← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ما أكثرُ ما رأيتَ قريشًا أصابتْ من (١) رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتُهم وقد اجتمع أشرافُهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسولَ الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعاتنا، وسبَّ آلهتنا، وصرنا منه على أمرٍ عظيم -أو كما قال- قال: فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجه رسولِ الله ﷺ فمضى، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتُها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح". فأخذت القوم كلمتُه حتى ما منهم من رجل إلا وكأنَّما على رأسه طائر وقع حتى إنَّ أشدَّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفَؤُه (٢) حتى إنه ليقول: انصرفْ أبا القاسم راشدًا، فما كنت بجهول. فانصرف رسولُ الله ﷺ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسولُ الله ﷺ فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عَيْبِ آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : "نعم، أنا الذي أقولُ ذلك" ولقد رأيتُ رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائِه، وقام أبو بكر يَبْكي دونه ويقول: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] ثم انصرفوا عنه. فإنَّ ذلك لأكثر ما رأيت قريشًا بلغتْ منه قط. فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه، واجتماعهم بعمِّه أبي طالب القائم في منعه ونصرته، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم، فأبَى عليهم ذلك بحول الله وقوته. قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد، وأُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون (٤) من بين يوم وليلة، وما لي ولبلالٍ ما يأكلُه ذو كَبِد إلا ما يُواري إبْطُ بلال". وأخرجه الترمذيّ وابنُ ماجَه (٥) من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حسنٌ صحيح.

стр. 1227

وقال محمد بن إسحاق (١): وحَدِبَ على رسولِ الله ﷺ عَمُّهُ أبو طاب ومنعه وقام دونه، ومضى رسولُ الله ﷺ على أمر الله، مظهرًا لدينه لا يردُّه عنه شيء. فلما رأتْ قريش أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُعْتِبُهم من شيءٍ أنكروه عليه، من فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأَوْا أنَّ عمَّه أبا (٢) طالب قد حَدِبَ عليه وقام دونه، فلم يُسْلِمْهُ لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبةُ وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصّي، وأبو سفيان صَخْر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البَخْتَرِي -واسمه العاصُ بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، والأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى، وأبو جهل- واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَظَة بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجَّاج بن عامر بن حُذَيفة بن سعْد (٣) بن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي، والعاص بن وائل بن سُعيد بن سهم. قال ابن إسحاق (٤): أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا وسفَّه أحلامنا، وضلَّلَ آباءنا، فإما أن تكفَّه عنا وإما أن تُخَلِّيَ بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردَّهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه، ومضى رسولُ الله ﷺ على ما هو عليه، يُظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شَرِيَ (٥) الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذِكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا (٦) فيه، وحضَّ بعضهم بعضًا عليه، ثم إنهم مشَوْا إلى أبي طالب مرَّةً أخرى. فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ لك سنًّا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهَهُ عنا، وإنَّا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يَهْلِك أحدُ الفريقين -أو كما قالوا- ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم، ولم يطِبْ نفسًا بإسلامِ رسولِ الله ﷺ ولا خِذْلانِه. قال ابن إسحاق (٧): وحدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أنَّ قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي إنَّ قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أُطيق. قال: فظنَّ رسولُ الله ﷺ أنه

стр. 1228

قد بَدَا لعمِّهِ فيه بَدْوٌ (١)، وأنَّه خاذله ومُسْلِمُه، وأنَّه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري (٢) على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركتُه" قال: ثم استعبر رسولُ الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو طالب. فقال: أقْبِلْ يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا بن أخي، فقلْ ما أحببت، فوالله لا أسلمتُك لشيءٍ أبدًا. قال ابن إسحاق (٣): ثم إنَّ قريشًا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبَى خِذْلانَ رسولِ الله ﷺ وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته، مشَوْا إليه بعُمارة بنِ الوليد بن المغيرة فقالوا له -فيما بلغني-: يا أبا طالب، هذا عُمارة بن الوليد أنهد (٤) فتًى في قريش وأجمله، فخُذْهُ فلك عَقْلُه ونَصْرُه، واتخذْه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودينَ آبائك، وفرَّق جماعة قومِك، وسفَّه أحلامنا فنقتله، فإنما هو رجلٌ برجل! قال: والله لبئس ما تسومونني؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأُعطيكم ابني فتقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدًا. قال فقال المُطْعِمُ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومُك وجهِدوا على التخلُّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا؟ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنَّك قد أجمعتَ خِذْلاني ومظاهرةَ القوم عليّ، فاصنَعْ ما بدا لك -أو كما قال- فحقب الأمر (٥)، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادَى (٦) بعضُهم بعضًا. فقال أبو طالب عند ذلك يعرِّضُ بالمُطعِمِ بن عديّ ويعمُّ مَنْ خذله من بني عبد مناف ومَنْ عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم (٧): [من الطويل]

стр. 1229

ألا قُلْ لعمرٍو والوليدِ ومُطعِم … ألا ليتَ حظّي من حياطتكم بَكْرُ (١) من الخُورِ حَبْحَابٌ كثيرٌ رُغاؤهُ … يُرَشُّ على الساقين من بولِهِ قَطْرُ (٢) تخلَّفَ خلفَ الوِرْدِ ليسَ بلاحقٍ … إذا ماعلا الفَيفاءَ قيلَ له وَبْرُ (٣) أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمِّنا … إذا سُئلا قالا إلى غيرِنا الأمرُ بلى لهما أمرٌ ولكنْ تجرْجَما … كما جَرجمتْ من رأسِ ذي عَلَقَ الصخرُ (٤) أخُصُّ خصوصًا عبدَ شمسٍ ونَوفلًا … هما نَبذَانا مثلَ ما نُبذ الجمر (٥) هما أغمزا للقومِ في أخويهِما … فقد أصبحا منهم أكفُّهما صِفر (٦) هما أشركا في المجدِ مَنْ لا أبالَهُ … من الناسِ إلا أنْ يُرَسَّ له ذِكْرُ (٧) وتَيْمٌ ومخزومٌ وزُهرةُ منهمُ … وكانُوا لنا مولًى إذا بُغيَ النَّصْرُ فواللهِ لا تنفكُّ منَّا عداوةٌ … ولا منهمُ ما قام مِنْ نسلِنا شَفْرُ (٨) قال ابن هشام (٩): وتركنا منها بيتين أقذع فيهما.

стр. 1230

فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق (١): ثم إنَّ قريشًا تذامروا (٢) بينهم على مَنْ في القبائل من منهم (٣) أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبتْ كلُّ قبيلة على مَنْ فيها من المسلمين يعذِّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسولَ الله ﷺ بعمِّه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشًا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من مَنع رسولِ الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه -إلا ما كان من أبي لهب عدو الله- فقال (٤) في ذلك يمدحهم ويحرِّضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنُّصْرَة لرسولِ الله ﷺ : [من الطويل] إذا اجتمعتْ يومًا قريشٌ لِمَفْخَرٍ … فعبدُ منافٍ سرُّها وصَمِيمُها وإنْ حُصِّلتْ أشرافُ عبدِ منافِها … ففي هاشمٍ أشرافُها وقديمُها وإنْ فخرَتْ يومًا فإنَّ محمدًا … هو المصطفى من سرِّها وكريمها تداعتْ قريشٌ غَثُّها وسمِينُها … علينا فلم تظفر وطاشَتْ حُلومُها (٥) وكنّا قديمًا لا نُقِرُّ ظُلامةً … إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الرقابِ نُقِيمُها ونحمي حِماها كلَّ يومِ كريهةٍ … ونضربُ عن أحجارِها مَنْ يرومها (٦) بنا انتعش العُودُ الدَّوَاءُ وإنما … بأكنافِنا تندَى وتَنْمي أرومُها فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ ، وما تعنَّتوا له في أسئلتهم إياه أنواعًا من الآيات وخَرْق العادات على وجه العِنَاد، لا على سبيل (٧) الهدى والرشاد. فلهذا لم يُجابوا إلى كثيرٍ مما طلبوا، ولا ما إليه رغبوا، لعلْم الحقِّ سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمرُّوا في طغيانهم يعمهون، ولظلُّوا

стр. 1231

في غيِّهم وضلالهم يتردَّوْن. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا [قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] (١) وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا] (٢)﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) [أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا] (٣) بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وقد تكلَّمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد. وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق (٤) عن بعض أهل العلم -وهو شيخٌ من أهل مصر يقال له: محمد بن أبي محمد- عن سعيد بن جُبير، وعكرمة عن ابن عباس قال: اجتمع عِلْيَةٌ (٥) من أشراف قريش -وعدَّد أسماءهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمدٍ فكلِّموه، وخاصِمُوه حتى تُعْذِروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشرافَ قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك، فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا وهو يظنُّ أنه قد بدا لهم في أمره بَدَاء (٦)، وكان حريصًا يحبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنَّا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنَّا والله لا نعلمُ رجلًا من العرب أدْخَلَ على قومه ما أدخلتَ على فومك، لقد شتمتَ الآباء، وعِبْتَ الدِّين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمتَ الآلهة، وفرَّقْتَ الجماعة، وما بقي من قبيحٍ إلا وقد جِئْتَه فيما بيننا وبينك؛ فإنْ كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لَكَ من أموالنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإنْ كنتَ إنما تطلب الشَّرَف فينا سوَّدْناك علينا، وإنْ كنتَ تريدُ مُلْكًا ملَّكناكَ علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيك [بما يأتيك] (٧) رَئِيًّا تراه قد غلب عليك -وكان يسمُّون التابعَ من الجِنّ الرَّئِيّ- فربما كان ذلك؛ بذلنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبْرِئَكَ منه أو نُعْذِرَ فيك؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ

стр. 1232

أموالكم، ولا الشَّرَفَ فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ اللهَ بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أنْ أكونَ لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتكم رسالةَ ربِّي ونصحتُ لكم، فإنْ تقبلوا مني ما جئتُكم به فهو حظُّكم من (١) الدنيا والآخرة، وإنْ تردُّوه عليّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" -أو كما قال رسول الله ﷺ - فقالوا: يا محمد، فإنْ كنتَ غيرَ قابلٍ منَّا ما عرَضْنا عليك فقد علمتَ أنَّه ليس أحدٌ من الناس أضيقَ بلادًا، ولا أقلَّ مالًا (٢)، ولا أشدَّ عيشًا منّا. فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به، فَلْيُسَيِّرْ عنَّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليجر (٣) فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعثْ لنا مَنْ مَضَى من آبائنا، وليكُنْ فيمن (٤) يبعث لنا منهم قصيُّ بن كلاب، فإنَّه كان شيخًا صدوقًا، فنسألَهم عمَّا تقول أحقٌّ هو أم باطل؟ فإنْ فعلت ما سألناك وصدَّقوك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول. فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "ما بهذا بُعثت، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به فقد بلَّغْتُكم ما أُرسلتُ به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوا عليَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فإنْ لم تفعل لنا هذا فخُذْ لنفسك فسلْ ربَّك أن يبعث لنا ملَكًا يصدِّقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا (٥) جِنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغنيك عمَّا نراك تبتغي، فإنَّك تقومُ في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسُه، حتى نعرف فضلَ منزلتك من ربِّك إنْ كنتَ رسولًا كما تزعم. فقال لهم: "ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإنْ تقبلوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة. وإن تردُّوه عليَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فأسقطِ السماء كما زعمت أنَّ ربَّك إن شاء فعل، فإنَّا لن نؤمن لك إلا أنْ تفعل. فقال: "ذلك إلى الله إنْ شاء فعل بكم ذلك" فقالوا: يا محمد، ما علم ربُّك أنَّا سنجلسُ معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدَّم إليك ويعلمك ما تُراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمنُ بالرحمن أبدًا؛ فقد أعْذَرْنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نهلكَكَ أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهم (٦) بناتُ الله، وقال قائلُهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله (٧) والملائكة قَبيلًا.

стр. 1233

فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم -وهو ابنُ عمته عاتكة بنت عبد المطلب- فقال: يا محمد عرَضَ عليك قومُك ما عرضوا فلم تقبلْه. ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتَك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوِّفُهم به من العذاب. فوالله لا أومن لك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلَّما ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيَها وتأتيَ معك بنسخةٍ منشورة، ومعك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول؛ وايْمُ الله، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسولُ الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسِفًا لما فاتَهُ بما طمع فيه من قومه حين دعَوْه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلسُ ظلمٍ وعُدْوانٍ وعِنَاد، ولهذا اقتضتِ الحكمة الإلهية، والرحمةُ الربَّانية، ألَّا يجابوا إلى ما سألوا، لأن (١) الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب؛ كما قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عثمان بن محمد، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عنِ سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: سأل أهلُ مكةَ رسولَ الله ﷺ أنْ يجعل لهم الصَّفا ذهبًا، وأنْ يُنحِّيَ عنهم الجبال فيزْدَرِعوا، فقيل له: إنْ شئت أن تَسْتَأنيَ بهم، وإنْ شئتَ أن تؤتيَهُمُ الذي سألوا، فإنْ كفروا هلَكُوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم من القرون فقال (٣): "لا، بل أستأني بهم". فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا] (٤)﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي (٥) من حديث جرير. وقال أحمد (٦): حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن عمران بن حَكَم (٧)، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ للنبيِّ ﷺ : ادْعُ لنا ربَّك يجعل لنا الصَّفَا ذهبًا ونؤمنُ بك. قال:

стр. 1234

"وتفعلون" (١) قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إنَّ ربَّكَ يقرأُ عليك السلام ويقول لك: إنْ شئتَ أصبح الصَّفا لهم ذهبًا. فمَنْ كفر منهم بعد ذلك أعذِّبُه عذابًا لا أعذِّبه أحدًا من العالمين، وإنْ شئتَ فتحتُ لهم باب الرحمة والتوبة، قال: "بل باب التوبة والرحمة". وهذان إسنادان جيِّدان، وقد جاء مرسلًا عن جماعةٍ من التابعين، منهم سعيد بن جُبير وقتادة وابن جُريج وغير واحد. وروى الإمام أحمد والترمذي (٢)، من حديث عبد الله بن المبارك حدّثنا يحيى بن أيُّوب، عن عُبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يَزيد، عن القاسم، عن (٣) أبي أمامة، عن النبيِّ ﷺ قال: "عَرَضَ عليَّ ربِّي أن يجعلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذهبًا، فقلت: لا يا ربّ، [ولكن] أشبع يومًا وأجوع يومًا -أو نحو ذلك- فإذا جعتُ تضرَّعْتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حَمِدْتُك وشكرتك" لفظ أحمد. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسن، وعليُّ بن يزيد يُضعَّف في الحديث. وقال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني شيخٌ من أهل مصر -قدم علينا منذ بضعٍ وأربعين سنة- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثتْ قريشٌ النَّضْرَ بن الحارث وعُقْبة بن أبي مُعَيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفوا (٥) لهم صفته وأخبروهم (٥) بقوله، فإنَّهم أهلُ الكتاب الأول، وعندهم علْمُ ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدِمَا المدينة، فسألا أحبارَ يَهُود عن رسولِ الله ﷺ ووصفوا (١) لهم أمْرَهُ وبعضَ قوله، وقالا: إنَّكم أهلُ التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهم أحبارُ يهود: سلوه عن ثلاثٍ نأمرُكم بهنّ، فإنْ أخبركم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَل، وإنْ لم يفعلْ فالرجل متقوِّل، فرَوْا فيه رأْيَكم: سلوهُ عن فتيةٍ ذهبوا في الدَّهْر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنَّه قد كان لهم حديثٌ عجيب؛ وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ (٦) مشارق الأرض ومغاربها، ما كان [نَبَؤُه] (٧)؛ وسلوه عن الروح ما هو (٨)؛ فإنْ أخبركم بذلك فهو نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإنْ لم يخبرْكم فإنَّه رجلٌ متقوِّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

стр. 1235

فأقبل النَّضْر وعُقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمَرَنا أحبارُ يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاؤوا رسولَ الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرْنا فسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله ﷺ : "أخبرُكم غدًا بما سألتُم عنه"، ولم يستثن. فانصرفوا عنه، ومكثَ رسولُ الله ﷺ خمسَ عشرةَ ليلةً لا يُحْدِثُ له في ذلك وَحْيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهلُ مكة وقالوا: وعَدَنا محمدٌ غدًا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيءٍ مما سألناه عنه، وحتى أحْزَنَ رسولَ الله ﷺ مكْثُ الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلَّم به أهلُ مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة الكهف، فيها معاتبته إياه على حُزْنه عليهم، وخبر (١) ما سألوه عنه، من أمر الفتية والرجل الطوَّاف، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقد تكلَّمنا على ذلك كلِّه في التفسير مطولًا، فمن أراده فعليه بكشفه من هناك. ونزل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] ثم شرَعَ في تفصيلِ أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء (٢) تحقيقًا لا تعليقًا في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ثم ذكر قصة موسى لتعلُّقها بقصة الخضِر، ثم ذي القرنَيْن، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] ثم شرح أمره وحكى خَبَره. وقال في سورة سبحان: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: خَلْقٌ عجيبٌ من خلْقه، وأمْرٌ من أمْرِه، قال لها: كوني فكانت. وليس لكم الاطلاع على كل ما خلَقَه، وتفسير كيفيته (٣)، في نفس الأمر يصعُب عليكم بالنسبة إلى قدرةِ الله تعالى وحكمته، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقد ثبت في الصحيحَيْن (٤) أنَّ اليهود سألوا عن ذلك رسولَ الله ﷺ بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية -فإمَّا أنها نزلَتْ مرَّةً ثانية، أو ذَكرها جوابًا (٥) - وإن كان نزولُها متقدِّمًا، ومن قال: إنها إنما نزلتْ بالمدينة واستثناها من سورة سُبْحَان، ففي قوله نظر، والله أعلم. قال ابنُ إسحاق (٦): ولما خَشِيَ أبو طالبٍ دَهْمَ العرَبِ أن يركبوهُ مع قومه قال قصيدَته التي تعوَّذَ فيها

стр. 1236

بحرَمِ مكَّة وبمكانه منها، وتودَّدَ فيها أشرافَ قومه، وهو على ذلك يُخبرهم وغيرَهم في شعرِهِ أنَّه غير مسلمٍ لرسولِ الله ﷺ ، ولا تاركه لشيءً أبدًا حتى يهلِكَ دونه. فقال: [من الطويل] ولما رأيتُ القومَ لا وُدَّ فيهمُ … وقد قطعوا كلَّ العُرَى والوسائلِ وقد صارَحُونا بالعَدَاوةِ والأذى … وقد طاوَعُوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ وقد حالَفُوا قومًا علينا أَظِنّةً … يَعَضُّونَ غيظًا خَلْفنا بالأناملِ صبرتُ لهم نفسي بسمراءَ سَمْحةٍ … وأبيضَ عَضْبٍ من تُراثِ المَقاولِ (١) وأحضرتُ عند البيت رَهْطي وإخوتي … وأمسكتُ من أثوابِهِ بالوصائلِ قيامًا معًا مُستقبلينَ رِتاجَه … لدى حيث يَقضي حَلفَه كلَّ نافلِ (٢) وحيثُ يُنيخ الأشعرونَ ركابهم … بمُفْضَى السيولِ من إسافٍ ونائلِ موسّمةَ الأعضادِ أو قَصَرَاتِها … مخيَّسةً بين السَّديسِ وبازِل (٣) ترى الودْعَ فيها والرخامَ وزينةً … بأعناقها معقودةً كالعثاكلِ (٤) أَعُوذُ بربّ الناس من كلِّ طاعنٍ … علينا بسوءٍ أو مُلحٍّ بباطل (٥) ومن كاشحٍ يسعى لنا بمَعيبةٍ … ومن مُلحِقٍ في الدين ما لم نحاول (٦) وثَوْرٍ ومن أرسى ثَبيرًا مكانَهُ … وراقٍ ليرقى في حِرَاءَ ونازلِ (٧)

