← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدُنَّهم إليها منكم سراعًا، قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحد، قال: قدْ وجدتُ لك ثانيًا. قال: مَنْ؟ قال أنا؟ قال: ابْغِنَا ثالثًا. قال: قد فعلتُ. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابْغِنا رابعًا. فذهب إلى أبي البَخْتَرِيِّ بن هشام فقال نحو ما قال للمُطْعِم بن عَدِي؛ فقال: وهل تجد أحدًا يُعينُ على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمُطْعِم بن عَدِيّ وأنا معك. قال: ابْغِنَا خامسًا. فذهب إلى زَمَعَةَ بنِ الأسودِ بن المطلب بن أسد فكلَّمه وذكر له قرابتَهم وحقَّهم. فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه مِنْ أحد؟ قال: نعم. ثم سمَّى القوم. فاتعدوا خَطْمَ الحَجُون (١) ليلًا بأعلى مكة. فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقُضُوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوَّلَ مَنْ يتكلَّم. فلما أصبحوا غدَوْا إلى أنديتهم، وغدا زهيرُ بن أبي أمية عليه حُفَة، فطاف بالبيت سبعًا ثمَّ أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكلُ الطعامَ، ونَلْبَسُ الثياب، وبنو هاشم هَلْكَى لا يبتاعونَ ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفةُ القاطعة الظالمة. قال أبو جهل - وكان في ناحيةِ المسجد -: والله لا تُشَقّ. قال: زَمَعَةُ بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابَها حين كُتبت. قال أبو البَخْتَري: صدق زَمَعة، لا نرضى ما كُتب فيها ولا نُقِرُّ به. قال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذبَ مَنْ قال غيرَ ذلك، نبَرأُ إلى الله منها ومما كُتب فيها. قال هشام بن عمرو نَحْوًا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمْرٌ قد قُضِيَ بليل، تُشوور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالسٌ في ناحيةِ المسجد، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقَّها فوجد الأرَضة قد أكلَتْها إلا "باسمكَ اللهمّ" وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة، فشَلَّتْ يدُهُ فيما يزعمون. قال ابن هشام (٢): وذكر بعضُ أهل العلم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لأبي طالب: "يا عم، إنَّ الله قد سلَّط الأرَضة على صحيفةِ قريش، فلم تدَعْ فيها اسمًا هو لله إلا أثبتَتْه فيها، ونفت منها الظُلم والقطيعة والبُهْتان". فقال: أرَبُّك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: فوالله ما يدخل عليك أحد. ثمَّ خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنَّ ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فهلمَّ صحيفتكم، فإنْ كانتْ كما قالوا فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإنْ كان كاذبًا دفعتُ إليكم ابنَ أخي. فقال القوم: قد رَضِينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسولُ الله ﷺ فزادهم ذلك شرًّا، فعند ذلك صنع الرَّهْطُ من قريش في نَقْض الصحيفة ما صنعوا.

стр. 1297

قال ابن إسحاق (١): فلما مُزِّقتْ وبطلَ ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمْر أولئك القوم الذين قاموا في نَقْض الصحيفةِ يمدحُهم: [من الطويل] ألا هل أتَى بَحْريَّنا صُنْعُ ربِّنا … على نأيْهم واللهُ بالناسِ أرْوَد (٢) فيُخبِرَهم أنَّ الصحيفة مُزِّقت … وأنْ كلُّ ما لم يرضهُ اللهُ مُفْسَدُ تراوحها إفْكٌ وسِحْرٌ مجمَّع … ولم يُلْفَ سِحْر آخرَ الدهرِ يصعد (٣) تداعى لها مَن ليس فيها بقرقرٍ … فطائرُها في رأسِها يتردَّدُ (٤) وكانت كفاءً وقعةً بأثيمةٍ … ليُقطعُ منها ساعدٌ ومقلَّدٌ (٥) ويظعنُ أهل المَكَّتين فيهربوا … فرائصُهم من خشيةِ الشرِّ تُرْعَدُ ويترك حرَّاثٌ يقلِّب أمْرَهُ … أَيُتْهِمُ فيهم عندَ ذلك ويُنْجِدُ (٦) [وتصعد بين الأخشبَيْنِ كتيبةٌ … لها حُدُجٌ سَهْمٌ وقَوْسٌ ومِرْهَدُ] (٧) فمَنْ ينْشَ من حُضَّارِ مكةَ عِزَّةً … فعزّتنا في بطنِ مكَّة أتلد (٨) نشأنا بها والناسُ فيها قلائلٌ … فلم ننفكِكْ نزدادُ خيرًا ونُحمدُ

стр. 1298

ونُطعِمُ حتى يتركَ الناسُ فضلَهم … إذا جَعلت أيدي المُفيضينَ تُرعَد (١) جزى الله رهطًا بالحَجُون تجمَّعوا (٢) … على مَلأٍ يَهدي لحزمٍ ويُرشد قعودًا لدى خَطْم الحجُونِ كأنهم … مَقَاولةٌ بل هم أعزُّ وأمجدُ (٣) أعانَ عليها كلُّ صقرٍ كأنه … إذا ما مشى في رَفْرَفِ الدِّرْع أحْرَدُ (٤) جَرِيءٌ على جَلِّ (٥) الخطوبِ كأنه … شهابٌ بكفَّيْ قابسٍ يتوقَّدُ من الأكرمينَ من لؤيِّ بن غالبٍ … إذا سيمَ خسفًا وجهُه يتربَّدُ (٦) طويلُ النِّجادِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ … على وجهه يَسقي الغمامُ ويُسْعِدُ عظيمُ الرمادِ سيّدٌ وابنُ سيّدٍ … يحُضُّ على مقرى الضيوفِ ويحشِدُ ويبني لأبناءِ العشيرةِ صالحًا … إذا نحنُ طُفنا في البلادِ ويمهَدُ ألظَّ بهذا الصلحِ كلُّ مُبَوَّأٍ (٧) … عظيمِ اللواءِ أمرُه ثمّ يُحمدُ قضوا ما قضوا في ليلِهِم ثم أصبَحوا … على مَهَلٍ وسائرُ الناس رُقَّدُ همُ رجعوا سهلَ بن بيضاءَ راضيًا … وسُرَّ أبو بكرٍ بها ومحمَّد متى شُركَ الأقوامُ في حلِّ أمرنا … وكنَّا قديمًا قبلَها نتودَّدُ (٨) وكنّا قديمًا لا نُقِرُّ ظُلامةً … وندركُ ما شِئنا ولا نتشدَّدُ فيالَ قُصَيٍّ هل لكُم في نفوسِكم … وهلْ لكُمُ فيما يجيءُ به غَدُ فإني وإياكُم كما قالَ قائلٌ … لديكَ البيانُ لو تكلّمتَ أسودٌ (٩)

стр. 1299

ثمَّ ذكر ابن إسحاق (١) شعر حسان يمدحُ المُطْعِمَ بن عديّ، وهشامَ بن عمرو لقيامهما في نقضِ الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الأموي هاهنا أشعارًا كثيرة اكتفينا بما أوردَهُ ابنُ إسحاق. وقال الواقدي: سألتُ محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز: متى خرج بنو هاشم من الشعب؟ قالا: في السنة العاشرة - يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين. قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عمُّ رسولِ الله ﷺ ، وزوجتُه خديجة بنت خويلد ﵂ كما سيأتي بيانُ ذلك إن شاء الله تعالى. فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ بعد إبطال الصحيفة قصصًا كثيرة تتضمَّنُ نَصْبَ عداوة قريش لرسولِ الله ﷺ ، وتنفير أحياءَ العرب والقادمين إلى مكة لحجٍّ أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزاتِ على يديه دلالةً على صدقه فيما جاءهم به من البيناتِ والهدى، وتكذيبًا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقوُّل، واللهُ غالبٌ على أمره، فذكر قصةَ الطفيل بن عمرو الدَّوْسي مرسلة (٢)، وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في دَوْس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشرافُ قريش وحذَّروه من رسول الله ﷺ ونهَوْهُ أن يجتمعِ به أو يسمع كلامه؛ قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمعَ منه شيئا ولا أكلِّمه، حتى حشَوْتُ أُذنيَّ حين غدوتُ إلى المجسد كُرْسُفًا (٣)، فَرَقًا من أنْ يبلُغَني شيءٌ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوتُ إلى المسجد فإذا رسولُ الله ﷺ قائمٌ يُصلِّي عند الكعبة؛ قال: فقمتُ منه قريبًا فأبَى اللهُ إلا أن يُسمعَني بعضَ قوله، قال: فسمعتُ كلاما حسنًا. قال: فقلتُ في نفسي: واثكل أُمِّي، والله إني لرجلٌ لَبيبٌ شاعر ما يَخْفَى عليَّ الحسَنُ من القبيح، فما يمنعُني أن أسمعَ من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلتُه، وإنْ كان قبيحًا تركته. قال: فمكثتُ حتى انصرفَ رسولُ الله ﷺ إلى بيته فاتبعتُه، حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه فقلت: يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال: فوالله ما بَرِحوا بي يُخَوِّفونني أمرَك حتى سددتُ أُذنيَّ بكُرْسُفٍ لئلا أسمع قولك، ثم أبَى اللهُ إلا أن يُسمعني قولك، فسمعتُ قولًا حسنًا، فاعرضْ عليَّ أمرك. قال: فعرض عليَّ رسولُ الله ﷺ الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعتُ قولًا قطُّ

стр. 1300

أحسنَ منه، ولا أمرًا أعدلَ منه. قال: فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحق وقلت: يا نبيَّ الله، إني امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وأنا (١) راجعٌ إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادْعُ اللهَ أنْ يجعلَ لي آيةً تكونُ لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال فقال: "اللهمَّ اجعلْ له آية". قال: فخرجتُ إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيَّةٍ تطلعُني على الحاضِر (٢)، وقع بين عينيّ نورٌ مثلُ المِصْباح. قال فقلت: اللهمَّ في غير وَجْهي، فإني أخشى أن يظنُّوا أنَّها (٣) مثلة وقعَتْ في وجهي لفراقي دينَهم. قال: فتحوَّل فوقع في رأسِ سَوْطي قال: فجعل الحاضرُ يتراءَوْن ذلك النورَ في رأس سَوْطي كالقنديل المعلَّق وأنا أتهبَّطُ (٤) عليهم من الثنيَّة حتى جئتهم فأصبحت فيهم. فلما نزلتُ أتاني أبي - وكان شيخًا كبيرًا - فقلت: إليك عني يا أبة فلستُ منك ولستَ مني. قال: ولمَ يا بني؟ قال: قلت: أسلمتُ وتابعتُ دين محمد ﷺ قال: أي بني، فدينك ديني (٥). فقلت: فاذهبْ فاغتسلْ وطهِّرْ ثيابك ثم ائتني حتى أعلِّمك مما عُلِّمت. قال: فذهبَ فاغتسل وطهَّر ثيابه، ثمَّ جاء فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم. قال ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليكِ عني، فلستُ منكِ ولستِ مني. قالت: لم بأبي أنت وأُمِّي؟ قال: قلت: فرَّق بيني وبينكِ الإسلام، وتابعتُ دينَ محمد ﷺ قالت: فديني دينُك. قال: فقلت فاذهبي إلى حنا (٦) ذي الشَّرَى فتطهَّرِي منه - وكان ذو الشرى صنمًا لدَوْس، وكان الحمى حِمى حمَوْهُ له، به وشَلُ (٧) من ماء يهبط من جبل - قالت: بأبي أنتَ وأُمِّي، أتخشى على الصبيَّة من ذي الشَّرَى شيئًا؟ قال: قلت: لا، أنا ضامنٌ لذلك. قال: فذهبَتْ فاغتسلتْ ثمَّ جاءتْ، فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمتْ. ثم دعوتُ دَوْسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ بمكة. فقلتُ: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوسٍ الزِّنا فادْعُ اللهَ عليهم. قال: "اللهمَّ اهدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلى قومك فادْعُهم وارْفُقْ

