبْ مع محمدٍ إلى وَرَقة. فلما دخل رسولُ اللَّه ﷺ أخذ بيده أبو بكر فقال: انطلقْ بنا إلى ورقة. قال: "ومنْ أخبرك؟ " قال: خديجة، فانطلقا إليه فقصَّا عليه. فقال رسول الله ﷺ : "إني إذا خلوتُ وحدي سمعتُ نداء خَلْفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلقُ هاربًا في الأرض". فقال له: لا تفعلْ، إذا أتاك فاثْبُتْ، حتَّى تسمعَ ما يقولُ لك، ثم ائْتني فأخْبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد قُلْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قُلْ لا إله إلا الله. فأتى وَرَقَة، فذكرَ له ذلك، فقال له ورقة: أبْشِرْ، ثم أبشر. فانا أشهدُ أنك الذي بشَّرَ بك (٥) ابنُ مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبيٌّ مُرسل، وأنَّك ستؤمر بالجهاد بعد يومِك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدَنَّ معك. فلما توفي [ورقة] قال رسولُ الله ﷺ : "لقد رأيتُ القَسَّ في الجنة عليه ثياب الحرير (٦)، لأنه آمن بي وصدَّقني" يعني ورقة. هذا لفظ البيهقي، وهو مرسل، وفيه غرابة، وهو كونُ الفاتحةِ أولَ ما نزل، وقد قدَّمنا من شعره ما يدلُّ على إضمارِهِ الإيمان وعَقْدِهِ عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجةُ ما كان من أمره مع

стр. 1173

غلامها ميسرة، وكيف كانت الغمامة تظلِّلُه في هَجير القَيْظ. فقال ورقةُ في ذلك أشعارًا قدَّمناها قبل هذا، منها قوله: [من الوافر] لَجِجْتُ وكنتُ في الذّكرى لَجُوجًا … لأمرٍ طالما بعث النَّشِيجا ووصفٍ من خديجةَ بعدَ وصفٍ .... فقد طالَ انتظاري ياخَديجا ببطنِ المكَّتَيْنِ على رجائي … حديثَكِ أنْ أرى منهُ خُروجا بما خبَّرْتِنا من قولِ قَسٍّ … من الرُّهْبان أكرهُ أنْ يَعُوجا بأنَّ محمدًا سيسودُ قومًا … ويَخْصِمُ مَنْ يكونُ له حَجيجا ويُظهرُ في البلادِ ضياءَ نورٍ … يقيمُ به البريَّةَ أنْ تَعُوجا (١) ويلقى مَنْ يُحاربُهُ خَسارًا .... ويَلقى مَنْ يسالمه فُلُوجا (٢) فيا ليتي إذا ما كانَ ذاكم … شَهِدتُ وكنتُ أوَّلَهُم وُلُوجا ولو كانَ الذي كرهتْ قريشٌ … ولو عَجَّتْ بمكَّتِها عَجيجا أُرَجِّي بالذي كرهوا جَميعًا … إلى ذي العرشِ إذ سَفَلُوا عُروجا فإن يَبْقَوا وأبْقَ تكنْ أمورٌ .... يَضِجُّ الكافرونَ لها ضَجِيجا (٣) وقال أيضًا في قصيدته الأخرى: [من الطويل] وأخبارِ صدقٍ خَبَّرَتْ عن محمدٍ … يخبِّرُها عنهُ إذا غابَ ناصحُ بأنَّ ابنَ عبدِ الله أحمدَ مرسلٌ … إلى كلِّ من ضُمَّتْ عليه الأباطح وظنِّي به أنْ سوفَ يُبْعَثُ صادِقًا … كما أُرسِلَ العَبْدانِ هودٌ وصالح وموسى (٤) وإبراهيمُ حتَّى يُرى له … بهاءٌ ومنشورٌ من الذِّكْر (٥) واضح ويتبعُه حيَّا لؤيِّ بنِ غالب (٦) … شبابُهمُ والأشْيَبُونَ الجحاجح فإنْ أبقَ حتَّى يدركَ الناسُ دهرَهُ … فإني إذًا مستبشرُ الودِّ فارحُ وإلا فإني يا خديجةُ فاعلمي … عن ارضِكِ في الأرضِ العَرِيضة سائح (٧)

стр. 1174

وقال يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال ورَقَة (١): [من الطويل] فإنْ يكُ حقًّا ياخديجةُ فاعلمي … حديثُكَ إيَّانا فأحمدُ مرسَلُ وجبريلُ يأتيه وميكالُ معْهُما .... من اللّهِ وحيٌ يشرحُ الصَّدْرَ مُنْزَل يفوزُ به مَن فازَ فيها بتوبةٍ .... ويشقى به العاني الغريرُ المضلَّل (٢) فريقان منهمْ فِرْقة في جِنانِهِ … وأُخرى بأجْوازِ الجحيم تُغَلَّل (٣) إذا ما دَعوا بالويلِ فيها تتابعتْ … مقامعُ في هاماتهمْ ثمَّ تُشْعَلُ فسُبحانَ من يُهوِي الرياحَ بأمره .... ومن هو في الأيام ما شاءَ يفعل ومَن عرشُه فوق السمواتِ كلِّها .... وأقضاؤه (٤) في خَلْقِه لا تُبدَّل وقال ورقة أيضًا (٥): [من البسيط] يا لَلرِّجالِ وصَرْفِ الدهر والقدَرِ .... وما لشيءٍ قضاهُ اللهُ من غيرِ حتَّى خديجةُ تدعوني لأُخبرَها … أمرًا أراهُ سيأتي الناسَ من أُخُرِ وخبَّرَتْني بأمرٍ قد سمعتُ به … فيما مضى من قديم الدهرِ والعُصُر بأنَّ أحمدَ يأتيهِ ويخبرُه .... جبريلُ أنَّكَ مبعوثٌ إلى البَشَر فقلتُ علَّ الذي ترجينَ يُنجزُه … لكِ الإلهَ فرجِّي الخيرَ وانتظري وأرسليه إلينا كي نُسائلَهُ … عن أمرِهِ ما يرى في النوم والسَّهَر فقالَ - حين أتانا - مَنطقًا عَجَبًا … يَقِفُّ منه أعالي الجِلْدِ والشَّعَرِ إني رأيتُ أمينَ اللَّه واجَهَني .... في صورةٍ أُكملتْ من أعظم الصور ثم استمر فكاد (٦) الخوفُ يَذْعَرُني .... مما يسلِّم مِنْ حولي من الشجر فقلتُ ظنِّي وما أدري أيصدُقني … أنْ سوفَ يُبْعَثُ يتلو مُنْزَل السُّور وسوف أُنبيك (٧) إن أعلنتَ دعوتَهُم .... من الجهادِ بلا مَنٍّ ولا كَدَر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من "الدلائل" وعندي في صحتها عن ورقةَ نظر، واللّه أعلم. [وقال ابن إسحاق: حدّثني عبد الملك بن عبد اللَّه بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان

стр. 1175

واعية - عن بعض أهل العلم، أنَّ رسول اللَّه ﷺ حين أراد اللَّه كرامته وابتدأه بالنبوَّة، كان إذا خرج لحاجته أبْعَدَ حتَّى يحسر البيوت عنه (١)، ويُفضي إلى شعاب مكة وبُطونِ أوديتها، فلا يمرُّ بحجرٍ ولا شجر إلَّا قال: السلام عليك يا رسول الله. قال: فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إِلَّا الشجرَ والحجارة، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء اللَّه أن يمكثَ، ثمَّ جاءه جبريل ﵇ بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان] (٢). قال ابن إسحاق (٣): وحدّثني وَهْبُ بن كَيْسان مولى آلِ الزبير قال: سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ الزبير وهو يقول لِعُبيد بن عُمير بن قتادةَ اللَّيثي: حدَّثَنَا يا عُبيد كيف كان بُدُوُّ ما ابتُدئَ به رسولُ اللَّه ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل. قال: فقال عُبيد - وأنا حاضر، يحدِّثُ عبدَ اللَّه بنَ الزبير ومن عندَهُ من الناس -: كان رسول اللَّه ﷺ يجاور في حِرَاء في كلِّ سنةٍ شهرًا. قال: وكان ذلك مما تحنَّثُ (٤) به قريش في الجاهلية، والتحنُّث التبرُّر (٥). فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يُطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى جِوارَهُ من شهرِه ذلك، كان أولُ ما يبدأ به إذا انصرف من جِوارِه الكعبة، قبل أنْ يدخلَ بيتَه فيطوف بها سبعًا، أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يرجِعُ إلى بيته، حتَّى إذا كان الشهرُ الذي أراد اللَّه به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثَهُ فيها، وذلك الشهر رمضان، خرج إلى حِرَاء كما كان يخرج لجواره، ومعه أهلُه، حتى إذا كانتِ الليلةُ التي أكرمَهُ الله فيها برسالته، ورحِمَ العبادَ به (٦) جاءه جبريلُ بأمر الله تعالى. قال رسولُ الله ﷺ : "فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج" (٧) فيه كتاب فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت (٨)، ثم أرسلني فقال: اقرأْ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّني حتَّى ظننتُ أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما اقرأ؟ فقال: فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلتُ: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا اقتداءً منه أنْ يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. [العلق:١ - ٥] قال:

стр. 1176

فقرأتُها، ثم انتهى وانصرف عني وهببتُ من نَوْمي فكأنما كتب في قلبي كتابًا (١). قال فخرجتُ حتى إذا كنتُ في وسطٍ من الجبل، سمعتُ صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسولُ اللَّه وأنا جبريل. قال: فرفعتُ رأسي إلى السماء، فأنظر (٢)، فإذا جبريلُ في صورةِ رجلٍ صافٍّ قدمَيْه في أُفقِ السماء يقول: يا محمد أنت رسولُ اللَّه وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه. فما أتقدَّم وما أتأخر، وجعلتُ أصرِف وجهي عنه في آفاق السماء. فما أنظر في ناحيةٍ منها إلا رأيتُه كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدَّم أمامي وما أرجعُ ورائي حتَّى بعثَتْ خديجةُ رُسلَهَا في طلبي، فبلغوا [أعلى] (٣) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك؛ ثم انصرف عني. وانصرفتُ راجعًا إلى أهلي حتى أتيتُ خديجة فجلستُ إلى فَخذها مُضيفًا إليها (٤) فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رُسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشِرْ يا ابن العم واثْبُتْ، فوالذي نفسُ خديجةَ بيده، إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة. ثم قامتْ فجمعتْ عليها ثيابها، ثم انطلقتْ إلى ورقةَ بنِ نوفل، فأخبرتْهُ بما أخبرها به رسولُ اللَّه ﷺ فقال ورقة: قُدُّوس قدُّوس، والذي نفسُ ورقةَ بيدِه، لئن كنتِ صدقْتِني يا خديجة، لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنَّه لنبيُّ هذه الأمة، وقولي له فَلْيَثْبُتْ. فرجعتْ خديجةُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فأخبرتْه بقولِ ورقة، فلما قضى رسولُ الله ﷺ جِوارَهُ وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبةِ فطاف بها، فلَقِيَهُ ورقةُ بن نوفل وهو يطوفُ بالكعبةِ، فقال: يا ابنَ أخي، أخبرني بما رأيتَ وسمعت. فأخبره، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنَّكَ لنبيُّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموسُ الأكبرُ الذي جاء موسى، ولتكذَّبَنَهْ، ولتؤذَينَّهْ، ولتخرجَنَّهْ، ولتقاتَلنَّهْ، ولئن أنا أدركتُ ذلك اليوم لأنصرَنَّ الله نصرًا يعلمه. ثم أدنى رأسَهُ منه فقبَّل يا فُوخَه (٥)، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. وهذا الذي ذكره عُبيد بن عُمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعدَهُ من اليقظة كما تقدم من قولِ عائشة ﵂: فكان لا يرى رؤيا إلا جاءتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح (٦). ويحتمل أنَّ هذا المنام كان بعدَ ما رآه

стр. 1177

في اليقظة صبيحةَ ليلتئذ، ويحتمل أنه كان بعده بمدَّة. واللّه أعلم (١). وقال موسى بن عُقْبَة (٢)، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: وكان فيما بلغنا أولُ ما رأى يعني رسولَ الله ﷺ -أن اللّهَ تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها لامرأته خديجةَ فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرَها للتصديق، فقالت: أبشرْ فإنَّ اللَّه لم يصنعْ بك إلا خيرًا، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنَهُ شُقَّ، ثم غُسل وطُهِّر، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا واللّه خيرٌ فأبشرْ، ثم استعلَنَ له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلسٍ كريم مُعْجب، كان النبيُّ ﷺ يقول: "أجلسني على بساط كهيئةِ الدُّرْنوك (٣)، فيه الياقوت واللُّؤْلُؤ". فبشَّرَهُ برسالةِ اللّهِ ، حتَّى اطمأنَّ رسولُ الله ﷺ فقال له جبريل: اقرأ. فقال: كيف أقرأ؟ فقال: قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. قال: ويزعم ناسٌ أنَّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أولُ سورةٍ نزلَتْ عليه، واللّه أعلم. قال (٤): فقبل رسولُ اللَّه ﷺ رسالةَ ربِّه واتَّبع ما جاءه به جبريل من عند اللَّه، فلما انصرف مُنقلبًا إلى بيته، جعل لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا سلَّم عليه، فرجع إلى أهله مسرورًا موقنًا، قد رأى أمرًا عظيمًا، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتكِ التي كنتُ أُحدِّثُكِ أني رأيتُه في المنام؟ فإنَّهُ جبريلُ استعلَنَ إليّ، أرسله إليَّ ربِّي ". وأخبرها بالذي جاءَهُ من اللَّه وما سمع منه، فقالت: أبشرْ، فواللهِ لا يفعلُ اللَّه بك إلا خيرًا، واقْبَلِ الذي جاءك من أمرِ الله، فإنه حقّ، وأبشرْ، فإنَّكَ رسولُ اللَّه حقًّا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلامًا لعُتْبَةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس نصرانيًا من أهل نِينوى (٥)، يقال له عَدَّاس، فقالت له: يا عدَّاس، أُذَكِّرك باللّه إلا ما أخبرتني هل عندك علمٌ من جبريل، فقال: قدُّوسٌ قدُّوس، ما شأنُ جبريلَ يُذكَرُ بهذه الأرض التي أهلُها أهلُ الأوثان! فقالت: أخبرْني بعلْمك فيه: قال: فإنَّهُ أمينُ اللَّه بينه وبين النبيِّيْن، وهو صاحبُ موسى وعيسى ﵉. فرجعتْ خديجة من عنده، فجاءت ورقةَ بنَ نوفل، فذكرت له ما كان من أمر النبي ﷺ وما ألقاه إليه

