← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الذوائب (١). قال: فأقبل إلينا رسولُ الله ﷺ يتبسَّم. قال عليّ: فقلت له: يا أبا بكر لقد وقَعْتَ من الأعرابيِّ على باقِعَة (٢). فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامَّةٍ إلا وفوقها طامَّة، والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالقول (٣). قال: ثمَّ انتهينا إلى مجلسٍ عليه السَّكينةُ والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدَّم أبو بكر فسلَّم - قال علي: وكان أبو بكر مقدَّمًا في كلِّ خَيْر - فقال لهم أبو بكر: ممِن القَوْم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسولِ الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، ليس بعد هؤلاء من عِزٍّ في قومهم - وفي رواية: ليس وراء هؤلاء عذر (٤) من قومهم، وهؤلاء [غرر في قومهم، وهؤلاء] (٥) غرر الناس - وكان في القوم مَفروق بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمُثَنَّى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروقُ بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانًا ولسانًا (٦)، وكانت له غَدِيرتان تسقطان على صدره؛ فكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العددُ فيكم؟ فقال له: إنا لنزيدُ على ألف، ولن يُغلب ألفٌ من قِلَّة. فقال له: فكيف المَنَعَةُ فيكم؟ فقال: علينا الجهد، ولكل قوم جدّ. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوِّكم؟ فقال مفروق: إنا أشد ما نكونُ غضبًا حين نُلْقَى (٧)، وأشد ما نكونُ لقاءً حين نغضب، وإنَّا لنؤثرُ الجيادَ جملى الأولاد، والسلاحَ على اللِّقاح، والنصرُ من عند الله، يديلُنا مرَّة، ويُديل علينا (٨). لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إنْ كان بلغكم أنَّه رسول الله ﷺ فها هو ذا. فقال مفروق: قد بَلَغنا أنه يذكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فقال: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدَّم رسولُ الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكرٍ يُظِلُّه بثوبه، فقال ﷺ : "أدعوكم إلى شهادةِ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له وأنِّي رسولُ الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني، حتى أؤديَ عن الله الذي أمرني به، فإنَّ قريشًا قد تظاهرتْ على أمْرِ الله، وكذبتْ رسولَه، واستغنَتْ بالباطل عن الحق، والله هو الغنيُّ الحميد". قال له: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسولُ الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١ - ١٥٣] فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا

стр. 1367

قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهلِ الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسولُ الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فقال له مفروق: دعوتَ والله يا قرشيّ (١) إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسنِ الأعمال، ولقد أفِكَ قومٌ كذَّبوكَ وظاهروا عليك - وكأنَّه أحبَّ أن يشركه في الكلام هانئُ بن قَبيصة فقال -: وهذا هانئُ بن قَبيصة شيخُنا وصاحبُ ديننا. فقال له هانئ: قد سمعتُ مقالتَك يا أخا قريش، وصدَّقْتُ قولك، وإني أرى أنَّ ترْكَنَا ديننا واتَّباعَنا إيَّاك على دينِك لمجلسٍ جلستَهُ إلينا ليس له أولٌ ولا آخر، لم نتفكَّرْ في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلَّةٌ في الرأي، وطَيْشةٌ في العقل، وقلَّة نظرٍ في العاقبة، وإنما تكونُ الزَّلَّةُ مع العَجَلة، وإن من ورائنا قومًا نكرَهُ أن نعقِد عليهم عَقْدًا؛ ولكنْ ترجع ونرجع، وتنظر وننظر - وكأنَّه أحبَّ أن يشركه في الكلام المثنَّى بنُ حارثة فقال -: وهذا المثنَّى شيخُنا وصاحبُ حَرْبنا. فقال المثنى: قد سمعتُ مقالتَك واستحسنتُ قولَك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلَّمتَ به. والجوابُ هو جوابُ هانئ بن قَبيصة، وترْكنا دينَنا واتِّباعنا إياك على ديننا لمجلسٍ جلستَهُ إلينا، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَيْن (٢) أحدُهما اليمامة، والآخر السماوة (٣). فقال له رسول الله ﷺ : "وما هذان الصَّرَيَان"؟ فقال له: أما أحدُهما فطُفُوف (٤) البَرَّ وأرضُ العرب، وأما الآخر فأرضُ فارس وأنهارُ كسرى وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نحدثَ حدَثًا، ولا نُؤْوي مُحدِثًا. ولعلَّ هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك؛ فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنبُ صاحبه مغفور، وعُذرُه مقبول، وأما ما كان يلي بلادَ فارس، فذنبُ صاحبِه غيرُ مغفور، وعذرُهُ غيرُ مقبول؛ فإن أردت أن ننصرَك ونمنعك مما يلي العرب فعلْنا. فقال رسول الله ﷺ : "ما أسأتُمُ الرَّدّ، إذْ أفصحتُمْ بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطَهُ من جميع جوانبه". ثم قال رسولُ الله ﷺ : ("أرأيتُمْ إنْ لم تَلْبَثُوا إلا يسيرًا حتى يمنحَكم اللهُ بلادَهم وأموالهم ويفرشَكُم بناتِهم، أتسبِّحون الله وتقدَّسونه؟ " فقال له النعمان بن شريك: اللهمَّ وإن ذلك لك يا أخا قريش! فتلا رسولُ الله ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] ثم نهض رسولُ الله ﷺ قابضًا على يد أبي بكر. قال علي: ثم التفتَ إلينا رسولُ الله ﷺ فقال: يا علي أيَّةُ أخلاقٍ للعربِ كانت في الجاهليَّة؟ ما أشرفها! بها يتحاجَزَون فيما بينهم في الحياة الدنيا".

стр. 1368

قال: ثم دفعنا إلى مجلسِ الأوْسِ والخَزْرَج، فما نهضنا حتى بايعوا النبيَّ ﷺ . قال عليّ: وكانوا صدُقًا صُبُرًا، فسُرَّ رسولُ الله ﷺ بذلك، مما رأى من معرفة أبي بكرٍ ﵁ بأنسابهم. قال: فلم يلبَثْ رسولُ الله ﷺ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه فقال: "ادعوا لإخوانكم من ربيعة، فقد أحاطت بهم اليوم أبناء فارس" ثم دخل منزله، فلم يلبَثْ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: "احْمَدُوا الله كثيرًا (١) فقد ظفِرتِ اليومَ أبناءُ ربيعةَ بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نُصروا". قال: وكانت الوقعة بقُرَاقر إلى جَنْب ذي قار، وفيها يقول الأعشى (٢): [من الطويل] فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ ناقتي … وراكبُها عند اللِّقاء وقَلّتِ هُمُو ضربوا بالحِنْوِ حِنْوِ قُرَاقِرٍ … مُقَدِّمةَ الهامُرْزِ حتَّى تولَّتِ فللهِ عينا مَنْ رأى من فوارسٍ … كذُهلِ بنِ شيبان بها حينَ ولَّتِ (٣) فَثَاروا وثُرْنا والمودَّة بينَنا … وكانت علينا غَمْرةً فَتَجَلَّت (٤) هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، كتبناه لما فيه من دلائلِ النبوَّة ومحاسنِ الأخلاق، ومكارم الشِّيَم، وفصاحةِ العرب وقد ورد هذا من طريقٍ أخرى، وفيه أنهم لما تحاربوا وفارس والتقَوْا معهم بقُرَاقِر - مكانٍ قريبٍ من الفُرات - جعلوا شعارَهم اسم محمد ﷺ فنُصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وقال الواقدي (٥): أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسولُ الله ﷺ في منازلنا بمنى ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تَلِي مسجد الخَيْف، وهو على راحلته مُرْدِفًا خلفه زيدَ بن حارثة، فدعانا، فوالله ما استجَبْنا له ولا خُيِّر لنا. قال: وقد كنَّا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجبْ له، وكان معنا ميسرةُ بنُ مسروق العَبْسي، فقال لنا: أحلفُ بالله لو قد صدَّقنا هذا الرجل وحَملْنَاهُ حتى نحلَّ به وسطَ بلادِنا لكان الرأي. فأحلف بالله ليظهرنَّ أمْرُهُ حتى يبلغ كلَّ مبلغ. فقال القوم: دعنا منك لا تعرِّضنا لما لا قِبَلَ لنا به. وطمع رسولُ اللهِ ﷺ في ميسرة، فكلَّمه فقال

стр. 1369

ميسرة: ما أحسنَ كلامَكَ وأنورَه! ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجلُ بقومه، فإذا لم يعضُدوه فالعِدَى أبْعَدُ (١). فانصرف رسولُ الله ﷺ ، وخرج القوم مبادرين (٢) إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى (٣) فَدَك، فإنَّ بها يهود، نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سِفْرًا لهم فوضعوه، ثم درسوا ذكْرَ رسولِ الله ﷺ النبيِّ الأميِّ العربي، يركبُ الحمار ويَجْتَزِئ بالكِسْرَة، وليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجَعْد القَطَط ولا بالسَّبَط، في عينيه حُمْرَة، مشرق (٤) اللَّون. فإنْ كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادْخُلوا في دينه، فإنا نحسُده ولا نتَّبِعُه، ولنا منه في مواطن (٥) بلاءٌ عظيم، ولا يَبْقَى أحدٌ من العرب إلا اتَّبعه وإلا قاتله (٦)، فكونوا ممن يتَّبِعُه. فقال ميسرة: يا قوم، إنَّ (٧) هذا الأمر بيِّن، فقال القوم نرجعُ إلى الموسم ونلقاه. فرجعوا إلى بلادهم وأبَى ذلك عليهم رجالُهم، فلم يتَّبعْهُ أحدٌ منهم، فلما قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة مهاجرًا وحجَّ حجَّة الوداع لَقِيَهُ ميسرةُ فعرفه. فقال: يا رسولَ الله، والله ما زلتُ حريصًا على اتِّباعك من يوم أنختَ بنا حتى كان ما كان، وأبَى الله إلا ما ترى من تأخُّر إسلامي، وقد مات عامَّةُ النفر الذين كانوا معي فأين مدخَلُهم يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "كُل مَنْ مات على غير دين الإسلام فهو في النار" فقال: الحمد لله الذي أنقذني. فأسلم وحسُن إسلامه، وكان له عند أبي بكرٍ مكان. وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي قصصَ القبائل واحدةً واحدة، فذكر عَرْضَهُ ﵇ نفسَه على بني عامر وغسان، وبني فَزَارة، وبني مُرَّة، وبني حنيفة، وبني سُليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عُكَابة، وكِنْدة وكَلْب وبني الحارث بن كعب، وبني عُذْرَة وقيس بن الخَطيم وغيرهم. وساق أخبارَها مطوَّلةً، وقد ذكرنا من ذلك طَرَفًا صالحًا ولله الحمدُ والمنة. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أسودُ بن عامر، أنا إسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبيُّ ﷺ يعرضُ نفسَه على الناس بالموقف فيقول: "هل مِنْ رجل يحمِلُني إلى قومه؟ فإنَّ قريشًا قد منعوني أنْ أبلِّغ كلامَ ربي " فأتاه رجلٌ من هَمْدان فقال: "ممن أنت؟ " قال الرجل: من هَمْدان. قال: "فهل عند قومِك من مَنعة؟ " قال:

стр. 1370

نعم. ثم إنَّ الرجل خَشِيَ أن يُخْفِرَهُ (١) قومُه، فأتَى رسولَ الله ﷺ فقال: آتيهم فأُخبرُهم ثم آتيكَ من عام قابِل. قال: "نعم" فانطلق وجاء وَفْدُ الأنصار في رجب. وقد رواهُ أهل السُّنَنِ الأربعة من طرق عن إسرائيل به، وقال الترمذي: حسنٌ صحيح (٢). فصل قدوم وفد الأنصار عامًا بعد عام حتى بايعوا رسول الله ﷺ بيعةً بعد بيعة ثم بعد ذلك تحوَّل إليهم رسولُ الله ﷺ إلى المدينة فنزل بين أظهرهم كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة حديث سويد بن صامت الأنصاري وهو سويد بن الصامت بن عطيَّة بن حَوْط بن حُبَيِّب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأمُّه ليلى بنت عمرو النجَّاريَّة، أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم، فسويد هذا ابنُ خالة عبدِ المطلب جدِّ رسولِ الله ﷺ . قال محمد بن إسحاق بن يسار (٣): وكان رسولُ الله ﷺ على ذلك من أمره، كلَّما اجتمع له الناسُ بالمَوْسم أتاهم يدعو القبائلَ إلى الله وإلى الإسلام ويعرضُ عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادمٍ يقدم مكةَ من العرب، له اسمٌ وشرف إلا تصدَّى له فدعاه إلى الله تعالى، وعرَض عليه ما عنده. قال ابنُ إسحاق (٤): حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سُويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عَوْف مكة حاجًّا - أو معتمرًا - وكان سُويد إنما يُسمِّيه قومُه فيهم الكامل، لجَلَدِه وشعرِه وشرَفه ونسبه، وهو الذي يقول: [من الطويل] ألا رُبَّ مَنْ تدعو صديقًا ولو تَرَى … مقالتَهُ بالغَيْب ساءَكَ ما يَفْري (٥)

стр. 1371

مقالتُه كالشَّهْدِ (١) ما كان شاهدًا … وبالغيبِ مأثورٌ على ثُغْرةِ النَّحْر (٢) يسرُّك باديهِ وتحتَ أديمهِ … نَميمةُ غِشٍّ تَبْتَري عَقَبَ الظَّهر (٣) تُبين لك العينانِ ما هو كاتمٌ … من الغِلِّ والبغضاءِ بالنظر الشَّزْر فَرِشْني بخيرٍ طالما قد بَرَيْتَني … وخيرُ الموالي من يَريشُ ولا يَبري (٤) قال (٥): فتصدَّى له رسولُ الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعلَّ الذي معك مثلُ الذي معي. فقال له رسولُ الله ﷺ : "وما الذي معك؟ " قال: مجلَّة لُقْمان (٦) - يعني حكمة لقمان - فقال رسولُ الله ﷺ : "اعرِضْها عليَّ" فعرضها عليه فقال: "إنَّ هذا الكلام حسن، والذي معي أفضلُ من هذا؛ قرآنٌ أنزله الله علىّ، هو هُدًى ونُور" فتلا عليه رسولُ الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام. فلم يَبْعُدْ منه وقال: إنَّ هذا القول حسن. ثم انصرف عنه، فقدِم المدينة على قومه، فلم يلبَثْ أن قَتَلَتْهُ الخزرج؛ فإن كان رجالٌ من قومه ليقولون: إنَّا لنراه قُتل وهو مسلم. وكان قتلُه قبل بُعَاث. وقد رواه البيهقي (٧) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق بأخصرَ من هذا. إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق (٨): وحدَّثني الحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعَاذ عن محمود بن لَبيد، قال: لما قدم أبو الحَيْسَر أنسُ بن رافع مكة ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشْهَل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلْفَ من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسولُ الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم فقال: "هل لكم في خيرٍ مما جئتم له؟ " فقالوا: وما ذاك؟ قال: "أنا رسولُ الله إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليَّ الكتاب". ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قال: فقال إياسُ بن معاذ - وكان غلامًا حدَثًا -: يا قوم، هذا والله خيرٌ مما جئتم له. فأخذ أبو الحَيْسَر أنسُ بن

стр. 1372

رافع حفنةً من تراب البَطْحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغيرِ هذا. قال: فصمَتَ إياس، وقام رسولُ الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعةُ بُعَاث بين الأوس والخزرج. قال: ثم لم يلبَثْ إياسُ بن معاذ أنْ هلك. قال محمود بن لَبيد: فأخبرني مَنْ حضرَهُ (١) من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّلُ الله ويكبِّرُه ويحمَدُه، ويسِّبحُه حتى مات. فما كانوا يشكُّون أنه قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسولِ الله ﷺ ما سمع. قلتُ: كان يومُ بُعَاث - وبُعَاث موضعٌ بالمدينة - كانت فيه وقعةٌ عظيمة قُتل فيها خلقٌ كثير من أشرافِ الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبقَ من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه (٢) عن عُبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامه (٣)، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يوم بُعَاث يومًا قدَّمَهُ الله لرسوله، فقدِم (٤) رسولُ الله ﷺ إلى المدينة وقد افترق مَلَؤهم، وقُتلَتْ سَرَواتُهم (٥). وقال (٦) أبو زرعة الرازي في كتابه "دلائل النبوة" باب إسلام رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء: حدَّثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد (٧) بن هانئ الشَّجري (٨)، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق (٩)، حدَّثني عبيد (١٠) بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، عن جدِّه، أنه خرج هو وابن خالته معاذ بن عفراء حتى قدِما مكة، فلما هبطا من الثنيَّة رأيا رجلًا تحت شجرة - قال: وهذا قبل خروج الستة من

стр. 1373

الأنصار - قال: فلما رأيناه كلمنا (١) قلنا: نأتي هذا الرجل نستودعه راحلتينا حتى نطوف بالبيت، فجئنا فسلَّمنا عليه تسليم أهل الجاهلية، فردَّ علينا تسليم أهل الإسلام، وقد سمعتُ بالنبي [ ﷺ ] (٢) قال: فأنكرنا، فقلنا: من أنت؟ قال: "انزلوا". فنزلنا فقلنا: أين هذا الرجل الذي يدَّعي ما يدَّعي ويقول ما يقول؟ قال: "أنا هو". قلنا: فاعْرِضْ علينا الإسلام. فعرض وقال: "من خلق السماوات والأرض والجبال؟ " قلنا: خلقهنَّ الله. قال: "من خلقكم"؟ قلنا: الله. قال: "فمن عمل هذه الأصنام التي تعبدون؟ " قلنا: نحن. قال: "الخالق أحقُّ بالعبادة أو المخلوق؟! قلنا: الخالق. قال: "فأنتم أحق أن تعبدوا ربكم، وأنتم عملتموهن، والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه، وأنا أدعو إلى عبادة الله وشهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وصلةِ الرَّحِم، وترك الولدان (٣) العدوان وإن غضب الناس" فقالا: لو كان هذا الذي تدعوه إليه باطلًا لكان من معالي الأمور ومحاسن الأخلاق، فأمسك راحلتينا حتى نأتي البيت، فجلس عنده معاذ بن عفراء. قال رافع: وجئت البيت فطفت وأخرجت سبعة قداح، وجعلت له بينها قدحًا فاستقبلت وقلت: اللهمَّ إن كان ما يدعو إليه محمد حقًا فأخرج قدَحَه سبع مرات، فضربتُ بها سبع مرات، فصحت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، فاجتمع الناسُ علي وقالوا: مجنون رجلٌ صبا. فقلت: رجلٌ صبأ! بل رجل مؤمن. ثم جئت إلى النبي ﷺ بأعلى مكة، فلما رآني معاذ بن عفراء قال: لقد جئتَ بوجهٍ ما ذهبت به [قال] (٤) رافع: فجئت وآمنت، وعلَّمنا رسول الله ﷺ سورة يوسف [و] (٤) اقرأ باسم ربك الذي خلق، ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فلما كنا بالعَقيق قال معاذ: إني لم أطْرُقْ ليلًا قط، فبتْ بنا حتى نصبح. فقلت: أبيتُ ومعي ما معي من الخير!؟ ما كنتُ لأفعل. وكان رافع إذا خرج سفرًا ثم قدم عرض قومه. إسنادٌ حسن (٥) وسياقٌ حسَن (٦).

стр. 1374

باب بُدُوِّ إسلام الأنصار ﵃ قال ابن إسحاق: فلما أراد اللهُ إظهار دينه وإعزازَ نبيِّه، وإنجاز موعده له، خرج رسولُ الله ﷺ في الموسم الذي لقيَهُ فيه النَّفَر من الأنصار فعرض نفسَه على قبائل العرب كما كان يصنعُ في كلِّ مَوْسم، فبينا هو عند العقبة لَقِيَ رَهْطًا من الخزرج أراد الله لهم خيرًا. فحدَّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة. عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسولُ الله ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يَهُود؟! قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسونَ أكلِّمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهمُ القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أنَّ يهودَ كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهلَ كتابٍ وعِلْم، وكانوا هم أهلَ شِرْكٍ وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزَوْهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيءٌ قالوا: إنَّ نبيًّا مبعوث الآن قد أظلَّ زمانُه نتَّبعه، نقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَم. فلمَّا كلَّم رسولُ الله ﷺ أولئك النَّفَر ودعاهم إلى الله، قال بعضُهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه النبيُّ الذي توعَّدكم به يهود، فلا يسبِقُنَّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدَّقوه وقبلوا منه ما عرَض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا قد ترَكْنا قومَنا، ولا قومَ بينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، وعسى أن يجمعَهُم اللهُ بك، فسنقدَم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإنْ يجمَعْهم الله عليك فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدَّقوا. قال ابن إسحاق (١): وهم - فيما ذُكر لي - ستة نفر، كلُّهم من الخزرج، وهم أبو أمامة أسعدُ بن زُرَارة بن عُدَس بن عبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجَّار (٢)، وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجَّار - وهو ابن عَفْراء - النجَّاريان، ورافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق الزُّرَقي، وقُطْبَة بن عامر بن حَدِيدة بن عمرو بن غَنْم بن سواد (٣) بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة بن سعد بن علي بن أسَد بن سارِدَة بن تَزِيد بن جُشَم بن الخَزْرَج السَّلَمي ثم من بني سواد،