стр. 1301

بهم". قال: فلم أزلْ بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإسلام، حتى هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدرٌ وأحدٌ والخندق، ثم قدمتُ على رسولِ الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي، ورسولُ الله ﷺ بخيبر، حتى نزلتُ المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتًا - من دَوْس، فلحقنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزلْ مع رسولِ الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة. فقلت: يا رسول الله، ابعثْني إلى ذي الكفَّيْن، صنم عمرو بن حُمَمَة حتى أُحرقه. قال ابن إسحاق (١): فخرج إليه فجعل الطفيل وهو يُوقدُ عليه النار يقول: [من الرجز] يا ذا الكَفَينِ لستُ من عُبَّادكا (٢) ميلادُنا أقْدَمُ من ميلادكا * إني حشَوْتُ النارَ في فؤادكا * قال: ثم رجع رسولُ الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قُبض رسولُ الله ﷺ ، فلما ارتدَّتِ العرب خرج الطُّفيل مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغوا من طُليحة ومن أرض نَجْدٍ كفَها، ثمَّ سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطُّفيل، فرأى رؤيا وهو متوجِّهٌ إلى اليمامة فقال لأصحابه: إنِّي قد رأيتُ رؤيا فاعْبُروها لي؛ رأيتُ أنَّ رأسي حُلق وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيَتْني امرأةٌ فادخلَتْني في فَرْجها، وأرى ابني يطلُبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيتُه حُبس عني؟ قالوا: خيرًا، قال: أمَّا أنا والله فقد أوَّلْتُها، قالوا: ماذا؟ قال: أمَّا حلْق رأسي فوضْعُه، وأما الطائر الذي خرج منه فرُوحي، ومَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تُحفَرُ لي فأغَيَّبُ فيها. وأما طلَبُ ابني إيَّاي ثم حَبْسه عني، فإنِّي أراه سيجتهد أنْ يصيبه ما أصابني. فقُتل رحمه الله تعالى شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنُه جراحة شديدة، ثم استَبَلَّ منها، ثمَّ قُتل عام اليرموك زمن عمر شهيدًا ﵀. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصةَ الطُّفيل بن عمرو مرسلةً بلا إسناد. ولخبره شاهدٌ في الحديث الصحيح. قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: لما قدم الطفيل وأصحابُه على رسولِ الله ﷺ قال: إنَّ دَوْسًا قد استعصتْ قال: "اللهمَّ اهْدِ دوسًا وأْتِ بِهِمْ".

стр. 1302

رواه البخاري (١) عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري. وقال الإمام أحمد (٢) حدَّثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قدِم الطُّفيل بن عمرو الدُّوْسي وأصحابُه فقالوا: يا رسول الله، إنَّ دَوْسًا قد عَصَتْ وأبَتْ فادْعُ اللهَ عليها. قال أبو هريرة: فرفع رسولُ الله ﷺ يدَيْه فقلت: هلكَتْ دَوْس. فقال: "اللهمَّ اهْدِ دَوسًا، وأتِ بهم" (٣). إسناد جيد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد، عن حجَّاج الصوَّاف، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسي أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين (٥) ومنعة؟ - قال: حصنٌ كان لدَوْسٍ في الجاهلية - فأبَى ذلك رسولُ الله ﷺ للذي ذخَر اللهُ للأنصار، فلما هاجرَ النبيُّ ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطُّفيل بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجتوَوُا المدينة، فمرض فجزِع، فأخذ مشاقص [له] فقطع بها براجمه فشخبَتْ يداه فما رقأ الدم حتى مات؛ فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئةٍ حسنة، ورآه مغطِّيًا يديه، فقال له: ما صنع ربُّك بك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيِّ ﷺ . قال: فما لي أراك مغطِّيًا يديك؟ قال: قيل لي لن نُصلح (٦) منك ما أفسدت. قال: فقصَّها الطُّفَيل على رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ وليدَيْه فاغْفِرْ". رواه مسلم (٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن سليمان بن حرب به. فإنْ قيل: فما الجمعُ بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحَيْن (٨) من طريق الحسن عن جُندب قال: قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن كانَ قبلكم رجلٌ به جُزح فَجزع، فأخذَ سكِّينا، فجزَّ بها يده فما رَقَأ الدمُ حتى مات، فقال الله : عبدي بادرني بنفسه، فحرَّمْتُ عليه الجنة". فالجواب من وجوه: أحدها أنه قد يكون ذلك مشركًا وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببًا مستقلًا في دخوله النار وإنْ كان شركُه مستقلًا، إلا أنه نبَّه على هذا لتعتبر أمته.

стр. 1303

الثاني: قد يكون ذلك عالمًا بالتحريم، وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام. الثالث: قد يكون ذلك فعله مستحلًا له، وهذا لم يكن مستحلًا بل مخطئًا. الرابع: قد يكون أراد ذلك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصِد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك. الخامس: قد يكون ذلك قليل الحسنات فلم تقاوم كبرَ ذنْبِه المذكور فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات، فقاومتِ الذنب فلم يلج النار بل غُفر له بالهجرة إلى نبيِّه ﷺ . ولكنْ بقي الشَّيْنُ في يده فقط، وحسُنَتْ هيئة سائره فغطَّى الشينَ منه، فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطِّيًا يدَيْه قال له: ما لك؟ قال: قيل لي: لن نُصلح (١) منك ما أفسدت، فلما قصَّها الطفيل على رسولِ الله ﷺ دعا له فقال: "اللهمَّ وليديهِ فاغْفِرْ" أي: فأصْلِحْ منها ما كان فاسدًا. والمحقَّق أنَّ الله استجابَ لرسولِ الله ﷺ في صاحب الطفيل بن عمرو. قصَّة أعشى (٢) بن قيس قال ابن هشام (٣): حدَّثني خلاد بن قُرَّة بن خالد السَّدُوسي وغيرُه من مشايخ بَكْر بن وائل - من أهل العلم - أنَّ أعشى بن (٢) قيس بن ثعلبة بن عُكَابة بن صَعْب بن علي بن بَكْر بن وائل خرج إلى رسول الله ﷺ يُريدُ الإسلام، فقال يمدح النبيَّ ﷺ : [من الطويل] ألم تغتمضْ عيناكَ ليلةَ أرمَدَا … وبتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مسهَّدا وما ذلك من عِشْقِ النساءَ وإنما … تناسيتَ قبلَ اليومِ صُحْبَةَ مَهْدَدا (٤) ولكن أرى الدهرَ الذي هو خائن (٥) … إذا أصلحتْ كفَّاي عادَ فأفسدا كُهولًا وشُبَّانًا فقدتُ وثروةً … فللهِ هذا الدهرُ كيفَ تردَّدا وما زلتُ أبغي المالَ مُذْ أنا يافعٌ … وليدًا وكهلًا حين شِبْتُ وأمْرَدا وأَبتذلُ العيسَ المراقيلَ تَغْتَلي (٦) … مسافةَ ما بين النُّجَير فَصَرْخَدا

стр. 1304

ألا أيُّهذا السائلي أينَ يَمَّمَتْ … فإنَّ لها في أهل يثربَ مَوْعِدا فإنْ تسألي عني فيا رُبَّ سائلٍ … حَفِي عن الأعشى به حيثُ أصعدا أجدَّتْ برجلَيْها النَّجاءَ وراجعتْ … يداها خِنافًا ليّنًا غيرَ أحردا (١) وفيها إذا ما هجَّرَتْ عجرفيَّةٌ … إذا خلتَ حرباءَ الظهيرةِ أصيدا (٢) وآليتُ لا آوِي لها من كلالةٍ … ولا من حَفى حتى تُلاقي محمَّدا (٣) متى ما تُناخي عند بابِ ابن هاشمٍ … تُراحي وتلقَيْ من فواضله نَدَى نبيٌّ يرى ما لا تَرَوْن وذِكرُه … أغارَ لَعمري في البلاد وأنجدَا له صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ … فليسَ عَطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا أجِدَّكَ لم تسمعْ وصاةَ محمدٍ … نبي الإلهِ حيثُ أوصى وأَشهدا إذا أنتَ لم ترحل بزادٍ من التُّقى … ولاقيتَ بعد الموتِ مَن قد تزوَّدا ندمتَ على أن لا تكونَ كمثلِهِ … فترصدَ للأمر الذي كان أرصدا فإياكَ والميتاتِ لا تقرَبَنَّها … ولا تأخذنْ سهمًا حديدًا لِتَفْصِدَا وذا النُصُب المنصوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ … ولا تعبدِ الأوثانَ واللهَ فاعْبُدا ولا تقربَنَّ جارةً كان سِرُّها (٤) … عليكَ حرامًا فانكحَنْ أو تأبَّدَا (٥) وذا الرحِمِ القُربى فلا تقطعنَّهُ … لعاقبةٍ ولا الأسيرَ المقيَّدا وسبِّحْ على حينِ العشية والضحى (٦) … ولا تَحَمدِ الشيطانَ واللهَ فاحْمَدا ولا تَسْخَرَنْ من بائسٍ ذي ضَرارةٍ … ولا تحسبنَّ المالَ للمرءَ مُخْلِدا

стр. 1305

قال ابن هشام: فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعضُ المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريدُ رسولَ الله ﷺ لِيُسلم. فقال له: يا أبا بَصير، إنَّهُ يُحرِّم الزِّنا. فقال الأعشى: والله إنَّ ذلك لأمرٌ مالي فيه من أَرَب. فقال: يا أبا بصير، إنَّه يحرِّمُ الخمر. فقال الأعشى: أمَّا هذه فوالله إنَّ في نفسي منها لَعُلالات، ولكني منصرفٌ فأتروَّى منها عامي هذا، ثمَّ آتيه فأسلم. فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يَعُدْ إلى النبيِّ ﷺ . هكذا أورد ابنُ هشام هذه القصة هاهنا، وهو كثيرُ المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخَذُ به ابنُ هشام ﵀، فإنَّ الخمر إنما حُرِّمت بالمدينة بعد وقعة بني النَّضِير كما سيأتي بيانه، فالظاهر أنَّ عَزمَ الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة، وفي شعره ما يدلُّ على ذلك وهو قوله: [من الطويل] ألا أيُّهذا السائلي أين يممتْ … فإنَّ لها في أهلِ يثربَ مَوْعِدا وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخِّرَ ذِكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة، ولا يُوردَها هاهنا. والله أعلم. قال السُّهيلي (١): وهذه غفلةٌ من ابنِ هشام ومَنْ تابعه، فإنَّ الناس مجمعون على أنَّ الخمر لم ينزل تحريمُها إلا في المدينة بعد أُحُد. وقد قال (٢): وقيل: إنَّ القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبلٌ إلى رسولِ الله ﷺ . قال وقوله: ثمَّ آته فأُسلم - لا يخرجُه عن كفره بلا خلاف. والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق (٣) هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله ﷺ من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه، وكيف أذلَّ اللهُ أبا جهلٍ وأرغم أنفَه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة، وقد قدَّمنا ذلك في ابتداءِ الوحي وما كان من أذيَّة المشركين عند ذلك (٤).