стр. 1237

وبالبيتِ حقِّ البيت من بطن مكةٍ … وبالله إنَّ اللهَ ليس بغافلِ وبالحجَرِ المسودِّ إذْ يمسحونه … إذا اكتنفوهُ بالضُّحَى والأصائلِ (١) وموطئِ إبراهيمَ في الصخر رطبةً … على قدمَيْه حافيًا غيرَ ناعلِ (٢) وأشواطِ بين المروَتَيْن إلى الصَّفَا … وما فيهما من صورةٍ وتماثِلِ (٣) ومن حجَّ بيتَ الله من كلِّ راكبٍ … ومن كلِّ ذي نَذْرٍ ومن كلِّ راجلِ وبالمشعَرِ الأقصى إذا عمدوا له … إلالَ إلى مُفْضَى الشّراجِ القوابلِ (٤) وتَوقافِهِم فوقَ الجبال عشيَّةً … يُقيمون بالأيدي صدورَ الرواحلِ وليلةِ جمعٍ والمنازلِ من مِنَى … وهل فوقَها من حُرمةٍ ومنازلِ وجمعٍ إذا ما المقرُبات أجَزْنَه … سِراعًا كما يخرُجْنَ من وقع وابلِ (٥) وبالجمرةِ الكُبرى إذا صَمدوا لها … يؤمُّون قَذْفًا رأسَها بالجنادلِ وكندةَ إذْ هم بالحِصَابِ عشيَّةً … تُجِيزُ بهم حجَّاج بكرِ بن وائلِ (٦) حليفانِ شدَّا عَقْدَ ما احتلفا له … وردًا عليه عاطفاتِ الوسائلِ وحَطْمِهِمُ سُمرَ الصِّفاح وسَرْحَه … وشِبْرِقَه وخْدَ النعامِ الجوافلِ (٧)

стр. 1238

فهل بعدَ هذا من مَعَاذٍ لعائذٍ … وهل من مُعيذٍ يتقي اللهَ عادلِ (١) يُطاع بنا العِدَى وودُّوا لو أنَّنَا … تُسَدُّ بنا أبوابُ تُرْكٍ وكابُلِ (٢) كذبتم وبيتِ الله نترك مكةً … ونظعنُ إلَّا أمرُكم في بلابِلِ (٣) كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمدًا … ولمَّا نُطاعنْ دُونه ونناضلِ (٤) ونسلمه حتى نصرَّعَ حوله … ونَذهلَ عن أبنائِنا والحلائلِ وينهضَ قومٌ بالحديد إليكمُ … نهوضَ الروايا تحتَ ذاتِ الصلاصل (٥) وحتى نرى ذا الضِّغْنِ يركبُ رَدْعَهُ … من الطَّعنِ فعل الأنكبِ المتحاملِ (٦) وإنا لعمرُ الله إنْ جدَّ ما أرى … لتَلْتَبِسَنْ أسيافُنا بالأماثلِ بكفَّيْ فتًى مثلِ الشهابِ سَميْدَعٍ … أخي ثقةٍ حامي الحقيقةِ باسلِ شهورًا وأيامًا وحَوْلًا مُجَرَّمًا … علينا وتأتي حِجَّةٌ بعدَ قابل (٧) وما ترْكُ قومٍ -لا أبا لكَ- سيَّدًا … يحوطُ الذِّمارَ غيرَ ذَرْبٍ مُوَاكِل (٨) وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثِمَالَ اليتامى عِصْمةً للأراملِ (٩)

стр. 1239

يلوذُ به الهُلَّاك من آلِ هاشمٍ … فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ (١) لعمري لقد أجْرَى أسيدٌ وبكرُهُ … إلى بُغضنا وجزَّآنا لآكلِ (٢) وعثمانُ لم يَرْبَعْ علينا وقُنْفُذٌ … ولكنْ أطاعا أمرَ تلك القبائلِ أطاعا أُبَيًّا وابنَ عبدِ يَغوثِهم … ولم يرقُبا فينا مقالةَ قائلِ كما قد لقينا من سُبَيْعٍ ونوفلٍ … وكلٌّ تولَّى مُعرِضًا لم يجامِلِ فإنْ يُلْفَيَا أو يُمْكن اللهُ منهما … نَكِلْ لهما صاعًا بصاعِ المكايل وذاك أبو عمرٍو أبَى غيرَ بُغضنا … ليُظْعِننا في أهلِ شاءٍ وجامل (٣) يناجي بنا في كلِّ مُمْسَى ومُصْبَحٍ … فناجِ أبا عمرو بنا ثم خَاتِلِ ويؤلي لنا باللهِ ما إنْ يغشُّنا … بلى قد نراهُ جهرةً غيرَ حائلِ (٤) أضاقَ عليه بغضُنا كلَّ تَلْعَةٍ … من الأرض بينَ أخشُبٍ فمَجَادِلِ (٥) وسائلْ أبا الوليدِ ماذا حَبَوْتنا … بسعيك فينا مُعْرِضًا كالمخاتلِ (٦) وكنتَ امرأً ممَّنْ يُعاشُ برأيِهِ … ورحمتِهِ فينا ولستَ بجاهلِ فعتبةُ لا تسمعْ بنا قولَ كاشحٍ … حسودٍ كذوبٍ مبغضٍ ذي دَغَاوِلِ (٧) ومرَّ أبو سفيانَ عنّيَ مُعْرِضًا … كما مرَّ قَيْلٌ من عظام المَقَاولِ يَفِرُّ إلى نَجْدٍ وبَرْدِ مياهِهِ … ويزعُمُ أني لستُ عنكم بغافلِ (٨)

стр. 1240

ويخبرُنا فعلَ المناصحِ أنَّهُ … شفيقٌ ويُخْفي عارماتِ الدواخِلِ (١) أمُطْعِمُ لم أخْذُلكَ في يومِ نَجْدَةٍ … ولا مُعْظِمٍ عندَ الأمور الجلائلِ ولا يومَ خَصْمٍ إذْ أتوك ألدَّةٍ … أولي جَدَلٍ بين الخصومِ المَسَاجِلِ (٢) أمُطْعِمُ إنَّ القومَ سامُوكَ خُطَّةً … وإنِّي متى أوكلْ فلستُ بوائلِ (٣) جزى الله عنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفلًا … عقوبةَ شرٍّ عاجلًا غير آجلِ بميزانِ قسطٍ لا يُخِسُّ شَعيرةً … له شاهدٌ من نفسِه غيرُ عائلِ (٤) لقد سفهتْ أحلامُ قومٍ تبدَّلوا … بني خَلَفٍ قيضًا بنا والغياطل (٥) ونحن الصَّميمُ من ذُؤابةِ هاشمٍ … وآل قُصيٍّ في الخطوبِ الأوائلِ وسهمٍ ومخزوم تمالَوْا وألَّبوا … علينا العِدَى من كل طِمْلٍ وخاملِ (٦) فعبدُ منافٍ أنتمُ خيرُ قومِكم … فلا تُشركوا في أمركم كلَّ واغِلِ لعمري لقد وَهَنْتُمُ وعَجَزْتُمُ … وجئتُمْ بأمرٍ مخطئٍ للمَفَاصلِ (٧) وكنتم حديثًا حَطْبَ قِدْرٍ وأنتمُ … أَلان حِطَابُ أَقْدُرٍ ومَراجلِ (٨) لِيهنِ بني عبدِ المنافِ عقوقُنا … وخذلانُنا وتركُنا في المعاقلِ

стр. 1241

فإنْ نكُ قومًا نَبْتَئِرْ ما صنعتُمُ … وتحتلبوها لَقْحَةً غيرَ باهلِ (١) [وسائطُ كانتْ في لؤيِّ بن غالبٍ … نفاهم إلينا كلُّ صَقْرٍ حُلَاحِلِ ورهطُ نُفَيلٍ شرُّ من وَطِئَ الحَصَى … وأَلأَمُ حافٍ من معدٍّ وناعِلِ] (٢) فأَبلغ قُصَيًّا أنْ سينشَرُ أمْرُنا … وبشِّرْ قصيًّا بعدنا بالتخاذُلِ ولو طرقتْ ليلًا قصيًا عظيمةٌ … إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صَدَقوا ضربًا خِلال ديارِهم … لكنَّا أسًى عندَ النِّسَا والمطافلِ (٣) فكلُّ صديقٍ وابن أُختٍ نودُّه … لعمري وجدنا غَيْبَهُ غيرَ طائلِ (٤) سوى أنَّ رَهْطًا من كلابِ بنِ مرَّة … براءٌ إلينا من مَعقَّةِ خاذلِ (٥) [وهُنَّا لهمْ حتى تبدَّدَ جمعُهم … ويُحْسَر عنَّا كلُّ باغٍ وجاهلِ وكان لنا حوضُ السقايةِ فيهمُ … ونحن الكُدَى من غالبٍ والكواهلِ شبابٌ من المطَيِّبين وهاشمٌ … كبِيض السيوفِ بين أيدي الصياقلِ فما أدركوا ذَحْلًا ولا سَفكُوا دمًا … ولا حالفوا إلا شِرَار القبائل بضربٍ ترى الفتيانَ فيه كأنهم … ضواري أُسودٍ فوقَ لحم خرادِل بني أمةٍ محبوبةٍ هِنْدِ كِيَّة … بني جُمَحٍ عُبَيْد قيس بن عاقل ولكنّنا نَسْلٌ كرامٌ لسادةٍ … بهم نُعِيَ الأقوامُ عند البواطل] ونِعم ابنُ أُختِ القومِ غير مكذَّبٍ … زهيرٌ حسامًا مفرَدًا من حمائل أشمُّ من الشُّمِّ البهاليلِ يَنْتَمي … إلى حسَب في حَوْمةِ المجدِ فاضل لعمري لقد كُلِّفتُ وَجْدًا بأحمدٍ … وإخوته دَأْبَ المحبِّ المُواصلِ (٦) فمن مثلُه في الناسِ أيُّ مُؤَمَّلٍ … إذا قاسَهُ الحُكَّامُ عند التفاضلِ