стр. 1178

جبريلِ. فقال لها ورقة: يا بُنَيَّةَ أخي، ما أدري لعلَّ صاحبَكِ النبيُّ الذي ينتظرُ أهلُ الكتاب، الذي يجدونهُ مكتوبًا عندهم فى التوراةِ والإنجيل، وأُقسمُ باللّه لئن كان إيَّاه، ثم أظهر دعواهُ وأنا حيٌّ لأبْلينَّ اللّهَ في طاعةِ رسوله وحسنِ مؤازرته (١)، للصبر (٢) والنصر. فمات ورقةُ ﵀. قال الزهري: فكانت خديجة أولَ مَنْ آمن باللّه وصدَّق رسوله ﷺ . قال الحافظ البيهقي بعد إيرادِهِ ما ذكرنا (٣)؛ والذي ذُكر فيه من شَقِّ بطنه، يحتمل أن يكونَ حكاية منه لما صُنع به في صباه - يعني شقَّ بطنه عند حليمة - ويحتمل أن يكون شُقَّ مرَّةً أخرى ثم ثالثة حين عُرجَ به إلى السماء. واللّه أعلم. وقد ذكر الحافظُ ابن عساكر في ترجمةِ ورَقَة (٤) بإسناده إلى سليمان بن طَرْخان التَّيْميِّ قال: بلغَنا أنَّ الله تعالى بعث محمدًا رسولًا على رأسِ خمسينَ سنةً من بناءِ الكعبة (٥)، وكان أول شيء اختصَّهُ به من النبوَّة والكرامة رؤيا كان يراها، فقصَّ ذلك على زوجته خديجةَ بنت خُويلد، فقالت له: أبشرْ، فواللّه لا يفعَلُ اللّهُ بك إلا خيرًا. فبينما هو ذات يوم في حِرَاء، وكان يفرُّ إليه من قومِهِ إذْ نَزَل عليه جِبْريل، فدنا منه، فخافه رسولُ الله ﷺ مخافةً شديدة، فوضع جبريلُ يدَهُ على صدره ومن خلفه بين كتفَيْه. فقال: اللهم احْطُطْ وِزْرَه، واشرَحْ صدره، وطهِّرْ قلبه، يا محمد أبْشِرْ! فإنك نبيُّ هذه الأمة، اقرأْ. فقال له نبيُّ اللَّه وهو خائفٌ يُرْعَد: "ما قرأتُ كتابًا قطُّ ولا أُحْسِنُه، وما أكتبُ وما أقرأ" فأخذه جبريلُ فغتَّةُ غتًا شديدًا، ثم تركه ثم قال له: اقرأْ. فأعادَ عليه مثلَه، فأجلسه على بساطٍ كهيئةِ الدُّرْنُوك، فرأى فيه من صفائِهِ وحسنِه كهيئةِ اللُّؤلُؤِ والياقوت، وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ الآيات، ثم قال له: لا تخفْ يا محمد، إنَّكَ رسولُ اللَّه. ثم انصرف وأقبل على رسول اللَّه ﷺ همُّه فقال: "كيف أصنعُ وكيف أقولُ لقومي؟ " ثم قام رسولُ اللَّه ﷺ وهو خائف، فأتاه جبريل من أمامِه وهو في صورته (٦)، فرأى رسولُ اللَّه ﷺ أمرًا عظيمًا ملأ صَدْرَه، فقال له جبريل: لا تخَفْ يا محمد، جبريلُ رسولُ اللَّه، جبريلُ رسولُ اللَّه إلى أنبيائِهِ ورُسُله؛ فأيقنْ بكرامةِ اللَّه، فإنك رسولُ الله ﷺ ، فرجع رسولُ اللَّه ﷺ لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجر إلا هو ساجدٌ يقول: السلامُ عليك يا رسولَ اللَّه. فاطمأنَّتْ نفسُه، وعرفَ كرامةَ اللَّه إياه، فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرتْ ما بوجههِ من تغيُّر لونه، فأفزَعَها ذلك، فقامتْ إليه: فلما دنَتْ منه جعلتْ تمسَحُ عن وجهه

стр. 1179

وتقول: لعلك لبعض ما كنتَ ترى وتسمع قبلَ اليوم! فقال: "يا خديجة، أرأيت الذي كنتُ أرى في المنام، والصوتَ الذي كنتُ أسمع في اليَقَظة وأُهالُ منه، فإنَّهُ جبريلُ قد استعلن لي، وكلَّمني وأقرأني كلامًا فزِعْتُ منه، ثم عاد إليّ، فأخبرني أنِّي نبيُّ هذه الأمة، فأقبلتُ راجعًا فأقبلتُ على شجرٍ وحجارة، فقلْنَ: السلامُ عليكَ يا رسول اللَّه" فقالتْ خديجة: أبشرْ، فواللّهِ لقد كنتُ أعلم أنَّ اللَّه لنْ يفعلَ بك إلا خيرًا، وأشهدُ أنَّك نبيُّ هذه الأمةِ الذي تنتظرُهُ اليهود، قد أخبرني به ناصحٌ، غُلامي وبَحِيرَى الراهب (١)، وأمرني أن أتزوَّجَك منذُ أكثرَ من عشرين سنة. فلم تزَلْ برسولِ اللَّه ﷺ حتَّى طعِمَ وشرب وضحِك، ثم خرجتْ إلى الراهب وكان قريبًا من مكة، فلما دنتْ منه وعرفها قال: ما لكِ يا سيدةَ نساءَ قريش؟ فقالت: أقبلتُ إليك لتخبرَني عن جبريل، فقال: سبحان اللّهِ ربَّنَا القدُّوس! ما بالُ جبريلَ يُذكَرُ في هذه البلادِ التي يَعبُدُ أهلُها الأوثان؟ جبريلُ أمينُ اللّهِ، ورسُولُه إلى أنبيائه ورسُلِه، وهو صاحبُ موسى وعيسى. فعرفتْ كرامةَ اللّهِ لمحمد، ثم أتتْ عبدًا لِعُتْبَةَ بنِ ربيعةَ يقالُ له: عدَّاس، فسألَتْهُ، فأخبرها بمثلِ ما أخبرها به الراهب وأزيد، قال: جبريلُ كان مع موسى حين أَغْرَق اللهُ فِرْعَوْنَ وقومه، وكان معه حين كلَّمه اللَّه على الطُّور، وهو صاحبُ عيسى بن مريمَ الذي أيَّدَهُ الله به. ثم قامتْ من عنده فأتت ورقَةَ بنَ نوفل، فسألتْهُ عن جبريل، فقال لها مثلَ ذلك، ثم سألها: ما الخبر؟ فأحلفتهُ أنْ يكتُم ما تقولُ له، فحلف لها، فقالت له: إنَّ ابنَ عبد اللَّه ذكر لي - وهو صادق، أحلفُ باللّه ما كذَبَ ولا كُذِّبَ - أنه نزل عليه جبريلُ بحراء وأنه أخبره أنه نبيُّ هذه الأمة، وأقرأه آياتٍ أُرسل بها. قال: فَذُعِرَ ورقَةُ لذلك وقال: لئنْ كان جبريلُ قد استقرَّتْ قدماهُ على الأرض، لقد نزل على خيرِ أهل الأرض، وما نزل إلا على نبيّ، وهو صاحبُ الأنبياء والرسل، يُرْسله الله إليهم، وقد صدَّقْتُكِ عنه، فأرسلي إليَّ ابنَ عبد اللَّه أسأله وأسمعُ من قوله وأحدِّثُه، فإني أخافُ أنْ يكونَ غيرَ جبريل، فإنَّ بعضَ الشياطينِ يتشَبَّهُ به لِيُضِلَّ به بعضَ بني آدم ويفسِدَهم، حتَّى يصيرَ الرجلُ بعدَ العقلِ الرضيّ، مُدَلَّهًا مجنونًا. فقامت من عنده وهي واثقةٌ بالله أنْ لا يفعلَ بصاحبها إلَّا خيرًا، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخْبرتْهُ بما قال ورقَة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢) الآيات. فقال لها: "كلا والله، إنَّه لجبريل" فقالت له: أُحِبُّ أن تأتيَهُ فتخبرَه، لعل اللَّه أنْ يَهْدِيَه. فجاءَهُ رسولُ الله ﷺ فقال له ورقة: هذا الذي جاءك، جاءك في نورٍ أو ظُلْمة؟ فأخبره رسولُ اللّهِ ﷺ عن صفةِ جبريل وما رآه من عظمتِه وهيئتة (٣)، وما أوحاهُ إليه. فقال ورقة: أشهدُ أنَّ هذا جبريل، وأنَّ هذا كلامُ اللَّه، فقد أمرك