стр. 1306

قصّة مصَارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلتْ ﷺ - قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني أبي إسحاقُ بن يسار قال: وكان رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشدَّ قريش (٢) فخلا يومًا برسولِ الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فقال له رسولُ الله ﷺ : "يا رُكانة، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ " قال: إني لو أعلم أنَّ الذي تقولُ حق لاتَّبعتُك. فقال له رسول الله ﷺ : "أفرأيت إنْ صرعتُك، أتعلم أنَّ ما أقولُ حقّ؟ " قال: نعم. قال: "فقُمْ حتى أُصارعَك". قال: فقام رُكانةُ إليه فصارعه، فلما بطش به رسولُ الله ﷺ أضْجعه لا يملك من نفسه شيئًا ثم قال: عُدْ يا محمد، فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، والله إنَّ هذا للعجب! أتصرعني؟ قال: "وأعجب من ذلك إنْ شئت أُريكه إن اتقيت الله واتبعتَ أمري". قال: وما هو؟ قال: "أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني". قال: فادْعُها. فدعاها فأقبلتْ حتى وقفتْ بين يديْ رسولِ الله ﷺ فقال لها: ارجعي إلى مكانك فرجعتْ إلى مكانها. قال: فذهب رُكانةُ إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف، ساحِرُوا بصاحبِكم أهلَ الأرض، فواللهِ ما رأيتُ أسحرَ منه قطّ. ثمَّ أخبرَهم بالذي رأى والذي صنَع. هكذا روى ابنُ إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان. وقد روى أبو داود والترمذي (٣) من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن رُكانة، عن أبيه، أنَّ رُكانة صارع النبيُّ ﷺ فصرعه النبيُّ ﷺ . ثمَّ قال الترمذي: غريبٌ ولا نعرف أبا الحسن ولا ابنَ رُكانة (٤). قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسنادٍ جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن رُكانة صارَعَ النبيَّ ﷺ فصرعه النبيُّ ﷺ ثلاث مرَّات، كل مرة على مئةٍ من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد، ما وَضَع ظهري إلى الأرض أحَدٌ قبلك، وما كان أحدٌ أبغض إليَّ منك. وأنا أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله. فقام عنه رسولُ الله ﷺ وردَّ عليه غَنَمه. وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلتْ، فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرةِ من طُرقٍ جيدة صحيحة (٥)، في مرَّات متعدِّدة إنْ شاء الله وبه الثقة.

стр. 1307

وقد تقدَّم عن أبي الأشدين (١) أنه صارعَ النبيَّ ﷺ فصرعَهُ رسولُ الله ﷺ . ثم ذكر ابن إسحاق (٢) قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوًا من عشرين راكبًا إلى مكة، فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدَّم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة (٣). قال ابن إسحاق (٤): وكان رسولُ الله ﷺ إذا جلس في المسجد يجلسُ إليه المستضعفون من أصحابه: خَبَّاب، وعمَّار، وأبو فُكيهة يسار (٥) مولى صفوان بن أمية، وصُهيب. وأشباههم من المسلمين هَزِئت بهم قريش، وقال بعضُهم لبعض: هؤلاء أصحابُه كما ترَوْن، أهؤلاء من اللهُ عليهم من بيننا بالهدى والحق (٦)، لو كان ما جاء به محمدٌ خيرًا ما سبَقَنا هؤلاء إليه، وما خصَّهم اللهُ به دوننا. فأنزل اللهُ فيهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤]. قال: وكان رسولُ الله ﷺ كثيرًا ما يجلسُ عند المَرْوَة إلى مبيعة غلام (٧) نصراني يقال له: جَبْر، عبدٌ لبني الحَضْرَمي. وكانوا يقولون: والله ما يعلّم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جَبْر، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]. ثم ذكر (٨) نزولَ سورةِ الكوثر في العاص بن وائل، حين قال في رسولِ الله ﷺ : إنه أبتر، أي: لا عَقِبَ له، فإذا ماتَ انقطع ذِكْرُه. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أي: المقطوع الذِّكْر [بعده، ولو خلَّف أُلوفًا من النَّسْل والذُّرِّيَّة وليس الذَّكر] (٩) والصيتُ ولسان الصدق بكثرةِ الأولاد والأنسال والعَقِب، وقد تكلَّمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد.

стр. 1308

وقد رُوي عن أبي جعفر الباقر: أنَّ العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم بن النبيِّ ﷺ ، وكان قد بلغ أنْ يركب الدابَّة ويسير على النَّجِيبة (١). ثم ذكر (٢) نزول قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] وذلك بسبب قول أُبيّ بن خلف، وزَمَعة بن الأسود، والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث. لولا أنزل عليكَ مَلكٌ يكلِّمُ الناسَ عنك. قال ابنُ إسحاق (٣): ومرَّ رسولُ الله ﷺ - فيما بلغنا - بالوليدِ بن المغيرة وأميةَ بن خلف وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزؤوا به. فغاظه ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك منْ أمرِهم ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠، والأنبياء: ٤١]. قلت: وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ (٤) مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. قال سفيان عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: المستهزؤن الوليدُ بن المغيرة، والأسود بن عبد يَغُوث الزُّهْري، والأسود بن المطلب أبو زمعه (٥)، والحارث بن غَيْطَلَة (٦)، والعاص بن وائل السَّهْمي، فأتاهُ جبريلُ فشكاهم إليه رسولُ الله ﷺ فأراهُ الوليد، فأشار جبريل إلى أنمله (٧) وقال: كُفيتَه؛ ثم أراه الأسودَ بن المطلب، فأومأ إلى عُنقه وقال: كُفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يَغُوث فأومأ إلى رأسه وقال: كُفيتَه؛ ثم أراهُ الحارث بن غَيْطَلَة (٦)، فأومأ إلى بطنه وقال: كُفيتَه؛ ومرَّ به العاصُ بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال: كُفيتَه. فأما الوليد فمرَّ برجُلٍ من خُزَاعة وهو يَرِيشُ نَبْلًا له فأصاب أنمله (٧) فقطعها؟ وأمَّا الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قُروح فماتَ منها، وأما الأسود بن المطَّلب فعَمِيَ. وكان سببُ ذلك أنه نزل تحت سَمُرَةٍ فجعل يقول: يا بَنيَّ ألا تدفعون عني قد قُتلت. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا! وجعل يقول: يا بَنيَّ ألا تمنعون عني قد هلكت، هاهو ذا الطعْنُ بالشوك

стр. 1309

في عينيّ. فجعلوا يقولون: ما نَرَى شيئًا! فلم يزل كذلك حتى عَمِيَتْ عيناه. وأما الحارث بن غيطلة فأخذه الماءُ الأصفر في بطنه حتى خرج خُرْؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يومًا إذ دخل في رأسه شِبْرِقة حتى امتلأت منها فمات منها. وقال غيرُه في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شِبْرِقَة - يعني شَوْكَة - فدخلتْ في أخمصِ قدمه شوكة فقتلَتْه. رواهُ البيهقي (١) بنحو من هذا السياق. وقال ابن إسحاق (٢): وكان عظماءُ المستهزئين كما حدَّثني يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير خمسةَ نَفَر، وكانوا ذوي أسنانٍ وشرفٍ في قومهم؛ الأسود بن المطلب أبو زَمَعة، دعا عليه رسولُ الله ﷺ فقال: "اللهمَّ أعْم بصَرَه وأثْكِلْهُ ولَدَه". والأسود بن عبد يَغُوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطُّلاطِلَة. وذكر أنَّ الله تعالي أنزل فيهم ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر ٩٤ - ٩٦]. وذكر أنَّ جبريلَ أتى رسولَ الله ﷺ وهم يطوفونَ بالبيت، فقام وقام رسولُ الله ﷺ إلى جَنْبه، فمرَّ به الأسود بن المطلب فرَمَى في وجهه بورقةٍ خضراء فعَمِي، ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنُه فمات منه حَبَنًا (٣). ومرَّ به الوليدُ بن المغيرة فأشار إلى أثَرِ جُرحٍ بأسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجل يَرِيشُ نَبْلًا له من خزاعة، فتعلَّق سهمٌ بإزاره فخدشه خَدْشًا يسيرًا، فانتقض بعد ذلك فمات. ومر به العاصُ بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمارٍ له يريد الطائف، فربض به على شِبْرِقةٍ فدخلت في أخمص رِجلِهِ شوكةٌ فقتلَتْه. ومرَّ به الحارث بن الطُّلاطلة فأشار إلى رأسه فامتحض قَيْحًا فقتله. ثم ذكر ابنُ إسحاق (٤): أنَّ الوليد بنَ المغيرة لما حضره الموتُ أوصى بنيه الثلاثةَ وهم: خالد وهشام والوليد. فقال لهم: أي بَنِيَّ، أوصيكم بثلاث، دمي في خُزَاعة فلا تُطِلُّوه، والله إني لأعلم أنهم منه بُرَآء ولكني أخشى أن تُسَبُّوا به بعد اليوم. وربايَ في ثَقِيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعُقْرِي (٥) عند أبي أُزَيهر الدَّوسيّ فلا يفوتنَّكم به - وكان أبو أُزَيْهر قد زوَّج الوليد بنتًا له ثم أمسكها عنه فلم يُدْخِلْها عليه حتى مات،

