← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الغَلابي (١)، حدَّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل ح وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا [محمد بن زكريا، حدَّثنا الحسن] (٢) بن علَّويه القطَّان، حدَّثنا عباد (٣) بن موسى الخُتَّلي، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثنا إسرائيل ح (٤) وحدَّثنا أبو أحمد، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم -هو ابن راهويه- حدَّثنا عبيد الله (٥) بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى. قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرضِ النجاشيّ، فبلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشيِّ هدية، وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدَا له، ثم قال عمرو بن العاص: إنَّ ناسًا من أرضنا رَغِبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالا: نعم! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلَّمْ منكم أحد، أنا خطيبُكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالسٌ في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعُمارة عن يساره. والقسِّيسُونَ جلوسٌ سماطَيْن. وقد قال لهم عمرو وعُمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرَنا مَنْ عندَهُ من القسِّيسينَ والرُّهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجدُ إلا لله . [فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجدُ إلا لله] (٦). فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إنَّ الله بعث فينا رسولًا - وهو الرسولُ الذي بشَّرَ به عيسى ابنُ مريم ﵊ (٧): ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فأمرنا أنْ نعبدَ اللهَ ولا نشركَ به شيئًا، [ونقيمَ الصلاة] (٨)، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعْجَبَ النجاشيَّ قولُه، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقولُ صاحبُكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: هو رُوْحُ الله وكلمته، أخرجه من العذراء البَتُول التي لم يَقْرَبْها بشر، ولم يَفْتَرِضْها ولد (٩): فتناول النجاشيُّ عُودًا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسِّيسينَ والرُّهْبان، ما يزيد (١٠) هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزْنَ هذه.

стр. 1262

مرحبًا بكم وبمن جئتُم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّرَ به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيتُه حتى أقبِّل نعلَيْه؛ امكثوا في أرضي ما شتئم، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردُّوا على هذَيْن هديتَهما. وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا، وكان عُمارة رجلًا جميلًا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأتُه، فلما شربا قال عمارة لعمرو مُرِ امرأتك فلْتقبِّلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عُمارة عَمْرًا فرَمَى به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرٌو في ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خَلَفَ (١) عُمارةُ في أهلك (٢)، فدعا النجاشيُّ بعمارة، فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل (٣) من طريق أبي علي الحسن بن سلام السوَّاق، عن عبيد الله بن موسى، فذكر بإسناده مثلَه، إلى قوله: فأمر لنا بطعامٍ وكسوة. قال: وهذا إسنادٌ صحيح، وظاهرهُ يدلُّ على أنَّ أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، عن جدِّه أبي بُردة، عن أبي موسى: أنهم بلغهم مَخْرَجُ رسولِ الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضعٍ وخمسين رجلًا في سفينة، فألْقَتْهم سفينَتُهم إلى النجاشيِّ بأرضِ الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابَهُ عندهم (٤)، فأمره (٥) جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسولِ الله ﷺ زمنَ خيبر. قال: وأبو موسى شهِدَ ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال: ولعلَّ الراوي وهَم في قوله: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن ننطلق؛ والله أعلم. وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة (٦): حدَّثنا محمد بن العلاء، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا بُرَيْدُ (٧) بن عبد الله عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى قال: بلَغَنا مَخْرَجُ النبيِّ ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينةً، فألقَتْنا سفينتُنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب ﵁، فأقمنا معه حتى قدِمْنا، فوافَيْنا (٨) النبيَّ ﷺ حين افتتح خَيْبَر، فقال النبيُّ ﷺ : "لكم أنتم أهلَ السفينةِ هجرتان". وهكذا

стр. 1263

رواه مسلم (١) عن أبي كُريب وأبي عامر عبد الله بن بَراد [بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى] (٢) كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أُخر مطولًا. والله أعلم. وأما قصة جعفر مع النجاشي فإنَّ الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من "تاريخه" (٣) من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص. وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم. وأم سلمة كما سيأتي. فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدًّا. رواها ابن عساكر عن أبي القاسم [السمرقندي، عن أبي الحسين بن النقُّور، عن أبي طاهر المخلِّص، عن أبي القاسم] (٤) البَغَوِي، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن الجُعْفي، عن عبد الله بن عمر (٥) بن أبان، حدَّثنا أسد بن عمرو البَجَلي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. قال: بعثتْ قريشٌ عمرَو بن العاص وعُمارةَ بن الوليد بهديَّةٍ من أبي سفيان إلى النجاشي. فقالوا له -ونحن عنده-: قد صار إليك ناسٌ من سَفِلَتِنا وسفهائنا، فادْفَعْهم إلينا. قال: لا، حتى أسمعَ كلامهم. قال: فبعث إلينا فقال: ما يقولُ هؤلاء؟ قال: قلنا هؤلاء قوم يعبدونَ الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولًا فآمنا به وصدَّقناه. فقال لهم النجاشي: أعبيدٌ هم لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دَيْن؟ قالوا: لا. قال: فخلُّوا سبيلَهم. قال: فخرجْنا من عنده، فقال عمرو ابن العاص: إنَّ هؤلاء يقولونَ في عيسى غيرَ ما تقول، قال: إنْ لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدَعْهم في أرضي ساعةً من نهار. فأرسل إلينا، فكانتِ الدعوةُ الثانية أشدَّ علينا من الأولى. قال: ما يقولُ صاحبُكم في عيسى ابن مريم؟ قلنا: يقول: هو رُوْحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى عذراء بَتُول، قال: فأرسل، فقال: ادعوا لي فلانًا القسّ، وفلانًا الراهب. فأتاهُ ناسٌ منهم فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي -وأخذ شيئًا من الأرض- قال: ما عَدَا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم، فنادى منادٍ: مَنْ آذى أحدًا منهم فأغرموه أربعةَ دراهم. ثم قال: أيكفيكُم؟ قلنا: لا، فأضعفها. قال: فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة وظهر [بها قلنا له: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة] (٦)، وقتل الذين كنَّا حدثناك عنهم، وقد أردْنا الرحيلَ إليه، فزوِّدْنا (٧) قال: نعم! فحملنا وزوَّدنا. ثم قال: [أخبرْ صاحبَك بما صنعتُ إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهدُ أنْ لا إله إلا الله

стр. 1264

وأنَّهُ رسولُ الله، وقل له يستغفر لي. قال] (١) جعفر: فخرجْنا حتى أتينا المدينة، فتلقَّاني رسولُ الله ﷺ واعتنقني، ثم قال: "ما أدْري أنا بفتحِ خيبرَ أفرحُ أمْ بقدومِ جعفر؟ " (٢). ووافق ذلك فتحَ خيبر، ثم جلس، فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسلْه ما صنَعَ به صاحبُنا؟ فقال: نعم، فعل بنا كذا وكذا وحمَلَنا وزوَّدَنا، وشهد أنْ لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي: قل له يستغفر لي. فقام رسولُ الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاثَ مرَّات: "اللهمَّ اغْفِرْ للنجاشي" فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر: فقلتُ للرسول: انطلقْ فأخبرْ صاحبَك بما رأيتَ من رسولِ الله ﷺ . ثم قال ابن عساكر: حسنٌ غريب. وأما رواية أمِّ سلمة فقد قال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق (٣): حدَّثني الزُّهْري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أمِّ سلمة ﵂. أنها قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأُوذيَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ وفُتنوا ورأوا ما يصيبُهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله ﷺ لا يستطيعُ دفعَ ذلك عنهم، وكان رسولُ الله ﷺ في مَنَعةٍ من قومه ومن عمِّه، لا يصلُ إليه شيء مما يكره ومما ينالُ أصحابُه، فقال لهم رسولُ الله- ﷺ : "إنَّ بأرضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه "فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخيرِ دارٍ إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا. فلما رأتْ قريشٌ أنا قد أصَبْنا دارًا وأمْنًا، [غاروا مِنَّا] (٤)، فاجتمعوا على أنْ يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده وليردَّنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلًا إلا هيَّؤوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بِطْرِيقٍ هديتَهُ قبل أن تتكلَّموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردَّهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه فلم يبقَ بطريقٌ من بطارقته إلا قدَّموا إليه هديته، فكلَّموه فقالوا له: إنما قدِمنا على هذا الملك في [سفهاء من] (٥) سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردَّهم الملك عليهم، فإذا نحن كلَّمناه فأشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل. ثم قدَّموا إلى النجاشي هداياه،

стр. 1265

وكان من أحبِّ ما يُهْدُون إليه من مكة الأدَم -وذكر موسى بن عُقبة أنَّهم أهدَوْا إليه فرسًا وجُبَّةَ ديباج- فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك، إنَّ فتية منا سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مبتدَعٍ لا نعرفُه، وقد لجؤوا إلى بلادك، فبَعَثَنا إليك فيهم عشائرُهم، آباؤهم وأعمامُهم وقومُهم لتردَّهم عليهم، فإنهم أعْلَى بهم عينًا (١)، [فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم عينًا] (٢)، فإنهم لن (٣) يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله، لا أردُّهم عليهم حتى أدعوَهم، فأكلمهم وأنظر ما أمْرُهم، قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جِوَاري على جوار غيري، فإنْ كانوا كما يقولون رددتُهم عليهم، وإنْ كانوا على غير ذلك منعتُهم ولم أدخلْ بينهم وبينهم، ولم أنعم عينًا. [وذكر موسى بن عقبة أنَّ أمراءَه أشاروا عليه بأن يردَّهم إليهم. فقال: لا والله! حتى أسمع كلامهم، وأعلم على أيِّ شيءٍ هم عليه؟ فلما دخلوا عليه سلَّموا ولم يسجدوا له، فقال: أيُّها الرَّهْط، ألا تحدِّثوني، ما لكم لا تحيُّوني كما يُحَيِّيني مَنْ أتانا من قومكم؟! فأخبروني ماذا تقولونَ في عيسى وما دينكم؟ أنَصَارَى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهودُ أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دينِ قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينُكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبدُ الله لا نشركُ به شيئًا. قال: مَنْ جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجلٌ من أنفسنا، قد عرفْنا وجهه ونسَبَه، بعثه الله إلينا كما بعث الرُّسلَ إلى مَنْ قبلنا، فأمَرَنا بالبِرِّ والصدَقة، والوفاء، وأداءِ الأمانة. ونهانا أن نعبدَ الأوثان، وأمَرَنا بعبادةِ الله وَحْدَه لا شريك له، فصدَّقْناه، وعرَفْنا كلامَ الله، وعلمنا أنَّ الذي جاءَ به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومُنا، وعادوا النبيَّ الصادقَ وكذَّبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادةِ الأوثان، ففرَرْنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المِشْكاة التي خرج منها أمْر موسى. قال جعفر: وأمَّا التحيَّة فإنَّ رسولَ الله ﷺ أخبرَنا أنَّ تحيَّةَ أهلِ الجنة السلام، وأمَرَنا بذلك فحيَّيْناكَ بالذي يُحَيِّي بعضُنا بعضًا. وأما عيسى ابنُ مريم فعبدُ الله ورسولُه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وابنُ العذراء البَتُول. فأخَذَ عودًا وقال: والله ما زاد ابنُ مريم على هذا وزن هذا العُود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعتِ الحبشةُ لتخلعنَّك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدًا. وما أطاعَ اللهُ الناسَ فيَّ حين ردَّ عليَّ ملكي فأطع (٤) الناسَ في دين الله. معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق:] (٥). فأرسل إليهم النجاشيُّ فجمعهم، ولم يكن شيءٌ أبغضَ لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة

стр. 1266

من أن يسمعَ كلامهم. فلما جاءهم رسولُ النجاشي اجتمع القومُ فقالوا: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا نقول، نقول والله ما نعرف. وما نحن عليه من أمْرِ ديننا، وما جاء به نبيُّنا ﷺ كائنٌ من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلِّمُه منهم جعفر بن أبي طالب ﵁. فقال له النجاشي: ما هذا الدينُ الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانيَّة. فقال له جعفر: أيها الملك، كنَّا قومًا على الشِّرْك نعبدُ الأوثان، ونأكلُ المَيْتة، ونُسيءُ الجِوار، ونستحلُّ (١) المحارم، بعضُنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحلُّ شيئًا ولا نحرِّمه، فبعث الله إلينا نبيًّا من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أنْ نعبد الله وحدَهُ لا شريكَ له ونَصِلَ الأرحام ونحمي (٢) الجوار ونصلِّيَ للهِ ، ونصومَ له، ولا نعبدَ غيرَه. وقال [زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونعبده ونخلعَ ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدْقِ الحديث، وأداءِ الأمانة، وصِلَةِ الأرْحام، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقَوْل الزُّور، وأكْلِ مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال -فعدُّوا عليه أمورَ الإسلام- فصدَّقْناه وآمنَّا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبَدْنا الله وحده لا شريك له ولم نشركْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنا ما أحلَّ لنا، فعَدَا علينا قومُنا فعذَّبُونا ليفتنونا عن ديننا ويردُّونا إلى عبادةِ الأوثان عن عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كنَّا نستحلُّ من الخبائث؛ فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقُوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجْنا إلى بلادِك واخترناك على مَنْ سواك ورغبنا في جوارِك ورجَوْنا أن لا نُظْلَم عندك أيها الملك. قالت (٣): فقال النجاشي] (٤): هل معك شيءٌ مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحفَ حوله. فقال له جعفر: نعم. قال: هلمَّ فاتْلُ عليَّ مما جاء به، فقرأ عليه صدرًا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكتْ أساقفتُه حتى أخْضَلُوا مصاحفهم. ثم قال: إنَّ هذا الكلام ليخرج من المشْكاة التي جاء بها موسى (٥)، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردُّهم عليكم ولا أُنْعِمُكم عينًا (٦). فخرجْنا من عنده وكان أتقى الرجلَيْن فينا عبد الله بن أبي ربيعة؛ فقال عمرو بن

стр. 1267

العاص: والله لآتينَّه غدًا بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرنَّه أنهم يزعمون أنَّ إلهه الذي يعبد عيسى ابن مريم عبد. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فإنَّهم وإن كانوا خالفونا فإنَّ لهم رحمًا ولهم حقًا. فقال: والله لأفعلن!. فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا. فأرسلْ إليهم فسلْهم عنه. فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلُها، فقال بعضُنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم (١) عنه؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي أمرَنا نبيُّنا أن نقوله فيه، فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال: ما تقولونَ في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر: نقولُ هو عبد الله ورسوله وروحُه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول. فدلَّى النجاشيُّ يده إلى الأرض، فأخذ عودًا بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العُوَيد. فتناخرتْ بطارقته. فقال: وإن تناخرتُم والله! اذهبوا فأنتم سُيُومٌ في الأرض -السُّيُوم: الآمنون في الأرض (٢) - مَنْ سبَّكم غَرِم، من سبَّكم غرِم، من سبَّكم غرِم -ثلاثًا- ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا وأني آذَيْتُ رجلًا منكم- والدَّبْرُ بلسانهم الذهب. وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا من ذهب؛ قال ابن هشام: ويقال: دَبْرًا (٣)، وهو الجبل بلغتهم -ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ اللهُ مني الرِّشْوَة حين ردَّ عليَّ مُلْكي، ولا أطاعَ الناسَ فيّ فأطيع الناس فيه. رُدُّوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها، واخْرُجا من بلادي: فخرجا مقبوحَيْن مردودًا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جارٍ في خير دار، فلم ينشَبْ أنْ خرجَ عليه رجلٌ من الحبشة ينازعُه في مُلْكه، فوالله ما علمنا حُزْنًا حزِنَّا قطُّ هو أشدَّ منه، فرَقًا من أن يظهر ذلك الملكُ عليه، فيأتي ملكٌ لا يعرفُ من حقِّنا ما كان يعرفه، فجعلْنا ندعو الله ونستنصرُه للنجاشي فخرج إليه سائرًا، فقال أصحابُ رسولِ الله ﷺ [بعضهم لبعض] (٤): مَنْ رجلٌ يخرجُ فيحضر الوقعة حتى ينظرَ على مَنْ تكون؟ وقال الزُّبير -وكان من أحدثهم سِنًّا-: أنا. فنفَخُوا له قِرْبَةً فجعلها في صدره، فجعل يسبحُ عليها في النِّيل حتى خرج من شِقِّه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشيُّ عليه. فجاءنا الزُّبير، فجعل يُليحُ لنا بردائه ويقول: ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشيّ. قلت: فوالله ما علمنا فرِحْنا

стр. 1268

بشيءٍ قطُ فرَحَنا بظهور النجاشيّ؛ ثم أقمنا عندَهُ حتى خرج من خرج منَّا [راجعًا] (١) إلى مكة، وأقام من أقام. قال الزُّهري: فحدثتُ هذا الحديث عروة بن الزُّبير عن أمِّ سلمة. فقال عروة: أتدري ما قولُه ما أخذ الله مني الرِّشْوة حين ردَّ عليَّ مُلْكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فِيَّ فأطيع الناس فيه؟ فقلت لا، ما حدَّثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أمِّ سلمة. فقال عروة: فإنَّ عائشة حدثَتْني أنَّ أباه كان مَلَكَ قومَه، وكان له أخٌ له من صُلْبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكنْ لأبي (٢) النجاشي ولدٌ غيرَ النجاشي، فأدارتِ الحبشةُ رأيَها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملَّكنا أخاه فإنَّ له اثني عشر رجلًا من صُلْبه فتوارثوا الملك، لبقيتِ الحبشة عليهم دَهْرًا طويلًا لا يكون بينهمُ اختلاف، فغدَوْا (٣) عليه فقتلوه وملَّكوا أخاه. فدخل النجاشي لعمِّه حتى غلب عليه، فلا يدبِّر أمْرَهُ غيرُه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فلما رأتِ الحبشةُ مكانَهُ من عمِّه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمِّه، فما نأمن أنْ يملِّكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدَعْ منَّا شريفًا إلا قتله، فكلِّموه فيه فلْيقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشَوْا [إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفتَ أنَّا قتلنا] (٤) أباه وجعلناكَ مكانه، وإنَّا لا نأمنُ أنْ يُمَلَّك علينا فيقتلنا، فإمَّا أنْ تقتله وإمَّا أن تخرجَهُ من بلادنا. قال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس وأقتلُه اليوم! بل أُخرجُه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجَّار قذفه في سفينة بستمئة درهم أو بسبعمئة (٥)، فانطلق به فلما كان العشي هاجَتْ سحابةٌ من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطَّرُ تحتها فأصابته صاعقةٌ فقتلَتْه، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحدٍ منهم خير، فمرجَ على الحبشة أمْرُهم (٦)، فقال بعضُهم لبعض: تعلمون والله إنَّ مَلِكَكم الذي لا يُصلح أمرَكم غيرُه للَّذي بعتُمْ بالغَدَاة، فإنْ كان لكم بأمْرِ الحبشةِ حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردُّوه، فعقدوا عليه تاجَه، وأجلسوه على سريره وملَّكوه. فقال التاجر: ردُّوا عليَّ مالي كما أخذتُمْ مني غلامي، فقالوا: لا نُعطيك. فقال: إذًا والله لأكلمنَّه. فمشى إليه فكلَّمه فقال: أيُّها الملك، إني ابتعتُ غلامًا فقبض مني الذينَ باعونيه (٧) ثمنه، ثم عدَوْا على غلامي

стр. 1269

فنزعوه من يدي ولم يردُّوا عليَّ مالي. فكان أولَ ما خُبر به من صلابةِ حُكمه وعَدْله أن قال: لتردُّنَّ عليه ماله. أو لتجعلنَّ يدَ غلامِهِ في يده، فليذهبنَّ به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعْطَوْه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرَّشوَة فآخذَ الرشوة حين ردَّ عليَّ ملْكي، وما أطاع الناسَ فيّ فأطيع الناسَ فيه. وقال موسى بن عقبة (١): كان أبو النجاشي ملكَ الحبشة، فمات والنجاشيُّ غلامٌ صغير، فأوصى إلى أخيه: أنْ إليك ملكُ قومك حتى يبلغَ ابني، فإذا بلغ فله الملك. فرغب أخوه في الملك، فباع النجاشيَّ من بعض التجَّار، فمات عمُّه من ليلته وقَضَى، فردَّتِ الحبشةُ النجاشيَّ حتى وضعوا التاجَ على رأسه. هكذا ذكره مختصرًا، وسياقُ ابن إسحاق أحسنُ وأبْسَطُ، فالله أعلم. والذي وقع في سياقِ ابنِ إسحاق. إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرُ واحدٍ أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسولُ الله ﷺ حين تضاحكوا يوم وُضع سَلا الجَزُورِ على ظهره ﷺ وهو ساجدٌ عند الكعبة. وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري. والمقصود أنَّهما حين خرجا من مكة كانت زوجةُ عمرٍو معه، وعُمارة كان شابًّا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكان عُمارة طمِعَ في امرأةِ عمرِو بن العاص، فألقى عَمْرًا في البحر ليُهْلكه فسبح حتى رجع إليها. فقال له عُمارة: لو أعلم أنك تُحسن السباحة لما ألقَيْتُكَ، فحقد عمرٌو عليه، فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصَّل إلى بعضِ أهلِ النجاشي، فوشى به عمرٌو فأمر به النجاشيُّ فسُحر حتى ذهب عقلُه وساح في البرِّيَّة مع الوحوش. وقد ذكر الأموي قصةً مطوَّلة جدًّا وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصَّده بعضُ الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني وإلا متّ. فلما لم يرسله مات من ساعته. فالله أعلم. وقد قيل: إنَّ قريشًا بعثتْ إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرَّتين: الأولى مع عمرو بن العاص وعمارة، والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبي ربيعة. نص عليه أبو نُعيم في "الدلائل" (٢) والله أعلم. وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر؛ قاله الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرًا فلم يُجبهم النجاشيُّ ﵁ وأرضاه إلى شيءٍ مما سألوا. فالله أعلم. [وقد ذكر زياد عن ابن إسحاق (٣): أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشيِّ

стр. 1270

أبياتًا يحضُّه فيها على العَدْل وعلى الإحسان إلى مَنْ نزل عنده من قومه: [من الطويل] ألا ليتَ شعري كيفَ في النأْي جعفرٌ … وعمرٌو وأعداءُ العدوِّ الأقاربُ وما (١) نالت أفعالُ النجاشيِّ جعفرًا … وأصحابَهُ أو عاقَ ذلك شاغِبُ تعلَّم (٢) -أبيتَ اللعنَ- أنك ماجدٌ … كريمٌ فلا يَشقى إليكَ المُجَانب تعلَّمْ بأنَّ اللهَ زادك بسطةً … وأسبابَ خير كلُّها بكَ لازِبُ] (٣) وقال يونس عن ابن إسحاق (٤): حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. قال: إنما كان يكلِّم النجاشي عثمان بن عفان ﵁. والمشهور أن جعفرًا هو المترجم ﵁. وقال زياد البكَّائي عن ابن إسحاق (٥): حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂. قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور. ورواه أبو داود (٦) عن محمد بن عمرو الرازي عن سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به: لما مات النجاشيُّ ﵁ كنا نتحدَّث أنه لا يزال يُرَى على قبرِهِ نور. وقال زياد عن محمد بن إسحاق (٧): حدَّثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعتِ الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقتَ ديننا وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيَّأ لهم سُفُنًا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هُزمت (٨) فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإنْ ظفرتُ فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ويشهدُ أن عيسى عبدُه ورسولُه وروحُه وكلمتُه ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قَبَائه عند المنكِبِ الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفُّوا له. فقال: يا معشر الحبشة ألستُ أحقَّ الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بكم (٩)؟ قالوا: فارقتَ ديننا، وزعمتَ أنَّ عيسى عبد (١٠). قال: فما تقولون أنتم في

стр. 1271

عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي -ووضع يدَهُ على صدره على قبائه-: وهو يشهدُ أنَّ عيسى ابنُ مريم. لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كَتَب، فرَضُوا وانصرفوا. فبلغ [ذلك] (١) رسول الله ﷺ ، فلما مات النجاشيُّ صلى عليه واستغفر له. وقد ثبت في الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله- ﷺ نعى النجاشيَّ في اليومِ الذي ماتَ فيه، وخرَجَ بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبَّرَ أربعَ تكبيرات. وقال البخاري: موت النجاشي (٣): حدّثنا أبو الربيع، حدّثنا ابن عُيينة، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي-: "مات اليومَ رجلٌ صالح، فقوموا فصلُّوا على أخيكم أصْحَمة". ورُوي ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد، وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة (٤). وهو أصحمة بن أبجر (٥) وكان عبدًا صالحًا لبيبًا زكيًا (٦)، وكان عادلًا عالمًا ﵁ وأرضاه. وقال يونس عن إسحاق (٧): اسم النجاشي مصحمة -وفي نسخة صحَّحَها البيهقي أصحم- وهو بالعربية عطيَّة قال: وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل.