стр. 1180

بشيءَ تبلِّغُه قومَك وإنه لأمر نبوة، فإنْ أُدْرِكْ زمانَك أتَّبِعْك. ثم قال: أبشرِ ابنَ عبد المطلب بما بشَرك اللهُ به. قال: وفشا (١) قولُ ورقةَ وتصديقُه لرسولِ الله ﷺ فشقَّ ذلك على الملأ من قومه. قال وفَتَر الوحْي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكنَّ الله قلاهُ. فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما (٢). وقال البيهقي (٣): حَدَّثَنَا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو العباس، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الجبار، حَدَّثَنَا يونس، عن ابن إسحاق [قال:] حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزُّبير، أنه حدَّثه عن خديجةَ بنتِ خُويلد أنها قالت لِرسول اللهِ ﷺ فيما تُثَبِّتُهُ فيما أكرمه اللَّه به من نبوَّته: يا ابنَ عمّ، تستطيع أنْ تخبرَني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ فقال: "نعم" فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسولُ اله ﷺ عندها إذْ جاء جبريل فرآه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا خديجة، هذا جبريل" قالت: أتراهُ الآن؟ قال: "نعم" قالت: فاجْلِسْ إلى شِقِّي الأيمن، فتحوَّل فجلس، فقالت: أتراه الآن؟ قال: "نعم" قالت: فتحوَّلْ فاجلسْ في حِجْري فتحوَّل فجلس في حِجْرها، فقالت: هل تراهُ الآن؟ قال: "نعم" فتحسَّرَتْ رأسَها فشالَتْ خمارَها ورسولُ الله ﷺ جالسٌ في حجرها، فقالَتْ هل تراهُ الآن؟ قال: "لا" قالت: ما هذا بشيطان، إنَّ هذا الملكُ يا ابنَ عمّ، فاثْبُتْ وأبْشِرْ. ثم آمنتْ به وشهدت أنَّ ما جاء به هو الحقّ. قال ابن إسحاق (٤) فحدثتُ عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال: قد سمعتُ أمي فاطمةَ بنتَ الحسين تحدِّثُ بهذا الحديث عن خديجة، إلا أنِّي سمعتُها تقول: أدخلَتْ رسولَ الله ﷺ بينها وبين دِرْعِها فذهب عند ذلك جبريلُ ﵇. قال البيهقي (٥): وهذا شيءٌ كان من خديجةَ تصنَعُه تستَثْبِتُ به الأمر احتياطًا لدينها وتصديقًا، فأما النبي ﷺ فقد كان وَثِقَ بما قال له جبريلُ وأراه من الآيات التي ذكرناها مرَّةً بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه ﷺ تسليمًا. وقد قال مسلم في "صحيحه" (٦): حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير، حَدَّثَنَا إبراهيم بن طَهْمان، حدّثني سماكُ بن حَرْب عن جابر بن سَمُرَة ﵁. أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعرِفُ حجرًا بمكة كان يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبْعَث، إني لأعرفُهُ الآنَ". وقال أبو داود الطيالسي (٧): حدَّثَنَا سليمان بن معاذ، عن سِمَاك بن حَرْب، عن جابر بن سَمُرَة، أنَّ

стр. 1181

رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ بمكة لحجرًا كان يسلِّم عليّ لياليَ بُعثت، إني لأعرفُه إذا مرَرْتُ عليه". وروى البيهقي (١) من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيِّ الكبير، عن عباد بن عبد اللَّه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بمكة فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجرٌ ولا جبلٌ إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه. وفي رواية (٢): لقد رأيتُني أدخلُ معه الوادي، فلا يمرُّ بحجرٍ ولا شجير إِلَّا قال: السلام عليك يا رسول الله وأنا أسمعُه. فصل قال البخاري في روايتِهِ المتقدِّمة (٣): ثم فتر الوحْيُ حتَّى حزِن النبيُّ ﷺ فيما بلَغَنا حُزْنًا غدا (٤) منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهقِ الجبال، فكلما أوفى بِذِرْوَةِ جبل لكي يُلقي نفسَه تبدَّى لهُ جبريلُ فقال: يا محمد، إنَّك رسولُ الله حقًّا فيسكنُ لذلك جأْشُه وتَقِرُّ نفسُه، فيرجع، فإذا طالتْ عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذِرْوةِ جبل تبدَّى له جبريلُ، فقال له مثل ذلك. وفي الصحيحين (٥) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدِّث عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يحدِّث عن فترةِ الوَحْي قال: "فبينما أنا أمشي سمعتُ صوتًا منِ السماء، فرفعتُ بصري (٦) فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاء قاعدٌ على كُرْسيٍّ بين السماء فجُئِثْتُ (٧) منه فرَقًا (٨) حتَّى هَوَيْتُ إلى الأرض، فجئتُ أهلي فقلت: زَمِّلُوني زَمِّلُوني

стр. 1182

فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. قال: "ثم حَمِيَ الوحْيُ وتتابع. فهذا كان أولَ ما نزل من القرآنِ بعد فترة الوحي، لا مطلقًا، ذاك قوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقد ثبتَ عن جابر أنَّ أوَّلَ ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ واللائق حَمْلُ كلامِه ما أمكن على ما قلناه، فإنَّ في سياقِ كلامه ما يدلُّ على تقدُّم مجيء الملَكِ الذي عرفه ثانيًا بما عرفه به أولًا إليه. ثم قوله: يحدِّثُ عن فترة الوحي، دليلٌ على تقدُّم الوحي على هذا الإيحاء والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين (١) من حديث عليِّ بن المبارك، وعند مسلم عن (٢) الأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال: سألتُ أبا سَلَمة بنَ عبد الرحمن: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ قبلُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقال: سألتُ جابرَ بن عبدِ الله: أيُّ القرآنِ أُنزل قبلُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ فقال: قال رسولُ الله ﷺ : "إني جاورتُ بحِرَاء شهرًا، فلما قضَيْتُ جِوَاري نزلتُ فاستبطَنْتُ الوادي، فنُوديتُ، فنظرتُ بين يديَّ وخَلْفي وعن يميني وعن شِمالي فلم أر شيئًا، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء، فأخذَتْني رِعْدَة - أو قال وحشة (٣) - فأتيتُ خديجةَ، فأمرتُهم يُدَثِّروني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وقال في رواية (٤): "فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجَئِثْتُ منه". وهذا صريحٌ في تقدُّم إتيانِهِ إليه، وإنزالِهِ الوحيَ من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم. ومنهم من زعم أنَّ أولَ ما نزل بعد فترةِ الوحي سورة ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق (٥). وقال بعضُ القراء (٦): ولهذا كبَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ في أولها فرَحًا وهو قولٌ بعيد، يردُّه ما تقدَّم من روايةِ صاحِبَي الصحيح في أنَّ أولَ القرآنِ نزولًا بعد فترةِ الوحي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ولكنْ نزلتْ سورةُ والضحى بعد فترةٍ أُخرى كانت لياليَ يسيرة، كما ثبت في الصحيحَيْن (٧) وغيرهما من حديث الأسود بن

