← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خِذَام بن سُبيع (١)، وجبَّار بن صَخْر [بن أمية] (٢) بن خنساء بن سنان بن عُبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك، وسليم بن عمرو (٣) بن حَديدة بدري، وقُطْبة بن عامر بن حَديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدريٌّ أيضًا، وأبو اليَسَر كعب بن عمرو بدري، وصَيْفيّ بن سَوَاد بن عبَّاد، وثعلبة بن غَنَمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعَبْس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد اللَّه بن أُنَيس حَليفٌ لهم من قضاعة، وعبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام أحد النقباء بدري، واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد اللَّه، ومعاذ بن عمرو بن الجَمُوح بدري، وثابت بن الجِذْع بدري، وقتل شهيدًا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخَديج بن سلامة حليفٌ لهم من بَلِيّ، ومعاذ بن جَبَل، شهد بدرًا وما بعدها ومات بطاعون عَمَوَاس في خلافة عمر بن الخطاب، وعُبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرًا وما بعدها، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها (٤) فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضًا، وقتل يوم أحدُ شهيدًا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثَعلبة بن خَزْمة (٥) بن أصْرم حليفٌ له من بَلِى، وعمرو بن الحارث بن كِنْدَة (٦)، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري، وعُقبة بن وهب بن كَلَدة، حليفٌ لهم بدري، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجريٌّ أنصاريٌّ أيضًا، وسعدُ بن عُبَادة بن دُلَيْم أحدُ النقباء، والمنذر بن عمرو نقيبٌ بدري أُحُديّ، وقُتل يوم بئر معونة أميرًا، وهو الذي يُقال له: "أعْنَقَ لِيَمُوت" (٧) وأما المرأتان فأمُّ عُمارة نُسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مَبْذول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار المازنيَّة النجَّارية. قال ابن إسحاق: وقد كانتْ شهدتِ الحربَ مع رسولِ اللَّه ﷺ وشهدتْ معها أختُها وزوجُها زيد بن عاصم [بن كعب، وابناها

стр. 1402

حَبيب (١) وعبد اللَّه، وابنها حَبيب هذا هو الذي قتله مُسيلمة الكذَّاب] (٢) حين جعل يقول له: أتشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللَّه؟ فيقول نعم، فيقول: أتشهدُ أني رسولُ اللَّه؟ فيقول: لا أسمع فجعل يقطِّعُه عضوًا عضوًا حتى مات في يديه، لا يزيدُه على ذلك؛ فكانت أمُّ عُمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قُتل مسيلمة ورجعتْ وبها اثنا (٣) عشر جرحًا من بينِ طعنةٍ وضربة ﵂ وأرضاها، والأخرى أمُّ مَنيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة ﵂. باب بُدُوِّ الهجرة من مكة إلى المدينة قال الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وهو يومئذ بمكة- للمسلمين: "قد أُريتُ دار هجرتِكم، أريتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلِ بين لابَتَيْنِ" (٤) فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة حينَ ذَكَر رسولُ اللَّه ﷺ ، ورجع إلى المدينة [بعضُ] مَنْ كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه البخاري (٥). وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : "رأيتُ في المنام أني أهاجرُ من مكَّةَ إلى أرضٍ بها نخل، فذهب وَهَلي (٦) إلى أنها اليمامةُ أو هَجَر، فإذا هي المدينة يَثْرِب". وهذا الحديث قد أسندَهُ البخاري في مواضع أخر بطوله، ورواه مسلم كلاهما عن أبي كُريب (٧)، زاد مسلم: وعبد اللَّه بن بَرَّاد (٨) كلاهما عن أبي أسامة، عن بُرَيد (٩) بن عبد اللَّه بن أبي بُرْدة عن جدِّه أبي بُرْدَة، عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، عن النبي ﷺ الحديث بطوله.

стр. 1403

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السِّياري بمَرْو، وحدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا العامري، عن علي بن الحسن بن شقيق، حدَّثنا عيسى بن عُبيد الكِنْدي، عن غيلان بن عبد اللَّه العامري، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جرير، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إن اللَّه أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء البلاد الثلاث نزلتَ فهيَ دارُ هجرتك؛ المدينة، أو البحرَيْن، أو قِنَّسْرِين" قال أهلُ العلم: ثم عزَمَ له على المدينة فأمر أصحابَهُ بالهجرة إليها. هذا حديثٌ غريبٌ جدًا، وقد رواهُ الترمذي في المناقب من جامعة (٢) منفردًا به عن أبي عمار الحسين بن حُريث، عن الفضل بن موسى، عن عيسى بن عُبيد، عن غيلان بن عبد اللَّه العامريّ، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دارُ هجرتك؛ المدينة، أو البَحْرَين، أو قِنَّسْرين". ثم قال: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث الفضل، تفرَّد به أبو عمار. قلت: وغيلان بن عبد اللَّه العامري هذا ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (٣) إلا أنه قال: روى عن أبي زرعة حديثًا منكرًا في الهجر (٤)، واللَّه أعلم. قال ابنُ إسحاق (٥): لما أذن اللَّه تعالى في الحرب [بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠] الآية. فلما أذنَ اللَّه في الحرب] (٦) وبايعه هذا الحيُّ من الأنصار على الإسلام والنُّصْرة له، ولمن اتبعه، وأوَى إليهم من المسلمين، أمر رسولُ اللَّه ﷺ أصحابَهُ من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: "إن اللَّه قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنونَ بها" فخرجوا أرسالًا، وأقام رسولُ اللَّه ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربُّه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أولَ من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ من المهاجرينَ من قريش من بني مخزوم، أبو سَلَمة عبد اللَّه بن عبد الأسَد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخْزوم وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذَتْهُ قريش مَرْجِعَهُ من الحبشة فعزم على الرجوع إليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانًا فعزم إليها.

стр. 1404

قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني أبي عن سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سَلَمة، عن جدَّته أمِّ سلمة قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروجَ إلى المدينة رحلَ لي بعيرَه، ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمةَ بن أبي سلمة في حَجْري، ثم خرج يقود بي بعيرَه، فلما رأتْهُ رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسُك غلبتَنا عليها، أرأيت صاحبتنا (٢) هذه علامَ نتركُكَ تسيرُ بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رَهْطُ أبي سلمة فقالوا: لا واللَّه لا نتركُ ابننا عندها إذْ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يدَه، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرِّق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت: فكنت أخرجُ كل غداة فأجلسُ في الأبْطَح، فما أزالُ أبكي حتى امسي -سنة أو قريبًا منها- حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرَحِمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون (٣) من هذه المسكينة؟ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي الحَقي بزوجك إنْ شئت. قالت: فردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعتُه في حَجْري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحدٌ من خلق اللَّه. [قالت: فقلت: أتبلَّغ بمن لَقيتُ حتى أقدم على زوجي.] حتى إذا كنتُ بالتَّنْعيم (٤) لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال: إلى أين يا ابنة أبي أميَّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحدٌ إلا اللَّه وبُني هذا. فقال: واللَّه مالك من مَتْرك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فواللَّه ما صحبتُ رجلًا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخَ بي ثم استأخَرَ عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيدَه في الشجر، ثم تنحَّى إلى شجرةٍ فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرَّواح قام إلى بعيري فقدَّمه فرحَله ثم استأخر عني وقال: اركبي. فإذا ركبتُ فاستويتُ على بعيري أتَى فأخذ بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزلْ يصنعُ ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُبَاء قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادْخُليها على بركة اللَّه. ثم انصرف راجعًا إلى مكَّة. فكانت تقول: ما أعلمُ أهلَ بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصابَ آلَ أبي سَلَمة، وما رأيتُ صاحبًا قطُّ كان أكرم من عثمانَ بن طلحة.

стр. 1405

أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحُديبية، وهاجر هو وخالدُ بن الوليد معًا، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته؛ الحارث وكلاب ومُسافع، وعمه عثمان بن أبي طلحة. ودَفَع إليه رسولُ اللَّه ﷺ يوم الفتح وإلى ابنِ عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيحَ الكعبة، أقرَّها عليهم في الإسلام كما كانتْ في الجاهليَّة، ونزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن إسحاق (١): ثم كان أوَّلَ من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامرُ بن ربيعة حليفُ بني عدي، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي حَثْمَة العدويَّة، ثم عبدُ اللَّه بن جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صَبْرَة بن مرَّة بن كبير (٢) بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة، حليفُ بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي أحمد (٣). وكان أبو أحمد رجلًا ضرير البصر، وكان يطوفُ مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرًا، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمُّه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فغُلِّقَتْ دارُ بني جحش هجرةً، فمرَّ بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مُصْعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفِقُ أبوابُها يَبَابًا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصُّعَداء وقال: [من البسيط] وكلّ دارٍ وإنْ طالتْ سلامتُها … يومًا ستدركُها النَّكباءُ والحُوبُ (٤) قال ابنُ هشام: وهذا البيت لأبي دُوَاد الإيادي في قصيدةٍ له -[قال السُّهيلي (٥): واسم أبي دُوَاد حنظلة بن شرقي وقيل جارية] (٦) (٧) - ثم قال عتبة: أصبحت دارُ بني جحش خلاءً من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قُلِّ بن قُلِّ (٨) ثم قال -يعني العباس-: هذا من عمل ابنِ أخيك هذا، فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمْرَنا، وقطعَ بيننا.

стр. 1406

قال ابن إسحاق (١): فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقُبَاء على مُبَشِّر بن عبد المنذر، ثم قدم المهاجرون أرسالا. قال: وكان بنو غَنْم بن دُودان أهلَ إسلام قد أوْعَبوا إلى المدينة هجرةً، رجالُهم ونساؤهم (٢)، وهم عبد اللَّه بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعُكَاشة بن مِحْصَن، وشجاع، وعقبة ابنا وهب، وأرْبد بن حُمَيِّر (٣) ومُنقذ بن نُبَاتة، وسعيد بن رقيش، ومُحرز بن نَضْلَة، وزيد بن رُقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن مِحْصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثَقْف بن عمرو، وربيعة بن أكثم. والزُّبير بن عبيدة، وتمَّام بن عُبيدة، وسَخْبَرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد اللَّه بن جحش. ومن نسائهم زينبُ بنتُ جَحْش، وحَمْنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجُدَامة (٤) بنت جَنْدَل، وأم قيس بنت مِحْصَن، وأمّ حبيب بنت ثُمَامة، وآمنة بنت رُقيش، وسَخْبَرَة بنت تميم. قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة (٥): [من الطويل] ولما رأتني أمُّ أحمدَ غاديا … بذمَّةِ مَنْ أخشى بغيبٍ وأرهَبُ تقولُ فإمَّا كنتَ لابدَّ فاعلًا … فيمِّمْ بنا البلدانَ ولْنَنْأ يثربُ فقلتُ لها ما يثربٌ بمظَنَّةٍ (٦) … وما يشأ الرحمنُ فالعبدُ يركب إلى اللَّهِ وجْهي والرسولِ ومن يُقِمْ … إلى اللَّه يومًا وجهَه لا يُخَيَّب فكَمْ قد تركنا من حميم مُناصحٍ … وناصحةٍ تبكي بدمعٍ وتندُب ترى أن وترًا نائيًا عن بلادنا … ونحن نرى أنَّ الرغائبَ نطلُب دعوتُ بني غَنْم لحقْنِ دمائهم … وللحقِّ لما لاح للناس مَلْحَبُ أجابوا بحمدِ اللَّه لما دعاهُمُ … إلى الحق داعٍ والنجاحِ فأوعبوا وكنَا وأصحابًا لنا فارقوا الهُدَى … أعانوا علينا بالسلاح وأجْلبوا كفَوجَيْن أمَّا مِنْهُما فموفَّقٌ … على الحق مهديٌّ وفوجٌ معذَّبُ