стр. 1272

قلت: كذا (١) ولعله يريد به قيصر، فإنه عَلَمٌ لكلِّ مَنْ ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الرُّوم، وكسرى علمٌ على مَنْ ملَكَ الفرس، وفرعون علمٌ لمن ملك مصر كافة (١)، والمقوقس لمن ملك الاسكندريَّة، وتُبَّع لمن مَلَك اليمن والشِّحْر (٢)، والنجاشِي لمن مَلَك الحبشة، وبطليموس لمن مَلَك اليونان وقيل الهند، وخاقان لمن ملَكَ التُرْك. وقال بعضُ العلماء إنما صُلَّي عليه لأنه كان يكتُم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات مَنْ يصلِّي عليه، فلهذا صلَّى عليه ﷺ . قالوا: فالغائب إنْ كان قد صُلِّي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلدٍ أخرى؟ ولهذا لم يصلَّ على النبيِّ ﷺ في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم يُنقَلْ أنه صُلِّي على أحدٍ منهم في غير البلدة التي صُلِّي عليه فيها فالله أعلم. قلت: وشهود أبي هريرة ﵁ الصلاةَ على النجاشي، دليلٌ على أنه إنما مات بعد فتح خَيْبَر (٣) التي قدِم بقيةُ المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر، ولهذا رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "والله ما أدري بأيِّهما أنا أسرُّ، بفتح خَيْبَر أمْ بقدُوم جعفر بن أبي طالب" (٤). وقدموا معهم بهدايا وتُحَف من عند النجاشي ﵁ إلى النبيِّ ﷺ وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الأشعريِّين ﵃، ومع جعفر هدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذو مخبر أو ذو مخمر (٥)، أرسله ليخدُمَ النبيَّ ﷺ عوضًا عن عمِّه ﵄ وأرضاهما. وقال السهيلي (٦): توفي النجاشي قي رجب سنة تسعٍ من الهجرة، وفي هذا نظر. والله أعلم. وقال البيهقي (٧): أخبرنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطّوسي، حدثنا أبو العباس

стр. 1273

محمد بن يعقوب، حدثنا هلال بن العلاء الرَّقِّي، حدثنا أبي العلاءُ بن هلال (١)، حدثنا أبي (٢) هلالُ بن العلاء عن أبيه، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة قال: قدِم وَفْدُ النجاشي على رسولِ الله ﷺ فقام يخدُمهم، فقال أصحابُه: نحن نكفيك [يا رسول الله] (٣). فقال: "إنهم كانوا لأصحابي مُكْرِمين، وإني أُحبُّ أنْ أكافئَهم". ثم قال (٤): وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدّثنا هلال بن العلاء، حدَّثنا أبي، حدَّثنا طلحة بن زيد (٥)، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة قال: قدم وفدُ النجاشي على رسولِ الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ يخدُمهم، فقال أصحابُه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: "إنهم كانوا لأصحابنا (٦) مُكْرِمين، وإنِّي أُحبُّ أنْ أكافئهم". تفرَّدَ به طلحة بن زيد عن الأوزاعي (٧). وقال البيهقي (٨): حدَّثنا أبو الحسين بن بِشْران، حدَّثنا أبو عمرو بن السماك، حدَّثنا حنبلُ بن إسحاق، حدَّثنا الحُميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا عمرو قال: لما قدم عمرُو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرجْ إليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج؟ فقال عمرو: إنَّ أصْحَمةَ يزعم أنَّ صاحبَكم نبيّ. قال ابن إسحاق (٩): ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلًا ذا شَكِيمة لا يُرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحابُ رسولِ الله ﷺ وبحَمْزَة حتى غاظوا (١٠) قريشًا، فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنَّا نقدِرُ على أنْ نصلِّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلَّى عند الكعبة وصلَّينا معه. قلت: وثبت في صحيح البخاري (١١) عن ابنِ مسعود أنه قال: ما زلنا أعِزَّةً منذُ أسْلَمَ عمر (١٢).

стр. 1274

وقال زياد البكَّائي (١): حدَّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن سعد بن إبراهيم قال: قال ابنُ مسعود: إنَّ إسلامَ عمر كان فتحًا، وإنَّ هجرتَه كانتْ نصرًا، وإنَّ إمارته كانت رحمة، ولقد كنَّا وما نصلِّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلَّى عند الكعبة وصلَّينا معه. قال ابن إسحاق (٢): وكان إسلامُ عمر بعد خروج مَنْ خرج من أصحاب رسولِ الله ﷺ إلى الحبشة. حدّثني (٣) عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمِّه أمِّ عبد الله بنت أبي حَثْمة قالت: والله إنَّا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف عليَّ وهو على شِرْكه؛ فقالت: وكنَّا نلقى منه أذى لنا وشدَّة علينا قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أمَّ عبد الله. قلت: نعم والله، لنخرجنَّ في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا؟ حتى يجعل اللهُ لنا مخرجًا. قالت: فقال: صحِبَكُم الله ورأيتُ له رِقَّةً لم أكنْ أراها. ثم انصرفَ وقد أحزنه -فيما أرى- خروجُنا. قالت: فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيتَ عمر آنفًا ورقَّته وحُزْنَهُ علينا. قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قالت: قلت نعم! قال: لا يُسلم الذي رأيتِ حتى يُسلم حمار الخطَّاب. قالت: يَأْسًا منه لما كان يُرى من غِلْظَتِه وقسوته على الإسلام. قلت: هذا يردُّ قولَ من زعم أنه كان تمام الأربعينَ من المسلمين، فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أنْ يُقال: إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين؛ ويؤيد هذا ما ذكره ابنُ إسحاق هاهنا في قصة إسلام عمر وحده ﵁، وسياقها فإنه قال (٤): وكان إسلام عمر فيما بلغني أنَّ أختَهُ فاطمة بنت الخطَّاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجُها سعيد بن زيد، وهم مستخفُون بإسلامهم من عُمر، وكان نُعيم بن عبد الله النحَّام -رجلٌ من بني عَدِيّ- قد أسلم أيضًا مستخفيًا بإسلامه من قومه، وكان خَبَّابُ بن الأرَتّ يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يُقرئها القرآن، فخرج عمرُ يومًا متوشِّحًا سيفه يريدُ رسولَ الله ﷺ ورَهْطًا من أصحابه، فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيتٍ عند الصَّفا، وهم قريبٌ من أربعينَ من بين رجالٍ ونساءٍ، ومع رسولِ الله ﷺ عمُّه حمزة وأبو بكر بن أبي قُحَافة الصدِّيق، وعليُّ بن أبي طالب ﵃، وفي رجالٍ من المسلمين ممن كان أقام مع رسولِ الله ﷺ بمكة ولم يخرُجْ فيمن خرج إلى أرض الحَبَشة. فلقِيَهُ نُعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريدُ محمدًا هذا الصابئُ الذي فرَّقَ أمْرَ قريش، وسفَّه أحلامها وعاب دينها وسبَّ آلهتها فأقتله. فقال له نُعيم: والله لقد غرَّتْك نفسُك يا عمر، أترى بني عبد مَنَاف تاركيك تمشي

стр. 1275

على الأرض وقد قتلتَ محمدا؟ أفلا ترجعُ إلى أهل بيتك فتقيمَ أمْرَهم؟ قال: وأيَّ أهل بيتي، قال: خَتَنك وابن عمِّك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمدًا ﷺ على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عائدًا إلى أخته فاطمة وعندها خباب (١) بن الأرتّ، معه صحيفةٌ فيها ﴿طه﴾ يُقرِئُها إياها، فلما سمعوا حِسَّ عمر تغيَّب خبَّابٌ في مُخْدَعٍ لهم (٢) -أو في بعض البيت- وأخذَتْ فاطمةُ بنتُ الخطاب الصحيفةَ فجعلَتْها تحت فَخِذِها، وقد سمع عمرُ حين دنا إلى الباب قراءةَ خبَّاب عليها، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة (٣) التي سمعتُ؟ قالا له: ما سمعتَ شيئًا. قال: بلى والله، لقد أُخبرتُ أنكما تابعتما محمدًا على دينه، وبَطَش بخَتَنِه سعيد بن زيد. فقامت إليه أختُه فاطمةُ بنتُ الخطَّاب لتكفَّه عن زوجها فضربها فشجَّها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختَنُه: نعم قد أسلَمْنا وآمنا بالله ورسوله فاصنَعْ ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأختِهِ من الدَّم ندم على ما صنع وارْعَوَى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفةَ التي كنتم تقرؤونَ آنفًا أنظرْ ما هذا الذي جاء به محمد؟ -وكان عمر كاتبًا- فلما قال ذلك قالتْ له أختُه إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي وحلَفَ لها بآلهته ليرُدَّنَّها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعَتْ في إسلامه، فقالت: يا أخي، إنك نجَسٌ على شِرْكك، وإنَّه لا يمسُّه إلا المُطَهَّرُون. فقام عمر فاغتسل، فأعطَتْهُ الصحيفة، وفيها ﴿طه﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدرًا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمَه. فلما سمع ذلك خبَّاب بن الأرت خرج إليه فقال له: والله يا عمر، إنِّي لأرجو أن يكون الله قد خصَّك بدعوةِ نبيِّه ﷺ ، فإني سمعتُه أمسِ وهو يقول: "اللهمَّ أيِّدِ الإسلامَ بأبي الحكم بن هشام، أو بعمرَ بنِ الخطَّاب". فاللهَ اللهَ يا عمر. فقال عند ذلك: فدُلَّني يا خبابُ على محمدٍ حتى آتيَهُ فاُسلم. فقال له خباب: هو في بيتٍ عند الصَّفا، معه نفرٌ من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشَّحه ثم عمد إلى رسولِ الله ﷺ وأصحابه، فضرَبَ عليهمُ الباب. فلما سمعوا صوْتَه قام رجلٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ فنظر من خَلَلِ الباب، فإذا هو بعمر متوشِّحٌ بالسيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فَزِع فقال: يا رسولَ الله، هذا عمر بن الخطاب متوشِّحًا بالسيف، فقال حمزة: فأْذَنْ له، فإنْ كان جاء يريدُ خيرًا بذَلْناه، وإنْ كان يريدُ شرًّا قتلناهُ بسيفه. فقال رسولُ الله ﷺ : "ايذنْ له" فأذِنَ له الرجل ونهض إليه رسولُ الله ﷺ حتى لَقيهُ في الحُجْرَة، فأخذ بحُجْزتِه أو بمجمع ردائه ثم جذَبهُ جذبةً شديدة فقال: "ما جاء بك يا ابنَ الخطاب؟ فوالله ما أرى أنْ تنتهيَ حتى ينزلَ اللهُ بك قارعة". فقال عمر: يا رسول الله جئتُك لأومنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله. قال: فكبَّر رسولُ الله ﷺ