стр. 1310

وكان قد قبض عُقْرَها منه، وهو صَدَاقُها - فلما مات الوليد وثَبَتَ بنو مخزوم على خُزَاعة يلتمسون منهم عَقْلَ الوليد، وقالوا: إنما قتله سَهْمُ صاحبكم، فأبَتْ عليهم خُزَاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارًا، وغَلُظَ بينهم الأمر. ثم أعطَتْهم خزاعةُ بعض العَقْل واصطلحوا وتحاجزوا. قال ابن إسحاق (١): ثم عَدَا هشامُ بن الوليد على أبي أُزَيهر وهو بسوق ذي المَجَاز فقتله، وكان شريفًا في قومه. وكانت ابنته تحت أبي سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيدُ بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبوه غائبًا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنَعَ ابنُه يزيد فلامه على ذلك [وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضًا في رجل من دوس] (٢)؟ وكتب حسان بنُ ثابت قصيدةً له يُحَرِّض (٣) أبا سفيان في دم أبي أُزيهر، فقال: بئس ما ظنَّ حسان أن يقتل بعضنُا بعضًا وقد ذهب أشرافُنا يوم بَدْر. ولما أسلم خالدُ بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله ﷺ سأله في رِبا أبيه من أهل الطائف. قال ابن إسحاق (٤): فذكر لي بعضُ أهل العلم أنَّ هؤلاء الآيات نزلْنَ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وما بعدها. قال ابن إسحاق (٤): ولم يكنْ في بني أُزَيهِر ثأرٌ نعلمه حتى حجَزَ الإسلامُ بين الناس، إلا أنَّ ضِرار بن الخطاب بن مِرْداس الأسلمي خرج في نفرٍ من قريشٍ إلى أرض دَوْس، فنزلوا على امرأةٍ يُقال لها: أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشُط النساء وتجهز العرائس، فأرادتْ دَوْس قتلَهم بأبي أُزيهر فقامتْ دونه أُمُّ غَيْلان ونسوةٌ كُنَّ معها حتى منعَتْهم. قال السهيلي (٥): يقال: إنها أدخلته بين درعها وبدنها. قال ابنُ هشام (٦): فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتَتْهُ أمُّ غَيْلان وهي ترى أنَّ ضرارًا أخوه، فقال لها عمر: لستُ بأخيه إلا في الإسلام، وقد عرفتُ منَّتك عليه، فأعطاها على أنها بنتُ سَبيل. قال ابنُ هشام: وكان ضرارُ بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أُحُد فجعل يضربُه بعَرْض الرمح ويقول: انج يا ابنَ الخطاب لا أقتلك. فكان عمر يعرفُها له بعد الإسلام ﵄.

стр. 1311

فصل وذكر البيهقيُّ (١) هاهنا دعاءَ النبي ﷺ على قريش حين استعصَتْ عليه بسبعٍ مثل سبع يوسف، وأورَدَ ما أخرجاه في "الصحيحَيْن" (٢) من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن ابن مسعود. قال: خمسٌ [قد] مضَيْن؛ اللِّزَام (٣)، والرُّوم، والدُّخان، والبَطْشَة، والقمر. وفي روايةٍ عن ابن مسعود. قال (٤): إنَّ قريشًا، لما استعصَتْ على رسولِ الله ﷺ وأبطؤوا عن الإسلام. قال اللهمَّ أَعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسُف" قال: فأصابتهم سَنَةٌ فحصَّتْ (٥) كلَّ شيء، حتى أكلوا الجِيفَ والميتة وحتى إنَّ أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجُوع. ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبد الله هذه الآية ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قال: فعادوا فكفروا فاخِّروا إلى يوم القيامة - أو قال: فأُخِّروا إلى يوم بَدْر - قال عبد الله: إنَّ ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يُكشفُ عنهم ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] قال: يوم بَدْر. وفي روايةٍ عنه، قال (٦): لما رأى رسولُ الله ﷺ من الناس إدْبارًا قال: "اللهمَّ سبع كسبعِ يوسف" فأخذتْهُمْ سَنةٌ حتى أكلوا المَيْتَةَ والجلودَ والعظام. فجاءَهُ أبو سفيان وناسٌ من أهل مكة فقالوا: يا محمد، إنك تزعمُ انَّكَ بُعثتَ رحمةً وإنَّ قومَكَ قد هَلكُوا، فادْعُ اللهَ لهم. فدعا رسولُ الله ﷺ فسقُوا الغيثَ، فأطبقَتْ عليهم سبعًا فشكا الناسُ كثرة المطَر. فقال: "اللهمَّ حوالَيْنا ولا علينا" فانحدَرَتِ السحابه (٧) عن رأسه، فسُقي الناسُ حولَهم. قال: لقد مضَتْ آيةُ الذُخان - وهو الجوع الذي أصابهم - وذلك قوله ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وآيةُ الروم، والبطشة الكبرى. وانشقاق القمر، ودْلك كله يوم بَدْر.

стр. 1312

قال البيهقي (١): يريد - والله أعلم - البطشةَ الكبرى والدخان وآية اللزام، كلُّها حصلَتْ ببدر. قال: وقد أشار البخاري (٢) إلى هذه الرواية. ثمَّ أورد (٣) من طريق عبد الرزَّاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى رسولِ الله ﷺ يستغيثُ من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئًا، حتى أكلوا العِلْهِزَ بالدَّم (٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] قال: فدعا رسولُ الله ﷺ حتى فرَّج الله عنهم. ثم قال الحافظ البيهقي (٥): وقد روي في قصة أبي سفيان ما دلَّ على أنَّ ذلك بعد الهجرة، ولعله كان مرتَيْن، والله أعلم. فصل ثمَّ أورد البيهقي (٦) قصة فارس والرُّوم، ونزولَ قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١ - ٥]. ثم رَوَى (٦) من طريق سفيانَ الثوري، عن حَبيب بن أبي عَمْرَة (٧)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان المسلمون يُحِبُّون أنْ يظهرَ الرُّوم على فارس لأنهم أهلُ كتاب، وكان المشركون يحبُّونَ أن تظهر فارسُ على الروم لأنهم أهلُ أوثان؛ فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكر [ذلك] (٨) أبو بكر للنبيِّ ﷺ فقال: "أمَا إنَّهم سيظهرون" فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا إنْ ظهروا كان لك كذا وكذا، وإنْ ظهَرْنا كان بنا كذا وكذا. [فجعل بينهم أجل خمس سنين، فلم يظهروا]

стр. 1313

فذكر ذلك أبو بكر للنبيِّ ﷺ فقال: "ألا جَعَلْتَهُ - أُره (١) قال - دون العشر". فظهرتِ الرُّوم بعد ذلك. وقد أورَدْنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المُبَاحث - أي: المراهن - لأبي بكر أمية بن خلف، وأن الرَّهْن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصدِّيق عن أمر رسولِ الله ﷺ وفي الرَّهن. وأنَّ غلبة الروم على فارس كان يوم بَدْر - أو كان يوم الحُديبية - فالله أعلم. ثم روى (٢) من طريق الوليد بن مسلم، حدَّثنا أُسَيد (٣) الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدِّث عن أبيه قال: رأيتُ غَلَبَة فارس الروم، ثم رأيتُ غلبة الرومِ فارس، ثم رأيتُ غلبة المسلمين فارسَ والرُّوم وظهورَهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمسَ عشرة سنة. فصل في الإسراء برسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم عروجه من هناك إلى السماوات وما رأى هنالك من الآيات ذكر ابنُ عساكر أحاديثَ الإسراء في أوائل البِعْثَة (٤)، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحوٍ من عشر سنين (٥). وروى البيهقي (٦) من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: أُسري برسولِ الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابنُ لَهيعة عن أبي الأسود عن عروة. ثم روى [عن] (٧) الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بُكير، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السُّدِّيِّ أنه قال: فُرض على رسولِ الله ﷺ الخَمْس ببيت المقدس، ليلة أُسري به قبل مُهَاجَرِهِ بستةَ عشرَ شهرًا. فعلى قول السدِّيّ يكون الإسراءُ في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزُّهْرِيّ وعروة يكون في ربيع الأول.

стр. 1314

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا عفَّان (١)، عن سعيد بن ميناء، عن جابر وابن عباس قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. فيه انقطاع (٢). وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته (٣) وقد أورد حديثًا لا يصحُّ سنَدُه، ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب، والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أُحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم. وينشد بعضُهم في ذلك: ليلةَ الجمعةِ عُرِّج بالنبي … ليلةَ الجمعةِ أوّل رجب (٤) وهذا الشعر عليه ركاكة، وإنما ذكرناه استشهادًا لمن يقول به. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاةً عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فلتُكتَبْ من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعَزْو، والكلام عليها ومعها ففيها مَقْنَع وكفاية، ولله الحمدُ والمِنَّة. ولنذكُر ملخَّصَ كلامِ ابنِ إسحاق ﵀ فإنَّه قال بعد ذكر ما تقدَّم من الفصول (٥): ثم أُسْرِيَ برسولِ الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الإسلامُ بمكة في قريش وفي القبائل كلِّها. وقال: وكان من الحديث فيما بلغني عن مَسْرَاهُ ﷺ عن ابن مسعود، وأبي سعيد، وعائشة، ومعاوية، وأم هانئ بنت أبي طالب ﵃، والحسن بن أبي الحسن، وابن شهاب الزُّهْرِي وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث، كلٌّ يحدِّثُ عنه بعضَ ما ذُكر لي من أمره وكان في مسراه وما ذُكر لي منه بلاء وتمحيص وأمرٌ من أمْرِ الله [ ] في قدرته (٦) وسلطانه، فيه عبرةٌ لأولي الألباب، وهدًى ورحمةٌ وثبات لمن آمَنَ وصدَّق وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء لِيُرِيَهُ من آياته ما أراد، حتى عايَنَ ما عاين من أمْرِهِ وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يُريد.

стр. 1315

وكان عبدُ الله بن مسعود - فيما بلغني - يقول: أُتي رسولُ الله ﷺ بالبُرَاق - وهي الدابّهُ التي كانتْ تُحمل عليها الأنبياء قبلَه، تضَعُ حافرَها في موضع منتهى طَرْفِها - فحُمل عليها، ثمَّ خرج به صاحبُه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نَفَرٍ من الأنبياء قد جُمعوا له، فصلَّى بهم ثم أتي بثلاثةِ آنيةٍ من لبنٍ وخمرٍ وماءً. فذكر أنه شرِب إناءَ اللبن، فقال لي جبريل: هُديتَ وهدِيَتْ أُمتك. وذكر ابنُ إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلًا (١) أنَّ جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبَهُ البُرَاق وهو دابةٌ أبيض، بين البَغْلِ والحمار، وفي فخذيه جناحان يَحْفِزُ بهما رجلَيْه، يضع حافره في منتهى طَرْفه. ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتُني ولا أفوته. قلت: وفي الحديث وهو عن قتادة، فيما ذكره ابنُ إسحاق (٢) أنَّ رسولَ الله ﷺ لما أراد ركوب البُرَاق شَمَسَ به (٣)، فوضع جبريلُ يدَهُ على مَعْرَفَتِه ثم قال: ألا تستحي يا بُراق مما تصنع، فوالله ما ركبكَ عبدٌ لله قبلَ محمدٍ أكرمُ عليه منه. قال: "فاستحى حتى ارفضَّ عرَقًا ثم قرَّ (٤) حتى ركبتُه". قال الحسن في حديثه: فمضَى رسولُ الله ﷺ ومضى معه جبريلُ حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نَفَرٍ من الأنبياء، فأمَّهم رسولُ الله ﷺ فصلَّى بهم، ثم ذكر اختيارَهُ إناءَ اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له: هُديت وهديَتْ أُمَّتُك، وحُرِّمَتْ عليكم الخمر. قال: ثم انصرفَ رسولُ الله ﷺ إلى مكة فأصبح يُخبر قريشًا بذلك، فذكر أنه كذَّبه أكثرُ الناس، وارتدَّتْ طائفةٌ بعد إسلامها، وبادر الصدِّيقُ إلى التصديق وقال: إني لأصدِّقُه في خبر السماء بُكْرَةً وعشيَّة، أفلا أصدِّقه في بيت المقدس؟ وذكر أنَّ الصدِّيقَ سأله عن صفة بيتِ المقدس، فذكرها له رسولُ الله ﷺ قال: فيومئذٍ سُمّي أبو بكر الصدِّيق. قال الحسن: وأنزل الله في ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] الآية. وذكر ابنُ إسحاق (٥) فيما بلغَهُ عن أُم هانئ أنها قالت: ما أُسريَ برسولِ الله ﷺ إلا من بيتي، نام عندي ثلك الليلة بعدما صلَّى العشاءَ الآخرة، فلما كان قُبيل الفَجْر أهَبَّنا (٦)، فلما كان الصُّبْح وصلَّينا معه، قال: "يا أُمَّ هانئ لقد صلَّيتُ معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي، ثم جئتُ بيتَ المقدس

