← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ثم قال أبو نعيم (١): وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا الحسن بن العباس الرازي، عن الهيثم بن النعمان (٢)، حدَّثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جُريج، عن عطاء عن ابن عباس، قال: انتهى أهلُ مكة إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: هل من آيةٍ نعرف بها أنك رسولُ الله؟ فهبط جبرائيل فقال: يا محمد، قل لأهل مكَّةَ أَنْ يحتفلوا هذه الليلة فسَيَرَوْا آيةً إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسولُ الله ﷺ بمقالة جبرائيل فخرجوا [ليلة الشق] (٣)، ليلة أربعَ عشرة، فانشق القمرُ بنصفَيْن، نصفًا على الصَّفَا ونصفًا على المَرْوَة، فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثمَ أعادوا النظر فنظروا، ثمَّ مسحوا أعينهم ثمَّ نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحرٌ ذاهب (٤) فأنزل الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ثمَّ روى (٥) عن الضحاك، عن ابن عباس قال: جاءت أحبارُ اليهود إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: أرِنا آيةً حتى نؤمن بها. فسأل ربَّهُ فأراهم القمرَ قدِ انشق فصار نصفين (٦) أحدهما على الصَّفَا، والآخر على المَرْوَة، قَدْرَ ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثمَّ غاب. فقالوا: هذا سحرٌ مستمر (٧). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٨): حدَّثنا أحمد بن عمرو البزَّار (٩)، حدَّثنا محمد بن يحيى القُطَعي، حدَّثنا محمد بن بكر، حدَّثنا ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، قال: كَسَفَ القمَرُ على عهد رسولِ الله ﷺ فقالوا: سحر القمر. فنزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]. وهذا إسنادٌ جيِّد، وفيه أنه كَسَف تلك الليلة، فلعلَّه حصل له انشقاقٌ في ليلةِ كُسوفه، ولهذا خَفِيَ أمْرُه على كثيرٍ من أهل الأرض، [ولعلَّ ذلك في بعض ليالي الشتاء حيث يكون أكثر الناس في البيوت، أو ستره غَيْمٌ عن كثير من الأرض] (١٠)، ومع هذا قد شوهد ذلك في كثيرٍ من بقاعِ الأرض. ويقال: إنه أُرِّخ ذلك في بعضِ بلاد الهند، وبُني بناء تلك الليلة وأُرِّخ بليلةِ انشقاق القمر.

стр. 1332

وأما ابنُ عمر فقال الحافظ البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصمّ، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدَّثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشق فِلْقَتَيْن (٢)، فِلْقَة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ اشْهَدْ". رواه مسلم والترمذي من طرق (٣)، [عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد] (٤)، به. قال مسلم (٥): كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي (٦): هذا حديث حسن صحيح. وأما عبد الله بن مسعود فقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ شقتَيْن حتى نظروا إليه، فقال رسولُ الله ﷺ : "اشهدوا". وهكذا أخرجاه (٨) من حديث سفيان - وهو ابنُ عيينة - به. ومن (٩) حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود (١٠) قال: انشقَّ القمرُ ونحنُ مع رسولِ الله ﷺ بمنى، فقال النبيُّ ﷺ : "اشهَدُوا" وذهبَتْ فِرْقَة نحو الجبل. (لفظ

стр. 1333

البخاري)، ثم قال البخاري: وقال أبو الضُّحَى (١) عن مسروق عن عبد الله " [انشقَّ] بمكة". وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله ﵁. وقد أسند أبو داود الطيالسي حديثَ أبي الضُّحى عن مسروق [ذلك في "مسنده (٢) " فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق] (٣)، عن عبد الله بن مسعود. قال: انشقَّ القمر على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابنِ أبي كبشة، فقالوا: انظروا (٤) ما يأتيكم به السُّفَّار، فإنَّ محمدًا لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناسَ كلَّهم. قال: فجاء السُّفَّار فقالوا ذلك. وقال البيهقي (٥): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [ثنا أبو العباس] (٦)، حدَّثنا العباسُ بن محمد الدُّوريّ، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا مغيرة، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فِرْقَتَيْن، فقال كفَّار قريش لأهل مكة: هذا سِحْر، سحركم به ابنُ أبي كَبْشَة، انظروا السُّفَّار، فإنْ كانوا رأَوْا ما رأيتم فقد صدق، وإنْ كانوا لم يرَوْا مثل ما رأيتم فهو سِحْرٌ سحركم به. قال: فسُئل السُّفَّار، قال: وقد وقدِموا من كلِّ وجهه (٧)، فقالوا: رأينا. وهكذا رواه [ابنُ جرير (٨) من حديث المغيرة، وزاد: فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. رواهُ] (٩) أبو نعيم من حديث جابر (١٠) عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق عن عبد الله، به. وقال الإمام أحمد (١١): حدَّثنا مؤمَّل، حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ حتى رأيتُ الجبل من بينِ فُرْجتَي القمر.

стр. 1334

وهكذا رواه ابنُ جرير (١) من حديث أسباط، عن سماك به. وقال الحافظ أبو نعيم (٢): حدَّثنا أبو بكر الطَّلْحي، حدَّثنا أبو حَصِين محمد بن الحسين الوادِعي، حدَّثنا يحيى الحِمَّاني، حدَّثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ بمنى فانشقَّ القمر، حتى صار فِرْقَتَيْن فتوارت، فِرْقة خلْف الجَبَل، فقال النبيُّ ﷺ : "اشهدوا، اشهدوا" (٣). وقال أبو نعيم (٤): حدَّثنا سليمان بن [أحمد، حدَّثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدَّثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا الليث بن] (٥) سعد، حدَّثنا هشام بن سعد، عن عتبة، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمَر ونحن بمكَّة، [فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة] (٥). وحدَّثنا (٦) أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: انشقَّ القمرُ بمكَّة، فرأيتُه فِرْقَتَيْن. ثم روى (٤) من حديث علي بن سعيد بن مسروق، حدَّثنا موسى بن عمير، عن منصور بن المعتمر، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، قال: رأيتُ القمرَ واللهِ منشقًا باثنتَيْن بينهما حِرَاء. وروى أبو نعيم (٤) من طريق السُّدِّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. قال: انشق القمر فِلْقَتَيْن. فِلْقَةٌ ذهبَتْ، وفلقةٌ بقيتْ. قال ابنُ مسعود: لقد رأيتُ جبلَ حِرَاء بين فِلْقَتي القمر، فذهبَتْ فِلْقَة. فتعجَّب أهلُ مكَّة من ذلك وقالوا: هذا سحرٌ مصنوع، سيذهب. وقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد. قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فصار فرقتَيْن، فقال النبيُّ ﷺ لأبي بكر: "اشْهَدْ (٧) يا أبا بكر". وقال المشركون: سحرَ القمرَ حتى انشقَّ. فهذه طرقٌ متعدِّدةٌ، قويَّةُ الأسانيد، تفيد القَطْع لمن تأمَّلها وعرف عدالة رجالها. وما يذكُره بعضُ القُصَّاص من أنَّ القمر سقط إلى الأرض حتى دَخَلَ في كُمِّ النبيِّ ﷺ وخرج من الكُمِّ الآخر فلا أصلَ له،

стр. 1335

وهو كذبٌ مُفْتَرى ليس بصحيح. والقمر حين انشقّ لم يزايلِ السماء، غيرَ أنه حين أشار إليه النبيُّ ﷺ انشقَّ عن إشارته، فصار فرقتَيْن، فسارَت واحدة حتى صارت من وراء حِراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابنُ مسعود أنه شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد (١): فانشق القمر بمكة مرَّتين فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتَيْن. والله أعلم. فصل وفاة أبي طالب عمِّ رسول الله ﷺ - ثم من بعده خديجة بنت خُويلد زوجة رسولِ الله ﷺ ورضي الله عنها. وقيل: بل هي تُوفِّيت قبله والمشهور الأول. وهما المُشْفِقان، هذاك (٢) في الظاهر وهذه في الباطن؛ هذاك كافر، وهذه مؤمنة صِدِّيقة ﵂ وأرضاها. قال ابنُ إسحاق (٣): ثم إنَّ خديجة وأبا طالب هَلَكا في عام واحد، فتتابعَتْ على رسولِ الله ﷺ المصائب بهُلْكِ خديجة، وكانت له وزيرَ صِدْق على الإسلام (٤)، يسكنُ إليها، وبهُلْكِ عمِّه أبي طالب، وكان له عَضُدًا وحِرْزًا في أمره، ومَنَعةً وناصرًا على قومه. وذلك قبلَ مُهَاجره إلى المدينة بثلاثِ سنين، فلما هَلَك أبو طالب، نالتْ قريش من رسولِ الله ﷺ من الأذى ما لم تكنْ تطمَعُ به في حياة أبي طالب حتى اعترضَهُ سفيهٌ من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تُرابًا. فحدَّثني هشامُ بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسولُ الله ﷺ بيتَه والترابُ على رأسه، فقامتْ إليه إحدى بناته، فجعلتْ تغسلُه وتبكي، ورسولُ الله ﷺ لا يبكي يقول: "لا تبكي يا بُنَيَّة، فإنَّ الله مانعٌ أباك". ويقول بين ذلك: "ما نالَتْني قريش شيئًا أكرهه (٥) حتى مات أبو طالب". وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أنَّ أحدهم ربما طرح الأذى في بُرْمَتِه (٦) ﷺ إذا نُصِبَتْ له. قال: فكان إذا فعلوا ذلك كما حدَّثني عمر بن عبد الله، عن عروة، يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه، فيقف [به] (٧) على بابه ثم يقول: "يا بني عبد مناف، أيُّ جوارٍ هذا"؟! ثم يلقيه في الطريق.

стр. 1336

قال ابن إسحاق (١): ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشًا ثِقَلُه قالت قريش بعضُها لبعض: إنَّ حمزة وعمر قد أسلما، وقد فَشَا أمْرُ محمدٍ في قبائل قريش كلِّها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فلْيأخُذ لنا على ابنِ أخيه ولْيُعْطِهِ منَّا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزُّونا أمْرَنا. قال ابنُ إسحاق: وحدثني العبّاسُ بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: لما مشَوْا إلى أبي طالب وكلَّموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة، وشَيْبَة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأُميَّة بن خلف، وأبو سفيان بن حَرْب، في رجالٍ من أشرافهم - فقالوا: يا أبا طالب، إنك منَّا حيثُ قد علمت، وقد حضَرَك ما ترى وتخوَّفنا عليك وقد علمتَ الذي بيننا وبين ابنِ أخيك فادْعُه فخُذْ لنا منه وخذْ له منَّا، ليكفَّ عنا ولنكفَّ عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشرافُ قومك قد اجتمعوا لك (٢)، ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم (٣)، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتَدينُ لكِم بها العَجَم". فقال أبو جهل: نعم، وأبيك وعشر كلمات. قال: "تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه". قال: فصفَّقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد أتريدُ أن تجعلَ الآلهة! إلهًا واحدًا؟! إنَّ أمرك لعَجَب! قال: ثم قال بعضُهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضُوا على دينِ آبائكم حتى يحكم الله بنيكم وبينه، ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب: والله يا ابنَ أخي، ما رأيتك سألتَهم شَطَطا. قال: فطمع رسولُ الله ﷺ فيه (٤)، فجعل يقول له: "أي عم، فأنتَ فقُلْها أستحلَّ لك بها الشفاعةَ يوم القيامة" فلما رأى حِرْصَ رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، والله لولا مخافة السُّبَّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظنَّ قُريش أني إنما قلتُها جَزعًا من الموت لقلتُها، لا أقولُها إلا لأسُرَّك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموتُ نظر العباسُ إليه يحرِّك شفتَيْه، فأصغَى إليه بإذنه، قال: فقال: يا ابنَ أخي، والله لقد قال أخي الكلمةَ التي أمرتَهُ أنْ يقولَها. قال فقال رسولُ الله ﷺ : "لم أسمَعْ" (٥).

