← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ضَرْعَها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بِمِجَنّ، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب. فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فواللَّه ما رأيتُ مثلك قط. قال: "أو تراك تكتمُ عليَّ حتى أخبرك؟ " قال: نعم. قال: "فإني محمدٌ رسولُ اللَّه" فقال: أنت الذي تزعم قريشٌ أنه صابئ؟ قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبيّ، وأشهد أنَّ ما جئت به حَقّ، وأنه لا يفعل ما فعلتَ إلا نبيّ، وأنا مُتَّبعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتِنا" ورواه أبو يعلى المَوْصلي (١) عن جعفر بن حُميد الكوفي عن عبد اللَّه بن إياد بن لَقِيط به. وقد ذكر أبو نعيم هاهنا (٢) قصة عبد اللَّه بن مسعود فقال: حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٣)، حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنتُ غلامًا يافعًا أرْعَى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط بمكة، فأتى رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر -وقد فرَّا من المشركينِ- فقال: "يا غلام، عندك لبنٌ تَسْقِينا؟ " فقلت: إني مؤتَمن ولستُ بساقيكما، فقالا: هل عندك من جَذعة لم ينْزُ عليها الفحلُ بعد؟ قلت: نعم فأتيتهُما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسولُ اللَّه ﷺ الضَّرْع، فدعا فحفَل الضَّرْع، وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة (٤) فحلب فيها. ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: "اقْلِصْ" فقلَصَ. فلما كان بعدُ (٥) أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلت: علِّمني من هذا القول الطيِّب -يعني القرآن- فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّك غلامٌ مُعَلَّم" فأخذت من فيه سبعين سورةً ما يُنازعني فيها أحد. فقوله في هذا السياق وقد فرَّا من المشركين ليس المرادُ منه وقتَ الهجرة، إنما ذلك في بعضِ الأحوال قبل الهجرة. فإنَّ ابنَ مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدَّم، وقصتُه هذه صحيحة ثابتةٌ في الصحاح وغيرِها. واللَّه أعلم. وقال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد (٦): حدثنا مصعب بن عبد اللَّه (٧) -هو الزُّبيري- حدثني أبي، عن فائد

стр. 1437

مولى عبادل قال: خرجتُ مع إبراهيم بن عبد الرحمن إلى ابن سعد (١) حتى إذا كنَّا بالعَرْج أتى ابنُ سعد -وسعد هو الذي دلَّ رسولَ اللَّه ﷺ على طريق رَكُوبة (٢) - فقال إبراهيم: أخبرني ما حدَّثك أبوك؟ قال ابنُ سعد: حدثني أبي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أتاهم ومعه أبو بكر -وكانت لأبي بكرٍ عندنا بنت مُسترضعة- وكان رسولُ اللَّه ﷺ أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغائر من رَكُوبة (٣)، وبه لصَّانِ من أسلم يقال لهما المهانان؛ فإنْ شئت أخذنا عليهما. فقال النبيُّ ﷺ : "خذ بنا عليهما". قال سعد: فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدها يقول لصاحبه: هذا اليماني. فدعاهما رسولُ اللَّه ﷺ فعرض عليهما الإسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان فقال: "بل أنتما المكرمان" وأمرهما أن يقدَما عليه المدينة فخرجْنا حتى إذا أتينا (٤) ظاهر قُباء فتلقَّى (٥) بنو عمرو بن عوف فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أين أبو أمامة أسعد بن زُرَارة؟ " فقال سعد بن خيثمة: إنه أصاب قبلي يا رسول اللَّه، أفلا أخبره ذلك (٦)؟ ثم مضى رسولُ اللَّه ﷺ حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسولُ اللَّه إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل. رأيتني أنزل إلى (٧) حياضٍ كحياض بني مُدْلج. انفرد به أحمد. فصل في دخوله ﵊ المدينة وأينَ استقرَّ منزلُه بها وما يتعلَّقُ بذلك قد تقدَّم الكلامُ فيما رواهُ البخاري عن الزهري عن عروة أنَّ النبيَّ ﷺ دخل المدينة عند الظهيرة (٨). قلت: ولعلَّ ذلك كان بعد الزوال، لما ثبت في الصحيحَيْن (٩) من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، عن أبي بكر، في حديث الهجرة قال: فقدمنا ليلًا فتنازعه القومُ أيُّهم ينزلُ عليه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَنزلُ على بني النجَّار أخوالِ عبد المطَّلب أُكْرِمُهم بذلك" وهذا واللَّه أعلم إمَّا أن يكون يومَ قدومِه إلى قُباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حرِّ الظهيرة، وأقام

стр. 1438

تحت تلك النخلة، ثم سار بالمسلمين فنزل قُباء وذلك ليلًا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلًا. لأنَّ العشيَّ من الزوال؛ وإمَّا أن يكون المرادُ بذلك لما رحل من قُباء كما سيأتي، وسار، فما انتهى إلى بني النجَّار إلا عشاءً كما سيأتي بيانُه، واللَّه أعلم. وذكر البخاري (١) عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم بِضْع عشرةَ ليلة، وأسَّسَ مسجد قُباء في تلك الأيام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلتُه في مكان مسجده، وكان مِرْبَدًا لغلامين يتيمَيْن وهما سَهْل وسُهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدًا. وذلك في دار بني النجَّار ﵃. وقال محمد بن إسحاق (٢): حدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عُوَيم (٣) بن ساعدة قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب (٤) النبيِّ ﷺ قالوا: لما بلغنا مخرجُ النبيِّ ﷺ من مكة وتوكَّفنا قدومَه، كنا نخرجُ إذا صلينا الصُّبح إلى ظاهر حَرَّتنا ننتظرُ النبيَّ ﷺ ، فواللَّه ما نبْرَحُ حتى تغلبنا الشمسُ على الظلال فإذا لم نجدْ ظلًا دخلنا -وذلك في أيامٍ حارَّة- حتى إذا كان اليومُ الذي قدِم فيه رسولُ اللَّه ﷺ جلسنا كما كنَّا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسولُ اللَّه ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أولَ من رآه رجلٌ من اليهود [وقد رأى ما كنَّا نصنع، وأنَّا ننتظر قدوم رسول اللَّه ﷺ ] فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَة (٥)، هذا جدُّكم قد جاء. فخرجْنا إلى رسولِ اللَّه ﷺ وهو في ظلِّ نخلة ومعه أبو بكر في مثل سِنِّه، وأكثرنا لم يكنْ رأى رسولَ اللَّه ﷺ قبل ذلك. ورَكِبَهُ الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظلُّ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، فقام أبو بكر فأظلَّه بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدَّم مثلُ ذلك في سياقِ البخاري (٦) وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا هشام، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد؛ فأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد فأسعى ولا أرى شيئًا، قال: حتى جاء رسولُ اللَّه ﷺ وصاحبُه أبو بكر، فكَمَنَا (٨) في بعض حِرَار (٩) المدينة، ثم

стр. 1439

بعَثَا رجلًا من أهلِ البادية يؤذنُ بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاءُ خمسمئةٍ من الأنصار حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنَيْن مطاعَيْن. فأقبل رسولُ اللَّه ﷺ وصاحبُه بين أظهرهم، فخرج أهلُ المدينة حتى إنَّ العَوَاتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيُّهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به. قال أنس: فلقد رأيتُه يوم دخل علينا ويوم قبض. فلم أر يومين شبيهًا بهما. ورواهُ البيهقي (١) عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّنْعاني، عن أبي النَّضْر هاشم ابن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس بنحوه -أو مثله- وفي الصحيحَيْن (٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن أبي بكرٍ في حديث الهجرة، قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: اللَّه أكبر، جاء رسول اللَّه ﷺ ، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء محمد، اللَّه أكبر جاء رسول اللَّه ﷺ ، فلما أصبح انطلق وذهب حيث أُمر. وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عمرو الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، سمعتُ أبا خليفة يقول: سمعت ابنَ عائشة يقول: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة جعل النساءُ والصبيان يقلن: [من مجزوء الرمل] طلعَ البدرُ علينا … من ثَنيَّات الوَدَاع وجبَ الشُّكْرُ علينا … ما دعا للَّه داع (٤) قال محمد بن إسحاق (٥): فنزل رسول اللَّه ﷺ فيما يذكرون يعني حين نزل بُقباء- على كلثوم بن الهِدْم أخي بني عمرو بن عَوف، ثم أحدِ بني عُبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خَيْثَمة، ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهِدْم: إنما كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا خرج من منزل كلثوم بن الهِدْم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزَبًا لا أهل له، وكان يقالُ لبيته بيت العزَّاب واللَّه أعلم. ونزل أبو بكر ﵁ على خُبيب بن إساف أحدِ بني الحارث بن الخزرج بالسُّنح؛ وقيل على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج. قال ابن إسحاق (٦): وأقام عليُّ بن أبي طالب بمكة ثلاثَ ليالٍ وأيامها حتى أدَّى عن رسول اللَّه ﷺ