стр. 1407

طَغَوا وتمنَّوا كِذبةً وأزلَّهم … عن الحقِّ إبليسٌ فخابوا وخيّبوا ورعنا إلى قول النبيّ محمدٍ … فطابَ ولاةُ الحق منا وطُيِّبوا نمُتُّ بأرحامٍ إليهم قريبةٍ … ولا قُرْبَ بالأرحام إذ لا تُقَرَّبُ فأيُّ ابنِ أختٍ بعدنا يأمننَّكم … وأيَّةُ صِهْرٍ بعد صهري يرقَّب ستعلم يومًا أيُّنا إذ تزايلوا … وزُيِّل أمرُ الناسِ للحقِّ أصوبُ قال ابن إسحاق (١): ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة. فحدَّثني نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، قال: اتَّعدنا لما أردتُ الهجرةَ إلى المدينة أنا وعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص؛ التَّنَاضب من أضاةِ بني غِفَار فوق سَرِف (٢)، وقلنا: أيُّنا لم يُصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحتُ أنا وعياش عند التَّناضب (٣)، وحُبس هشام وفُتن فافتتن؛ فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش -وكان ابنُ عمِّهما وأخاهما لأمِّهما- حتى قدما المدينة ورسولُ اللَّه ﷺ بمكة، فكلَّماه وقالا له: إنَّ أمك قد نذرَتْ أن لا يمسَّ رأسها مشط حَتَّى تراك، ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقَّ لها، فقلت له: إنه واللَّه إنْ يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحْذَرْهم، فواللَّه لو قد آذى أمَّك القملُ لامتشطَتْ، ولو قد اشتدَّ عليها حرُّ مكة لاستظلَّتْ. قال فقال: أبِرُّ قسم أُمِّي ولي هنالك مالٌ فآخذه. قال: قلت واللَّه إنَّك لتعلمُ أني لمِن أكثرِ قريشٍ مالًا، فلك نصفُ مالي ولا تذهبْ معهما. قال: فأبَى عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أمَّا إذْ فعلت ما فعلت، فخُذْ ناقتي هذه فإنَّها ناقة نَجِيبة ذَلُول فالْزَمْ ظهرَها، فإنْ رابكَ من أمر القوم رَيْبٌ فانْجُ عليها. فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، واللَّه لقد استغلظتُ بعيري هذا، أفلا تُعْقِبُني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحوَّل عليها، فلما استوَوْا بالأرض عدَوَا عليه فأوثقاهُ رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفَتَناهُ فافتتن. قال عمر: فكنَّا نقول لا يقبلُ اللَّهُ ممنِ افتتن توبةً. وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، حتى قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة، وأنزل اللَّه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال عمر: فكتبتها بيدي، وبعثتُ بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلتُ اقرؤها بذي

стр. 1408

طُوَى (١) أُصَعِّد بها فيه وأُصَوِّب أخرى ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهِّمْنيها، فألقى اللَّه في قلبي أنها إنما أُنزلت فينا وفيما كنَّا نقولُ في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعتُ إلى بعيري فجلستُ عليه فلحقتُ برسولِ اللَّه ﷺ بالمدينة. وذكر ابنُ هشام (٢) أنَّ الذي قدم بهشام بن العاص، وعياش بن أبي ربيعة إلى المدينة؛ الوليد بن الوليد بن المغيرة، سرقهما من مكة وقدِم بهما يحملهما على بعيره وهو ماشٍ معهما، فعثر فدميَتْ أصبعُه فقال: [من الرجز] هل أنتِ إلا أصبعٌ دَميتِ … وفي سبيلِ اللَّه ما لَقِيتِ وقال البخاري (٣): حدَّثنا أبو الوليد، حدَّنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمع البراء قال: أوَّلُ مَنْ قدم علينا مصعبُ بن عُمير وابنُ أمِّ مكتوم، ثم قدم علينا عمَّار وبلال. وحدَّثني محمد بن بشَّار، حدَّثنا غُنْدَر، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعتُ البراء بن عازِب قال: أولُ مَنْ قدِم علينا مصعبُ بن عمير وابنُ أُمِّ مَكْتُوم، وكانا يقرئانِ الناسَ، فقدِمَ بلالٌ وسعدٌ وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نَفَرًا من أصحاب النبيِّ ﷺ ، ثم قدم النبيُّ ﷺ فما رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا بشيءٍ فرحَهم برسولِ اللَّه ﷺ حتى جعل الإماءُ يقلن: قدم رسولُ اللَّه ﷺ . فما قدم حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سورٍ من المفصَّل. ورواهُ مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب بنحوه وفيه التصريح بأنَّ سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم رسولِ اللَّه ﷺ المدينة. وقد زعم موسى بن عقبة، عن الزهري، أنه إنما هاجر بعد رسولِ اللَّه ﷺ والصواب ما تقدَّم. قال ابن إسحاق (٥): ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زيد بن الخطاب وعمرو وعبد اللَّه ابنا سراقة بن المعتمر، وخُنيس بن حُذَافة السهمي زوج ابنته حفصة، وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وواقد بن عبد اللَّه التميمي حليفٌ لهم، وخَوْليُّ بن أبي خَوْليّ، ومالك بن أبي خَوْلي حليفانِ لهم من بني عِجْل، وبنو البُكير إياس وخالد وعاقل وعامر وحلفاؤهم من بني

стр. 1409

سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر (١) في بني عمرو بن عوف بقباء. قال ابنُ إسحاق (٢): ثم تتابع المهاجرون ﵃، فنزل طلحةُ بن عبيد اللَّه وصُهيب بن سنان على خُبيب بن إساف أخي بَلْحارث بن الخزرج بالسُّنْح (٣). ويقال بل نزل طلحة على أسعد بن زُرَارة. قال ابن هشام (٤): وذُكر لي عن أبي عثمان النَّهْديّ أنه قال: بلغني أنَّ صُهيبًا حين أراد الهجرة قال له كفَّارُ قريش: أتيتنا صُعْلوكًا حَقيرًا فكثُر مالك عندنا وبلغتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك واللَّه لا يكونُ ذلك. فقال لهم صُهيب: أرأيتم إنْ جعلتُ لكم مالي أتخلُّون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلتُ لكم مالي. فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ فقال: "رَبحَ صُهيب، رَبحَ صُهيب" وقد قال الحافظ البيهقي (٥): حدَّثنا الحافظ أبو عبد اللَّه -إملاءً- أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد اللَّه بن محمد بن ميكال، أخبرنا عبدان الأهوازي، حدَّثنا زيد بن الحَرِيش (٦)، حدَّثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدَّثنا (٧) حصين بن حذيفة بن صيفي بن صُهيب، حدَّثني أبي وعمومتي، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن صهيب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أريتُ دارَ هجرتكم سَبَخَةً بين ظهرانيْ حرَّتَيْن، فإمَّا أن تكون هَجَر أو تكون يثرب" قال: وخرج رسولُ اللَّه ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنتُ قد هممت معه بالخروج فصدَّني فتيانٌ من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقومُ لا أقعد، فقالوا: قد شغله اللَّه عنكم ببطْنه -ولم أكن شاكيًا- فناموا. فخرجتُ ولحقني منهم ناسٌ بعدما سرت بريدًا (٨) ليردُّوني، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيَكم أواقي (٩) من ذهب وتخلُّوا سبيلي، وتوفون لي؟ ففعلوا. فتبعتُهم (١٠) إلى مكة فقلت: احفروا تحت أُسْكُفَّة الباب فإنَّ تحتها أواقي (٩)، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحُلَّتَيْن، وخرجتُ حتى قدمت على رسولِ اللَّه ﷺ قُباء قبل أن يتحوَّل منها، فلما رآني قال: "يا أبا يحيى ربح البيع" -ثلاثًا- فقلت: يا رسول اللَّه، ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل ﵇. قال ابن إسحاق (١١): ونزل حمزةُ بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو مَرْثَد كَنَّاز بن

стр. 1410

الحُصَين (١) وابنه مرثد الغنويَّان حليفا حمزة، وأنَسَة وأبو كبشة موليا رسولِ اللَّه ﷺ على كلثوم بن الهِدْم أخي بني عمرو بن عوف بقُباء، وقيل على سعد بن خيثمة، وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة. [واللَّه أعلم] (٢). قال: ونزل عُبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحُصين ومِسْطَح بن أُثَاثَة وسُويبط بن سعد بن حُريملة أخو بني عبد الدار وطُليب بن عُمير أخو بني عبد بن قصي وخَبَّاب مولى عتبة بن غَزْوان على عبد اللَّه بن سلمة أخي بَلْعَجْلان بقُباء. ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجالٍ من المهاجرين على سعد بن الربيع، ونزل الزُّبير بن العوام وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم على منذر بن محمد بن عقبة بن أُحَيْحَة بن الجُلاح بالعُصْبة دار بني جَحْجَبَى ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حُذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة. قال (٣) ابنُ إسحاق، وقال الأموي: على خُبيب بن إساف أخي بني حارثة. ونزل عتبة بن غزوان على عبَّاد بن بِشْر بن وَقْش في بني عبد الأشْهَل؛ ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسَّان بن ثابت في دار بني النجَّار. قال ابنُ إسحاق (٤): ونزل العُزَّابُ من المهاجرين على سَعْد بن خيثمة، وذلك أنه كان عَزَبًا واللَّه أعلم أيَّ ذلك كان. وقال يعقوب بن سفياد (٥): حدَّثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زُرارة بن مُصعب بن عبد الرحمن بن عوف، حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: قدمنا من مكة فنزلنا العُصْبة، ونزل عمر بن الخطَّاب وأبو عبيدة بن الجرَّاح وسالم مولى أبي حذيفة، فكان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا. فصل في سبب هجرة رسول اللَّه ﷺ بنفسه الكريمة قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] أرشده اللَّه وألهمه أن يدعوَ بهذا الدُّعاء [و] أن يجعل له مما هو فيه فرجًا قريبًا ومخرجًا

стр. 1411

عاجلًا، فأذن له تعالى في الهجرةِ إلى المدينة النبويَّة حيث الأنصار والأحباب فصارت له دارًا وقرارًا، وأهلها له أنصارًا. قال أحمد بن حنبل (١) وعثمان بن أبي شيبة (٢)، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظَبْيَان (٣)، عن أبيه، عن ابن عباس: كان رسول اللَّه ﷺ بمكة، فأمر بالهجرة وأُنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. وقال قتادة: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الهجرة من مكة ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ كتاب اللَّه وفرائضه وحدوده. قال ابنُ إسحاق (٤): وأقام رسولُ اللَّه ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذَن له في الهجرة ولم يتخلَّفْ معه بمكة إلا من حُبس أو فُتن، إلا عليُّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذنُ رسولَ اللَّه ﷺ في الهجرة فيقول له: "لا تَعْجَلْ لعلَّ اللَّهَ يجعلُ لك صاحبًا" فيطمع أبو بكر أن يكونه. فلما رأتْ قريشٌ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قد صار له شيعةٌ وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منَعةً، فحذِرُوا خروجَ رسولِ اللَّه ﷺ إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة -وهي دارُ قصيّ بن كلاب التي كانت قريشٌ لا تقضي أمرًا إلا فيها- يتشاورونَ فيما يصنعون في أمر رسولِ اللَّه ﷺ حين خافوه. قال ابن إسحاق (٤): فحدَّثني من لا أتَّهمُ من أصحابنا، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جَبْر (٥) وغيره ممن لا أتَّهم، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: لما اجتمعوا لذلك واتَّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ غدَوْا في اليوم الذي اتَّعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزَّحْمة، فاعترضهم إبليسُ لعنه اللَّه في هيئة شيخٍ جليل عليه بتٌّ (٦) له فوقف على باب الدار، فلما رأوه

