← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

عوانة (١)، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي صُدِّع، وغَلَّف رأسه بالحِنّاء. هذا حديث غريب جدًّا. وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شَهْرِ بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إني آخذةٌ بزمام العَضْباء ناقةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، إذْ نزلت (٣) عليه المائدةُ كلّها، وكادت من ثقلها تَدُن عَضُدَ الناقة. وقد رواه أبو نعيم (٤) من حديث الثوري عن ليث بن أبي سُليم به. وقال الإمام أحمدُ أيضًا (٥): حَدَّثَنَا حسن، حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، حدّثني حُيَيُّ (٦) بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: أُنْزلتْ على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تَحْمِله، فنزل عنها. وروى ابنُ مَرْدويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول: حدّثتني أمُّ عمرو عن عمها، أنه كان في مسيرٍ مع رسول اللَّه ﷺ فأُنزلتْ عليه سورةُ المائدة، فاندقَّ عُنق الراحلة من ثِقْلِها. وهذا غريبٌ من هذا الوجه (٧). ثمّ قد ثبت في الصحيحَيْن (٨) نزولُ سورةِ الفتح على رسول الله ﷺ مَرْجِعَهُ من الحُدَيبية، وهو على راحلته، فكأنَّه (٩) يكون تارة وتارة بحسب الحال. واللّه أعلم. وقد ذكرنا أنواع الوَحْي إليه ﷺ في أول شرح البخاري وما ذكره الحَليمي وغيره من الأئمة ﵃.

стр. 1192

فصل قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وكان هذا في الابتداء، كان ﵊ من شِدَّةِ حِرْصِه على أخْذِهِ من المَلَكِ ما يوحيه إليه عن الله ليساوقه في التلاوة، فأمرَهُ اللَّه تعالى أنْ يُنْصِتَ لذلك حتَّى يَفْرُغ من الوحي، وتكفَّلَ له أن يجمعَهُ في صدرِه، وأن يُيَسِّرَ عليه تلاوتَه وتبليغَه، واْن يُبَيِّنَهُ له، ويفسِّرَهُ ويوضِّحَه، ويُوقفَه على المرادِ منه. ولهذا قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي وأنْ تقرأهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي تَلاهُ عليكَ المَلَكُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي فاستمِعْ له وتدبَّرْهُ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهو نظيرُ قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وفي الصحيحين (١) من حديث موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعالجُ من التنزيلِ شدَّة، فكان يحرِّكُ شفتَيْه، فأنزلَ اللهُ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جَمْعَهُ في صدْرك، ثم تقرَأُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمعْ له وأنصتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: فكان إذا أتاه جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذهبَ قرأَهُ كما وعدَهُ اللَّه . فصل قال ابن إسحاق (٢): ثم تتابع الوحيُّ إلى رسولِ الله ﷺ وهو مصدِّقٌ بما جاءَهُ منه، قد قبله بقَبُوله، وتحملَ منه ما حمله على رضا العبادِ وسخطهم، وللنبوَّةِ أثقالٌ ومُؤْنة، لا يحملُها ولا يستضلعُ بها (٣) إلا أهلُ القوة والعَزْم من الرسل، بعون الله وتوفيقه، لما يَلْقَوْن من الناس، وما يُرَدُّ عليهم مما جاؤا به عن الله ، فمضى رسولُ الله ﷺ على ما أمر اللَّه، على ما يَلْقَى من قومه من الخلاف والأذى. قال ابن إسحاق (٤): وآمنتْ خديجةُ بنت خُويلد وصدَّقتْ بما جاءه من الله، ووازرَتْهُ على أمره، وكانت أوَّلَ مَنْ آمنَ باللّه ورسوله وصدَّق بما جاء منه، فخفَّفَ اللَّه بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئًا

стр. 1193

يكرهه، مِن ردٍّ عليه، وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك، إلا فرَّج اللَّه عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفِّفُ عنه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس، رضي للّه عنها وأرضاها. قال ابن إسحاق (١): وحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُمرتُ أنْ أُبَشِّرَ خديجةَ ببيتٍ من قصَب، لا صَخَب فيه ولا نصَب". وهذا الحديث مخرَّجٌ في الصحيحَيْن (٢) من حديث هشام. قال ابنُ هشام: القصَب هاهنا: اللُّؤْلُؤ المجوَّف. قال ابن إسحاق (٣): وجعل رسولُ اللَّه ﷺ يذكر (٤) ما أنعم اللَّه به عليه وعلى العباد من النبوة سرًا إلى من يطمئن إليه من أهله. وقال موسى بن عقبة عن الزُّهْري: كانت خديجةُ أولَ من آمن باللّه وصدَّق رسوله، قبل أن تُفرَض الصلاة. قلت: يعني الصلواتِ الخمس ليلةَ الإسراء. فأمَّا أصْلُ الصلاة فقد وجب في حياةِ خديجةَ ﵂ كما سنبيِّنهُ. وقال ابن إسحاق (٥): وكانت خديجةُ أولَ من آمن باللّه ورسوله، وصدَّق بما جاء به. ثم إنّ (٦) جبريل أتى رسولَ اللَّه ﷺ حين افتُرضتْ عليه الصلاة فهمَزَ له بِعَقبه في ناحيةِ الوادي فانفجرتْ له عينٌ من ماء زَمْزَم، فتوضَّأ جبريلُ ومحمد ﵉، ثم صلَّى ركعتَيْن وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبيُّ ﷺ قد أقرَّ اللَّه عينَه، وطابتْ نفسُه، وجاءه ما يُحبُّ من اللَّه، فأخذ يدَ خديجة حتَّى أتى بها إلى العين، فتوضَّأ كما توضَّأ جبريل، ثم ركع ركعتَيْن وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصلِّيان سرًّا. قلت: صلاةُ جبريلَ هذه غيرُ الصلاة التي صلاها به عند البيت مرَّتيْن، فبيَّن له أوقاتِ الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فإنَّ ذلك كان بعد فرضيَّتها ليلة الإسراء، وسيأتي بيانُ ذلك إنْ شاء اللَّه وبه الثقة، وعليه التكلال (٧).

стр. 1194

فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة ﵃ قال ابن إسحاق (١): ثم إنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهم (٢) يصلِّيان، فقال علي: يا محمد ما هذا؟ قال: "دينُ الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رُسُلَه، فأدعوكَ إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وكفرٍ باللاتِ والعُزَّى" فقال علي: هذا أمْرٌ لم أسمعْ به قبل اليوم، فلستُ بقاضٍ أمرًا حتى أحدِّث به أبا طالب. فكره رسولُ الله ﷺ أنْ يُفشيَ عليه سرَّهُ قبل أن يستعلن أمْرُه. فقال له: "يا علي، إذ لم تُسْلِم (٣) فاكتُمْ". فمكث عليٌّ تلك الليلة، ثمَّ إنَّ الله أوقع في قلب عليٍّ الإسلامَ، فأصبح غاديًا إلى رسولِ الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضتَ عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : "تشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وتكفر باللاتِ والعُزَّى، وتبرأُ من الأنداد" ففعل عليٌّ وأسلم، ومكث يأتيه على خوفٍ من أبي طالب، وكتم عليٌّ إسلامه ولم يظهره. وأسلم ابنُ حارثة -يعني زيدًا- فمكثا (٤) قريبًا من شهر يختلف عليٌّ إلى رسول الله ﷺ ، وكان مما أنعم الله به على عليّ أنه كان في حَجْر رسولِ الله ﷺ قبل الإسلام. قال ابن إسحاق (٥): حدَّثني ابنُ أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: وكان من نعمة الله على عليّ أنَّ قريشًا أصابتهم أزْمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثيرة (٦)، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس -وكان من أيسر بني هاشم-: "يا عباس، إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترى من هذه الأزْمة، فانطلقْ حتى نخفِّفَ عنه من عياله" فأخذ رسولُ الله ﷺ عليًّا فضمَّهُ إليه، فلم يزلْ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيًا، فاتَّبَعَهُ عليٌّ وآمن به وصدَّقه. وقال يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق (٧): حدّثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي -من أهل الكوفة- حدّثني إسماعيلُ بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جدِّه عفيف -وكان عفيف أخا الأشعث بن

стр. 1195

قيس لأمه (١) - أنه قال: كنتُ امرأً تاجرًا، فقدمتُ مِنىً أيام الحجّ، وكان العباس بن عبد المطلب امرأً تاجرًا، فأتيتُه أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ يصلِّي، فقام تجاه الكعبة، ثم خرجتِ امرأةٌ فقامتْ تصلِّي، وخرج غلامٌ فقام يصلِّي معه، فقلت: يا عباس، ما هذا الدِّين؟ إنَّ هذا الدِّين ما ندري ما هو؟ فقال [العباس]: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أنَّ الله أرسله، وأنَّ كنوز كسرى وقيصر ستُفتح عليه، وهذه امرأته خديجةُ بنت خُويلد آمنتْ به، وهذا الغلام ابنُ عمِّه عليُّ بن أبي طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنتُ آمنت يومئذ، فكنت أكون ثانيًا. وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق (٢)، وقال في الحديث: إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ قريب منه، فنظر إلى السماء، فلما رآها قد مالت قام يُصلِّي. ثم ذكر قيامَ خديجةَ وراءه. وقال ابنُ جرير (٣): حدّثني محمد بن عبيد المحاربي، حدّثنا سعيد بن خُثيم، عن أسد بن عَبْدَةَ البجَلي، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف (٤). قال: جئت في (٥) الجاهلية إلى مكة، فنزلتُ على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلَّقتْ في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شابٌّ فرمى ببصره إلى السماء، ثمّ استقبل الكعبة فقام مستقبلَها، فلم يلبثْ حتى جاء غلامٌ فقام عن يمينه، فلم يلبثْ حتى جاءتِ امرأةٌ فقامتْ خلفهما، فركع الشابُّ، فركع الغلامُ والمرأة؛ فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة، فخرَّ الشابُّ ساجدًا فسجدا معه، فقلت: يا عباس، أمرٌ عظيم! فقال: أمر عظيم! فقال أتدري (٦) مَنْ هذا؟ فقلت: لا، فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، أتدري (٦) من الغلام؟ قلت: لا، قال: هذا عليُّ بن أبي طالب ﵁ أتدري (٦) مَنْ هذه المرأة التي خلفهما؟ قلتُ: لا، قال: هذه خديجةُ بنتُ خويلد زوجةُ ابنِ أخي، وهذا حدثني أنَّ ربَّك ربُّ السماء والأرض، أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايْمُ الله ما أعلم على ظهر الأرض كُلِّها أحدًا على هذا الدِّين غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن جرير (٧): حدّثني ابنُ حُميد، حدّثنا عيسى بن سَوادة بن الجَعْد، حدّثنا محمد بن المنكدِر