стр. 1183

قيس عن جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقمْ ليلةً أو ليلتَيْنِ أو ثلاثًا فقالت امرأة (١): ما أرى شيطانك إِلَّا تركك فأنزل اللَّه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وبهذا الأمر حصل الإرسالُ إلى الناس، وبالأول حصلتِ النبوة. وقد قال بعضُهم: كانت مدَّة الفترة قريبًا من سنتَيْن أو سنتين ونصفًا، والظاهر واللّه أعلم أنها المدَّةُ التي اقترن معه ميكائيل، كما قال الشعبي وغيرُه (٢)، ولا ينفي هذا تقدُّم إيحاءِ جبريل إليه أولًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم [حصلتِ الفترةُ التي اقترن معه ميكائيل، ثم] (٣) اقترن به جبريلُ بعد نزولِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثم حَمِيَ الوَحْيُ بعدَ هذا وتتابع - أي: تدارك شيئًا بعد شيء - وقام حينئذٍ رسول الله ﷺ في الرسالة أتمَّ القيام، وشمَّرَ عن ساقِ العَزْم، ودعا إلى الله القريبَ والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذٍ كل لبيبٍ مُجيبٍ (٤) سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبارٍ عنيد، فكان أولَ من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكرٍ الصديق، ومن الغلمان على بن أبي طالب، ومن النساء خَديجةُ بنتُ خُويلد زوجتُه ﵇، ومن الموالي مولاه زيد بنُ حارثةَ الكلبي ﵃ وأرضاهم. وتقدَّم الكلام على إيمانِ ورَقَةَ بنِ نوفل بما وَجَدَ من الوحي (٥)، ومات في الفترة ﵁. فصل (٦) في منع الجانّ ومَرَدةِ الشياطين من استراقِ السَّمْعِ حين أُنزل القرآن لئلا يختطف أحد منهم ولو حرفًا واحدًا فيلقيه على لسان وليِّهِ فيلتبس الأمر ويختلط الحقّ فكان من رحمةِ الله وفضله ولطفه بخلقه أنْ حجَبَهم عن السماء، كما قال اللَّه تعالى إخبارًا عنهم في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:٨ - ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].

стр. 1184

قال الحافظ أبو نعيم (١): حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد - وهو الطبراني - حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا محمد بن يوسف الفِرْيابي، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان الجنُّ يصعَدُون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمةَ زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكونُ حقًّا، وأمَّا ما زادوا فيكون باطلًا، فلما بُعث النَّبِيُّ ﷺ مُنعوا مقاعِدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكنِ النجومُ يُرْمَى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: هذا لأمرٍ قد حدث في الأرض، فبعث جنودَه فوجدوا رسول الله قائمًا يصلِّي بين جبلَيْن، فأتوْه فأخبروه فقال: "هذا الأمْرُ الذي قد حَدَث في الأرض". وقال أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق رسولُ الله ﷺ وأصحابه عامدين إلى سُوق عكاظ، وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلَتْ عليهم الشُّهُب، فرجعتِ الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيلَ بيننا وبين خبرِ السماء، وأُرسلت علينا الشُّهُب، فقالوا: ما ذاك إلا من شيءٍ حدَث، فاضْرِبُوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، [فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها] (٢)، فمرَّ النَّفَرُ الذين أخذوا نحو تهامة - وهو بنَخْل (٣) - عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وهو يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبرِ السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١، ٢]. فأوحى الله إلى نبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] الآية. أخرجاه في الصحيحيْن (٤). وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٥): حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: إنه لم تكن قبيلةٌ من الجِنِّ إلا ولهم مقاعدُ للسمْع، فإذا نزل الوحي سمعتِ الملائكة صوتًا كصوتِ الحديدة ألقيتها على الصَّفَا، قال: فإذا سمعتْه (٦) الملائكةُ خَرُّوا سجَّدًا فلم يرفعوا رؤوسَهُمْ

стр. 1185

حتَّى ينزل، فإذا نزل قال بعضُهم لبعض: ماذا قال ربُّكم؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا: الحق وهو العليُّ الكبير، وإنْ كان مما يكون في الأرض من أمر الغَيْبِ أو موتٍ أو شيءٍ مما يكون في الأرض تكلَّموا به فقالوا: يكون كذا وكذا، فتسمَعُه الشياطين فينزلونه على أوليائهم، فلما بُعث النبيُّ محمد ﷺ دُحِروا بالنجوم، فكان أولَ مَنْ علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه، فيذبح كل يومٍ شاة وذو الإبل ينحَرُ (١) كل يومٍ بعيرًا، فأسرع الناس في أموالهم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإنْ كانت النجومُ التي يُهتدَى بها، وإلَّا فإنه لأمرٍ حدث. فنظروا فإذا النجومُ التي يُهتدى بها كما هي لم يَزُلْ منها شيء (٢)، فكفُّوا، وصرف اللَّه الجِنَّ، فسمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا. وانطلقتِ الشياطين إلى إبليسَ فأخبروه، فقال: هذا حدَثٌ حدَثَ في الأرض، فأْتُوني من كلِّ أرضٍ بتربة، فأتَوْهُ بتربةِ تهامة، فقال .. هاهنا الحدث. [ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب] (٣). وقال الواقدي: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمرو بن عبد اللَّه العبسي (٤)، عن كعب قال: لم يُرْمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتَّى تنبَّأ رسولُ الله ﷺ فرُمي بها، فرأت قريشٌ أمرًا لم تكن تراه، فجعلوا يُسَيِّبُونَ أنعامهم ويعتقون أرقَّاءَهم يظنُّون أنه الفَنَاء، فبلغ ذلك من فعلهم أهلَ الطائف ففعلتْ ثقيفٌ مثل ذلك، فبلغ عبدَ يا ليل بنَ عمرو ما صنعتْ ثقيف. قال: ولم فعلتُم ما أرى؟ قالوا: رُمي بالنجوم، فرأيناها تهافَتُ من السماء. فقال: إنَّ إفادةَ المال بعد ذهابه شديد، فلا تعجلوا وانظروا، فإنْ تكنْ نجومًا تُعرف فهو عندنا من فناء الناس، وإن كانت نجومًا لا تعرف فهو لأمر قد حدث. فنظروا فإذا هي لا تُعرف، فأخبروه فقال: الأمر فيه مُهْلَةٌ بعدُ، هذا عند ظهور نبي. فما مكثوا إلا يسيرًا حتَّى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله، فجاءَهُ عبدُ يا ليل فذاكره أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد اللَّه يدَّعي أنه نبيٌّ مرسل. فقال عبدُ يا ليل: فعند ذلك رُمي بها (٥). وقال سعيد بن منصور عن خالد، عن (٦) حصين، عن عامر الشعبي قال: كانت النجومُ لا يُرمى بها