стр. 1242

حليمٌ رشيد عادلٌ غيرُ طائس … يوالي إلهًا ليس عنه بغافل كريمُ المساعي ماجدٌ وابنُ ماجدٍ … له إرثُ مجدٍ ثابتٌ غيرُ ناصِلِ (١) وأيَّدَهُ ربُّ العبادِ بنصره … وأظهرَ دينًا حقُّه غيرُ زائلِ فواللّهِ لولا أنْ أجيءَ بسُبَّةٍ … تجرُّ على أشياخِنا في المحافِل لكنّا تَبِعناه على كلِّ حالةٍ … من الدهر جدًّا غير قولِ التهازل لقد عَلِموا أنَّ ابنَنا لا مكذَّبٌ … لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطل فأصبح فينا أحمدٌ في أرومةٍ … تُقَصِّرُ عنها سَورةُ المتطاول (٢) حَدِبْتُ بنفسي دونَهُ وحمَيْتُه … ودافعتُ عنه بالذُّرَا والكلاكلِ (٣) قال ابن هشام (٤): هذا ما صحَّ لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر يُنكر أكثرها. قلث: هذه قصيدةٌ عظيمةٌ بليغة جدًّا لا يستطيعُ أن يقولها إلا من نُسبت إليه، وهي أفحل من المعلَّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطوَّلة بزياداتٍ أُخَرَ. والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق (٥): ثمّ إنهم عدَوْا على من أسلم واتَّبع رسولَ الله ﷺ من أصحابه فوثبَتْ كلُّ قبيلةٍ على مَنْ فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذِّبونهم (٦) بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاءِ مكةَ إذا اشتدَّ الحرّ؛ مَنِ استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم مَنْ يُفتن من شدَّةِ البلاءِ الذي يُصيبهم، ومنهم من يَصْلُبُ لهم ويعصمه الله منهم؛ فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جُمَح، مولَّدًا من مولَّديهم، وهو بلال بن رَبَاح، واسمُ أُمِّه حَمَامة، وكان صادقَ الإسلام طاهِرَ القلب، وكان أميةُ بن خلف يُخرِجُه إذا حميتِ الظَّهيرة ثم يأمر بالصخرَةِ العَظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ﷺ ، وتعبد اللاتَ والعُزَّى. فيقول: -وهو في ذلك- أحَدٌ أحد.

стр. 1243

قال ابن إسحاق (١): فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان ورَقَةُ بن نَوْفَل يمرُّ به وهو يعذَّب لذلك وهو يقول: أحَدٌ أحَد، فيقول [ورقة:] (٢) أحَد أحَد واللهِ يا بلال، ثم يُقْبِلُ على أميَّة بن خلف ومَنْ يصنع ذلك به من بني جُمح فيقول: أحلفُ بالله، لئنْ قتلتموه على هذا لأتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا (٣). قلت: قد استشكل بعضُهم هذا من جهة أنَّ ورَقَة توفِّي بعد البِعْثة في فترة الوحي، وإسلام مَنْ أسلم إنما كان بعد نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فكيف يمرُّ ورَقَةُ ببلال، وهو يعذَّب؟ [وفيه نظر. ثم ذكر ابنُ إسحاق (٤) مرور أبي بكرٍ ببلال وهو يعذَّب] (٥)، فاشتراه من أمية بعبدٍ له أسود فأعتقه وأراحَهُ من العذاب. وذكر مشتراه لجماعةٍ ممن أسلم من العَبيد والإماء، منهم بلال، وعامر بن فُهيرة، وأم عُبَيس (٦)، [وزِنِّيرة] (٧) التي أُصيب بصَرُها، ثم ردَّه الله تعالى لها، والنهديَّة وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثَتْهما سيدتُهما تطحنانِ لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدًا، فقال أبو بكر: حِلًا (٨) يا أمَّ فلان، فقالت: حلَّ أنت، أفسدْتَهما فأعتِقْهما. قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. قال: قد أخذتُهما وهما حُرَّتان، أرْجِعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرُغُ منه يا أبا بكر ثم نردُّه إليها؟ قال: أو ذلك إنْ شئتما. واشترى جاريةَ بني مؤمَّل -حي من بني عَدِيّ- كان عمر يضربها على الإسلام. قال ابن إسحاق (٩): فحدّثني محمد بن عبد الله بن أبي عَتِيق، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن

стр. 1244

بعض أهله، قال: قال أبو قحافةَ لابنه أبي بكر: يا بني إنِّي أراك تُعْتِقُ ضعافًا، فلو أنك إذْ فعلتَ ما فعلت أعتقتَ رجالًا جُلْدًا، يمنعونك ويقومون دونك؟ قال: فقال أبو بكر: يا أبة، إنِّي إنما أريدُ ما أريد. قال: فيتحدَّث أنه ما أنزل هؤلاءِ الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] إلى آخر السورة. وقد تقدَّم ما رواه الإمام أحمد وابنُ ماجه (١) من حديث عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ، عن ابن مسعود قال: أول من أظهر الإسلامَ سبعةٌ، رسولُ اللهِ ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمُّهُ سُمَيَّة، وصُهَيب، وبلال، والمِقْدَاد؛ فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمِّه، و [أما] أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذَهُم المشركون فألبسوهم أدراعَ الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا فإنَّه هانتْ عليه نفسُهُ في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطَوْه الولدان فجعلوا يطوفون به في شِعَابِ مكة وهو يقول: أحدٌ أحدٌ. ورواه الثَّوْري عن منصور عن مجاهد مرسلًا. قال ابنُ إسحاق (٢): وكانتْ بنو مَخْزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه -وكانوا أهلَ بيت إسلام- إذا حميتِ الظهيرة يعذِّبونهم برَمْضَاء مكة، فيمرُّ بهم رسولُ الله ﷺ فيقول -فيما بلغني-: "صبرًا آلَ ياسر، مَوْعِدُكُمُ الجنَّة". وقد روى البيهقيُّ (٣) عن الحاكم، عن إبراهيم بن عِصْمَة العدل، حدَّثنا السَّرِيُّ بنُ خُزيمة، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام بن أبي عبد الله (٤)، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ بعمَّارٍ وأهله وهم يُعَذَّبون فقال: "أبشرُوا آلَ عمَّار وآل ياسر (٥)، فإنَّ موعدَكُمُ الجنَّة". فأما أمُّه فيقتلونها فتأبى إلا الإسلام (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال: أول شهيدٍ كان في

стр. 1245

الإسلام استشهد أمُّ عمَّار سُمَيَّة، طعنها أبو جهل بحَرْبةٍ في قُبُلها (١) وهذا مرسل. قال محمد بن إسحاق (٢): وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغْري بهم في رجالٍ من قريش، إذا سمع برجل قد أسلم له شرفٌ ومَنَعَة أنَّبه (٣) وخَزَاه وقال: تركتَ دينَ أبيك وهو خيرٌ منك، لنسفهنَّ حِلْمك، ولَنُفَيِّلَنَّ (٤) رأيَك، ولنضعَنَّ شرفَك. وإنْ كان تاجرًا قال: والله لنكسدَنَّ تجارتك، ولنهلكنَّ مالك. وإن كان ضعيفًا ضربه وأغْرَى به، لعنه الله وقبَّحه. قال ابنُ إسحاق (٥): وحدَّثني حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جُبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحابِ رسولِ الله ﷺ من العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله! إنْ كانوا ليضربون أحدَهم ويُجيعونه ويُعطشونه، حتى ما يقدر أنْ يستويَ جالسًا من شدَّة الضُّرِّ الذي به، حتى يُعطِيهمْ ما سألوه من الفِتْنَة، حتى يقولوا له: اللات والعُزَّى إلَهان من دونِ الله؟ فيقول: نعم! [وحتى إنَّ الجُعَلَ ليمرُّ بهم فيقولون له: أهذا الجُعَل إلَهك من دون الله؟ فيقول: نعم] افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم. قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (٦)﴾ الآية، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والتعذيب (٧) البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته. وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خَبَّاب بن

стр. 1246

الأرَتّ. قال: كنتُ رجلًا قَيْنًا، وكان لي على العاص بن وائل دَيْن، فأتَيْتُه أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفُرَ بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تُبعث. قال: فإني إذا متُّ ثم بُعثت جئتني ولي ثمَّ مالٌ وولد فأعطيك (١). فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]. أخرجاه في الصحيحين (٢) وغيرهما من طرق عن الأعمش به. وفي لفظِ البخاري (٣): كنتُ قَيْنًا بمكة، فعملتُ للعاص بن وائل سيفًا، فجئتُ أتقاضاه فذكر الحديث. وقال البخاري (٤): حدَّثنا الحُميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا بَيَان (٥) وإسماعيل قالا: سمعنا قيسًا يقول: سمعتُ خَبَّابًا يقول: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو متوسِّدٌ بردةً (٦) وهو في ظلِّ الكعبة، وقد لَقينا من المشركين شدَّة، فقلت: [يا رسول الله]، ألا تدعو الله [لنا]؟ فقعدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فقال: "قد كان مَنْ كان قبلَكم ليُمشطُ بأمشاطِ الحديد ما دُون عظامِه من لحمٍ أوْ عَصَب، ما يصرِفُه ذلك عن دينه، ويوضَعُ المنشار (٧) على مفرِق رأسه فيُشَقُّ باثنين، ما يَصْرِفُه ذلك عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْت ما يخافُ إلا اللهَ " زاد بَيَان: "والذئبَ على غنمه". وفي رواية (٨): "ولكنكم تستعجلون" انفرد به البخاري دون مسلم. وقد رُوي من وجهٍ آخر عن خَبَّاب، وهو مختصرٌ من هذا. والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٩): حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، وابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن

стр. 1247

أبي إسحاق، عن سعيد بن وَهْب، عن خبَّاب قال: شكَوْنا إلى النبيِّ ﷺ شدَّةَ الرَّمْضَاء [فما أشكانا -يعني في الصلاة- وقال ابنُ جعفر: فلم يُشْكِنا. وقال أيضًا (١): حدثنا سليمان بن داود، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعتُ سعيد بن وَهْبٍ يقول: سمعت خَبَّابًا يقول: شكونا إلى رسولِ الله ﷺ الرَّمْضَاء (٢) فلم يُشْكِنا. قال شعبة: يعني في الظُّهر (٣). ورواه مسلم والنَّسائي والبيهقي (٤) من حديث أبي إسحاق السَّبيعي، عن سعيد بن وَهْب، عن خَبَّاب قال: شكَوْنا إلى رسولِ الله ﷺ حَرَّ الرَّمْضاء -زاد البيهقي في وجوهنا وأكُفِّنا- فلم يُشْكِنا (٥). وفي رواية (٦): شكونا إلى رسولِ الله ﷺ الصلاة في الرَّمضاء فلم يُشْكنا. ورواهُ ابنُ ماجه (٧) عن علي بن محمد الطَّنَافِسِيّ، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب (٨) العَبْدي، عن خباب قال: شكونا إلى رسولِ الله ﷺ حَرَّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا. والذي يقع لي -والله أعلم- أنَّ هذا الحديث مختصرٌ من الأول، وهو أنهم شكَوْا إليه ﷺ ما يَلْقَوْن من المشركين من التعذيب بحرِّ الرَّمْضَاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتَّقون بأكفِّهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه ﷺ أن يدعُوَ الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم، فوعدهم ذلك ولم ينجزْه لهم في الحالة الرَّاهنة، وأخبرهم عمَّن كان قبلهم أنهم كانوا يلقَوْن من العذاب ما هو أشدُّ مما أصابهم، ولا يصرفُهم ذلك عن دينهم، ويبشِّرُهم أنَّ الله سيتِمُّ هذا الأمر ويُظهره ويُعلنه وينشره وينصُره في الأقاليم والآفاق، حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حَضْرَمَوت لا يخافُ إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون، ولهذا قال: شكَوْنا إلى رسول الله ﷺ حرَّ الرمضاء في وجوهنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنا، أي: لم يدْعُ لنا في الساعة الراهنة. فمن استدلَّ بهذا الحديث على عدَمِ الإبراد أو على وجوب مباشرة المصلِّي بالكفِّ كما هو أحد قولي الشافعي، ففيه نظر. والله أعلم.

стр. 1248

باب مجادلة المشركين رسول الله ﷺ وإقامة الحُجَّة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإنْ أظهروا المخالفة عِنادًا وحسدًا وبَغْيًا وجُحودًا قال إسحاقُ بن راهويه: حدَّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيُّوب السّخْتِياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ الوليد بن المغيرة جاء إلى رسولِ الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلَغَ ذلك أبا جهل، فأتاهُ فقال: يا عم، إنَّ قومك يريدون (١) أنْ يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيتَ محمدًا لتعرض ما قِبَله، قال: قد علمتْ قريشٌ أنِّي من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلُغ قومَك أنَّك منكرٌ له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجلٌ أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برَجَزِه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجِنّ، والله ما يُشبه الذي يقولُ شيئًا من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقوله حلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّهُ لمثمرٌ أعلاه، مُغْدِقٌ أسفله، وإنَّهُ لَيَعْلُو ولا يُعْلى، وإنَّه لَيحْطِمُ ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومُك حتى تقولَ فيه، قال: قف عني (٢) حتى أفكِّر فيه. فلما فكَّر قال: إنْ هذا إلا سحرٌ يُؤثَر يَأْثُرُهُ عن غيره. فنزلتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات. هكذا رواهُ البيهقي (٣) عن الحاكم، عن عبد الله بن محمد الصَّنْعاني بمكَّة، عن إسحاق به. وقد رواهُ حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا. فيه أنه قرأ عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال البيهقي (٤): عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار (٥)، عن يونس بن بُكَير (٦)، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة عن ابن عباس- أنَّ الوليد بن المغيرة اجتمع ونفرٌ من قريش، وكان ذا سِنٍّ فيهم، وقد حَضَر المواسم (٧) فقال: إنَّ وفود

стр. 1249

العرب ستقدمُ عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا، فيكذِّب بعضُكم بعضًا، ويردُّ قولُ بعضكم بعضًا. فقيل: يا أبا عبد شمس، فقُلْ، وأقِمْ لنا رأيًا نقومُ به. فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. فقالوا: نقولُ كاهن؟ فقال ما هو بكاهن، رأيتُ الكُهَّان، فما هو بزَمْزَمة الكُهَّان. فقالوا: نقول مجنون؟ فقال ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِهِ ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر؟ فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر بِرَجَزِه وهَزَجِه وقَرِيضه ومَقْبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول هو ساحر؟ قال ما هو بساحر، قد رأينا السُّحَّار وسِحْرَهم، فما هو بنَفْثِه ولا بعَقْدِه. قالوا: فما نقولُ يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمُغْدق، وإنَّ فَرْعَهُ لجنيّ (١)، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف (٢) أنه باطل؛ وإنَّ أقربَ القول لأنْ تقولوا ساحر، فتقولوا (٣): هو ساحرٌ يفرِّقُ بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته. فتفرَّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حين قدِموا المَوْسم، لا يمرُّ بهم أحَدٌ إلا حذَّرُوهُ إيَّاه، وذكروا لهم أمره، وأنزل الله في الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات. وفي أولئك النَّفرِ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩١ - ٩٣]. قلت: وفي ذلك قال الله تعالى أخبارًا عن جهلهم وقِلَّةِ عقلهم ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] فحارُوا ماذا يقولون فيه، فكلُّ شيءٍ يقولونه باطل، لأن مَنْ خرج عن الحق مهما قاله أخطأ. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩]. وقال الإمام عبد بن حُميد في مسنده (٤)؛ حدثني أبو بكر بن أبي شيبة (٥)، حدثنا عليُّ بن مُسْهِر عن الأجْلَح -هو ابن عبد الله الكِنْدِي- عن الذَّيَّال بن حَرْمَلَة الأسَدِي، عن جابر بن عبد الله قال: اجتمع قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسِّحْر والكهانةِ والشعر، فَلْيأتِ هذا الرجل الذي (٦) فرَّق جماعتنا وشتَّتَ أمرنا، وعابَ ديننا فلْيُكلِّمْه ولينظرْ ماذا يردُّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غيرَ عتبة بن ربيعة.

стр. 1250

فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاهُ عتبةُ فقال: يا محمد أنت خيرٌ أمْ عبدُ الله؟ فسكت رسولُ الله ﷺ . فقال: أنت خيرٌ أمْ عبد المطلب؟ فسكت رسولُ الله ﷺ . قال: فإنْ كنتَ تزعم أنَّ هؤلاء خيرٌ منك فقد عبدُوا الآلهة التي عِبْتَ، وإنْ كنت تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلَّم حتى نسمع قولك، إنَّا والله ما رأينا سَخْلَةً (١) قطُ أشأم على قومه منك، فرَّقتَ جماعتنا، وشتَّتَّ أمرنا، وعِبتَ ديننا، وفضَحْتَنا في العرب حتى لقد طار فيهم أنَّ في قريش ساحرًا، وأنَّ في قريش كاهنًا؛ والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحُبْلى (٢) أن يقوم بعضُنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى؛ أيها الرجل، إنْ كان إنما بك الحاجة جمَعْنا لك حتى تكون أغْنَى قريش رجلا، وإنْ كان إنما بك الباءَة (٣) فاخْتَرْ أي نساءِ قريش شئت فلنزوجك عَشْرًا. فقال رسول الله ﷺ : "أفرغتَ (٤)؟ " قال: نعم. فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أنْ بلغَ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]. فقال عتبة: [حَسْبُك] (٥) ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قُريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركتُ شيئًا أرى أنَّكم تكلِّمونه إلا كلَّمتُه [به] (٦). قالوا: فهل أجابك؟ فقال نعم. ثم قال: لا والذي نصَبَها بنيَّة، ما فهمتُ شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقةً مثل صاعقةِ عادٍ وثمود. قال: ويلك يكلِّمُك الرجلُ بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله ما فهمتُ شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة. وقد رواه البيهقي (٧) وغيره عن الحاكم وغير (٨)، عن الأصم، عن عباس الدُّوري، عن يحيى بن مَعِين، عن محمد بن فُضَيل، عن الأجْلَح به، وفيه كلام (٩)، وزاد: وإنْ كنتَ إنما بك الرِّياسة عقَدْنا ألويتنا لك، فكنتَ رأسًا ما بَقيت. وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] أمسك عتبةُ

стр. 1251

على فيه وناشدَهُ الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ عنه؛ ولم يخرجْ إلى أهله واحتَبَسَ عنهم. فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش، ما نرى عتبة إلا صَبَأ إلى محمدٍ وأعجبَهُ طعامُه، وما ذاك إلا من حاجةٍ أصابَتْه، انطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا (١) إلا أنَّك صبَوْتَ إلى محمد وأعجبَك أمْرُه، فإنْ كان بك حاجة جمَعْنا لك من أموالنا ما يُغنيك عن طعام محمد. فغضِبَ وأقسم بالله لا يكلِّمُ محمدًا أبدًا. وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكنِّي أتيتُه -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيءٍ والله ما هو بسحرٍ ولا بشعر ولا كَهانة، قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (*) حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] فأمسكتُ بفيه وناشدتُه الرحمَ أنْ يكُفّ، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفتُ أنْ ينزلَ عليكم العذاب. ثم قال البيهقي (٢)، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس (٣)، عن محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم، عن محمد بن كعب قال: حُدِّثتُ أنَّ عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا حليمًا- قال ذات يوم وهو جالسٌ في نادي قريش، ورسولُ الله ﷺ جالسٌ وَحْدَه في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا [فأُكلِّمَهُ] فأعرضَ عليه أمورًا لعلَّه يقبلُ بعضَها ويكفُّ عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليا (٤) من المال والمُلْك وغير ذلك (٥)، حتى إذا فَرَغ عتبة قال له النبيُّ ﷺ : "أفرغْتَ (٦) يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "اسمَعْ مني" قال: أفعل. فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 1252