стр. 1196

وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي، قالوا: عليٌّ أوَّل من أسلم. قال الكلبي: أسلم وهو ابنُ تسعِ سنين. وحدّثنا (١) ابن حُميد، حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: أولُ ذَكَر آمنَ برسول الله ﷺ وصلَّى معه وصدَّقه عليُّ بنُ أبي طالب، وهو ابنُ عشر سنين، وكان في حَجْر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. قال الواقدي (٢): أخبرنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أسلم عليٌّ وهو ابنُ عشر سنين (٣). قال الواقدي (٤): وأجمع أصحابنا على أنَّ عليًا أسلم بعد ما تنبَّأَ رسولُ الله ﷺ بسنة. وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجةُ، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعليٌّ، وأسلم عليٌّ قبل أبي بكر، وكان عليٌّ يكتم إيمانه خوفًا من أبيه، حتى لَقِيَهُ أبوه قال: أسلمت؟ قال: نعم! قال: وازِرِ ابنَ عمك وانصُرْه. قال: وكان أبو بكر الصديق أولَ من أظهر الإسلام. وروى ابنُ جرير في تاريخه (٥) من حديث شعبة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أوَّلُ من صلَّى عليٌّ. وحدثنا عبد الحميد بن بحر (٦)، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر، قال: بُعث النبيُّ ﷺ يوم الاثنين، وصلى عليٌّ يوم الثلاثاء. وروى (٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة -رجلٍ من الأنصار- سمعتُ زيد بن أرقم يقول: أولُ من أسلم مع رسول الله ﷺ عليُّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُه للنَّخَعيِّ فأنكره وقال: أبو بكر أولُ من أسلم. ثم قال (٨): حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا العلاء، عن المنهال بن عمرو، عن عبَّاد بن عبد الله،

стр. 1197

سمعتُ عليًا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصِّدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذبٌ مُفْتَرٍ، صلَّيتُ مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين. وهكذا رواه ابن ماجَه (١)، عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن عُبيد الله بن موسى العَبْسي (٢) -وهو شيعيٌّ من رجال الصحيح -عن العلاء بن صالح الأزدي الكوفي- وثقوه، ولكن قال أبو حاتم: كان من عتْق (٣) الشيعة- وقال عليُّ بن المَديني: روى أحاديث مناكير. والمِنْهال بن عمرو ثقة، وأما شيخُه عباد بن عبد الله -وهو الأسدي الكوفي- فقد قال فيه عليُّ بن المَديني: هو ضعيفُ الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وذكره ابن حِبَّان في الثقات. وهذا الحديث منكر بكلِّ حال، ولا يقولُه عليٌّ ﵁، وكيف يمكن أنْ يصلِّيَ قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصوَّرُ أصلًا، والله أعلم. وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصدِّيق، والجمعُ بين الأقوال كلَّها أن خديجة أولُ من أسلم من النساء، وظاهر السياقات -وقبل الرجال أيضًا- وأولُ مَنْ أسلم من الموالي زَيْد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان عليُّ بن أبي طالب. فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذْ ذاك أهلَ البيت. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفعَ [من إسلام] (٤) من تقدَّم ذِكْرهم إذْ كان صدرًا معظَّما، ورئيسًا في قريش مكرَّمًا، وصاحبَ مال وداعيةً إلى الإسلام. وكان محبَّبًا متألَّفًا يبذلُ المالَ في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله. قال يونس عن ابن إسحاق (٥) ثمّ إنَّ أبا بكر الصديق لقي رسولَ الله ﷺ فقال: أحقٌّ ما تقول قريشٌ يا محمد؟ مِن تَرْكك آلهتنا، وتسفيهكَ عقولَنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى إني رسولُ الله ونبيُّه، بعثني لأُبَلِّغ رسالتَه، وأدعوكَ إلى الله بالحق، فوالله إنَّه للحَقُّ، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته" وقرأ عليه القرآن، فلم يُقِرَّ ولم يُنكر. فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأَقرَّ بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق.

стр. 1198

قال ابن إسحاق (١): حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما دَعْوتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانتْ عنده كَبْوَةٌ وتردُّدٌ ونظَر، إلا أبا بكر ما عَكَم عنه حين ذكرتُه، ولا تردَّد فيه". عكم: أي تَلَبَّثَ (٢). وهذا الذي ذكره ابنُ إسحاق في قوله: فلم يُقِرَّ ولم ينكرْ، فإنَّ ابنَ إسحاقَ وغيرَهُ ذكروا أنَّهُ كان صاحبَ رسول الله ﷺ قبل البعثة، وكان يعلم من صِدْقِه وأمانتِه وحسنِ سجيَّته وكرم أخلاقه، ما يمنعه من الكذب على الخَلْق. فكيف يكذبُ على الله؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له إنَّ الله أرسله بادر إلى تصديقِه ولم يتلعثم، ولا عَكَم، وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناهُ في سيرته، وأوردنا (٣) فضائله وشمائله وأتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضًا، وأوردنا ما رواه كلٌّ منهما عن النبيِّ ﷺ من الأحاديث، وما رُوي عنه من الآثار والأحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاثَ مجلدات، ولله الحمدُ والمِنَّة. وقد ثبت في صحيح البخاري (٤) عن أبي الدرداء في حديثِ ما كان بين أبي بكرٍ وعمر ﵄ من الخصومة، وفيه. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم كذبتَ، وقال أبو بكرٍ: صدَقَ. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا (٥) لي صاحبي؟ " فما أُوذي بعدها. وهذا كالنص على أنه أولُ من أسلم ﵁. وقد روى الترمذي وابنُ حبَّان (٦) من حديث شعبة عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن

стр. 1199

أبي سعيد، قال: قال أبو بكر الصدِّيقُ ﵁: ألستُ أحقَّ الناسِ بها، ألستُ أولَ منْ أسلم، ألستُ صاحبَ كذا؟ وروى ابنُ عساكر (١) من طريق بهلول بن عبيد، حدّثنا أبو إسحاق السَّبيعي عن الحارث، سمعتُ عليًّا يقول: أولُ من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلَّى مع النبي ﷺ من الرجال عليُّ بن أبي طالب. وقال شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرقم قال: أولُ من صلَّى مع النبي ﷺ أبو بكر الصدِّيق. رواه أحمد والترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسنٌ صحيح (٢). وقد تقدَّم روايةُ ابنِ جرير، من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم. قال: أولُ من أسلم عليُّ بن أبي طالب. قال عمرو بن مرة: فذكرتُه لإبراهيمْ النَّخعي فأنكره وقال: أولُ من أسلم أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ (٣). وروى الواقدي بأسانيده (٤) عن أبي أروى الدوسي وأبي سَلَمَة بنِ (٥) عبد الرحمن في جماعةٍ من السلف: أوَّلُ من أسلم أبو بكر الصدِّيق. وقال يعقوب بن سفيان (٦): حدّثنا أبو بكر الحميدي، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن مالك بن مغول، عن رجل قال: سئل ابنُ عباس: مَن أوَّلُ مَنْ آمن؟ فقال: أبو بكر الصدِّيق، أما سمعتَ قول حسَّان: إذا تذكَّرْتَ شَجْوًا من أخي ثقةٍ … فاذكُرْ أخاكَ أبا بكرٍ بما فَعلا خيرَ البريّةِ أوفاها وأعدَلَها … بعدَ النبيِّ وأولاها بما حَملا والتاليَ الثانيَ المحمودَ مَشَهَدُه … وأوَّلَ الناسِ منهم صدَّقَ الرُّسُلا

стр. 1200

عاشَ حميدًا لأمْرِ اللهِ متَّبعًا … بأمرِ صاحبِهِ الماضي وما انتَقَلا (١) وقد رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة (٢): حدّثنا شيخٌ لنا، عن مجالد، عن عامر قال: سألتُ ابنَ عباس -أو سئل ابنُ عباس- أيُّ الناس أولُ إسلامًا؟ قال: أما سمعتَ قولَ حسان بن ثابت؟ فذكره. وهكذا رواه الهيثمُ بنُ عدي عن مجالد، عن عامر الشعبي: سألتُ ابن عباس فذكره. وقال أبو القاسم البغوي (٣) حدّثني سُرَيج بن يونس، حدّثنا يوسف بن الماجشون (٤) قال: أدركتُ مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكُّون أنَّ أولَ القوم إسلامًا أبو بكر الصدِّيق رضي لله عنه. قلت: وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، ومحمدُ بن سيرين، وسعد بن إبراهيم، وهو المشهور عن جمهور أهل السنة. وروى ابنُ عساكر (٥) عن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن الحنفية، أنهما قالا: لم يكنْ أوَّلَهم إسلامًا، ولكن كان أفضلَهُمْ إسلامًا. قال سعد: وقد آمن قبله خمسة. وثبت في صحيح البخاري (٦) من حديث همَّام بن الحارث، عن عمار بن ياسر، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وما معه إلا خَمْسَةُ أعْبُدٍ وامرأتان وأبو بكر. وروى الإمام أحمد (٧) وابنُ ماجه (٨) من حديث عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال: أولُ من أظهر الإسلام سبعة: رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمَّار، وأمُّه سُمَيَّة، وصُهَيب، وبلال، والمِقْداد. فأمَّا رسولُ الله ﷺ فمنعَهُ اللهُ بعمِّه، وأمَّا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأمَّا سائرهم فأخذَهُم المشركون فألبسوهم أدْرَاعَ الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بِلالًا فإنَّهُ هانتْ عليه نفسُهُ في الله، وهانَ على قومه، فأخذوه، فأعْطَوْهُ الوِلْدَان فجعلوا يطوفونَ به في شعابِ مكةَ وهو يقول: أحدٌ أحَد. وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلًا.