стр. 1412

واقفًا على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نَجْد، سمع بالذي اتعدتم له فحضرَ معكم ليسمعَ ما تقولون، وعسى أن لا يُعْدِمَكم منه رايًا ونُصْحًا. قالوا: أجل فادخلْ. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشرافُ قريش: عتبة، وشيبة، وأبو سفيان وطعيمة بن عدي، وجُبير بن مُطْعِم بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضْر بن الحارث وأبو البَخْتَرِيِّ بنُ هشام، وزَمَعَة بن الأسود، وحَكيم بن حِزَام، وأبو جَهل بن هشام ونُبيه ومُنَبِّه ابنا الحجَّاج وأمية بن خلف، ومَنْ كان منهم (١) وغيرهم ممن لا يعدُّ من قريش. فقال بعضهم لبعض: إنَّ هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإننا واللَّه ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا. قال: فتشاوروا، ثم قال قائلٌ منهم -[قيل إنه أبو البَخْتَرِي بنُ هشام] (٢) -: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم ترَّبصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا واللَّه ما هذا لكم برأي، واللَّه لئن حبستموه كما تقولون ليخرجَنَّ أمرُه من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي. فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فواللَّه ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأُلْفَتَنا كما كانت. قال الشيخ النجديّ: لا واللَّه ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوةَ منطقِه، وغلبته على قلوب الرجال، بما يأتي به؟ واللَّه لو فعلتم ذلك ما أمنت (٣) أنْ يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم بين أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أو تروا (٤) فيه رأيًا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: واللَّه إنَّ لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جَليدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كلَّ فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يَعْمِدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجلٍ واحد، فيقتلوه، فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرَّق دمُهُ في القبائل جميعها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا. فرضوا منا بالعقل فعقَلْناه لهم. قال: يقول الشيخُ النجدي: القولُ ما قال الرجل، هذا الرأي، ولا رأي غيره: فتفرَّقَ القومُ على ذلك وهم مجمعون له.

стр. 1413

فأتى جبريلُ رسولَ اللَّه ﷺ فقال له: لا تبِتْ هذه الليلةَ على فراشكَ الذي كنتَ تَبيتُ عليه. قال: فلما كانت عَتَمةٌ من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسولُ اللَّه ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: "نمْ على فراشي وتَسَجَّ ببُرْدِي هذا الحَضْرَميِّ الأخضر، فنمْ فيه، فإنه لن يخلُصَ إليك شيءٌ تكرهه منهم" وكان رسولُ اللَّه ﷺ ينامُ في بُرْده ذلك إذا نام. وهذه القصة التي ذكرها ابنُ إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعليّ وسُراقة ابن مالك بن جُعْشُم وغيرهم دخل حديثُ بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدَّمَ (١). قال ابن إسحاق (٢): فحدَّثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القُرَظي قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل قال -وهم على بابه-: إنَّ محمدًا يزعم أنكم إنْ تابعتموه على أمره، كنتم ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجُعلت لكم جنانٌ كجنانِ الأردُنّ، وإنْ لم تفعلوا كان فيكم ذَبْح، ثم بُعثتم بعد موتكم، ثم جُعلتْ لكم نارٌ تُحرَقون فيها. قال: فخرج رسولُ اللَّه ﷺ فأخذ حَفْنَةً من تراب في يده ثم قال: "نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم" وأخذ اللَّه على أبصارهم عنه فلا يرَوْنَه، فجعل ينثر ذلك الترابَ على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩] ولم يبق منهم رجلٌ إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ ممن لم يكنْ معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدًا، فقال: خيَّبَكم اللَّه، قد واللَّه خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته! أنهما ترَونَ ما بكم؟ قال: فوضع كلُّ رجلٍ منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلَّعون فيرَوْنَ عليًّا على الفراش متسجِّيًا بِبُردِ رسولِ اللَّه ﷺ فيقولون: واللَّه إنَّ هذا لمحمدٌ نائمًا، عليه بُرْدُه، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليٌّ من الفراش فقالوا: واللَّه لقد كان صدقنا الذي كان حدَّثنا. قال ابنُ إسحاق (٣): فكان مما أنزل اللَّه في ذلك اليوم وما كانو أجمعوا له قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠ - ٣١]. قال ابنُ إسحاق: فأذِنَ اللَّهُ لنبيه ﷺ عند ذلك بالهجرة.

стр. 1414

باب هجرةِ رسولِ اللَّه ﷺ بنفسه الكريمة مق مكةَ إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ وذلك أولُ التاريخ الإسلامي كما اتفق عليه الصحابةُ في الدولة العُمَرية كما بيَّناه في سيرة عمر ﵁ وعنهم أجمعين (١). قال البخاري (٢): حدَّثنا مَطَرَ بنُ الفَضْل، حدثنا رَوْح، حدثنا هشام، حدثنا عكرمة عن ابن عباس، قال: بُعِثَ النبيُّ ﷺ لأربعينَ سنةً، فمكث بمكَّة (٣) ثلاثَ عشرةَ [سنةً] يُوحى إليه، ثم أُمر بالهِجْرَة فهاجر عشرَ سنينَ، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنة. وقد كانت هجرتُه ﵇ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته ﵇، وذلك في يوم الاثنين كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس (٤) أنه قال: ولد نبيُّكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ونُبِّئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (٥). قال محمد بن إسحاق (٦): وكان أبو بكر حين استأذنَ رسولَ اللَّه ﷺ في الهجرة فقال له: لا تعجَلْ لعل اللَّه أن يجعلَ لك صاحبًا؛ قد طمع بأن يكون رسولُ اللَّه ﷺ إنما يعني نفسَه، فابتاعَ راحلتَيْن فحبسهما في داره يعلفهما إعدادًا لذلك. قال الواقدي (٧): اشتراهما بثمانمئة درهم. قال ابن إسحاق (٨): فحدَّثني مَنْ لا أتَّهم عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة أمِّ المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئُ رسولُ اللَّه ﷺ أن يأتيَ بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار، إمَّا بُكْرَة، وإمَّا عشِيَّة، حتى إذا كان اليومُ الذي أَذِن اللَّه فيه لرسوله في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظَهْرَيْ قومه، أتانا رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 1415

بالهاجرة، في ساعةٍ كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآهُ أبو بكر قال: ما جاء رسولُ اللَّه ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدَث! قالت: فلما دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسولُ اللَّه ﷺ وليس عند رسول اللَّه ﷺ (١) أحدٌ إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أخْرِجْ عني مَنْ عِنْدَك" قال: يا رسول اللَّه! إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: "إن اللَّه قد أذِنَ لي في الخروج والهجرة" قالت: فقال أبو بكر: الصُّحْبَة يا رسولَ اللَّه؟ قال: "الصُّحبة" قالت: فواللَّه ما شعرتُ قطُ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفَرَح حتى رأيتُ أبا بكر يومئذٍ يبكي. ثم قال: يا نبى اللَّه، إنَّ هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجَرَا عبد اللَّه بن أرقد (٢) -قال ابنُ هشام: ويقال عبد اللَّه بن الأُرَيْقط- رجلًا من بني الدُّئلِ بن بكر، وكانت أمُّه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركًا يدلُّهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابنُ إسحاق (٣): ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسولِ اللَّه ﷺ أحدٌ حين خرج إلا عليُّ بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآلُ أبي بكر؛ أمَّا عليّ فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمره أن يتخلَّف حتى يؤدِّي عن رسولِ اللَّه ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسولُ اللَّه ﷺ وليس بمكة أحدٌ عنده شيءٌ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صِدْقِه وأمانته. قال ابن إسحاق (٣): فلما أجمع رسولُ اللَّه ﷺ الخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحَافة فخرجا من خوخةٍ لأبي بكر في ظهر بيته. وقد روى أبو نُعيم (٤) من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. قال: بلغني أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لما خرج من مكة مهاجرًا إلى اللَّه يريد المدينة قال: "الحمد للَّه الذي خلقني ولم أكُ شيئًا، اللهم أعنِّي على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخْلُفني في أهلي، وباركْ لي فيما رزقتني، ولك فذلِّلْني، وعلى صالح خُلقي فقوِّمْني، وإليك ربِّ فحبِّبْني، وإلى الناس فلا تكِلْني، ربَّ المستضعفين وأنت ربِّي، أعوذُ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكُشفت به الظلمات، وصَلَح عليه أمْرُ الأولين والآخرين، أنْ تُحل عليَّ غَضَبَك، وتنزل بي سخطَك، أعوذ بك من زوالِ نعمتك، وفجأة نقمتِك، وتحوُّل عافيتك وجميعِ سخطك. لك العُتْبَى عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك".

стр. 1416

قال ابنُ إسحاق (١): ثم عمدا إلى غارٍ بثَوْر -جبل بأسفلِ مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد اللَّه أن يتسمَّع لهما ما يقولُ الناسُ فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فُهَيرة مولاه أنْ يرعى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى في الغار. فكان عبد اللَّه بن أبي بكر يكونُ في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرونَ به، وما يقولون في شأن رسولِ اللَّه ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامرُ بن فُهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنمَ أبي بكر فاحتلبا وذبحا. فإذا غدا عبد اللَّه بن أبي بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامرُ بن فُهيرة أثرَهُ بالغنم يُعَفِّى عليه. وسيأتي في سياقِ البخاري ما يشهد لهذا. وقد [حكى ابنُ جريز (٢) عن بعضهم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سبق الصديقَ في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليًّا أنْ يدلَّه على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناءِ الطريق. وهذا غريبٌ جدًا، وخلاف المشهور من أنهما خرجا معًا] (٣). قال ابنُ إسحاق (٤): وكانت أسماءُ بنت أبي بكر ﵂ تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قالت أسماء (٥): ولما خرج رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قالت: قلت لا أدري واللَّه، أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهلٍ يدَه -وكان فاحشًا خبيثًا- فلطم خدِّي لطمةً طرح منها قُرْطي ثم انصرفوا. قال ابنُ إسحاق (٦): وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد اللَّه بن الزبير أنَّ أباه حدَّثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسولُ اللَّه ﷺ ، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كلَّه معه، خمسة آلاف درهم -أو ستة آلاف درهم- فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدِّي أبو قُحَافة -وقد ذهب بصره- فقال: واللَّه إني لا أراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟ قالت: قلت كلا يا أبة، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: وأخذت أحجارًا فوضعَتْها في كُوَّةٍ في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، لْم وضعتُ عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبة ضَعْ يدك على هذا المال. قالت فوضع يده عليه فقال: لا باس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغٌ لكم، ولا واللَّه ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردتُ أنْ أسكِّن الشيخ بذلك.