стр. 1276

تكبيرة، فعرف أهلُ البيت أنَّ عمر قد أسلم. فتفرَّق أصحابُ رسولِ الله من مكانهم وقد عزُّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنهما سيمنعان رسولَ الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوِّهم. قال ابن إسحاق (١): فهذا حديثُ الرواةِ من أهل المدينة عن إسلام عمرَ حين أسلم ﵁. قال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح المكي عن أصحابه: عَطَاء ومجاهد وعمن روى ذلك. أنَّ إسلام عمر فيما تحدَّثوا به عنه، أنه كان يقول: كنتُ للإسلام مُبَاعدًا وكنتُ صاحبَ خمرٍ في الجاهليَّة أُحِبُّها وأشربها (٣)، وكان لنا مجلسٌ يجتمع فيه رجالٌ من قريش بالحَزْوَرَة (٤) فخرجتُ ليلةً أريدُ جلسائي أولئك فلم أجدْ فيه منهم أحدًا، فقلت: لو أني جئتُ فلانًا الخمَّار لعلِّي أجد عنده خمرًا فأشربَ منها. فخرجتُ فجئتُه فلم أجدْه قال: فقلت: لو أنِّي جئتُ الكعبة فطُفْتُ سبعًا أو سَبْعَين، قال: فجئتُ المسجد، فإذا رسولُ الله ﷺ قائمٌ يصلِّي، وكان إذا صلَّى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الرُّكْنَين: الأسود واليماني. قال: فقلت حين رأيتُه: واللهِ لو أنِّي استمعتُ لمحمدٍ الليلةَ حتى أسمعَ ما يقول، فقلت: لئن دنوتُ منه لأستمع منه لأُرَوِّعَنَّه، فجئتُ من قِبَلِ الحِجْر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلتُ أمشي رويدًا ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يصلِّي يقرأ القرآن، حتى قمتُ في قبلتِه مستقبلَهُ، ما بيني وبينه إلا ثيابُ الكعبة قال: فلما سمعتُ القرآن رقَّ له قلبي وبكَيْتُ ودَخَلني الإسلام، فلم أزَلْ في مكاني قائمًا حتى قَضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَه ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج عل دار ابن أبي حُسين -وكان مسكنه في الدار الرَّقْطَاء التي كانت بيد معاوية-. قال عمر: فتبعتُه حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزْهر أدركتُه. فلما سمع [رسول الله ﷺ ] (٥) حِسِّي عرفني، فظنَّ أني إنما اتبعتُه لأُوذِيَه، فنَهَمني (٦)، ثم قال: "ماجاءَ بك يا ابنَ الخطَّاب هذه الساعة" قال: قلت: جئتُ لأومنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله رسولُ الله ﷺ ثم قال: "قد هَدَاكَ الله يا عمر" ثم مسَح صَدْري ودعا لي بالثبات ثم انصرفتُ ودخلَ رسولُ الله ﷺ بيتَه. قال ابنُ إسحاق: فالله أعلم أيّ ذلك كان.

стр. 1277

قلت: وقد استقصيتُ كيفيَّة إسلام عمر ﵁ وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطوَّلًا في أول سيرتِه التي أفردْتُها على حدة ولله الحمد والمنَّة. قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني نافع مولى ابنِ عمر عن ابن عمر. قال: لما أسلم عمر قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله: وغدوتُ أتبع أثره وأنظر ما يفعل -وأنا غلامٌ أعقِلُ كلَّ ما رأيت- حتى جاءه فقال له: أعلمتَ يا جميلُ أني أسلمتُ ودخلتُ في دينِ محمد ﷺ ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجُرُّ رداءَه واتَّبعه عمر، واتبعتُه أنا حتى قام على باب المسجد، صرَخَ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إنَّ ابنَ الخطَّاب قد صبَأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذَب، ولكنِّي قد أسلمْتُ وشهدتُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وثاروا إليه، فما بَرِح يقاتلُهم ويقاتلونه حتى قامتِ الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلَح (٢) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بَدَا لكم، فأحلفُ بالله أنْ لو قد كنَّا ثلاثمئة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك إذْ أقبل شيخٌ من قريش، عليه حُلَّةٌ حِبَرَة، وقميصٌ مُوَشَّى، حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صَبَأ عمر. قال: فمه؟ رجلٌ اختارَ لنفسه أمْرًا فماذا تريدون؟ أترون بني عديٍّ يُسلمون لكم صاحبَهم هكذا؟ خلُّوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كُشِط عنه. قال: فقلت لأبي بعد أنْ هاجر إلى المدينة: يا أبة من الرجلُ الذي زَجَر القومَ عنك بمكةَ يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أيْ بُني العاصُ بن وائل السهمي. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويّ، وهو يدلُّ على تأخُّر إسلام عمر، لأنَّ ابنَ عمر عُرض يومَ أُحُد وهو ابنُ أربعَ عشرةَ سنة، وكانت أُحُد في سنة ثلاثٍ من الهجرة، وقد كان مميزًا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامهُ قبل الهجرة بنحوٍ من أربع سنين، وذلك بعد البِعْثة بنحْوِ تسعِ سنين والله أعلم. وقال البيهقي (٣) حدَّثنا الحاكم، أخبرنا الأصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدَّثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: ثم قدِم على رسولِ الله ﷺ عشرون رجلًا وهو بمكة -أو قريبٌ من ذلك- من النصارى حين ظهر خبَرُه من أرض الحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلَّموه وساءلوه، ورجالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلتهم رسولَ الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم رسولُ الله ﷺ إلى الله ، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا فاضَتْ أعينُهم من الدَّمْع، ثمَّ استجابوا له وآمنوا به وصدَّقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفرٍ من قريش فقال: خيَّبكم الله مِنْ ركْب بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينِكم ترتادون لهم، فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئنَّ مجالسكم عنده حتى فارقتُم دينَكم وصدَّقتموهُ بما قال لكم! ما نعلم ركبًا أحمقَ منكم

стр. 1278

-أو كما قال- قالوا لهم: لا نجاهلكم، سلام عليكم، لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم لا نأْلُوَن (١) أنفسنا خيرًا. فيقال: إن النَّفَرَ من نصارى نجران؛ والله أعلم أيّ ذلك كان. ويقال: والله أعلم: إنَّ فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]. فصل قال البيهقي في "الدلائل" (٢): باب ما جاء في كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي، ثم روى عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس، عن ابن إسحاق قال: هذا كتابٌ من رسول الله ﷺ إلى النجاشي: ["بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي] الأصحم عظيم الحبشة، سلامٌ على من اتَّبَع الهُدَى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له. لم يتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله؛ وأدعوك بدعاية الله، فإنِّي أنا رسولُه، فأسلمْ تَسْلَمْ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] فإنْ أبَيْتَ فعليكَ إثْمُ النَّصَارَى من قومِك". هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة، وفي ذِكْره هاهنا نظر، فإن الظاهرَ أنَّ هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحبِ جعفرٍ وأصحابه، وذلك حين كتَبَ إلى ملوكِ الأرض يدعوهم إلى الله قُبيل الفتح، كما كتب إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّوم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي. قال الزُّهْري: كانت كتبُ النبيِّ ﷺ إليهم واحدة يعني نسخةً واحدة، وكلُّها فيها هذه الآية وهي من سورة آلِ عمران، وهي مدنيَّة بلا خلاف، فإنَّهُ من صَدْر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وَفْد نَجْرَان كما قرَّرْنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول، وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم، لعلَّ الأصحم مقحمٌ من الراوي بحسب ما فهم. والله أعلم. وأنسب من هذا ها هنا ما ذكره البيهقي (٣) أيضًا عن الحاكم، عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه

стр. 1279

-بمرو- حدَّثنا حماد بن أحمد، حدَّثنا محمد بن حُميد، حدَّثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: بعث رسولُ الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْري إلى النجاشي في شأنِ جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتابًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ رسول الله إلى النجاشي الأصْحم ملكِ الحَبَشة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الملكَ القدُّوس المؤمنَ المُهَيْمنَ، وأشهدُ أنَّ عيسى روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البَتُول (١) الطيبة الحصينة، فحملتْ بعيسى، فخلقَهُ من رُوحه ونَفْخَتِه، كما خلَقَ آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحدَهُ لا شريكَ له، والموالاة على طاعَتِه وأنْ تتَّبِعَني فتؤمنَ بي وبالذي جاءني، فإني رسولُ الله، وقد بعثتُ إليك ابنَ عمِّي جعفرًا، ومعه نفرٌ من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقِرَّهم ودع التجَبُّر فإنَي أدعوك وجنودَك إلى الله ، وقد بلَّغْتُ ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتَّبع الهُدى". فكتب النجاشي إلى رسولِ الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمدٍ رسولِ الله من النجاشي، الأصحم بن أبجر، سلامٌ عليك يا نبيَّ الله، من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هدَاني إلى الإسلام، فقد بلغني كتابُكَ يا رسول الله فيما ذكرتَ من أمْرِ عيسى، فَوَربِّ السماءِ والأرض إنَّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفْنا ما بُعثتَ به إلينا، وقرَيْنا ابنَ عمِّك وأصحابَه، فأشهدُ أنَّكَ رسولُ الله صادقًا ومصدَّقًا وقد بايعتك (٢) وبايعتُ ابنَ عمِّك، وأسلمتُ على يديه للهِ ربِّ العالمين، وقد بعثتُ إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر، فإنِّي لا أمْلِكُ إلا نفسي، وإنْ شئتَ أنْ آتيكَ فعلتُ يا رسولَ الله، فإنِّي أشهدُ أنَّ ما تقولُ حقّ (٣). فصل في ذِكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله ﷺ وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يُناكحوهم حتى يُسلموا إليهم رسولَ الله ﷺ ، وحَصْرهم إيَّاهم في شِعْبِ أبي طالب مدَّةً طويلة، وكتاباتهم بذلك صحيفةً ظالمة فاجرة؛ وما ظهر في ذلك كلِّه من آياتِ النبوَّة ودلائل الصدق قال موسى بن عقبة عن الزهري (٤): ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا، حتى بلغ

стр. 1280

المسلمين الجهد، واشتدَّ عليهم البلاء واجتمعمت (١) قريشٌ في مكْرها أنْ يقتلوا رسولَ الله ﷺ علانيةً. فلما رأى أبو طالب عملَ القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أنْ يُدْخِلوا رسولَ الله ﷺ شِعْبَهُمْ، وأمرهم أنْ يمنعوه ممن أرادوا قتله. فاجتمع على ذلك مسلمُهم وكافرُهم، فمنهم من فعله حميَّةً، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا؛ فلما عرفتْ قريش أنَّ القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يُسلموا رسولَ الله ﷺ للقَتْل، وكتبوا في مكْرهم صحيفةً وعهودًا ومواثيق، لا يقبلوا (٢) من بني هاشم صُلْحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم (٣) رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شِعْبهم ثلاثَ سنين، واشتدَّ عليهم البلاءُ والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا (٤) لهم طعامًا يقدم مكة، ولا بيعًا إلا بادروهم إليه فاشترَوْه يريدون بذلك أنْ يدركوا سفكَ دمِ رسول الله ﷺ ؛ فكان أبو طالب إذا أخذ الناسُ مضاجعَهم أمر رسولَ الله ﷺ فاضطجع على فراشِه حتى يرى ذلك من أراد به مكرًا واغتيالًا له، فإذا نامَ الناسُ أمر أحدَ بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسولِ الله ﷺ وأمر رسولَ الله ﷺ أنْ يأتيَ بعضَ فُرشِهم فينامَ عليه؛ فلما كان رأس ثلاثِ سنين تلاوم رجالٌ من بني عبد مناف ومن [بني] (٥) قصي، ورجالٌ سواهم من قريش قد ولدَتْهم نساءٌ من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرَّحِم واستخفُّوْا بالحق، واجتمع أمرُهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغَدْر والبراءةِ منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرَضَة (٦) فلَحِسَتْ كلَّ ما كان فيها من عهدٍ وميثاق. ويقال: كانتْ معلَّقةً في سقف البيت، فلم تتركِ اسمًا لله فيها إلا لَحِسَتْه، وبقي ما كان فيها من شِرْكٍ أو ظلم أو قطيعة رحم؛ وأطلع اللهُ رسولَهُ على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسولُ الله ﷺ لأبي طالب. فقال أبو طالب: لا والثواقب (٧) ما كذبني. فانطلق يمشي بعصابةٍ من بني عبد المطلب حتى أتى المسجدَ وهو حافلٌ من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك، وظنُّوا أنهم خرجوا من شدَّة البلاء، فأتَوْهم ليعطوهم رسول الله ﷺ . فتكلم أبو طالب فقال: قد حدَثتْ أمورٌ بينكم لم نذكُرْها لكم، فأْتُوا بصحيفتِكم التي تعاهدْتُم عليها فلعلَّه أن يكونَ بيننا وبينكم صُلْح. وإنما قال ذلك خشيةَ أنْ ينظروا في الصحيفة قبل أنْ يأتوا بها. فأتَوْا بصحيفتهم معجَبينَ بها، لا يشكُّون أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 1281