стр. 1201

فأمَّا ما رواه ابنُ جرير قائلًا (١): أخبرنا ابنُ حُميد، حدّثنا كنانة بن جَبَلة (٢) عن إبراهيم بن طَهْمان عن حجَّاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أوَّلَكُم إسلامًا؟ قال: لا! ولقد أسلم قَبْلَهُ أكثرُ من خمسين، ولكن كانَ أفْضَلَنا إسلاما. فإنَّهُ حديثٌ منكر إسنادًا ومتنًا. قال ابنُ جرير (٣): وقال آخرون: كان أولَ من أسلم زيدُ بنُ حارثة. ثمّ روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب، سألتُ الزهري: مَن أولُ من أسلم من النساء؟ قال خديجة: قلت: فمن الرجال؟ قال: زيد بن حارثة. وكذا قال عروة وسليمانُ بنُ يسار، وغيرُ واحدٍ: أولُ من أسلم من الرجال زيد بن حارثة. وقد أجاب أبو حنيفة ﵁ بالجمع بين هذه الأقوال بأنَّ أولَ مَنْ أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان عليُّ بن أبي طالب، ﵃ أجمعين. قال محمد بن إسحاق (٤): فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله ، وكان أبو بكر رجلًا مَأْلفًا لقومه، مُحَبًّا (٥) سهلًا، وكان أنسبَ قريشٍ لقريش، وأعلم قريشٍ بما كان فيها من خير وشر؛ وكان رجلًا تاجرًا، ذا خُلُقٍ ومعروف، وكان رجالُ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحدٍ من الأمر، لعلمهِ وتجارتِه وحُسْنِ مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وَثِقَ به من قومه ممن يغشاهُ ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني الزُّبيرُ بنُ العوَّام، وعثمانُ بن عفَّان، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، وعبد الرحمنِ بنُ عوف، ﵃، فانطلقوا إلى رسولِ الله ﷺ ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحقِّ الإسلام (٦) فآمنوا، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام، فصدَّقوا (٧) رسولَ الله ﷺ وآمنوا بما جاء من عند الله. وقال محمد بن عمر الواقدي (٨): حدّثني الضحاك بن عثمان، عن مَخْرَمَة بنِ سليمان الوالبيّ، عن

стр. 1202

إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: قال طلحةُ بن عُبيد الله: حضرتُ سوق بصرى، فإذا راهبٌ في صَوْمعتِه يقول: سلوا أهلَ المَوْسِم، أفيهم رجلٌ من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلتُ: نعم! أنا، فقال: هل ظهر أحمدُ بعد؟ قلتُ: ومن أحمد؟ قال: ابن عبدِ الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرجُ فيه، وهو آخر الأنبياء، مَخْرَجُه من الحرَم، ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرَّةٍ وسباخ، فإياك أنْ تُسبَقَ إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجتُ سريعًا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حديث (١)؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين، قد تنبَّأ، وقد تبعه أبو بكرِ بنُ أبي قُحَافَة. قال: فخرجتُ حتى قدمت على أبي بكر، فقلت: أتبعتَ هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلقْ إليه فادخلْ عليه فاتبعْهُ، فإنه يدعو إلى الحقّ. فأخْبَرَهُ طلحةُ بما قال الراهب. فخرج أبو بكرٍ بطلحةَ فدخل به على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر رسولَ الله ﷺ بما قال الراهب، فسُرَّ بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفلُ بن خُويلد بن العَدَوِيَّة -وكان يُدْعَى أسَدَ قريش- فشدَّهما في حبلٍ واحد، ولم يمنَعْهما بنو تَيم، فلذلك سُمِّي أبو بكر وطلحةُ القرينَيْن. وقال النبي ﷺ : "اللَّهم اكْفِنا شرَّ ابنِ العدَوِيَّة" رواه البيهقي (٢). وقال الحافظ أبو الحسن خيثمةُ بن سليمان الأطرابُلسي (٣): حدّثنا عُبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المَصِّيصة (٤)، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن عُبَيْد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدّثني أبي عبيد الله، حدّثني عبد الله بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: حدّثني أبي محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشةَ ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسولَ الله ﷺ وكان له صديقًا في الجاهلية، فلقيه فقال: يا أبا القاسم، فقدتَ من مجالس قومك، واتَّهموك بالعيبِ لآبائها وأمهاتها. فقال رسولُ الله ﷺ : "إني رسولُ الله أدعوك إلى الله" فلما فرغ [رسولُ الله ﷺ من] كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشبين أحدٌ أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر، ومضى أبو بكرٍ فراح لعثمان (٥) بن عفَّان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان (٦) بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا ﵃.

стр. 1203

قال عبد الله بن محمد: فحدّثني أبي محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: لما اجتمع أصحابُ النبي ﷺ وكانوا ثمانيةً وثلاثين رجلًا ألحَّ أبو بكرٍ على رسولِ الله ﷺ في الظُّهور، فقال: "يا أبا بكر إنَّا قليل". فلم يزلْ أبو بكر يلحُّ حتى ظهر رسولُ الله ﷺ وتفرَّق المسلمون في نواحي المسجد، كلُّ رجلٍ في عشيرته، وقام أبو بكرٍ في الناس خطيبًا ورسولُ الله ﷺ جالس، فكان أوَّلَ خطيبٍ دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبي بكرٍ وعلى المسلمين، فضُربوا في نواحي المسجد ضربًا شديدًا ووُطئ أبو بكر وضُرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفَتَيْن (١) ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يُعرف وجهه من أنفه وجاءت بنو تَيْم يتعادَوْن، فأجلتِ المشركينَ عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكرٍ في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكُّون في موته، ثمّ رجعتْ بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلنَّ عتبة بن ربيعة. فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلّم آخر النهار فقال: ما فعل رسولُ الله ﷺ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أُمِّ الخير: انْظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلَتْ به ألحَّتْ عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أمِّ جميل بنتِ الخطَّاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أمَّ جميل، فقالت: إنَّ أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنتِ تُحبِّينَ أنْ أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعًا دَنِفًا، فدنت أمُّ جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إنَّ قومًا نالوا هذا منك لأهلُ فسقٍ وكُفْر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمُّك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها (٢). قالت: سالمٌ صالح. قال: فأين هو؟ قالت: في دار أبي (٣) الأرقم. قال: فإنَّ لله عليَّ أنْ لا أذوقَ طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله ﷺ . فأمهلتا حتى إذا هدأتِ الرِّجل، وسكن الناس، خرجتا به يتَّكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسولِ الله ﷺ ، قال: فأكبَّ عليه رسولُ الله ﷺ فقبَّله وأكبَّ عليه المسلمون، ورقَّ له رسولُ الله ﷺ رقَّةً شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي بَرَّةٌ بوالديها (٤)، وأنت مبارك فادْعُها إلى الله وادْعُ الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسولُ الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمتْ، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرًا هم تسعةٌ وثلاثون رجلًا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضُرب

стр. 1204

أبو بكر، فدعا رسولُ الله ﷺ لعمر بن الخطاب -أو (١) لأبي جهل بن هشام- فأصبح عمر وكانتِ الدعوةُ يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، فكبَّرَ رسولُ الله ﷺ وأهلُ البيت تكبيرةً سُمعت بأعلى مكة، وخرج أبو الأرقم -وهو أعمى كافر- وهو يقول: اللهمَّ اغفرْ لبني عبد (٢) الأرقم فإنَّه كفر. فقام عمر فقال: يا رسول الله، على ما نُخفي دينَنا ونحن على الحق، ويَظْهر دينُهم وهم على الباطل؟ قال: "يا عمر إنَّا قليل قد رأيتَ ما لَقينا" فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق، لا يبقى مجلسٌ جلستُ فيه بالكفر إلا أظهرتُ فيه الإيمان، ثمّ خرج، فطاف بالبيت، ثمّ مرَّ بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبَوْت؟ فقال عمر: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله. فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل أصبعَيْه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحَّى الناس، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا (٣) منه، حتى أعجز الناس. واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيُظهِرُ الإيمان، ثمّ انصرف إلى النبيِّ ﷺ وهو ظاهرٌ عليهم فقال: ما عليك (٤) بأبي وأمي، والله ما بقي مجلسٌ كنتُ أجلسُ فيه بالكفر إلا أظهرتُ فيه الإيمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسولُ الله ﷺ وخرج عمرُ أمامه، وحمزةُ بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلَّى الظُّهْر مؤمنًا (٥)، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده [فصلَّى]، ثم انصرف إلى النبيِّ ﷺ . والصحيح أنَّ عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إنْ شاء الله. وقد استقصَيْنا كيفية إسلام أبي بكرٍ وعمر ﵄ في كتاب سيرتهما على انفرادِها، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد. وثبت في صحيح مسلم (٦) من حديث أبي أمامة، عن عمرو بنِ عَبَسَةَ السُّلَميِّ ﵁ قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ في أوَّلِ ما بُعث وهو بمكة، وهو حينئذٍ مُستخفي (٧)، فقلت: ما أنت؟ قال: "أنا نبيّ" فقلت: وما النبيّ؟ قال: "رسولُ الله" قلت: الله أرسلك؟ قال: "نعم". قلت: بما أرسلك؟ قال: "بأن تعبدَ الله وحده [وحده لا شريك له] (٨) وتكسر الأصنام، وتوصل (٩) الأرحام" قال

стр. 1205

قلت: نِعْمَ ما أرسلكَ به! فمن معك على هذا؟ قال: حُرٌّ وعَبْد -يعني أبا بكر وبلالًا-[قال: فكان عَمْرٌو يقول: لقد رأيتُني وأنا رُبُعُ الإسلام] (١) قال: فأسلمت، قلت: فأتبعُكَ يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكنِ الْحَقْ بقومك، فإذا أُخبرتَ أنِّي قد خرجتُ فاتبعْني". ويقال: إنَّ معنى قوله ﵇ "حُرٌّ وعبد" اسم جنس، وتفسير ذلك بأبي بكرٍ وبلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعةٌ قد أسلموا قبل عمرو بن عَبَسة، وقد كان زيدُ بن حارثة أسلم قبل بلال أيضًا، فلعلَّه أخبر أنه رُبُع الإسلام بحسَبِ علمه، فإنَّ المسلين كانوا إذ ذاك يستترون (٢) بإسلامهم، لا يطَّلع على أمرهم كثيرُ أحدٍ من قراباتهم، دع الأجانب، دعْ أهل البادية من الأعراب والله أعلم. وفي صحيح البخاري (٣) من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم، عن سعيد بن المُسَيِّب قال: سمعتُ سعدَ بن أبي وقَّاصٍ يقول: ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه، ولقد مكثتُ سبعةَ أيام، وإني لَثُلُثُ الإسلام. أمَّا قول: ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه فسهل، ويُروى إلا في اليوم الذي أسلمتُ فيه، وهو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقْهُ أحدٌ بالإسلام. وقد علم أنَّ الصدِّيق وعليًا وخديجة وزيدَ بنَ حارثةَ أسلموا قبله، كما قد حَكَى الإجماعَ على تقدُّم إسلام هؤلاء غَيْرُ واحد، منهم ابنُ الأثير. ونص أبو حنيفةَ ﵁ على أنَّ كلًّا من هؤلاء أسلم قبل أبناءِ جنسه. والله أعلم. وأما قولُه: ولقد مكثتُ سبعة أيام وإنِّي لَثُلُث الإسلام، فمشكل، وما أدري على ماذا يُوضع عليه إلا أن يكونَ أخبر بحسَب ما عَلِمه، والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسيّ (٤): حدّثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله -وهو ابنُ مسعود- قال: كنتُ غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبةَ بن أبي مُعيط بمكة. فأتى عليَّ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر -وقد فرَّا من المشركين- فقال -أو فقالا-: "عندك يا غلام لبنٌ تسقينا؟ " قلت: إني مؤتمَن، ولستُ بساقيكما. فقال: "هل عندك من جَذَعَةٍ (٥) لم يَنْزُ عليها الفحلُ بعد؟ قلت: نعم. فأتيتُهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسولُ الله ﷺ الضَّرْعَ ودعا، فَحفِلَ الضَّرْع، وأتاه أبو بكر بصخرةٍ مُنْقَعِرَة (٦)، فحَلَبَ فيها ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سَقَياني، ثم قال للضرع: "اقْلِصْ" فَقَلَص، فلما كان بعدُ،