стр. 1375

وعقبة بن عامر بن نابي بن زَيْد بن حَرَام بن كَعب بن سَلِمة السَّلَمي أيضًا، ثم من بني حَرَام. وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سِنان بن عُبيد بن عَدِيّ بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة السَّلَمي أيضًا، ثم من بني عُبيد ﵃. وهكذا روي عن الشعبي والزُّهري وغيرهما (١)، أنهم كانوا ليلتئذٍ ستةَ نفرٍ من الخزرج. وذكر موسى بن عقبة (٢) فيما رواهُ عن الزُّهْري وعروة بن الزُّبير، أنَّ أول اجتماعه ﵇ بهم كانوا ثمانية وهم؛ معاذ بن عفراء، وأسعد بن زُرارة، ورافع بن مالك، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعُبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعُويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدُوه إلى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ معاذَ بن عَفْرَاء، ورافع بن مالك، أن ابعَثْ إلينا رجلًا يفقِّهُنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير، فنزل على أسعد بن زُرَارة وذكر تمامَ القصة كما سيوردُها ابنُ إسحاق أتمَّ من سياقِ موسى بن عقبة، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٣): فلما قدِموا المدينةَ إلى قومهم ذكروا لهم رسولَ الله ﷺ ودعَوْهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكْرُ رسولِ الله ﷺ حتى إذا كان العامُ المقبل وافَى المَوْسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا وهم: أبو أمامة أسعدُ بن زُرارة المتقدِّم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدِّم، وأخوه معاذ وهما ابنا عَفْراء، ورافع بن مالك المتقدِّم أيضًا. وذَكْوَان بن عبد قيس بن خَلْدَة بن مُخَلَّد بن عامر بن زُرَيق الزُّرَقي. قال ابنُ هشام (٤): وهو أنصاريٌّ مهاجريّ. وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصْرَم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خَزْمَة بن أصْرم البَلَوِيّ، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة بن مالك بن العَجْلان بن يزيد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العَجْلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدِّم، وقُطْبَة بن عامر بن حَديدة المتقدم؛ فهؤلاء عشرةٌ من الخزرج، ومن الأوس اثنان وهما: عُويم بن ساعدة. وأبو الهيثم مالك بن التيِّهان. قال ابنُ هشام (٥): التَّيِّهان يخفَّفُ ويُثَقَّل كمَيْتٍ ومَيِّت.

стр. 1376

قال السُّهيلي (١): أبو الهيثم بن التَّيِّهان، اسْمُه مالك بن مالك بن عَتِيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زَعُوراء بن جُشَم (٢) بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. قال: وقيل إنه أرَاشيّ وقيل بَلَوي. وهذا لم ينسُبْهُ ابنُ إسحاق ولا ابنُ هشام. قال: والهيثم فَرْخُ العقاب، وضرْبٌ من النبات (٣). والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلًا شهدوا المَوْسِم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسولِ الله ﷺ فلَقُوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعةَ النساء وهي العقبةُ الأولى. وروى أبو نُعيم (٤) أنَّ رسول الله ﷺ قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] إلى آخرها. وقال ابن إسحاق (٥): حدَّثني يزيد بن أبي حَبيب، عن مَرْثد بن عبد الله اليَزَني، عن عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنَابحي، عن عُبادَة بنِ الصامت قال: كنتُ فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسولَ الله ﷺ على بَيْعة النساء، وذلك قبل أن يُفترض الحرب، على أن لا نُشرك بالله شيئًا، ولا نَسْرق ولا نَزْني، ولا نقتل أولادَنا، ولا نأتي ببُهْتانٍ نَفْتريه بين أيدينا وأرجُلنا ولا نعصيه في معروف. فإنْ وفَّيتُمْ فلكم الجنَّة، وإنْ غَشِيتم من ذلك شيئًا فأمْرُكم إلى الله، إنْ شاء عذَّب وإنْ شاء غَفَر. وقد روى البخاري ومسلم (٦) هذا الحديث من طريق اللَّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حَبيب به نحوه. قال ابنُ إسحاق (٧): وذكر ابنُ شهاب الزُّهْري عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخَوْلاني أنَّ عُبادَةَ بن الصامت حدَّثه قال: بايعنا رسولَ الله ﷺ ليلة العقبةِ الأولى أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسِرِق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببُهْتانٍ نفتريهِ بين أيدينا وأرجُلنا، ولا نعصيهِ في معروف، فإنْ وفَيْتم فلكم الجنَّة، وإنْ غشيتم من ذلك شيئًا فأخذتم بحدِّه في الدُّنيا، فهو كفَّارةٌ له، وإن سُترتم عليه إلى يوم القيامة فأمْرُكم إلى الله، إنْ شاء عذَّب، وإن شاء غَفَر.

стр. 1377

وهذا الحديث مخرَّجٌ في الصحيحَيْن (١) وغيرهما من طُرق عن الزُّهري به نحوه، وقوله: على بيعة النساء - يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحُدَيبية - وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا بعجيب، فإنَّ القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما مَوْطنٍ كما بيَّناه في سيرته وفي التفسير، وإنْ كانت هذه البيعة وقعَتْ عن وَحْيٍ غيرِ مَتْلُوّ، فهو أظهر والله أعلم. قال ابن إسحاق (٢): فلما انصرف عنه القوم بعث رسولُ الله ﷺ معهم مُصْعَب بن عُمير بن هاشم بن عبد مَنَاف بن عبد الدَّار بن قُصَي. وأمرَهُ أنْ يُقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإسلام ويفقِّههم في الدين. وقد روى البيهقي (٣) عن ابن إسحاق قال: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ رسولَ الله ﷺ إنما بعث مصعبًا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم. وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدّم، إلا أنه جعل المرةَ الثانية هي الأولى. قال البيهقي (٤): وسياق ابن إسحاق أتمّ. وقال ابن إسحاق (٥): فكان عبد الله بن أبي بكر يقول: لا أدري ما العقبةُ الأولى. ثم يقول ابنُ إسحاق: بلى لعمري فد كانت عَقَبة وعَقَبة. قالوا كلُّهم: فنزل مصعبٌ على أسعد بن زُرارة فكان يسمَّى بالمدينة المقرئ. قال ابن إسحاق (٦): فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوْس والخَزْرَج كرِه بعضُهم أن يؤمَّه بعضٌ ﵃ أجمعين. قال ابن إسحاق (٧): وحدَّثني محمد بن أبي أُمامة بن سَهْل بن حُنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائدَ أبي حين ذهبَ بصرُهُ، فكنتُ إذا خرجتُ به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلَّى على أبي أمامة أسعد بن زُرَارة قال: فمكث حينًا على ذلك لا يسمع الأذانَ للجمعة إلا صلَّى عليه واستغفرَ له. قال: فقلتُ في نفسي والله إنَّ هذا لي لَعَجْزٌ، ألا أسأله؟ فقلت: يا أبت مالك إذا سمعتَ الأذانَ للجمعة صلَّيتَ على أبي أمامة؟ فقال: أيْ بُنَيّ، كان أولَ مَنْ جمَّع بنا بالمدينة في هَزْم

стр. 1378

النَّبِيت (١) من حَرَّة بني بَيَاضة في نقيعٍ يقال له نَقيع الخَضِمات (٢). قال: قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. وقد روى هذا الحديث أبو داود وابنُ ماجَه (٣) من طريق محمد بن إسحاق ﵀. وقد روى الدارقطني (٤) عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجُمعة. وفي إسناده غرابة، والله أعلم. وقال ابن إسحاق (٥): وحدَّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيْقِيب (٦)، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم أنَّ أسعد بن زُرارة خرج بمصعب بن عُمير يُريد به دارَ بني عبد الأشهل، ودارَ بني ظَفَر، وكان سعدُ بن معاذ ابنَ خالة أسعد بن زرارة. فدخل به حائطًا من حوائط بني ظَفَر على بئر يقالُ له بئر مَرَق، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجالٌ ممن أسلم، وسعدُ بن معاذ وأُسيد بن الحُضَير يومئذٍ سيِّدا قومِهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مُشْرِكٌ على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد لأُسيد: لا أبالك، انطلقْ إلى هذين الرجلَيْن اللذين قد أتيا دارَينا ليسفِّها ضعفاءنا، فازْجُرْهُما، وانههما أن يأتيا دارَينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتُك ذلك، هو ابنُ خالتي ولا أجد عليك مقدَّمًا. قال: فأخذ أُسيد بن حُضَير حَرْبَتَه ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعدُ بن زُرارة قال لمصعب: هذا سيِّدُ قومه وقد جاءك، فاصْدُقِ الله فيه، قال مصعب: إنْ يجلسْ أكلِّمْهُ. قال: فوقف عليهما متشتِّمًا فقال: ما جاء بكما إلينا تسفِّهانِ ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة - وقال موسى بن عقبة: فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الوحيد الغريب الطريد ليُسَفِّه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه - قال ابنُ

стр. 1379

إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلسُ فتسمع، فإنْ رضيتَ أمْرًا قَبِلْتَه، وإنْ كرهتَهُ كُفَّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت. قال: ثم ركز حَرْبَته وجلس إليهما، فكلَّمه مُصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يُذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلَّم في إشرافه وتسهُّله. ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتُم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهَّر، وتطهِّر ثوبَيْك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل، وطهَّر ثوبيه وتشهَّد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتَيْن، ثم قال لهما: إنَّ ورائي رجلًا إن اتبعَكما لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ من قومه، وسأُرسله إليكما الآن، سعدَ بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعدٍ وقومه وهم جلوسٌ في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن مُعاذ مُقْبِلًا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أُسَيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلَّمتُ الرجلَيْن، فوالله ما رأيتُ بهما بأسًا. وقد نهيتُهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدِّثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِرُوك (١)، قال: فقام سعدُ بن معاذ مُغْضَبًا مبادرًا تخوُّفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغْنَيْتَ شيئًا، ثم خرج إليهما فلما رآهما سعد مطمئنَّينِ عرف أن أُسيدًا إنما أراد أن يسمعَ منهما، فوقف عليهما متشتِّمًا ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا مني، أتغشانا في دارَينا بما نكره؟ - قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك واللّه سيدُ من وراءَهُ قومُه، إنْ يتَبعْك لا يتخلَّفْ عنك منهم اثنان - قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإنْ رضِيتَ أمرًا ورغبتَ فيه قَبِلْتَه، وإنْ كرهتَه عَزْلنا عنكَ ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن -[وذكر موسى بنُ عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف] (٢) - قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهُّله. ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهَّرُ وتطهِّرُ ثوبَيْك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل، وطهَّر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدًا إلى نادي قومه ومعه أُسيد بن الحُضير. فلما رآه قومُه مقبلًا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيِّدُنا وأفْضَلُنا رأيًا وأيمننا نَقِيبةً. قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، ورجع أسعد (٣)