стр. 1440

الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسولِ اللَّه ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهِدْم. فكان عليُّ بنُ أبي طالب إنما كانت إقامته بقُباء ليلة أو ليلتين. يقول: كانت بقباء امرأةٌ لا زوجَ لها، مسلمة، فرأيتُ إنسانًا يأتيها من جَوْف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئًا معه فتأخذه، فاستربْتُ بشأنه فقلت لها: يا أمة اللَّه، مَنْ هذا الذي يضرب عليك بابكِ كلَّ ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا لا أدري ما هو؟ وأنت امرأةٌ مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهلُ بن حُنَيف. وقد عرف أني امرأةٌ لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثانِ قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا، فكان عليٌّ ﵁ يأثرُ ذلك من شأنِ سَهْل بن حُنيف حين هلك عنده بالعراق. قال ابن إسحاق (١): فأقام رسولُ اللَّه ﷺ بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسَّس مسجده؛ ثم أخرجه اللَّه من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. وقال عبد اللَّه بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه ﵇ أقام فيهم ثماني عشرة ليلة. قلت: وقد تقدَّم فيما رواه البخارى (٢) من طريق الزُّهري عن عروة أنه ﵇ أقام فيهم بضعَ عشرة ليلةً، وحكى موسى بن عقبة عن مُجَمِّع بن يزيد بن جارية (٣) أنه قال: أقام رسولُ اللَّه ﷺ فينا -يعني في بني عمرو بن عَوْف بقُباء- اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلة. فاللَّه أعلم. قال ابنُ إسحاق (٤): فأدركتْ رسولَ اللَّه ﷺ الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي -وادي رانُونَاء- فكانت أولَ جمعةٍ صلاها بالمدينة. فأتاه عِتْبان بن مالك وعباس بن عُبادة بن نَضْلَة، في رجالٍ من بني سالم فقالوا: يا رسول اللَّه، أقمْ عندنا في العدد والعُدَّة والمنعة. قال "خلُّوا سبيلَهِا فإنها مأمورة" لناقته، فخلُّوا سبيلَها فانطلقتْ حتى إذا وازت (٥) دار بني بَيَاضَة تلقَّاه زياد بن لبيد وفَرْوةُ بن عمرو، في رجالٍ من بني بياضة فقالوا: يا رسول اللَّه! هلمَّ إلينا إلى العدد والعُدَّة والمَنَعة؟ قال: "خلُّوا سبيلها فإنَّها مأمورة" فخلوا سبيلها. فانطلقتْ حتى إذا مرَّت بدار بني ساعدة اعترضه سعدُ بن عُبادة والمنذر بن عمرو، في رجالٍ من بني

стр. 1441

ساعدة، فقالوا: يا رسول اللَّه، هلَّم إلينا في العدد والعُدَّة والمنعة. قال: "خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة" فخلَّوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازت (١) دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعدُ بن الرَّبيع وخارجةُ بن زيد وعبد اللَّه بن رَوَاحة، في رجالٍ من بني الحارث (٢) بن الخزرج فقالوا: يا رسول اللَّه هلمَّ إلينا إلى العدد والعُدَّة والمَنَعة. قال: "خلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة" فخلَّوا سبيلَها، فانطلقت حتى إذا مرَّت بدار عديِّ بن النجَّار -وهم أخواله دِنْيًا- أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سَليط بن قيس وأبو سَليط أُسَيْرَة بن خارجة (٣) في رجالي من بني عديِّ بن النجَّار، فقالوا: يا رسول اللَّه! هلمَّ إلى أخوالك إلى العدد والعُدَّة والمنعة؟ قال: "خلُّوا سبيلها فإنَّها مأمورة" فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا أتتْ دارَ بني مالك بن النجَّار بركَتْ على باب مسجده ﵇ اليوم، وكان يومئذٍ مِرْبدًا لغلامَيْن يتيمَيْن من بني مالك بن النجار، وهما سَهْل وسُهيل ابنا عمرو، وكانا في حَجْر معاذ بن عَفْرَاء. قلت: وقد تقدَّم في روايةِ البخاري (٤) من طريق الزُّهري عن عروة أنهما كانا في حَجْر أسعد بن زرارة، واللَّه أعلم. وذكر موسى بن عقبة (٥) أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرَّ في طريقه بعبد اللَّه بن أُبيِّ بن سلُول وهو في بيت. فوقف رسولُ اللَّه ﷺ ينتظر أن يدعوَهُ إلى المنزل-وهو يومئذٍ سيد الخزرج في أنفسهم- فقال عبد اللَّه انظر الذين دعَوْك فانزلْ عليهم. فذكر ذلك رسولُ اللَّه ﷺ لنفر من الأنصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد مَنَّ اللَّه علينا بك يا رسول اللَّه! وإنا نريد أن نعقِدَ على رأسه التاج ونملِّكه علينا. قال موسى بن عقبة (٦): وكانتِ الأنصار قد اجتمعوا قبل أن يركبَ رسولُ اللَّه ﷺ من بني عمرو بن عوف فمشَوْا حولَ ناقته لا يزال أحدُهم ينازعُ صاحبه زمام الناقة شُحًّا على كرامة رسولِ اللَّه ﷺ وتعظيمًا له، وكلما مرَّ بدارٍ من دور الأنصار دعَوْهُ إلى المنزل فيقول ﷺ : "دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزلُ حيث أنزلني اللَّه" فلما انتهتْ به إلى دار أبي أيوب بَرَكتْ به على الباب، فنزل، فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه.

стр. 1442

وقال ابنُ إسحاق (١): لما بركتِ الناقةُ برسول اللَّه ﷺ لم ينزلْ عنها حتى وثبت فسارَتْ غيرَ بعيد، ورسول اللَّه ﷺ واضعٌ لها زمِامها لا يَثْنِيها به، ثم التفتَتْ خَلْفَها فرجعَتْ إلى مَبْرَكها أولَ مرَّة فبركتْ فيه، ثم تحَلْحَلَتْ ورَزَمَتْ (٢) ووضعَتْ جِرانها، فنزل عنها رسولُ اللَّه ﷺ . فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله، فوضعه في بيته ونزل عليه رسولُ اللَّه ﷺ ، وسأل عن المِرْبد: لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول اللَّه! لسهل وسُهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتَّخذهُ مسجدًا. فأمر به رسولُ اللَّه ﷺ أن يُبنى، ونزل رسولُ اللَّه ﷺ دار أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسولُ اللَّه ﷺ والمسلمون من المهاجرين والأنصار. وستأتي قصةُ بناء المسجد قريبًا إن شاء اللَّه. وقال البيهقي في "الدلائل" (٣): وقال أبو عبد اللَّه: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر (٤) الحافظ حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن مَخْلد الدُّوري، حدثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، حدثنا إبراهيم بن صِرْمَة، حدثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس. قال: قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة، فلما دخلنا (٥) جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول اللَّه! فقال: "دعوا الناقة فإنها مأمورة" فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوَارٍ من بني النجَّار يضربنَ بالدُّفوف وهنَّ يقلْن: نحنُ جوارٍ من بني النجَّار … يا حبّذا محمدٌ من جارِ فخرج إليهم رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "أتحبونني؟ " فقالوا: إي واللَّه يا رسول اللَّه. فقال: وأنا واللَّه أحبُّكم، وأنا واللَّه أحبُّكم، وأنا واللَّه أحبُّكم". هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه لم يَرْوِه أحدٌ من أصحاب السنن، وقد خرَّجه الحاكم في مستدركه (٦) كما يروى (٧).