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (*) حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٣] فمضى رسولُ الله ﷺ يقرؤها، فلما سمع بها عتبةُ أنصتَ لها وألْقَى بيديه خلْفَه -أو خلْفَ ظهره- معتمدًا عليهما يسمع منه، حتى انتهى رسولُ الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها ثم قال: "سمعتَ يا أبا الوليد؟ " قال: سمعتُ. قال: "فأنتَ وذاك" فقام عتبةُ إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغيرِ الوَجْه الذي ذهب به. فلما جلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنِّي والله قد سمعتُ قولًا ما سمعتُ مثله قط، والله ما هو بالشعر [ولا السِّحْر] ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعتُ نبأٌ، فإن تُصِبْهُ العرب فقد كُفيتموهُ بغيركم، وإنْ يظهرْ على العرب فملْكُه ملْكُكم، وعِزُّه عِزُّكم، وكنتم أسعدَ الناسِ به. قالوا: سحَرَكَ والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم. ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرًا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة. وقال البيهقي (١): أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الأدَمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بِشْر الطَّيَالسي، حدثنا داود بن عمرو الضَّبِّي، حدثنا المثنى بن زُرْعَة عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما قرأ رسولُ الله ﷺ على عتبة بن ربيعة ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم، أطيعوني في هذا الأمر اليوم، واعْصُوني فيما بعده، فوالله لقد سمعتُ من هذا الرجل كلامًا ما سمعتْ أُذناي كلامًا مثله، وما درَيْتُ ما أردُّ عليه. وهذا حديثٌ غريبٌ جدًّا من هذا الوجه. ثم روى البيهقي (٢) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس (٣)، عن ابن إسحاق: حدثني الزُّهْري قال: حُدِّثتُ أنَّ أبا جهلٍ وأبا سفيان والأخنس بن شُريق خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسولِ الله ﷺ ، وهو يصلِّي بالليل في بيته، فأخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلسًا ليستمع منه، وكلٌّ لا يعلمُ بمكانِ صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطَلَع الفجر تفرَّقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعضُ سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلةُ الثانية عاد كلُّ رجلٍ منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجرُ تفرَّقوا، فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرَّة.

стр. 1253

ثم انصرفوا، فلما كانتِ الليلةُ الثالثة أخذ كلُّ رجل منهم مجلسَه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرَّقوا فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرحُ حتى نتعاهد أن لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شُرَيق أخَذَ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيانَ في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعتُ أشياءَ أعرفُها وأعرفُ ما يُرادُ بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفتَ به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، مارأيُكَ فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: ماذا سمعت! تنازَعْنا نحن وبنو عبد مَنَافٍ الشَّرَف، أطعموا فأطعَمْنا، وحمَلوا فحملنا، وأعطَوْا فأعطَيْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكب، وكنَّا كفَرَسَيْ رِهان قالوا: منا نبيٌّ يأتيهِ الوَحْيُ من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع (١) به أبدًا ولا نصدِّقُه. فقام عنه الأخنس بن شُريق. ثم قال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، حدثنا أحمد، حدثنا يونس، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: إنَّ أوَّلَ يومٍ عرفتُ رسولَ الله ﷺ أنِّي [كنتُ] أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزِقَّة مكة، إذْ لَقِينا رسول الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم، هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله". فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنتَ مُنْتهٍ عن سَبِّ آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهدَ أنك قد بلَّغْت؟ فنحن نشهد أنْ قد بلغت، فوالله لو أني أعلمُ أنَّ ما تقول حقٌّ لاتَّبعتُك. فانصرف رسول الله ﷺ وأقبلَ عليَّ فقال: والله إني لأعلم أن ما يقولُ حق، ولكنَّ بني قُصَيٍّ (٣) قالوا: فينا الحِجَابة. فقلنا: نعم؛ ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللِّواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمْنا. حتى إذا تحاكَّت الرُّكب قالوا: منَّا نبيّ. واللّهِ لا أفعل. وقال البيهقي (٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر، قالا (٥): أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدّثنا محمد بن خالد، حدّثنا أحمد بن خالد (٦)، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: مرَّ النبيُّ ﷺ على أبي جهل وأبي سفيان، وهما جالسان، فقال أبو جهل: هذا نبيُّكم يا بني عبد شمس.

стр. 1254

قال أبو سفيان: وتعجَبُ أنْ يكون منَّا نبيّ؟ فالنبيُّ يكون فيمنْ [هو] أقلّ منا وأذلّ. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلامٌ من بين شيوخ نبيًا، ورسولُ الله ﷺ يسمع. فأتاهما فقال: "أما أنتَ يا أبا سفيان، فما لله ورسولهِ غضِبت، ولكنك حَميتَ للأصل؛ وأمَّا أنت يا أبا الحكم، فوالله لتضحكَنَّ قليلًا ولتبكيَنَّ كثيرًا" فقال: بئسما تَعِدُني يا ابن أخي من نبوَّتِك. هذا مرسلٌ من هذا الوجه وفيه غرابة. وقولُ أبي جهلٍ -لعنه الله- كما قاله الله تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]. وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا هُشَيم، حدّثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: نزلَتْ هذه الآيةُ ورسولُ الله ﷺ متوارٍ بمكة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: كان إذا صلَّى بأصحابه رفَعَ صوتَهُ بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سَبُّوا القرآن وسَبُّوامن أنزلَهُ ومَنْ جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءَتك فيسمعَ المشركونَ فيَسُبُّوا القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عن أصحابك، فلا تُسْمِعْهمُ القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهكذا رواه صاحبا الصحيح (٢) من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وَحْشيَّة به (٣). وقال محمد بن إسحاق (٤): حدَّثني داودُ بن الحُصَين عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن -وهو يصلِّي- تفرَّقوا عنه وأبَوْا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعضَ ما يتلو، وهو يصلِّي، استرق السمع دونهم فرَقًا منهم، فانْ رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإنْ خَفَضَ رسول الله ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع من أرادَ أن يسمعَها ممن يَسْتَرِقُ ذلك، لعلَّه يَرْعَوِي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].

стр. 1255

باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ ، من مكة إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة قد تقدم ذِكْر (١) أذيَّةِ المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضَّرْب الشديد، والإهانة البالغة، وكان الله قد حجرهم عن رسوله ﷺ ، ومنعه بعمِّه أبي طالب، كما تقدَّمَ تفصيلُه ولله الحمد والمنة. وروى الواقدي (٢) أنَّ خروجهم إليها في رجب سنة خمسٍ من البعْثَة، وأن أولَ من هاجر منهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا (٣) إلى البحر، ما بين ماشٍ وراكب، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار إلى الحبشة (٤)، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رُقَيَّة بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حُذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سُهيل، والزُّبَير بن العوَّام، ومُصْعَب بن عُمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مَظْعون، وعامر بن ربيعة العَنْزي، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو، وسُهيل بن بَيْضاء، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أجمعين. قال ابنُ جرير (٥): وقال آخرون: بل كانوا اثنين وثمانينَ رجلًا، سوى نسائهم وأبنائهم؛ وعمار بن ياسر -فشَكَّ (٦) - فإنْ كان فيهم فقد كانوا ثلاثةً وثمانينَ رجلًا. وقال محمد بن إسحاق (٧): فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما يُصيبُ أصحابَهُ من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعَهُمْ مما هم فيه من البلاء. قال لهم: "لو خرَجْتُمْ إلى أرض الحبشة، فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرضُ صِدْق، حتى يجعلَ الله لكم فرجًا مما أنتم فيه". فخرج عند ذلك المسلمون من أصحابِ رسولِ الله ﷺ

стр. 1256

إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم. فكانتْ أولَ هجرةٍ كانتْ في الإسلام. وكان أولَ من خرج من المسلمين عثمانُ بن عفان، وزوجتُه رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ . وكذا روى البيهقي (١) من حديث يعقوب بن سفيان، عن عباس العَنْبَرِيّ، عن بشر بن موسى، عن الحسن بن زياد البُرْجُمي، حدثنا قتادة قال: إنَّ أولَ من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمانُ بن عفان ﵁، سمعتُ النَّضْرَ بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة -يعني أنس بن مالك- يقول: خرج عثمان بنُ عفَّان ومعه امرأتهُ رُقَيَّة بنتُ رسولِ الله ﷺ إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله ﷺ خبرهم، فقدمتِ امرأةٌ من قريش فقالت: يا محمد، قد رأيتُ خَتَنَك ومعه امرأته. قال: "على أي حال رأيتِهما؟ ". قالت: رأيتُه قد حمل امرأتَهُ على حمارٍ من هذه الدَّبَّابَة (٢)، وهو يسوقها. فقال رسولُ الله ﷺ : "صَحِبَهُما الله، إنَّ عثمانَ أولُ من هاجر بأهله بعد لوط ﵇". قال ابن إسحاق (٣): وأبو حذيفة [بن عتبة، وزوجته سَهْلة بنت سُهيل بن عمرو -وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة] (٤) - والزُّبير بن العوَّام، ومُصْعَب بن عُمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سَلَمة بن عبد الأسد، وامرأتُه أمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة -وولدت له بها زينب- وعثمان بن مَظْعُون، وعامر بن ربيعة -حليف آلِ الخطَّاب، وهو من بني عَنْز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو- ويقال: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر -وهو أوَّلُ مَنْ قدِمها فيما قيل- وسُهيل بن بَيْضاء. فهؤلاء العشرة أولُ مَنْ خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني. قال ابنُ هشام (٥): وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعضُ أهل العلم. قال ابن إسحاق (٦): ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس وولدت له بها عبد الله بن جعفر؛ وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة. وقد زعم موسى بن عقبة أنَّ الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسولِ الله ﷺ إلى الشِّعْب، وفي هذا نظر. والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في