مدفوعًا (١) إليهم فوضعوها بينهم وقال: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يَجْمَعُ قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجلٌ واحد جعلتموه خطرًا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما أتيتُكم لأعطيَكم أمرًا لكم فيه نَصَف (٢)، إنَّ ابن أخي أخبرني -ولم يكذبْني- أنَّ الله بريءٌ من هذه الصحيفةِ التي في أيديكم، ومحا كلَّ اسمٍ هو له فيها، وترك فيها غَدْرَكم وقطيعتكم إيانا وتظاهرَكم علينا بالظُّلْم، فإنْ كان الحديثُ الذي قال ابنُ أخي كما قال فأفيقوا، فوالله لا نُسْلِمُه أبدًا حتى نموت من عند (٣) آخرنا، وإن كان الذي قال باطلًا دفعناهُ إليكم فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رَضِينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إنْ كان هذا قطُّ إلا سحرٌ من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا بشرِّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدَّة على رسولِ الله ﷺ والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه (٤). فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إنَّ أولى بالكذب والسحر غيرُنا، فكيف ترَوْن؟ فإنَّا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقربُ إلى الجبْتِ والسِّحْر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتُكم، وهي في أيديكم طمس [الله] (٥) ما كان فيها من اسمه، وما كان فيها من بغي تركه، أفنحن السَّحَرَةُ أم أنتم؟ فقال عند ذلك النَّفَرُ من بني عبد مناف وبني قُصَيّ ورجالٌ من قريش ولدتْهم نساءٌ من بني هاشم، منهم أبو البَخْتَري والمُطْعِم بن عدي، وزُهير بن أبي أمية بن المغيرة، وزَمَعَة بن الأسود، وهشام بن عمرو؛ وكانت الصحيفةُ عنده وهو من بني عامر بن لُؤَيّ -في رجالٍ من أشرافهم ووجوههم- نحن بُرَآءُ مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قُضي بليل. وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرَّؤوا منها ونقضُوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي (٦). قال البيهقي (٧): وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ -يعني من طريق ابنِ لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير- يعني كسياق موسى بن عقبة ﵀ وقد تقدَّم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشِّعب عن أمر رسول الله ﷺ لهم في ذلك. فالله أعلم (٨).

стр. 1282

قلت: والأشبه أنَّ أبا طالب إنما قال قصيدته اللَّاميَّة التي قدَّمنا ذِكرها بعد دخولهم الشعب أيضًا فذِكْرُها ها هنا أنسب. والله أعلم. ثم روى البيهقي (١) من طريق يونس، عن محمد بن إسحاق قال: لما مضى رسولُ الله ﷺ على الذي بعث به [وقامَتْ بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبَوْا أن يُسْلموه وهم من خلافه على مِثْلِ ما قومُهم عليه، إلا أنهم أنِفُوا أن يُستذلُّوا ويُسْلِموا أخاهم لمن فارقه من قومه. فلما فعلتْ ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفتْ قريش أنْ لا سبيلَ إلى محمد، اجتمعوا على أن] (٢) يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفةً في ذلك وعلَّقوها بالكعبة، ثم عدَوْا على مَنْ أسلم فأوثقوهم وآذَوْهم، واشتدَّ عليهم البلاء وعظمتِ الفتنة وزُلْزلُوا زِلْزالًا شديدًا. ثم ذكر القصةَ بطولها في دخولهم شِعْبَ أبي طالب وما بلَغُوا فيه من فتنة الجهْد الشديد، حتى كان يسمعُ أصواتَ صبيانِهم يتضاغَوْنَ من وراء الشِّعْب من الجوع، حتى كره عامَّةُ قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكر (٣) أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرَضة فلم تدَعْ فيها اسمًا هو لله إلا أكلَتْه وبقي فيها الظلم والقَطِيعة والبُهْتان، فأخبر اللهُ تعالى بذلك رسولَ الله ﷺ فأُخبر بذلك عمُّه أبو طالب، ثم ذكر بقيَّة القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم. وقال ابنُ هشام (٤) عن زيد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا فيها أمْنًا وقرارًا، وأنَّ النجاشِي قد مَنَعَ مَنْ لجأ إليه منهم، وأنَّ عمر قد أسلم فكان هو وحمزةُ مع رسولِ الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يَفْشُو في القبائل اجتمعوا وأتَمروا على أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب (٥) على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه (٦) في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علَّقوا الصحيفة في جَوْف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بنُ عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابنُ هشام: ويقال: النَّضْر بن الحارث، فدعا عليه رسولُ الله ﷺ فشلَّ بعضُ أصابعه.

стр. 1283

وقال الواقدي: كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العَبْدَري (١). قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق، وهو الذي شَلَّتْ يدُه فما كان ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة. قال الواقدي (٢): وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة. قال ابن إسحاق (٣): فلما فعلتْ ذلك قريش انحازتْ بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شِعْبِه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبدُ العُزَّى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. وحدَّثني حسين بن عبد الله، أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا، فقال: يا ابنة عتبة، هل نصرتِ اللاتَ والعُزَّى وفارقتِ مَنْ فارقها وظاهر عليها (٤)؟ قالت: نعم! فجزاك الله خيرًا يا أبا عتبة. قال ابن إسحاق (٣): وحُدِّثتُ أنه كان يقول -في بعض ما يقول- يَعِدُني محمد أشياءَ لا أراها يزعم أنها كائنةٌ بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يدَيْه فيقول: تبًّا لكما، لا أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. قال ابن إسحاق (٥): فلما اجتمعتْ على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب: [من الطويل] ألا أبلِغَا عنِّي على ذاتِ بيننا … لُؤَيًا وخُصَّا من لُؤَيٍّ بني كَعْبِ (٦) ألم تعلموا أنا وجدْنا محمدًا … نبيًا كموسى خُطَّ في أولِ الكُتْبِ (٧) وأنَّ عليه في العبادِ محبةً … ولا خير ممَّنْ خصَّهُ اللهُ بالحُبِّ (٨)

стр. 1284

وأن الذي ألصقْتُمُ من كتابكم … لكم كائنٌ نحسًا كراغيةِ السَّقْبِ (١) أفيقوا أفيقوا قبل أنْ يُحفَرَ الثَّرَى … ويصبحَ من لم يجنِ ذنبًا كذي الذنْب ولا تَتْبَعُوا أمرَ الوشاةِ وتقطعوا … أواصرَنا بعدَ المودَّة والقُرْبِ (٢) وتستَجلِبوا حَرْبًا عَوانًا وربما … أمَرَّ على مَن ذاقه حَلَبُ الحرب (٣) فلسنا وربِّ البيتِ نُسْلم أحمدًا … لعزَّاءَ من حضَّ الزمانِ ولا كَرْب (٤) ولما تَبِنْ منَّا ومنكُم سوالفٌ … وأيدٍ تبارَتْ بالقساسِيَةِ الشُّهْبِ (٥) بمعتركٍ ضَيْقٍ ترى كِسَرَ القَنَا … بهِ والنسورَ الطُّخْمَ يعْكُفْنَ كالشَّرْبِ (٦) كأن مَجَالَ الخيل في حَجَراتِهِ … ومعمعةَ الأبطالِ معركةُ الحرب (٧) أليس أبونا هاشمٌ شُدَّ أزْرُهُ … وأوصَى بنيهِ بالطِّعانِ وبالضَّرْبِ ولسنا نملُّ الحربَ حتى تملَّنا … ولا نشتكي ما قد ينوبُ من النَّكْبِ ولكنَّنا أهلُ الحفائظِ والنُّهى … إذا طارَ أرواحُ الكماةِ من الرُّعْبِ

стр. 1285

قال ابن إسحاق (١): فأقاموا على ذلك سنتَيْن أو ثلاثًا حتى جُهدوا، ولم يصلْ إليهمِ شيءٌ إلا سرًا مستخفيًا به مَنْ أراد صِلَتَهُمْ من قريش. وقد كان أبو جهل بنُ هشام -فيما يذكرون- لَقِي حَكيمَ بنَ حِزَام بن خُويلد بن أسد معه غلامٌ يحمل قمحًا، يُريد به عمَّتهُ خَدِيجة بنت خُويلد، وهي عند رسولِ الله ﷺ في الشِّعْب، فتعلَّق به وقال: أتذهبُ بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البَخْتَرِيِّ بنُ هشام بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمِلُ الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختريّ: طعامٌ كان لعمَّتِه عنده بعثتْ به إليه أتمنعه أنْ يأتيَها بطعامها؟ خلِّ سبيلَ الرجل. قال: فأبَى أبو جهل لعنه الله حتى نالَ أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البختريِّ لَحْيَ بعيرٍ فضربه، فشجَّهُ ووطِئَهُ وطْئًا شديدًا، وحمزةُ بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ وأصحابَه فيشمتون بهم، ورسولُ الله ﷺ على ذلك يدعو قومَهُ ليلًا ونهارًا وسِرًّا وإعلانًا وجهارًا مُبَاديا لأمر (٢) الله تعالى، لا يتقي فيه أحدًا من الناس. فجعلت قريشٌ حين منعَهُ الله منها وقام عمُّه وقومُه من بني هاشم وبني عبد المطلب (٣) دونه وحالُوا بينهم وبين ما أرادوا من البَطْش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه وجعل القرآنُ ينزلُ في قريش بأحداثهم وفيمن نَصَبَ لعداوته، منهم من سُمّي لنا، ومنهم من نزل القرآن في عامَّةِ مَنْ ذكر الله من الكفار. فذكر ابن إسحاق (٤) أبا لهب ونزولَ السورةِ فيه، وأُميَّة بن خلف ونزول قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] السورة بكمالها فيه. والعاص بن وائل ونزول قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] فيه. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك. وأبا جهل بن هشام وقولهُ للنبيِّ ﷺ لتَتْرُكَنَّ سبَّ آلهتِنا أو لنسبَّنَّ آلهتك، ونزول قول الله فيه ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية. والنَّضْر بن الحارث بن كَلَدة بن علقمة (٥)، وجلوسه بعد النبي ﷺ في مجالسه حيث يتلو القرآن، ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضْرُ شيئًا من أخبار رستم واسفنديار، وما جرى بينهما من الحروب في زمنِ الفرس، ثم يقول: والله ما محمدٌ بأحسنَ حديثًا مني، وما حديثُه