стр. 1380

ومصعب إلى منزل أسعد بن زُرارة فأقام (١) عنده يدعو (٢) الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رجالٌ ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخَطْمة، ووائل، وواقف، وتلك أوْسُ الله، وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت واسمه صَيْفي -[وقال الزبير بن بكَّار: اسمه الحارث، وقيل عبيد الله واسم أبيه الأسلت عامر بن جُشَم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس. وكذا نسبه ابن الكلبي أيضًا]- وكان شاعرًا لهم قائدًا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق. قلت: وأبو قيس بن الأسْلَت هذا ذكر له ابنُ إسحاق أشعارًا ربَّانيةُ (٣) حسنة، تقرب من أشعار أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي. قال ابن إسحاق فيما تقدم (٤): ولما انتشر أمر رسولِ الله ﷺ في العرب، وبلغ البلدان ذُكر بالمدينة، ولم يكن حيٌّ من العرب أعلمَ بأمر رسولِ الله ﷺ حين ذُكر، وقبل أن يُذكر من هذا الحيِّ من الأوس والخزرج، وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود. فلما وقع أمره (٥) بالمدينة وتحدَّثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الأسْلت أخو بني واقف (٦) - وكان يحبُّ قريشًا، وكان لهم صِهْرًا. كانت تحته أرْنَبُ بنت أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وكان يُقيم عندهم السنين بامرأته - قال قصيدة يُعَظِّم فيها الحُرْمة، وينهَى قريشًا فيها عن الحرب، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويذكِّرهم بلاءَ الله عندهم ودَفْعَهُ عنهم الفيل وكَيْدَه، ويأمرهم بالكفِّ عن رسول الله ﷺ : [من الطويل] أيا راكبًا إمَّا عرَضْتَ فبلِّغَنْ … مُغَلْغَلةً عنّي لُؤَيَّ بنَ غالبِ (٧) رسولَ امرئٍ قد راعَه ذاتُ بينكم … على النَّأْي محزونٍ بذلك ناصِبِ

стр. 1381

وقد كان عندي للهموم مُعَرَّسٌ … ولم أقضِ منها حاجتي ومآربي (١) نُبِيتُكم شَرْجَيْنِ، كلَّ قبيلة … لها أزْمَلٌ من بينِ مُذْكٍ وحاطِب (٢) أعيذُكُم بالله من شرِّ صُنْعِكم … وشرِّ تَباغيكم ودسِّ العقارب وإظهارِ أخلاقٍ ونجوى سقيمةٍ … كوَخْزِ الأشَافي وقْعُها حقُّ صائب (٣) فذكِّرْهُمُ بالله أوَّلَ وَهْلَةٍ … وإحلالِ إحرام الظِّباء الشوازِب (٤) وقلْ لهمُ واللهُ يُحكم حُكْمَهُ … ذَرُوا الحربَ تذهبْ عنكمُ في المَرَاحِب (٥) متى تبعثوها تبعثوها ذَميمةً … هي الغُولُ للأقْصَيْنَ أو للأقاربِ (٦) تُقَطِّعُ أرحامًا وتُهلكُ أمَّةً … وتَبْرِي السَّدِيفَ من سنَامٍ وغاربِ (٧) وتستبدلوا بالأتْحَمِيَّةِ بعدَها … شَليلًا وأصْداءً ثيابَ المحارب (٨) وبالمسكِ والكافورِ غُبْرًا سَوابغًا … كأنَّ قَتيرَيْها عيونُ الجنادِبِ (٩) فإياكُم والحربَ لا تَعْلَقَنَّكم … وحَوْضًا وخيمَ الماء مُرَّ المشارب تزيَّنُ للأقوام ثم يَرَوْنها … بعاقبةٍ إذْ بيَّنتْ أمَّ صاحب (١٠)

стр. 1382

تحرَّقُ لا تُشْوِي ضعيفًا وتنتحي … ذوي العِرِّ منكم بالحُتوف الصوائب (١) ألم تعلموا ما كان في حَرْبِ داحِسٍ … فتعتبروا أو كانَ في حَرْب حاطِب وكم ذا أصابتْ من شريفٍ مُسَوَّدٍ … طويل العِماد ضيفُه غيرُ خائب عظيمِ رمادِ النارِ يُحمَد أمرُه … وذي شيمةٍ مَحْضٍ كريمِ المَضَارب (٢) وماءٍ هُريقَ في الضَّلال كأنما … أذاعَتْ به ريحُ الصَّبَا والجَنَائبِ (٣) يخبِّركم عنها امرؤٌ حقّ عالمٍ … بأيامها والعلمُ علمُ التجارب فبيعوا الحِرَاب مِلْمُحاربِ واذكروا … حِسَابكم واللهُ خيرُ محاسب وليُّ امرئٍ فاختارَ دينًا فلا يَكُنْ … عليكم رقيبًا غيرَ ربِّ الثواقب (٤) أقيموا لنا دينًا حَنيفًا فأنتمو … لنا غايةٌ، قد يُهتدَى بالذوائب وأنتم لهذا الناسِ نُورٌ وعِصْمةٌ … تؤمُّون والأحلامُ غيرُ عوازب وأنتم إذا ما حُصِّلَ الناسُ جوهرٌ … لكم سُرَّةُ البطحاء شُمُّ الأرانبِ تصونون أجسامًا كِرامًا عتيقةً … مهذَّبة الأنسابِ غيرَ أشائب يرى طالبُ الحاجات نحو بيوتكم … عصائبَ هَلْكَى تهتدي بعصائب لقد علمَ الأقوامُ أنَّ سَرَاتكم … على كل حالٍ خيرُ أهلِ الجباجب (٥) وأفضلُه رأيًا وأعلاه سُنّةً … وأقولُه للحقِّ وسْط المواكب

стр. 1383

فقوموا فصلُّوا ربَّكم وتمسَّحوا … بأركان هذا البيتِ بينَ الأخاشب (١) فعندكمُ منهُ بلاءٌ ومِصْدَقٌ … غداةَ أبي يَكسومَ هادي الكتائب (٢) كتيبتُه بالسَّهْل تُمسي ورَجْله … على القاذفاتِ في رؤوسِ المناقب (٣) فلما أتاكم نصرُ ذي العرش ردَّهم … جنودُ المليك بين سافٍ وحاصب (٤) فولَّوا سِراعًا هاربين ولم يَؤُبْ … إلى أهله مِلحُبْشِ غيرُ عصائب فإنْ تهلِكوا نهلِكْ وتَهلِكْ مواسمٌ … يُعاشُ بها، قولُ امرئٍ غيرِ كاذب (٥) وحَرْب داحس الذي (٦) ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيدة معمرُ بن المثنَّى وغيره: أنَّ فرسًا يقال له داحس، كانت لقيس بن زهير بن جَذِيمة بن رواحة الغَطَفاني، أجراه مع فرسٍ لحُذَيفة بن بَدْر بن عمرو بن جَوَيَّة (٧) الغَطَفاني أيضًا، يقال لها الغَبْراء، فجاءتْ داحِسُ سابقًا، فأمر حُذيفةُ من ضرب وجهها، فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حَمَلُ بنُ بَدْر فلطم مالكًا، ثم إنَّ أبا جُنيدب العَبْسي لقي عوفَ بن حُذيفة فقتله، ثم لقي رجلٌ من بني فزارة مالكًا فقتله، فشبَّتِ الحرب بين بني عبس وفَزَارة، فقُتل حذيفةُ بن بدر وأخوه حَمَلُ بن بدر وجماعاتٌ آخرون، وقالوا في ذلك أشعارًا كثيرة يطول بسطُها وذكرها. قال ابن هشام (٨): ويُقال: أَرسل قيسٌ داحسًا والغبراء، وأرسل حذيفةُ الخطَّار والحَنْفاء، والأول أصحّ. قال: وأما حَرْبُ حاطب فيعني حاطب بن الحارث بن قيس بن هَيْشَة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. كان قَتَل يهوديًا جارًا للخَزْرَج، فخرج إليه يزيد (٩) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن [مالك بن كعب] (١٠)

стр. 1384

ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن فُسْحُم (١) في نفرٍ من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه، فوقعتِ الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ سُويد بن الصامت الأوسي، قتله المُجَذَّر بن ذياد، حليفُ بني عوف بن الخزرج؛ ثم كانت بنيهم حروب يطول ذِكْرُها أيضًا. والمقصود أن أبا قيس بن الأسْلَت مع علْمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الإسلام، فأسلم من أهلها بشرٌ كثير ولم يبق دارٌ - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غيرَ دارِ بني واقف قبيلةِ أبي قيس، ثبَّطهم عن الإسلام، وهو القائل أيضًا: [من الوافر] أربَّ الناسِ أشياءٌ ألمَّتْ … يُلَفُّ الصَّعْبُ منها بالذَّلُولِ أربَّ الناس أمَّا إذْ ضَلَلْنا … فَيَسِّرْنا لمعروفِ السبيل (٢) فلولا ربُّنا كنَّا يهودًا … وما دينُ اليهودِ بذي شُكول (٣) ولولا ربُّنا كنَّا نصارَى … مع الرُّهبانِ في جَبَل الجَلِيل (٤) ولكنَّا خُلقنا إذْ خُلقنا … حنيفًا دينُنا عن كلِّ جيل نسوقُ الهَدْيَ ترسفُ مُذْعِناتٍ … مكشَّفةَ المناكبِ في الجلُول (٥) وحاصلُ ما يقول أنه حائرٌ فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثةِ رسول الله ﷺ فتوقَّف الواقفيُّ في ذلك مع علمه ومعرفته. وكان الذي ثبَّطَه عن الإسلام أولًا عبدُ الله بن أُبيِّ بن سَلُول، بعد ما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر به يهود، فمنعه عن الإسلام. قال ابنُ إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج. وأنكر الزُّبير بن بكَّار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي (٦)، قال:

стр. 1385

كان عزَمَ على الإسلام أولَ ما دعاه رسولُ الله ﷺ ، فلامَهُ عبدُ الله بن أُبَيّ، فحلف لا يسلم إلى حَوْل فمات في ذي القعدة. وقد ذكر غيرُه فيما حكاه ابنُ الأثير في كتابه: "أُسْد الغابة" (١) أنه لما حضرَهُ الموتُ دعاهُ النبيُّ ﷺ إلى الإسلام فسُمع (٢) يقول: لا إله إلا الله. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار، فقال: "يا خال، قُلْ لا إله إلا الله" فقال: أخالٌ أمْ عَمّ؟ قال: "لا، بلْ خال" قال: فخير لي أنْ أقولَ لا إله إلا الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم". تفرَّد به أحمد رحمه الله تعالى. وذكر عكرمةُ وغيرُه أنه لما تُوفِّي أراد ابنُه أن يتزوَّج امرأتَهُ كُبَيشة بنت مَعْن بن عاصم، فسألَتْ رسولَ الله ﷺ في ذلك، فأنزل الله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (٤). وقال ابن إسحاق (٥) وسعيدُ بن يحيى الأموي في "مغازيه": كان أبو قيس هذا قد ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهَّر من الحائض من النساء، وهمَّ بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتًا له فاتخذه مسجدًا، لا يدخل عليه فيه حائضٌ ولا جُنُب. وقال: أعْبُد إله إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها، حتى قدم رسولُ الله ﷺ المدينة فأسلم، فحسُن إسلامه، وهو شيخٌ كبير، وكان قوَّالًا بالحق، معظِّمًا لله في جاهليَّته، يقولُ في ذلك أشعارًا حِسانًا وهو الذي يقول: [من الطويل] يقول أبو قيسٍ وأصبحَ غاديًا … ألا ما استطعتُم من وَصَاتيَ فافعلوا

стр. 1386

فأُوصيكمُ باللهِ والبرِّ والتُّقَى … وأعراضِكم، والبرُّ بالله أولُ وإنْ قومُكم سادوا فلا تَحْسُدُنَّهُمْ … وإنْ كنتمُ أهلَ الرِّياسةِ فاعدِلوا وإنْ نزلتْ إحدى الدواهي بقومكم … فأنفسَكم دونَ العشيرة فاجعلوا وإن نابَ غُرْمٌ فادحٌ فارْفقُوهمُ … وما حَمَّلوكم في المُلِمَّاتِ فاحملوا وإن أنتمُ مَعَّرْتُم (١) فتعفَّفوا … وإنْ كان فضلُ الخيرِ فيكم فأفضلوا وقال أبو قيس أيضًا: [من الخفيف] سبِّحوا اللهَ شرقَ كلِّ صباحٍ … طلعتْ شمسُه وكلِّ هلالِ عالمُ السرِّ والبيانِ جميعًا … ليس ما قال ربُّنا بضلالِ وله الطيرُ تستريد وتأوي … في وكورٍ من آمناتِ الجبال (٢) وله الوحشُ بالفَلاةِ تراها … في حِقافٍ وفي ظلالِ الرمالِ (٣) وله هوَّدَتْ يهودُ ودانَتْ … كلَّ دينٍ مخافةً من عُضالِ وله شمَّس النصارى وقامُوا … كل عيدٍ لربِّهم واحتفالِ (٤) وله الراهبُ الحبيسُ تراه … رَهْنَ بؤسٍ وكان ناعمَ بالِ (٥) يا بنيَّ الأرحامَ لا تقطَعوها … وصِلُوها قصيرةً من طِوال (٦) واتَّقوا اللهَ في ضِعاف اليتامى … وبما (٧) يُستحَلُّ غيرُ الحلال واعلموا أنَّ لليتيم وليًّا … عالمًا يَهتدي بغير سؤال ثم مالَ اليتيم لا تأكلُوه … إنَّ مالَ اليتيم يرعاه والي

стр. 1387

يا بَنيَّ التُّخُومَ لا تَجْزِلوها … إن جَزْلَ التُّخومِ ذو عُقَّال (١) يا بنيَّ الأيامَ لا تأمنوها … واحذَروا مَكرها ومَرَّ الليالي واعلموا أنَّ مُرَّها لنِفادِ الْـ … خلْقِ ما كان في جديدٍ وبال واجمعوا أمرَكم على البرِّ والتَّقْـ … ــــــوى وتَرْكِ الخَنا وأخذِ الحلال قال ابن إسحاق (٢): وقال أبو قيس صرمة (٣) أيضًا يذكرُ ما أكرمهم الله به من الإسلام، وما خصَّهم به من نزول رسول الله ﷺ عندهم [من الطويل] ثوى في قريشٍ بضعَ عشرةَ حجَّةً … يُذكِّر لو يَلقى صَديقًا مُواتيا وسيأتي ذِكرها بتمامها فيما بعد إنْ شاء الله وبه الثقة. قصة بيعة العقبة الثانية (٤) قال ابن إسحاق (٥): ثم إنَّ مصعب بن عُمير رجع إلى مكة، وخرج مَنْ خرج من الأنصار من المسلمين مع حُجَّاج قومهم من أهل الشَّرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسولَ الله ﷺ العقبةَ من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم [ما أراد] من كرامته، والنَّصر لنبيِّه، وإعزاز الإسلام وأهله [وإذلال الشِّرك وأهله]. فحدِّثني معبد بن كعب بن مالك أنَّ أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدَّثه أنَّ أباه كعبًا حدَّثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسولَ الله ﷺ بها - قال: خرجنا في حُجَّاج قومنا من المشركين، وقد صلَّينا وفقهنا ومعنا البراءُ بن معرور سيِّدُنا وكبيرُنا، فلما وجَّهنا لسفرنا، وخرجْنا من المدينة قال البراء: يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ أن لا أدعَ هذه البنيَّة مني بظَهْر - يعني الكعبة - وأنْ أصلِّي إليها. قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبيَّنا ﷺ يصلِّي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إنِّي لمصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرتِ الصلاةُ صلَّينا إلى الشام وصلَّى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة. قال وقد كنَّا عبنا

стр. 1388

عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلقْ بنا إلى رسولِ الله ﷺ حتى أسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيتُ من خلافِكم إيَّايَ فيه. قال: فخرجنا نسألُ عن رسولِ الله ﷺ وكنَّا لا نعرفُه ولم نره قبل ذلك - فلَقِينا رجلًا من أهل مكة فسألناه عن رسولِ الله ﷺ قال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. فقال: هل تعرفانِ العباسَ بن عبد المطلب عمَّه؟ قال: قلنا نعم - وقد كنَّا نعرفُ العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجلُ الجالسُ مع العباس. قال: فدخلنا المسجد وإذا العباسُ جالسٌ ورسولُ الله ﷺ جالسٌ معه، فسلَّمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسولُ الله ﷺ للعباس: "هل تعرفُ هذيْن الرجلَيْن يا أبا الفضل؟ " قال: نعم هذا البراءُ بن مَعْرُور سيدُ قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قولَ رسولِ الله ﷺ : "الشاعر"؟ قال: نعم. فقال له البراءُ بن معرور: يا نبيَّ الله، إني خرجتُ في سفري هذا، قد هداني الله تعالى للإسلام، فرأيتُ أن لا أجعلَ هذه البنيَّة مني بظَهْر، فصلَّيتُ إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: "قد كنتَ على قبلهٍ لو صبرتَ عليها" قال: فرجع البراءُ إلى قبلةِ رسولِ الله ﷺ فصلَّى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلَّى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها (١) ومعنا عبدُ الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيدٌ من سادتنا، أخذناه وكنَّا نكتم مَنْ معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلَّمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيدٌ من ساداتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنا نرغبُ بك عما أنت فيه أن تكون حَطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسولِ الله ﷺ إيَّانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا. وقد روى البخاري (٢): حدَّثني إبراهيم، حدَّثنا هشام، أنَّ ابن جُرَيج أخبرهم، قال عطاء: قال جابر: أنا وأبي وخالي (٣) من أصحاب العقبة. قال عبد الله بن محمد: قال ابنُ عيينة: أحدُهم البراءُ بن مَعْرور.

стр. 1389

وحدثنا علي بن المَدِيني (١)، حدثنا سفيان قال: كان عمرٌو يقول: سمعتُ جابرَ بن عبد الله يقول: شهِدَ بي خالايَ العقبة. وقال الإمامُ أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن خُثَيم، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: مكث رسول الله ﷺ بمكةَ عشر سنين يتبعُ الناسَ في منازلهم، بعُكاظ ومَجَنَّة، وفي المواسم يقول: "مَنْ يُؤويني؟ مَنْ يَنْصُرُني؟ حتى أبلَّغَ رسالةَ ربِّي وله الجنَّة" [فلا يجدُ أحدًا يؤويه ولا ينصره] (٣)، حتى إنَّ الرجلَ ليخرجُ من اليمن أو من مضر (٤) - كذا قال فيه - فيأتيه قومه [وذوو رحمه] فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي (٥) بين رحالهم (٦)، وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثَنا الله إليه من يثرب، فآويناه وصدَّقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رهطٌ من المسلمين يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نتركُ رسولَ الله ﷺ يُطردُ في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منَّا سبعونَ رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعبَ العقبة، فاجتمعنا عندها (٧)، من رجل ورجلَيْن حتى توافَيْنا فقلنا: يا رسولَ الله، علامَ نبايُعك؟ قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العُسْر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنْ تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمتُ عليكم مما تمنعون منه أنفسَكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة". فقمنا إليه [فبايعناه]، وأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعينَ إلا أنا (٨). فقال: رويدًا يا أهلَ يثرب، فإنَّا لم نضربْ إليه أكبادَ الإبل إلا ونحنُ نعلم أنه رسولُ الله ﷺ ، وأنَّ إخراجَهُ اليوم مفارقةُ العرب (٩) كافَّة، وقتلُ خياركم و [أن] تعضَّكم السيوف، فإما أنتم قومٌ تصبرونَ على ذلك فخذوه وأجرُكم على الله، وإمَّا أنتم قوم تخافونَ من أنفسكم خيفة فذروه (١٠). فبينوا ذلك، فهو أعذَرُ لكم عند الله. قالوا: أمطْ عنَّا (١١) يا أسعد