стр. 1257

الهجرة الثانية إليها. وذلك بعد عَوْدِ بعض من كان خرج أولًا، حين بلغهم أنَّ المشركين أسلموا وصلَّوا، فلما قدموا مكة -وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون- فلم يجدوا ما أُخبروا به من إسلام المشركين صحيحًا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة. وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانُه. قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيًا. وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرَّعِيل الأول أظهر كما سيأتي بيانه. والله أعلم. لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولًا، وهو المقدَّم عليهم والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره، كما سنوردُه مبسوطًا. ثم إنَّ ابن إسحاق سرد الخارجين (١) صحبةَ جعفرٍ ﵃. وهم عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن مُحَرِّث بن شِقّ الكِنَاني. وأخوه خالد. وامرأتُه أُمينة (٢) بنت خلف بن أسعد الخُزَاعي. وولدت له بها سعيدًا، وأُخْتَهُ (٣) أَمَة التي تزوَّجها بعد ذلك الزُّبير، فولدت له عمرًا وخالدًا. قال: وعبد الله بن جَحْش بن رئاب، وأخوه عُبيد الله، ومعه امرأته أمّ حَبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خُزَيمة، وامرأته بَرَكة بنت يَسار مولاة أبي سفيان، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي آلِ سعيد بن العاص (٤). قال ابن هشام: وهو من دَوْس. قال (٥): وأبو موسى [الأشعري] عبدُ الله بن قيس (٦) حليفُ آلِ عتبة بن ربيعة -وسنتكلَّم معه في هذا- وعتبة بن غَزْوان، ويزيد بن زَمَعة بن الأسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطُليب بن عُمير بن وهب بن أبي كثير (٧) بن عبد، وسُويبط بن سعد بن حَرْمَلة، وجَهْم بن قيس العَبْدَرِي (٨)، ومعه امرأته أم حَرْمَلة بنت عبد الأسود بن جذيمة (٩)، وولداه عمرو بن جَهْم وخزيمة (١٠) بن جهم، وأبو الرُّوم ابن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفِرَاس بن النَّضْر بن الحارث بن كَلَدة، وعامر بن أبي وقَّاص أخو سعد، والمطَّلب بن أزهر بن عبد عوف الزُّهْري، وامرأته رَمْلَة بنتُ أبي عوف بن

стр. 1258

ضبَيرَة (١)؛ وولدت بها عبد الله. وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الأسود، والحارث بن خالد بن صَخر التَّيْمي، وامرأته رَيْطة بنت الحارث بن جُبيلة (٢)، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة. وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشَّريد المخزومي -قال وإنما سمي شَمَّاسًا لحُسْنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان- وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة؛ ومُعَتِّب بن عوف بن عامر -ويقال له عيهامة (٣) - وهو من حلفاء بني مخزوم. قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمانَ بن مَظْعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلَّل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه حطَّاب (٤)، وامرأته فُكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسَنة، وابناهُ منها جابر وجُنَادة، وابنها من غيره، وهو شُرَحْبِيل بن عبد الله -[أحد الغَوْث بن مُرّ، أخي تميم بن مُرّ] (٥)، وهو الذي يقال له: شُرَحْبيل بن حَسَنة -وعثمان بن ربيعة بن أُهبان بن وَهْب بن حُذَافة بن جمح، وخُنَيس بن حُذَافة بن قيس بن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سَعْد (٦) بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سُعيد (٧)، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس بنُ الحارث بن قيس بن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد أبناء الحارث (٨) بن قيس بن عدي [وأخو بشر بن الحارث بن قيس بن عدي] (٩) لأمِّه، وهو سعيد بن عمرو التميمي؛ وعُمير بن رئاب بن حُذيفة بن

стр. 1259

مُهشِّم بن سُعَيد (١) بن سهم، وحليفٌ لبني سَهْم: وهو مَحْميةُ بن جَزْء الزُّبَيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العُزَّى، وعدي بن نَضْلة بن عبد العزَّى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مَخْرمة العامري، وعبد الله بن سُهيل بن عمرو، وسَليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سَوْدَة بنت زَمْعَة، ومالك بن زَمْعَة (٢)، وامرأته عمرة بنت السَّعْدِيّ، وأبو حاطب بن عمرو العامريُّون وحليفُهم سعد بن خولة -وهو من اليمن- وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرَّاح الفِهري، وسهيل بن بَيْضاء -وهي أمُّه- واسمها دعد بنت جَحْدَم بن أميَّة بن ظَرِب بن الحارث بن فِهْر، وهو سهيل بن وَهْب بن ربيعة بن هلال بن ضَبَّة (٣) بن الحارث، وعمرو بن أبي سَرْح بن ربيعة بن [هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث] (٤)، وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن [أُهَيب بن ضبَّة بن الحارث] (٥) ويقال: بل [ربيعة بن] (٨) هلال بن مالك بن ضبَّة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غَنْم بن زُهير (٦)، وسعد (٧) بن عبد قيس بن لَقِيط، وأخوه الحارث الفهريون. قال ابن إسحاق (٨): فكان جميعُ من لَحِق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارًا أو ولدوا بها -ثلاثةً وثمانين رجلًا إنْ كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يُشَكُّ فيه. قلت: وذِكْرُ ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمَنْ هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريبٌ جدًّا. وقد قال الإمام أحمد (٩): حدثنا حسن بن موسى، سمعتُ حُدَيجًا (١٠) أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق

стр. 1260

عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: بَعَثَنا رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نَحْوٌ من ثمانين رجلًا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عُرْفُطَة، وعثمان بن مَظْعون، وأبو موسى، فأتَوْا النجاشيّ، وبعثتْ قريش عمرَو بن العاص وعُمارةَ بن الوليد بهديَّة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إنَّ نفرًا من بني عمِّنا نزلوا أرضك ورَغِبوا عنَّا وعن مِلَّتنا. قال فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعثْ إليهم. فبعَثَ إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكُم اليوم فاتَّبعوه، فسلَّم ولم يسجُد، فقالوا له: مالك لا تسجدُ للملك؟ قال إنَّا لا نسجدُ إلَّا لله ، قال وما ذاك؟ قال إنَّ اللهَ بعثَ إلينا رسولًا، فأمرنا أنْ لا نسجدَ لأحَدٍ إلَّا للهِ ، وأمرَنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنَّهم يخالفونكَ في عيسى بنِ مريم، قال: ما تقولونَ في عيسى بن مريم وأمِّه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمة الله ورُوحُه، ألقاها إلى العذراءِ البَتُول، التي لم يمسَّها بشَر، ولم يَفْرِضْها ولد (١). قال: فرفع عُودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشةِ والقِسِّيسينَ والرُّهْبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى (٢) هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتُم من عنده، أشهدُ أنَّه رسولُ الله ﷺ وأنَّه الذي نجِدُ في الإنجيل، وأنه الرسولُ الذي بشَّرَ به عيسى بن مريم، انزلوا حيثُ شتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتَيْتُه حتى أكونَ أنا الذي (٣) أحملُ نَعلَيْه. وأمر بهديَّة الآخرين فرُدَّتْ إليهما، ثم تعجَّل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا. وزعم أنَّ النبيَّ ﷺ استغفر له حين بلغَهُ موتُه. وهذا إسنادٌ جيد قوي، وسياقٌ حسن (٤). وفيه ما يقتضي أنَّ أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إنْ لم يكن ذِكْره مدرجًا من بعض الرواة والله أعلم. وقد رُوي عن أبي إسحاق السَّبيعي من وجهٍ آخر. فقال الحافظ أبو نعيم في "الدلائل" (٥): حدثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا محمد بن زكرياء

стр. 1261

الغَلابي (١)، حدَّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل ح وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا [محمد بن زكريا، حدَّثنا الحسن] (٢) بن علَّويه القطَّان، حدَّثنا عباد (٣) بن موسى الخُتَّلي، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثنا إسرائيل ح (٤) وحدَّثنا أبو أحمد، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم -هو ابن راهويه- حدَّثنا عبيد الله (٥) بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى. قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرضِ النجاشيّ، فبلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشيِّ هدية، وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدَا له، ثم قال عمرو بن العاص: إنَّ ناسًا من أرضنا رَغِبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالا: نعم! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلَّمْ منكم أحد، أنا خطيبُكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالسٌ في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعُمارة عن يساره. والقسِّيسُونَ جلوسٌ سماطَيْن. وقد قال لهم عمرو وعُمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرَنا مَنْ عندَهُ من القسِّيسينَ والرُّهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجدُ إلا لله . [فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجدُ إلا لله] (٦). فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إنَّ الله بعث فينا رسولًا - وهو الرسولُ الذي بشَّرَ به عيسى ابنُ مريم ﵊ (٧): ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فأمرنا أنْ نعبدَ اللهَ ولا نشركَ به شيئًا، [ونقيمَ الصلاة] (٨)، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعْجَبَ النجاشيَّ قولُه، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقولُ صاحبُكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: هو رُوْحُ الله وكلمته، أخرجه من العذراء البَتُول التي لم يَقْرَبْها بشر، ولم يَفْتَرِضْها ولد (٩): فتناول النجاشيُّ عُودًا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسِّيسينَ والرُّهْبان، ما يزيد (١٠) هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزْنَ هذه.