стр. 1316

فصلَّيتُ فيه، ثم قد صلَّيتُ الغَدَاة معكم الآن كما ترَيْن". ثم قام ليخرج، فأخذتُ بطرَفِ ردائه، فقلت: يا نبيَّ الله لا تحدِّثْ بهذا الحديث الناسَ فيكذِّبوك ويُؤذوك. قال: "والله لأحدِّثنَّهموه". فأخبرهم فكذَّبوه. فقال: وآيةُ ذلك أنِّي مرَرْتُ بعِيرِ بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرَهُمْ حِسُّ الدابَّه، فندَّ لهم بعِيرٌ فدلَلْتُهم عليه وأنا متوجِّهٌ إلى الشام، ثم أقبلتُ حتى إذا كنتُ بضَجَنَان (١) مررتُ بعيرِ بني فلان، فوجدتُ القومَ نيامًا ولهم إناءٌ فيه ماء قد غطَوا عليه بشيء، فكشفتُ غطاءه وشربتُ ما فيه، ثم غطَّيْتُ عليه كما كان. وآية ذلك أنَّ عِيرَهم تُصَوِّبُ الآنَ من ثنيَّة التنعيم البَيْضَاء يقدُمها جمَلٌ أوْرَق (٢)، عليه غِرَارتان، إحداهما سوداء والأخرى بَرْقاء (٣). قال: فابتدروا القومَ بالثنيَّه (٤)، فلم يلقَهُمْ أول من الجمل الذي وصف لهم، وسألوهم عن الإناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلواتُ الله وسلامُه عليه. وذكر يونس بن بكير، عن أسباط، عن إسماعيل السُّدي، أنَّ الشمسَ كادتْ أن تغرُبَ قبل أن يقدُمَ ذلك العِير (٥)، فدعا الله فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال: فلم تحتبس الشمسُ على أحل! إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون. رواه البيهقي (٦). قال ابن إسحاق (٧): وأخبرني من لا أتهم عن أبي سعيدٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لما فرغتُ مما كان في بيت المقدس أُتي بالمِعْرَاج ولم أر شيئًا قط أحسنَ منه وهو الذي يمدُّ إليه ميِّتْكم (٨) عينيه إذا حُضر، فأصعدني فيه صاحبي حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحَفَظة، عليه بريدٌ (٩) من الملائكة يقال له: إسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك، تحت يد كل مَلَكٍ منهم اثنا عشر ألف مَلَك. قال: يقول رسولُ الله ﷺ إذا حدَّث بهذا الحديث: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. ثم ذكر بقيةَ الحديث، وهو مطوَّلٌ جدًّا، وقد سقناه بإسنادِهِ ولفظه بكماله في التفسير، وتكلَّمنا عليه، فإنه من غرائب الأحاديث وفي إسنادِهِ ضَعْف.

стр. 1317

وكذا في سياق حديث أمِّ هانئ، فإنَّ الثابت في الصحيحين (١)، من روايةِ شَرِيك بن أبي نَمِر، عن أنس أنَّ الإسراء كان من المسجد من عند الحِجْر، وفي سياقه غَرَابَةٌ أيضًا من وجوه قد تكلَّمنا عليها هناك، ومنها قوله: قبلَ أنْ يُوحَى إليه (٢). والجوابُ أنَّ مجيئهم أولَ مرَّةٍ كان قبل أن يُوحَى إليه، فكانتْ تلك الليلة ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلةً أخرى ولم يقل في ذلك، وذلك قبل أن يُوحَى إليه بل جاؤوا بعد ما أوحي إليه، فكان الإسراءُ قطعًا بعد الإيحاء، إمَّا بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون، وهو الأظهر؛ وغسل صدره تلك الليلة قبل الإسراء غسلًا ثانيًا - أو ثالثا - على قوله أنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية، ثم ركب البُرَاق رِفْعَةً له وتعظيمًا وتكريمًا، فلما جاء بيتَ المقدس ربطه بالحَلْقة التي كانت تربط بها الأنبياء، ثم دخل بيت المقدس، فصلَّى في قبلته تحيَّةَ المسجد. وأنكر حُذيفة ﵁ دخولَهُ إلى بيت المقدس وربْطَه الدَّابَّة وصلاته فيه، وهذا غريب؛ والنصُّ المُثْبتُ مقدَّمٌ على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم، أكان قبل عُروجه إلى السماء كما دلَّ عليه ما تقدَّم أو بعد نزوله منها كما دلَّ عليه بعضُ السياقات، وهو أنسبُ كما سنذكره على قولين، فالله أعلم. وقيل: إنَّ صلاته بالأنبياء كانتْ في السماء، وهكذا تخَيُّرُه بين (٣) الآنية، اللبن والخمر والماء، هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح؟ والمقصود أنه ﷺ لما فرغ من أمر بيت المقدس نُصب له المعراج - وهو السُّلَّم - فصعِدَ فيه إلى السماء، ولم يكنِ الصُّعود على البُراق كما قد يتوهَّمُه بعضُ الناس، بل كان البُراق مربوطًا على باب مسجدِ بيتِ المقدس ليرجع عليه إلى مكة. فصعِدَ من سماءً إلى سماءٍ في المِعْرَاج حتى جاوز السابعة، وكلما جاء سماءً تلقَّتْهُ منها مقرَّبوها ومَنْ فيها من أكابر الملائكة والأنبياء. وذكَرَ أعيان من رأى (٤) من المرسلين، كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، وإدريس في الرابعة (٥)، وموسى في السادسة - على الصحيح - وإبراهيم في السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبَّدون فيه صلاةً وطوافًا،

стр. 1318

ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتِبَهُم كلَّهم حتى ظهر لمستوى يسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام، ورُفعت لرسولِ الله ﷺ سِدْرَةُ المُنْتَهى، وإذا ورَقُها كاَذان الفِيَلَة، ونَبِقُها كقِلالِ هَجَر (١)، وغشيها عند ذلك أمورٌ عظيمة، ألوانٌ متعدِّدة باهرة، وركبتها الملائكةُ مثل الغِرْبان على الشجرة كثرةً، وفَرَاش من ذهب، وغشيها من نور الربّ ﷻ ، ورأى هنالك (٢) جبريلَ ﵇ له ستمئة جناح ما بين كلِّ جناحَيْن كما بين السماءَ والأرض وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٧] أي ما زَاغَ يمينًا ولا شمالًا، ولا ارتفع عن المكان الذي حُدَّ له النظر إليه. وهذا هو الثباتُ العظيمِ والأدب الكريم، وهذه الرؤيا الثانية لجبريلَ ﵇ على الصفة التي خلقَهُ الله تعالى عليها، كما نقلهُ ابنُ مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ﵃ أجمعين. والأُولى هي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ - ١٠] وكان ذلك بالأبْطَح، تدلَّى جبريلُ على رسولِ الله ﷺ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماءَ والأرض، حتى كان بينه وبينه قابَ قوسَيْن أو أدْنَى، هذا هو الصحيحُ في التفسير كما دلَّ عليه كلامُ أكابرِ الصحابةِ المتقدِّم ذِكرُهم ﵃. فأمَّا قولُ شريك عن أنس في حديث الإسراء (٣): ثمَّ دنا الجبَّارُ ربُّ العِزةِ فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فقد يكونُ من فَهْم الراوي فأقحمه في الحديث. والله أعلم. وإنْ كان محفوظًا فليس بتفسير للآية الكريمة [بل هو شيءٌ آخر غير ما دلَّتْ عليه الآيةُ الكريمة] (٤). والله أعلم. وفرض الله على عبده محمدٍ ﷺ وعلى أمته الصلواتِ ليلتئذ خمسين صلاةً في كلِّ يومٍ وليلة، ثم لم يزَلْ يختلفُ بين موسى وبين ربِّهِ حتى وضعها الربُّ ﷻ وله الحمدُ والمِنَّة إلى خمس وقد قال: "هي خمسٌ وهي خمسون، الحسنَةُ بعشرِ أمثالها" (٥) فحصل له التكليم

стр. 1319

من الربِّ ليلتئذ، وأئمة السُّنَّة كالمطبقين على هذا. واختلفوا في الرؤية، فقال بعضُهم رآه بفؤادِه مرَّتين، قاله ابن عباس وطائفة، وأطلق [ابن عباس] (١) وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد، وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄، وصرَّح بعضُهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابنُ جرير وبالغ فيه، وتبِعَهُ على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نصَّ على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيليُّ عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه (٢). وقالت طائفة: لم يقع ذلك لحديث أبي ذرّ في صحيح مسلم (٣): قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أراه". وفي رواية (٤): "رأيت نورًا". قالوا: ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية؛ ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما رُوي في بعض الكتب الإلهَية: يا موسى إنه لا يراني حيٌّ إلا مات، ولا يابسٌ إلا تدَهْدَه. والخلاف في هذه المسألة مشهورٌ بين السلف والخَلَف، والله أعلم. ثم هبط رسولُ الله ﷺ إلى بيت المقدس، والظاهر أنَّ الأنبياء هبطوا معه تكريمًا له وتعظيمًا عند رجوعه من الحضرة الإلهَية العظيمة كما هي عادة الوافدين، لا يجتمعون بأحد قبل الذي طُلبوا إليه، ولهذا كان كلَّما مرَّ على واحدٍ منهم يقولُ له جبريل - عندما يتقدم ذلك للسلام علمِه -: هذا فلان، فسلِّم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعودِهِ لما احتاج إلى تعرُّفٍ بهم مرة ثانية. ومما يدلُّ على ذلك أنه قال: "فلما حانتِ الصلاةُ أمَمْتُهُمْ" (٥). ولم يحِنْ وقتٌ إذْ ذلك إلى صلاة الفجر فتقدَّمهم إمامًا بهم عن أمر جبريلَ فيما يرويه عن ربِّه ؛ فاستفاد بعضُهم من هذا أنَّ الإمام الأعظم يقدَّمُ في الإمامة على ربِّ المنزِل، حيثُ كان بيت المقدس محلَّتهم ودارَ إقامتهم؛ ثم خرج منهم فركب البُرَاق وعاد إلى مكة، فأصبح بها وهو في غايةِ الثبات والسَّكينةِ والوَقَار. وقد عايَنَ في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها - أو بعضها - غيرُه لأصبح مندهشًا أو طائشَ العقل، ولكنه ﷺ أصبح واجمًا - أي: ساكنًا - يَخْشَى إنْ بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطَّف بإخبارهم أولًا بأنه جاء بيتَ المقدس في تلك الليلة، وذلك أنَّ أبا جهل لعنه الله - رأى رسولَ الله