стр. 1417

وقال ابنُ هشام (١): وحدَّثني بعضُ أهل العلم أنَّ الحسن بن أبي الحسن البصري قال: انتهى رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلًا، فدخل أبو بكر قبل رسولِ اللَّه ﷺ ، فلمس الغار لينظرَ أفيه سَبُعٌ أو حيَّة، يَقيَ رسولَ اللَّه ﷺ بنفسه. وهذا فيه انقطاعٌ من طرفيه. وقد قال أبو القاسم البغوي: حدَّثنا داود بن عمرو الضبيِّ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابنِ أبي مُليكة، أنَّ النبيَّ ﷺ لما خرج هو وأبو بكرٍ إلى ثَوْر، فجعل أبو بكر يكون أمامَ النبيِّ ﷺ مرَّة. وخلفَهُ مرَّة، فسأله النبيُّ ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنتُ خلفك خشيتُ أنْ تُؤْتَى من أمامك، وإذا كنتُ أمامَك خشيتُ أن تُؤتَى من خلفك. حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر: كما أنتَ حتى أُدخل يدي فأُحِسَّهُ وأقُصَّه، فإنْ كانتْ فيه دابَّةٌ أصابَتني قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جُحْرٌ فألقم أبو بكر رِجْلَهُ ذلك الجُحْر تخوُّفًا أن يخرج منه دابّهٌ أو شيءٌ يؤذي رسولَ اللَّه ﷺ . وهذا مرسل. وقد ذكرنا له شواهد أُخر في سيرة الصدِّيق ﵁ (٢). وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنا موسى بن الحسن بن (٤) عباد، ثنا عفَّان بن مسلم، ثنا السريُّ بن يحيى ثنا محمد بن سيرين، قال: ذكر رجالٌ على عهد عمر، فكأنهم فضَّلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: واللَّه لليلةٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر، وليومٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر؛ لقد خرج رسولُ اللَّه ﷺ ليلةَ انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعةً بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطِن رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "يا أبا بكر! مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟ " فقال: يا رسولَ اللَّه! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَد فأمشي بين يديك. فقال: "يا أبا بكر لو كان شيءٌ أحببتَ أن يكون بك دوني؟ " قال: نعم، والذي بعثك بالحق [ما كانت لتكن من ملمّةٍ إلَّا أحببتُ أنْ تكونَ لي دونك]، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسولَ اللَّه حتى أستبرِئ لك الغار؛ فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجِحَرَة فقال: مكانك يا رسول اللَّه حتى أستبرئ. فدخل فاستبرأ ثم قال: انزلْ يا رسول اللَّه. فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خيرٌ من آل عمر. وقد رواه البيهقي (٥) من وجه آخر عن عمر وفيه: أنَّ أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول اللَّه ﷺ تارة،

стр. 1418

وخلفه أخرى، وعن يمينه وعن شماله. وفيه أنه لما حفيَتْ رجلا رسولِ اللَّه ﷺ حمله الصدِّيقُ على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحر (١) كلَّها، وبقي منها جحرٌ واحد، فألقمه كعبه فجعلتِ الأفاعي تنهَشُه ودموعُه تسيل، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تحزَنْ إنَّ اللَّه معنا". وفي هذا السياق غرابةٌ ونَكَارة. ثم قال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا عباس الدُّوري، ثنا أسود بن عامر شاذان، ثنا إسرائيل عن الأسود، عن جندب بن عبد اللَّه، قال: كان أبو بكر مع رسولِ اللَّه ﷺ في الغار، فأصاب يدَه حجَرٌ فقال: [من الرجز] إنْ أنتِ إلا أصبعٌ دَميتِ … وفي سَبيل اللَّه ما لَقيتِ وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجَزَري أنَّ مِقْسِمًا مولى ابنِ عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] قال: تشاورتْ قريقٌ ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوَثَاق، يريدون النبيَّ ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطْلَعَ اللَّهُ نبيَّهُ ﷺ على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النبيِّ ﷺ تلك الليلة، وخرج النبيُّ ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركونَ يحرسُون عليًّا يحسَبونه النبيَّ ﷺ . فلما أصبحوا ثاروا عليه (٤)، فلما رأوا عليًا ردَّ اللَّه مَكْرَهم. فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ فقال: لا أدري. فاقتصُّوا (٥) أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط (٦) عليهم، فصعَّدوا [في] الجبل فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وهذا إسنادٌ حسن (٧)، وهو من أجود ما رُوي في قصة نسْجِ العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية اللَّه رسولَه ﷺ . [وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر (٨): حدَّثنا بشَّارُ الخفَّاف

стр. 1419

حدثنا جعفر بن (١) سليمان، حدَّثنا أبو عمران الجَوْني، حدَّثنا المُعَلَّى بن زياد عن الحسن البصري قال: انطلق النبيُّ ﷺ وأبو بكر إلى الغار فدخلا فيه، فجاء العنكبوت فنسجتْ على باب الغار، وجاءت قريشٌ يطلبون النبيَّ ﷺ ، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نَسْجَ العنكبوت قالوا: لم يدخلْ أحد، وكان النبيُّ ﷺ قائمًا يصلِّي، وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي ﷺ : فداك أبي وأمي هؤلاء قومُك يطلبونك، أما واللَّه ما على نفسي أبكي (٢)، ولكن مخافة أنْ أرى فيك ما أكره. فقال له النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكر، لا تخَفْ (٣) إنَّ اللَّهَ معنا". وهذا مرسلٌ عن الحسن، وهو حسن بحالة (٤) من الشاهد (٥)، وفيه زيادةُ صلاة النبيِّ ﷺ في الغار. وقد كان ﵇ إذا أحزنه أمر صلَّى، وروى هذا الرجل -أعني أبو (٦) بكر أحمد بن علي القاضي (٧) - عن عمرو الناقد، عن خلف بن تميم، عن موسى بن مُطَير (٨) عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بني، إذا حدث في الناس حدثٌ فأتِ الغارَ الذي اختبأتُ فيه أنا ورسولُ اللَّه ﷺ فكُنْ فيه، فإنَّه سيأتيكَ رزقُك فيه بُكْرَةً وعَشِيَّا (٩)]. وقد نظم بعضُهم هذا في شعرِه حيث يقول: [من الخفيف] نَسْجُ داودَ ما حمى صاحبَ الغا … رِ وكان الفخارُ للعنكبوتِ وقد ورد أن حمامتَيْن عشَّشَتَا على بابه أيضًا، وقد نظم ذلك الصَّرْصَرِيُّ في شعره حيث يقول (١٠): فعمَّى عليه العنكبوتُ بنسْجِهِ … وظلَّ على البابِ الحمامُ يَبيضُ والحديث بذلك رواهُ الحافظ ابنُ عساكر (١١) من طريق يحيى بن محمد بن صاعد، حدَّثنا عمرو بن علي، حدثنا عون بن عمرو أبو عمرو القَيْسي -ويُلَقب عُوين- حدَّثني أبو مصعب المكِّي، قال: أدركتُ زيد بن أرقم والمغيرةَ بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون أنَّ النبيَّ ﷺ ليلة الغار، أمرَ اللَّهُ شجرةً فخرجتْ

стр. 1420

في وَجْهِ النبيِّ ﷺ تسترُه، وأنَّ اللَّه بعث العنكبوتَ فنسجَتْ ما بينهما، فسترَتْ وجه رسولِ اللَّه ﷺ ، وأمرَ اللَّهُ حمامتَيْن وحشيَّتَيْن فأقبلتا (١) تدِفَّان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة، وأقبلَ فتيانُ قريش من كلِّ بطنٍ منهم رجل، معهم عِصِيُّهم وقِسِيُّهم وهراواتُهم، حتى إذا كانوا من رسولِ اللَّه ﷺ قَدْرَ مئتي ذراع قال الدليل -وهو سُرَاقةُ بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي-: هذا الحَجَر ثم لا أدري أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة، حتى إذا أصبحنا. قال: انظروا في الغار. فاستبقه القومُ حتى إذا كانوا من النبيِّ ﷺ قَدْرَ خمسين ذراعًا، فإذا الحمامتان، فرَجَعَ. فقالوا: ما ردَّكَ أن تنظر في الغار؟ قال: رأيتُ حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفتُ أنْ ليس فيه أحد. فسمعَها النبيُّ ﷺ فعرف أنَّ اللَّه قد دَرَأ عنهما بهما، فشمَّت (٢) عليهما -أي برَّك عليهما- وأحْدَرهما (٣) اللَّه إلى الحرم فأفرخا كما ترى. وهذا حديث غريبٌ جدًّا من هذا الوجه. قد رواه الحافظ أبو نُعيم (٤) من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره، عن عَوْن بن عمرو -وهو الملقَّب بِعُوَين- بإسناده مثله. وفيه أن جميعَ حمام مكة من نسل تيك الحمامتَيْن. وفي هذا الحديث أنَّ القائف الذي اقتفى لهم الأثر سراقةُ بن مالك المُدْلجي. وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، أنَّ الذي اقتفى لهم الأثر كُرْز بن علقمة. قلت: ويحتمل أن يكونا جميعًا اقتفيا (٥) الأثر واللَّه أعلم. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، يقول تعالى مُؤَنِّبًا لمنْ تخلَّف عن الجهاد مع الرسول: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ أنتم فإنَّ اللَّه ناصِرُه ومؤيِّدُه ومظفِّره كما نصَرَهُ ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهلِ مكة هاربًا ليس معه غيرُ صاحبه وصديقِه أبي بكر، ليس معه غيره، ولهذا قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أي: وقد لجأ إلى الغارِ فأقاما فيه ثلاثةَ أيام ليسْكُنَ الطلبُ عنهما، وذلك لأنَّ المشركين حين فقدوهما كما تقدَّم ذهبوا في طلبهما كلَّ مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردَّهما -أو أحدَهما- مئةً من الإبل، واقتصُّوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الذي يقتصُّ الأثر لِقُرَيش سُرَاقة بن مالك بن

стр. 1421

جُعْشُم كما تقدَّم، فصعَّدوا [في] الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرُّون على باب الغار، فتُحاذي أرجلُهم لبابِ الغار ولا يرَوْنَهما، حفظًا من اللَّه لهما كما قال الإمامُ أحمد (١): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا همام، أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ أبا بكرٍ حدَّثه، قال: قلتُ للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدَمَيْه لأبصَرَنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر، ما ظنُّك باثْنَيْن اللَّهُ ثالثُهما". وأخرجَهُ البخاري ومسلم في صحيحَيْهما (٢) من حديث همَّام به. وقد ذكر بعض أهلِ السِّير أن أبا بكرٍ لما قال ذلك، قال النبيُّ ﷺ : "لو جاؤنا من هاهنا لذهبنا من هاهنا" فنظر الصدِّيق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصَل به. وسفينةٌ مشدودة إلى جانبه. وهذا ليس بمنكَرٍ من حيثُ القدرة العظيمة، ولكنْ لم يردْ ذلك بإسنادٍ قويٍّ ولا ضعيف، ولسنا نُثْبِتُ شيئًا من تِلْقاءِ أنفسنا، ولكن ما صحَّ أو حَسُنَ سنَدُه قُلْنا به. واللَّه أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البزَّار (٣): حدَّثنا الفضلُ بن سهل، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا موسى بن مُطَير القُرشي، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّ أبا بكرٍ قال لابنه: يا بني، إنْ حدَث في الناس حَدثٌ فأتِ الغار الذي رأيتني اختبأتُ فيه أنا ورسولُ اللَّه ﷺ فكُنْ فيه، فإنَّه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية (٤). ثم قال البزَّار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم. قلت: وموسى بن مُطَير هذا ضعيفٌ متروك، وكذَّبه يحيى بن معين فلا يُقْبَلُ حديثه واللَّه أعلم. وقد ذكر يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق أنَّ الصدِّيق قال في دخولهما الغار، وسَيْرهما بعد ذلك وما كان من قصة سُرَاقة كما سيأتي شعرًا فمنه قوله: [من البسيط] قال النبيُّ -ولم أجزَعْ- يوقِّرني … ونحنُ في سُدُفٍ (٥) من ظُلمة الغارِ لا تخشَ شيئًا فإنَّ اللَّه ثالثُنا … وقد توكَّل لي منهُ بإظهار وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطوَّلةً جدًّا، وذكر معها قصيدة أخرى (٦) واللَّه أعلم.