стр. 1390

فوالله لا ندَعُ هذه البيعة أبدًا، ولا نُسلَبُها (١) أبدًا. قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذَ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنَّة. وقد رواه الإمام أحمد أيضًا - والبيهقي (٢) من طريق داود بن عبد الرحمن العطَّار، زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن أبي الزُّبير (٣)، به نحوه. وهذا إسناد على شرط مسلم (٤) ولم يخرِّجوه. [وقال البزار (٥): وروى غيرُ واحدٍ عن ابنِ خُثَيم ولا نعلمه يُروى عن جابر إلا من هذا الوجه] (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن موسى بن عُقْبة (٨)، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: كان العباسُ آخذًا بيد رسولِ الله ﷺ ورسولُ اللّه يواثقنا، فلما فرغنا قال رسولُ الله ﷺ : "أخذتُ وأعطَيْت". وقال البزَّار (٩): حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا قَبِيصة، حدَّثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعني الجُعْفي - وداود (١٠) - وهو ابنُ أبي هند - عن الشعبي، عن جابر - يعني ابنَ عبد الله - قال: قال رسولُ الله ﷺ للنقباء من الأنصار: "تُؤْووني وتمنعوني؟ " قالوا: نعم، فما لنا؟ قال: "الجنَّة". ثم قال (١١): لا نعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد عن جابر. ثم قال ابنُ إسحاق (١٢)، عن معبد، عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلثُ الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسولِ الله ﷺ نتسلُّلُ تسلُّلَ القَطَا مُسْتَخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتانِ من نسائنا:

стр. 1391

نُسَيبة بنتُ كعب أمُّ عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجَّار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سَلِمة، وهي أمُّ مَنيع. وقد صرَّح ابنُ إسحاق في روايةِ يونس بن بُكير عنه بأسمائهم وأنسابهم، وما ورد في بعض الأحاديث أنهما كانوا سبعين، فالعرب كثيرًا ما تحذف الكسر. وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (١): كانوا سبعين رجلًا، وامرأة واحدة. قال: منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم. قال: وأصغرهم أبو مسعود، وجابر بن عبد الله. [وقول محمد بن إسحاق: إنهم خمسة وسبعون أثبت] (٢). قال كعب بن مالك (٣): فاجتمعنا في الشِّعب ننتظرُ رسولَ الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دينِ قومه، إلا أنه أحبَّ أن يحضُرَ أمرَ ابنِ أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أوَّل متكلِّم العباسُ بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانتِ العرب إنما يسمُّون هذا الحيَّ من الأنصار الخزرجَ خزرجَها وأَوْسَها -: إنَّ محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل - رأينا فيه، فهو في عزٍّ من قومه، ومنَعة في بلده، وإنه قد أبَى إلا الانحيازَ إليكم واللحوقَ بكم، فإنْ كنتم ترَوْن أنكم وافُونَ له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمَّلتم من ذلك؛ وإن كنتم ترَوْن أنكم مُسْلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدَعُوه، فإنه في عزٍّ ومنعَةٍ من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلَّم يا رسول الله، فخذْ لنفسك ولربِّك ما أحببت. قال: فتكلَّم رسولُ الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام. قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعونَ منه نساءكم وأبناءكم" قال: فأخذ البراءُ بن معرور بيده ثم قال: نعم. فوالذي بعثك بالحق لنمنعنَّك مما نمنعُ منه أُزُرَنا (٤): فبايعنا يا رسولَ الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحَلْقة (٥)، ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القولَ والبراءُ يكلِّم رسولَ الله ﷺ أبو الهيثم بن التَّيِّهان فقال: يا رسول الله، إنَّ بيننا وبين الرجال حبالًا وإنَّا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيتَ إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسَّم رسولُ الله ﷺ ثم قال: "بل الدَّمَ الدَّم، والهَدْمَ

стр. 1392

الهَدْم (١)، أنا منكم وأنتم مني، أحاربُ مَن حاربتم وأسالمُ مَنْ سالمتم". قال كعب: وقد قال رسولُ الله ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عَشَر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم". فأخرجوا منهم اثني عشر نَقِيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. قال ابن إسحاق (٢): وهم أبو أمامة أسعد بن زُرارة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زُهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس [بن عمرو بن امرئ القيس] (٣) بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العَجْلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خَنْساء بن سنان بن عُبيد بن عدي بن غَنْم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تَزيد بن جُشَم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة بن [أبي] حَزيمة (٤) بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خُنيس بن حارثة بن لَوْذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخَزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. فهؤلاء تسعةٌ من الخزرج، ومن الأوس ثلاثة وهم: أُسَيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وسعد بن خَيْثَمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النخَّاط بن كعب بن حارثة بن غَنْم بن السَّلْم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر (٥) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.

стр. 1393

قال ابنُ هشام (١): وأهل العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدَلَ رفاعة هذا. وهو كذلك في رواية يونس، عن ابن إسحاق. واختاره السُّهيلي وابنُ الأثير في "أسد الغابة" (٢). ثم استشهد ابنُ هشام (٣) على ذلك بما رواه عن أبي زيد الأنصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال: [من الطويل] أبلغْ أبَيًّا أنَّهُ فالَ رأيُه … وحان غداةَ الشِّعبِ والحَيْنُ واقعُ (٤) أبَى اللهُ ما منَّتْكَ نفسُك إنه … بمرصادِ أمرِ الناس راء وسامعُ وأبلغْ أبا سفيانَ أنْ قد بدا لَنا … بأحمد نورٌ من هُدى الله ساطعُ فلا ترغَبَنْ في حشدِ أمرٍ تُريده … وألِّبْ وجمِّعْ كلَّ ما أنت جامعُ ودونَك فاعلمْ أنّ نقضَ عهودنا … أباه عليكَ الرهطُ حينَ تتابعوا أباهُ البراءُ وابنُ عمرو كلاهما … وأسعدُ يأباه عليكَ ورافعُ وسعدٌ أباه الساعديُّ ومنذِرٌ .... لأنفِك إنْ حاولتَ ذلك جادِعُ وما ابنُ ربيعٍ إن تناولتَ عهدَه … بمُسْلِمِهِ لا يطمعَنْ ثَمَّ طامعُ وأيضًا فلا يعطيكهُ ابنُ رَواحة … وإخفارُه من دونه السمُّ ناقع وفاءً به، والقوقليّ بنُ صامتٍ … بمندوحةٍ عمَّا تُحاولُ يافع (٥) أبو هيثم أيضًا وفيٌّ بمثلها … وفاءً بما أعطى من العهدِ خانع وما ابنُ حُضيرٍ إنْ أردتَ بمَطْمَعٍ … فهل أنتَ عن أُحموقةِ الغي نازع وسعدُ أخو عمرو بن عوف فإنه … ضَروحٌ لما حاولتَ مِلأمرِ مانع (٦) أولاكَ نجومٌ لا يُغِبُّك منهمُ … عليكَ بنحسٍ في دُجى الليل طالع قال ابنُ هشام (٧): فذكر فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان ولم يذكُرْ رفاعة. قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة، والله أعلم. وروى يعقوبُ بن سفيان عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك، قال: كان الأنصار ليلة

стр. 1394

العقبة سبعين (١) رجلًا، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبًا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وحدثني شيخٌ من الأنصار أن جبريل ﵇ كان يُشير إلى رسول اللَّه ﷺ إلى مَنْ يجعله نقيبًا ليلة العقبة، وكان أُسيد بن حُضير أحد النقباء تلك الليلة. رواه البيهقي (٢). وقال ابنُ إسحاق (٣): فحدَّثني عبد اللَّه بن أبي بكر أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيلٌ على قومي". قالوا: نعم. وحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ القوم لما اجتمعوا لبيعةِ رسولِ اللَّه ﷺ قال العباس بن عُبادة بن نَضْلَة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخَزْرج، هل تدرون علامَ (٤) تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حَرْب الأحمر والأسود من الناس، فإنْ كنتم ترَوْن أنكم إذا نُهكتْ أموالُكم مُصِيبةً وأشرافُكم قتلًا أسلمتموه، فمن الآن، فهو واللَّه إنْ فعلتم خزْيُ الدنيا والآخرة، وإنْ كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَةِ الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو واللَّه خيرُ الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذُه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول اللَّه إن نحن وفَّينا؟ قال: "الجنَّة" قالوا: ابْسُطْ يدَك. فبسط يده فبايعوه. قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشدَّ العقد في أعناقهم. وزعم عبد اللَّه بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة، رجاءَ أن يحضُرَها عبد اللَّه بن أُبَي بن سَلُول سيِّدُ الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم، فاللَّه أعلم أيّ ذلك كان. قال ابن إسحاق (٥): فبنو النجَّار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زُرارة كان أوَّلَ مَنْ ضرب على يده. وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التَّيِّهان. قال ابن إسحاق (٦): وحدَّثني معبد بن كعب، عن أخيه عبد اللَّه، عن أبيه كعب بن مالك قال: فكان أول من ضرب على يد رسولِ اللَّه ﷺ البرَاءُ بن مَعْرور، ثم بايع القوم. وقال ابنُ الأثير في "أسد الغابة" (٧): وبنو سلمة يزعمون أنَّ أول من بايعه ليلتئذٍ كعب بن مالك. وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم (٨) من حديث الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب،

стр. 1395

عن أبيه، عن كعب بن مالك، في حديثه حين تخلَّف عن غزوة تبوك. قال: ولقد شهدتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحبُّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بدْر، وإنْ كانتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في الناسِ منها (١). وقال البيهقي (٢): أخبرنا أبو الحسين بن بُشران، أخبرنا أبو عمرو بن السمَّاك، حدَّثنا حنبل بن إسحاق، حدَّثنا أبو نُعيم (٣)، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: انطلق رسولُ اللَّه ﷺ معه العباس عمُّه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: "ليتكلَّمْ متكلِّمُكم ولا يطل (٤) الخُطْبَة، فإنَّ عليكم من المشركين عينًا، وإنْ يعلموا بكم يفضحوكم" فقال قائلهم -وهو أبو أمامة-: سلْ يا محمد لربِّكَ ما شئت، ثم سلْ لنفسك بعد ذلك ما شئت. ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على اللَّه وعليكم إذا فعلنا ذلك؟ قال: "أسألكم لربِّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسَكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "لكم الجنة". قالوا: فلك ذلك. ثم رواه حنبل عن الإمام أحمد (٥)، عن يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن الشعبي، عن أبي مسعود الأنصاري فذكره، قال: وكان أبو مسعود أصغرَهم. وقال أحمد (٦): عن يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: فما سمع الشِّيبُ والشُّبَّانُ خطبةً مثلها. وقال البيهقي (٧): أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام، أخبرنا محمد بن يحيى الذُّهْلي، أخبرنا عمرو بن عثمان الرَّقِّي، حدّثنا زهير، حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم، عن إسماعيل بن عُبيد (٨) بن رفاعة عن أبيه قال: قدمتْ روايا خَمْر، فأتاها عبادةُ بن الصامت فخرقها وقال: إنَّا بايعنا رسولَ اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في النشاط