стр. 1206

أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: علِّمني من هذا القولِ الطيِّب -يعني القرآن- فقال: "إنك غلامٌ مُعَلَّم" فأخذت من فيهِ سبعينَ سورةً ما يُنازعُني فيها أحد. وهكذا رواهُ الإمام أحمد (١)، عن عفَّان، عن حماد بن سلمة به. ورواه الحسن بن عَرَفَة عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النَّجُود (٢) به. وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عبد الله بن بُطَّةَ (٤) الأصبهاني، حدّثنا الحسن بن الجَهْم، حدّثنا الحسين بن الفرج، حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير، [عن أبيه -أو] (٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان- قال: كان إسلامُ خالد بن سعيد بن العاص قديمًا، وكان أولَ إخوته أسلم، وكان بُدُوُّ إسلامه أنه رأى في المنام أنه وُقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به، ويرى في النوم كأنَّ أباه (٦) يدفعه فيها، ويرى رسولَ الله ﷺ آخذًا بحَقْوَيْه لا يقع، ففزع من نومه فقال: أحلف بالله إنَّ هذه لرؤيا حقّ؛ فَلَقِيَ أبا بكر بن أبي قُحافة، فذكر ذلك له، فقال: أُريدَ بك خير، هذا رسولُ الله ﷺ فاتَّبعه، فإنك ستتبعُه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يَحْجُزكَ أنْ تدخلَ فيها، وأبوك واقعٌ فيها، فلقي رسولَ الله ﷺ وهو بأجْياد، فقال: يا رسولَ الله، يا محمد، إلى ما (٧) تدعو؟ قال: "أدعوك (٨) إلى الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وتخلعَ ما أنت عليه من عبادةِ حجرٍ لا يسمع ولا يُبصر ولا يضُرّ ولا ينفع، ولا يدري من عَبَدَهُ ممن لا يعبدُه". قال خالد: فإني أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّك رسولُ الله، فسُرَّ رسولُ الله ﷺ بإسلامه، وتغيَّب خالد، وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه، فأتي به، فأنَّبَهُ وضربه بمِقْرَعةٍ في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنَّكَ القُوت. فقال خالد: إنْ منعتني فإنَّ الله يرزقُني ما أعيش به. وانصرف إلى رسول الله ﷺ فكان يكرمه (٩) ويكون معه.

стр. 1207

ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ عمِّ النبيِّ ﷺ - قال يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق (١): حدّثني رجلٌ ممن أسلم -وكان واعية- أنَّ أبا جهل اعترض رسولَ الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكرهُ من العَيْب لدينه، فذُكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها ضربةً شجَّه منها شَجَّةً مُنْكَرةً، وقامت رجالٌ من قريش من بني مَخْزوم إلى حمزة لينصُروا أبا جهلٍ منه، وقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبَوْت؟ قال حمزة: ومَنْ يمنعني وقد استبانَ لي منه ما أشهد (٢) أنَّه رسولُ الله ﷺ وأنَّ الذي يقولُ حقّ، فوالله لا أنزعُ، فامنعوني إنْ كنتُم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًّا قبيحًا. فلما أسلم حمزة عرفتْ قريشٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ قد عزَّ وامتنع، فكفُّوا عما كانوا يتناولون منه. وقال حمزة في ذلك شعرًا (٣). قال ابن إسحاق (٤): ثم رجع حمزةُ إلى بيته، فأتاهُ الشيطانُ فقال: أنت سيِّدُ قريش أتَّبعْتَ هذا الصابئ وتركتَ دينَ آبائك، للْمَوْتُ خيرٌ لك مما صنعت. فأقبل على حمزةَ بَثُّهُ وقال: ما صنعت؟ اللهمَّ إنْ كان رُشْدًا فاجعلْ تصديقَهُ في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعتُ فيه مَخْرَجًا. فباتَ بليلةٍ لم يبتْ بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح، فغدا على رسولِ الله ﷺ فقال: يا ابن أخي إني قد وقعتُ في أمرٍ ولا أعرف المخرجَ منه، وإقامةُ مثلي على ما لا أدري ما هو، أرُشْدٌ أم هو غَيٌّ شديد؟ فحدِّثْني حديثًا فقد اشتهيتُ يا ابن أخي أنْ تحدِّثَني، فأقبل رسولُ الله ﷺ فذكرَهُ ووعَظَهُ، وخوَّفه وبشَّره، فألْقَى الله في قلبهِ الإيمان بما قال رسولُ الله ﷺ . فقال: أشهد أنك الصادقُ شهادةَ الصِّدْق، فأظْهِرْ يا ابن أخي دينَك، فوالله ما أُحبُّ أن لي ما أظلَّته السماء، وأني على دينيَ الأول. فكان حمزةُ ممن أعزَّ الله به الدين. وهكذا رواهُ البيهقيُّ (٥) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بُكير به.

стр. 1208

ذكر إسلام أبي ذَرٍّ ﵁ قال الحافظ البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدّثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدّثنا عبد الله بن الرومي، حدّثنا النضر بن محمد، حدّثنا عكرمة بن عمار عن أبي زُمَيل سِماك بن الوليد، عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ، قال: كنت رُبُعَ الإسلام، أسلم قبلي ثلاثةُ نفرٍ وأنا الرابع (٢)، أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرأيتُ الاستبشارَ في وجه رسول الله ﷺ . هذا سياقٌ مختصر. وقال البخاري: إسلام أبي ذَرّ (٣): حدّثنا عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن المثنى عن أبي جمْرَة (٤)، عن ابن عباس، قال: لما بلغ أبا ذر مبعثُ رسولِ الله ﷺ قال لأخيه: اركبْ إلى هذا الوادي فاعْلَمْ لي عِلْمَ هذا الرجلِ الذي يزعم أنه نبيٌّ يأتيه الخبَرُ من السماء، فاسمعْ من قولِهِ ثم ائْتِني، فانطلق الآخر (٥) حتى قدِمَهُ وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبي ذرٍّ فقال له: رأيته يأمُرُ بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشِّعر. فقال: ما شفيتني مما أردتُ. فتزوَّدَ وحملَ شَنَّةً فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسولَ الله ﷺ ولا يعرفه وكره أن يسألَ عنه، حتى أدركه بعضُ الليل اضطجع (٦)، فرآه عليّ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبِعَهُ ولم يسألْ واحدٌ منهما صاحبَهُ عن شيءٍ حتى أصبح، ثم احتمل قِرْبَتَه وزادَهُ إلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرَّ به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلمَ مَنْزِلَه؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحدٌ منهما صاحبَه عن شيء حتى إذا كان يومُ الثالث، فعاد عليٌّ مثل ذلك، فأقام معه فقال: ألا تحدِّثُني بالذي أقدمك؟ قال: إنْ أعطيتَني عهدًا وميثاقًا لَتُرشِدَنِّي فعلتُ. ففعل، فأخبره. قال: فإنَّهُ حَقّ وإنه رسولُ الله ﷺ فإذا أصبحتَ فاتْبَعْني فإني إنْ رأيتُ شيئًا أخافُ عليكَ قمتُ كأنِّي أُريقُ الماء، وإنْ مضيتُ فاتْبَعْني حتى تدخُلَ مَدْخَلي، ففعل، فانطلق يَقْفُوهُ حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبيُّ ﷺ : "ارجِعْ إلى قومِكَ فأخْبِرْهم حتى يأتيك أمري" فقال: والذي بعثك بالحق

стр. 1209

لأصْرُخَنَّ بها بين ظَهْرَانَيْهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، ثم قام [القوم] فضربوه حتى أضجعوه (١)، فأتى العباس فأكبَّ عليه فقال: وَيْلَكم! ألستم تعلمون أنه من غِفَار، وأنَّ طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم. ثم عاد من الغدِ بمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكبَّ العباس عليه. هذا لفظ البخاري. وقد جاء إسلامُه مبسوطًا في صحيح مسلم (٢) وغيره، فقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت، قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار -وكانوا يُحِلُّونَ الشهرَ الحرام- أنا وأخي أنيس وأُمُّنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذي مالٍ وذي هيئة، فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا، فحَسَدنا قومُه، فقالوا له: إنَّك إذا خرجت عن أهلك خَلَفَك إليهم أنيس، فجاء خالنا فَنَثَى ما قيل له (٤) فقلت له: أمَّا ما مضى من معروفك فقد كدَّرْتَه، ولا جِمَاعَ لنا فيما بعد (٥). قال: فقرَّبْنا صِرْمَتَنا (٦)، فاحتمَلْنا عليها، وتغَطَّى خالُنا بثَوْبه، وجعل يبكي قال: فانطلَقْنا حتى نزلنا حَضْرَةَ (٧) مكة، قال فنافر أُنَيْسٌ عن صِرْمَتِنا (٨) وعن مثلها فأتيا الكاهن فخيَّر أُنيسًا. فأتانا بصِرْمتنا ومثلِها، وقد صلَّيتُ يا بن أخي قبلَ أنْ ألقى رسولَ الله ﷺ ثلاثَ سنين، قال: قلت: لمن؟ قال: لله، قلت: فأين توجَّهُ؟ قال: حيث وجَّهني الله. قال: وأُصلِّي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل أُلقيتُ كأني خِفَاء (٩) حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أُنيس: إنَّ لي حاجةً بمكة فألقني (١٠) حتى آتيك. قال:

стр. 1210

فانطلق، فراثَ عليّ (١)، ثم أتاني فقلت: ما حبسك؟ قال لَقيتُ رجلًا يزعُم أنَّ الله أرسله على دينك، قال: فقلت ما يقولُ الناسُ له؟ قال: يقولون إنه شاعرٌ وساحر [وكاهن. قال:] وكان أُنيس شاعرًا. قال: فقال: لقد سمعتُ الكُهَّان، فما يقولُ بقولهم، وقد وضعتُ قولَهُ على أَقْراءِ الشعر (٢)، فوالله ما يلتئم لسانُ أحدٍ أنَّهُ شعر، ووالله إنَّه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له: هل أنت كافيَّ (٣) حتى أنطلق [فأنظر]؟ قال: نعم، وكنْ من أهل مكةَ على حَذَر، فإنهم قد شَنِفُوا له (٤)، وتجهَّموا له. قال: فانطلقتُ حتى قدمتُ مكة فتَضعَّفْتُ رجلًا منهم فقلت (٥): أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إليّ، فمالَ أهلُ الوادي عليَّ بكلِّ مَدَرَةٍ وعَظْم، حتى خرَرْتُ مغشيًّا علي، فارتفعتُ حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر، فأتيتُ زمزم فشربْتُ من مائها، وغسلتُ عني الدم، ودخلتُ بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يا بن أخي ثلاثينَ من بين يومٍ وليلةٍ، ما لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم، فسمِنْتُ حتى تكسَّرت عُكَنُ بَطْني (٦)، وما وجدتُ على كَبْدي سَخْفَةَ جُوع (٧) قال: فبينا أهلُ مكة في ليلةٍ قمراءَ إضْحِيان (٨)، وضرب الله على أصْمِخةِ (٩) أهل مكة، فما يطوف بالبيت غيرُ امرأتين، فأتتا عليَّ وهما تدعوان إساف ونائلة. فقلت: أنكِحوا أحدَهما الآخر: فما ثناهما ذلك (١٠)، [قال: فأتتا عليَّ] فقلت: وهن (١١) مثلُ الخشبة، غيرَ أنِّي لم أركن. قال: فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحدٌ من أنفارنا. قال: فاستقبلهما رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: "ما لكما" فقالتا: الصابئُ بين الكعبة

стр. 1211

وأستارها. قالا: "ما قال لكما؟ " قالتا: قال لنا كلمةً تملأُ الفم. قال: وجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلمَ الحجَر، وطاف بالبيت، ثم صلَّى. قال فأتيتُه فكنتُ أوَّلَ من حيَّاهُ بتحيَّةِ أهلِ الإسلام. فقال: "عليك السلامُ ورحمةُ الله من أنت؟ " قال: قلت من غفار، قال: فأهوى بيده فوضعها على جبهته. قال: فقلت في نفسي. كرهَ أنِ انتميتُ إلى غفار. قال: فاردتُ أن آخذَ بيده فقدَعَني (١) صاحبهُ، وكان أعلم به مني، قال: متى كنتَ ها هنا؟ قال: قلت: كنتُ ها هنا منذُ ثلاثين، من بين ليلةٍ ويوم. قال: فمَنْ كان يُطعمك؟ قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم، فسمنتُ حتى تكسرتْ عُكَنُ بطني، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جُوع. قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها مباركة، إنها طعامُ طُعْمٍ (٢) ". قال: فقال أبو بكر: ائذَنْ لي يا رسول اللهِ في طعامِهِ اللَّيلة. قال: ففعل، قال: فانطلق النبيُّ ﷺ [وانطلق أبو بكر] وانطلقتُ معهما حتى فتح أبو بكرٍ بابًا، فجعل يقبضُ لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أولَ طعامٍ أكلتُه بها، فلبثتُ ما لبثت. فقال رسولُ الله ﷺ : "إني قد وُجِّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نَخْل ولا أحْسَبُها إلا يثرب، فهل أنت مبلِّغٌ عني قومكَ لعلَّ اللهَ ينفعُهم بك ويأجُرُكَ فيهم؟ ". قال: فانطلقتُ حتى أتيتُ أخي أُنيسًا. قال: فقال لي: ما صنعت؟ قال: قلتُ: صنعتُ أني أسلمتُ وصدَّقت. قال: فما بي رغبةٌ عن دينك، فإني قد أسلمتُ وصدَّقت. ثم أتينا أُمَّنا فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينكما، فإني قد أسلمتُ وصدَّقت، فتحمَّلنا حتى أتينا قومنا غفارًا. قال: فأسلم بعضُهم قبلَ أنْ يقدَمَ رسولُ الله ﷺ المدينة، وكان يؤمُّهُمْ خُفَافُ بن إيماءَ بنِ رَحَضَة (٣) الغفاريّ، وكان سيِّدَهم يومئذ، وقال بقيَّتُهم: إذا قدِم رسولُ الله ﷺ أسلمْنا. قال: فقدِمَ رسولُ الله ﷺ فأسلم بقيَّتُهم. قال: وجاءتْ أسْلَمُ فقالوا: يا رسول الله، إخوانُنا نسلم على الذي أسلموا عليه. [فأسلموا]، فقال رسولُ الله ﷺ "غِفَارُ غفَرَ اللهُ لها، وأسْلَمُ سالَمَها الله". ورواه مسلم عن هُدْبَة (٤) بن خالد، عن سليمان بن المغيرة به نحوه. وقد روى قصة إسلامه على وجهٍ آخر وفيه زيادات غريبة. فالله أعلم. وتقدَّم ذِكْرُ إسلام سلمان الفارسي في كتاب البِشَاراتِ بمبعثه ﵊ (٥).

стр. 1212

ذكر إسلام ضِمَاد روى مسلم والبيهقي (١) من حديث داودَ بن أبي هند، عن عمرِو بن سعيد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس. قال: قدم ضِمَادٌ مكة وهو رجلٌ من أزْدِ شَنُوءة، وكان يَرْقِي من هذه الرياح (٢)، فسمع سفهاء من سفهاء الناس يقولون: إنَّ محمدًا مجنون. فقال: أين (٣) هذا الرجل لعلَّ الله أنْ يشفيَهُ على يدي؟ فلقيتُ محمدًا فقلت: إني أرقِي من هذه الرياح، وإنَّ اللهَ يَشْفي على يدي، مَنْ شاء، فهَلُمّ. فقال محمد: "إنَّ الحمد لله نحمَدُه ونستعينُه، من يهدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له" ثلاثَ مرَّات. فقال: والله لقد سمعتُ قولَ الكهنة، وقول السَّحَرة، وقول الشعراء، فما سمعتُ مثل هؤلاء الكلمات، فهلمَّ يدك أبايعْكَ على الإسلام. فبايعه رسولُ الله ﷺ فقال له: "وعلى قومك؟ " فقال: وعلى قومي. فبعث النبيُّ ﷺ جيشًا (٤) فمرُّوا بقوم ضِمَاد، فقال صاحبُ الجيش للسرية: هل أصبتُم من هؤلاء القوم شيئًا؟ فقال رجلٌ منهم: أصبتُ منهم مِطْهَرة. فقال: رُدَّها عليهم فإنهم قومُ ضِمَاد. وفي رواية فقال له ضماد: أعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاء، فلقد بلغْنَ قاموس البحر (٥). وقد ذكر أبو نعيم في "دلائل النبوة" (٦) إسلام من أسلم من الأعيان فصلًا طويلًا واستقصى ذلك استقصاءً حسنًا ﵀ وأثابه. وقد سرد ابنُ إسحاق أسماء من أسلم قديمًا من الصحابة ﵃، قال (٧): ثمّ أسلم أبو عُبيدة، وأبو سَلَمة، والأرقم بن أبي الأرقم (٨)، وعثمان بن مَظْعُون، وعُبيدة بن الحارث،

стр. 1213

وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنتُ الخطَّاب، وأسماءُ بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر -وهي صغيرة- وقُدَامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، وخَبَّاب بن الأرتّ، وعُمير (١) بن أبي وقَّاص، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القاريّ، وسَلِيط بن عمرو، وعيَّاش بن أبي ربيعة، [وامرأته أسماء بنت سلمة (٢) بن مُخَرِّبَة التميميَّة (٣) وخُنَيْس بن حُذافة، وعامر بن ربيعة] (٤)، وعبد الله بن جَحْش، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيس، وحاطب بن الحارث، وامرأته [فاطمة بنت المُجَلِّل، وأخوه حطَّاب بن الحارث، وامرأته] (٥) فُكَيهة ابنة يَسَار، ومعمر بن الحارث بن معمر الجُمَحي، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد عوفِ (٦). وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صُبيرة (٧) بن سعيد بن سهم، والنَّحَّام، واسمُه نُعيم بن عبد الله بن أَسِيد، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، وخالد بن سعيد، وأمينة ابنةُ خلف بن سعد بن عامر بن بياضة بن خُزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حُذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله بن عَرِين بن ثعلبة التميمي، حليفُ بني عدي، وخالد بن البُكير، وعامر بن البُكير، وعاقل بن البُكير، وإياس بن البُكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غِيَرَة، من بني سعد بن ليث، وكان اسمُ عاقلٍ غافلًا فسمَّاه رسول الله ﷺ عاقلًا، وهم حلفاء بني عدي بن كعب، وعمار بن ياسر، وصُهيب بن سنان. ثم دخل الناسُ أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة وتحدث به. قال ابن إسحاق (٨): ثم أمر الله رسوله ﷺ بعد ثلاثِ سنين من البعثة بأنْ يصدَع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال (٩): وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ إذا صلَّوْا ذهبوا في الشِّعاب واستخفَوْا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعدُ بن أبي وقاص في نفرٍ يُصلُّون بشعاب مكة إذْ ظهر عليهم بعضُ المشركين فناكروهم وعابوا عليهم