стр. 1422

وقد روى ابنُ لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير، قال: فمكث رسولُ اللَّه ﷺ بعد الحج -يعني الذي بايع فيه الأنصار- بقية ذي الحجَّة والمحرَّم وصفر، ثم إنَّ مشركي قريش أجمعوا أمْرَهم ومكرهم على أن يقتلوا رسولَ اللَّه ﷺ أو يحبسوه، أو يخرجوه فأطلعه اللَّه على ذلك، فأنزل عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية. فأمر عليًّا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كلِّ وجه يطلبونهما. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه"، وأنَّ خروجه هو وأبو بكر إلى الغار كان ليلًا. وقد تقدَّم عن الحسن البصري فيما ذكره ابنُ هشام التصريح بذلك أيضًا. وقال البخارى (١): حدَّثنا يحيى بن بُكير، حدَّثنا اللَّيث، عن عُقَيل، قال ابنُ شهاب: فأخبرني عروةُ بن الزبير، عن عائشة زوج النبيِّ ﷺ قالت: لم أعقِلْ أبويَّ قطُ إلا وهما يَدِينانِ الدِّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ اللَّه ﷺ طَرَفي النهارِ بُكْرَةً وعَشِيَّة، فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحوَ أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابنُ الدُّغُنَّة وهو سيِّد القارة. فذكرتْ ما كان من ردِّهِ لأبي بكر إلى مكة وجِوارَهُ له كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فإني أردُّ عليك جوارك وأرضَى بجوارِ اللَّه. قالت: والنبيُّ ﷺ يومئذ بمكة. فقال النبيُّ ﷺ للمسلمين: "إني أُريتُ دارَ هجرتكم ذاتَ نخلٍ بين لابَتَيْن وهما الحرَّتان. فهاجر مَنْ هاجر قبل المدينة، ورجعَ بعض (٢) من كان هاجر قِبَلَ الحبشة إلى المدينة، وتجهَّزَ أبو بكر مهاجرًا قبل المدينة. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "على رِسْلِكَ، فإني أرجو أنْ يُؤذَنَ لي" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بابي أنت وأمي؟ قال: "نعم" فحَبَسَ أبو بكر نفسهُ على رسولِ اللَّه ﷺ ليصحَبَه، وعلفَ راحلتَيْن كانتا عنده ورقَ السَّمُر -وهو الخَبَط- أربعة أشهر. [وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر] (٣) - قال ابنُ شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيت أبي بكر في حرِّ الظهيرة، فقال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسولُ اللَّه ﷺ متقنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأُمِّي، واللَّهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمْر. قالت: فجاء رسولُ اللَّه ﷺ فاستأذن، فأذِنَ له، فدخل، فقال النبيُّ ﷺ : "أخْرِجْ مَنْ عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلُكَ بأبي أنت يا رسول اللَّه. قال: فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصُّحْبَة بابي أنت وأمي؟ قال النبيُّ ﷺ "نعم" قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول اللَّه إحدى راحلتيَّ هاتين. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بالثمن". قالت عائشة: فجهَّزناهما أحثَّ الجَهَاز (٤)، فصنعنا لهما

стр. 1423

سُفْرَةً في جِرَاب، فقطعتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطَتْ به على فم الجِرَاب، فبذلك سُمِّيت ذات النطاقَيْن. قالت: ثم لحق رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبلِ ثَوْر، فمكثا فيه ثلاثَ ليال، يبيتُ عندهما عبدُ اللَّه بن أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِن، فيُدْلج من عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرًا يُكادان به إلا وَعَاه، حتى يأتيَهما بخبرِ ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامرُ بن فُهَيرة مولى أبي بكر مِنْحَةً (١) من غَنَم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعةً من العشاء، فيبيتانِ في رِسْل (٢) -وهو لَبَنُ مِنْحَتِهما ورَضِيفُهما (٣) - حتى يَنْعِقَ بهما (٤) عامرُ بن فُهيرة بِغَلَس، يفعل ذلك في كلِّ ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدُّئِل (٥) وهو من بني عبد بن عَدِي هاديا خِرِّيتًا -والخِرِّيت: الماهر بالهداية (٦) - قد غَمَس حِلْفًا (٧) في آل العاص بن وائل السَّهْمي وهو على دين كُفَّار قريش فأمِنَاه فدفعا إليه راحلتَيْهما، وواعداه غارَ ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتَيْهما صُبْحَ ثلاثِ ليال (٨). وانطلق معهما عامرُ بن فُهيرة والدليل فأخذ بهم طريقَ السواحل. قال ابنُ شهاب (٩): فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدْلِجيّ -وهو ابنُ أخي سُرَاقة- أنَّ أباه أخبره أنه سمع سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم. يقول: جاءنا رُسل كُفَّارِ قريش يجعلونَ في رسولِ اللَّه ﷺ وأبي بكر دِيَةَ كلِّ واحدٍ منهما لمن قَتَله أو أسره؛ فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالسِ قومي بني مُدْلج إذْ أقبلَ رجلٌ منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سُراقة إني رأيت آنفا أسْوِدَةً بالسَّاحل (١٠)، أراها محمدًا وأصحابَه. قال سراقة: فعرفتُ أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنَّك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا

стр. 1424

بأعْيُننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلتُ فأمَرْتُ جاريتي أن تخرُجَ بفرسي وهي من وراءِ أكَمَةٍ فتحبسَها عليَّ، وأخذتُ رُمْحي فخرجتُ به من ظَهْر البيت، فخططت بزُجِّهِ الأرضَ وخفَضْتُ عالِيَه (١)، حتى أتيتُ فرسي فركبتُها فرفَعْتُها تُقَرِّبُ بي (٢) حتى دنوتُ منهم، فعثرَتْ بي فرسي فخرَرْتُ عنها، فقُمتُ فأهوَيْتُ يدي إلى كنانتي فاستخرَجْتُ منها الأزلام فاستقسمتُ بها: أضرُّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبتُ فرسي وعصَيْتُ الأزلام فجعل فرسي يُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللَّه ﷺ وهو لا يلتفِتُ، وأبو بكرٍ يُكثر الالتفات ساخَتْ يدا فرسي في الأرض (٣)، حتى بلغتا الرُّكْبَتَيْن، فخررتُ عنها فقمتُ فأهويت، ثم زجرتُها فنهضَتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبارٌ (٤) ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره؛ فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبتُ فرسي حتى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لقيتُ من الحَبْس عنهم أنْ سيظهرُ أمْرُ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقلتُ له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدِّيَة. وأخبرتُهم أخبارَ ما يريدُ الناسُ بهم، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاع فلم يَرْزَآني ولم يسألاني إلا أن قال (٥): أخْفِ عنَّا. فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمْنٍ، فأمر عامر بن فُهَيرة فكتب في رقعةٍ من أدَم. ثم مضَى رسولُ اللَّه ﷺ . [وقد روى محمد بن إسحاق (٦)، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشُم، عن أبيه، عن عمه سُرَاقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أولَ ما خرج من منزله، فخرج السهمُ الذي يكره لا يضرُّه، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره لا يضرُّه. حتى ناداهم بالأمان. وسأل أن يكتب له كتابًا يكون أمارةَ ما بينَه وبين رسولِ اللَّه ﷺ ؛ قال: فكتب لي كتابًا في عَظْم -أو رقعة أو خِرْقَة- وذكر أنه جاء به إلى رسول اللَّه ﷺ وهو بالجِعِرَّانة (٧) مرجعه من الطائف، فقال له: "يوم وفاءَ وبرّ، ادْنُهْ" فدنَوْتُ منه وأسلمتُ.

стр. 1425

قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جُعْشُم. وهذا الذي قاله جيد. ولما رجع سُرَاقة جعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلا ردَّه وقال: كُفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أنَّ رسول اللَّه ﷺ قد وصل إلى المدينة. جعل سُراقة يقصُّ على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبيِّ ﷺ وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه. فخاف رؤساءُ قريش معرَّته، وخَشُوا أن يكون ذلك سببًا لإسلام كثيرٍ منهم، وكان سُراقة أميرَ بني مُدْلِج ورئيسَهم، فكتب أبو جهل -لعنه اللَّه- إليهم: [من الطويل] بني مدلج إني أخافُ سفيهَكم … سُرَاقُةُ مستغوٍ لنصرِ محمدِ عليكم به ألا يفرِّق جمعَكم … فيصبحَ شتَّى بعد عِزٍّ وسؤدُدِ قال فقال سُراقة بن مالك يُجيب أبا جهل في قوله هذا: [من الطويل] أبا حكم واللَّهِ لو كنتَ شاهدًا … لأمرِ جوادي إذ تسُوخُ قوائمُهْ عجبتَ ولم تشكُكْ بأنَّ محمدًا … رسولٌ وبرهانٌ فمن ذا يقاومُهْ عليكَ فكُفَّ القومَ عنه فإنني … إخالُ لنا يومًا ستبدو معالمه بأمرٍ تودُّ النصرَ فيه فإنهم … وإنّ جميعَ الناسِ طرًّا مُسالمه وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبي إسحاق، وقد رواه أبو نعيم (١) بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبي جهل أبياتًا تتضمَّن كفرًا بليغًا] (٢). وقال البخاري (٣) بسنده إلى ابن شهاب: فأخبرني عروةُ بن الزبير، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لَقِيَ الزبير في ركبٍ من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكَسَا الزبيرُ رسولَ اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ ثيابَ بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسولِ اللَّه ﷺ من مكة، فكانوا يغدُونَ كلَّ غداةٍ إلى الحرَّة فينتظرونه حتى يردَّهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من اليهود على أُطُمٍ من آطامِهِم لأمرٍ ينظرُ إليه، فبصُر برسولِ اللَّه ﷺ وأصحابه مُبَيَّضِين (٤)، يزولُ بهم السراب (٥)، فلم يملك اليهوديُّ أنْ قال بأعلى صوتِه: يا معشرَ العرب هذا جدُّكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقَّوْا رسولَ اللَّه ﷺ بظهر الحَرَّة، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهرِ ربيعِ الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسولُ اللَّه ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسولَ اللَّه ﷺ يُحيِّي أبا بكر حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّلَ عليه

стр. 1426

بردائه، فعرف الناسُ رسولَ اللَّه ﷺ عند ذلك، فلبثَ رسولُ اللَّه ﷺ في بني عمرو بن عوف بضعَ عشرةَ ليلة، وأُسِّسَ (١) المسجدُ الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلَّى فيه رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم ركب راحلته، وسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجد رسولِ اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبدًا للتمر، لسُهيلٍ وسهل، غلامَيْن يتيمين في حَجْر أسعد بن زُرَارة، فقال رسولُ اللَّه ﷺ حين بركَتْ به راحلته: "هذا إنْ شاء اللَّه المنزل"، ثم دعا رسولُ اللَّه ﷺ الغلامَيْن فساوَمَهُما بالمِرْبَدِ ليتَّخِذَهُ مسجدًا، فقالا: بل نهَبُه لكَ يا رسول اللَّه، فأبى رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يقبلَهُ منهما هِبَةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. فطفِق رسولُ اللَّه ﷺ ينْقُلُ معهم اللَّبنَ في بُنْيانه، وهو يقول حين ينقلُ اللَّبِنَ: [من الرجز] هذا الحِمالُ لا حِمالَ خَيْبَرْ … هذا أبرُّ رَبَّنا وأطْهَرْ (٢) ويقول: [من الرجز] لا هُمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرَهْ … فارْحَم الأنصارَ والمُهاجرَهْ فتمثل بشعرِ رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ لي (٣). قال ابن شهاب: ولم يبلُغْنا في الأحاديث أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ تمثل ببيتِ شعرٍ تامّ غير هذه الأبيات. هذا لفظُ البخاري وقد تفرَّد بروايتِهِ دونَ مسلم، وله شواهد من وجوهٍ أُخَر، وليس فِيه قصةُ أمِّ معبد الخزاعيَّة، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبًا أوَّلًا فأوَّلًا. قال الإمامُ أحمد (٤): حدَّثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العَنْقَزَي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر من عازب سَرْجًا بثلاثةَ عشرَ درهمًا، فقال أبو بكر لعازب: مُرِ البراءَ فلْيحملْهُ إلى منزلي. فقال: لا، حتى تحدِّثنا كيف صنعتَ حين خرجَ رسولُ اللَّه ﷺ وأنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فأدْلجنا فأحْثَثْنا يومنا وليلتَنا حتى أظهرنا، وقام قائمُ الظهيرة، فضربتُ بصري (٥) هل أرى ظِلًّا ناوي إليه، فإذا أنا بصخرةٍ فأهويتُ إليها فإذا بقيةُ ظِلِّها، فسوَّيْتُه لرسولِ اللَّه ﷺ وفرشتُ له فروةً وقلت: اضْطَجِعْ يا رسولَ اللَّه فاضطجع، ثم خرجتُ أنظر هل أرى أحدًا من الطلب، فإذا أنا براعي