стр. 1443

ثم قال البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن (٢) بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، حدثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصي، حدثنا عيسى بن يونس، عن عَوْف الأعرابي، عن ثمامة عن أنس، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بحيٍّ من بني النجار، وإذا جوارٍ يضربن بالدفوف يقلْن: [من الرجز] نحن جوارٍ من بني النجَّارِ … يا حَبَّذا محمدٌ من جار فقال رسولُ اللَّه ﷺ "يعلم اللَّه أن قلبي يحبُّكم" (٣). ورواه ابن ماجه (٤) عن هشام بن عمَّار، عن عيسى بن يونس به (٥). وفي صحيح البخارى (٦) عن أبي معمر عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: رأى النبيُّ ﷺ النساءَ والصِّبيانَ مقبلين -حسبتُ أنه قال من عُرْس- فقام النبيُّ ﷺ مُمْثِلًا (٧) فقال: "اللهمَّ أنتم من أحبِّ الناسِ إليّ" قالها ثلاث مرَّات. وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صُهيب، حدثنا أنس بن مالك، قال: أقبل رسولُ اللَّه ﷺ إلى المدينة وهو مردفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخٌ يعرف، ورسولُ اللَّه ﷺ شابٌّ لا يعرف، قال: فيلقى الرجلُ أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجلُ الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني (٩) السبيل. فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيلَ الخير. فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارسٍ قد لحقهم فقال: يا نبي اللَّه، هذا فارسٌ قد لحق بنا. فالتفت رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "اللهمَّ اصْرَعْهُ" فصرعتْه فرسُه، ثم قامت تُحَمْحم، ثم قال: مُرْني يا نبيَّ اللَّه بما شئت. فقال: "قفْ مكانك ولا تتركنَّ أحدًا يلحقُ بنا". قال: فكان أولَ النهار جاهدًا على

стр. 1444

رسولِ اللَّه ﷺ ، وكان آخرَ النهار مَسْلَحةً له (١). قال: فنزل رسولُ اللَّه ﷺ جانب الحرَّة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤا فسلَّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين (٢). فركب رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر، وحفُّوا حولهما بالسلاح، وقيل في المدينة: جاء نبيُّ اللَّه ﷺ فاستشرفوا نبيَّ اللَّه ﷺ ينظرون إليه ويقولون: جاء نبيُّ اللَّه ﷺ . قال: فأقبل يسيرُ حتى نزل (٣) إلى جانب جار أبي أيوب، قال: فإنه ليحدث أهله (٤) إذْ سمع به عبدُ اللَّه بن سلام وهو في نخلٍ لأهله، يَخْتَرِفُ لهم (٥)، فعجل أن يضع الذي يخترف فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيِّ اللَّه ﷺ ، فرجع إلى أهله، فقال نبيُّ اللَّه ﷺ : "أيُّ بيوتِ أهلنا أقرب"؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيَّ اللَّه، هذه داري، وهذا بابي. قال: "فانطلق فهيِّئ لنا مَقيلًا" فذهب فهيَّأ [لهما مقيلًا] ثم جاء فقال: يا رسولَ اللَّه! قد هيَّأتُ مقيلًا، قوما على بركة اللَّه فقيلا. فلما جاء نبيُّ اللَّه ﷺ جاء عبد اللَّه بن سَلام فقال: أشهدُ أنك نبيُّ اللَّه حقًا، وأنك جئتَ بحق، ولقد علمت يهودُ أني سيِّدهم وابنُ سيدِهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادْعُهم فسَلْهم، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا اللَّه فوالذي لا إله إلا اللَّه إنكم لتعلمونَ أني رسولُ اللَّه حقًا، وأني جئت بحق، أسْلِمُوا". فقالوا: ما نعلمه -ثلاثًا-. وكذا رواه البخاري (٦) منفردًا به عن محمد -غير منسوب- عن عبد الصمد به. قال ابن إسحاق (٧): وحدَّثني يزيد بن أبي حَبيب عن مَرْثَد بن عبد اللَّه اليَزَني، عن أبي رُهْم السَّمَاعي، حدَّثني أبو أيوب، قال: لما نزل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ في بيتي نزل في السُّفْل، وأنا وأمُّ أيُّوب في العُلْو، فقلت له: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللَّه! إني أكره وأُعْظِمُ أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظْهَرْ أنت فكُنْ في العُلْو وننزل نحن فنكون في السُّفْل. فقال: "يا أبا أيُّوب! إنَّ أرفقَ بنا وبمن يَغْشانا أن أكون في سُفْل البيت" فكان رسولُ اللَّه ﷺ في سُفله وكنّا فوقه في المَسْكن؛ فلقد انكسر حُبٌّ لنا فيه ماءٌ، فقمتُ أنا وأم أيوب بقَطيفةٍ لنا، ما لنا لحافٌ غيرها ننشفُ بها الماء، تخوُّفًا أن يقطُرَ على رسولِ اللَّه ﷺ منه شيءٌ فيؤذيه. قال: وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا ردَّ علينا فَضْلَه تيمَّمْتُ أنا وأمُّ أيوب مَوْضِعَ يده

стр. 1445

فأكلنا منه، نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلةً بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلًا -أو ثُومًا- فردَّه رسولُ اللَّه ﷺ فلم أرَ ليده فيه أثرًا. قال: فجئتُه فزِعًا فقلت: يا رسولَ اللَّه! بأبي أنت وأمي، رددتَ عشاءك ولم أر فيه موضِعَ يدك؟ فقال "إني وجدتُ فيه ريحَ هذه الشجرة، وأنا رجلٌ أُنَاجِي، فأما أنتم فكلُوه". قال: فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعدُ. وكذلك رواهُ البيهقي (١) من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حَبيب عن أبي الحسن -أو أبي الخير- مرثد بن عبد اللَّه اليَزَني عن أبي رُهْم، عن أبي أيوب. . . فذكره. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (٢)، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث. وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو عمرو الحيري، حدثنا عبد اللَّه بن محمد، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا أبو النعمان، حدثنا ثابت بن يزيد (٤)، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نزل عليه فنزل في السُّفل وأبو أيُّوب في العُلْو، فانتبه أبو أيوب [ليلةً] فقال: نمشي فوق رأسِ رسولِ اللَّه ﷺ ! فتنحَّوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبيِّ ﷺ يعني في ذلك- فقال: "السُّفْل أرْفَقُ بنا" فقال: لا أعلو سقيفةً أنت تحتها. فتحوَّل رسول اللَّه ﷺ في العُلْو، وأبو أيوب في السفل، فكان يصنع لرسولِ اللَّه ﷺ طعامًا، فإذا جيءَ به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسولِ اللَّه ﷺ ، فصنع له طعامًا فيه ثوم، فلما رُدَّ إليه سأل عن موضع أصابع رسولِ اللَّه ﷺ فقيل له: لم يأكل. ففَزِعَ وصَعِدَ إليه فقال: أحرام؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا، ولكني أكرهه" قال: فإني أكره ما تكره -أو ما كرهت- قال: وكان النبيُّ ﷺ يأتيه المَلَكُ. رواه مسلم (٥) عن أحمد بن سعيد به. وثبَتَ في الصحيحين عن أنس بن مالك (٦) قال: جيءَ رسولُ اللَّه ﷺ ببَدْرٍ (٧) -وفي رواية بقِدْر- فيه خَضِراتٌ من بقُول، [فوجَدَ لها ريحًا] (٨) قال: فسأل فأخبر بما فيها [من البقول فقال: "قَرِّبوها" فقرَّبوها إلى بعض أصحابه] (٨) فلما رآهُ كَرِهَ أكْلَها، قال: "كُل، فإني أُناجي مَنْ لا تُناجي".