стр. 1337

قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١ - ٢] الآيات. وقد تكلَّمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. وقد استدلَّ بعضُ مَنْ ذهب من الشيعة وغيرُهم من الغُلاة إلى أن أبا طالبٍ مات مسلمًا بقولِ العباس في هذا الحديث: يا ابنَ أخي، لقد قال أخي الكلمةَ التي أمرتَهُ أنْ يقولها - يعني لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه. أحَدُها أنَّ في السَّنَدِ مُبْهَمًا لا يُعرف حالُه، وهو قولُه: عن بعضِ أهلِه. وهذا إبهامٌ في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد؛ وقد روى الإمام أحمد والنسائي وابنُ جرير (١) نحوًا من هذا السياق من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، حدثنا عبّاد (٢)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، فذكره ولم يذكر قولَ العباس. ورواه الثوري أيضًا عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس، ورواه الترمذي وحسَّنه والنسائي وابنُ جرير أيضًا (٣). ولفظ الحديث من سياق البيهقي (٤) فيما رواه من طريق الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبيُّ ﷺ وعند رأسِ أبي طالب مَجْلسُ (٥) رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذلك. وشكَوْه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريدُ من قومك؟ فقال: "يا عم إنما أريد منهم كلمةً تَذِلُّ لهم بها العرب، وتؤدِّي إليهم بها الجزيةَ العجم، كلمة واحدة". قال؛ ما هي؟ قال: "لا إله إلا الله" قال: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] قال: ونزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].

стр. 1338

ثم قد عارضه - أعني سياقَ ابنِ إسحاق - ما هو أصحُّ منه، وهو ما رواه البخاري قائلًا (١): حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهري، عن ابن المُسَيِّب، عن أبيه ﵁، أنَّ أبا طالب لما حضرَتْهُ الوفاةُ دخلَ عليه النبيُّ ﷺ وعنده أبو جهل، فقال: "أيْ عم، قُلْ لا إله إلا الله، كلمةً أحاجُّ لكَ بها عند الله". فقال أبو جهل وعبدُ الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب (٢) عن ملَّةِ عبدِ المطلب؟ فلم يزالا يكلمانِهِ حتى قال آخر شيءٍ (٣) كلمهم به: على مِلَّةِ عبدِ المطلب. فقال النبيُّ ﷺ : "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك". فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. ورواه مسلم (٤) عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حُميد (٥) عن عبد الرزاق. وأخرجا (٦) أيضًا من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه بنحوه، وقال فيه: فلم يزَلْ رسولُ الله ﷺ يعرضُها عليها ويَعُودان له بتلك المقالة (٧)، حتى قال آخرَ ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب. وأبَى أنْ يقول لا إله إلا الله؛ فقال النبيُّ ﷺ : "أمَا [واللهِ] لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك". فأنزل الله - يعني بعد ذلك - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ونزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي (٨) والنسائي (٩)، من حديث يزيد بن كَيْسَان، عن

стр. 1339

أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا عماه، قُلْ لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" فقال: لولا أن تعيِّرَني قريش يقولون ما حمله عليه إلا جَزَع الموت لأقرَرْتُ بها عينَك، ولا أقولُها إلا لأقرَّ بها عينك. فأنزل الله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. وهكذا قال عبد الله بن عباس وابنُ عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلتْ في أبي طالب حين عَرَض عليه رسولُ الله ﷺ أن يقول لا إله إلا الله فأبى أن يقولها، وقال: هو على مِلَّة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملةِ عبد المطلب. ويؤكد هذا كلَّه ما قال البخاري (١): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، حدثنا عبد الله بنُ الحارث قال: حدثنا العباسُ بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبيِّ ﷺ : ما أغنيتَ عن عمِّك، فإنَّهُ كان يَحُوطُكَ ويَغْضَب لك (٢)؟ قال: "هو في ضَحْضَاحٍ من نار، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْك الأسفل من النار". ورواه مسلم في صحيحة (٣) من طرق عن عبد الملك بن عُمير به. وأخرجاه في الصحيحَيْن (٤)، من حديث اللَّيث، حدثني ابنُ الهادِ عن عبد الله بن خَبَّاب، عن أبي سعيدٍ أنه سمع النبيَّ ﷺ وذُكر عنده عمُّه فقال: "لعله تنفَعُه شفاعتي يومَ القيامة، فيُجْعَل في ضَحْضاحٍ من النارِ يبلغُ كَعْبَيْه يَغْلي منهُ دماغُه". (لفظ البخاري). وفي رواية (٥): "يغلي منه أمُّ دِماغِهِ". وروى مسلم (٦) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن عفَّان، عن حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أهْوَنُ أهْلِ النارِ عذابًا أبو طالب، مُنْتَعِلٌ بنعلَيْن (٧) يَغْلِي منهما دماغُه".

стр. 1340

وفي مغازي يونس بن بُكير (١): "يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه". ذكره السُّهيلي (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزَّار في "مسنده" (٣) حدَّثنا عمر (٤) - هو ابن إسماعيل بن مُجَالد - حدَّثنا أبي عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ أو قيل له - هل نفعتَ أبا طالب؟ قال: "أخرجتُه من النار إلى ضَحْضَاحٍ منها". تفرَّد به البزَّار. قال السُّهيلي (٥): وإنما لم يقبلِ النبيُّ ﷺ شهادةَ العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: "لم أسمع" لأنَّ العباس كان إذْ ذلك كافرًا غيرَ مقبول الشهادة. قلت: وعندي أنَّ الخبر بذلك ما صحَّ لضعفِ سنده كما تقدَّم. ومما يدلُّ على ذلك أنه سأل النبيَّ ﷺ بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدَّم، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفعُ نفسًا إيمانُها، والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسي (٦): حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعتُ ناجية بن كعب يقول: سمعت (٧) عليًا يقول: لما تُوفي أبي أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: إنَّ عمَّك قد توفي. فقال: "اذهبْ فَوارِه" فقلت: إنَّه مات مشركًا. فقال: "اذهبْ فوارِه، ولا تحدثنَّ شيئًا حتى تأتِيَني (٨) ". ففعلتُ ثم أتيتُه، فأمرني أنْ أغتسل. ورواه النسائي (٩)، عن محمد بن المثنى، عن غُنْدَر (١٠)، عن شعبة. ورواه أبو داود والنسائي (١١) من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجيةَ، عن علي: لما ماتَ أبو طالب قلت: يا رسول الله، إنَّ عمَّك الشيخَ الضَّالَّ قد مات فَمَنْ يُواريه؟ قال: "اذْهَبْ فوارِ أباك،

стр. 1341

ولا تحدثَنَّ شيئًا حتى تأتيني" فأتيتُه (١)، فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي (٢) بدعواتٍ ما يسرُّني أنَّ لي بهنَّ ما على الأرض من شيء. وقال الحافظ البيهقي (٣): أخبرنا أبو سعد الماليني، حدَّثنا أبو أحمد بن عديّ، حدَّثنا محمد بن هارون بن حُميد، حدَّثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، حدَّثنا الفضل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ عارَضَ (٤) جنازة أبي طالب فقال: "وصلَتْكَ رَحِم، وجُزيتَ خيرًا يا عم". قال: وروي عن أبي اليمَان الهوزني، عن النبي ﷺ مرسلًا وزاد: "ولم يقُمْ على قبره". قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخُوَارَزْمي تكلَّموا فيه. قلت: قد روى عنه غيرُ واحدٍ، منهم الفضل بن موسى السِّينَاني (٥) ومحمد بن سلام البِيكَنْدي، ومع هذا قال ابنُ عدس (٦): ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل مَنْ روى عنه ليست بمستقيمة. وقد قدَّمنا ما كان يتعاطاهُ أبو طالب من المحاماة والمُحَاجَّة والممانعة عن رسولِ الله ﷺ والدفعِ عنه وعن أصحابه، وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودَّة والمحبَّة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها، وما تضمنَتْه من العَيْب والتنقُّصِ لمن خالفه وكذَّبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية، التي لا تُدانى ولا تُسامَى ولا يمكن عربيًا مقاربتُها ولا معارضتُها، وهو في ذلك كلِّه يعلم أنَّ رسول الله ﷺ صادقٌ بارٌّ راشد، ولكنْ مع هذا لم يؤمنْ قلبُه. وفرَّق بين علم القلب وتصديقه كما قرَّرْنا ذلك في شرح كتابِ الإيمان من صحيح البخاري؛ وشاهدُ ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى في قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقولُ بعضِ السلف في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعاء: ٢٦] أنها نزلتْ في أبي طالب حيث كان يَنْهَى الناسَ عن أذيَّة رسولِ الله ﷺ ويَنْأى هو عمَّا جاء به الرسولُ من الهُدَى ودينِ الحق. فقد روي عن ابنِ عباس، والقاسم بن

стр. 1342

مُخَيْمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر. والله أعلم. والأظهر والله أعلم الرواية الأخرى عن ابن عباس؛ وهم ينهَوْنَ الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحَّاك وغير واحد - وهو اختيارُ ابنِ جرير - وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذمِّ المشركين حيث كانوا يصدُّون الناسَ عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضًا به. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٥ و ٢٦] وهذا اللفظ وهو قوله ﴿وَهُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ المراد بهذا جماعة، وهم المذكورونَ في سياقِ الكلام في قوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] يدلُّ على تمامِ الذَّم. وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصُدُّ الناسَ عن أذيَّةِ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه بكلِّ ما يقدِرُ عليه من فعالٍ ومقال، ونفسٍ ومال. ولكنْ مع هذا لم يقدِّرِ الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحُجَّة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا اللهُ عنه من الاستغفار للمشركينَ لاستغفرْنا لأبي طالب وترحَّمنا عليه. فصل في موت (١) خديجة بنت خُوَيْلِد وذكرِ شيءٍ من فضائلها ومناقبها ﵂ وأرْضاها، وجعل جناتِ الفردوس مُنْقَلَبَها ومَثْواها. وقد فعل ذلك لا محالةَ بخبرِ الصادقِ المصدوق حيث بشَّرَها ببيتِ في الجنَّة من قصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نصَب. قال يعقوب بن سفيان (٢): حدَّثنا أبو صالح، حدَّثنا الليث، حدَّثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: قال عروة بن الزُّبير: وقد كانت خديجةُ توفِّيت قبل أنْ تُفرض الصلاة. ثمَّ روى من وجهٍ آخر عن الزُّهْرِي أنه قال: توفِّيت خديجة بمكة قبل خروجِ رسولِ الله ﷺ إلى المدينة، وقبل أنْ تفرض الصلاة. وقال محمد بن إسحاق (٣): ماتتْ خديجةُ وأبو طالب في عام واحد. وقال البيهقي (٤): بلغني أنَّ خديجة توفيت بعد موتِ أبي طالب بثلاثة أيام. ذكره أبو عبد الله بن مَنْدَه