стр. 1286

إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧]. قال ابن إسحاق (١): وجلس رسولُ الله ﷺ فيما بلغنا (٢) - يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النَّضْر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غيرُ واحدٍ من رجال قريش، فتكلَّم رسولُ الله ﷺ فعرض له النضر، فكلَّمه رسولُ الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. ثم قام رسولُ الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهْمِيّ حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قامَ النضْرُ بن الحارث لا بن عبد المطَّلبِ آنفًا وما قعد، وقد زعم محمدٌ أنَّا وما نعبدُ من آلهتنا هذه حَصَبُ جهنَّم. فقال عبد الله بن الزِّبَعْرَى: أَما والله لو وجدتُه لخصَمْتُه، فسلوا محمدًا أكلُّ ما (٣) يُعبَدُ من دون الله حَصَب جهنم مع من عَبَدَه؟ فنحن نعبدُ الملائكة، واليهود تعبدُ عُزَيْرًا، والنصارى تعبدُ عيسى. فعجِبَ الوليدُ ومَنْ كان معه في المجلس من قول ابن الزِّبَعْرَى! ورأَوْا أنه قد احتجَّ وخاصم. فذُكر ذلك لرسولِ الله ﷺ . فقال: "كلُّ مَن أحبَّ أن يُعبد من دونِ الله فهو مع مَنْ عبَدَهُ في النَّار، إنَّهم إنما يعبدُون الشياطين ومن أمَرَتْهُمْ بعبادته". فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] أي: عيسى وعُزَير ومَنْ عُبد من الأحبار والرُّهْبان الذينَ مضَوْا على طاعةِ الله تعالى. ونزّل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بناتُ الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. والآيات بعدَها ونزّل في إعجاب المشركين بقول ابن الزِّبَعْرَى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] وهذا الجدل الذي سَلَكُوه باطلٌ وهم يَعْلَمُون ذلك لأنهم قومٌ عَرَبٌ ومِنْ لُغتِهم أنَّ ما لما لا يعقل، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إنما أُريدَ بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانتْ صورَ أصنامٍ، ولا يتناولُ ذلك الملائكةَ الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيحَ، ولا عُزيرًا، ولا أحدًا من الصالحين لأنَّ اللفظ لا يتناولهم لا لفظًا ولا معنىً. فهم يعلمون أنَّ ما ضربوه بعيسى بنِ مريم من المَثَل جدلٌ باطلٌ كما قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي بنبوَّتنا ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] أي دليلًا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد

стр. 1287

خلقنا حواءَ من ذكرٍ بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلَقْنا سائر بني آدم من ذكرٍ وأنثى كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي أَمَارةً ودليلًا على قُدْرتنا الباهرة ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١] نرحم بها مَنْ نشاء. وذكر ابن إسحاق (١): الأخنس بن شَريق ونزول قوله تعالى فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزَّلُ على محمدٍ وأُترك وأنا كبيرُ قريش وسيِّدُها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عُمير (٢) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين. ونزل قوله فيه ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٢) والتي بعدها. وذكر (٣) أُبيَّ بن خلف حين قال لعقبة بن مُعَيط: ألم يَبْلُغْني أنك جالستَ محمدًا وسمعتَ منه، وَجْهي من وجهك حرام إلا أنْ تتْفُلَ في وجهه. ففعل ذلك عدوُّ الله عقبةُ لعنَهُ الله، فأنزل الله ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧ - ٢٨] والتي بعدها. قال: ومشى أُبَيُّ بن خلف بعظمٍ بالٍ قد أرَمَّ (٤) فقال: يا محمد، أنت تزعمُ أن الله يبعث هذا بعدما أرمّ. ثم فتَّهُ بيده ثم نفخَهُ في الرِّيح نحو رسول الله ﷺ . فقال: "نعم، أنا أقولُ ذلك، يبعثُهُ الله وإيَّاك بعدَما تكونانِ هكذا، ثم يُدخلكَ النار". فأنزل الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] إلى آخر السورة. قال: واعترضَ رسولَ اللهِ ﷺ فيما بلغني -وهو يطوف عند باب الكعبة- الأسودُ بن المغيرة، وأميَّةُ بن خلف، والعاص بن وائل فقالوا: يا محمد، هَلُمَّ فلنعْبُدْ ما تعبد، وتعبدُ ما نعبد، فنشترك نحن وأنتَ في الأمر. فأنزل الله فيهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] إلى آخرها. ولما سمع أبو جهل بشجرة الزَّقُّوم. قال: أتدرون ما الزَّقُّوم؟ هو تمر يثرب (٥) بالزُّبْد. ثم قال: هلمُّوا فلنتزقَّمْ. فأنزلَ الله تعالى ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤].

стр. 1288

قال (١): ووقف الوليد بن المغيرة فكلَّم رسولَ الله ﷺ ورسول الله ﷺ يكلِّمُه وقد طَمِع في إسلامه فمرَّ به ابنُ أمِّ مكتوم -عاتكة بنت عبد الله بن عَنْكَثَة (٢) - الأعمى، فكلَّم رسولَ الله ﷺ ، وجعل يستقرئه القرآن، فشقَّ ذلك عليه حتى أضْجَرَه، وذلك أنه شغَلَهُ عمَّا كان فيه من أمْرِ الوليدِ وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسًا، وتركه فأنزل الله تعالى ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ إلى قوله ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١ - ١٤]. وقد قيل: إنَّ الذي كان يحدِّث رسولَ الله ﷺ حين جاءه ابنُ أمِّ مكتوم أميةُ بن خلف. فالله أعلم. ثم ذكر ابنُ إسحاق (٣) مَنْ عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلامُ أهلِ مكة، وكان النقلُ ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أنَّ رسول الله ﷺ جلس يومًا مع المشركين، وأنزل الله عليه ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ١ - ٢] يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد. فسجد مَنْ هناك مِنَ المسلمين والمشركين والجنِّ والإنس، وكان لذلك سببٌ ذكرهُ كثيرٌ من المفسِّرين عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] وذكروا قصة الغَرَانِيق (٤)، وقد أحببنا الإضرابَ عن ذكرها صفحًا لئلا يسمعها مَنْ لا يضَعُها على مواضيعها، إلا أنَّ أصلَ القصة في الصحيح. قال البخاري (٥): حدَّثنا أبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سَجَدَ النبيُّ ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس. انفرد به البخاري دون مسلم. وقال البخاري (٦): حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا غُنْدَر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعتُ الأسود، عن عبد الله قال: قرأ النبيُّ ﷺ والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد مَنْ معه غيرَ شيخٍ أخذَ كفًّا من حصًا -أو تراب- فرفعه إلى جَبْهَتِهِ وقال: يكفيني هذا، فرأيتُه بعد [ذلك] قُتل كافرًا. ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة (٧).

стр. 1289

وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا إبراهيم، حدَّثنا رباح، عن معمر، عن ابن طاووس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن عبد المطلب بن أبي وَدَاعَة، عن أبيه قال: قرأ رسولُ الله ﷺ بمكة سورةَ النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعتُ رأسي وأبَيْتُ أنْ أسجد -ولم يكن أسلم يومئذ المطلب- فكان بعد ذلك (٢) لا يسمعُ أحدًا يقرؤها إلا سجد معه. وقد رواهُ النَّسائي (٣) عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل به. وقد يجمع بين هذا والذي قبلَه بأنَّ هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارًا، وذلك الشيخ الذي استثناهُ ابنُ مسعود لم يسجد بالكَليَّة. والله أعلم. والمقصود أنَّ الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعةً لرسولِ الله ﷺ اعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاعٌ بينهم. فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرةَ الحبشة بها، فظنُّوا صحة ذلك، فأقبل منهم طائفةٌ طامعين بذلك. وثبتتْ جماعةٌ، وكلاهما محسِنٌ مُصيبٌ فيما فعل، فذكر ابن إسحاق (٤) أسماء مَنْ رجعَ، منهم: عثمان بن عفان، وامرأتُه رُقَيَّة بنتُ رسولِ الله ﷺ ، وأبو حُذَيفة بن عُتبة بن رَبيعة، وامرأته سَهْلَة بنت سُهَيل، وعبد الله بن جَحْش بن رِئَاب، وعُتْبَة بن غَزْوان، والزُّبير بن العوَّام، ومُصعب بن عُمير، وسُوَيبط بن سعد، وطُلَيب بن عمر، وعبد الرحمن بن عَوْف والمِقْدَاد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأتُهُ أم سلمة بنت أبي أُمَيَّة بن المغيرة، وشَمَّاس بن عثمان، وسَلَمة بن هشام، وعيَّاش بن أبي ربيعة - وقد حُبسا بمكة حتى مضت بدرٌ وأُحُد (٥) والخندق -وعمَّار بن ياسر- وهو ممَّنْ شُكَّ فيه أَخَرَجَ إلى الحبشة أمْ لا. ومُعَتِّب بن عوف، وعثمان بن مَظْعون، وابنه السائب، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخُنَيْس بن حُذَافة، وهشام بن العاص بن وائل -وقد حُبس بمكة إلى بعد الخندق- وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وعبد الله بن مَخْرَمة، وعبد الله بن سُهيل بن عمرو -وقد حُبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بَدْرا- وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم، وامرأته أم كلثوم بنت سُهيل، والسكران بن عمرو بن عبد شَمْس، وامرأتُه سَوْدَة بنت زمعة - وقد ماتَ بمكة قبل الهجرة، وخَلَف على امرأته رسولُ الله ﷺ وسعد بن خَوْلَة، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، وعمرو بن الحارث بن زهير، وسُهَيل بن بَيْضاء، وعمرو بن أبي سَرْح، فجميعُهم ثلاثةٌ وثلاثونَ رجلًا ﵃.

стр. 1290

وقال البخاري (١): وقالت عائشة: قال رسولُ الله ﷺ : "أُريتُ دارَ هجرتِكُمْ ذاتَ نخلٍ بينَ لابتَيْن" فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة، ورجَعَ عامَّةُ مَنْ كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة، فيه عن أبي موسى وأسماء ﵄ عن النبي ﷺ . وقد تقدَّم حديثُ أبي موسى وهو في الصحيحيْن (٢)، وسيأتي حديثُ أسماء بنت عُمَيس بعد فتح خيبر حين قَدِمَ مَنْ كان تأخَّر من مهاجرةِ الحَبَشةِ إنْ شاء الله وبه الثقة (٣). وقال البخاري (٤): حدَّثنا يحيى بن حمَّاد: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنَّا نسلِّمُ على النبيِّ ﷺ وهو يصلِّي، فيرُدُّ علينا، فلما رجعنا من عند النَّجاشي سلَّمنا عليه فلم يرُدَّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنَّا كنَّا نسلِّمُ عليك فتردُّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم تردَّ علينا؟ قال: "إنَّ في الصلاة شُغْلًا". وقد روى البخاري أيضًا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرُق أُخَر عن سليمان بن مهران عن الأعمش به (٥)؛ وهو يقوِّي تأويل مَنْ تأوَّل حديثَ زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين (٦): كنا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلَ قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأُمِرْنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام. على أنَّ المراد جنس الصحابة، فإنَّ زيدًا أنصاريٌّ مدنيّ، وتحريمُ الكلام في الصلاة ثَبَتَ بمكة، فتعيَّنَ الحَمْلُ على ما تقدَّم. وأمَّا ذكْرُه الآية وهي مدنيَّة فمشكل، ولعلَّه اعتقدَ أنَّها المحرِّمة لذلك، وإنما كان المحرِّم له غيرُها معها، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٧): وكان ممن دخل معهم بِجِوَارٍ؛ عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد في جوارِ خاله أبي طالب، فإنَّ أُمَّهُ بَرَّة بنتَ عبد المطَّلب. فأما عثمان بن