стр. 1446

وقد روى الواقدي (١) أنَّ أسعد بن زُرارة لما نزل رسولُ اللَّه ﷺ في دار أبي أيوب أخذ بخطام ناقة رسولِ اللَّه ﷺ فكانت عنده؛ وروَى عن زيد بن ثابت أنه قال: أولُ هديةٍ أهديت إلى رسول اللَّه ﷺ حين نزل دار أبي أيوب أنا جئتُ بها، قصعةٌ فيها خبز مثرود بلبنٍ وسمن، فقلت: أرسلتْ بهذه القصعة أُمِّي. فقال: "بارك اللَّه فيك" ودعا أصحابه فأكلوا، ثم جاءت قصعةُ سعد بن عُبادة ثريد وعُرَاق لحم، وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسولِ اللَّه ﷺ الثلاثة والأربعة يحملون الطعام (٢) يتناوبون، وكان مقامُه في دار أبي أيوب سبعةَ أشهر، قال: وبعث رسولُ اللَّه ﷺ وهو نازل في دار أبي أيوب- مولاه زيدَ بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمئة درهم ليجيئا بفاطمةَ وأمِّ كلثوم ابنتَيْ رسولِ اللَّه ﷺ ، وسودةَ بنتِ زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رُقَيَّةُ قد هاجرتْ مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها -بمكة- أبي العاص بن الربيع؛ وجاءت معهم أمُّ أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد اللَّه بن أبي بكر بعيالِ أبي بكر وفيهم عائشةُ أمُّ المؤمنين، ولم يدخل بها رسولُ اللَّه ﷺ بعد. وقال البيهقي (٣): أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفَّار، حدَّثنا خلف بن عمرو العُكْبَري، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عطاف بن خالد، حدثنا صدِّيق بن موسى (٤) عن عبد اللَّه بن الزُّبير أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قدم المدينة، فاستناخت به راحلتُه بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول اللَّه! المنزل. فانبعثت به راحلتُه فقال: "دعوها فإنها مأمورة" ثم خرجتْ به حتى جاءتْ موضع المنبر فاستناخت، ثم تخلَّلتِ [الناس] (٥)، وثمَّ عريشٌ كانوا يعرِشونه ويعمُرونه ويتبرَّدون فيه، فنزل رسولُ اللَّه ﷺ عن راحلته فيه فأوى إلى الظل، فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسولَ اللَّه! إنَّ منزلي أقربُ المنازلِ إليك فانقُلْ رحلك إليّ؟ قال: "نعم". فذهب برحلِه إلى المنزل، ثم أتاه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه! أين تحل؟ قال: "إن الرجلَ مع رحله حيثُ كان" وثبت رسولُ اللَّه ﷺ في العريش اثنتي عشرةَ ليلةً حتى بنى المسجد. وهذه مَنْقَبةٌ عظيمةٌ لأبي أيوب خالد بن زيد ﵁، حيث نزل في داره رسولُ اللَّه ﷺ . وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس ﵁، أنه لما قدم أبو أيوب البصرة -وكان ابنُ عباس نائبًا عليها من جهة عليِّ بن أبي طالب ﵁ فخرج له ابنُ

стр. 1447

عباس عن داره [حتى أنزله فيها كما أنزل رسولَ اللَّه ﷺ في داره] (١)، وملَّكه كلَّ ما أغلق عليها بابها. ولما أراد الانصراف أعطاهُ ابنُ عباس عشرين ألفًا، وأربعين عبدًا. وقد صارت دارُ أبي أيوب بعده إلى مولاه أفلح. فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار وصلَّح ما وَهَى من بُنيانها ووهَبها لأهل بيتٍ فقراء من أهل المدينة. وكذلك نزولُه ﵇ في دار بني النجَّار واختيار اللَّه له ذلك منقبةٌ عظيمة لهم، وقد كان في المدينة دورٌ كثيرة تبلغ تسعًا، كل دار محلَّة مستقلةٌ بمساكنها ونخيلها وزروعِها وأهلِها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلَّتهم وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار اللَّه لرسولِ اللَّه ﷺ دار بني مالك بن النجَّار. وقد ثبث في الصحيحين (٢) من حديث شعبة، سمعتُ قتادة عن أنس بن مالك. قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "خيرُ دورِ الأنصار بنو النجَّار، ثم بنو عبد الأشْهَل، ثم بنو الحارث بن الخَزْرَج، ثم بنو ساعدة، وفي كلِّ دورِ الأنصار خير" فقال سعدُ بن عُبَادة: ما أُرى النبيَّ ﷺ إلا قد فضل علينا. فقيل: قد فضَّلكم على كثير. هذا لفظ البخاري. وكذلك رواه البخاري ومسلم (٣) من حديث أنس وأبي سَلَمة عن أبي أُسَيْد مالك بن ربيعة. ومن حديث عباس (٤) بن سهل، عن أبي حُميد، عن النبيِّ ﷺ بمثله سواء. زاد في حديث أبي حُميد؛ فقال أبو أُسَيد لسعد بن عبادة (٥): ألم تر أنَّ النبيَّ ﷺ خيَّرَ الأنصار فجعلنا آخرًا، فأدرك سعدٌ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! خيَّرت دورَ الأنصار فجعلتنا آخرًا؟ قال: "أو ليس بحَسْبكم أن تكونوا من الأخيار" (٦). بل قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الأنصار الشرفُ والرفعةُ في الدنيا والآخرة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وقال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 1448

"لولا الهِجْرَة لكنتُ امْرءًا من الأنصار، ولو سَلَكَ الناسُ واديًا وشِعْبًا لسلَكْتُ واديَ الأنصارِ وشِعْبَهم، الأنصارُ شعار، والناسُ دِثار (١) ". وقال: "الأنصارُ كَرِشي وعَيْبَتي" (٢). وقال: "أنا سلْمٌ لمن سالمهم، وحربٌ لمن حاربَهم" (٣). وقال البخاري (٤): حدَّثنا حجَّاج بن مِنهال، حدثنا شعبة، حدَّثني عديُّ بن ثابت قال: سمعتُ البراءَ بن عازب يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ أو قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الأنصار لا يُحبُّهم إلا مؤمن، ولا يُبغضُهم إلا منافق. فمن أحبَّهم أحبَّه اللَّه، ومن أبغضهم أبغضَه اللَّه". وقد أخرجه بقيةُ الجماعةِ إلا أبا داود من حديث شعبةَ به (٥). وقال البخاريُّ أيضًا (٦): حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جَبْر (٧)، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "آيةُ الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاق بغضُ الأنصار". ورواه البخاري أيضًا عن أبي الوليد الطيالسي (٨)، ومسلم (٩)، من حديث خالد بن الحارث، وعبد الرحمن بن مَهْديّ، أربعتُهم عن شعبة به. والآيات والأحاديث في فضائلِ الأنصار كثيرةٌ جدًا. وما أحسنَ ما قال أبو قيس صرمةُ بن أبي أنس المتقدِّم ذكْرُه (١٠) أحد شعراءِ الأنصار في قدوم رسولِ اللَّه ﷺ إليه ونصرهم إياه، ومواساتهم له ولأصحابه ﵃ أجمعين.

стр. 1449

قال ابن إسحاق (١): وقال أبو قيس صِرْمةُ بن أبي أنس أيضًا يذكرُ ما أكرمهم اللَّه به من الإسلام، وما خصَّهم به من رسوله ﵇: [من الطويل] ثَوَى في قريشٍ بضعَ عشْرة حِجَّة … يذكِّر لو يَلْقَى صديقًا مُواتيا ويعرضُ في أهلِ المواسم نفسَه … فلم يرَ من يُؤْوي ولم يَرَ داعيا فلما أتانا واطمأنَّتْ به النَّوَى (٢) … وأصبح مسرورًا بِطَيْبَةَ راضيا وألفى صديقًا واطمأنتْ به النَّوَى … وكانَ له عَوْنًا من اللَّه باديا يقصُّ لنا ما قالَ نوحٌ لقومه … وما قال موسى إذ أجابَ المناديا فأصبحَ لا يَخْشَى من الناسِ واحدًا … قريبًا ولا يخشى من الناس نائيا (٣) بذلنا له الأموالَ من حِلِّ مالنا … وأنفُسنا عندَ الوَغَى والتآسيا نُعادي الذي عادَى من الناس كلِّهم … جميعًا ولو كانَ الحبيبَ المواسيا (٤) ونعلمُ أنَّ اللَّهَ لا شيء غيره … وأن كتابَ اللَّه أصبحَ هاديا (٥) أقولُ إذا صلَّيتُ في كلِّ بيعةٍ … حَنانَيْكَ لا تُظْهِرْ علينا الأعاديا أقول إذا جاوزتُ أرضًا مُخيفةً … تباركتَ اسمَ اللَّه أنتَ المواليا فَطأْ مُعرضًا إنَّ الحتوفَ كثيرةٌ … وإنك لا تُبقي لنفسك باقيا فواللَّهِ ما يدري الفتى كيف سعيُهُ … إذا هو لم يجعلْ له اللَّهَ واقيا ولا تحفلُ النخلُ المعيمةُ ربَّها (٦) … إذا أصبحتْ رَيًّا وأصبحَ ناويا ذكرها ابنُ إسحاق وغيرُه، ورواها عبد اللَّه بن الزُّبير الحُميدي وغيره، عن سفيان بن عُيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عجوزٍ من الأنصار قالت: رأيتُ عبدَ اللَّه بن عباس يختلفُ إلى صِرْمة بن قيس يروي هذه الأبيات. رواه البيهقي (٧). فصل وقد شرفت المدينة أيضًا بهجرته ﵇ إليها، وصارتْ كهفًا لأولياء اللَّه وعباده الصالحين،