стр. 1343

في كتاب المعرفة (١)، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قال البيهقي (٢): وزعم الواقدي أنَّ خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عامَ خرجوا من الشِّعْب، وأنَّ خديجة توفيتْ قبل أبي طالب بخمسٍ وثلاثين ليلة. قلت: مرادُهم قبل أن تُفرض الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراء، وكان الأنسب بنا أن نذكرَ وفاةَ أبي طالب وخديجة قبلَ الإسراء كما ذكرَهُ البيهقي وغير واحد، ولكنْ أخَّرْنا ذلك عن الإسراء، لمقصدٍ ستطلع عليه بعد ذلك، فإنَّ الكلام به ينتظم، ويتسق الباب كما تقفُ على ذلك إنْ شاء الله (٣). وقال البخاري (٤): حدَّثنا قُتيبة، حدَّثنا محمد بن فُضيل بن غَزْوان، عن عُمارة عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناءٌ فيه إدامٌ - أو طعامٌ أو شراب - فإذا هي أتَتْك فاقرَأْ ﵍ من ربِّها ومنِّي، وبشِّرْها ببيتٍ في الجنَّة من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب. وقد رواه مسلم (٥) من حديث محمد بن فُضَيل به. وقال البخاري (٦): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيل قال: قلتُ لعبد الله بن أبي أوْفَى: بشَّرَ النبيُّ ﷺ خديجة؟ قال: نعم، ببيتٍ من قَصَب، لا صَخَبَ فيهِ ولا نَصَب. ورواه البخاري أيضًا ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به (٧). قال السهيلي (٨): وإنما بشَّرها ببيتٍ في الجنة من قصَب - يعني قصَبَ اللُّؤلؤ - لأنها حازَتْ قَصْبَ السَّبَق إلى الإيمان، لا صَخَب فيه ولا نصَب، لأنها لم ترفعْ صوتَها على النبي ﷺ ، ولم تُتْعِبْهُ يومًا من الدَّهْر، فلم تصخَبْ عليه يومًا، ولا آذته أبدًا. وأخرجاه في الصحيحَيْن (٩) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها

стр. 1344

قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ للنبي ﷺ ما غرتُ على خَدِيجة، وهلكَتْ قبل أن يتزوَّجني- لِمَا كنتُ أسمعهُ يذكرُها، وأمرَهُ اللهُ أنْ يُبَشِّرَها ببيتٍ (١) من قصب. وإنْ كان ليذبَحُ الشاةَ فيُهْدِي في خلائلها منها ما يسَعُهنّ. (لفظ البخاري). وفي لفظٍ (٢) عن عائشة: ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غرْتُ على خديجة من كثرة ذِكْرِ رسولِ الله ﷺ إياها. قالت: وتزوَّجني بعدها بثلاثِ سنين، وأمرَهُ ربُّه -أو جبريل- أن يُبشِّرَها ببيتٍ في الجنَّة من قصَب. وفي لفظٍ له (٣) قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبيِّ ﷺ ما غرتُ على خديجة -وما رأيتُها- ولكنْ كان [النبي ﷺ ] يُكثر ذكْرَها، وربما ذبح الشاةَ فيقطِّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائقِ خديجة، فربما قلت [له]: كأنه لم يكن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة! فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها وَلَد". ثم قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا عليُّ بن مُسْهِر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: استأذنَت هالَةُ بنتُ خُويلد: -أخت خديجة- على رسولِ الله ﷺ فعَرَفَ استئذانَ خديجة، فارتاعَ [لذلك] فقال: "اللهمَّ هالة". فغِرْتُ فقلت ما تذكرُ من عجوزٍ من عجائز قريش، حمراء الشِّدْقين هلكَتْ في الدهر، أبدلك اللهُ خيرًا منها. وهكذا رواه مسلم (٤) عن سُويد بن سعيد، عن عليِّ بن مُسْهِر به. وهذا ظاهرٌ في التقريرِ على أنَّ عائشةَ خيرٌ من خديجة، إمَّا فضلًا وإما عِشْرَةً. إذْ لم يُنكرْ عليها ولا ردَّ عليها ذلك، كما هو ظاهرُ سياقِ البخاري ﵀ ولكن قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا مؤمَّل أبو عبد الرحمن، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن عبد الملك -هو ابنُ عُمير- عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ يومًا خديجةَ فأطنبَ في الثناء عليها، فأدركني ما يُدركُ النساءَ من الغيرة، فقلت: لقد أعقبكَ اللهُ يا رسول الله، من عجوزٍ من عجائزِ قريش حمراء الشدقين. قال: فتغيَّرَ وجْهُ رسولِ الله ﷺ تغيُّرًا لم أرَهُ تغيَّر عند شيءٍ قط إلا عند نزول الوَحْي، أو عند المَخِيلة (٦) حتى يعلم، رحمةٌ أو عذاب (٧). وكذا رواهُ عن بَهْزِ بن أسد وعفَّان (٨) بن مسلم، كلاهما عن حمَّاد بن سَلَمَة، عن عبد الملك بن

стр. 1345

عُمير به. وزاد بعد قوله: حمراء الشدقَيْن؛ هلكتْ في الدهر الأول. قال: فتمعَّرَ وجهُه تمعُّرًا ما كنتُ أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخِيلة، حتى ينظر، أرحمةٌ أو عذاب. تفرَّد به أحمد. وهذا إسنادٌ جيِّد. وقال الإمام أحمد (١) أيضًا عن [علي] بن إسحاق أخبرنا عبد الله [قال]: أخبرنا مجالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا ذكرَ خديجةَ أثْنَى عليها بأحسن (٢) الثناء. قالت: فغِرْتُ يومًا فقلت: ما أكثرَ ما تذكرُها حمراء الشدقين (٣) قد أبدلك الله خيرًا منها. قال: "ما أبدلني اللهُ خيرًا منها، قد آمنتْ بي إذْ كفَرَ بي الناس، وصدَّقَتْني إذْ كذَّبني الناس، وواستني (٤) بمالها إذْ حرَمني الناس، ورزقني الله ولدها إذْ حرمني أولادَ النساء". تفرَّد به أحمد أيضًا، وإسنادهُ لا بأس به، ومجالد روى له مسلم متابعةً، وفيه كلامٌ مشهور، والله أعلم. ولعل هذا أعني قوله: "ورزقني الله ولدَها إذْ حرمني أولاد النساء" كان قبل أن يُولد إبراهيم بنُ النبيِّ ﷺ من مَاريَة، وقبل مَقْدَمها بالكلِّيَّة، وهذا متعيِّن، فإنَّ جميع أولادِ النبيِّ ﷺ كما تقدَّم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فإنَّهُ من ماريَةَ القبطيَّة المصرية ﵂. وقد استدلَّ بهذا الحديث جماعةٌ من أهل العلم على تفضيل خديجةَ على عائشة ﵂ وأرضاها. وتكلَّم آخرون في إسناده، وتأوَّله آخرون على أنها كانتْ خيرًا عشرةً، وهو محتملٌ أو ظاهر. وسببه أنَّ عائشة تمَّت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها: قد أبدلك الله خيرًا منها أنها تزكِّي نفسها وتفضِّلها على خديجة، فإنَّ هذا أمرٌ مَرْجِعه إلى الله عر وجلَّ كما قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩] الآية. وهذه مسألةٌ وقع النزاعُ فيها بين العلماء قديمًا وحديثًا وبجانبها طرقٌ يقتصر عليها أهل التشيُّع وغيرهم، لا يعدِلون بخديجةَ أحدًا من النساء، لسلام الربِّ عليها، وكونِ ولدِ النبيِّ ﷺ جميعهم - إلا إبراهيم - منها. وكونِه لم يتزوَّج عليها حتى ماتتْ إكرامًا لها، وتقدُّم (٥) إسلامها، وكونها من الصدِّيقات، ولها مقامُ صدْقٍ في أول البِعْثَة. وبذلَتْ نفسَها ومالَها لرسولِ الله ﷺ . وأمَّا أهلُ السُّنَة، فمنهم من يَغْلُو أيضًا ويُثبتُ لكلِّ واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكنْ

стр. 1346

تحمِلُهم قوةُ التسنُّن على تفضيلِ عائشةَ لكونها ابنةَ الصدِّيق، ولكونها أعلمَ من خديجة فإنه لم يكنْ في الأُمم مثل عائشة في حفظِها وعلمِها وفصاحتها وعقلِها، ولم يكنِ الرسولُ يحبُّ أحدًا من نسائه كمحبَّتِه إيَّاها، ونزلَتْ براءتُها من فوق سبعِ سموات، وروَتْ بعده عنه ﵇ علمًا جمًّا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيه، حتى قد ذكر كثيرٌ من الناس الحديثَ المشهور "خُذُوا شَطْرَ دينِكُمْ عن الحُمَيْرَاء" (١). والحق أنَّ كلًّا منهما لها من الفضائل (٢) ما لو نظر الناظرُ فيه لبَهَرَهُ وحيَّرَهُ، والأحسن التوقُّف في ذلك وردُّ علم ذلك إلى الله . ومن ظهر له دليلٌ يقطَعُ به، أو يغلِبُ على ظنِّه في هذا الباب، فذاك الذي يجبُ عليه أن يقول بما عنده من العلم، ومن حصل له توقُّفٌ في هذه المسألة أو في غيرها فالطريقُ الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول: الله أعلم. وقد روى الإمامُ أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ نسائِها مريم بنتُ عمران، وخير نسائها خديجةُ بنتُ خويلد" أي: خير زمانهما (٤). وروى شعبة عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كَمَلَ من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا (٥) ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأةُ فرعون، وخديجة بنت خُويلد؛ وفضلُ عائشة على النساء كفضل الثَّريد على سائرِ الطعام". رواه ابنُ مردويه في تفسيره. وهذا إسنادٌ صحيح إلى شعبة وبعدَه. قالوا: والقَدْر المشترك بين الثلاث نسوة؛ آسية ومريم وخديجة، أنَّ كلًّا منهن كفَلَتْ نبيًّا مرسلًا وأحسنتِ الصُّحْبة في كفالتها وصدَّقَتْه. فآسيةُ ربَّتْ موسى وأحسنتْ إليه، وصدَّقَتْه حين بُعث؛ ومريم كفَلَتْ ولدَها أتمَّ كفالة وأعظمَها، وصدَّقته حين أُرسل؛ وخديجة رَغِبتْ في تزويجِ رسولِ الله ﷺ بها وبذلَتْ في ذلك أموالها كما تقدَّم وصدَّقته حين نَزَل عليه الوَحْي من الله . وقوله "وفضل عائشة على النساءِ كفضل الثريدِ على سائرِ الطعام" هو ثابتٌ في الصحيحَيْن (٦) من طريق شعبة أيضًا عن عمرو بن مُرَّة، عن مرَّة الطيِّب الهَمْدَاني، عن أبي موسى

стр. 1347

الأشعري قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كَمَلَ من الرجالِ كثير، ولم يَكْمُلْ من النساءِ إلا آسِيَةُ امرأةُ فِرْعَون، ومريمُ بنتُ عمران؛ وإنَّ فضلَ عائشة على النساءِ كفضْل الثريدِ على سائر الطعام" والثَّريد: هو الخبز واللَّحْم جميعًا، وهو أفخر طعامِ العَرَب كما قال بعضُ الشعراء: إذا ما الخبزُ تَأدِمُهُ بلحْمٍ … فذاكَ، أمانة الله، الثريدُ ويحتمل (١) قوله: "وفضلُ عائشةَ على النساءِ" أنْ يكون عامًّا (٢) فيعم النساء المذكورات وغيرَهنَّ، ويحتمل أن يكون مخصوصًا (٣) فيما عداهن، ويَبْقى الكلامُ فيها وفيهنّ موقوفًا يحتملُ التسوية بينهن، فيحتاج من رجَّح واحدةً منهنّ على غيرِها إلى دليل خارج (٤)، والله أعلم. فصل في تزويجه ﷺ بعد خديجة ﵂ بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زَمَعَة ﵂ والصحيح أنَّ عائشةَ تزوَّجها أولًا كما سيأتي، قال البخاري في تزويج عائشة (٥): حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسد، حدَّثنا وُهيب عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: "أُريتكِ في المنام مرَّتَيْن، أرَى أنَّكِ في سَرَقةٍ من حَرِير (٦)، ويقول: هذه امرأتك، فاكشفْ عنها، فإذا هي أنتِ، فأقول: إن كان (٧) هذا من عند الله يُمْضِه". قال البخاري باب نكاح الأبكار (٨): وقال ابنُ أبي مُليكة: قال ابنُ عباس لعائشة: لم ينكحِ النبيُّ ﷺ بكرًا غيرَكِ: حدَّثنا (٩) إسماعيل بن عبد الله، حدَّثني أخي (١٠)، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن

стр. 1348

عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قلتُ يا رسولَ الله: أرأيتَ لو نزلتَ واديًا وفيه شجرةٌ قد أُكل منها، ووجدتَ شجرةً لم يُؤكلْ منها، في أيِّها كنتَ تُرْتِعُ بعيرك؟ قال: "في التي لم يرتَعْ منها" تعني (١) أنَّ النبيَّ ﷺ لم يتزوَّجْ بكرًا غيرها. انفرد به البخاري ثم قال (٢): حدَّثنا عُبيد بنُ إسماعيل، حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ "أُريتك في المنام [مرَّتين، إذا رجلٌ يحملك في سرَقَةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك. فأكشفُها فإذا هي أنتِ، فأقول: إنْ كان (٣) هذا من عند الله يُمضِه". ورواه مسلم (٤) من طريق هشام بن عروة به. ورواه البخاري في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج (٥): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أُريتُكِ في المنام] (٦) يَجِيء (٧) بكِ الملَكُ في سَرَقةٍ من حَرير فقال لي: هذه امرأتُك. فكشفتُ عن وجهكِ الثوبَ فإذا أنتِ هي (٨)، فقلت إنْ يكُ (٩) هذا من عند الله يُمْضِه". وفي رواية (١٠): "أُريتُكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ". وعند الترمذي (١١): أن جبريلَ جاءَهُ بصورتِها في خِرْقَةٍ من حَرير خَضْرَاء فقال: هذه زوجتُك في الدنيا والآخرة. وقال البخاري باب تزويج الصغار من الكبار (١٢): حدَّثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا الليث عن يزيد،

стр. 1349

عن عِرَاك، عن عروة، أنَّ رسولَ الله ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: "أنت أخي في دينِ الله وكتابِه، وهي لي حلال". هذا الحديث ظاهر سياقه كأنَّهُ مرسل وهو عند البخاري والمحقِّقين متَّصل، لأنه من حديث عروةَ عن عائشة ﵂، وهذا من أفراد البخاري ﵀. وقال يُونس بن بُكير (١): عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: تزوَّج رسولُ الله ﷺ عائشة بعد خديجة بثلاثِ سنين، وعائشةُ يومئذ ابنة ستِّ سنين، وبَنَى بها وهي ابنةُ تسع. ومات رسولُ الله ﷺ وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة. وهذا غريب. وقد روى البخاري (٢) عن عُبيد بن إسماعيل عن أبي أُسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تُوفِّيتْ خديجةُ قبل مَخْرَجِ النبيِّ ﷺ [إلى المدينة] بثلاثِ سنين، فلبث سنتَيْن - أو قريبًا من ذلك - ونكَحَ عائشة وهي بنتُ ستِّ سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين. وهذا الذي قاله عروة مرسلٌ في ظاهر السِّيَاق كما قدَّمنا ولكنَّهُ في حُكْمِ المتَّصِل في نفس الأمر. وقوله تزوَّجها وهي ابنة ستِّ سنين وبنى بها وهي ابنة تسع سنين، ما لا خلافَ فيه بين الناس - وقد ثبت في الصِّحاح وغيرها - وكان بناؤه بها ﵇ في السنةِ الثانية من الهجرة إلى المدينة. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحوٍ من ثلاث سنين ففيه نظر. فإنَّ يعقوب بن سفيان الحافظ قال (٣): حدَّثنا الحجّاج، حدَّثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوَّجني رسولُ الله ﷺ متوفَّى خديجة قبل مخرجِه من مكة وأنا ابنة سبع - أو ست - سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعبُ في أرجوحة وأنا مُجَمَّمَة، فهيَّأنني وصنَّعْنَني، ثمَّ أتَيْنَ بي إلى رسولِ الله ﷺ وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث: متوفَّى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبًا، اللهمَّ إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفَّى خديجة، فلا ينفي ما ذكره يونسُ بن بكير وأبو أسامةَ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، والله أعلم. وقال البخاري (٤): حدَّثنا فروة بنُ أبي المَغْرَاء، حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت: تزوَّجني النبيُّ ﷺ وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدِمنا المدينة، فنزَلْنا في بني الحارث بن الخزرج، فَوُعِكْتُ فتمزَّق شعري (٥)، وقد وفَتْ لي جُمَيْمَة (٦)، فأتتني أمي أمُّ رُومان - وإنِّي

стр. 1350

لفي أُرْجُوحةٍ ومعي صواحبُ لي - فصرخَتْ بي، فأتيتُها ما أدري ما تريدُ مني، فاْخذتْ بيدي حتى أوقفَتني على باب الدار، وإني لأنْهَجُ (١)، حتى سكن بعضُ نفسي، ثمَّ أخذتُ شيئًا من ماءٍ فمسَحْتُ به (٢) وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدَّار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. فأسلَمَتْني إليهن، فأصلَحْنَ من شأني، فلم يَرُعْني إلا رسولُ الله ﷺ ضُحىً، فأسلمَتْني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين. وقال الإمامُ أحمد في مسند عائشةَ أمِّ المؤمنين (٣): حدَّثنا محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو (٤) حدثنا أبو سلمة ويحيى. قالا: لما هلكَتْ خديجةُ جاءتْ خولةُ بنت حكيم امرأةُ عثمانَ بنِ مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوَّج؟ قال: "مَنْ؟ " قالت: إنْ شئتَ بكرًا، وإنْ شئت ثيبًا، قال: "فمَنِ البِكْر" قالت: ابنة أحبِّ خلقِ الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال: "ومَن الثَّيِّب"؟ قالت: سَوْدَة بنتُ زَمَعَة. قد آمنتْ بكَ واتبعتك على ما تقول. قال: "فاذْهبي فاذكُريهما علىّ " فدخلتْ بيتَ أبي بكرٍ فقالت: يا أمَّ رُومان، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة، فالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطُبُ عليه عائشة. قالتْ: انتظري أبا بكرٍ حتى يأتي. فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل اللهُ عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسولُ الله ﷺ أخطُب عليه عائشة قال: وهل تصلُح له؟ إنما هي ابنةُ أخيه، فرجعتْ إلى رسولِ الله ﷺ فذكرَتْ ذلك له قال: "ارْجِعي إليه فقولي له: أنا أخوكَ وأنتَ أخي في الإسلام، وابنتُكَ تصلُح لي" فرجعَتْ فذكرتْ ذلك له، قال: انتظري، وخرج. قالت أمُ رُومان: إنَّ مُطْعِمَ بن عَدي قد كان ذكرها على ابنه، ووالله ما وَعَدَ وعدًا قطُّ فأخلَفَه لأبي بكر (٥). فدخل أبو بكرٍ على مطعم بن عَدِي وعنده امراتّه أم الصَّبي (٦). فقالت: يا ابن أبي قُحَافة لعلك مُصْبِي (٧) صاحبَنا مُدخلُه في دينِك الذي أنتَ عليه إنْ تزوَّج إليك؟ فقال أبو بكر للمُطْعِم بن عدي: أقول هذه. يقول قال: إنها تقولُ ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب اللهُ ما كان في نفسِه من عِدَته التي وعدَه، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسولَ الله ﷺ فدَعَتْه فزوَّجها إيَّاه، وعائشة يومئذ

стр. 1351

بنت ستِّ سنين. ثم خرجتْ فدخلتْ على سَوْدَة بنتِ زَمَعة فقال: ما أدخل الله عليكِ من الخيرِ والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسولُ الله ﷺ أخطُبك عليه، قالت: ودِدْتُ، ادخلي إلى أبي (١) فاذكرى ذلك له - وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السِّنّ، قد تخلَّف عن الحج - فدخلتْ عليه فحييته (٢) بتحيَّة الجاهلية، فقال: مَنْ هذه؟ قالت: خولةُ بنت حكيم. قال: فما شأنُك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطُب عليه سَوْدَة. فقال: كفؤٌ كريم، ماذا تقولُ صاحبتُك؟ قال: تحبُّ ذلك. قال: ادعيها لي. فدعَتْها، قال: أيْ بُنَيَّة إنَّ هذه تزعم أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطُبك وهو كفؤٌ كريم، أتحبِّينَ أن أزوِّجَكِ به؟ قالت: نعم. قال: ادعيهِ لي. فجاء رسولُ الله ﷺ فزوَّجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زَمَعَة من الحجّ فجعل (٣) يَحْثِي على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أنْ تزوَّج رسولُ الله ﷺ سودةَ بنتَ زَمَعة. قالت عائشة: فقدِمنا المدينة فنزلْنا في بني الحارث بن الخَزْرَج في الشُّنْح (٤). قالت فجاء رسولُ الله ﷺ فدخل بيتَنا واجتمع إليه رجالٌ من الأنصار ونساءٌ، فجاءَتْني أُمِّي وإني (٥) لفي أُرجوحةٍ بين عِذْقَيْن، يُرجَح بي، فأنزلَتْني من الأُرجوحة ولي جُميمة، ففرَقَتْها، ومسحَتْ وجهي بشيء من ماءٍ، ثم أقبلتْ بي تقودني حتى وقفتْ بي عند الباب وإني لأنْهَج (٦) حتى سكن من نَفَسي، ثم دخلَتْ بي فإذا رسولُ الله ﷺ جالسٌ على سرير في بيتنا وعنده رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فأجلسَتْني في حَجْرِهِ (٧) ثم قالت: هؤلاء أهلك فباركَ الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجالُ والنساء فخرجوا، وبنَى بي رسولُ الله ﷺ في بيتنا ما نُحِرتْ عليَّ جَزُور، ولا ذُبحتْ عليَّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عُبادة بجَفْنَةٍ كان يرسلُ بها إلى رسولِ الله ﷺ إذا دار إلى نسائه (٨)، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين. وهذا السياق كأنه مرسل، وهو متصل لما رواه البيهقي (٩) من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدَّثنا عبد الله بن إدريس الأوْدِي (١٠) عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت

стр. 1352

عائشة: لما ماتتْ خديجةُ جاءت خَوْلة بنت حكيم فقالت: يا رسولَ الله، ألا تزوَّج؟ قال: "ومن"؟ قالت: إنْ شئتَ بكرًا وإنْ شئتَ ثَيِّبًا. قال: "مَنِ البِكْرُ ومَن الثَيِّب"؟ قالت: أما البِكْر فابنةُ أحبِّ خلقِ الله إليك عائشة، وأما الثيِّب فسَوْدَة بنت زَمَعة، قد آمنتْ بك واتبعَتْك. قال: "فاذكريهما عليَّ" وذكر تمام الحديث نحو ما تقدَّم. وهذا يقتضي أنَّ عَقْدَهُ على عائشة كان متقدِّمًا على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكنَّ دخوله على سَوْدَة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخَّرَ إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدَّم وكما سيأتي. وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا أسود، حدَّثنا شريك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبِرَت سَوْدَةُ وهبَتْ يَوْمَها لي، فكان رسولُ الله ﷺ يَقْسِم لي بيومها مع نسائه. قالت: وكانتْ أولَ امرأةٍ تزوَّجها بعدي. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو النَّضْر، حدَّثنا عبد الحميد، حدَّثني شهر، حدَّثني عبد الله بن عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ خطب امرأةً من قومه يقالُ لها سَوْدَة وكانت مُصْبِيَة، كان لها خمس صبْيَة - أو ستة - من بعل لها مات. فقال رسولُ الله ﷺ : "ما يَمْنَعُكِ مني؟ " قالت: والله يا نبيَّ الله، ما يمنعُني منك (٣) أن لا تكونَ أحبَّ البريَّةِ إليَّ، ولكنِّي أُكْرِمُك أن يضعوا هؤلاء الصبية عند رأسِكَ بُكْرةً وعشيَّة. قال: "فهل منَعَكِ مني شيءٌ غيرُ ذلك؟ " قالت: لا والله، قال رسولُ الله ﷺ : "يرحمكِ الله، إنَّ خيرَ نساءٍ ركبنَ أعجاز الإبل، صالحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعلٍ بذاتِ يده". قلت: وكان زوجَها قبل رسول الله ﷺ السكران بن عمرو، أخو سُهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدَّم (٤)، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة ﵁. وهذه السياقات كلُّها دالَّةٌ على أن العَقْد على عائشة كان متقدِّما على العَقْد بسَوْدَة، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل، ورواه يونس، عن الزُّهْري. واختار ابن عبد البرِّ أن العَقْد على سَوَدة قبلَ عائشة، وحكاه عن قتادة وأبي عُبيد. قال: ورواه عقيل عن الزُّهْري. فصل قد تقدم ذِكر موت أبي طالب عمَّ رسولِ الله ﷺ ، وأنه كان ناصرًا له وقائمًا في صفِّه، ومُدَافعًا عنه بكلِّ ما يقدِرُ عليه من نفس ومال ومقال وفعال، فلما مات اجترأ سفهاءُ قريش على رسولِ الله ﷺ ونالوا منه