стр. 1320

ﷺ في المسجد الحرام وهو جالسٌ واجم، فقال: "إنِّي أُسْرِيَ بيَ الليلةَ إلى بيتِ المَقْدِس". قال: إلى بيت المقدس!؟ قال: "نعم". قال: أرأيتَ إنْ دعَوْتُ قومَك لك لتخبرَهم أتخبرُهم بما أخبرتني به؟ قال: "نعم". فأراد أبو جهل جمعَ قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسولُ الله ﷺ جمعهم ليخبرَهم ذلك ويبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال: أخْبِرْ قوْمَكَ بما أخبرتني به. فقصَّ عليهم رسولُ الله ﷺ ما رأى وأنه جاء بيتَ المقدس هذه الليلة وصلَّى فيه؛ فمن بين مصفِّقٍ وبين مصفِّر تكذيبًا له واستبعادًا لخبره. وطار الخبرُ بمكة، وجاءَ الناسُ إلى أبي بكير ﵁ فأخبروه أنَّ محمد ﷺ يقول كذا وكذا فقال: إنكم تكذبونَ عليه. فقالوا: والله إنه ليقولُه. فقال: إنْ كان قالَهُ فلقَدْ صَدَق. ثم جاء إلى رسولِ الله ﷺ وحوله مشركو (١) قريش، فسأله عن ذلك، فأخبره، فاستعلمه عن صفاتِ بيتِ المقدس ليَسْمَع المشركون ويعلموا صِدْقَهُ فيما أخبرهم به (٢). وفي الصحيع (٣): أنَّ المشركين هم الذين سألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك. قال: "فجعلتُ أخبرُهم عن آياته فالتبس على بعض الشيء (٤)، فجلَّى الله لي بيتَ المقدس حتى جعلتُ أنظرُ إليه دون دارِ عُقيل وأنعته لهم". فقال: أما الصفة فقد أصاب. وذكر ابنُ إسحاق ما تقدَّم (٥) من إخباره لهم بمرورِهِ بعيرهم وما كان من شربه ماءهم، فأقام الله عليهم الحُجَّة واستنارت لهم المَحَجَّة، فآمن مَنْ آمن على يقينٍ من ربِّه، وكفر من كفر بعد قيام الحُجَّةِ عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، أي: اختبارًا لهم وامتحانًا. قال ابنُ عباس: هي رؤيا عين أُريها رسولُ الله ﷺ وهذا مذهب جمهور السَّلَف والخَلَف من أنَّ الإسراء كان ببدَنِه ورُوحه صلواتُ الله وسلامُه عليه، كما دلَّ على ذلك ظاهرُ السِّياقات، من رُكوبه وصعوده في المِعْرَاج وغير ذلك. ولهذا قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ﴾ [الإسراء: ١] والتسبيحُ إنما يكونُ عند الآياتِ العظيمةِ الخارقة، فدلَّ

стр. 1321

على أنه بالرُّوح والجَسَد، والعبدُ عبارةٌ عنهما، وأيضًا فلو كان منامًا لما بادَرَ كُفَّارُ قريشٍ إلى التكذيب به والاستبعاد له، إذْ ليس في ذلك كبيرُ أمْرٍ، فدلَّ على أنه أخبرهم بأنه أُسْرِيَ به يقظَةً لا منامًا. وقولُه في حديث شَرِيك عن أنس: "ثم استيقظت فإذا أنا في الحِجْر (١) معدودٌ في غلطاتِ شريك، أو محمولٌ على أن الانتقالَ من حالٍ إلى حال يُسمَّى يقظَةً كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ حين ذهبَ رسولُ الله ﷺ [إلى] (٢) الطائف فكذَّبوه، قال: "فرجعتُ مهمومًا، فلم أستفِقْ إلا بقَرْنِ الثعالب". وفي حديث أبي أُسيد حين جاء بابنِهِ إلى رسولِ الله ﷺ ليحنِّكَهُ فوضعه على فَخِذِ رسول الله ﷺ واشتغل رسولُ الله ﷺ بالحديث مع الناس، فرَفَعَ أبو أُسيد ابنَه، ثم استيقظ رسولُ الله ﷺ فلم يجدِ الصبي، فسأل عنه، فقالوا: رفع، فسمَّاهُ المنذر (٣). وهذا الحمل أحسن من التغليط. والله أعلم. وقد حكى ابنُ إسحاق فقال (٤): حدَّثني بعضُ آلِ أبي بكرٍ عن عائشةَ أمِّ المؤمنين أنها كانت تقول: ما فُقدَ جسدُ رسولِ الله ﷺ ولكن الله أسْرَى برُوحِه. قال (٥): وحدَّثني يعقوب بن عتبة، أنَّ معاوية كان إذا سُئل عن مَسْرَى رسولِ الله ﷺ قال كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابنُ إسحاق (٥): فلم يُنكَرْ ذلك من قولهما، لقول الحسن: إنَّ هذه الآية نزلَتْ في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وكما قال إبراهيمُ ﵇: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وفي الحديث: "تنامُ عيني وقلبي يَقْظان" (٦). قال ابنُ إسحاق (٧): فالله أعلم أي ذلك كان، قد جاءه وعايَنَ فيه ما عاينَ من أمر الله تعالى، على أيِّ

стр. 1322

حاله كان، نائمًا أو يقظانًا (١)، كل ذلك حقٌّ وصدق. قلت: وقد توقَّف ابنُ إسحاق في ذلك وجوَّز كلًّا من الأمرَيْن من حيث الجملة، ولكنَّ الذي لا يُشكُّ فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانًا (٢) لا محالة لما تقدَّم، وليس مقتضى كلام عائشة ﵂ أنَّ جسده ﷺ ما فُقِد، وإنما كان الإسراءُ برُوحه أن يكونَ منامًا كما فهمه ابنُ إسحاق، بل قد يكون وقع الإسراءُ بروحه حقيقةً [وهو يقظان لا نائم، وركب البُرَاقَ وجاء بيت المقدس، وصعِدَ السمواتِ وعاين ما عاين حقيقة] (٣)، ويقظة لا منامًا. لعل هذا مُرَادُ عائشة أمِّ المؤمنين ﵂، ومرادُ مَنْ تابعها على ذلك. لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام. والله أعلم. تنبيه: ونحن لا نُنْكِرُ وقوعَ منامٍ قبل الإسراء طِبْقَ ما وقع بعد ذلك، فإنَّه ﷺ كان لا يرَى رؤيا إلا جاءَتْ مثل فَلَقِ الصُّبْح، وقد تقدَّم مثل ذلك في حديث بَدْء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظةً منامًا قبله ليكون ذلك من باب الإرْهاص والتَّوْطئة والتثبُّت والإيناس. والله أعلم. وقد (٤) اختلف العلماءُ في أنَّ الإسراء والمعراج: هل كانا في ليلةٍ واحدة؟ أو كلٌّ في ليلةٍ على حِدَة؟ فمنهم من يزعم أنَّ الإسراء في اليقظة، والمعراجَ في المنام. وقد حكى المهلَّبُ بن أبي صُفْرَة في شرحه البخاري (٥) عن طائفةٍ أنهم ذهبوا إلى أنَّ الإسراء [كان] (٦) مرتين؛ مرَّة برُوحه منامًا، ومرةً ببدنه ورُوحه يقظةً، وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السُّهَيْلي، [عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه. قال السُّهيلي] (٧): وهذا القول يجمع الأحاديث فإنَّ في حديث شَرِيك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه، وتنامُ عيناه ولا ينامُ قلبه، وقال في آخره: "ثم استيقظتُ فإذا أنا في الحِجْر" (٨) وهذا منام، ودلَّ غيرُه على اليقظة. ومنهم من يدَّعي تعدُّدَ الإسراء في اليقظةِ أيضًا، حتى قال بعضُهم: إنها أربعُ إسراءات. وزعم بعضُهم أنَّ بعضَها كان بالمدينة، وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أن يوفق بين اختلاف

стр. 1323

ما وقع في روايات وحديث الإسراء بالجمع المتعدد (١) فجعل ثلاثَ إسراءات، مرةً من مكة إلى البيت المقدَّس فقط على البُرَاق، ومرةً من مكة إلى السماء على البراق أيضًا لحديث حُذيفة، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات. فنقول: إنْ كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلافُ الروايات فقد اختلف لفظُ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات، ومَنْ أراد الوقوف على ذلك فلينظرْ فيما جمعناه مستقصيًا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]: وإن كان إنما حمله أنَّ التقسيم انحصر في ثلاثِ صفات بالنسبة إلى بيتِ المقدس وإلى السموات فلا يلزم من الحَصْرِ العقلي والوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل. والله أعلم. والعجب أنَّ الإمام أبا عبد الله البخاري ﵀ ذكر الإسراء بعد ذكِرِهِ موتَ أبي طالب، فوافق ابنَ إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر، وخالفَهُ في ذكره بعد موت أبي طالب، وابنُ إسحاق أخَّرَ ذِكر موت أبي طالب على الإسراء، فاللهُ أعلم أيُّ ذلك كان. والمقصود أنَّ البخاري فرَّق بين الإسراء وبين المِعْرَاج، فبوَّبَ لكلِّ واحدٍ منهما بابًا على حِدَة فقال (٢): بابُ حديثِ الإسراءَ وقول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ حدَّثنا يحيى بن بُكير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، حدَّثني أبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن قال: سمعتُ جابرَ بن عبد الله أنه سمع رسولَ الله يقول: "لما كذَّبَتْني قُريش قمتُ (٣) في الحِجْر، فجلَّى اللهُ لي بيتَ المقدس، فطفِقْتُ أُخبِرهُم (٤) عن آياتِهِ وأنا أنظُرُ إليه". وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث [الزهري، عن أبي سَلَمة، عن جابر به (٥). ورواه مسلم والنسائي (٦) من حديث] (٧) عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه (٨).