стр. 1186

حتَّى بُعث رسول الله ﷺ فسيَّبوا أنعامَهم، وأعتقوا رقيفهم. فقال عبدُ يا ليل: انظروا، فإنْ كانتِ النجومُ التي تُعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهو لأمرٍ قد حدث. فنظروا فإذا هي لا تُعرف. قال: فأمسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتَّى جاءهم خروجُ النبيِّ ﷺ . وروى البيهقي (١) والحاكم من طريق العَوْفي عن ابن عباس قال: لم تكن سماءُ الدنيا تحرسُ في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهما وسلامه، فلعل مرادَ مَنْ نَفَى ذلك أنها لم تكنْ تُحْرَسُ حراسةً شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث (٢) من طريق عبد الرزاق، عن معمر عن الزُّهْري عن علي بن الحسين، عن ابن عباس ﵄: بينا رسولُ الله ﷺ جالسٌ إذْ رُمي بنجم فاستنار فقال: "ما كنتم تقولون إذا رُمي بهذا؟ " قال: كنا نقول: مات عظيم، وولد عظيم، فقال: "لا ولكن". فذكر الحديث كما تقدَّم عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق وللّه الحمد (٣). وقد ذكر ابن إسحاق في "السيرة" (٤) قصة رمي النجوم وذكر عن كبير ثَقِيف أنه قال لهم في النظر في النجوم: إنْ كانت أعلامُ السماء أو غيرها (٥)، ولكن سماه عمرو بن أمية. فاللّه أعلم. وقال السُّدِّي: لم تكن السماء تُحرس إلا أن يكونَ في الأرض نبيٌّ أو دِينٌ للهِ ظاهر، وكانتِ الشياطينُ قبل محمد ﷺ قد اتخذتِ المقاعد في سماءَ الدنيا، يستمعون ما يحدثُ في السماء من أمر، فلما بَعَثَ اللَّه محمدًا ﷺ نبيًّا رُجموا ليلة من الليالي، ففزِعَ لذلك أهلُ الطائف، فقالوا: هلك أهلُ السماء لما رأوا من شدَّةِ النار في السماء، واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقَّاءهم، ويُسَيِّبون مواشيَهم، فقال لهم عبدُ يا ليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهلِ الطائف أمسكوا عن أموالكم، وانظروا (٦) في معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة (٧) في أمكنتها فلم يهلك أهلُ السماء، وإنما هو (٨) من ابن أبي كبشة، وإنْ أنتم لم ترَوْها فقد أُهلك أهل السماء، فنظروا فرأوها، فكفُّوا عن أموالهم، وفزِعَتِ الشياطين في تلك الليلة، فأتَوا إبليس فقال: ائتوني من كلِّ أرضٍ بقبضةٍ من تراب. فأتَوْه، فشمَّ فقال: صاحبُكم بمكة. فبعث سبعةَ نفَرٍ من جِنِّ نَصِيبين، فقدموا مكة، فوجدوا رسولَ اللَّه ﷺ في المسجد الحرام يقرأُ القرآن،

стр. 1187

فدنَوْا منه حِرْصًا على القرآن حتَّى كادت كلاكِلُهم تصيبُه، ثم أسلموا، فأنزل الله أمْرَهم على نبيِّه ﷺ . وقال الواقدي (١): حدّثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم - يعني إسحاق - عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: لما بُعث رسولُ الله ﷺ -أصبح كلُّ صنم منكَّسًا، فأتت الشياطينُ فقالوا له: ما على الأرض من صنم إِلَّا وقد أصبح منكَّسًا. قال: هذا نبيٌّ قد بُعث، فالتمسوه في قرى الأرياف، فالتمسوه فقالوا: لم نجده. فقال: أنا صاحبه. فخرج يلتمسه، فنودي عليك بحَبَّةِ القلب (٢) - يعني مكة - فالتمسه بها فوجده بها عند قَرْن الثعالب (٣)، فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدتُه معه جبريل، فما عندكم؟ قالوا: نزيِّن الشهواتِ في أعْيُنِ أصحابه، ونحبِّبها إليهم قال: فلا آسى إذًا. وقال الواقدي (٤): حدّثني طلحةُ بن عمرو، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبَّأ فيه رسولُ اللَّه ﷺ مُنعتِ الشياطينُ من السماء، ورُموا بالشهب، فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك له، فقال: أمرٌ قد حدث، هذا نبيٌّ قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مَخْرَجَ بني إسرائيل. قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد. فقال إبليس: أنا صاحبُه فخرج في طلبه بمكة، فإذا رسولُ الله ﷺ بحِرَاء منحدرًا معه جبريل فرجع (٥) إلى أصحابه فقال: قد بُعث أحمد ومعه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحبِّبُها إلى الناس قال: فذاك إذًا. قال الواقدي (٦): وحدّثني طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي، فلما بُعث محمد ﷺ مُنعوا، فشكَوْا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فَرَقِيَ فوق أبي قُبيس - وهو أولُ جبلٍ وُضع على وجه الأرض - فرأى رسولَ اللَّه ﷺ يصلِّي خلف المقام، فقال: اذهب فاكسرْ عُنقه. فجاء يخطِرُ وجبريل عنده، فركضَه جبريل ركضةً طرحَهُ في كذا وكذا، فولَّى الشيطانُ هاربًا. ثم رواه الواقدي (٧) وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف، عن قيس بن سعد، عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال: فركضَهُ برجله فرماه بِعَدَن.

стр. 1188

فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ - قد تقدم كيفيةُ ما جاءَهُ جبريلُ في أول مرة، وثاني مرة أيضًا. وقال مالك (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنَّ الحارثَ بن هشام سأل رسولَ اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه، كيف يأتيك الوَحْيُ؟ فقال: "أحيانًا يأتيني مثلَ صَلْصَلَةِ (٢) الجرَس - وهو أشدُّهُ عليَّ - فيفصِمُ عني وقد وعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّلُ لي الملَكُ رجلًا يُكلِّمُني فأعِيَ ما يقول". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيتُه ﷺ ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديدِ البَرْد فيفصِمُ عنه وإنَّ جبينَهُ ليتفَصَّدُ عَرَقًا. أخرجاه في الصحيحَيْن من حديث مالكٍ به (٣). ورواه الإمام أحمد (٤) عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة به نحوه. وكذا رواه عَبْدَة بن سليمان، وأنس بن عياض، عن هشام بن عروة، وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال: سألتُ رسول الله ﷺ فقلت: كيف يأتيك الوحي؟ فذكره، ولم يذكر عائشة. وفي حديث الإفك (٥) قالت عائشة: فواللّه ما رام رسولُ اللَّه ﷺ ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتَّى أُنزل عليه، فأخَذَهُ ما كان يأخذُهُ من البُرَحَاء، حتَّى إنه كان يتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَان من العَرَق، وهو في يومٍ شاتٍ من ثقلِ الوحي الذي نزل عليه. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا عبدُ الرزاق، أخبرني يونس بن سُليم قال: أملى عليَّ يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن (٧) عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيّ: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: كان