стр. 1353

ما لم يكونوا يَصِلُون إليه ولا يقدرون عليه. كما قد رواه البيهقي (١) عن الحاكم، عن الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني (٢)، حدَّثنا يوسف بن بهلول، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، حدَّثنا محمد بن إسحاق عمن حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيهٌ من سُفَهاء قريش، فألقَى عليه ترابًا، فرجع إلى بيته، فأتتِ امرأةٌ من بناته، تمسَحُ عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: "أيْ بُنَيَّة لا تبكين (٣)، فإنَّ الله مانعٌ أباك" ويقول ما بين ذلك: "ما نالتْ قريشٌ شيئًا أكْرَهُه حتى مات أبو طالب" (٤). وقد رواه زياد البكَّائي عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا. والله أعلم. وروى البيهقي (٥) أيضًا عن الحاكم وغير (٦)، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما زالتْ قريشٌ كاعِّين (٧) حتى مات أبو طالب". ثم رواه (٨) عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدُّوري، عن يحيى بن مَعِين، حدَّثنا عقبة المجدَّر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما زالتْ قريشٌ كاعَّةً حتى توفي أبو طالب". وقد روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي بسند (٩) عن ثعلبة بن صُعَير، وحَكيم بن حِزام أنهما قالا: لما تُوفِّي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيام (١٠) - اجتمع على رسول الله ﷺ مصيبتان، ولزم بيته، وأقلَّ الخروج، ونالتْ منه قريشٌ ما لم تَكُنْ تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك أبا لهب، فجاءه فقال:

стр. 1354

يا محمد، امضِ لما أردتَ وما كنتَ صانعًا إذْ كان أبو طالب حيًّا فاصنَعْه، لا واللات (١) لا يُوصَل إليك حتى أموت. وسبَّ ابنُ الغَيْطَلة رسولَ الله ﷺ فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولَّى يَصِيح: يا معشر قريش صَبَأ أبو عتبة. فأقبلَتْ قريش حتى وقفوا على أبي لَهَب فقال: ما فارقتُ دينَ عبد المطلب، ولكني أمْنَعُ ابنَ أخي أنْ يُضام حتى يمضيَ لما يُريد. فقالوا: لقد أحسنت وأجملت ووصلْتَ الرَّحِم. فمكث رسولُ الله ﷺ كذلك أيامًا يأتي ويذهب لا يعرِضُ له أحدٌ من قريش، وهابوا أبا لهب إذْ جاء عُقبة بن أبي مُعَيْط وأبو جهل (٢) إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابنُ أخيك أين مُدْخَلُ أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمد، أين مُدْخَل عبد المطلب؟ قال: "مع قومه". فخرج إليهما فقال: قد سألتُه فقال مع قومه. فقالا: يزعم أنه في النار. فقال: يا محمد، أيدخل عبدُ المطلب النار؟ فقال رسولُ الله ﷺ (٣): "ومَنْ ماتَ على ما مات عليه عبدُ المطلب دخل النار " فقال أبو لهب - لعنه الله -: والله لا بَرِحْتُ لك (٤) عدوًّا أبدًا وأنت تزعم أنَّ عبد المطلب في النار. واشتدَّ عند ذلك أبو لهب وسائرُ قريش عليه. قال ابن إسحاق (٥): وكان النفر الذين يؤذون رسولَ الله ﷺ في بيته: أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أميه، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الأصْدَاء الهُذَلي - وكانوا جيرانَه - لم يُسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص. وكان أحدهم - فيما ذُكر لي - يطرح عليه رَحِم الشاة وهو يصلِّي، وكان أحدُهم يطرحُها في بُرمتِه إذا نُصبتْ له، حتى اتخذ رسولُ الله ﷺ حجرًا يستتر به منهم إذا صلَّى، فكان إذا طرَحُوا شيئًا من ذلك يحملُه على عُودٍ ثم يقف به على بابه ثم يقول: "يا بني عبدِ مناف، أيُ جوارٍ هذا "؟! ثم يُلقيه في الطريق. قلت: وعندي أنَّ غالبَ ما رُوي مما تقدَّم من طَرْحِهم سَلا الجَزُور بين كتفيه وهو يصلِّي كما رواه ابنُ مسعود، وفيه أنَّ فاطمة جاءتْ فطرحَتْهُ عنه وأقبلتْ عليهم فشتمَتْهُمْ، ثم لما انصرف رسولُ الله ﷺ دعا على سبعةٍ منهم كما تقدَّم. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له ﵇ خنقًا شديدًا حتى حال (٦) دونه أبو بكر الصديق قائلًا: أتقتلون رجلًا أنْ يقول: ربِّيَ الله!. وكذلك عَزْم أبي جهل - لعنه الله - على أن يَطَأ على عُنقه وهو يصلِّي فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك كان بعد وفاةِ أبي طالب والله أعلم. فذكرها هاهنا أنسب وأشبه.

стр. 1355

فصل في ذهابه ﷺ إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله فردوا عليه ذلك ولم يقبلوه منه فرجع عنهم إلى مكة قال ابن إسحاق (١): فلما هلك أبو طالب نالت قريشٌ من رسولِ الله ﷺ من الأذى ما لم تكنْ تنالُ منه في حياة عمِّه أبي طالب، فخرج رسولُ الله ﷺ إلى الطائف يلتمسُ من ثقيف النُّصْرَة والمَنَعة بهم من قومه. ورجاءَ أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحدَه؛ فحدَّثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي قال: لما انتهى رسولُ الله ﷺ إلى الطائف عَمَد إلى نفير من ثقيف هم سادةُ ثقيف وأشرافُهم، وهم إخوة ثلاثة: عبْد يا ليل، ومسعود، وحبيب بن عمرو بن عُمير بن عَوْف بن عُقْدَة بن غِيَرة بن عوف بن ثَقيف. وعند أحدهم امرأةٌ من قريش، من بني جُمَح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلَّمهم لما جاءهم له من نُصرته على الإسلام والقيام معه على مَنْ خالفه من قومه، فقال أحدهم - هو يَمْرُطُ ثيابَ الكعبة (٢) -: إنْ كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وَجَد الله أحدًا أرسله غيرَك؟ وقال الثالث: والله لا أكلِّمك أبدًا؛ لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظمُ خَطَرًا من أنْ أرُدَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذِبُ على الله ما ينبغي لي أنْ أكلِّمَك. فقام رسولُ الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خَيْر ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذُكر لي -: "إنْ فعلتم ما فعلتم فاكتُمُوا عليّ (٣) " وكره رسولُ الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فَيُذْئِرَهُم (٤) ذلك عليه. فلم يفعلوا، وأغْرَوْا به سفهاءهم وعَبيدَهم يسبُّونه ويَصِيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوهُ إلى حائطٍ لعتبة بنِ ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثَقيف مَنْ كان يتبعه. فعَمَد إلى ظلِّ حَبَلةٍ (٥) من عِنب، فجلس فيه وابنا ربيعةَ ينظران إليه ويريانِ ما لَقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسولُ الله ﷺ - فيما ذُكر لي - المرأةَ التي من بني جُمَح، فقال لها: "ماذا لَقِينا من أحْمائك" (٦)؟! فلما اطمأنَّ قال - فيما ذُكر -: "اللهمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قُوَّتي، وقِلَّة حيلتي، وهَوَاني على الناس"؛ يا أرحم الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إلى مَنْ تَكِلُني؟! إلى بعيدٍ

стр. 1356

يتجَهَّمُني، أم إلى عدوٍّ ملَّكْتَهُ أمْرِي؟ إنْ لم يكنْ بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، ولكنْ عافيتُك هي أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات (١)، وصَلَح عليه أمْرُ الدنيا والآخرة، من أنْ تُنْزل بي غضَبَك، أو يَحِلَّ عليَّ سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بك" (٢). قال: فلما رآه ابنا ربيعةَ عتبةُ وشيبةُ، وما لَقِيَ تحركتْ له رَحِمُهما، فدَعَوْا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عدَّاس فقالا له: خُذْ قِطْفًا من هذا العِنَب فضَعْهُ في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عدَّاس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسولِ الله ﷺ ثم قال له: كُلْ. فلما وضع رسولُ الله ﷺ يده فيه قال: "بسم الله". ثم أكل، فنظر عدَّاسٌ في وجهه ثم قال: واللهِ إنَّ هذا الكلامَ ما يقولُه أهلُ هذه البلاد! فقال له رسولُ الله ﷺ : "ومن أهلِ أيِّ بلادٍ أنتَ يا عدَّاس وما دينُك"؟ قال: نَصْرَاني، وأنا رجلٌ من أهلِ نِينَوَى. فقال رسولُ الله ﷺ : "من قريةِ الرجلِ الصالح يُونُس بن متَّى". فقال له عدَّاس: وما يُدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسولُ الله ﷺ ذلك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ. فأكبَّ عدَّاس على رسولِ الله ﷺ يقبِّلُ رأسَه ويدَيْه وقدمَيْه (٣). قال: يقولُ ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمَّا غلامك فقد أفسدَهُ عليك. فلما جاءهما عدَّاس قالا له: ويلك يا عدّاس، ما لك تقبِّلُ رأسَ هذا الرجل ويدَيْه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبيّ! قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنَّك عن دينك، فإنَّ دينَكَ خيرٌ من دينه. وقد ذكر موسى بن عُقبة نحوًا من هذا السياق، إلا أنه لم يذكرِ الدُّعاء، وزاد: وقعد له أهلُ الطائف صفَّين على طريقه، فلما مرّ جعلوا لا يرفعُ رجلَيْه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدْمَوْه، فخلص منهم وهما يسيلانِ بالدماء، فعمد إلى ظلِّ نخلةٍ وهو مكروب، وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله. ثم ذكر قصة عدَّاس النصراني كنحو ما تقدَّم. وقد روى الإمام أحمد (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا مروان بن معاوية الفَزَاريّ، عن عبد الله

стр. 1357

ابن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جَبَل (١) العَدَوانيّ، عن أبيه، أنه أبصر رسولَ الله ﷺ في مَشْرِق ثقيف، وهو قائم على قوس - أو عصا - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. حتى ختمها. قال: فوعَيْتُها في الجاهليَّة وأنا مشرك، ثم قرأتُها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيفٌ فقالوا: ماذا سمعتَ من هذا الرجل؟ فقرأتُها عليهم، فقال مَنْ معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنَّا نعلم ما يقولُ حقًّا لاتبعناه. وثبت في الصحيحَيْن (٢) من طريق عبد الله بن وَهْب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة حدَّثَتْه أنها قالَتْ لرسولِ الله ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ عليكَ من يومِ أُحُد؟ قال: "ما لقيتُ من قومك كانَ أشدَّ منه يومُ العقبه (٣)، إذْ عرضتُ نفسي على ابنِ عَبْدِ يا ليلَ بن عبد كُلال، فلم يُجِبْني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وَجْهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جِبْريلُ ﵇، فناداني فقال: إنَّ الله قد سمع قولَ قَوْمِكَ لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجِبال، لتأمُرَهُ بما شئتَ فيهم. ثم ناداني مَلَكُ الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محم (٤)، إنَّ الله قد سمع قولَ قومِكَ لك، وأنا مَلَك الجبال قد بعثني إليك ربُّك لتأمرني بما شئت، إنْ شئتَ تطبق عليهم الأخْشَبَيْن (٥)؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم مَنْ يعبُدَ اللهَ لا يُشرك به شيئًا". فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق (٦) سماع الجن لقراءة رسولِ الله ﷺ وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنَخْلَة وصلَّى بأصحابه الصُّبْح، فاستمع الجنُّ الذين صرفوا إليه قراءته هنالك.