стр. 1214

ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعدٌ رجلًا من المشركين بلَحْي جملٍ فشجَّه، فكان أول دمٍ أُهريق في الإسلام. وروى الأمويُّ في مغازيه، من طريق الوقَّاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. فذكر القصة بطولها وفيه: أنَّ المشجوج هو عبد الله بن خَطَل لعنه الله. باب أمر الله رسوله ﵊ بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام، وأمرهِ له بالصبر والاحتمال والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذِّبين بعد قيام الحجةِ عليهم، وإرسال الرسول الأعظم إليهم وذِكْر ما لقي من الأذِيَّةِ منهم هو وأصحابه ﵃. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ (١) جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي إنَّ الذي فَرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادُّك إلى دار الآخرة وهي المعاد، فيسألك عن ذلك كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. - والآيات والأحاديث في هذا كثيرةٌ جدًّا. وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وأوردْنا أحاديث جَمَّةً في ذلك، فمن ذلك. قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عبد الله بن نُمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس قال: لما أنزل اللهُ [ ] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبيُّ ﷺ الصَّفَا فصعِدَ عليه ثم نادى: "يا صباحاه" فاجتمع الناسُ إليه بين رجلٍ يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسولَه. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا بني عبد المطلب، يا بني فِهْر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتُكم أنَّ خيلًا بسفح هذا الجبل، تريدُ أنْ تُغِيرَ عليكم، صدَّقتموني؟ " قالوا: نعم! قال: "فإني نَذِيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديد" فقال أبو لهب -لعنه الله (٣) - تبًّا لك سائرَ اليوم أما دعَوْتَنا إلا لهذا؟ فأنزل الله

стр. 1215

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وأخرجاه (١) من حديث الأعمش به نحوه. وقال أحمد (٢): حدثنا معاويةُ بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة، قال: لما نزلتْ هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسولُ الله ﷺ قريشًا فعمَّ وخصَّ فقال: "يا معشر قريش، أنقذوا أنْفُسَكُمْ من النار، يا معشر بني كعب [بن لُؤَي أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد مناف] أنقذوا أنفسَكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمد أنقذي نفسَكِ من النار، فإني والله لا أمْلِكُ لكم من اللهِ شيئًا، إلا أنَّ لكم رَحِمًا سأبُلُّها بِبلالِها (٣). ورواه مسلم (٤) من حديث عبد الملك بن عُمير، وأخرجاه في الصحيحين (٥)، من حديث الزُّهْري، عن سعيد بن المُسَيِّب وأبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، وله طُرُقٌ أُخَرُ عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره (٦). وقال أحمدُ أيضًا: (٧) حدثنا وكيع، حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسولُ الله ﷺ فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمد، يا صَفِيَّةُ بنتَ عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أمْلِكُ لكم من الله شيئًا، سَلُوني من مالي ما شِئْتُمْ". ورواه مسلمٌ أيضًا (٨). وقال الحافظ أبو بكرٍ البيهقيُّ في الدلائل (٩): أخبرنا محمد بن عبد [الله] الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق قال: فحدثني مَنْ سمع عبد الله بن الحارث بن نَوْفل -واستكتمني اسمه- عن ابن عباس، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ

стр. 1216

جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال رسولُ الله ﷺ : "عرَفْتُ أنِّي إنْ بادَيْتُ (١) بها قومي رأيتُ منهم ما أكره فصمتُّ، فجاءني جبريلُ ﵇ فقال: يا محمد، إنْ لم تفعل ما أمَرَكَ به رَبُّكَ عذَّبَكَ بالنار". قال [علي]: فدعاني فقال: "يا عليّ إن الله قد أمرني أن أُنذِرَ عشيرتي الأقربين [فعرفتُ أني إنْ باديتهم بذلك رأيتُ منهم ما أكره، فصمتُّ من ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أُمرت به عذبك ربُّك]، فاصْنَعْ لنا يا علي [رِجل] شاة على صاعٍ من طعام، وأعِدَّ لنا عُسَّ لبنٍ (٢)، ثم اجمعْ لي بني عبد المطلب". ففعلت فاجتمعوا له يومئذٍ وهم أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدَّمتُ إليهم تلك الجَفْنَة فأخذ رسولُ الله ﷺ منها حِذْيَةً (٣) فشقَّها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: "كلُوا بسم الله". فأكل القوم حتى نَهِلُوا عنه، ما نرَى إلا آثارَ أصابعِهم، والله إنْ كان الرجلُ ليأكلُ مثلَها. ثم قال رسولُ الله ﷺ : "اسْقِهِمْ يا عليّ" (٤). فجئتُ بذلك القَعْب، فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وايْمُ الله إنْ كان الرجل منهم ليشربُ مثله، فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدَرَهُ أبو لهب -لعنه الله- إلى الكلام فقال: لهدَّ ما سحركم صاحبكم؟ فتفرَّقُوا ولم يكلِّمْهُمْ رسولُ الله ﷺ . فلمَّا كان من الغد قال رسول الله ﷺ : "يا عليُّ عُدْ لنا بمثل الذي كنتَ صنعتَ لنا بالأمسِ من الطعام والشراب، فإنَّ هذا الرجلَ قد بَدَرَني إلى ما سمعتَ قبلَ أنْ أكلِّمَ القوم" ففعلتُ، ثم جمعتُهم له. فصنع رسولُ الله ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، ثم سقَيْتُهم من ذلك القَعْب حتى نهِلوا عنه، وايْمُ الله إنْ كان الرجلُ ليأكلُ مثلها ويشربُ مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد المطَّلِب، إنِّي والله ما أعلمُ شابًّا من العرب جاء قومَهُ بأفضلَ ممَّا جئتكم به، إني قد جئتُكُم بأمْرِ الدُّنيا والآخرة". هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمَهُ، عن عبد الله بن الحارث به. وقد رواه أبو جعفر بن جرير (٥)، عن محمد بن حُميد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبي مريم بن القاسم، عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي، فذكر مثله. وزاد بعد قوله: "وإني قد جئتُكم بخيرِ الدنيا والآخرة، وقد أمَرَني الله أنْ أدْعُوَكم إليه، فأيُّكم يؤازرُني على هذا الأمر على أنْ يكونَ أخي" وكذا وكذا. قال: فأحجم

стр. 1217

القومُ عنها جميعًا، وقلتُ وإني (١) لأحدَثُهم سنًا وأرْمَصُهم عينًا، وأعظمُهم بطنًا، وأحْمَشُهُمْ ساقًا: أنا يا نبيَّ الله أكونُ وزيرَكَ عليه. فأخَذَ برقبتي فقال: "إنَّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا". قال: فقام القوم يَضْحَكُونَ ويقولونَ لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. تفرَّد به عبدُ الغفَّار بن القاسم أبو مريم، وهو كذَّابٌ شيعي، اتهمه عليُّ بن المَديني وغيرُه بوَضْع الحديث. وضعفه الباقون (٢). ولكنْ روى ابنُ أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله بن عبد القدُّوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، قال: قال علي: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال لي رسول الله ﷺ : "اصنَعْ لي رِجلَ شاة بِصَاعٍ من طعام، وإناء لبن، وادْعُ لي بني هاشم". فدعَوْتُهم وإنَّهم يومئذٍ لأربعونَ غيرَ رجلٍ، أو أربعونَ ورجل، فذكر القصة نحو ما تقدَّم، إلى أن قال: وبدرهم (٣) رسولُ الله ﷺ الكلام. فقال: "أيكم يَقْضي عني دَيْني ويكونُ خليفتي في أهلي؟ " قال: فسكتوا وسكتَ العباسُ خشية أنْ يُحيط ذلك بماله، قال: وسكتُّ أنا لسِنِّ العباس. ثم قالها مرَّةً أخرى فسكتَ العباس، فلما رأيتُ ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال: "أنت؟ " قال: وإنِّي يومئذٍ لأسْوَؤهم هيئةً، وإني لأعْمَشُ العينَيْن، ضخْمُ البطن؛ حَمِشُ الساقين. وهذه الطريق فيها شاهدٌ لما تقدَّم، إلا أنه لم يذكرِ ابنَ عباس فيها. فالله أعلم. وقد روى الإمام أحمدُ في "مسنده" (٤)، من حديث عبَّاد بن عبد الله الأسدي، وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدَّم -أو كالشاهد له- والله أعلم (٥). ومعنى قوله في هذا الحديث: مَن يقضي عني دَيْني ويكونُ خليفتي في أهلي: يعني إذا متُّ، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بإبلاغِ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق مَنْ يقوم بعدَهُ بما يُصلح أهله، ويقضي عنه؛ وقد أمَّنَهُ الله من ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾] (٦) الآية.

стр. 1218

والمقصود أنَّ رسولَ الله ﷺ استمرَّ يَدْعُو إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، لا يصرِفُه عن ذلك صارف، ولا يردُّه عن ذلك رادّ، ولا يصدُّه عنه ذلك صادّ، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج. يدعو مَنْ لَقِيَهُ مِنْ حُرٍّ وعَبْد، وضعيفٍ وقويّ، وغنيٍّ وفقير، جميعُ الخَلْق في ذلك عنده (١) شَرْعٌ سَوَاء. وتسلَّط عليه وعلى من اتَّبعَهُ من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذيَّة القولية (٢) والفعلية، وكان من أشدِّ الناس عليه عمُّه أبو لهب -واسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب- وامرأتُه أمُّ جميل أرْوَى بنتُ حَرْب بن أمية، أختُ أبي سفيان. وخالفه في ذلك عمُّه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسولُ الله ﷺ أحبَّ خلقِ الله إليه طبعًا، وكان يَحْنُو عليه ويُحسن إليه، ويُدَافع عنه ويحامي، ويخالف قومَهُ في ذلك، مع أنَّه على دينهم وعلى خَلَّتهم (٣)، إلا أنَّ الله تعالى قد امتحن قَلْبَهُ بحبِّهِ حبًا طبعيًّا (٤) لا شرعيًا. وكان استمرارُه على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذْ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وَجَاهةٌ ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولاجترؤوا عليه، ولمدُّوا أيديَهُم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلقُ ما يشاء ويختار. وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا، فهذانِ العَمَّانِ كافران، أبو طالب وأبو لهب، ولكن هذا يكونُ في القيامة في ضَحْضاحٍ من نار، وذلك في الدَّرْكِ الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورةً في كتابه تُتْلَى على المنابر، وتُقرأ في المواعظ والخُطَب، تتضمَّن أنه سيَصْلى نارًا ذات لهب، وامراتُه حمَّالة الحَطَب. قال الإمام أحمد (٥): حدّثنا إبراهيم بنُ أبي العباس، حدّثنا عبد الرحمن بنُ أبي الزناد، عن أبيه قال: أخبر [ني] رجلٌ يقال له: ربيعة بن عِبَاد من بني الدِّيل (٦) -وكان جاهليًا فأسلم- قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المَجَاز وهو يقول: "يا أيُّها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحُوا" والناسُ مجتمعون عليه، ووراءه رجلٌ وضيءُ الوجه، أحْوَلُ ذو غَدِيرتَيْن يقول: إنَّه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألتُ عنه [فذكروا لي نسبَ رسولِ الله ﷺ ] فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب.