стр. 1427

غنم، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش. فسمَّاه. فعرفتُه، فقلت: هل في غنمكَ من لَبَن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالبٌ لي؟ قال: نعم! فأمرتُه، فاعتقل شاةً منها ثم أمرتُه فنفض ضَرْعَها من الغبار، ثم أمرتُه فنفض كفَّيه من الغبار، ومعي إداوةٌ على فمها خِرْقَة، فحلب لي كُثْبَة (١) من اللَّبَن فصبَبْتُ -[يعني الماء]- على القدَحِ حتى بر أسفله، ثم أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فوافَيْتُه وقد استيقظ، فقلت: اشرَبْ يا رسول اللَّه فشرِبَ حتى رضيتُ، ثم قلت: هل آنَ (٢) الرحيلُ؟ فارتحلنا والقومُ يطلبوننا، فلم يُدْركْنا أحد منهم إلا سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم على فرسٍ له، فقلت: يا رسولَ اللَّه هذا الطلب قد لحِقَنا؟ قال: "لا تحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا" حتى إذا دنا منَّا، فكان بيننا وبينه قَدْرُ رمحٍ أو رمحين -أو قال: رمحين أو ثلاثة- قلت: يا رسول اللَّه، هذا الطلب قد لحقنا؟ وبكَيْت، قال: لم تبكي؟ قلت: أما واللَّه ما على نفسي أبكي، ولكنْ أبكي عليك. فدعا عليه رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "اللهمَّ اكفِنَاهُ بما شئت" فساخَتْ قوائمُ فرسه إلى بطنها في أرض صَلْد، ووثب عنها وقال: يا محمد، قد علمتُ أنَّ هذا عملك، فادعُ اللَّه أنْ يُنجيني مما أنا فيه، فواللَّه لأعَمِّيَنَّ على مَنْ ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذْ منها سهمًا فإنك ستمرُّ بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخُذْ منها حاجتك. قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا حاجة لي فيها" ودعا له رسولُ اللَّه ﷺ فأطلق ورَجَع إلى أصحابه؛ ومَضَى رسولُ اللَّه ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقَّاه الناسُ فخرجوا في الطرق وعلى الأناجير (٣) واشتدَّ الخدم والصبيانُ في الطريق يقولون: اللَّه أكبر جاء رسولُ اللَّه ﷺ ، جاء محمد. قال: وتنازَعَ القومُ أيُّهم ينزلُ عليه، قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أنزِلُ الليلة على بني النجَّار أخوالِ عبدِ المطلب لأكْرِمَهُمْ بذلك" فلما أصبح غدا حيث أُمر. قال البراء: أولُ مَنْ قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عُمير أخو بني عبدِ الدار، ثم قدِم علينا ابنُ أمَّ مكتوم الأعمى أحد (٤) بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرينَ راكبًا، فقلنا ما فعل رسولُ اللَّه؟ قال: هو على أثري، ثم قدم رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكرٍ معه. قال البراء: ولم يقدَمْ رسولُ اللَّه ﷺ حتى قرأتُ سُورًا من المفصَّل. أخرجاهُ في الصحيحَيْن من حديث إسرائيل بدون قولِ البراء: أول من قدم علينا إلخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به (٥).

стр. 1428

وقال ابنُ إسحاق (١): فأقام رسولُ اللَّه ﷺ في الغار ثلاثًا ومعه أبو بكر، وجعلتْ قريشٌ فيه حين فقدوه مئة ناقة لمن ردَّه عليهم (٢)، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجره ببعيرَيْهما وبعيرٍ له، وأتتهما أسماءُ بنتُ أبي بكر بسُفْرتهما، ونسيتْ أن تجعل لها عِصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلِّق السُّفرة فماذا ليس فيها عصام، فتحل نِطَاقها فتجعله عصامًا ثم علَّقتها به. فكان يقال لها ذات النطاقَيْن لذلك. قال ابنُ إسحاق (٣): فلما قرَّب أبو بكر الراحلتين إلى رسولِ اللَّه ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال: اركَبْ فداك أبي وأمي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني لا أركبُ بعيرًا ليس لي" قال: فهي لك يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي. قال: "لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتَها به؟ " قال: كذا وكذا. قال "أخذتُها بذلك" قال: هي لك يا رسول اللَّه. وروى الواقديُّ بأسانيده (٤) أنه ﵇ أخذ القصواء، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمئة درهم. وروى ابن عساكر (٥) من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: وهي الجَدْعاء وهكذا حكى السُّهيلي (٦) عن ابن إسحاق أنها الجدعاء. واللَّه أعلم. قال ابنُ إسحاق (٧): فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامرَ بن فُهيرة مولاه خلفه ليخدمَهما في الطريق. فحُدِّثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل؛ فذكر ضربَهُ لها على خدِّها لَطْمةً طرح منها قُرْطها من أذنها كما تقدَّم. قالت: فمكثنا ثلاث ليالي ما ندري أين وجهُ رسولِ اللَّه ﷺ حتى أقبل رجلٌ من الجِن من أسفل مكة يتغنَّى بأبياتٍ من شعر غناءِ العرب، وإنَّ الناس ليتَّبعونه، يسمعون صوته وما يرَوْنه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: [من الطويل] جزى اللَّهُ ربِّ الناسِ خيرَ جزائِهِ … رفيقَيْن حلَّا خيمتي أمِّ مَعْبَدِ هما نزلا بالبرِّ ثم تروَّحا … فأفلحَ من أمسى رفيقَ محمدِ

стр. 1429

ليهْنِ بني كعبٍ مكانُ فتاتهم … ومقعدُها للمؤمنينَ بمَرْصَدِ قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيثُ وَجْهُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأنَّ وجهه إلى المدينة. قال ابنُ إسحاق (١): وكانوا أربعة؛ رسولُ اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، وعبد اللَّه بن أرقد، كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد اللَّه بن أُرَيقط الدُّئلي. وكان إذ ذاك مشركًا. قال ابن إسحاق (٢): ولما خرج بهما دلُيلهما عبد اللَّه بن أرقد سلك بهما أسفلَ مكة، ثم مضى بهما على الساحل، حتى عارض الطريق أسفلَ من عُسْفان، ثم سلك بهما على أسفل أَمَج (٣)، ثم استجاز بهما حتى عارَضَ الطريقَ بعد أن أجاز قُدَيدًا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخَرَّار (٤) ثم أجاز بهما ثنيَّةَ المَرَة، ثم سلك بهما لَقْفًا (٥)، ثم أجاز بهما مَدْلَجة لَقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مِجَاج (٦) ثم سلك بهما مَرْجِحَ مجَاج، ثم تبطَّن بهما مَرْجحَ من ذي الغَضَويْن (٧)، ثم بطن ذي كَشْر (٨)، ثم أخذ بهما على الجَدَاجِد، ثم على الأجْرَد، ثم سلك بهما ذا سَلَم من بطن أعداء مَجْلجة تِعْهِن (٩)، ثم على العَبَابيد (١٠)، ثم أجاز بهما القاحَة (١١) ثم هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهم بعضُ ظَهْرِهم، فحمل رسول اللَّه ﷺ رجلٌ من أسلم يقال له أوس بن حُجْر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلامًا له يقال له مسعود بن هُنيدة، ثم خرج بهما دليلُهما من العَرْج، فسلك بها ثنية العائر عن يمين رَكوبة -ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام- حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم

стр. 1430

بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضَّحاء وكادت الشمس تعتدل. وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوًا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها. واللَّه أعلم (١). قال أبو نعيم (٢): حدَّثنا أبو حامد بن جبلة، حدَّثنا محمد بن إسحاق -هو (٣) السرَّاج- حدَّثنا محمد ابن عبَّاد بن موسى العُكْلي (٤)، حدَّثني أبي موسى بن عبَّاد، حدَّثني عبد اللَّه بن يَسَار (٥)، حدَّثني إياس ابن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه. قال: لما هاجر رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر مرُّوا بإبل لنا بالجُحْفة، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لمن هذه الإبل؟ " فقالوا: لرجل من أسلم. فالتفت إلى أبي بكر فقال: "سلمت إنْ شاء اللَّه" فقال: "ما اسمك؟ " قال: مسعود. فالتفت إلى أبي بكر فقال: "سعدت إنْ شاء اللَّه". قال فأتاهُ أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء (٦). قلت: وقد تقدَّم عن ابن عباس أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين. والظاهر أنَّ بين خروجِه ﵇ من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يومًا، لأنه أقام بغار ثَوْر ثلاثةَ أيام، ثم سلك طريق الساحل، وهي أبعدُ من الطريق الجاد، واجتاز في مروره على أُمِّ معْبَد بنت كعب، من بني كعب بن خُزَاعة. قال ابن هشام: وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف (٧) بن مَعْبَد بن ربيعة بن أصْرَم. وقال الأموي: هي عاتكة بنت تبيع خُليف بن مُنقذ بن ربيعة بن أصْرَم بن ضَبيس بن حَرَام بن حُبْشية ابن كعب بن عمرو (٨)، ولهذه المرأة من الولد مَعْبَد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد، واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم بن ضَبيس، وقصته مشهورة مرويَّة من طرق يشدُّ بعضُها بعضا. وهذه قصة أُمِّ معبد الخُزَاعيَّة:

стр. 1431

قال يونس عن ابن إسحاق (١): فنزل رسولُ اللَّه ﷺ بخيمة أمِّ معبد، [واسمها عاتكة بنت خَلَف بن معبد بن ربيعة بن أصرم] (٢) فأرادوا القِرَى، فقالت: واللَّه ما عندنا طعامٌ ولا لنا مِنْحَة (٣) ولا لنا شاةٌ إلا حائل، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ ببعض غنمها فمسح ضَرعها بيده، ودعا اللَّه وحلبَ في العُسّ حتى أرْغَى وقال: "اشربي يا أمِّ مَعْبَد" فقالت: اشرَبْ فأنت أحقُّ به، فردَّهُ عليها فشربَتْ، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثل ذلك فسَقَى دليله، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرًا، ثم تروَّح. وطلبتْ قريش رسولَ اللَّه ﷺ حتى بلغوا أمَّ معبد، فسألوا عنه فقالوا: أرأيت محمدًا من حليته كذا كذا؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدري ما تقولون، قدِمَنا فتًى حالبُ الحائل. قالت قريش: ذاك الذي نريد. وقال الحافظ أبو بكر البزَّار (٤): حدّثنا محمد بن معمر، حدّثنا يعقوب بن محمد، حدّثنا عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جابر، قال: لما خرجِ رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر مهاجرَيْن فدخلا الغار، إذا في الغار جُحْر، فألْقَمَه أبو بكر عَقِبَه حتى أصبح مخافَةَ أن يخرُجَ على رسول اللَّه ﷺ منه شيءٌ، فأقاما في الغار ثلاثَ ليال، ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أمِّ معبد، فأرسلَتْ إليه أمُّ معبد: إني أرى وجوهًا حسانًا، وإنَّ الحيَّ أقوى على كرامتكم منِّي، فلما أمْسَوْا عندها بعثَتْ مع ابنٍ لها صغير بشفرةٍ وشاة. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ارِدُدِ الشفرةَ وهاتِ لنا فَرَقًا" -يعني القَدَح (٥) - فأرسلتْ إليه أن لا لَبَنَ فيها ولا وَلَد. قال: "هاتِ لنا فرَقًا" فجاءت بفرقٍ فضرَب ظهرها فاجترَّتْ ودرَّت، فَحَلب فملأ القدح، فشرِبَ وسَقَى أبا بكر، ثم حلب فبعث به إلى أمِّ معبد. ثم قال البزَّار: لا نعلمه يُروى [بهذا اللفظ] إلَّا بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدًا حدَّث عنه إلَّا يعقوب بن محمد، وإن كان معروفًا في النسب. وروى الحافظ البيهقي (٦) من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعتُ عبد الرحمن بن أبي ليلى [يحدث] عن أبي بكر الصديق. قال: خرجتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ من مكة، فانتهينا إلى حيٍّ من أحياء العرب، فنظر رسولُ اللَّه ﷺ إلى بيت مُنْتَحيًا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة، فقالت: يا عبد اللَّه، إنما أنا امرأة وليس