стр. 1324

ثم قال البخاري باب حديث المِعْراج (١): حدَّثنا هُدْبَةُ بن خالد، حدَّثنا همَّام، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أنَّ النبيَّ ﷺ حدَّثهم عن ليلةِ أُسريَ به. قال: "بينما أنا في الحَطِيم - وربما قال في الحِجْر - مضطجعًا إذْ أتاني آتٍ فقدَّ - قال: وسمعته يقول: فشق (٢) - ما بين هذه إلى هذه" فقلتُ: للجارود - وهو إلى جنبي -: ما يَعني به؟ قال: من ثُغْرَةِ (٣) نَحْرِه إلى شِعْرَتِه، وسمعتُه يقول: من قَصِّه (٤) إلى شِعرته. "فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بطسْتٍ من ذهب مملوءةٍ إيمانًا فغُسل قلبي، ثم حُشِيَ ثم أُعيد، ثم أُتيتُ بدابَّةٍ دون البَغْل وفوق الحمار، أبيض" - فقال له الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس نعم - "يضَعُ خَطْوَهُ عند أقْصَى طَرْفِهِ؛ فحُملْتُ عليه، فانطلق بي جبريل (٥) حتى أتى السماءَ الدنيا فاستفتحَ، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعمَ المجيءُ جاء! فَفَتح، فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدمُ فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي إلى السماءِ الثانية، فاستفتح قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد، قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجيءُ جاء! ففَتح، فلما خلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّمْ عليهما. فسلمتُ عليهما، فردَّا ثم قالا: مرحبًا بالأخِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعمَ المجيءُ جاء! ففتح، فلما خلصتُ إذا يوسُف، قال: هذا يُوسف فسلِّم عليه فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الرابعة فاستفتح، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟

стр. 1325

قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجيءُ جاء ففتح، فلما خلصتُ إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّم عليه فسلمتُ عليه فردَّ. ثم قال: مرحبًا بالأخِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الخامسة، فاستفتح قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعمَ المجيءُ جاء! فلما خلصتُ إذا هارون، قال: هذا هارونُ فسلِّم عليه. فسلمتُ عليه. فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ السادسة، فاستفتح، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل ومَنْ معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجيءُ جاء! فلما خلصتُ إذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّمْ عليه. فسلمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخِ الصالح والنبيِّ الصالح. فلما تجاوزتُ بكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنَّ غلامًا بُعث بعدي يدخُل الجنةَ من أمته أكثرُ ممن يدخلُها من أمتي. ثم صعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعثَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجيءُ جاء! فلما خلصتُ إذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم رُفعتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، [فإذا نَبِقُها مثل قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثلُ آذان الفِيَلَة. قال: هذه سِدْرَة المنتهى] (١) وإذا أربعةُ أنهار؛ نهرانِ ظاهران، ونهرانِ باطنان، فقلتُ: ما هذا (٢)، يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة؛ وأمَّا الظاهرانِ فالنيلُ والفرات، ثم رُفع لي البيتُ المعمور -[يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك] (٣) - ثم أُتيت بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لَبَن وإناءَ من عَسَل، فأخذتُ اللَّبَن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأُمَّتُك. ثم فرضت علي الصلاة خمسينَ صلاة (٤) كلَّ يوم، فرجعتُ فمررتُ على موسى فقال: بما (٥) أُمِرت؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاة كلَّ يوم. قال: إنَّ أمتك لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم، وإني والله قد جرَّبتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ

стр. 1326

المعالجة؛ فارجعْ إلى ربِّك فاسْألْهُ التخفيفَ لأمتك. فرجعتُ، فوضع عني عشرًا. فرجعتُ إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فوضعَ عني عشرًا. فرجعتُ إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فوضع عني عشرًا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فأُمرت بعشر صلواتٍ كل يوم، فرجعت، فقال مثله فرجعتُ فأُمرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بم (١) أمرت؟ فقلت: أمرت بخمس صلواتٍ كلَّ يوم. قال: إنَّ أُمَّتك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كل يوم، وإنِّي قد جرَّبتُ الناسَ قبلك وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجة، فارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيفَ لأُمتك. قال: سألتُ ربِّي حتى استحيَيْتُ، ولكنْ أرضى وأُسَلِّم. قال: فلما جاوزتُ نادَى منادٍ: أمضَيْتُ فريضتي، وخفَّفْتُ عن عبادي". هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه في مواضع أُخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة (٢). ورويناه من حديث أنس بن مالك، عن أبي بن كعب، ومن حديث أنس عن أبي ذر. ومن طرقٍ كثيرة، عن أنس، عن النبي ﷺ . وقد ذكرنا ذلك مستقصًى بطُرقِه وألفاظِه في التفسير (٣)، ولم يقع في هذا السياق ذكرُ بيت المقدس، وكان بعضُ الرواة يحذفُ بعضَ الخبر للعلم به، أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارةً فيسوقُه كلَّه، وتارة يحدِّث مُخاطِبَه بما هو الأنفعُ له (٤). ومَنْ جعل كلَّ روايةِ إسراء على حِدَة كما تقدَّمَ عن بعضهم فقد أبعد جدًّا. وذلك أنَّ كلَّ السياقاتِ فيها السلامُ على الأنبياء، وفي كل منها يُعَرِّفه بهم، وفي كلِّها يفرضُ عليه الصلوات. فكيف يمكن أن يدَّعي تعدُّدَ ذلك؟ هذا في غاية البُعْد والاستحالة. والله أعلم. ثم قال البخاري (٥): حدَّثنا الحُميدي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. قال: هي رُؤْيا عَيْن، أُريها رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسري بهِ إلى بيتِ المقدس؛ والشجرة الملعونةَ في القرآن. قال: هي شجرة الزَّقُّوم (٦).

стр. 1327

فصل ولما أصبح رسولُ الله ﷺ من صبيحة ليلة الإسراء جاءه جبريل عند الزوال فبيَّن له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمرَ رسولَ الله ﷺ أصحابه فاجتمعوا فصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد والمسلمون يأتمون بالنبي ﷺ وهو يقتدي بجبريل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: "أَمَّني جبريل عند البيت مرَّتين" (١). فبين له الوقتَيْن الأول والآخِر. فهما وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعةً في وقت المغرب. وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبُرَيدة وعبد الله بن عمرو، وكلُّها في صحيح مسلم (٢). وموضع بسط ذلك في كتابنا الأحكام وللهِ الحمد. فأما ما ثبتَ في صحيح البخاري (٣) عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فُرضتِ الصلاةُ أولَ ما فُرضتْ ركعتَيْن، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَر، وزيدَ في صلاةِ الحَضَر. وكذا رواهُ الأوزاعي، عن الزهري (٤)، ورواه الشعبي، عن مسروق عنها (٥)؛ وهذا مشكل من جهةِ أنَّ عائشة كانتْ تتمُّ الصلاةَ في السفر، وكذا عثمان بن عفان، وقد تكلَّمنا على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. قال البيهقي (٦): وقد ذهب الحسَنُ البصريّ إلى أنَّ صلاة الحَضَر أول ما فُرضتْ أربعًا. كما ذكرَهُ مرسلًا من صلاته ﷺ صبيحةَ الإسراء الظهرَ أربعًا، والعصرَ أربعًا، والمغرب ثلاثًا يجهر في الأُوَلَيَيْن والعشاءَ أربعًا يجهر في الأولَيَيْن، والصبح ركعتين يَجْهَرُ فيهما. قلت: فلعلَّ عائشةَ أرادتْ أنَّ الصلاةَ

стр. 1328

كانتْ قبل الإسراء تكون ركعتين، ثم لما فُرِضتِ الخمس فُرضت حَضَرًا على ما هي عليه، ورُخِّص في السفر أنْ يصلي ركعتين كما كان الأمر عليه قديمًا، وعلى هذا لا يَبْقَى إشكال بالكليَّة. والله أعلم. فصل انشقاق القمر في زمان النبيِّ ﷺ - وجعل الله آية على صدقِ رسولِ الله ﷺ فيما جاء به من الهُدَى ودينِ الحق حيث كان وَفْقَ إشارته الكريمه (١)، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٣] وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه ﷺ ، وجاءَتْ بذلك الأحاديثُ المتواترة، من طُرقٍ متعدِّدة، تفيد القَطْعَ عند مَنْ أحاط بها ونظر فيها. ونحن نذكرُ من ذلك ما تيسَّر إنْ شاء الله، وبه الثقةُ وعليه التكلان. وقد استقصَيْنا (٢) ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطُّرقَ والألفاظ محرَّرةً، ونحن نشير هاهنا إلى أطرافٍ من طُرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته. وذلك مَرْويٌّ عن أنس بن مالك، وجُبير بن مطعم، وحُذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين. أما أنس فقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا معمر، عن [الزهري، عن] قتادة، عن أنس بن مالك قال: سألَ أهلُ مكةَ النبيَّ ﷺ آية، فانشقَّ القمرُ بمكةَ مرَّتَيْن. فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ورواه مسلم (٤) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وهذا من مرسلاتِ الصحابة؛ والظاهر أنه تلقَّاه عن الجمِّ الغفير من الصحابة، أو عن النبيِّ ﷺ ، أو عن الجميع. وقد روى البخاري ومسلم (٥) هذا الحديث من طريق شَيْبان؟ زاد البخاري: وسعيد بن أبي عَروبة، وزاد مسلم (٦): وشعبة، ثلاثتهم، عن قتادة، عن أنس: أنَّ أهلَ مكة سألوا رسولَ الله ﷺ أنْ يُريَهُمْ آيةً، فأراهُم القمرَ شِقَّتَيْنِ، حتى رأوْا حِرَاء بينهما. لفظ البخاري (٧).

стр. 1329

وأما جُبير بن مُطْعم، فقال الإمامُ أحمد (١): حدَّثنا محمد بن كثير، حدَّثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جُبير بن مُطْعم، عن أبيه قال: انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فصار فِرْقَتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرَنَا محمد! فقالوا: إنْ كان سحَرَنا فإنه لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناسَ كُلَّهم. تفرَّد به أحمد (٢). وهكذا رواه ابنُ جرير (٣)، من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به. وقد رواه البيهقي (٤) من طريق إبراهيم بن طَهْمان وهُشيم كلاهما عن حُصين بن عبد الرحمن، عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه به، فزاد رجلًا في الإسناد (٥). وأما حُذيفة بن اليمان فروى أبو نعيم في "الدلائل" (٦) من طريق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي. قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن (٧) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإنَّ الساعة قد اقتربتْ، ألا وإنَّ القمرَ قدِ انشقّ [على عهد رسول الله ﷺ (٨)، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنَتْ بفراق، ألا وإنَّ اليوم المِضْمار (٩) وغدًا السِّبَاق (١٠). فلما كانت الجمعةُ الثانية انطلقتُ مع أبي إلى الجُمعة، فحمدَ الله وقال مثله وزاد: ألا وإنَّ السابقَ مَنْ سبقَ إلى الجنة (١١). فلما كنَّا في الطريق قلتُ لأبي: ما يعني بقوله: غدًا اسباق؟ قال: مَنْ سبَقَ إلى الجنة.