стр. 1219

ثم رواه هو والبيهقي (١) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزِّناد بنحوه. وقال البيهقيُّ أيضًا (٢) حدّثنا أبو طاهر الفقيه، حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن (٣) القطَّان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدّثنا محمد بن عمرو (٤)، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعةَ الدِّيلي. قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناسَ في منازلهم، يدعوهم إلى الله، وراءَهُ رجلٌ أحْوَل، تَقِدُ وجنتاهُ وهو يقول: [أيُّها الناس لا يَغُرَّنَّكم هذا عن دينكم ودينِ آبائكم. قلتُ: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب. ثمّ رواه (٥) من طريق شعبة عن الأشعث بن سُليم، عن رجل من كنانة. قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بسوق ذي المَجاز وهو يقول] (٦): "يا أيُّها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" وإذا رجلٌ خلْفَه يَسْفي عليه التراب، فإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس، لا يغرَّنَّكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللاتِ والعُزَّى. كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته، وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى (٧). وأمَّا أبو طالب فكان في غاية الشفَقَة والحُنُوِّ الطبيعي كما سيظهر من صنائعه وسجاياه، واعتماده فيما يُحامي به عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. قال يونس بن بُكير، عن طلحة بن يحيى بن عبيد الله، عن موسى بن طلحة (٨)، أخبرني عقيل بن أبي طالب قال: جاءتْ قريش إلى أبي طالب فقالوا: إنَّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانْهَهُ

стр. 1220

عنا. فقال: يا عقيل، انطلقْ فأْتِني بمحمد، فانطلقتُ إليه، فاستخرجته من كِنْس (١) -أو قال خِنْس- يقول: بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إنَّ بني عمِّك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانْتَهِ عن أذاهم. فحلَّق (٢) رسولُ الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: "ترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم! قال: "فما أنا بأقدر [على] أن أدعَ ذلك منكم على أن تشتعلوا (٣) منها بشعلة". فقال أبو طالب: والله ما كذب ابنُ أخي قطّ، فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ (٤) عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. ورواه البيهقي (٥) عن الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار عنه به -وهذا لفظه-. ثمّ روى البيهقي (٦) من طريق يونس عن ابن إسحاق، حدّثني يعقوب بن عتبة (٧) بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أنَّ قريشًا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي، إنَّ قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا، فأبْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أُطيق أنا ولا أنت؛ فاكفُفْ عن قومك ما يكرهون من قولك. فظنَّ رسول الله ﷺ أن قد بَدَا لعمِّه فيه، وأنَّه خاذلُه ومُسْلِمُه، وضعُفَ عن القيام معه، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمّ، لو وضعتِ الشمسُ في يميني والقمر في يساري ما تركتُ هذا الأمر حتى يُظهرهُ الله أو أهلكَ في طلبه" ثم استعبر رسولُ الله ﷺ فبكى، فلما ولَّى قال له حين رأى ما بلغ الأمْرُ برسول الله ﷺ : يا ابن أخي، فأقبَلَ عليه، فقال: امضِ على أمرك وافْعَلْ ما أحببت، فوالله لا أُسْلِمُك لشيءٍ أبدًا (٨). قال ابن إسحاق (٩): ثم قال أبو طالب في ذلك: [من الكامل] واللهِ لنْ يَصِلوا إليكَ بِجَمْعِهم … حتى أُوسَّدَ في الترابِ دَفينا فامضي لأمرِكَ ما عليكَ غضاضةٌ … أبشرْ وقرَّ بذاكَ منكَ عيونا ودعوتَني وعلمتُ أنك ناصحي … فلقدْ صدقتَ وكنتَ قِدْمُ أمينا (١٠)

стр. 1221

وعرضتَ دينًا قد عرفتُ بأنه … من خيرِ أديان البرية دينا لولا الملامةُ أو حِذَاري سُبَّةً … لوجدتَني سمحًا بذاك مُبينا ثم قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارًا (١)؛ وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ الله تعالى عصَمَهُ بعمِّه مع خلافِهِ إيَّاه في دينه، وقد كان يعصِمُه حيث لا يكون عمُّه بما شاء لا معقِّب لحكمه. وقال يونس بن بكير، عن (٢) محمد بن إسحاق: حدّثني رجلٌ من أهل مصر قديمًا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصةٍ طويلة جرتْ بين مشركي مكة وبين رسول الله ﷺ ، فلما قام رسولُ الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش، إنَّ محمدًا قد أبى إلا ما ترَوْن، من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسبِّ آلهتنا، وإني أُعاهد الله لأجلسنَّ له غدًا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسه (٣)، فليصنع بعد ذلك بنو عبدِ منافٍ ما بَدَا لهم. فلما أصبح أبو جهلٍ -لعنه الله- أخذ حجرًا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام، فكان إذا صلَّى صلَّى بين الركنين الأسودِ واليَمَاني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسولُ الله ﷺ يصلِّي، وقد غدَتْ قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحَجَر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتًا، ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يَبِستْ يداه على حَجَره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجالٌ من قريش، فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟ فقال: قمتُ إليه لأفعل ما قلتُ لكم البارحة، فلما دنَوْت منه عَرَض لي دونه فحلٌ من الإبل، والله ما رأيت مثلَ هامته، ولا قَصَرَتِه (٤)، ولا أنيابه لفحلٍ قط، فهمَّ أن يأكلني. قال ابنُ إسحاق (٥): فذُكر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ذلك جبريل، لو دنا مني لأخذه" (٦). وقال البيهقي (٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضْر الفقيه، حدّثنا عثمان الدارمي، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثنا الليث بن سعد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنتُ يومًا في المسجد فأقبل أبو جهل -لعنه الله- فقال: إنَّ لله عليَّ إنْ رأيتُ محمدًا ساجدًا أن أطأ على رقبته؛ فخرجتُ

стр. 1222

على رسول الله ﷺ حتى دخلتُ عليه فأخبرتُه بقول أبي جهل، فخرج غضبانًا (١)، حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط فقلت: هذا يومُ شرّ، فأتزرْتُ ثم اتّبعته، فدخل رسولُ الله ﷺ فقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، فلما بلغ شأن أبي جهل ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] فقال إنسانٌ لأبي جهل: يا أبا الحكم، هذا محمد! فقال أبو جهل: ألا ترَوْنَ ما أرى؟ والله لقد سدَّ أُفُقَ السماء عليّ، فلما بلغ رسولُ الله ﷺ آخر السورة سجد. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال: قال ابنُ عباس: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا يُصلِّي عند الكعبة لأطأنَّ على عُنقه. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: "لو فعل لأخذَتْهُ الملائكةُ عِيانًا". ورواهُ البخاريُّ (٣) عن يحيى، عن عبد الرزاق به. قال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرَّ أبو جهل بالنبيِّ ﷺ وهو يصلِّي فقال: ألم أنهك أنْ تصلِّيَ يا محمد؟ لقد علمتَ ما بها أحد أكثر ناديًا مني. فانتهره النبيُّ ﷺ . فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] والله لو دعا ناديه لأخذَتْهُ زبانيةُ العذاب. رواه أحمد والترمذي وصحَّحه النسائي (٤) من طريق داود به. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا إسماعيلُ بن يزيد أبو يزيد (٦)، حدّثنا فرات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا عند الكعبة يصلِّي لآتينَّهُ حتى أطأ على عنقه. قال فقال: "لو فعل لأخذَتْهُ الزبانيةُ عيانًا". وقال أبو جعفر بن جرير (٧): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العَيْزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمدٌ يصلِّي عند المقام لأقتلنَّه. فأنزل الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ من الآية [﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ

стр. 1223

كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)] (١) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فجاء النبيُّ ﷺ يصلِّي، فقيل [له]: ما يمنعك؟ قال: قد اسودَّ ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرَّك لأخذتْهُ الملائكة والناسُ ينظرون إليه. وقال ابن جرير (٢): حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم! قال فقال: واللَّاتِ والعزَّى، لئن رأيتُه يصلِّي كذلك لأطأنَّ على رقبته، ولأعفرنَّ وجهه بالتراب. فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلِّي ليطأ على رقبته. قال: فما فَجِئَهُمْ منه إلا وهو ينكُصُ على عَقِبَيْه، ويتَّقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ قال: إنَّ بيني وبينه خَنْدقًا من نار وهوْلًا وأجنحة. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "لو دنا منِّي لاختطفَتْه الملائكة عضوًا عضوًا". قال وأنزل اللهُ تعالى -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا- ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ إلى آخر السورة. وقد رواهُ أحمد ومسلم والنَّسائي وابن أبي حاتم والبيهقي (٣) من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا وهب بن جرير، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ دعا على قريش، غيرَ يوم واحد، فإنه كان يصلِّي ورهْطٌ من قريش جلوس، وسَلا جَزُورٍ قريبٌ منه. فقالوا: من يأخذ هذا السَّلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة بن أبي مُعيط: أنا، فأخذَهُ فألقاه على ظهره، فلم يزلْ ساجدًا حتى جاءتْ فاطمةُ فأخذَتْهُ عن ظهره، فقال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ عليك بهذا (٥) الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبةَ بن ربيعة، اللهمَّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهمَّ عليك بعقبة بن أبي مُعيط، اللهم عليك بأبيِّ بن خلف -أو أمية بن خلف-" شعبة الشاكّ قال عبد الله: فلقد رأيتُهم قُتلوا يوم بدرٍ جميعًا، ثم سُحبوا إلى القَليب غيرَ أُبَيّ -أو أمية بن خلف- فإنَّه كان رجلًا ضخمًا فتقطع. وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه، ومسلم من طرق عن أبي إسحاق به (٦). والصواب أمية بن خلف، فإنَّه الذي قُتل يوم بدر، وأخوه أُبَيّ إنما قُتل يوم أحد كما سيأتي بيانه

стр. 1224

- والسَّلى هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميلُ على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدَّة الضحك لعنهم الله. وفيه أن فاطمة لما ألقَتْه عنه أقبلتْ عليهم فسبَّتْهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملةً، وعيَّن في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسميةُ ستةٍ منهم: وهم عُتْبة، وأخوه شَيْبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي مُعَيط، وأمية بن خلف. قال أبو إسحاق (١): ونسيتُ السابع. قلتُ: وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري (٢). قصة الإراشي (٣) قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق (٤) حدّثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي. قال: قدم رجل من إراش بإبلٍ له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش مَنْ رجلٌ يُعْديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريبٌ وابنُ سبيل، وقد غلبني على حقِّي؟ فقال أهل المجلس: ترى ذلك [الرجل]-وهم يهوونَ به (٥) إلى رسول الله لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه، فهو يعديك عليه. فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجلٍ ممن معهم: اتبعْه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: "محمد، فاخرُجْ" فخرجَ إليه وما في وجهه قطرةُ دم، وقد انتقع لونه. فقال: "أعْطِ هذا الرجل حقَّه". قال: لا تبرَحْ حتى أُعطيه الذي له. قال: فدخل فخرج إليه بحقِّه فدفعه إليه، ثم انصرف رسولُ الله ﷺ . وقال للإراشي: "الحقْ لشأنك". فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرًا، فقد أخذتُ (٦) الذي لي.