стр. 1432

معي أحد، فعليكما بعظيم الحيِّ إنْ أردتم القِرَى. قال: فلم يُجِبْها وذلك عند المساء، فجاء ابنٌ لها بأعْنُزٍ يسوقُها، فقالت: يا بني انطلقْ بهذه العَنْز والشَّفْرَة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمِّي اذْبَحَا هذه وكُلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبيُّ ﷺ : "انطلق بالشفرة وجئني بالقَدَح" قال: إنها قد عزَبَتْ وليس بها لبن، قال انطلق، فجاء بقدح فمسح النبيُّ ﷺ ضَرْعَها، ثم حلب حتى مَلأ القدَح، ثم قال: "انطلقْ به إلى أمّك" فشربت حتى رويَتْ، ثم جاء به فقال: "انطلقْ بهذه وجئْني بأخرى" ففعل بها كذلك، ثم سَقَى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبيُّ ﷺ فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا. فكانت تسمِّيه المُبَارَك. وكَثُرَتْ غنمُها حتى جلبَتْ جَلْبًا إلى المدينة، فمرَّ أبو بكرٍ فرأى ابنَها فعرَفَه فقال: يا أُمَّهْ، هذا الرجل الذي كان مع المُبَارك. فقامت إليه فقالت: يا عبد اللَّه، من الرجلُ الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال: هو نبىُّ اللَّه. قالت: فادخلني عليه. قال: فأدخَلَها، فأطعمها رسولُ اللَّه ﷺ وأعطاها -زاد ابنُ عبدان في روايته:- قالت: فدُلَّني عليه، فانطلقتْ معي وأهدَتْ لرسولِ اللَّه شيئًا من أقِطِ ومتاعِ الأعراب. قال: فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال وأسلمَتْ. إسنادٌ حسن. وقال البيهقي: هذه القصة شبيهةٌ بقصةِ أُمِّ معبد، والظاهر أنها هي واللَّه أعلم. وقال البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا الحسن (٢) بن مُكرم، حدَّثني أبو أحمد بشر بن محمد السُّكَّري، حدثنا عبد الملك بن وهب المَذْحِجي، حدثنا الحُرُّ بن الصَّيَّاح (٣) عن أبي مَعْبَد الخُزَاعي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خرج ليلةَ هاجر من مكة إلى المدينة، هو وأبو بكرٍ وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، ودليلُهم عبد اللَّه بن أُرَيْقِط اللَّيثي، فمرُّوا بخيمتي أمِّ معبد الخزاعيَّة، وكانت أمُّ معبد امرأةً بَرْزَة (٤) جَلْدَة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة

стр. 1433

فتُطعِمُ وتَسْقي، فسألوها هل عندها لحمٌ أو لبنٌ يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئًا من ذلك. وقالت: لو كان عندنا شيءٌ ما أعوزكم القِرَى؛ وإذا القومُ مُرْمِلُون مُسْنِتُون. فنظر رسولُ اللَّه ﷺ فإذا شاةٌ في كِسْرِ خيمتها فقال: "ما هذه الشاةُ يا أمَّ معبد؟ " فقالت: شاةٌ خلَّفَها الجَهْدُ عن الغَنَم قال: "فهل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهدُ من ذلك قال: "تأذنينَ لي أن أحْلِبَها؟ " قالت: إنْ كان بها حَلَبٌ فاحْلبها. فدعا رسولُ اللَّه ﷺ بالشاة، فمسحَها وذكر اسْمَ اللَّه، ومسَحَ ضَرْعَها وذكر اسم اللَّه ودعا بإناءً لها يُرْبِضُ الرَّهْط (١) فتفَاجَّتْ ودَرَّتْ واجْتَرَّتْ (٢)، فحلب فيه ثجًا حتى عَلاهُ البَهَاءُ (٣) فسقاها وسقى أصحابه، فشربوا عَللًا بعد نَهَل، حتى إذا رَوُوا شرب آخِرهم وقال: "ساقي القومِ آخرهم". ثم حلب فيه ثانيًا عَوْدًا على بَدْء، فغادره عندها ثم ارتحلوا. قال: فقلَّما لبث حتى جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعْنُزًا عِجافًا يتساوَكْنَ هَزْلَى (٤)، لا نِقْيَ بهنّ (٥)، مُخُّهنَّ قليل، فلما رأى اللبن عَجب وقال من أين هذا اللبن يا أمَّ معبد ولا حلوبةَ في البيت والشاءُ عازب؟ فقالت: لا واللَّه، إنه مرَّ بنا رجلٌ مبارك، كان من حديثه كيت وكيت. فقال: صِفيه لي، فواللَّه إني لأراهُ صاحبَ قريش الذي تطلب. فقالت: رأيتُ رجلًا ظاهر الوَضَاءة، حَسَن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثَجْلَة (٦)، ولم تُزْرِ به صَعْلَة (٧)، قسيمٌ وسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل (٨)، أحْوَرُ (٩) أكحل أزَجُّ أقْرَن، في عُنقه لسَطع وفي لحيته كَثَاثَة. إذا صمَتَ فعليه الوَقَار، وإذا تكلَّم سما وعلاهُ البهاء، حُلْو المَنْطِق، فَصْلٌ لا نَزْرَ -قليل- ولا هَذْرَ -كثير- كأنَّ منطقه خَرَزات نَظْمٍ يَتَحَدَّرْن، أبْهَى الناسِ وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب؛ رَبْعَة، لا تَشْنَؤُه (١٠) عينٌ من طول، ولا تقتحمُه عينٌ من قِصَر، غُصْنٌ بين غُصنَيْنِ، فهو أنْضَرُ الثلاثةِ منظرًا، وأحسنهم قدًّا، له رُفقاء يَحُفُّون به، إنْ قال أنصتوا لقوله، وإنْ أمَرَ تبادروا لأمره. مَحْفُودٌ مَحْشُود، لا عابِسٌ ولا معتد فقال -يعني بعلُها-: هذا واللَّه صاحبُ قريش الذي تطلب، ولو صادفتُه لالتمستُ أنْ أصحبه، ولأجْهَدَنّ إنْ وجدتُ إلى ذلك سبيلًا. قال: وأصبح صوتٌ

стр. 1434

بمكة عالٍ بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرَوْن من يقول وهو يقول: [من الطويل] جزى اللَّه ربُّ الناسِ خيرَ جزائِهِ … رفيقَيْنِ حلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هما نَزَلا بالبرِّ وارتحلا به (١) … فافلح مَنْ أمسى رفيقَ محمدِ فيالَ قصي ما زَوَى اللَّهُ عنكمُ … به من فَعالٍ لا تُجارَى وسُؤْدُدِ سلوا أختكم عن شاتِها وإنائها … فإنَّكم إنْ تسالوا الشاةَ تَشْهَدِ دعاها بشاةٍ حائل فتحلَّبتْ … له بصريحٍ ضرّةُ الشاةِ مُزْبِدِ (٢) فغادره رهنًا لديها لحالبٍ … يدرُّ لها في مصدرٍ ثم مَوْرِدِ (٣) قال وأصبح الناس -يعني بمكة- وقد فقدوا نبيَّهم، فأخذوا على خيمتَيْ أمِّ معبد حتى لحقوا برسولِ اللَّه ﷺ . قال وأجابه حسان بن ثابت: [من الطويل] لقد خابَ قومٌ زال عنهم نبيُّهم … وقد سُرَّ مَنْ يَسْرِي إليهم ويَغْتدي (٤) ترحّلَ عن قوم فزالتْ عقولُهم … وحلَّ على قوم بنورٍ مجدَّدِ [هداهم به بعد الضلالة ربُّهم … وأرشدَهم من يتْبَعِ الحقَّ يرشُدِ] (٥) وهل يستوي ضُلَّالُ قومٍ تسفَّهوا … عَمًى وهداةٌ يهتدون بمهتدِ نبيُّ يَرَى ما لا يرى الناسُ حَوْلَهُ … ويتلو كتابَ اللَّه في كلِّ مَشْهدِ وإنْ قال في يومٍ مقالةَ غائبٍ … فتصديقُها في اليوم أو في ضُحى الغدِ ليهنِ أبا بكرٍ سعادةُ جدِّه … بصُحْبته، من يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ ويَهْنِ بني كعبِ مكانُ فتاتِهم … ومقعدُها للمسلمينَ بمَرْصَدِ قال -يعني عبد الملك بن وَهْب-: فبلغني أنَّ أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبيِّ ﷺ . وهكذا رواه الحافظُ أبو نعيم (٦) من طريق عبد الملك بن وهب المَذْحِجِيّ فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك: بلغني أنَّ أمَّ معبد هاجرتْ وأسلمت ولحقت برسولِ اللَّه ﷺ .

стр. 1435

ثم رواه أبو نعيم (١) من طُرق عن مُكْرَم بن مُحْرِز الكعبي الخُزَاعي (٢)، عن أبيه محرز بن مَهْدي عن حِزام بن هشام بن حُبيش بن خالد عن أبيه عن جدِّه حُبيش بن خالد صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّ رسول اللَّه ﷺ حين خرج (٣) من مكة خرج منها مهاجرًا هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة ودليلُهم (٤) عبد اللَّه بن أريقط الليثي، فمرُّوا بخيمتَيْ أُمِّ معبد، وكانتِ امرأةً بَرْزة جلدةً تحتبي بفناء القُبَّة. وذكر مثل ما تقدَّم سواء. قال: وحدَّثَنَاهُ (٥) -فيما أظن- محمد بن أحمد بن علي بن مَخْلد، حدثنا محمد بن يونس بن موسى -يعني الكُدَيمي- حدثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب، حدثنا محمد بن سليمان بن سَلِيط الأنصاري، حدثني أبي عن أبيه سَليط البدري قال: لما خرج رسولُ اللَّه ﷺ في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فُهيرة وابنُ أرَيقط يدلُّهم على الطريق، مرَّا بأمِّ معبد الخُزَاعية وهي لا تعرفه فقال لها: "يا أمِّ معبد هل عندك من لبن؟ " قالت: لا واللَّه إنَّ الغنم لعازِبَة. قال: "فما هذه الشاة؟ " قالت: خلَّفها الجَهْدُ عن الغنم؟ ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدَّم. ثم قال البيهقي (٦): يحتمل أن هذه القصص كلُّها واحدة. ثم ذكر قصةً شبيهة بقصة شاة أمِّ معبد الخزاعية فقال (٧): حدَّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ -إملاءً- حدَّثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عُبيد (٨) اللَّه بن إياد بن لَقِيط، حدثنا إياد بن لَقِيط عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبيّ ﷺ وأبو بكر مستخفين، مرُّوا بعبدٍ يرعى غنمًا فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تُحلب، غيرَ أنَّ هاهنا عناقًا حملَتْ أولَ الشتاء، وقد أخْدَجَتْ (٩) وما بقي لها لبن، فقال: "ادْعُ بها". فدعا بها، فاعتقلها النبيُّ ﷺ ومسح