стр. 1450

ومَعْقلًا وحِصْنًا منيعًا للمسلمين، ودارَ هَدْيٍ للعالمين، والأحاديثُ في فَضْلها كثيرةٌ جدًا، لها موضعٌ آخر نوردها فيه إن شاء اللَّه. وقد ثبَتَ في الصحيحَيْن (١) من طريق خُبيب [بن] عبد الرحمن بن يَسَاف، عن حفص (٢) بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الإيمانَ لَيأرِزُ إلى المدينةِ كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها" (٣). ورواه مسلمٌ أيضًا (٤) عن محمد بن رافع عن شَبَابة، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ نحوه. وفي الصحيحَيْن أيضًا (٥)، من حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع أبا الحُباب سعيدَ بن يَسَار، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُمرتُ بقَرْيةٍ تأكل القُرَى (٦)، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تَنْفي (٧) الناس كما ينفي (٧) الكِيرُ خَبَثَ الحديد". وقد انفرد الإمامُ مالكٌ عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة. وقد قال البيهقي (٨): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرني أبو الوليد وأبو بكر بن عبد اللَّه قالا: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو موسى الأنصاري، ثنا سعد (٩) بن سعيد، حدَّثني أخي عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "اللهم إنك أخرجتني من أحبِّ البلاد إليّ، فأسكني أحبَّ البلادِ إليك" فأسكنه اللَّه المدينة. وهذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، والمشهور عن الجمهور أنَّ مكةَ أفضلُ من المدينة، إلا المكان الذي ضمَّ

стр. 1451

جسدَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد استدلَّ الجمهور على ذلك بأدلَّةٍ يطولُ ذِكْرُها ها هنا ومحلُّها، ذكرناها في كتاب المناسك من الأحكام إن شاء اللَّه تعالى. وأشهرُ دليلٍ لهم في ذلك ما قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو اليَمَان، حدثنا شعيب عن الزُّهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنَّ عبد اللَّه بن عديِّ بنِ الحمراء أخبره، أنَّه سمع النبيَّ ﷺ وهو واقفٌ بالحَزْوَرَة في سوقِ مكَّة يقول: "واللَّه إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّه، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليّ، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرَجتُ". وكذا رواه أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان عن الزُّهري به (٢). وهكذا رواهُ الترمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه (٣) من حديث الليث، عن عَقِيل، عن الزُّهري به. وقال الترمذي: حسنٌ صحيح. وقد رواه يونس عن الزُّهري به. ورواهُ محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وحديث الزُّهْريَّ عندي أصحّ. قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر عن الزُّهري، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. قال: وقف رسولُ اللَّه ﷺ على الحَزْوَرَة فقال: "علمتُ أنَّكِ خيرُ أرضِ اللَّه وأحبُّ الأرض إلى اللَّه، ولولا أنَّ أهلَكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ". وكذا رواهُ النسائي من حديث معمر به (٥). قال الحافظُ البيهقي (٦): وهذا وهم من معمر، وقد رواهُ بعضُهم عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، وهو أيضًا وهم، والصحيح رواية الجماعة. وقال أحمدُ أيضًا (٧): حدثنا إبراهيم بنُ خالد حدثنا رباح، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، عن أبي سَلمة، عن بعضهم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال وهو في سوق الحَزْوَرة: "واللَّه إنكِ لخيرُ أرضِ اللَّه، وأحبُّ الأرض إلى اللَّه ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خَرَجت" (٨).

стр. 1452

ورواه الطبراني عن أحمد بن خُليد الحلبي، عن الحُميدي، عن الدَّراوَرْدِي (١)، عن ابنِ أخي الزُّهري، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء به. فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم. واللَّه أعلم. ذكر ما وقع في السنة الأولى من الهجرة النبوية من الحوادث والوقائع العظيمة (٢) اتفق الصحابةُ ﵃ في سنة ست عشرة -وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة- في الدولة العُمَريَّة على جعل ابتداءِ التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أنَّ أمير المؤمنين عمر ﵁ رُفعِ إليه صكٌّ -أي: حُجَّةٌ- لرجلٍ على آخر وفيه؛ إنه يحلُّ عليه في شعبان. فقال عمر: أيُّ شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضعِ تاريخ يتعرَّفون به حُلولَ الدُّيُون وغير ذلك، فقال قائل: أرِّخوا كتاريخ الفُرْس. فكره ذلك، وكانتِ الفرسُ يؤرِّخون بملوكهم واحدًا بعد واحد. وقال قائل: أرِّخُوا بتاريخ الروم. وكانوا يؤرِّخون بملك اسكندر بن فِلْبُس المقدوني فكره ذلك. وقال آخرون: أرِّخوا بمولد رسولِ اللَّه ﷺ . وقال آخرون: بل بمَبْعَثِه. وقال آخرون: بل بهِجْرَته، وقال آخرون: بل بوفاتِه ﵇. فمالَ عمرُ ﵁ إلى التاريخ بالهجرة لظهورهِ واشتهاره. واتفقوا معه على ذلك. وقال البخاريُّ في "صحيحه" (٣): التاريخ ومتى أرَّخوا التاريخ. حدَّثنا عبد اللَّه بن مسلمة (٤) حدثنا عبد العزيز عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: ما عدُّوا من مَبْعَثِ النبيِّ ﷺ ولا من وفاته، ما عدُّوا إلا من مَقْدَمِه المدينة. وقال الواقدي: حدَّثنا ابنُ أبي الزِّناد عن أبيه، قال: استشار عمر في التاريخ، فأجمعوا على الهجرة. وقال أبو داود الطيالسي، عن قرَّة بن خالد السَّدُوسي (٥)، عن محمد بن سيرين قال: قام رجلٌ إلى عمر فقال: أرِّخوا. فقال: ما أرِّخوا؟ فقال: شيءٌ تفعله الأعاجم، يكتبون في شهر كذا من سنة كذا.

стр. 1453

فقال عمر: حسنٌ، فأرِّخوا. فقالوا: من أيِّ السنينَ نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه. وقالوا: من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا: وأيُّ الشهور نبدأ؟ قالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرم فهو مَصْرَف الناسِ من حجِّهم، وهو شهرٌ حرام. فاجتمعوا على المحرَّم. وقال ابن جرير (١): حدَّثنا قتيبة، حدثنا نوح بن قيس الطَّاحي (٢)، عن عثمان بن مِحْصَن، أنَّ ابنَ عباس كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] هو المحرَّم فجر السنة. ورُوي عن عبيد بن عُمير (٣)، قال: إنَّ المحرَّم شهرُ اللَّه، وهو رأسُ السنة يُكسى البيت، ويؤرِّخ به الناس، ويُضرب فيه الوَرِق. وقال أحمد (٤): حدَّثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار قال: إنَّ أولَ مَنْ ورَّخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قدِم المدينة في ربيع الأول، وأنَّ الناس أرَّخوا لأول السنة. وروى محمد بن إسحاق (٥) عن الزُّهري، وعن محمد بن صالح عن الشعبي، أنهما قالا: أرَّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم وإسماعيل البيت، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي. ثم أرخوا من الفيل، ثم أرَّخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة -أو ثماني عشرة- وقد ذكرنا هذا الفصل محرَّرًا بأسانيده وطُرقه في السيرة العُمَريَّة (٦) وللَّه الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرَّم فيما اشتهر عنهم، وهذا قول جمهور الأئمة. وحكى السُّهيليُّ وغيره عن الإمام مالك أنه قال: أول السنة الإسلامية ربيع الأول لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسولُ اللَّه ﷺ . [وقد استدلَّ السُّهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] أي من أولِ حُلولِ النبيِّ ﷺ المدينة، وهو أولُ يومٍ من التاريخ كما اتفق الصحابةُ على أولِ سني التاريخ عام الهجرة] (٧).