стр. 1189

إذا نزل على رسولِ الله ﷺ الوَحْي، يُسمع عند وجهه [دَوِيٌّ] كدَوِيِّ النَّحْل، وذكر تمام الحديث في نزول ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]. وكذا رواه الترمذي والنسائي (١) من حديث عبد الرزاق، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ولا نعرفه. وفي صحيح مسلم وغيره (٢) من حديث الحسن، عن حِطَّانَ بنِ عبد اللَّه الرَّقاشي، عن عُبادة بن الصامت قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد وجهه - وفي رواية وغمض عينَيْه - وكنا نعرفُ ذلك منه. وفي الصحيحين (٣) حديث زيد بن ثابت حين نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [فلما شكا ابنُ أمِّ مَكْتُوم ضرارَتَه نزلت] (٤) ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: وكانت فخذُ رسولِ اللّه ﷺ على فَخِذي وأنا أكتب، فلما نزل الوحي كادَتْ فخِذُه تَرُضُّ فَخِذي. وفي صحيح مسلم (٥) من حديث همَّام بن يحيى، عن عطاء، عن يَعْلى بن أمية قال: قال لي عمر: أيَسُرُّك أنْ تنظُرَ إلى رسولِ الله ﷺ وهو يُوحَى إليه؟ فرفع [عمرُ] طرفَ الثوب عن وجهه وهو يُوحَى إليه بالجِعْرَانة (٦)، فإذا هو محمرُّ الوَجْه، وهو يَغِطُّ كما يَغِطُّ البَكْر (٧). وثبت في الصحيحَيْن (٨) من حديث عائشة لما نزل الحِجَاب، وأنَّ سَوْدَةَ خرجتْ بعد ذلك إلى المَنَاصِع (٩) ليلًا، فقال عمر: قد عرفناكِ يا سَوْدَة. فرجعتْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فسألَتْهُ وهو جالسٌ يتعشَّى

стр. 1190

والعَرْقُ في يدا (١)، فأوْحَى اللَّه إليه والعَرْفُ في يده، ثم رفع رأسه فقال: "إنَّهُ قد أُذِنَ لكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لحاجَتِكُنَّ". فدلَّ هذا على أنه لم يكنِ الوحْيُ يُغَيِّبُ عنه إحساسَهُ بالكُلِّيَّة، بدليلِ أنه جالس لم يسقُطْ ولم يسقطِ العَرْقُ أيضًا من يده صلواتُ اللَّه وسلامه دائمًا عليه. وقال أبو داود الطيالسي (٢): حدثنا عباد بن منصور، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أنزل (٣) عليه الوَحْي تربَّدَ لذلك جسدهُ ووجههُ، وأمسك عن أصحابه، ولم يكلِّمْه أحدٌ منهم. وفي مسند أحمد (٤) وغيره من حديثِ ابن لَهِيعة، حدّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد اللَّه بن عمرو قلت: يارسول الله، هل تُحِسُّ بالوَحْي؟ قال: "نعم، أسمع صَلاصِلَ ثم أسْبُتْ (٥) عند ذلك، وما من مرَّة يُوحَى إليَّ إلا ظننتُ أنَّ نفسي تَفِيضُ منه" (٦). وقال أبو يعلى المَوْصلي (٧): حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا عاصم بن كُليب، حدثنا أبي عن خاله الفَلَتَان (٨) في بن عاصم قال: كُنا عند رسول الله ﷺ وأُنزل عليه، وكان إذا أُنزل عليه دامَ بصَرُه، ومفتوحةً عيناه (٩)، وفرَّغَ سمعَهُ وقَلْبَهُ لما يأتيهِ من الله (١٠). وروى أبو نعيم (١١) من حديث قتيبة، حدثنا عليُّ بن غُرَاب، عن الأحوص بن حكيم، عن أبي

стр. 1191

عوانة (١)، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي صُدِّع، وغَلَّف رأسه بالحِنّاء. هذا حديث غريب جدًّا. وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شَهْرِ بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إني آخذةٌ بزمام العَضْباء ناقةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، إذْ نزلت (٣) عليه المائدةُ كلّها، وكادت من ثقلها تَدُن عَضُدَ الناقة. وقد رواه أبو نعيم (٤) من حديث الثوري عن ليث بن أبي سُليم به. وقال الإمام أحمدُ أيضًا (٥): حَدَّثَنَا حسن، حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، حدّثني حُيَيُّ (٦) بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: أُنْزلتْ على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تَحْمِله، فنزل عنها. وروى ابنُ مَرْدويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول: حدّثتني أمُّ عمرو عن عمها، أنه كان في مسيرٍ مع رسول اللَّه ﷺ فأُنزلتْ عليه سورةُ المائدة، فاندقَّ عُنق الراحلة من ثِقْلِها. وهذا غريبٌ من هذا الوجه (٧). ثمّ قد ثبت في الصحيحَيْن (٨) نزولُ سورةِ الفتح على رسول الله ﷺ مَرْجِعَهُ من الحُدَيبية، وهو على راحلته، فكأنَّه (٩) يكون تارة وتارة بحسب الحال. واللّه أعلم. وقد ذكرنا أنواع الوَحْي إليه ﷺ في أول شرح البخاري وما ذكره الحَليمي وغيره من الأئمة ﵃.

стр. 1192

فصل قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وكان هذا في الابتداء، كان ﵊ من شِدَّةِ حِرْصِه على أخْذِهِ من المَلَكِ ما يوحيه إليه عن الله ليساوقه في التلاوة، فأمرَهُ اللَّه تعالى أنْ يُنْصِتَ لذلك حتَّى يَفْرُغ من الوحي، وتكفَّلَ له أن يجمعَهُ في صدرِه، وأن يُيَسِّرَ عليه تلاوتَه وتبليغَه، واْن يُبَيِّنَهُ له، ويفسِّرَهُ ويوضِّحَه، ويُوقفَه على المرادِ منه. ولهذا قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي وأنْ تقرأهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي تَلاهُ عليكَ المَلَكُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي فاستمِعْ له وتدبَّرْهُ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهو نظيرُ قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وفي الصحيحين (١) من حديث موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعالجُ من التنزيلِ شدَّة، فكان يحرِّكُ شفتَيْه، فأنزلَ اللهُ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جَمْعَهُ في صدْرك، ثم تقرَأُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمعْ له وأنصتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: فكان إذا أتاه جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذهبَ قرأَهُ كما وعدَهُ اللَّه . فصل قال ابن إسحاق (٢): ثم تتابع الوحيُّ إلى رسولِ الله ﷺ وهو مصدِّقٌ بما جاءَهُ منه، قد قبله بقَبُوله، وتحملَ منه ما حمله على رضا العبادِ وسخطهم، وللنبوَّةِ أثقالٌ ومُؤْنة، لا يحملُها ولا يستضلعُ بها (٣) إلا أهلُ القوة والعَزْم من الرسل، بعون الله وتوفيقه، لما يَلْقَوْن من الناس، وما يُرَدُّ عليهم مما جاؤا به عن الله ، فمضى رسولُ الله ﷺ على ما أمر اللَّه، على ما يَلْقَى من قومه من الخلاف والأذى. قال ابن إسحاق (٤): وآمنتْ خديجةُ بنت خُويلد وصدَّقتْ بما جاءه من الله، ووازرَتْهُ على أمره، وكانت أوَّلَ مَنْ آمنَ باللّه ورسوله وصدَّق بما جاء منه، فخفَّفَ اللَّه بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئًا

стр. 1193

يكرهه، مِن ردٍّ عليه، وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك، إلا فرَّج اللَّه عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفِّفُ عنه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس، رضي للّه عنها وأرضاها. قال ابن إسحاق (١): وحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُمرتُ أنْ أُبَشِّرَ خديجةَ ببيتٍ من قصَب، لا صَخَب فيه ولا نصَب". وهذا الحديث مخرَّجٌ في الصحيحَيْن (٢) من حديث هشام. قال ابنُ هشام: القصَب هاهنا: اللُّؤْلُؤ المجوَّف. قال ابن إسحاق (٣): وجعل رسولُ اللَّه ﷺ يذكر (٤) ما أنعم اللَّه به عليه وعلى العباد من النبوة سرًا إلى من يطمئن إليه من أهله. وقال موسى بن عقبة عن الزُّهْري: كانت خديجةُ أولَ من آمن باللّه وصدَّق رسوله، قبل أن تُفرَض الصلاة. قلت: يعني الصلواتِ الخمس ليلةَ الإسراء. فأمَّا أصْلُ الصلاة فقد وجب في حياةِ خديجةَ ﵂ كما سنبيِّنهُ. وقال ابن إسحاق (٥): وكانت خديجةُ أولَ من آمن باللّه ورسوله، وصدَّق بما جاء به. ثم إنّ (٦) جبريل أتى رسولَ اللَّه ﷺ حين افتُرضتْ عليه الصلاة فهمَزَ له بِعَقبه في ناحيةِ الوادي فانفجرتْ له عينٌ من ماء زَمْزَم، فتوضَّأ جبريلُ ومحمد ﵉، ثم صلَّى ركعتَيْن وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبيُّ ﷺ قد أقرَّ اللَّه عينَه، وطابتْ نفسُه، وجاءه ما يُحبُّ من اللَّه، فأخذ يدَ خديجة حتَّى أتى بها إلى العين، فتوضَّأ كما توضَّأ جبريل، ثم ركع ركعتَيْن وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصلِّيان سرًّا. قلت: صلاةُ جبريلَ هذه غيرُ الصلاة التي صلاها به عند البيت مرَّتيْن، فبيَّن له أوقاتِ الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فإنَّ ذلك كان بعد فرضيَّتها ليلة الإسراء، وسيأتي بيانُ ذلك إنْ شاء اللَّه وبه الثقة، وعليه التكلال (٧).

стр. 1194

فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة ﵃ قال ابن إسحاق (١): ثم إنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهم (٢) يصلِّيان، فقال علي: يا محمد ما هذا؟ قال: "دينُ الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رُسُلَه، فأدعوكَ إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وكفرٍ باللاتِ والعُزَّى" فقال علي: هذا أمْرٌ لم أسمعْ به قبل اليوم، فلستُ بقاضٍ أمرًا حتى أحدِّث به أبا طالب. فكره رسولُ الله ﷺ أنْ يُفشيَ عليه سرَّهُ قبل أن يستعلن أمْرُه. فقال له: "يا علي، إذ لم تُسْلِم (٣) فاكتُمْ". فمكث عليٌّ تلك الليلة، ثمَّ إنَّ الله أوقع في قلب عليٍّ الإسلامَ، فأصبح غاديًا إلى رسولِ الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضتَ عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : "تشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وتكفر باللاتِ والعُزَّى، وتبرأُ من الأنداد" ففعل عليٌّ وأسلم، ومكث يأتيه على خوفٍ من أبي طالب، وكتم عليٌّ إسلامه ولم يظهره. وأسلم ابنُ حارثة -يعني زيدًا- فمكثا (٤) قريبًا من شهر يختلف عليٌّ إلى رسول الله ﷺ ، وكان مما أنعم الله به على عليّ أنه كان في حَجْر رسولِ الله ﷺ قبل الإسلام. قال ابن إسحاق (٥): حدَّثني ابنُ أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: وكان من نعمة الله على عليّ أنَّ قريشًا أصابتهم أزْمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثيرة (٦)، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس -وكان من أيسر بني هاشم-: "يا عباس، إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترى من هذه الأزْمة، فانطلقْ حتى نخفِّفَ عنه من عياله" فأخذ رسولُ الله ﷺ عليًّا فضمَّهُ إليه، فلم يزلْ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيًا، فاتَّبَعَهُ عليٌّ وآمن به وصدَّقه. وقال يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق (٧): حدّثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي -من أهل الكوفة- حدّثني إسماعيلُ بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جدِّه عفيف -وكان عفيف أخا الأشعث بن

стр. 1195

قيس لأمه (١) - أنه قال: كنتُ امرأً تاجرًا، فقدمتُ مِنىً أيام الحجّ، وكان العباس بن عبد المطلب امرأً تاجرًا، فأتيتُه أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ يصلِّي، فقام تجاه الكعبة، ثم خرجتِ امرأةٌ فقامتْ تصلِّي، وخرج غلامٌ فقام يصلِّي معه، فقلت: يا عباس، ما هذا الدِّين؟ إنَّ هذا الدِّين ما ندري ما هو؟ فقال [العباس]: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أنَّ الله أرسله، وأنَّ كنوز كسرى وقيصر ستُفتح عليه، وهذه امرأته خديجةُ بنت خُويلد آمنتْ به، وهذا الغلام ابنُ عمِّه عليُّ بن أبي طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنتُ آمنت يومئذ، فكنت أكون ثانيًا. وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق (٢)، وقال في الحديث: إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ قريب منه، فنظر إلى السماء، فلما رآها قد مالت قام يُصلِّي. ثم ذكر قيامَ خديجةَ وراءه. وقال ابنُ جرير (٣): حدّثني محمد بن عبيد المحاربي، حدّثنا سعيد بن خُثيم، عن أسد بن عَبْدَةَ البجَلي، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف (٤). قال: جئت في (٥) الجاهلية إلى مكة، فنزلتُ على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلَّقتْ في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شابٌّ فرمى ببصره إلى السماء، ثمّ استقبل الكعبة فقام مستقبلَها، فلم يلبثْ حتى جاء غلامٌ فقام عن يمينه، فلم يلبثْ حتى جاءتِ امرأةٌ فقامتْ خلفهما، فركع الشابُّ، فركع الغلامُ والمرأة؛ فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة، فخرَّ الشابُّ ساجدًا فسجدا معه، فقلت: يا عباس، أمرٌ عظيم! فقال: أمر عظيم! فقال أتدري (٦) مَنْ هذا؟ فقلت: لا، فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، أتدري (٦) من الغلام؟ قلت: لا، قال: هذا عليُّ بن أبي طالب ﵁ أتدري (٦) مَنْ هذه المرأة التي خلفهما؟ قلتُ: لا، قال: هذه خديجةُ بنتُ خويلد زوجةُ ابنِ أخي، وهذا حدثني أنَّ ربَّك ربُّ السماء والأرض، أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايْمُ الله ما أعلم على ظهر الأرض كُلِّها أحدًا على هذا الدِّين غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن جرير (٧): حدّثني ابنُ حُميد، حدّثنا عيسى بن سَوادة بن الجَعْد، حدّثنا محمد بن المنكدِر
следующие страницы →