стр. 1396

والكسل، والنفقة في العُسْر واليُسْر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أنْ نقولَ في اللَّه لا تأخذنا فيه لومةُ لائم، وعلى أن ننصرَ رسولَ اللَّه ﷺ إذا قدم علينا يثرب ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعةُ رسولِ اللَّه ﷺ التي بايعناهُ عليها. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويّ ولم يخرِّجوه. وقد روى يونس (١) عن ابن إسحاق: حدَّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدِّه عبادة بن الصامت. قال: بايَعْنا رسولَ اللَّه ﷺ بيعةَ الحَرْب على السمع والطاعة في عُسْرنا ويُسْرنا، ومَنْشَطِنا ومكرهِنا، وأثرة علينا، وأنْ لا ننازعَ الأمْرَ أهله، وأن نقول بالحق أينما كنَّا لا نخافُ في اللَّه لومةَ لائم. قال ابن إسحاق (٢) في حديثه عن معبد بن كعب، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب بن مالك، قال: فلمَّا بايعنا رسول اللَّه ﷺ صرخ الشيطانُ من رأس العَقَبة بأنفذ صوتٍ سمعتُه قطّ: يا أهلَ الجَبَاجِب، -والجباجب المنازل- هل لكم في مُذَمَّم والصُّبَّاء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هذا أزَبُّ العَقَبة، هذا ابنُ أزْيَب" -قال ابنُ هشام: ويقال ابن أُزَيْب-: "أتسمع أي عدوَّ اللَّه؟ أما واللَّه لأتفزَغَنَّ لك" ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ارْفَضُّوا إلى رحالِكم". قال فقال العباس بن عُبادة بن نَضْلَة: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق إنْ شئتَ لنميلَنَّ على أهلِ منًى غدًا بأسيافنا. قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لم نُؤْمَرْ بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم". قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا. فلما أصبحنا غدَتْ علينا جِلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حَرْبنا. وإنه واللَّه ما مِنْ حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيءٌ وما علمناه. قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظرُ إلى بعض. قال: ثم قام القومُ وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المَخْزُومي وعليه نعلانِ له جَديدان. قال: فقلت له كلمة -كأني أريدُ أن أشركَ القومَ بها فيما قالوا-: يا أبا جابر، أما تستطيعُ أنْ تتَّخذ وأنت سيدٌ من سادتنا مثل نعلَيْ هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إليّ. قال: واللَّه لتنتعلنَّهما، قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظتَ واللَّه الفتى، فاردُدْ إليه نعلَيْه. قال: قلت واللَّه لا أردُّهما. فألٌ واللَّه صالح، لئن صدق الفألُ لأسْلُبَنَّه. قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني عبد اللَّه بن أبي بكر أنهم أتَوْا عبدَ اللَّه بن أُبَيّ بن سَلُول فقالوا مثل

стр. 1397

ما ذكر كعب من القول فقال لهم: إنَّ هذا الأمر جَسيم ما كان قومي ليتفرقوا (١) على مثل هذا وما علمتُه كان. قال: فانصرفوا عنه. قال: ونفر الناسُ من مِنى فتنطَّسَ القومُ الخبر (٢)، فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذَاخِر (٣)، والمنذرَ بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخَزْرَج، وكلاهما كان نقيبًا. فأمَّا المنذر فأعجزَ القومَ، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربَطُوا يديه إلى عُنقه بنِسْع رَحْله (٤)، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكَّة يضربونه ويجذبونه بجُمَّتِه -وكان ذا شعرٍ كثير- قال سعد: فواللَّه إني لفي أيديهم إذ طلع على نفرٌ من قريش فيهم رجلٌ وضِيءٌ أبيض، شَعْشَاع (٥)، حلْوٌ من الرجال، فقلت في نفسي: إن يكُ عند أحدٍ من القوم خيرٌ فعند هذا. فلما دنا مني رفع يدَه فلكمني لكمةً شديدة، فقلتُ في نفسي: لا واللَّه ما عندهم بعد هذا من خير، قال: فواللَّه إني لفي أيديهم يسحبونني إذْ أوَى لي (٦) رجلٌ ممن معهم، قال: ويحك، أما بينك وبين أحدٍ من قريش جِوَارٌ ولا عَهْد؟ قال: قلتُ بلى واللَّه، لقد كنتُ أُجِيرُ لجبيرِ بن مُطْعِم تجَّاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي. وللحارث بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس. فقال: ويحك، فاهتِفْ باسم الرجلَيْن، واذكر ما بينك وبينهما، قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إنَّ رجلًا من الخزرج الآن يضربُ بالأبْطَح ليهتف بكما. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق واللَّه إنْ كان ليجير لنا تجَّارنا ويمنعهم أن يُظلموا ببلده؛ قال فجاءا فخلَّصا سعدًا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لَكَم سعدًا سُهيل بن عمرو. قال ابن هشام: وكان الذي أوى له أبو البَخْتَري بن هشام. وروى البيهقي (٧) بسنده عن عبد المجيد بن أبي عَبْس بن جَبْر (٨) عن أبيه قال: سمعتْ قريشٌ قائلًا

стр. 1398

يقول في الليل على أبي قُبَيس: [من الطويل] فإن يُسْلِمِ الشَعدانِ يصبحْ محمدٌ … بمكّةَ لا يخشى خِلافَ المُخَالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السَّعدانِ؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هُذيم؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلًا يقول: [من الطويل] أيا سعدُ سعدَ الأوسِ كُن أنت ناصرًا … ويا سعدُ سعدَ الخزرجين الغطارِفِ أجيبا إلى داعي الهدى وتمنَّيا … على اللَّهِ فى الفِردوسِ مُنْيَةَ عارفِ فإنَّ ثوابَ اللَّهِ للطالبِ الهدى … جِنان من الفردوس ذاتُ رفارفِ فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو واللَّه سعد بن معاذ، وسعد بن عُبَادة. فصل قال ابن إسحاق (١): فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسولَ اللَّه ﷺ ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الإسلام بها. وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم: عمرو بن الجَمُوح بن زيد بن حَرَام بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة، وكان ابنه مُعاذ بن عمرو ممن شهد العقبة، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سَلِمة وأشرافِهم، وكان قد اتخذ صنمًا من خشب في داره يقال له مناة، كما كانتِ الأشراف يصنعون، يتخذُه (٢) إلهًا، يعظِّمه ويُطَهِّرُه، فلما أسلم فتيانُ بني سَلِمة؛ ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يُدلجون بالليل على صنمِ عمرٍو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفَر بني سَلِمة، وفيها عِذَرُ الناس منكَّسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم! مَنْ عدا على إلَهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسُه، حتى إذا وجده غسله وطَهَّرَهُ وطيَّبه ثم قال: أما واللَّه لو أعلم مَنْ فعل بك هذا لأخْزِيَنَّه فإذا أمسى ونام عمرو عَدَوْا عليه ففعلوا مثل ذلك. فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أَكثروا عليه استخرجه من حيث ألقَوْه يوما فغسله وطهَّره، ثم جاء بسيفه فعلَّقه عليه ثم قال له: إني واللَّه ما (٣) أعلم مَنْ يصنعُ بك ما أرى، فإنْ كان فيك خير فامتنعْ، فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدَوْا عليه فأخذوا السيف من عتقه ثم أخذوا كلْبًا ميتًا فقرنوه به بحبل ثم ألْقَوْه في بئرٍ من آبار بني سَلِمة فيها عِذَرٌ من عِذَر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكَسًا

стр. 1399

مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه، وكلَّمه مَنْ أسلم من قومه فأسلم برحمةِ اللَّه، وحسُن إسلامه، فقال حين أسلم، وعرَفَ من اللَّه ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكر اللَّه الذي أنقذَهُ مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول: [من الرجز] واللَّهِ لو كنتَ إلهًا لم تكُنْ أنت وكلبٌ وسْطَ بئرٍ في قَرَنْ أُفٍّ لملقاكَ إلهًا مُسْتَدَنْ الآنَ فتَّشناك عن سوء الغَبَن (١) الحمدُ للَّه العليِّ ذي المِنَنْ الواهبِ الرزَّاقِ ديَّان الدِّيَن (٢) هو الذي أنقذني من قبل أنْ أكونَ في ظلمة قبير مُرْتَهَن (٣) فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق ﵀ ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان فمن الأوس أحدَ عشرَ رجلًا؛ أُسيد بن حُضير أحدُ النقباء، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان بدريٌّ أيضًا، وسلمة بن سلامة بن وَقْش بدري، وظُهير بن رافع، وأبو بُرْدَة بن نيار (٤) بدري، ونُهير بن الهيثم بن نابي بن مَجْدَعة بن حارثة، وسعدُ بن خَيْثمة أحدُ النقباء بدريّ وقتل بها شهيدًا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر (٥) نقيبٌ بَدْريّ، وعبد اللَّه بن جُبير بن النعمان بن أمية بن البُرَك بدري، وقُتل يوم أحد شهيدًا أميرًا على الرُّماة، ومَعْنُ بن عدي بن الجَدّ بن عَجْلان بن الحارث بن ضُبيعة البَلَوِيّ، حليفٌ للأوس، شهد بدرًا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدًا، وعُويم بن ساعدة شهد بدرًا وما بعدها.