стр. 1454

ولا شكَّ أنَّ هذا الذي قاله الإمامُ مالك ﵀ مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لأن أولَ شهورِ العرب المحرَّم، فجعلوا السنةَ الأولى سنة الهجرة. وجعلوا أولها المحرَّم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام. واللَّه أعلم. فنقول وباللَّه المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسولُ اللَّه ﷺ مقيمٌ بمكة، وقد بايع الأنصار بيعة العقبة الثانية كما قدَّمنا في أوسط أيام التشريق، وهي ليلةُ الثاني عشر من ذي الحجَّة قبل سنة الهجرة، ثم رجع الأنصار وأذن رسولُ اللَّه ﷺ للمسلمينَ في الهجرة إلى المدينة، فهاجر مَنْ هاجر من أصحابه إلى المدينة حتى لم يبق بمكةَ مَنْ يمكنه الخروج إلا رسولُ اللَّه ﷺ ، وحبَس أبو بكرٍ نفسَه على رسولِ اللَّه ﷺ ليصحبَه في الطريق كما قدَّمنا، ثم خرجا على الوَجْه الذي تقدَّم بسطُه، وتأخر عليُّ بن أبي طالب بعد النبيِّ ﷺ بأمرِه ليؤدِّي ما كان عنده ﵇ من الودائع ثم لحقهم بقُباء (١). فقدِم رسولُ اللَّه ﷺ يوم الإثنين قريبًا من الزَّوال وقد اشتدَّ الضَّحَاءُ (٢). قال الواقدي وغيرُه: وذلك لليلتَيْن خَلَتا من شهر ربيع الأول. وحكاه ابنُ إسحاق إلا أنه لم يعرِّج عليه، ورجَّح أنه لثنتي عشرةَ ليلةً خلَتْ منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور. وقد كانت مدةُ إقامته ﵇ بمكة بعد البِعْثة ثلاثَ عشرةَ سنةً في أصحِّ الأقوال، وهو روايةُ حماد بن سلمة عن أبي جَمْرَة الضُّبَعي (٣) عن ابن عباس، قال: بُعث رسولُ اللَّه ﷺ لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وهكذا روى ابنُ جرير (٤) عن محمد بن مَعْمَر، عن رَوْح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: مكث رسولُ اللَّه ﷺ بمكة ثلاثَ عشرةَ. وتقدَّم أنَّ ابن عباس كتب أبياتَ صِرْمَة بن أبي أنس بن قيس (٥): [من الطويل] ثَوَى في قريشٍ بضعَ عشرةَ حِجَّةً … يذكِّرُ لو يَلْقَى صديقًا مُوَاتيا

стр. 1455

وقال الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه استشهد بقول صِرْمة: ثَوَى في قريشٍ بضعَ عشرةً حجَّةً … يذكِّر لو يلقى صديقًا مواتيا وهكذا رواهُ ابنُ جرير (١)، عن الحارث، عن محمد بن سعد، عن الواقدي خمسَ عشرةَ حجَّة، وهو قولٌ غريبٌ جدًا؛ وأغرب منه ما قال ابنُ جرير (٢): حُدِّثت عن روح بن عبادة، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: نزل القرآنُ على رسولِ اللَّه ﷺ ثمانيَ سنين بمكة، وعشرًا بالمدينة. وكان الحسن يقول: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة. وهذا القول الآخر الذي ذهب إليه الحسنُ البصري من أنه أقام بمكة عشرَ سنين؛ ذهب إليه أنس بن مالك وعائشة وسعيدُ بن المُسَيِّب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم، وهو روايةٌ عن ابن عباس رواها أحمدُ بن حنبل (٣) عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: أُنزل على النبيِّ ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعين، فمكث بمكة عشرًا. وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال (٤): قُرن إسرافيل برسولِ اللَّه ﷺ ثلاث سنين يُلقي إليه الكلمة والشيء - وفي رواية يسمع حسَّه ولا يرى شخصَه، ثم كان بعد ذلك جبريل. وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا، وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال إنه ﵇ أقام بمكة عشرًا، وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الذي ذكره الشعبي. واللَّه أعلم. فصل ولما حلَّ الرِّكابُ النبويُّ بالمدينة، وكان أولَ نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف، وهي قُبَاء كما تقدم فأقام بها -أكثر ما قيل- ثنتين وعشرين ليلة، وقيل ثماني عشرة ليلة. وقيل بضع عشرة ليلة. وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابنُ إسحاق (٥) وغيرُه، أنه ﵇ أقام فيهم بقُباء من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسَّس في هذه المُدَّة المختلف في مقدارها -على ما ذكرناه- مسجدَ قباء. [وقد ادَّعى السُّهَيلي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أسَّسه في أولِ يومٍ قدم إلى قُباء، وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ

стр. 1456

أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] وردَّ قول من أعربها من تأسيس أولِ يوم] (١)، وهو مسجدٌ شريفٌ فاضل نزل فيه قولُه تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث الذي [في صحيح مسلم (٢) أنه مسجد المدينة والجواب عنه. وذكرنا الحديث الذي] (١) رواه الإمامُ أحمد (٣): حدّثنا حُسين (٤) بن محمد، حدثنا أبو أُوَيْس (٥)، حدثنا شُرَحْبِيل عن عُويم بن ساعدة، أنه حدثه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أتاهم في مسجد قُباء فقال: "إنَّ اللَّهَ قد أحْسَنَ عليكم الثَّنَاء في الطَّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطَّهُورُ الذي تطَّهرون به؟ " قالوا: واللَّه يا رسول اللَّه! ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيرانٌ من اليهود، فكانوا يغسِلُونَ أدبارهم من الغائط فغسَلْنا كما غسلوا. وأخرجه ابنُ خُزيمةَ في صحيحه (٦) وله شواهد أُخر. ورُوي عن خُزيمة بن ثابت، ومحمد بن عبد اللَّه بن سلام، وابنِ عباس. وقد روى أبو داود والترمذي، وابن ماجه (٧)، من حديث يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآيةُ في أهْلِ قُبَاء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قال: كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فنزلَتْ فيهم هذه الآية". ثم قال الترمذي: غريبٌ من هذا الوجه. قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيفٌ واللَّه أعلم. وممن قال بأنه المسجدُ الذي أُسِّسَ على التقوى ما رواهُ عبدُ الرزَّاق، عن معمر، عن الزهري، عن

стр. 1457

عروة بن الزُّبير. ورواه علي بنُ أبي طلحة، عن ابن عباس، وحُكي عن الشعبي، والحسنِ البصري، وقتادة، وسعيد بن جُبير، وعطية العَوْفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقد كان النبيُّ ﷺ يزورُه فيما بعدُ ويصلِّي فيه، وكان يأتي قُباء كلَّ سبت، تارةً راكبًا وتارةً ماشيًا. وفي الحديث: "صلاةٌ في مسجد قُباء كَعُمْرَة" (١). وقد ورد في حديث أن جبرائيل ﵇ هو الذي أشار للنبي ﷺ إلى موضع قبلةِ مسجد قباء، فكان هذا المسجد أولَ مسجد بني في الإسلام بالمدينة، بل أول مسجدٍ جُعل لعموم الناس في هذه المِلَّة. واحترَزْنا بهذا عن المسجد الذي بناه الصدِّيق بمكة، عند باب دارِه يتعبَّدُ فيه ويصلِّي، لأنَّ ذاك كان لخاصَّةِ نفسه، لم يكن للناس عامةً. واللَّه أعلم. وقد تقدَّم إسلامُ سلمانَ في البشارات، أنَّ سلمانَ الفارسيّ لما سمع بقدوم رسولِ اللَّه ﷺ إلى المدينة ذهب إليه وأخذ معه شيئًا، فوضعه بين يديه، وهو بقُباء، قال: هذا صدقة. فكفَّ رسولُ اللَّه ﷺ فلم يأكُلْه، وأمر أصحابَهُ فأكلُوا منه، ثم جاء مرةً أخرى ومعه شيءٌ فوضعه وقال: هذه هديَّة. فأكل منه وأمر أصحابَهُ فأكلوا. تقدَّم الحديث بطوله (٢). فصل في إسلام عبد اللَّه بن سَلَام ﵁ قال الإمامُ أحمد (٣): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن زُرارة، عن عبد اللَّه بن سلام، قال: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة انجفل الناس إليه (٤)، فكنتُ فيمن انجفل، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أنه ليس بوجه كذَّاب، فكان أولُ شيءٍ سمعتُه، يقول: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا باللَّيل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