стр. 1358

قال ابنُ إسحاق: وكانوا سبعةَ نَفَر، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قلت: وقد تكلَّمنا على ذلك مستقصىً في التفسير، وتقدَّم قطعةٌ من ذلك. والله أعلم. ثم دخل رسولُ الله ﷺ مكة مَرْجِعَهُ من الطائف في جوار المُطْعِم بن عدي، وازداد قومُه عليه حَنَقًا وغيظًا وجرأة وتكذيبًا، وعنادًا، والله المستعانُ وعليه التُّكْلان. وقد ذكر الأموي في "مغازيه" أنَّ رسولَ الله ﷺ بعث عبد الله بن أُريقط إلى الأخنس بن شَرِيق يطلبُ منه أن يُجيرَهُ بمكة. فقال: إنَّ حليفَ قريش لا يُجيرُ على صَميمها. ثم بعثه إلى سُهيل بن عمرو ليجيرَهُ فقال: إنَّ بني عامرِ بنِ لُؤي لا تجيرُ على بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المُطِعِم بن عدي ليجيرَه فقال: نعم، قل له فلْيأَتِ. فذهب إليه رسولُ الله ﷺ فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعًا، فدخلوا المسجد وقالوا لرسولِ الله ﷺ : طُفْ واحْتَبَوْا بحمائل سيوفهمِ في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مُطْعِم. فقال: أمجيرٌ أو تابع (١)؟ قال: لا بلْ مُجير. قال إذًا لا تُخْفَر. فجلس معه حتى قَضَى رسولُ الله ﷺ طوافه؛ فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال: فمكث أياما ثم أذن الله له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة تُوفِّي مطعم بن عدي بعدَهُ بيسير، فقال حسانُ بن ثابت: والله لأرْثِيَنَّه فقال فيما قال (٢): [من الطويل] فلو كانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ اليومَ واحدًا … من الناس نجَّى مَجْدُهُ اليومَ مُطْعِما أجرتَ رسولَ الله منهم فأصبحوا … عِبادَك ما لبَّى مُحِلٌّ وأحرما فلو سُئلَتْ عنه مَعَدٌّ بأسرها … وقَحْطانُ أو باقي بقيَّةِ جُرْهُما لقالوا هو المُوفي بخُفْرَةِ جارِهِ … وذِمَّتِهِ يومًا إذًا ما تجشَّما (٣) وما تطلعُ الشمسُ المنيرةُ فوقهم … على مثلِهِ فيهم أعزَّ وأكْرَما (٤) إباءً إذا يأبى وألينَ شيمةٍ … وأنومَ عن جارٍ إذا الليلُ أظلما قلتُ: ولهذا قال النبيُّ ﷺ يوم أُسَارَى بَدْر: "لو كانَ المَطْعِمُ بنُ عَدِي حيًّا ثمَّ سألني في هؤلاء النَّتْنى لوهبتُهُمْ له" (٥).

стр. 1359

فصل في عَرْض رسول الله ﷺ نفسَة الكريمة على أحياء العرب في مواسم الحج أن يؤوه وينصروه، ويمنعوه ممن خالفه وكذَّبه، فلم يجبه أحد منهم لما ذخره الله للأنصار من الكرامة العظيمة ﵃ قال ابنُ إسحاق (١): ثم قدم رسولُ الله ﷺ مكة وقومُه أشدُّ ما كانوا عليه من خِلافه وفراقِ دينه، إلا قليلًا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسولُ الله ﷺ يعرضُ نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله ، ويُخبرهم أنه نبيٌّ مُرْسَل، ويسألهم أنْ يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبيِّنَ عن الله ما بعثَهُ به. قال ابن إسحاق (٢): فحدَّثني من أصحابنا من لا أتَّهم، عن زيد بن أسلم، عن ربيعة بن عباد الدُّؤَلي - ومن حدَّثه أبو الزناد عنه - وحدَّثني حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس قال: سمعتُ ربيعة بن عبَّاد يحدِّثه أبِي، قال: إني لغلامٌ شابٌّ مع أبي بمنى، ورسولُ الله ﷺ يقفُ على منازلِ القبائل من العرب فيقول: "يا بني فلان، إني رسولُ الله ﷺ إليكم، أمرَكم أن تعبدوا اللهَ ولا تُشْرِكوا به شيئًا، وأنْ تَخْلَعُوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنْداد، وأن تؤمنوا بي وتصدِّقوا بي، وتمنعوني حتى أُبَيِّنَ عن الله ما بعثني به". قال: وخلفَهُ رجلٌ أحول وَضِيء له غَدِيرتان، عليه حُلَّةٌ عَدَنيَّة، فإذا فرغ رسولُ الله ﷺ من قوله وما دعا إليه. قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إنَّ هذا إنما يدعوكم إلى أنْ تسلخوا اللاتَ والعُزَّى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجِنّ من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البِدْعَةِ والضَّلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لأبي: يا أبتِ، من هذا الرجلُ الذي يتبعه ويردُّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمُّه عبد العُزَّى بن عبد المطلب أبو لهب. وقد روى الإمام أحمد (٣) هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي العباس، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني رجلٌ يقال له: ربيعة بن عبَّاد، من بني الدِّيل - وكان جاهليًا فأسلم (٤) - قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في الجاهلية، في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيُّها الناس، قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحوا" والناسُ مجتمعونَ عليه، ووراءهُ رجلٌ وَضِيءُ الوجه أحول، ذو غَدِيرتين يقول: إنَّه صابئ كاذب - يتبعه حيثُ ذهب - فسألتُ عنه (٥) فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب.

стр. 1360

ورواه البيهقي (١) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة الدُّئلي: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بسوقِ ذي المَجَاز يَتَبْعُ الناسَ في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءَهُ رجلٌ أحْوَل تَقِدُ وَجْنتاه وهو يقول: أيُّها الناس لا يَغُرَّنَّكم هذا عن دينكم ودينِ آبائكم. قلت: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا أبو لهب. وكذا رواه أبو نعيم في "الدلائل" (٢) من طريق ابن أبي ذئب، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه. ثم رواه البيهقي (٣) من طريق شعبة عن الأشعث بن سُليم، عن رجل من كنانة، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بسوقِ ذي المَجَاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحُوا". وإذا رجلٌ خلفَهُ يَسْفِي عليه التراب، فإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس، لا يغرَّنَّكم هذا عن دينِكم، فإنما يريدُ اْن تتركوا عبادةَ اللاتِ والعُزَّى. كذا قال في هذا السياق أبو جهل. وقد يكون وهمًا، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا وأنهما كانا يتناوبَانِ على إيذائه ﷺ . قال ابن إسحاق (٤): وحدَّثني ابنُ شهاب الزُّهري أنه ﷺ أتى كِنْدَةَ في منازلهم، وفيهم سيِّدٌ لهم يقال له مُلَيح، فدعاهم إلى اللهِ وعَرَض عليهم نفسه فأبَوْا عليه. قال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني محمد بن عبد الرحمن بن حُصين أنه أتى كلبًا في منازلهم إلى بطنٍ منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسَه حتى إنه ليقول: "يا بني عبد الله، إنَّ الله قد أحسن اسم أبيكم". فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وحدَّثني بعضُ أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى بني حَنِيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرَضَ عليهم نفسَه، فلم يكنْ أحدٌ من العربِ أقبحَ ردًّا عليه منهم. وحدَّثني الزُهري أنه أتى بني عامر بن صَعْصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال له رجلٌ منهم يقال له بَيْحَرة بن فراس: والله لو أني أخذتُ هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العربَ. ثم قال له: أرأيتَ إنْ نحنُ تابعناك (٥) على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك، أيكونُ لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر لله يضَعُه حيثُ يشاء". قال فقال له: أفَنُهدِفُ نحورَنا للعرب دونَك (٦)، فماذا أظهرك الله كان الأمر

стр. 1361

لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك. فأبَوْا عليه. فلما صدرَ الناسُ رجعتْ بنو عامر إلى شيخٍ لهم، قد كان أدركه السنّ، حتى لا يقدِرُ أنْ يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عمَّا كان في مَوْسِمهم فقالوا: جاءنا فتًى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب يزعمُ أنه نبيّ يدعونا إلى أنْ نمنعه ونقومَ معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسِه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تَلافٍ؟ هل لذُنَابَاها من مَطْلب (١)؟ والذي نفسُ فلانٍ بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قطّ (٢)، وإنها لحق، فأين رأْيُكم كان عنكم؟! وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسولُ الله ﷺ في تلك السنين يعرضُ نفسه على قبائل العرب في كلِّ موسم، ويكلِّم كلَّ شريفِ قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يُؤْووه ويمنعوه ويقول: "لا أُكْرِهُ أحدًا منكم على شيء، مَنْ رَضِي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أُكْرِهْه، إنما أُريدُ أن تُحرزوني مما يُرادُ بي من القتل حتى أُبَلِّغ رسالة رَبِّي، وحتى يقضيَ الله لي ولمن صحبني بما شاء". فلم يقبله (٣) أحدٌ منهم، وما يأتي أحدًا من تلك القبائل إلا قال: قومُ الرجلِ أعلم به، أترَوْنَ أنَّ رجلًا يُصلحنا وقد أفسد قومَهُ ولفظوه؟! وكان ذلك مما ذَخَرَهُ اللهُ للأنصار وأكرمَهُمْ به (٤). وقد روى الحافظ أبو نعيم (٥) من طريق عبد الله بن الأجلح ويحيى بن سعيد الأموي، كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس عن العباس، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منَعة، فهل أنت مُخْرِجي إلى السُّوق غدًا حتى تُعَرِّفني (٦) منازلَ قبائلِ الناس" وكانتْ مجمعَ العرب. قال: فقلت: هذه كِنْدَةُ ولفّها (٧)، وهي أفضلُ مَنْ يحجُّ البيت من اليمن، وهذه منازلُ بكر بن وائل، وهذه منازلُ بني عامر بن صعصعة، فاختَرْ لنفسك؟ قال فبدأ بكِنْدَةَ فأتاهم فقال: "ممنِ القوم؟ " قالوا: من أهل اليمن. قال: "من أيِّ اليمن؟ " قالوا: من كِنْدَة. قال: "من أيِّ كِنْدَة؟ " قالوا: من بني عمرو بن معاوية. قال: "فهل لكم إلى خير؟ " قالوا: وما هو؟ قال: "تشهدونَ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيمون الصلاة، وتؤمنون بما جاء من عند الله".