стр. 1291

مظعون فإنَّ صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدَّثني عمن حدَّثه عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحابُ رسولِ الله ﷺ من البلاء وهو يروح ويغدو في أمانٍ من الوليد بن المغيرة قال: والله إنَّ غُدُوِّي ورَوَاحي في جوار رجلٍ من أهل الشِّرْك، وأصحابي وأهلُ ديني يَلْقَوْنَ من البلاء والأذى في الله ما لا يُصيبني لنقصٌ كبير (١) في نفسي. فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفَتْ ذِمَّتُك، وقد رددتُ إليك جِوارَك. قال: لِمَ يا ابنَ أخي؟ لعلَّه آذاك أحدٌ من قومي! قال: لا، ولكنِّي أرضَى بجوارِ الله ، ولا أريد أن أستجيرَ بغيره. قال: فانطلقْ إلى المسجد فاردُدْ عليَّ جوارِي علانيةً كما أجَرْتُكَ علانيةً. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يردُّ عليَّ جواري. قال: صَدَقَ، قد وجدْتُه وفيًّا كريم الجِوار، ولكنِّي قد أحببتُ أنْ لا أستجيرَ بغيرِ الله فقد رددتُ عليه جِواره. ثمَّ انصرف عثمان ﵁ ولَبيدُ بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلسٍ من قريش يُنشدِهُم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: [من الطويل] * ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ * فقال عثمان: صَدَقْت. فقال لَبيد: * وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ (٢) * فقال عثمان: كذبت، نعيمُ الجنَّةِ لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يُؤذَى جليسُكُم، فمتى حدَثَ هذا فيكم؟ فقال رجلٌ من القوم: إنَّ هذا سَفِيه في سفهاءَ معه قد فارقوا دينَنا، فلا تَجِدَنَّ في نفسك من قوله. فردَّ عليه عثمان حتى شَرِيَ أمْرُهما (٣)، فقام إليه ذلك الرجل ولطَمَ عَيْنَه فخضَّرَها والوليد بن المغيرة قريب يَرَى ما بلغ عثمان. فقال: أما والله يا ابن أخي إنْ كانت عينُك عمَّا أصابها لغَنِيَّة، ولقد كنت في ذمَّةٍ منيعة. قال يقول عثمان: بل والله، إنَّ عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى مثل ما أصاب أختَها في الله، وإني لفي جوارِ مَنْ هو أعزُّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلمَّ يا بن أخي إلى جوارِك فعُدْ. قال: لا. قال ابن إسحاق (٤): وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فحدَّثني أبي إسحاقُ بن يسار، عن سَلَمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، أنه حدَّثه أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب مشى إليه رجالٌ من بني مَخْزوم فقالوا له: يا أبا طالب، هلَّا (٥) منعت منا ابنَ أخيك محمدًا فمالك ولصاحبنا تمنعه منَّا؟ قال: إنَّه استجار بي، وهو ابنُ أُختي، وإنْ أنا لم أمنعِ ابنَ أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب فقال: يا معشر

стр. 1292

قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهنَّ أو لنقومنَّ معه في كلِّ ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عُتيبة (١). وكان لهم وليًّا وناصرًا على رسولِ الله ﷺ فأبقَوْا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقولُ ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأنِ رسولِ الله ﷺ ، فقال أبو طالب يُحرِّضُ أبا لهبٍ على نصرتِه ونصرةِ رسولِ الله ﷺ (٢): [من الطويل] وإنَّ امرءًا أبو عُتَيْبة عمُّهُ … لفي روضةٍ ما إنْ يُسَامُ المظالما أقول لهُ، وأينَ منه نَصِيحتي … أبا مُعْتبٍ ثبِّتْ سَوادك قائما ولا تقبلَنَّ الدهرَ ما عشتَ خُطَّةً … تُسَبُّ بها إمَّا هبطْتَ المواسما ووَلِّ سبيلَ العجز غيرَك منهمُ … فإنك لم تُخلقَ على العجزِ لازما وحاربْ فإنَّ الحربَ نِصْفٌ ولن ترى … أخا الحرب يُعطى الخَسْفَ حتى يسالما وكيفَ ولم يَجْنُوا عليكَ عظيمةً … ولم يخذلوك غانمًا أو مُغارما جزى اللهُ عنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفَلًا … وتَيْمًا ومخزومًا عُقُوقًا ومَأثما بتفريقهمْ من بعدِ وُدٍّ وأُلفةٍ … جماعتَنا كيما ينالوا المحارِما كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمدًا … ولما ترَوْا يومًا لدى الشِّعْبِ قائمًا (٣) قال بن هشام: وبقى منها بيتٌ تركناه. ذكر عَزْم الصدِّيق على الهجرة إلى أرض الحبشة قال ابن إسحاق (٤): وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ كما حدَّثني محمد بن مسلم الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة حين ضاقَتْ عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذنَ رسولَ الله ﷺ في الهجرة فأذِنَ له، فخرج أبو بكرٍ ﵁ مهاجرًا حتى إذا سار من مكة يومًا -أو يومين- لقيَهُ ابنُ الدُّغُنَّة (٥) أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو

стр. 1293

يومئذ سيد الأحابيش (١) فقال (٢): أين يا أبا بكر؟ قال: أخرَجني قومي وآذَوْني وضيَّقُوا عليَّ قال: ولم؟ فوالله إنَّك لتزيِّنُ العشيرة، وتُعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسِبُ المعدوم؛ ارجعْ فإنك في جِوَارِي. فرجع حتى إذا دخل مكة قام ابنُ الدُّغُنَّة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرتُ ابنَ أبي قُحافة فلا يعرِضْ له (٣) أحدٌ إلا بخير. قالت: فكفُّوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيانُ والعبيد والنساء يَعْجَبُون لما يَرَوْنَ من هيئته! قالت: فمشى رجالٌ من قريش إلى ابنِ الدُّغُنَّة فقالوا: يا ابنَ الدُّغُنَّة، إنك لم تُجِرْ هذا الرجل ليؤذيَنا، إنه رجلٌ إذا صلَّى وقرأ ما جاء به محمد يَرقّ، وكانت له هيئة، ونحن نتخوَّف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يَفْتِنَهم، فأْتِهِ فمُرْهُ بأن يدخل بيته فليصنَعْ فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدُّغُنَّة إليه فقال: يا أبا بكر، إني لم أُجِرْكَ لتؤذيَ قومَك. وقد (٤) كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذَّوْا بذلك منك، فادْخُلْ بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أوَ أردّ عليك جوارك وأرْضَى بجوارِ الله؟ قال: فارْدُدْ عليَّ جواري. قال: قد ردَدْتُه عليك. قالت: فقام ابنُ الدُّغُنَّة فقال: يا معشر قريش، إنَّ ابنَ أبي قُحَافة قد ردَّ علي جواري فشأنكم بصاحبكم. وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث متفردًا به، وفيه زياداتٌ حسنة، فقال (٥): حدَّثنا يحيى بن بُكير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، قال ابن شهاب (٦): فأخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: لم أعْقِلْ أبويَّ (٧) قط إلا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يَمُرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسولُ الله ﷺ طرَفي النهار بُكْرَةً وعشيَّة، فلما ابتُليَ المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد، لَقِيَهُ ابنُ الدُّغُنَّة -وهو سيدُ القارَة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي

стр. 1294

فأريد أنْ أسيحَ في الأرض فأعبدَ ربِّي. فقال ابنُ الدغنَّة: فإنَّ مثلكَ يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخرَجُ مثله، إنك تَكْسِبُ المعدوم، وتصِلُ الرَّحِم، وتحمِلُ الكَلّ، وتَقْري الضيف، وتُعينُ على نوائب الحق. وأنا لك جارٌ فاعبُدْ ربَّك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّة، وطافَ ابنُ الدغنَة عشيةً في أشراف قريش فقال لهم: إنَّ أبا بكر لا يَخْرُجُ مثلُه ولا يُخرج، أتُخْرِجون رجلًا يكسِبُ المعدوم، ويصلُ الرَّحِم، ويحمِلُ الكَلَّ، ويَقْري الضيف، ويُعين على نوائب الحق؟ فلم تُكذِّبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدغُنَّة وقالوا لابن الدُّغُنَّة: مُرْ أبا بكر فلْيعبُدْ ربَّه في داره ويصلِّ فيها ولْيقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلنْ به، فإنا نخشى أنْ يفتِنَ نساءنا وأبناءنا. فقال ابنُ الدغنَّة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبُدُ ربَّه في داره، ولا يستعلنُ بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بَدَا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفِناءَ دارِه، وكان يصلِّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذَّفُ (١) عليه نساءُ المشركينَ وأبناؤهم [وهم] يعجبونَ منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءً لا يملكُ عينَيْهِ إذا قرأ القرآن، فأفزَعَ ذلك أشرافَ قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغُنَّة فقدِم عليهم، فقالوا: إنَّا كنَّا أجرْنا أبا بكر بجوارك على أن يعبُدَ ربَّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفِناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءةِ فيه، وإنَّا قد خَشِينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فانْهَهُ، فإنْ أحبَّ على أنْ يقتصرَ أنْ يعبُدَ ربَّه في دارِه فعل، وإنْ أبَى إلا أنْ يُعلن ذلك فسلْه أن يرُدَّ عليك ذِمَّتكَ، فإنَّا قد كرِهنا نخفرك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكرٍ الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغُنَّة إلى أبي بكر فقال: قد علمتَ الذي قد عاقدتُ عليه قريش، فإمَّا أن تقتصرَ على ذلك وإمَّا أنْ تردَّ إليَّ ذمَّتي، فإنِّي لا أحبُّ أن تسمعَ العربُ أنِّي أُخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له. فقال أبو بكر: فإني أرُدُّ عليك جوارك وأرضى بجوارِ الله . ثم ذكر تمامَ الحديث في هجرة أبي بكرٍ ﵁ مع رسول الله ﷺ كما سيأتي مبسوطًا (٢). قال ابنُ إسحاق (٣): وحدَّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق قال: لقيه -يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابنِ الدُّغُنَّة- سَفيهٌ من سفهاء قريش وهو عامدٌ إلى الكعبة، فحَثَا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة -أو العاص بن وائل- فقال له أبو بكر ﵁: ألا ترى ما يصنعُ هذا السَّفيه؟ فقال: أنت فعلتَ ذلك بنفسك. وهو يقول: أي ربِّ ما أحْلَمَكَ! أي ربِّ ما أحلمك! أي رب! ما أحلمك!

стр. 1295

فصل كلُّ هذه القصص ذكرها ابنُ إسحاق معترضًا بها بين تعاقُدِ قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحضرهم إياهم في الشعب، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها، وهي أمورٌ مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعى ﵀: من أراد المغازي فهو عيالٌ على ابن إسحاق. ذكر نقض الصحيفة قال ابن إسحاق (١): هذا وبنو هاشم، وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثمَّ إنَّه قام في نقضِ الصحيفة نفرٌ من قريش، ولم يُبْلِ فيها أحدٌ أحسنَ من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيْب (٢) بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابنَ أخي نَضْلَة بن هاشم بن عبد مناف لأُمه، وكان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرفٍ في قومه، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشِّعْب ليلًا، قد أوقره طعامًا، حتى إذا بلغ به فمَ الشِّعْب خلَع خِطَامه من رأسه ثم ضرب على جَنْبَيْه فدخل الشعبَ عليهم. ثم يأتي به قد أوقره بزًّا (٣) فيفعل به مثل ذلك. ثم إنَّه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (٤) بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب. فقال: يا زهير، أقد رضيتَ أنْ تأكلَ الطعام وتلبس الثياب وتَنْكِحَ النساء وأخوالُك حيثُ علمتَ لا يُباعون ولا يُبتاع منهم، ولا يَنكحون ولا يُنكح إليهم؟ أمَا إنِّي أحْلِفُ بالله لو كانوا أخوالَ أبي الحكم بن هشام ثم دعوتَهُ إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا. قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحد، والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمتُ في نَقْضِها. قال: قد وجدت رجلًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابْغِنَا ثالثًا. فذهب إلى المُطْعِم بن عدي فقال له: يا مُطْعِم أقد رضيتَ أن يَهْلِكَ بَطْنان من بني عبْد مناف وأنت شاهدٌ على ذلك موافق لقريش فيه، أما