стр. 1330

وأما ابنُ عباس، فقال البخاري (١): حدَّثنا يحيى بن بُكَيْر (٢)، حدَّثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن مالك، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، عن ابن عباس، قال: إنَّ القمر انْشَقَّ في زمانِ النبيِّ ﷺ . ورواه البخاري أيضًا ومسلم (٣) من حديث بكر - وهو ابنُ مُضَر (٤) - عن جعفر [- هو ابن ربيعة - عن عِرَاك به. وقال ابنُ جرير (٥): حدّثنا ابن مثنى، حدَّثنا عبد الأعلى، حدَّثنا داود بن أبي هند، عن (٦) ابن عباس] (٧) قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: قد مضى ذلك، كان قبلَ الهجرة، انشقَّ القمر حتى رأوا شِقَّيْه. وهكذا رواهُ العَوْفي عن ابن عباس ﵁ وهو من مرسلاته. وقال الحافظ أبو نعيم (٨): حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدثنا بكر بن سهل (٩)، حدَّثنا عبد الغني بن سعيد، حدَّثنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، قال ابن عباس: اجتمعَ المشركون إلى رسولِ الله ﷺ ، منهم الوليدُ بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وزَمَعة بن الاْسود، والنضْر بن الحارث، ونظراؤهم، فقالوا للنبي ﷺ : إنْ كنت صادقًا فشُق لنا القمر فرقتَيْن، نصفًا على أبي قُبيس ونصفًا على قُعَيقعان. فقال لهم النبيُّ ﷺ : "إنْ فعلتُ تؤمنوا؟ " قالوا: نعم - وكانت ليلة بَدْر - فسأل اللهَ أنْ يُعطيَهُ ما سألوا، فأمسى القمَرُ قد مَثُلَ (١٠) نصفًا على أبي قُبيس، ونصفًا على قُعَيقِعان، ورسولُ الله ﷺ يُنادي: "يا أبا سلمة بن عبد الأسد، والأقم بن أبي الأرقم، اشْهَدُوا".

стр. 1331

ثم قال أبو نعيم (١): وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا الحسن بن العباس الرازي، عن الهيثم بن النعمان (٢)، حدَّثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جُريج، عن عطاء عن ابن عباس، قال: انتهى أهلُ مكة إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: هل من آيةٍ نعرف بها أنك رسولُ الله؟ فهبط جبرائيل فقال: يا محمد، قل لأهل مكَّةَ أَنْ يحتفلوا هذه الليلة فسَيَرَوْا آيةً إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسولُ الله ﷺ بمقالة جبرائيل فخرجوا [ليلة الشق] (٣)، ليلة أربعَ عشرة، فانشق القمرُ بنصفَيْن، نصفًا على الصَّفَا ونصفًا على المَرْوَة، فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثمَ أعادوا النظر فنظروا، ثمَّ مسحوا أعينهم ثمَّ نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحرٌ ذاهب (٤) فأنزل الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ثمَّ روى (٥) عن الضحاك، عن ابن عباس قال: جاءت أحبارُ اليهود إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: أرِنا آيةً حتى نؤمن بها. فسأل ربَّهُ فأراهم القمرَ قدِ انشق فصار نصفين (٦) أحدهما على الصَّفَا، والآخر على المَرْوَة، قَدْرَ ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثمَّ غاب. فقالوا: هذا سحرٌ مستمر (٧). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٨): حدَّثنا أحمد بن عمرو البزَّار (٩)، حدَّثنا محمد بن يحيى القُطَعي، حدَّثنا محمد بن بكر، حدَّثنا ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، قال: كَسَفَ القمَرُ على عهد رسولِ الله ﷺ فقالوا: سحر القمر. فنزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]. وهذا إسنادٌ جيِّد، وفيه أنه كَسَف تلك الليلة، فلعلَّه حصل له انشقاقٌ في ليلةِ كُسوفه، ولهذا خَفِيَ أمْرُه على كثيرٍ من أهل الأرض، [ولعلَّ ذلك في بعض ليالي الشتاء حيث يكون أكثر الناس في البيوت، أو ستره غَيْمٌ عن كثير من الأرض] (١٠)، ومع هذا قد شوهد ذلك في كثيرٍ من بقاعِ الأرض. ويقال: إنه أُرِّخ ذلك في بعضِ بلاد الهند، وبُني بناء تلك الليلة وأُرِّخ بليلةِ انشقاق القمر.

стр. 1332

وأما ابنُ عمر فقال الحافظ البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصمّ، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدَّثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشق فِلْقَتَيْن (٢)، فِلْقَة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ اشْهَدْ". رواه مسلم والترمذي من طرق (٣)، [عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد] (٤)، به. قال مسلم (٥): كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي (٦): هذا حديث حسن صحيح. وأما عبد الله بن مسعود فقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ شقتَيْن حتى نظروا إليه، فقال رسولُ الله ﷺ : "اشهدوا". وهكذا أخرجاه (٨) من حديث سفيان - وهو ابنُ عيينة - به. ومن (٩) حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود (١٠) قال: انشقَّ القمرُ ونحنُ مع رسولِ الله ﷺ بمنى، فقال النبيُّ ﷺ : "اشهَدُوا" وذهبَتْ فِرْقَة نحو الجبل. (لفظ

стр. 1333

البخاري)، ثم قال البخاري: وقال أبو الضُّحَى (١) عن مسروق عن عبد الله " [انشقَّ] بمكة". وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله ﵁. وقد أسند أبو داود الطيالسي حديثَ أبي الضُّحى عن مسروق [ذلك في "مسنده (٢) " فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق] (٣)، عن عبد الله بن مسعود. قال: انشقَّ القمر على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابنِ أبي كبشة، فقالوا: انظروا (٤) ما يأتيكم به السُّفَّار، فإنَّ محمدًا لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناسَ كلَّهم. قال: فجاء السُّفَّار فقالوا ذلك. وقال البيهقي (٥): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [ثنا أبو العباس] (٦)، حدَّثنا العباسُ بن محمد الدُّوريّ، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا مغيرة، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فِرْقَتَيْن، فقال كفَّار قريش لأهل مكة: هذا سِحْر، سحركم به ابنُ أبي كَبْشَة، انظروا السُّفَّار، فإنْ كانوا رأَوْا ما رأيتم فقد صدق، وإنْ كانوا لم يرَوْا مثل ما رأيتم فهو سِحْرٌ سحركم به. قال: فسُئل السُّفَّار، قال: وقد وقدِموا من كلِّ وجهه (٧)، فقالوا: رأينا. وهكذا رواه [ابنُ جرير (٨) من حديث المغيرة، وزاد: فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. رواهُ] (٩) أبو نعيم من حديث جابر (١٠) عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق عن عبد الله، به. وقال الإمام أحمد (١١): حدَّثنا مؤمَّل، حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ حتى رأيتُ الجبل من بينِ فُرْجتَي القمر.

стр. 1334

وهكذا رواه ابنُ جرير (١) من حديث أسباط، عن سماك به. وقال الحافظ أبو نعيم (٢): حدَّثنا أبو بكر الطَّلْحي، حدَّثنا أبو حَصِين محمد بن الحسين الوادِعي، حدَّثنا يحيى الحِمَّاني، حدَّثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ بمنى فانشقَّ القمر، حتى صار فِرْقَتَيْن فتوارت، فِرْقة خلْف الجَبَل، فقال النبيُّ ﷺ : "اشهدوا، اشهدوا" (٣). وقال أبو نعيم (٤): حدَّثنا سليمان بن [أحمد، حدَّثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدَّثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا الليث بن] (٥) سعد، حدَّثنا هشام بن سعد، عن عتبة، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمَر ونحن بمكَّة، [فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة] (٥). وحدَّثنا (٦) أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: انشقَّ القمرُ بمكَّة، فرأيتُه فِرْقَتَيْن. ثم روى (٤) من حديث علي بن سعيد بن مسروق، حدَّثنا موسى بن عمير، عن منصور بن المعتمر، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، قال: رأيتُ القمرَ واللهِ منشقًا باثنتَيْن بينهما حِرَاء. وروى أبو نعيم (٤) من طريق السُّدِّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. قال: انشق القمر فِلْقَتَيْن. فِلْقَةٌ ذهبَتْ، وفلقةٌ بقيتْ. قال ابنُ مسعود: لقد رأيتُ جبلَ حِرَاء بين فِلْقَتي القمر، فذهبَتْ فِلْقَة. فتعجَّب أهلُ مكَّة من ذلك وقالوا: هذا سحرٌ مصنوع، سيذهب. وقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد. قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فصار فرقتَيْن، فقال النبيُّ ﷺ لأبي بكر: "اشْهَدْ (٧) يا أبا بكر". وقال المشركون: سحرَ القمرَ حتى انشقَّ. فهذه طرقٌ متعدِّدةٌ، قويَّةُ الأسانيد، تفيد القَطْع لمن تأمَّلها وعرف عدالة رجالها. وما يذكُره بعضُ القُصَّاص من أنَّ القمر سقط إلى الأرض حتى دَخَلَ في كُمِّ النبيِّ ﷺ وخرج من الكُمِّ الآخر فلا أصلَ له،

стр. 1335

وهو كذبٌ مُفْتَرى ليس بصحيح. والقمر حين انشقّ لم يزايلِ السماء، غيرَ أنه حين أشار إليه النبيُّ ﷺ انشقَّ عن إشارته، فصار فرقتَيْن، فسارَت واحدة حتى صارت من وراء حِراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابنُ مسعود أنه شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد (١): فانشق القمر بمكة مرَّتين فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتَيْن. والله أعلم. فصل وفاة أبي طالب عمِّ رسول الله ﷺ - ثم من بعده خديجة بنت خُويلد زوجة رسولِ الله ﷺ ورضي الله عنها. وقيل: بل هي تُوفِّيت قبله والمشهور الأول. وهما المُشْفِقان، هذاك (٢) في الظاهر وهذه في الباطن؛ هذاك كافر، وهذه مؤمنة صِدِّيقة ﵂ وأرضاها. قال ابنُ إسحاق (٣): ثم إنَّ خديجة وأبا طالب هَلَكا في عام واحد، فتتابعَتْ على رسولِ الله ﷺ المصائب بهُلْكِ خديجة، وكانت له وزيرَ صِدْق على الإسلام (٤)، يسكنُ إليها، وبهُلْكِ عمِّه أبي طالب، وكان له عَضُدًا وحِرْزًا في أمره، ومَنَعةً وناصرًا على قومه. وذلك قبلَ مُهَاجره إلى المدينة بثلاثِ سنين، فلما هَلَك أبو طالب، نالتْ قريش من رسولِ الله ﷺ من الأذى ما لم تكنْ تطمَعُ به في حياة أبي طالب حتى اعترضَهُ سفيهٌ من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تُرابًا. فحدَّثني هشامُ بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسولُ الله ﷺ بيتَه والترابُ على رأسه، فقامتْ إليه إحدى بناته، فجعلتْ تغسلُه وتبكي، ورسولُ الله ﷺ لا يبكي يقول: "لا تبكي يا بُنَيَّة، فإنَّ الله مانعٌ أباك". ويقول بين ذلك: "ما نالَتْني قريش شيئًا أكرهه (٥) حتى مات أبو طالب". وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أنَّ أحدهم ربما طرح الأذى في بُرْمَتِه (٦) ﷺ إذا نُصِبَتْ له. قال: فكان إذا فعلوا ذلك كما حدَّثني عمر بن عبد الله، عن عروة، يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه، فيقف [به] (٧) على بابه ثم يقول: "يا بني عبد مناف، أيُّ جوارٍ هذا"؟! ثم يلقيه في الطريق.
следующие страницы →