стр. 1458

ورواه الترمذي وابنُ ماجه (١) من طرق، عن عوف الأعرابي، عن زُرارة بن أوفى به عنه. وقال الترمذي: صحيح. ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبيِّ ﷺ ورآه أولَ قدومه حين أناخ بقُباء في بني عمرو بن عوف. وتقدَّم في رواية عبد العزيز بن صُهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب بعد (٢) ارتحاله من قُباء إلى دار بني النجار كما تقدم؛ فلعله رآه أولَ ما رآه بقُباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجَّار. واللَّه أعلم. وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس. قال: فلما جاء النبيُّ ﷺ جاء عبدُ اللَّه بن سَلام فقال أشهدُ أنَّك رسولُ اللَّه وأنك جئث بحقّ، وقد علمت يهودُ أنِّي سيِّدُهم وابنُ سيِّدِهم، وأعلمُهم وابنُ أعْلَمِهم، فادْعُهم فسلْهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إنْ يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيّ. فأرسل نبيُّ اللَّه ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم: "يا معشرَ اليهود، ويلكم اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمونَ أنِّي رسولُ اللَّه حقًّا وأني جئتُكم بحقّ فأسلموا" قالوا: ما نعلمه -قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاثَ مرار- قال: "فأيُّ رجلٍ فيكم عبدُ اللَّه بنُ سَلام"؟ قالوا: ذاكَ سيدُنا وابنُ سيدِنا، وأعلمُنا وابن أعلِمنا. قال: "أفرأيتُم إنْ أسلم" قالوا: حاش للَّه ما كان ليُسلم. قال: "يا ابن سَلام اخْرُج عليهم" فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا اللَّه فواللَّه الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبتَ. فأخرجهم رسولُ اللَّه ﷺ . هذا لفظه (٣). وفي رواية (٤): فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا: شرُّنا وابنُ شرِّنا، وتنقَّصُوه. فقال: يا رسول اللَّه هذا الذي كنتُ أخاف. وقال البيهقي (٥): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا الأصم، حدّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني (٦)، حدثنا عبد اللَّه بن بكر (٧)، حدثنا حُميد عن أنس، قال: سمع عبد اللَّه بن سَلام بقدوم النبيّ ﷺ وهو في أرض له- فأتى النبيَّ ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيّ؛ ما أولُ أشراطِ الساعة؟

стр. 1459

وما أولُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنة؟ وما ينزعُ الولد (١) إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهنَّ جبريلُ آنفًا" قال: جبريل؟! قال: "نعم" قال: عدوُّ اليهود من الملائكة. ثم قرأ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، "أما أول أشراطِ الساعة: فنارٌ تخرجُ على الناس من المشرقِ تسوقهم إلى المغرب؛ وأمَّا أولُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنة فزيادةُ كبد حُوت، وإذا (٢) سبق ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نزَع الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأةِ نزَعَتْ" فقال: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسولُ اللَّه ﷺ ؛ يا رسول اللَّه! إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْتٌ (٣) وإنهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهَتُوني، فجاءت اليهود، فقال: "أيُّ رجل عبدُ اللَّه فيكم؟ " قالوا: خيرُنا وابنُ خيرِنا، وسيدُنا وابنُ سيدِنا. قال: "أرأيتم إنْ أسلمَ؟ " قالوا: أعاذهُ اللَّه من ذلك. فخرج عبد اللَّه فقال: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللَّه. قالوا: شرُّنا وابنُ شرِّنا. وانتقصوه. قال: هذا الذي كنتُ أخافُ يا رسولَ اللَّه. ورواه البخاري (٤) عن عبد اللَّه بن مُنير، عن عبد اللَّه بن بكر به، ورواه (٥) عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، عن حميد، به. قال محمد بن إسحاق (٦): حدَّثني عبد اللَّه بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد اللَّه، عن رجلٍ من آل عبد اللَّه ابن سَلام. قال: كان من حديث عبد اللَّه بن سَلام حين أسلم -وكان حَبْرًا عالمًا- قال: لما سمعتُ برسولِ اللَّه ﷺ وعرفتُ صفته واسمه وهيئته والذي كنَّا نتوكَّف له (٧)، فكنتُ مُسِرًّا لذلك، صامتًا عليه حتى قدِم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة، فلما قدم نزل بقُباء في بني عمرو بن عَوف، فأقبل رجلٌ حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأسِ نخلةٍ لي أعمل فيها، وعمتي خالدةُ بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعتُ الخبر بقدوم رسولِ اللَّه ﷺ كبَّرْتُ، فقالت عمتي حين سمعتْ تكبيري: لو كنت سمعتَ بموسى بن عمران ما زدتَ! قال: قلتُ لها: أي عَمَّة، واللَّه هو أخو موسى بنِ عمران، وعلى دينِه بُعثَ بما بُعث به. قال فقالت له: يا ابنَ أخي أهو الذي كنَّا نُخبرُ به أنه يُبعث مع نفسِ الساعة؟ قال قلتُ لها: نعم. قال: فذاك إذًا. قال: فخرجتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فأسلمتُ ثم رجعتُ إلى أهل بيتي، فأمرتُهم فأسلموا، وكتمتُ

стр. 1460

إسلامي من اليهود وقلت: يا رسول اللَّه! إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْت، وإني أحبُّ أنْ تُدخلَني في بعضِ بيوتِك فتغيِّبَني عنهم، ثم تسألُهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم، قبلَ أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إنْ يعلموا بذلك بهَتُوني وعابوني. وذكر نحو ما تقدَّم. قال: فأظهرتُ إسلامي وإسلامَ أهلِ بيتي، وأسلمتْ عمتي خالدة بنت الحارث. وقال يونس بن بُكير (١): عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، حدثنا محدِّثٌ عن صفيةَ بنتِ حُيَيّ قالت: لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقهما في ولد لهما قط (٢) أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسولُ اللَّه ﷺ قُباء -قرية بني عمرو بن عوف- غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلِّسين (٣)، فواللَّه ما جاآنا إلا مع مغيب الشمس، فجاآنا فاترَيْن كسلانَيْن ساقطَيْن يمشيانِ الهُوَينى، فهششتُ إليهما كما كنتُ أصنع، فواللَّه ما نظر إليّ واحدٌ منهما، فسمعتُ عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم واللَّه. قال: تعرفه بنعته (٤) وصفته؟ قال: نعم واللَّه. قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوتُه واللَّه ما بَقِيت. وذكر موسى بن عقبة (٥) عن الزهري أنَّ أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم، أطيعوني، فإنَّ اللَّه قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه. فانطلق أخوه حيي بن أخطب -وهو يومئذ سيدُ اليهود، وهما من بني النَّضِير- فجلس إلى رسولِ اللَّه ﷺ وسمع منه، ثم رجع إلى قومه -وكان فيهم مُطاعًا- فقال: أتيتُ من عندِ رجلٍ واللَّه لا أزال له عدوًا أبدًا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أمّ، أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعدَه لا تَهْلِك. قال: لا واللَّه لا أطيعك أبدًا، واستحوذ عليه الشيطان، واتبعه قومُه على رأيه. قلت: أما أبو ياسر واسمه جُدَيُّ بن أخطب (٦)، فلا أدري ما آل إليه أمرُه، وأما أخوه حُيَيُّ بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوةَ النبيِّ ﷺ وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبُه لعنه اللَّه حتى قُتل صبرًا بين يدي رسولِ اللَّه ﷺ يوم قَتَل مقاتلة بني قُرَيظة كما سيأتي إن شاء اللَّه.