стр. 1400

ومن الخَزْرَج اثنانِ وستونَ رجلًا؛ أبو أيوب خالد بن زيد وشهد بدرًا وما بعدها، ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدًا. ومعاذ بن الحارث، وأخواه عَوف ومُعَوِّذ وهم بنو عَفْراء بدريُّون، وعُمارة بن حَزْم شهد بدرًا وما بعدها وقتل باليمامة؛ وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحدُ النقباء مات قبل بَدْر، وسهل بن عَتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري، وقيسُ بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غَنْم بن مازن كان أميرًا على الساقة يوم بدر، وعمرو بن غَزِيَّة، وسعد بن الرَّبيع أحدُ النقباء شهد بدرًا وقُتل يوم أحد، وخارجة بن زيد شهد بدرًا وقتل يوم أحد، وعبدُ اللَّه بن رواحة أحد النقباء شهد بدرًا وأُحُدًا والخندق، وقتل يوم مُؤْتة أميرًا، وبَشِير بن سَعْد بدري، وعبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (١) الذي أُرِيَ النداء [للصلاة] (٢) وهو بدري، وخلاد بن سُويد بدريٌّ أحُدِيٌّ خَنْدَقيٌّ، وقتل يوم بني قُريَظة شهيدًا، طُرحت عليه رَحَى فشدخَتْه، فيقال إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ له لأجْرَ شهيدَيْن" (٣) وأبو مسعود عُقْبَة بن عمرو البدري - قال ابن إسحاق: وهو أحدَثُ مَنْ شهد العقبة سِنًّا ولم يشهد بدرًا، وزياد بن لَبِيد بدري، وفروة بن عمرو بن وَدْفة (٤) بدريّ، وخالد بن قيس بن مالك بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذَكْوان بن عبد قيس بن خَلْدَة بن مُخَلَّد بن عامر بن زُرَيق؛ وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسولِ اللَّه ﷺ بمكة حتى هاجر منها وهو بدريٌّ قُتل يوم أحُد، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدريٌّ أيضًا، والبراء بن مَعْرور أحَدُ النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سَلِمة، وقد مات قبل مَقْدَم النبيِّ ﷺ المدينة، وأوصى له بثلُث ماله، فردَّه رسول اللَّه ﷺ على وَرَثَتِه، وابنهُ بشْر بن البَرَاء وقد شهد بدرًا وأحدًا والخندق وماتَ بخَيْبَر شهيدًا من أكْلِه مع رسولِ اللَّه ﷺ من تلك الشاة المَسْمومة ﵁، وسِنَان بن صَيْفي بن صَخْر بدري، والطُّفيل بن النعمان بن خَنْساء بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سَرْح بدري، وأخوه يزيد بن المنذر بدري، ومسعود بن زيد (٥) بن سُبيع، والضحاك بن

стр. 1401

حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خِذَام بن سُبيع (١)، وجبَّار بن صَخْر [بن أمية] (٢) بن خنساء بن سنان بن عُبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك، وسليم بن عمرو (٣) بن حَديدة بدري، وقُطْبة بن عامر بن حَديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدريٌّ أيضًا، وأبو اليَسَر كعب بن عمرو بدري، وصَيْفيّ بن سَوَاد بن عبَّاد، وثعلبة بن غَنَمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعَبْس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد اللَّه بن أُنَيس حَليفٌ لهم من قضاعة، وعبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام أحد النقباء بدري، واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد اللَّه، ومعاذ بن عمرو بن الجَمُوح بدري، وثابت بن الجِذْع بدري، وقتل شهيدًا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخَديج بن سلامة حليفٌ لهم من بَلِيّ، ومعاذ بن جَبَل، شهد بدرًا وما بعدها ومات بطاعون عَمَوَاس في خلافة عمر بن الخطاب، وعُبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرًا وما بعدها، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها (٤) فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضًا، وقتل يوم أحدُ شهيدًا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثَعلبة بن خَزْمة (٥) بن أصْرم حليفٌ له من بَلِى، وعمرو بن الحارث بن كِنْدَة (٦)، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري، وعُقبة بن وهب بن كَلَدة، حليفٌ لهم بدري، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجريٌّ أنصاريٌّ أيضًا، وسعدُ بن عُبَادة بن دُلَيْم أحدُ النقباء، والمنذر بن عمرو نقيبٌ بدري أُحُديّ، وقُتل يوم بئر معونة أميرًا، وهو الذي يُقال له: "أعْنَقَ لِيَمُوت" (٧) وأما المرأتان فأمُّ عُمارة نُسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مَبْذول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار المازنيَّة النجَّارية. قال ابن إسحاق: وقد كانتْ شهدتِ الحربَ مع رسولِ اللَّه ﷺ وشهدتْ معها أختُها وزوجُها زيد بن عاصم [بن كعب، وابناها

стр. 1402

حَبيب (١) وعبد اللَّه، وابنها حَبيب هذا هو الذي قتله مُسيلمة الكذَّاب] (٢) حين جعل يقول له: أتشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللَّه؟ فيقول نعم، فيقول: أتشهدُ أني رسولُ اللَّه؟ فيقول: لا أسمع فجعل يقطِّعُه عضوًا عضوًا حتى مات في يديه، لا يزيدُه على ذلك؛ فكانت أمُّ عُمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قُتل مسيلمة ورجعتْ وبها اثنا (٣) عشر جرحًا من بينِ طعنةٍ وضربة ﵂ وأرضاها، والأخرى أمُّ مَنيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة ﵂. باب بُدُوِّ الهجرة من مكة إلى المدينة قال الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وهو يومئذ بمكة- للمسلمين: "قد أُريتُ دار هجرتِكم، أريتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلِ بين لابَتَيْنِ" (٤) فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة حينَ ذَكَر رسولُ اللَّه ﷺ ، ورجع إلى المدينة [بعضُ] مَنْ كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه البخاري (٥). وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : "رأيتُ في المنام أني أهاجرُ من مكَّةَ إلى أرضٍ بها نخل، فذهب وَهَلي (٦) إلى أنها اليمامةُ أو هَجَر، فإذا هي المدينة يَثْرِب". وهذا الحديث قد أسندَهُ البخاري في مواضع أخر بطوله، ورواه مسلم كلاهما عن أبي كُريب (٧)، زاد مسلم: وعبد اللَّه بن بَرَّاد (٨) كلاهما عن أبي أسامة، عن بُرَيد (٩) بن عبد اللَّه بن أبي بُرْدة عن جدِّه أبي بُرْدَة، عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، عن النبي ﷺ الحديث بطوله.

стр. 1403

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السِّياري بمَرْو، وحدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا العامري، عن علي بن الحسن بن شقيق، حدَّثنا عيسى بن عُبيد الكِنْدي، عن غيلان بن عبد اللَّه العامري، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جرير، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إن اللَّه أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء البلاد الثلاث نزلتَ فهيَ دارُ هجرتك؛ المدينة، أو البحرَيْن، أو قِنَّسْرِين" قال أهلُ العلم: ثم عزَمَ له على المدينة فأمر أصحابَهُ بالهجرة إليها. هذا حديثٌ غريبٌ جدًا، وقد رواهُ الترمذي في المناقب من جامعة (٢) منفردًا به عن أبي عمار الحسين بن حُريث، عن الفضل بن موسى، عن عيسى بن عُبيد، عن غيلان بن عبد اللَّه العامريّ، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دارُ هجرتك؛ المدينة، أو البَحْرَين، أو قِنَّسْرين". ثم قال: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث الفضل، تفرَّد به أبو عمار. قلت: وغيلان بن عبد اللَّه العامري هذا ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (٣) إلا أنه قال: روى عن أبي زرعة حديثًا منكرًا في الهجر (٤)، واللَّه أعلم. قال ابنُ إسحاق (٥): لما أذن اللَّه تعالى في الحرب [بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠] الآية. فلما أذنَ اللَّه في الحرب] (٦) وبايعه هذا الحيُّ من الأنصار على الإسلام والنُّصْرة له، ولمن اتبعه، وأوَى إليهم من المسلمين، أمر رسولُ اللَّه ﷺ أصحابَهُ من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: "إن اللَّه قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنونَ بها" فخرجوا أرسالًا، وأقام رسولُ اللَّه ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربُّه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أولَ من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ من المهاجرينَ من قريش من بني مخزوم، أبو سَلَمة عبد اللَّه بن عبد الأسَد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخْزوم وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذَتْهُ قريش مَرْجِعَهُ من الحبشة فعزم على الرجوع إليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانًا فعزم إليها.

стр. 1404

قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني أبي عن سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سَلَمة، عن جدَّته أمِّ سلمة قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروجَ إلى المدينة رحلَ لي بعيرَه، ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمةَ بن أبي سلمة في حَجْري، ثم خرج يقود بي بعيرَه، فلما رأتْهُ رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسُك غلبتَنا عليها، أرأيت صاحبتنا (٢) هذه علامَ نتركُكَ تسيرُ بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رَهْطُ أبي سلمة فقالوا: لا واللَّه لا نتركُ ابننا عندها إذْ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يدَه، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرِّق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت: فكنت أخرجُ كل غداة فأجلسُ في الأبْطَح، فما أزالُ أبكي حتى امسي -سنة أو قريبًا منها- حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرَحِمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون (٣) من هذه المسكينة؟ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي الحَقي بزوجك إنْ شئت. قالت: فردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعتُه في حَجْري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحدٌ من خلق اللَّه. [قالت: فقلت: أتبلَّغ بمن لَقيتُ حتى أقدم على زوجي.] حتى إذا كنتُ بالتَّنْعيم (٤) لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال: إلى أين يا ابنة أبي أميَّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحدٌ إلا اللَّه وبُني هذا. فقال: واللَّه مالك من مَتْرك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فواللَّه ما صحبتُ رجلًا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخَ بي ثم استأخَرَ عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيدَه في الشجر، ثم تنحَّى إلى شجرةٍ فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرَّواح قام إلى بعيري فقدَّمه فرحَله ثم استأخر عني وقال: اركبي. فإذا ركبتُ فاستويتُ على بعيري أتَى فأخذ بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزلْ يصنعُ ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُبَاء قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادْخُليها على بركة اللَّه. ثم انصرف راجعًا إلى مكَّة. فكانت تقول: ما أعلمُ أهلَ بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصابَ آلَ أبي سَلَمة، وما رأيتُ صاحبًا قطُّ كان أكرم من عثمانَ بن طلحة.

стр. 1405

أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحُديبية، وهاجر هو وخالدُ بن الوليد معًا، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته؛ الحارث وكلاب ومُسافع، وعمه عثمان بن أبي طلحة. ودَفَع إليه رسولُ اللَّه ﷺ يوم الفتح وإلى ابنِ عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيحَ الكعبة، أقرَّها عليهم في الإسلام كما كانتْ في الجاهليَّة، ونزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن إسحاق (١): ثم كان أوَّلَ من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامرُ بن ربيعة حليفُ بني عدي، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي حَثْمَة العدويَّة، ثم عبدُ اللَّه بن جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صَبْرَة بن مرَّة بن كبير (٢) بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة، حليفُ بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي أحمد (٣). وكان أبو أحمد رجلًا ضرير البصر، وكان يطوفُ مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرًا، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمُّه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فغُلِّقَتْ دارُ بني جحش هجرةً، فمرَّ بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مُصْعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفِقُ أبوابُها يَبَابًا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصُّعَداء وقال: [من البسيط] وكلّ دارٍ وإنْ طالتْ سلامتُها … يومًا ستدركُها النَّكباءُ والحُوبُ (٤) قال ابنُ هشام: وهذا البيت لأبي دُوَاد الإيادي في قصيدةٍ له -[قال السُّهيلي (٥): واسم أبي دُوَاد حنظلة بن شرقي وقيل جارية] (٦) (٧) - ثم قال عتبة: أصبحت دارُ بني جحش خلاءً من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قُلِّ بن قُلِّ (٨) ثم قال -يعني العباس-: هذا من عمل ابنِ أخيك هذا، فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمْرَنا، وقطعَ بيننا.
следующие страницы →