стр. 1262

مرحبًا بكم وبمن جئتُم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّرَ به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيتُه حتى أقبِّل نعلَيْه؛ امكثوا في أرضي ما شتئم، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردُّوا على هذَيْن هديتَهما. وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا، وكان عُمارة رجلًا جميلًا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأتُه، فلما شربا قال عمارة لعمرو مُرِ امرأتك فلْتقبِّلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عُمارة عَمْرًا فرَمَى به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرٌو في ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خَلَفَ (١) عُمارةُ في أهلك (٢)، فدعا النجاشيُّ بعمارة، فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل (٣) من طريق أبي علي الحسن بن سلام السوَّاق، عن عبيد الله بن موسى، فذكر بإسناده مثلَه، إلى قوله: فأمر لنا بطعامٍ وكسوة. قال: وهذا إسنادٌ صحيح، وظاهرهُ يدلُّ على أنَّ أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، عن جدِّه أبي بُردة، عن أبي موسى: أنهم بلغهم مَخْرَجُ رسولِ الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضعٍ وخمسين رجلًا في سفينة، فألْقَتْهم سفينَتُهم إلى النجاشيِّ بأرضِ الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابَهُ عندهم (٤)، فأمره (٥) جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسولِ الله ﷺ زمنَ خيبر. قال: وأبو موسى شهِدَ ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال: ولعلَّ الراوي وهَم في قوله: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن ننطلق؛ والله أعلم. وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة (٦): حدَّثنا محمد بن العلاء، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا بُرَيْدُ (٧) بن عبد الله عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى قال: بلَغَنا مَخْرَجُ النبيِّ ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينةً، فألقَتْنا سفينتُنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب ﵁، فأقمنا معه حتى قدِمْنا، فوافَيْنا (٨) النبيَّ ﷺ حين افتتح خَيْبَر، فقال النبيُّ ﷺ : "لكم أنتم أهلَ السفينةِ هجرتان". وهكذا

стр. 1263

رواه مسلم (١) عن أبي كُريب وأبي عامر عبد الله بن بَراد [بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى] (٢) كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أُخر مطولًا. والله أعلم. وأما قصة جعفر مع النجاشي فإنَّ الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من "تاريخه" (٣) من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص. وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم. وأم سلمة كما سيأتي. فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدًّا. رواها ابن عساكر عن أبي القاسم [السمرقندي، عن أبي الحسين بن النقُّور، عن أبي طاهر المخلِّص، عن أبي القاسم] (٤) البَغَوِي، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن الجُعْفي، عن عبد الله بن عمر (٥) بن أبان، حدَّثنا أسد بن عمرو البَجَلي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. قال: بعثتْ قريشٌ عمرَو بن العاص وعُمارةَ بن الوليد بهديَّةٍ من أبي سفيان إلى النجاشي. فقالوا له -ونحن عنده-: قد صار إليك ناسٌ من سَفِلَتِنا وسفهائنا، فادْفَعْهم إلينا. قال: لا، حتى أسمعَ كلامهم. قال: فبعث إلينا فقال: ما يقولُ هؤلاء؟ قال: قلنا هؤلاء قوم يعبدونَ الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولًا فآمنا به وصدَّقناه. فقال لهم النجاشي: أعبيدٌ هم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دَيْن؟ قالوا: لا. قال: فخلُّوا سبيلَهم. قال: فخرجْنا من عنده، فقال عمرو ابن العاص: إنَّ هؤلاء يقولونَ في عيسى غيرَ ما تقول، قال: إنْ لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدَعْهم في أرضي ساعةً من نهار. فأرسل إلينا، فكانتِ الدعوةُ الثانية أشدَّ علينا من الأولى. قال: ما يقولُ صاحبُكم في عيسى ابن مريم؟ قلنا: يقول: هو رُوْحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى عذراء بَتُول، قال: فأرسل، فقال: ادعوا لي فلانًا القسّ، وفلانًا الراهب. فأتاهُ ناسٌ منهم فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي -وأخذ شيئًا من الأرض- قال: ما عَدَا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم، فنادى منادٍ: مَنْ آذى أحدًا منهم فأغرموه أربعةَ دراهم. ثم قال: أيكفيكُم؟ قلنا: لا، فأضعفها. قال: فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة وظهر [بها قلنا له: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة] (٦)، وقتل الذين كنَّا حدثناك عنهم، وقد أردْنا الرحيلَ إليه، فزوِّدْنا (٧) قال: نعم! فحملنا وزوَّدنا. ثم قال: [أخبرْ صاحبَك بما صنعتُ إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهدُ أنْ لا إله إلا الله

стр. 1264

وأنَّهُ رسولُ الله، وقل له يستغفر لي. قال] (١) جعفر: فخرجْنا حتى أتينا المدينة، فتلقَّاني رسولُ الله ﷺ واعتنقني، ثم قال: "ما أدْري أنا بفتحِ خيبرَ أفرحُ أمْ بقدومِ جعفر؟ " (٢). ووافق ذلك فتحَ خيبر، ثم جلس، فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسلْه ما صنَعَ به صاحبُنا؟ فقال: نعم، فعل بنا كذا وكذا وحمَلَنا وزوَّدَنا، وشهد أنْ لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي: قل له يستغفر لي. فقام رسولُ الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاثَ مرَّات: "اللهمَّ اغْفِرْ للنجاشي" فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر: فقلتُ للرسول: انطلقْ فأخبرْ صاحبَك بما رأيتَ من رسولِ الله ﷺ . ثم قال ابن عساكر: حسنٌ غريب. وأما رواية أمِّ سلمة فقد قال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق (٣): حدَّثني الزُّهْري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أمِّ سلمة ﵂. أنها قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأُوذيَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ وفُتنوا ورأوا ما يصيبُهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله ﷺ لا يستطيعُ دفعَ ذلك عنهم، وكان رسولُ الله ﷺ في مَنَعةٍ من قومه ومن عمِّه، لا يصلُ إليه شيء مما يكره ومما ينالُ أصحابُه، فقال لهم رسولُ الله- ﷺ : "إنَّ بأرضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه "فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخيرِ دارٍ إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا. فلما رأتْ قريشٌ أنا قد أصَبْنا دارًا وأمْنًا، [غاروا مِنَّا] (٤)، فاجتمعوا على أنْ يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده وليردَّنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلًا إلا هيَّؤوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بِطْرِيقٍ هديتَهُ قبل أن تتكلَّموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردَّهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه فلم يبقَ بطريقٌ من بطارقته إلا قدَّموا إليه هديته، فكلَّموه فقالوا له: إنما قدِمنا على هذا الملك في [سفهاء من] (٥) سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردَّهم الملك عليهم، فإذا نحن كلَّمناه فأشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل. ثم قدَّموا إلى النجاشي هداياه،

стр. 1265

وكان من أحبِّ ما يُهْدُون إليه من مكة الأدَم -وذكر موسى بن عُقبة أنَّهم أهدَوْا إليه فرسًا وجُبَّةَ ديباج- فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك، إنَّ فتية منا سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مبتدَعٍ لا نعرفُه، وقد لجؤوا إلى بلادك، فبَعَثَنا إليك فيهم عشائرُهم، آباؤهم وأعمامُهم وقومُهم لتردَّهم عليهم، فإنهم أعْلَى بهم عينًا (١)، [فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم عينًا] (٢)، فإنهم لن (٣) يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله، لا أردُّهم عليهم حتى أدعوَهم، فأكلمهم وأنظر ما أمْرُهم، قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جِوَاري على جوار غيري، فإنْ كانوا كما يقولون رددتُهم عليهم، وإنْ كانوا على غير ذلك منعتُهم ولم أدخلْ بينهم وبينهم، ولم أنعم عينًا. [وذكر موسى بن عقبة أنَّ أمراءَه أشاروا عليه بأن يردَّهم إليهم. فقال: لا والله! حتى أسمع كلامهم، وأعلم على أيِّ شيءٍ هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلَّموا ولم يسجدوا له، فقال: أيُّها الرَّهْط، ألا تحدِّثوني، ما لكم لا تحيُّوني كما يُحَيِّيني مَنْ أتانا من قومكم؟! فأخبروني ماذا تقولونَ في عيسى وما دينكم؟ أنَصَارَى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهودُ أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دينِ قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينُكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبدُ الله لا نشركُ به شيئًا. قال: مَنْ جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجلٌ من أنفسنا، قد عرفْنا وجهه ونسَبَه، بعثه الله إلينا كما بعث الرُّسلَ إلى مَنْ قبلنا، فأمَرَنا بالبِرِّ والصدَقة، والوفاء، وأداءِ الأمانة. ونهانا أن نعبدَ الأوثان، وأمَرَنا بعبادةِ الله وَحْدَه لا شريك له، فصدَّقْناه، وعرَفْنا كلامَ الله، وعلمنا أنَّ الذي جاءَ به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومُنا، وعادوا النبيَّ الصادقَ وكذَّبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادةِ الأوثان، ففرَرْنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المِشْكاة التي خرج منها أمْر موسى. قال جعفر: وأمَّا التحيَّة فإنَّ رسولَ الله ﷺ أخبرَنا أنَّ تحيَّةَ أهلِ الجنة السلام، وأمَرَنا بذلك فحيَّيْناكَ بالذي يُحَيِّي بعضُنا بعضًا. وأما عيسى ابنُ مريم فعبدُ الله ورسولُه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وابنُ العذراء البَتُول. فأخَذَ عودًا وقال: والله ما زاد ابنُ مريم على هذا وزن هذا العُود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعتِ الحبشةُ لتخلعنَّك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدًا. وما أطاعَ اللهُ الناسَ فيَّ حين ردَّ عليَّ ملكي فأطع (٤) الناسَ في دين الله. معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق:] (٥). فأرسل إليهم النجاشيُّ فجمعهم، ولم يكن شيءٌ أبغضَ لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة
следующие страницы →