стр. 1225

وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: عجبًا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحُه فقال: "أعط هذا الرجل حقَّه". فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أنْ جاء أبو جهل فقالوا له: ويلك مالك؛ فوالله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال: ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرَبَ عليَّ بابي وسمعتُ صوته فملئتُ رُعْبا، ثم خرجتُ إليه وإنَّ فوق رأسه لفحلًا من الإبل ما رأيتُ مثل هامته، ولا قَصَرَته ولا أنيابه لفحلٍ قط، فوالله لو أبيت لأكلني. فصل وقال البخاري (١): حدّثنا عياش بن الوليد، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، حدّثني عُروة بن الزُّبير [قال]: سألتُ ابن [عمرو] العاص فقلت: أخبرْني بأشدِّ شيءٍ صنعه المشركون برسولِ الله؟ قال: بينما النبيُّ ﷺ يصلِّي في حِجْر الكعبة، إذْ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] الآية. تابعه ابنُ إسحاق قال: أخبرني يحيى بن عروة، عن أبيه، قال: قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال: قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة: حدثني عمرو بن العاص. قال البيهقي (٢): وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري، وقد رواه في أماكن من صحيحه (٣)، وصرَّح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه، لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدُّم هذه القصة. وقد روى البيهقي (٤)، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس عن محمد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عروة، عن أبيه عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص:

стр. 1226

ما أكثرُ ما رأيتَ قريشًا أصابتْ من (١) رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتُهم وقد اجتمع أشرافُهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسولَ الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعاتنا، وسبَّ آلهتنا، وصرنا منه على أمرٍ عظيم -أو كما قال- قال: فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجه رسولِ الله ﷺ فمضى، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتُها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح". فأخذت القوم كلمتُه حتى ما منهم من رجل إلا وكأنَّما على رأسه طائر وقع حتى إنَّ أشدَّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفَؤُه (٢) حتى إنه ليقول: انصرفْ أبا القاسم راشدًا، فما كنت بجهول. فانصرف رسولُ الله ﷺ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسولُ الله ﷺ فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عَيْبِ آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : "نعم، أنا الذي أقولُ ذلك" ولقد رأيتُ رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائِه، وقام أبو بكر يَبْكي دونه ويقول: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] ثم انصرفوا عنه. فإنَّ ذلك لأكثر ما رأيت قريشًا بلغتْ منه قط. فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه، واجتماعهم بعمِّه أبي طالب القائم في منعه ونصرته، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم، فأبَى عليهم ذلك بحول الله وقوته. قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد، وأُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون (٤) من بين يوم وليلة، وما لي ولبلالٍ ما يأكلُه ذو كَبِد إلا ما يُواري إبْطُ بلال". وأخرجه الترمذيّ وابنُ ماجَه (٥) من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حسنٌ صحيح.

стр. 1227

وقال محمد بن إسحاق (١): وحَدِبَ على رسولِ الله ﷺ عَمُّهُ أبو طاب ومنعه وقام دونه، ومضى رسولُ الله ﷺ على أمر الله، مظهرًا لدينه لا يردُّه عنه شيء. فلما رأتْ قريش أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُعْتِبُهم من شيءٍ أنكروه عليه، من فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأَوْا أنَّ عمَّه أبا (٢) طالب قد حَدِبَ عليه وقام دونه، فلم يُسْلِمْهُ لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبةُ وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصّي، وأبو سفيان صَخْر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البَخْتَرِي -واسمه العاصُ بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، والأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى، وأبو جهل- واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَظَة بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجَّاج بن عامر بن حُذَيفة بن سعْد (٣) بن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي، والعاص بن وائل بن سُعيد بن سهم. قال ابن إسحاق (٤): أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا وسفَّه أحلامنا، وضلَّلَ آباءنا، فإما أن تكفَّه عنا وإما أن تُخَلِّيَ بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردَّهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه، ومضى رسولُ الله ﷺ على ما هو عليه، يُظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شَرِيَ (٥) الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذِكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا (٦) فيه، وحضَّ بعضهم بعضًا عليه، ثم إنهم مشَوْا إلى أبي طالب مرَّةً أخرى. فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ لك سنًّا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهَهُ عنا، وإنَّا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يَهْلِك أحدُ الفريقين -أو كما قالوا- ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم، ولم يطِبْ نفسًا بإسلامِ رسولِ الله ﷺ ولا خِذْلانِه. قال ابن إسحاق (٧): وحدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أنَّ قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي إنَّ قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أُطيق. قال: فظنَّ رسولُ الله ﷺ أنه

стр. 1228

قد بَدَا لعمِّهِ فيه بَدْوٌ (١)، وأنَّه خاذله ومُسْلِمُه، وأنَّه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري (٢) على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركتُه" قال: ثم استعبر رسولُ الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو طالب. فقال: أقْبِلْ يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا بن أخي، فقلْ ما أحببت، فوالله لا أسلمتُك لشيءٍ أبدًا. قال ابن إسحاق (٣): ثم إنَّ قريشًا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبَى خِذْلانَ رسولِ الله ﷺ وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته، مشَوْا إليه بعُمارة بنِ الوليد بن المغيرة فقالوا له -فيما بلغني-: يا أبا طالب، هذا عُمارة بن الوليد أنهد (٤) فتًى في قريش وأجمله، فخُذْهُ فلك عَقْلُه ونَصْرُه، واتخذْه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودينَ آبائك، وفرَّق جماعة قومِك، وسفَّه أحلامنا فنقتله، فإنما هو رجلٌ برجل! قال: والله لبئس ما تسومونني؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأُعطيكم ابني فتقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدًا. قال فقال المُطْعِمُ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومُك وجهِدوا على التخلُّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا؟ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنَّك قد أجمعتَ خِذْلاني ومظاهرةَ القوم عليّ، فاصنَعْ ما بدا لك -أو كما قال- فحقب الأمر (٥)، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادَى (٦) بعضُهم بعضًا. فقال أبو طالب عند ذلك يعرِّضُ بالمُطعِمِ بن عديّ ويعمُّ مَنْ خذله من بني عبد مناف ومَنْ عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم (٧): [من الطويل]

стр. 1229

ألا قُلْ لعمرٍو والوليدِ ومُطعِم … ألا ليتَ حظّي من حياطتكم بَكْرُ (١) من الخُورِ حَبْحَابٌ كثيرٌ رُغاؤهُ … يُرَشُّ على الساقين من بولِهِ قَطْرُ (٢) تخلَّفَ خلفَ الوِرْدِ ليسَ بلاحقٍ … إذا ماعلا الفَيفاءَ قيلَ له وَبْرُ (٣) أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمِّنا … إذا سُئلا قالا إلى غيرِنا الأمرُ بلى لهما أمرٌ ولكنْ تجرْجَما … كما جَرجمتْ من رأسِ ذي عَلَقَ الصخرُ (٤) أخُصُّ خصوصًا عبدَ شمسٍ ونَوفلًا … هما نَبذَانا مثلَ ما نُبذ الجمر (٥) هما أغمزا للقومِ في أخويهِما … فقد أصبحا منهم أكفُّهما صِفر (٦) هما أشركا في المجدِ مَنْ لا أبالَهُ … من الناسِ إلا أنْ يُرَسَّ له ذِكْرُ (٧) وتَيْمٌ ومخزومٌ وزُهرةُ منهمُ … وكانُوا لنا مولًى إذا بُغيَ النَّصْرُ فواللهِ لا تنفكُّ منَّا عداوةٌ … ولا منهمُ ما قام مِنْ نسلِنا شَفْرُ (٨) قال ابن هشام (٩): وتركنا منها بيتين أقذع فيهما.

стр. 1230

فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق (١): ثم إنَّ قريشًا تذامروا (٢) بينهم على مَنْ في القبائل من منهم (٣) أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبتْ كلُّ قبيلة على مَنْ فيها من المسلمين يعذِّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسولَ الله ﷺ بعمِّه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشًا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من مَنع رسولِ الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه -إلا ما كان من أبي لهب عدو الله- فقال (٤) في ذلك يمدحهم ويحرِّضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنُّصْرَة لرسولِ الله ﷺ : [من الطويل] إذا اجتمعتْ يومًا قريشٌ لِمَفْخَرٍ … فعبدُ منافٍ سرُّها وصَمِيمُها وإنْ حُصِّلتْ أشرافُ عبدِ منافِها … ففي هاشمٍ أشرافُها وقديمُها وإنْ فخرَتْ يومًا فإنَّ محمدًا … هو المصطفى من سرِّها وكريمها تداعتْ قريشٌ غَثُّها وسمِينُها … علينا فلم تظفر وطاشَتْ حُلومُها (٥) وكنّا قديمًا لا نُقِرُّ ظُلامةً … إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الرقابِ نُقِيمُها ونحمي حِماها كلَّ يومِ كريهةٍ … ونضربُ عن أحجارِها مَنْ يرومها (٦) بنا انتعش العُودُ الدَّوَاءُ وإنما … بأكنافِنا تندَى وتَنْمي أرومُها فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ ، وما تعنَّتوا له في أسئلتهم إياه أنواعًا من الآيات وخَرْق العادات على وجه العِنَاد، لا على سبيل (٧) الهدى والرشاد. فلهذا لم يُجابوا إلى كثيرٍ مما طلبوا، ولا ما إليه رغبوا، لعلْم الحقِّ سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمرُّوا في طغيانهم يعمهون، ولظلُّوا
следующие страницы →