стр. 1362

قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبي عن أشياخِ قومه أنَّ كندةَ قالت له: إن ظفِرْتَ تجعلْ لنا المُلْكَ من بعدك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ المُلْكَ لله يجعله حيثُ يشاء" فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنَا به. وقال الكلبي فقالوا: أجئتنا لتصدَّنا عن آلهتنا وننابذ العَرَب. الحَقْ بقومك فلا حاجةَ لنا بك. فانصرف من عندِهم، فأتَى بكر بن وائل فقال: "ممنِ القوم؟ " قالوا: من بكر بن وائل. فقال: "من أيِّ بكر بن وائل"؟ قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: "كيف العدَدُ؟ قالوا: أكثر من الثرَى (١). قال: "فكيف المنعة "؟ قالوا: لا مَنَعة، جاوَرْنا فارس، فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: "فتجعلون لله عليكم إنْ هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم، أن تسبِّحوا الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثًا وثلاثين، وتكبروه أربعًا وثلاثين" قالوا: ومن أنت؟ قال: "أنا رسولُ الله". ثم انطلق فلما ولَّى عنهم قال الكلبي: وكان عمُّه أبو لهب يتبعه فيقول للناس: لا تقبلوا قولَه. ثم مرَّ أبو لهب فقالوا: هل تعرفُ هذا الرجل؟ قال: "نعم، هذا في الذِّرْوَة منَّا، فعن أي شأنِهِ تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا: يزعم أنه رسولُ الله، قال: ألا لا ترفعوا بقوله رأسًا (٢) فإنَّه مجنون، يَهْذي من أُمِّ رأسه. قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمرِ فارس ما ذكر. قال الكلبي (٣): فأخبرني عبدُ الرحمن العامري (٤): عن أشياخٍ من قومه قالوا: أتانا رسولُ الله ﷺ ونحن بسوقِ عُكاظ، فقال: "ممنِ القوم؟ " قلنا: من بني عامر بن صَعْصَعة. قال: "من أيِّ بني عامرِ بن صعصعة؟ قالوا: بنو كعب بن ربيعة. قال: "كيف المَنَعةُ؟ قلنا: لا يُرامُ ما قِبَلنا، ولا يُصْطلى بنارنا. قال: فقال لهم: "إنِّي رسولُ الله ﷺ وأتيتُكم لتمنعوني حتى أبلِّغ رسالةَ ربِّي، ولا أُكْرِهُ أحدًا منكم على شيءٍ". قالوا: ومن أيِّ قريشٍ أنت؟ قال: "من بني عبد المطلب" قالوا: فأين أنت من عبد مَنافَ؟ قال: "هم أولُ مَنْ كذِّبني وطردني". قالوا: ولكنَّا لا نطردُك ولا نؤمنُ بك، وسنمنعُك حتى تبلِّغ رسالةَ ربِّك. قال: فنزلَ إليهم والقوم يتسوَّقون، إذْ أتاهم بَيْحَرة (٥) بن فراس القُشيري فقال: مَنْ هذا الرجل أراه عندكم؟ أنكره. قالوا: محمد بن عبد الله القُرَشي. قال: فما لكم وله؟ قالوا: ويزعم لنا أنه رسولُ الله فطلب إلينا أن نمنعَهُ حتى يبلِّغ رسالةَ ربِّه. قال: ماذا ردَدْتُم عليه؟ قالوا بالرَّحْبِ والسَّعَة، نُخرِجُك إلى بلادنا ونمنعُك ما نمنع به أنفسنا. قال بَيْحَرَة (٥): ما أعلم أحدًا من

стр. 1363

أهل هذه السوق يرجعُ بشيءٍ أشرَّ من شيءٍ ترجعون به بدءًا، ثم (١) لتنابذوا الناسَ وترميكم العربُ عن قوسٍ واحدة، قومُه أعلم به لو آنسوا منه خيرًا لكانوا أسعدَ الناس به، أتعمدون إلى رَهيقِ قومٍ (٢) قد طردَهُ قومُه وكذَّبوه فتؤوونَه وتنصرونه؟ فبئس الرأي رأيتُم. ثم أقبل على رسولِ الله ﷺ فقال: قمْ فالْحَقْ بقومِك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربتُ عنقك. قال: فقام رسولُ الله ﷺ إلى ناقته فركبها، فغمزَ الخبيثُ بَيْحَرَةُ شاكِلَتَها فقَمَصَتْ (٣) برسولِ الله ﷺ فألْقَتْه. وعند بني عامر يومئذ ضُبَاعة ابنة عامر بن قُرْط، كانتْ من النسوةِ اللاتي أسلَمْنَ مع رسولِ الله ﷺ بمكة، جاءتْ زائرةً إلى بني عمِّها، فقالت: يا آل عامر - ولا عامرَ لي - أيُصنعُ هذا برسول الله بين أظهركمٍ لا يمنعه أحدٌ منكم؟ فقام ثلاثةُ نفر من بني عمها إلى بَيْحَرَة واثنين أعاناه، فأخذ كلُّ رجل منهم رجلًا فجلَدَ به الأرض، ثم جلس على صدره، ثم علَوْا وجوهَهم لطمًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ باركْ على هؤلاء والْعَنْ هؤلاء" قال: فأسلم الثلاثةُ الذين نصروه، وقُتلوا شهداء وهم؛ غطيف وغطفان ابنا سهل (٤)، وعروة - أو عذرة (٥) - بن عبد الله بن سلمة ﵃. وقد روَى هذا الحديثَ بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في "مغازيه"، عن أبيه به. وهلك الآخرون لعنًا وهم: بَيْحَرة بن فراس، وحَزْن بن عبد الله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عُبَادة، أحد بني عقيل، لعنهم الله لعنًا كثيرًا. وهذا أثرٌ غريب كتبناه لغرابته والله أعلم (٦). وقد روى أبو نُعيم له شاهدًا من حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة عامر بن صَعْصعة وقبيح ردِّهم عليه. وأغْرَبُ من ذلك وأطول ما رواه أبو نُعيم والحاكم والبيهقي (٧) - والسياق لأبي نعيم ﵏ من حديث أبان بن عبد الله البَجَلي عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدَّثني عليُّ بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ أن يعرِض نفسه على قبائل العرب خرج - وأنا معه وأبو بكر - إلى مِنَى حتى دَفَعْنَا إلى مجلسٍ من مجالسِ العرب، فتقدَّم أبو بكرٍ ﵁ فسلَّم، وكان أبو بكر مقدَّمًا في كلِّ خير، وكان رجلًا نسَّابة فقال: ممنِ القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأيِّ ربيعةَ

стр. 1364

أنتم؟ أمِنْ هامها أم من لَهَازِمِها (١)؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال أبو بكر: فمن أيِّ هامتها العظمى أنتم؟ فقالوا: ذُهْل الأكبر. قال لهم أبو بكر: منكم عَوْف الذي كان يقال لهم: لا حُرَّ بوادي عَوْف (٢)؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بِسْطَام بن قيس بن مسعود أبو اللواء ومنتَهَى الأحياء؟ قالوا لا. قال فمنكم الحَوْفَزان (٣) بن شريك، قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جسَّاس بن مُرَّة بن ذُهْل، حامي الذِّمَار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المُزْدَلِف صاحبُ العِمَامة الفَرْدَة (٤)؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوالُ الملوك من كِنْدَة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أصهار الملوك من لَخْم؟ قالوا: لا. فقال لهم أبو بكرٍ ﵁: فلستم بذُهْل الأكبر، بل أنتم ذُهْل الأصغر. قال: فوثب إليه منهم غلامٌ يُدْعَى دَغْفَل بن حنظلة الذُّهْلي - حين بَقَلَ وَجْهُه (٥) - فأخذ بزِمام ناقةِ أبي بكرٍ وهو يقول: [من الرجز] إنّ علَى سائِلِنا أن نسألَهْ … والعبءُ لا نعرفُهُ أوْ نحمِلَهْ يا هذا، إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتُمْك شيئًا، ونحن نريد أن نسألك فمن أنت؟ قال: رجلٌ من قريش. فقَلا الغلام: بخ بخ! أهل السُّؤْدُدِ والرياسة، قادمةُ العرب وهداتُها (٦)، فمن أنت من قريش؟ فقال له: رجلٌ من بني تَيْم بن مُرَّة. فقال له الغلام: أمكنتَ واللهِ الرامي من سواءَ الثُّغْرَة (٧)؟ أفمنكم قُصَيُّ بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلِّبين عليها، وأجْلَى بقيَّتَهم، وجمعَ قومَهُ من كل أَوْبٍ حتى أوطنهم مكة، ثم استولى على الدار ونزل قريشًا منازلَها، فسمَّتْهُ العربُ بذلك مُجَمِّعًا، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل] أليسَ أبوكم كان يُدعى مُجَمِّعًا … به جَمَع اللهُ القبائلَ من فِهْرِ فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عبدُ مناف الذي انتهتْ إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة؟ فقال

стр. 1365

أبو بكر: لا. قال: فمنكم عمرو بن عبد مناف، هاشم الذي هَشَم الثريدَ لقومه، وأهل مكة مسنتون، ففيه يقول الشاعر (١): [من الكامل] عَمْرو العُلا هشَمَ الثريدَ لقومِهِ … ورجالُ مكّةَ مُسْنِتونَ عجِافُ سَنُّوا إليه الرحلتَيْن كِلَيْهما … عندَ الشتاءِ ورحلةَ الأصْيافِ كانت قريشٌ بيضةً فتفلَّقَتْ … فالمُحُّ خالِصُهُ لعبدِ مَنَافِ (٢) الرائِشينَ وليس يُعْرَفُ رائشٌ … والقائلينَ هلُمَّ للأَضياف (٣) والضاربين الكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ … والمانعينَ البَيْضَ بالأسياف (٤) للهِ درُّكَ لو نزلتَ بدارِهم … منَعُوكَ من أَزْلٍ ومن إِقْراف (٥) فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عبد المطلب شَيبَةُ الحَمْد، وصاحب عِيرِ (٦) مكة، ومطعم طيرِ السماء، والوحوش والسباع في الفلا، الذي كأنَّ وجهه قمَرٌ يتلألأ في الليلةِ الظلماء؟ قال: لا. قال: أفمِنْ أهلِ الإفاضة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحِجَابَة أنت؟ قال: لا. قال أفمن أهلِ النَّدْوَة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السِّقَاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرِّفَادَةِ أنت؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين [بالناسِ] (٧) أنت؟ قال: لا. ثم جذَبَ أبو بكر ﵁ زِمام ناقتِهِ من يده، فقال له الغلام: [من الرجز] صادَفَ دَرْءُ السَّيلِ دَرْءًا يدْفَعُهْ … يَهيضُهُ حينًا وحينًا يَصْدَعُهْ (٨) ثم قال: أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبَّرْتُك أنك من زَمَعَاتِ قريش ولست من

стр. 1366

الذوائب (١). قال: فأقبل إلينا رسولُ الله ﷺ يتبسَّم. قال عليّ: فقلت له: يا أبا بكر لقد وقَعْتَ من الأعرابيِّ على باقِعَة (٢). فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامَّةٍ إلا وفوقها طامَّة، والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالقول (٣). قال: ثمَّ انتهينا إلى مجلسٍ عليه السَّكينةُ والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدَّم أبو بكر فسلَّم - قال علي: وكان أبو بكر مقدَّمًا في كلِّ خَيْر - فقال لهم أبو بكر: ممِن القَوْم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسولِ الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، ليس بعد هؤلاء من عِزٍّ في قومهم - وفي رواية: ليس وراء هؤلاء عذر (٤) من قومهم، وهؤلاء [غرر في قومهم، وهؤلاء] (٥) غرر الناس - وكان في القوم مَفروق بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمُثَنَّى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروقُ بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانًا ولسانًا (٦)، وكانت له غَدِيرتان تسقطان على صدره؛ فكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العددُ فيكم؟ فقال له: إنا لنزيدُ على ألف، ولن يُغلب ألفٌ من قِلَّة. فقال له: فكيف المَنَعَةُ فيكم؟ فقال: علينا الجهد، ولكل قوم جدّ. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوِّكم؟ فقال مفروق: إنا أشد ما نكونُ غضبًا حين نُلْقَى (٧)، وأشد ما نكونُ لقاءً حين نغضب، وإنَّا لنؤثرُ الجيادَ جملى الأولاد، والسلاحَ على اللِّقاح، والنصرُ من عند الله، يديلُنا مرَّة، ويُديل علينا (٨). لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إنْ كان بلغكم أنَّه رسول الله ﷺ فها هو ذا. فقال مفروق: قد بَلَغنا أنه يذكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فقال: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدَّم رسولُ الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكرٍ يُظِلُّه بثوبه، فقال ﷺ : "أدعوكم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له وأنِّي رسولُ الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني، حتى أؤديَ عن الله الذي أمرني به، فإنَّ قريشًا قد تظاهرتْ على أمْرِ الله، وكذبتْ رسولَه، واستغنَتْ بالباطل عن الحق، والله هو الغنيُّ الحميد". قال له: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسولُ الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١ - ١٥٣] فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا

стр. 1367

قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهلِ الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسولُ الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فقال له مفروق: دعوتَ والله يا قرشيّ (١) إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسنِ الأعمال، ولقد أفِكَ قومٌ كذَّبوكَ وظاهروا عليك - وكأنَّه أحبَّ أن يشركه في الكلام هانئُ بن قَبيصة فقال -: وهذا هانئُ بن قَبيصة شيخُنا وصاحبُ ديننا. فقال له هانئ: قد سمعتُ مقالتَك يا أخا قريش، وصدَّقْتُ قولك، وإني أرى أنَّ ترْكَنَا ديننا واتَّباعَنا إيَّاك على دينِك لمجلسٍ جلستَهُ إلينا ليس له أولٌ ولا آخر، لم نتفكَّرْ في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلَّةٌ في الرأي، وطَيْشةٌ في العقل، وقلَّة نظرٍ في العاقبة، وإنما تكونُ الزَّلَّةُ مع العَجَلة، وإن من ورائنا قومًا نكرَهُ أن نعقِد عليهم عَقْدًا؛ ولكنْ ترجع ونرجع، وتنظر وننظر - وكأنَّه أحبَّ أن يشركه في الكلام المثنَّى بنُ حارثة فقال -: وهذا المثنَّى شيخُنا وصاحبُ حَرْبنا. فقال المثنى: قد سمعتُ مقالتَك واستحسنتُ قولَك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلَّمتَ به. والجوابُ هو جوابُ هانئ بن قَبيصة، وترْكنا دينَنا واتِّباعنا إياك على ديننا لمجلسٍ جلستَهُ إلينا، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَيْن (٢) أحدُهما اليمامة، والآخر السماوة (٣). فقال له رسول الله ﷺ : "وما هذان الصَّرَيَان"؟ فقال له: أما أحدُهما فطُفُوف (٤) البَرَّ وأرضُ العرب، وأما الآخر فأرضُ فارس وأنهارُ كسرى وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نحدثَ حدَثًا، ولا نُؤْوي مُحدِثًا. ولعلَّ هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك؛ فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنبُ صاحبه مغفور، وعُذرُه مقبول، وأما ما كان يلي بلادَ فارس، فذنبُ صاحبِه غيرُ مغفور، وعذرُهُ غيرُ مقبول؛ فإن أردت أن ننصرَك ونمنعك مما يلي العرب فعلْنا. فقال رسول الله ﷺ : "ما أسأتُمُ الرَّدّ، إذْ أفصحتُمْ بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطَهُ من جميع جوانبه". ثم قال رسولُ الله ﷺ : ("أرأيتُمْ إنْ لم تَلْبَثُوا إلا يسيرًا حتى يمنحَكم اللهُ بلادَهم وأموالهم ويفرشَكُم بناتِهم، أتسبِّحون الله وتقدَّسونه؟ " فقال له النعمان بن شريك: اللهمَّ وإن ذلك لك يا أخا قريش! فتلا رسولُ الله ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] ثم نهض رسولُ الله ﷺ قابضًا على يد أبي بكر. قال علي: ثم التفتَ إلينا رسولُ الله ﷺ فقال: يا علي أيَّةُ أخلاقٍ للعربِ كانت في الجاهليَّة؟ ما أشرفها! بها يتحاجَزَون فيما بينهم في الحياة الدنيا".

стр. 1368

قال: ثم دفعنا إلى مجلسِ الأوْسِ والخَزْرَج، فما نهضنا حتى بايعوا النبيَّ ﷺ . قال عليّ: وكانوا صدُقًا صُبُرًا، فسُرَّ رسولُ الله ﷺ بذلك، مما رأى من معرفة أبي بكرٍ ﵁ بأنسابهم. قال: فلم يلبَثْ رسولُ الله ﷺ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه فقال: "ادعوا لإخوانكم من ربيعة، فقد أحاطت بهم اليوم أبناء فارس" ثم دخل منزله، فلم يلبَثْ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: "احْمَدُوا الله كثيرًا (١) فقد ظفِرتِ اليومَ أبناءُ ربيعةَ بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نُصروا". قال: وكانت الوقعة بقُرَاقر إلى جَنْب ذي قار، وفيها يقول الأعشى (٢): [من الطويل] فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ ناقتي … وراكبُها عند اللِّقاء وقَلّتِ هُمُو ضربوا بالحِنْوِ حِنْوِ قُرَاقِرٍ … مُقَدِّمةَ الهامُرْزِ حتَّى تولَّتِ فللهِ عينا مَنْ رأى من فوارسٍ … كذُهلِ بنِ شيبان بها حينَ ولَّتِ (٣) فَثَاروا وثُرْنا والمودَّة بينَنا … وكانت علينا غَمْرةً فَتَجَلَّت (٤) هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، كتبناه لما فيه من دلائلِ النبوَّة ومحاسنِ الأخلاق، ومكارم الشِّيَم، وفصاحةِ العرب وقد ورد هذا من طريقٍ أخرى، وفيه أنهم لما تحاربوا وفارس والتقَوْا معهم بقُرَاقِر - مكانٍ قريبٍ من الفُرات - جعلوا شعارَهم اسم محمد ﷺ فنُصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وقال الواقدي (٥): أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسولُ الله ﷺ في منازلنا بمنى ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تَلِي مسجد الخَيْف، وهو على راحلته مُرْدِفًا خلفه زيدَ بن حارثة، فدعانا، فوالله ما استجَبْنا له ولا خُيِّر لنا. قال: وقد كنَّا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجبْ له، وكان معنا ميسرةُ بنُ مسروق العَبْسي، فقال لنا: أحلفُ بالله لو قد صدَّقنا هذا الرجل وحَملْنَاهُ حتى نحلَّ به وسطَ بلادِنا لكان الرأي. فأحلف بالله ليظهرنَّ أمْرُهُ حتى يبلغ كلَّ مبلغ. فقال القوم: دعنا منك لا تعرِّضنا لما لا قِبَلَ لنا به. وطمع رسولُ اللهِ ﷺ في ميسرة، فكلَّمه فقال

стр. 1369

ميسرة: ما أحسنَ كلامَكَ وأنورَه! ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجلُ بقومه، فإذا لم يعضُدوه فالعِدَى أبْعَدُ (١). فانصرف رسولُ الله ﷺ ، وخرج القوم مبادرين (٢) إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى (٣) فَدَك، فإنَّ بها يهود، نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سِفْرًا لهم فوضعوه، ثم درسوا ذكْرَ رسولِ الله ﷺ النبيِّ الأميِّ العربي، يركبُ الحمار ويَجْتَزِئ بالكِسْرَة، وليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجَعْد القَطَط ولا بالسَّبَط، في عينيه حُمْرَة، مشرق (٤) اللَّون. فإنْ كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادْخُلوا في دينه، فإنا نحسُده ولا نتَّبِعُه، ولنا منه في مواطن (٥) بلاءٌ عظيم، ولا يَبْقَى أحدٌ من العرب إلا اتَّبعه وإلا قاتله (٦)، فكونوا ممن يتَّبِعُه. فقال ميسرة: يا قوم، إنَّ (٧) هذا الأمر بيِّن، فقال القوم نرجعُ إلى الموسم ونلقاه. فرجعوا إلى بلادهم وأبَى ذلك عليهم رجالُهم، فلم يتَّبعْهُ أحدٌ منهم، فلما قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة مهاجرًا وحجَّ حجَّة الوداع لَقِيَهُ ميسرةُ فعرفه. فقال: يا رسولَ الله، والله ما زلتُ حريصًا على اتِّباعك من يوم أنختَ بنا حتى كان ما كان، وأبَى الله إلا ما ترى من تأخُّر إسلامي، وقد مات عامَّةُ النفر الذين كانوا معي فأين مدخَلُهم يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "كُل مَنْ مات على غير دين الإسلام فهو في النار" فقال: الحمد لله الذي أنقذني. فأسلم وحسُن إسلامه، وكان له عند أبي بكرٍ مكان. وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي قصصَ القبائل واحدةً واحدة، فذكر عَرْضَهُ ﵇ نفسَه على بني عامر وغسان، وبني فَزَارة، وبني مُرَّة، وبني حنيفة، وبني سُليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عُكَابة، وكِنْدة وكَلْب وبني الحارث بن كعب، وبني عُذْرَة وقيس بن الخَطيم وغيرهم. وساق أخبارَها مطوَّلةً، وقد ذكرنا من ذلك طَرَفًا صالحًا ولله الحمدُ والمنة. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أسودُ بن عامر، أنا إسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبيُّ ﷺ يعرضُ نفسَه على الناس بالموقف فيقول: "هل مِنْ رجل يحمِلُني إلى قومه؟ فإنَّ قريشًا قد منعوني أنْ أبلِّغ كلامَ ربي " فأتاه رجلٌ من هَمْدان فقال: "ممن أنت؟ " قال الرجل: من هَمْدان. قال: "فهل عند قومِك من مَنعة؟ " قال:

стр. 1370

نعم. ثم إنَّ الرجل خَشِيَ أن يُخْفِرَهُ (١) قومُه، فأتَى رسولَ الله ﷺ فقال: آتيهم فأُخبرُهم ثم آتيكَ من عام قابِل. قال: "نعم" فانطلق وجاء وَفْدُ الأنصار في رجب. وقد رواهُ أهل السُّنَنِ الأربعة من طرق عن إسرائيل به، وقال الترمذي: حسنٌ صحيح (٢). فصل قدوم وفد الأنصار عامًا بعد عام حتى بايعوا رسول الله ﷺ بيعةً بعد بيعة ثم بعد ذلك تحوَّل إليهم رسولُ الله ﷺ إلى المدينة فنزل بين أظهرهم كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة حديث سويد بن صامت الأنصاري وهو سويد بن الصامت بن عطيَّة بن حَوْط بن حُبَيِّب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأمُّه ليلى بنت عمرو النجَّاريَّة، أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم، فسويد هذا ابنُ خالة عبدِ المطلب جدِّ رسولِ الله ﷺ . قال محمد بن إسحاق بن يسار (٣): وكان رسولُ الله ﷺ على ذلك من أمره، كلَّما اجتمع له الناسُ بالمَوْسم أتاهم يدعو القبائلَ إلى الله وإلى الإسلام ويعرضُ عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادمٍ يقدم مكةَ من العرب، له اسمٌ وشرف إلا تصدَّى له فدعاه إلى الله تعالى، وعرَض عليه ما عنده. قال ابنُ إسحاق (٤): حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سُويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عَوْف مكة حاجًّا - أو معتمرًا - وكان سُويد إنما يُسمِّيه قومُه فيهم الكامل، لجَلَدِه وشعرِه وشرَفه ونسبه، وهو الذي يقول: [من الطويل] ألا رُبَّ مَنْ تدعو صديقًا ولو تَرَى … مقالتَهُ بالغَيْب ساءَكَ ما يَفْري (٥)
следующие страницы →