стр. 1296

والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدُنَّهم إليها منكم سراعًا، قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحد، قال: قدْ وجدتُ لك ثانيًا. قال: مَنْ؟ قال أنا؟ قال: ابْغِنَا ثالثًا. قال: قد فعلتُ. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابْغِنا رابعًا. فذهب إلى أبي البَخْتَرِيِّ بن هشام فقال نحو ما قال للمُطْعِم بن عَدِي؛ فقال: وهل تجد أحدًا يُعينُ على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمُطْعِم بن عَدِيّ وأنا معك. قال: ابْغِنَا خامسًا. فذهب إلى زَمَعَةَ بنِ الأسودِ بن المطلب بن أسد فكلَّمه وذكر له قرابتَهم وحقَّهم. فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه مِنْ أحد؟ قال: نعم. ثم سمَّى القوم. فاتعدوا خَطْمَ الحَجُون (١) ليلًا بأعلى مكة. فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقُضُوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوَّلَ مَنْ يتكلَّم. فلما أصبحوا غدَوْا إلى أنديتهم، وغدا زهيرُ بن أبي أمية عليه حُفَة، فطاف بالبيت سبعًا ثمَّ أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكلُ الطعامَ، ونَلْبَسُ الثياب، وبنو هاشم هَلْكَى لا يبتاعونَ ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفةُ القاطعة الظالمة. قال أبو جهل - وكان في ناحيةِ المسجد -: والله لا تُشَقّ. قال: زَمَعَةُ بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابَها حين كُتبت. قال أبو البَخْتَري: صدق زَمَعة، لا نرضى ما كُتب فيها ولا نُقِرُّ به. قال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذبَ مَنْ قال غيرَ ذلك، نبَرأُ إلى الله منها ومما كُتب فيها. قال هشام بن عمرو نَحْوًا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمْرٌ قد قُضِيَ بليل، تُشوور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالسٌ في ناحيةِ المسجد، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقَّها فوجد الأرَضة قد أكلَتْها إلا "باسمكَ اللهمّ" وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة، فشَلَّتْ يدُهُ فيما يزعمون. قال ابن هشام (٢): وذكر بعضُ أهل العلم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لأبي طالب: "يا عم، إنَّ الله قد سلَّط الأرَضة على صحيفةِ قريش، فلم تدَعْ فيها اسمًا هو لله إلا أثبتَتْه فيها، ونفت منها الظُلم والقطيعة والبُهْتان". فقال: أرَبُّك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: فوالله ما يدخل عليك أحد. ثمَّ خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنَّ ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فهلمَّ صحيفتكم، فإنْ كانتْ كما قالوا فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإنْ كان كاذبًا دفعتُ إليكم ابنَ أخي. فقال القوم: قد رَضِينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسولُ الله ﷺ فزادهم ذلك شرًّا، فعند ذلك صنع الرَّهْطُ من قريش في نَقْض الصحيفة ما صنعوا.

стр. 1297

قال ابن إسحاق (١): فلما مُزِّقتْ وبطلَ ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمْر أولئك القوم الذين قاموا في نَقْض الصحيفةِ يمدحُهم: [من الطويل] ألا هل أتَى بَحْريَّنا صُنْعُ ربِّنا … على نأيْهم واللهُ بالناسِ أرْوَد (٢) فيُخبِرَهم أنَّ الصحيفة مُزِّقت … وأنْ كلُّ ما لم يرضهُ اللهُ مُفْسَدُ تراوحها إفْكٌ وسِحْرٌ مجمَّع … ولم يُلْفَ سِحْر آخرَ الدهرِ يصعد (٣) تداعى لها مَن ليس فيها بقرقرٍ … فطائرُها في رأسِها يتردَّدُ (٤) وكانت كفاءً وقعةً بأثيمةٍ … ليُقطعُ منها ساعدٌ ومقلَّدٌ (٥) ويظعنُ أهل المَكَّتين فيهربوا … فرائصُهم من خشيةِ الشرِّ تُرْعَدُ ويترك حرَّاثٌ يقلِّب أمْرَهُ … أَيُتْهِمُ فيهم عندَ ذلك ويُنْجِدُ (٦) [وتصعد بين الأخشبَيْنِ كتيبةٌ … لها حُدُجٌ سَهْمٌ وقَوْسٌ ومِرْهَدُ] (٧) فمَنْ ينْشَ من حُضَّارِ مكةَ عِزَّةً … فعزّتنا في بطنِ مكَّة أتلد (٨) نشأنا بها والناسُ فيها قلائلٌ … فلم ننفكِكْ نزدادُ خيرًا ونُحمدُ

стр. 1298

ونُطعِمُ حتى يتركَ الناسُ فضلَهم … إذا جَعلت أيدي المُفيضينَ تُرعَد (١) جزى الله رهطًا بالحَجُون تجمَّعوا (٢) … على مَلأٍ يَهدي لحزمٍ ويُرشد قعودًا لدى خَطْم الحجُونِ كأنهم … مَقَاولةٌ بل هم أعزُّ وأمجدُ (٣) أعانَ عليها كلُّ صقرٍ كأنه … إذا ما مشى في رَفْرَفِ الدِّرْع أحْرَدُ (٤) جَرِيءٌ على جَلِّ (٥) الخطوبِ كأنه … شهابٌ بكفَّيْ قابسٍ يتوقَّدُ من الأكرمينَ من لؤيِّ بن غالبٍ … إذا سيمَ خسفًا وجهُه يتربَّدُ (٦) طويلُ النِّجادِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ … على وجهه يَسقي الغمامُ ويُسْعِدُ عظيمُ الرمادِ سيّدٌ وابنُ سيّدٍ … يحُضُّ على مقرى الضيوفِ ويحشِدُ ويبني لأبناءِ العشيرةِ صالحًا … إذا نحنُ طُفنا في البلادِ ويمهَدُ ألظَّ بهذا الصلحِ كلُّ مُبَوَّأٍ (٧) … عظيمِ اللواءِ أمرُه ثمّ يُحمدُ قضوا ما قضوا في ليلِهِم ثم أصبَحوا … على مَهَلٍ وسائرُ الناس رُقَّدُ همُ رجعوا سهلَ بن بيضاءَ راضيًا … وسُرَّ أبو بكرٍ بها ومحمَّد متى شُركَ الأقوامُ في حلِّ أمرنا … وكنَّا قديمًا قبلَها نتودَّدُ (٨) وكنّا قديمًا لا نُقِرُّ ظُلامةً … وندركُ ما شِئنا ولا نتشدَّدُ فيالَ قُصَيٍّ هل لكُم في نفوسِكم … وهلْ لكُمُ فيما يجيءُ به غَدُ فإني وإياكُم كما قالَ قائلٌ … لديكَ البيانُ لو تكلّمتَ أسودٌ (٩)

стр. 1299

ثمَّ ذكر ابن إسحاق (١) شعر حسان يمدحُ المُطْعِمَ بن عديّ، وهشامَ بن عمرو لقيامهما في نقضِ الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الأموي هاهنا أشعارًا كثيرة اكتفينا بما أوردَهُ ابنُ إسحاق. وقال الواقدي: سألتُ محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز: متى خرج بنو هاشم من الشعب؟ قالا: في السنة العاشرة - يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين. قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عمُّ رسولِ الله ﷺ ، وزوجتُه خديجة بنت خويلد ﵂ كما سيأتي بيانُ ذلك إن شاء الله تعالى. فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ بعد إبطال الصحيفة قصصًا كثيرة تتضمَّنُ نَصْبَ عداوة قريش لرسولِ الله ﷺ ، وتنفير أحياءَ العرب والقادمين إلى مكة لحجٍّ أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزاتِ على يديه دلالةً على صدقه فيما جاءهم به من البيناتِ والهدى، وتكذيبًا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقوُّل، واللهُ غالبٌ على أمره، فذكر قصةَ الطفيل بن عمرو الدَّوْسي مرسلة (٢)، وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في دَوْس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشرافُ قريش وحذَّروه من رسول الله ﷺ ونهَوْهُ أن يجتمعِ به أو يسمع كلامه؛ قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمعَ منه شيئا ولا أكلِّمه، حتى حشَوْتُ أُذنيَّ حين غدوتُ إلى المجسد كُرْسُفًا (٣)، فَرَقًا من أنْ يبلُغَني شيءٌ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوتُ إلى المسجد فإذا رسولُ الله ﷺ قائمٌ يُصلِّي عند الكعبة؛ قال: فقمتُ منه قريبًا فأبَى اللهُ إلا أن يُسمعَني بعضَ قوله، قال: فسمعتُ كلاما حسنًا. قال: فقلتُ في نفسي: واثكل أُمِّي، والله إني لرجلٌ لَبيبٌ شاعر ما يَخْفَى عليَّ الحسَنُ من القبيح، فما يمنعُني أن أسمعَ من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلتُه، وإنْ كان قبيحًا تركته. قال: فمكثتُ حتى انصرفَ رسولُ الله ﷺ إلى بيته فاتبعتُه، حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه فقلت: يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال: فوالله ما بَرِحوا بي يُخَوِّفونني أمرَك حتى سددتُ أُذنيَّ بكُرْسُفٍ لئلا أسمع قولك، ثم أبَى اللهُ إلا أن يُسمعني قولك، فسمعتُ قولًا حسنًا، فاعرضْ عليَّ أمرك. قال: فعرض عليَّ رسولُ الله ﷺ الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعتُ قولًا قطُّ

стр. 1300

أحسنَ منه، ولا أمرًا أعدلَ منه. قال: فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحق وقلت: يا نبيَّ الله، إني امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وأنا (١) راجعٌ إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادْعُ اللهَ أنْ يجعلَ لي آيةً تكونُ لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال فقال: "اللهمَّ اجعلْ له آية". قال: فخرجتُ إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيَّةٍ تطلعُني على الحاضِر (٢)، وقع بين عينيّ نورٌ مثلُ المِصْباح. قال فقلت: اللهمَّ في غير وَجْهي، فإني أخشى أن يظنُّوا أنَّها (٣) مثلة وقعَتْ في وجهي لفراقي دينَهم. قال: فتحوَّل فوقع في رأسِ سَوْطي قال: فجعل الحاضرُ يتراءَوْن ذلك النورَ في رأس سَوْطي كالقنديل المعلَّق وأنا أتهبَّطُ (٤) عليهم من الثنيَّة حتى جئتهم فأصبحت فيهم. فلما نزلتُ أتاني أبي - وكان شيخًا كبيرًا - فقلت: إليك عني يا أبة فلستُ منك ولستَ مني. قال: ولمَ يا بني؟ قال: قلت: أسلمتُ وتابعتُ دين محمد ﷺ قال: أي بني، فدينك ديني (٥). فقلت: فاذهبْ فاغتسلْ وطهِّرْ ثيابك ثم ائتني حتى أعلِّمك مما عُلِّمت. قال: فذهبَ فاغتسل وطهَّر ثيابه، ثمَّ جاء فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم. قال ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليكِ عني، فلستُ منكِ ولستِ مني. قالت: لم بأبي أنت وأُمِّي؟ قال: قلت: فرَّق بيني وبينكِ الإسلام، وتابعتُ دينَ محمد ﷺ قالت: فديني دينُك. قال: فقلت فاذهبي إلى حنا (٦) ذي الشَّرَى فتطهَّرِي منه - وكان ذو الشرى صنمًا لدَوْس، وكان الحمى حِمى حمَوْهُ له، به وشَلُ (٧) من ماء يهبط من جبل - قالت: بأبي أنتَ وأُمِّي، أتخشى على الصبيَّة من ذي الشَّرَى شيئًا؟ قال: قلت: لا، أنا ضامنٌ لذلك. قال: فذهبَتْ فاغتسلتْ ثمَّ جاءتْ، فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمتْ. ثم دعوتُ دَوْسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ بمكة. فقلتُ: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوسٍ الزِّنا فادْعُ اللهَ عليهم. قال: "اللهمَّ اهدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلى قومك فادْعُهم وارْفُقْ
следующие страницы →