стр. 1436

ضَرْعَها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بِمِجَنّ، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب. فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فواللَّه ما رأيتُ مثلك قط. قال: "أو تراك تكتمُ عليَّ حتى أخبرك؟ " قال: نعم. قال: "فإني محمدٌ رسولُ اللَّه" فقال: أنت الذي تزعم قريشٌ أنه صابئ؟ قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبيّ، وأشهد أنَّ ما جئت به حَقّ، وأنه لا يفعل ما فعلتَ إلا نبيّ، وأنا مُتَّبعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتِنا" ورواه أبو يعلى المَوْصلي (١) عن جعفر بن حُميد الكوفي عن عبد اللَّه بن إياد بن لَقِيط به. وقد ذكر أبو نعيم هاهنا (٢) قصة عبد اللَّه بن مسعود فقال: حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٣)، حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنتُ غلامًا يافعًا أرْعَى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط بمكة، فأتى رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر -وقد فرَّا من المشركينِ- فقال: "يا غلام، عندك لبنٌ تَسْقِينا؟ " فقلت: إني مؤتَمن ولستُ بساقيكما، فقالا: هل عندك من جَذعة لم ينْزُ عليها الفحلُ بعد؟ قلت: نعم فأتيتهُما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسولُ اللَّه ﷺ الضَّرْع، فدعا فحفَل الضَّرْع، وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة (٤) فحلب فيها. ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: "اقْلِصْ" فقلَصَ. فلما كان بعدُ (٥) أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلت: علِّمني من هذا القول الطيِّب -يعني القرآن- فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّك غلامٌ مُعَلَّم" فأخذت من فيه سبعين سورةً ما يُنازعني فيها أحد. فقوله في هذا السياق وقد فرَّا من المشركين ليس المرادُ منه وقتَ الهجرة، إنما ذلك في بعضِ الأحوال قبل الهجرة. فإنَّ ابنَ مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدَّم، وقصتُه هذه صحيحة ثابتةٌ في الصحاح وغيرِها. واللَّه أعلم. وقال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد (٦): حدثنا مصعب بن عبد اللَّه (٧) -هو الزُّبيري- حدثني أبي، عن فائد

стр. 1437

مولى عبادل قال: خرجتُ مع إبراهيم بن عبد الرحمن إلى ابن سعد (١) حتى إذا كنَّا بالعَرْج أتى ابنُ سعد -وسعد هو الذي دلَّ رسولَ اللَّه ﷺ على طريق رَكُوبة (٢) - فقال إبراهيم: أخبرني ما حدَّثك أبوك؟ قال ابنُ سعد: حدثني أبي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أتاهم ومعه أبو بكر -وكانت لأبي بكرٍ عندنا بنت مُسترضعة- وكان رسولُ اللَّه ﷺ أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغائر من رَكُوبة (٣)، وبه لصَّانِ من أسلم يقال لهما المهانان؛ فإنْ شئت أخذنا عليهما. فقال النبيُّ ﷺ : "خذ بنا عليهما". قال سعد: فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدها يقول لصاحبه: هذا اليماني. فدعاهما رسولُ اللَّه ﷺ فعرض عليهما الإسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان فقال: "بل أنتما المكرمان" وأمرهما أن يقدَما عليه المدينة فخرجْنا حتى إذا أتينا (٤) ظاهر قُباء فتلقَّى (٥) بنو عمرو بن عوف فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أين أبو أمامة أسعد بن زُرَارة؟ " فقال سعد بن خيثمة: إنه أصاب قبلي يا رسول اللَّه، أفلا أخبره ذلك (٦)؟ ثم مضى رسولُ اللَّه ﷺ حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسولُ اللَّه إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل. رأيتني أنزل إلى (٧) حياضٍ كحياض بني مُدْلج. انفرد به أحمد. فصل في دخوله ﵊ المدينة وأينَ استقرَّ منزلُه بها وما يتعلَّقُ بذلك قد تقدَّم الكلامُ فيما رواهُ البخاري عن الزهري عن عروة أنَّ النبيَّ ﷺ دخل المدينة عند الظهيرة (٨). قلت: ولعلَّ ذلك كان بعد الزوال، لما ثبت في الصحيحَيْن (٩) من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، عن أبي بكر، في حديث الهجرة قال: فقدمنا ليلًا فتنازعه القومُ أيُّهم ينزلُ عليه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَنزلُ على بني النجَّار أخوالِ عبد المطَّلب أُكْرِمُهم بذلك" وهذا واللَّه أعلم إمَّا أن يكون يومَ قدومِه إلى قُباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حرِّ الظهيرة، وأقام

стр. 1438

تحت تلك النخلة، ثم سار بالمسلمين فنزل قُباء وذلك ليلًا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلًا. لأنَّ العشيَّ من الزوال؛ وإمَّا أن يكون المرادُ بذلك لما رحل من قُباء كما سيأتي، وسار، فما انتهى إلى بني النجَّار إلا عشاءً كما سيأتي بيانُه، واللَّه أعلم. وذكر البخاري (١) عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم بِضْع عشرةَ ليلة، وأسَّسَ مسجد قُباء في تلك الأيام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلتُه في مكان مسجده، وكان مِرْبَدًا لغلامين يتيمَيْن وهما سَهْل وسُهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدًا. وذلك في دار بني النجَّار ﵃. وقال محمد بن إسحاق (٢): حدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عُوَيم (٣) بن ساعدة قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب (٤) النبيِّ ﷺ قالوا: لما بلغنا مخرجُ النبيِّ ﷺ من مكة وتوكَّفنا قدومَه، كنا نخرجُ إذا صلينا الصُّبح إلى ظاهر حَرَّتنا ننتظرُ النبيَّ ﷺ ، فواللَّه ما نبْرَحُ حتى تغلبنا الشمسُ على الظلال فإذا لم نجدْ ظلًا دخلنا -وذلك في أيامٍ حارَّة- حتى إذا كان اليومُ الذي قدِم فيه رسولُ اللَّه ﷺ جلسنا كما كنَّا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسولُ اللَّه ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أولَ من رآه رجلٌ من اليهود [وقد رأى ما كنَّا نصنع، وأنَّا ننتظر قدوم رسول اللَّه ﷺ ] فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَة (٥)، هذا جدُّكم قد جاء. فخرجْنا إلى رسولِ اللَّه ﷺ وهو في ظلِّ نخلة ومعه أبو بكر في مثل سِنِّه، وأكثرنا لم يكنْ رأى رسولَ اللَّه ﷺ قبل ذلك. ورَكِبَهُ الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظلُّ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، فقام أبو بكر فأظلَّه بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدَّم مثلُ ذلك في سياقِ البخاري (٦) وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا هشام، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد؛ فأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد فأسعى ولا أرى شيئًا، قال: حتى جاء رسولُ اللَّه ﷺ وصاحبُه أبو بكر، فكَمَنَا (٨) في بعض حِرَار (٩) المدينة، ثم

стр. 1439

بعَثَا رجلًا من أهلِ البادية يؤذنُ بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاءُ خمسمئةٍ من الأنصار حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنَيْن مطاعَيْن. فأقبل رسولُ اللَّه ﷺ وصاحبُه بين أظهرهم، فخرج أهلُ المدينة حتى إنَّ العَوَاتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيُّهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به. قال أنس: فلقد رأيتُه يوم دخل علينا ويوم قبض. فلم أر يومين شبيهًا بهما. ورواهُ البيهقي (١) عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّنْعاني، عن أبي النَّضْر هاشم ابن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس بنحوه -أو مثله- وفي الصحيحَيْن (٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن أبي بكرٍ في حديث الهجرة، قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: اللَّه أكبر، جاء رسول اللَّه ﷺ ، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء رسول اللَّه ﷺ ، فلما أصبح انطلق وذهب حيث أُمر. وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عمرو الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، سمعتُ أبا خليفة يقول: سمعت ابنَ عائشة يقول: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة جعل النساءُ والصبيان يقلن: [من مجزوء الرمل] طلعَ البدرُ علينا … من ثَنيَّات الوَدَاع وجبَ الشُّكْرُ علينا … ما دعا للَّه داع (٤) قال محمد بن إسحاق (٥): فنزل رسول اللَّه ﷺ فيما يذكرون يعني حين نزل بُقباء- على كلثوم بن الهِدْم أخي بني عمرو بن عَوف، ثم أحدِ بني عُبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خَيْثَمة، ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهِدْم: إنما كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا خرج من منزل كلثوم بن الهِدْم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزَبًا لا أهل له، وكان يقالُ لبيته بيت العزَّاب واللَّه أعلم. ونزل أبو بكر ﵁ على خُبيب بن إساف أحدِ بني الحارث بن الخزرج بالسُّنح؛ وقيل على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج. قال ابن إسحاق (٦): وأقام عليُّ بن أبي طالب بمكة ثلاثَ ليالٍ وأيامها حتى أدَّى عن رسول اللَّه ﷺ

стр. 1440

الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسولِ اللَّه ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهِدْم. فكان عليُّ بنُ أبي طالب إنما كانت إقامته بقُباء ليلة أو ليلتين. يقول: كانت بقباء امرأةٌ لا زوجَ لها، مسلمة، فرأيتُ إنسانًا يأتيها من جَوْف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئًا معه فتأخذه، فاستربْتُ بشأنه فقلت لها: يا أمة اللَّه، مَنْ هذا الذي يضرب عليك بابكِ كلَّ ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا لا أدري ما هو؟ وأنت امرأةٌ مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهلُ بن حُنَيف. وقد عرف أني امرأةٌ لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثانِ قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا، فكان عليٌّ ﵁ يأثرُ ذلك من شأنِ سَهْل بن حُنيف حين هلك عنده بالعراق. قال ابن إسحاق (١): فأقام رسولُ اللَّه ﷺ بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسَّس مسجده؛ ثم أخرجه اللَّه من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. وقال عبد اللَّه بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه ﵇ أقام فيهم ثماني عشرة ليلة. قلت: وقد تقدَّم فيما رواه البخارى (٢) من طريق الزُّهري عن عروة أنه ﵇ أقام فيهم بضعَ عشرة ليلةً، وحكى موسى بن عقبة عن مُجَمِّع بن يزيد بن جارية (٣) أنه قال: أقام رسولُ اللَّه ﷺ فينا -يعني في بني عمرو بن عَوْف بقُباء- اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلة. فاللَّه أعلم. قال ابنُ إسحاق (٤): فأدركتْ رسولَ اللَّه ﷺ الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي -وادي رانُونَاء- فكانت أولَ جمعةٍ صلاها بالمدينة. فأتاه عِتْبان بن مالك وعباس بن عُبادة بن نَضْلَة، في رجالٍ من بني سالم فقالوا: يا رسول اللَّه، أقمْ عندنا في العدد والعُدَّة والمنعة. قال "خلُّوا سبيلَهِا فإنها مأمورة" لناقته، فخلُّوا سبيلَها فانطلقتْ حتى إذا وازت (٥) دار بني بَيَاضَة تلقَّاه زياد بن لبيد وفَرْوةُ بن عمرو، في رجالٍ من بني بياضة فقالوا: يا رسول اللَّه! هلمَّ إلينا إلى العدد والعُدَّة والمَنَعة؟ قال: "خلُّوا سبيلها فإنَّها مأمورة" فخلوا سبيلها. فانطلقتْ حتى إذا مرَّت بدار بني ساعدة اعترضه سعدُ بن عُبادة والمنذر بن عمرو، في رجالٍ من بني
следующие страницы →