стр. 1461

فصل ولما ارتحل ﵇ من قُباء وهو راكبٌ ناقته القَصْواء، وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلَّى بالمسلمين الجُمعةَ هنالك، في وادٍ يقالُ له وادي رانُوناء (١)، فكانت أولَ جمعةٍ صلاها رسولُ اللَّه ﷺ بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقًا لأنه واللَّه أعلم لم يكن يتمكَّن هو وأصحابه بمكَّة من الاجتماع حتى يُقيموا بها جمعةً ذات خطبةٍ وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدَّة مخالفةِ المشركين له، وأذيَّتهم إياه. ذكر خطبة رسول اللَّه ﷺ يومئذ قال ابن جرير (٢): حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابنُ وهب، حدثنا (٣) سعيدُ بن عبد الرحمن الجُمَحي أنه بلغه عن خطبة النبيِّ ﷺ في أولِ جمعةٍ صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف ﵃: "الحمد للَّه أحمده وأستعينُه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفُره، وأعادي مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله بالهدى ودينِ الحقِّ والنورِ والموعظة على فترةٍ من الرُّسل، وقلَّةٍ من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقطاعٍ من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقُرْبٍ من الأجل؛ مَنْ يطعِ اللَّهَ ورسولَه فقد رَشَد؛ ومن يعصِهما فقد غَوَى وفرَّط، وضلَّ ضلالًا بعيدًا، وأوصيكم بتقوى اللَّه، فإنه خيرُ ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحُضَّه على الآخرة. وأن يأمرَهُ بتقوى اللَّه. فاحذروا ما حذَّركم اللَّهُ من نفسِه. ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى. وإنه تقوى لمن عَمِل به على وَجَلٍ ومَخَافة، وعون صدق على ما تَبْغُونَ من أمرِ الآخرة، ومَنْ يُصلح الذي بينَهُ وبين اللَّه من أمر السرِّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وَجْهَ اللَّه يكن له ذِكرًا في عاجلِ أمره وذُخْرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرءُ إلى ما قدَّم، وما كان من سوى ذلك يودُّ لو أنَّ بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذِّركُم اللَّه نفسَه واللَّه رؤوفٌ بالعباد. والذي صدَّق قوله، وأنجز (٤) وعده، لا خُلْفَ لذلك، فإنَّهُ يقولُ تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] واتقوا اللَّه في عاجل أمرِكم وآجلِه، في السِّرِّ والعلانية، فإنَّه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، ومن يتَّقِ اللَّهَ فقد فازَ فَوْزًا عَظيمًا؛ وإنَّ تقوى اللَّه تُوَقِّي مَقْتَه، وتوقِّي عُقوبتَه، وتوقِّي سُخْطَه؛ وإنَّ تقوى اللَّه تُبَيِّضُ الوجه (٥)، وتُرْضي الربّ، وترفع

стр. 1462

الدرجة، خُذُوا بحظِّكم ولا تفرِّطوا في جَنْب اللَّه، قد علَّمكم اللَّه كتابَه، ونَهَج لكم سبيله ليعلمَ الذينَ صدَقوا وليعلمَ الكاذبين، فأحسنوا كما أحسنَ اللَّه إليكم وعادُوا أعداءه وجاهِدُوا في اللَّهِ حقَّ جهادِه هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] ولا قوَّة إلا باللَّه، فأكثرُوا ذكْرَ اللَّه واعملوا لما بعد الموت (١) فإنه مَنْ أصلح ما بينهُ وبين اللَّه يَكْفِهِ ما بينه وبين الناس، ذلك بأنَّ اللَّه يقضي على الناس ولا يقضُون عليه، ويملكُ من الناس ولا يملكون منه، اللَّه أكبر ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم". هكذا أورده ابنُ جرير، وفي السند إرْسال. وقال البيهقي (٢): باب -أول خطبة خطبها رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة-. أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدثنا يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، حدثني المغيرة (٣) بن عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شَرِيق، عن أبي سَلَمة بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوف قال: كانتْ أول خطبةٍ خطبها رسولُ اللَّه ﷺ بالمدينة أنْ قام فيهم فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهلُه ثم قال: "أما بعدُ أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم، تعلَمنَّ واللَّه ليُصْعقَنَّ أحدكم ثم ليدعَنَّ غنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولَنَّ له ربُّه -ليس له ترجمان ولا حاجب يحجُبه دونه-: ألم يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتُك مالًا وأفضلت عليك، فما قدَّمتَ لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالا فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قُدَّامه فلا يرى غير جهنَّم، فمن استطاع أن يَقيَ وجهه من النار ولو بشقِّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمةٍ طيبة، فإنَّ بها تُجْزى الحسنةُ عشرَ أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسلامُ على رسول اللَّه (٤) ورحمة اللَّه وبركاته. ثم خطب رسولُ اللَّه ﷺ مرَّةً أخرى فقال: "إنَّ الحمد للَّه أحمدُه وأستعينه، نعوذُ باللَّه من شرور أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه [وحده لا شريك له] (٥)، إنَّ أحسن الحديثِ كتابُ اللَّه، قد أفلح مَنْ زَيَّنَهُ اللَّه في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكُفْر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحْسَنُ الحديث وأبلغُه، أحبُّوا مَن أحبَّ اللَّه، أحبوا اللَّه من كلِّ قلوبكم [ولا تملُّوا كلامَ اللَّه وذِكْرَه، ولا تَقْسُ عنه قلوبُكم] (٥) فإنه من كلٍّ يختار اللَّه

стр. 1463

ويصطفى، فقد سمَّاه خِيرتَهُ من الأعمال وخيرته (١) من العباد، والصالح من الحديث ومن كلِّ ما أُوتي الناسُ من الحلال والحرام، فاعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه حقَّ تقاته، واصْدُقوا اللَّه صالحَ ما تقولون بأفواهِكم وتحابُّوا بروحِ اللَّه بينكم إنَّ اللَّه يغضَبُ أن يُنكَثَ عهدُه، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". وهذه الطريق أيضًا مرسلة إلا أنها مقوِّيةٌ لما قبلها وإن اختلفتِ الألفاظ. فصل في بناء مسجده الشريف في مدة مقامة عليه [الصلاة] والسلام بدار أبي أيوب ﵁ وقد اختُلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، وقال غيره: أقلّ من شهر. واللَّه أعلم. قال البخاري (٢): حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبدُ الصمد قال: سمعتُ أبي يحدِّث فقال: حدثنا أبو التَّيَّاح يزيد بن حُميد الضُّبَعي (٣)، حدثنا أنس بن مالك، قال: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة نزلَ في عُلْوِ المدينة، في حيٍّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً، ثم أرسلَ إلى ملأ بني النجَّار فجاؤوا متقلِّدي سيوفهم، قال: وكأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ على راحلته وأبو بكر رِدْفَه، ومَلأ بني النجَّارِ حولَه، حتى ألْقَى (٤) بفناءِ أبي أيوب، قال: فكان يصلِّي حيثُ أدركَتْه الصلاة، ويصلِّي في مرابضِ الغنم. قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى مَلأ بني النجَّار، فجاؤوا فقال: "يا بني النجَّار ثامنوني بحائطِكم هذا (٥) " فقالوا: لا واللَّه لا نطلبُ ثمنَهُ إلا إلى اللَّه. قال: فكان فيه ما أقولُ لكم، كانت فيه قبورُ المشركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نخل، فأمر رسولُ اللَّه ﷺ بقبور المشركين فنُبشتْ، وبالخِرَبِ فسُوِّيتْ، وبالنخل فقُطِع. قال: فصفُّوا النخلَ قبلةَ المسجد، وجعلوا عِضَادَتَيْهِ حجارة. قال: فجعلوا ينقلُون ذلك الصخر وهم يرتجزون، ورسولُ اللَّه ﷺ معهم يقول (٦): اللهمَّ إنه لا خيرَ إلا خَيْرُ الآخرة، فانصرِ الأنصارَ والمهاجرة.

стр. 1464

وقد رواه البخاري في مواضعَ أخر ومسلم (١) من حديث أبي عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد. وقد تقدَّم في صحيح البخاري (٢)، عن الزهري، عن عروة، أنَّ المسجد الذي كان مِرْبَدًا -وهو بَيْدَرُ التمر- ليتيمَيْن كانا في حَجْر أسعد بن زُرارة وهما سَهْل وسُهيل، فساومهما فيه رسول اللَّه ﷺ فقالا: بل نهَبُه لك يا رسول اللَّه! فأبَى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدًا. قال: وجعل رسولُ اللَّه ﷺ يقول وهو ينقل معهم التراب: [من الرجز] هذا الحِمالُ لا حمالَ خَيْبَرْ … هذا أبَرُّ رَبَّنا وأطْهَرْ ويقول: [من الرجز] لا هُمَّ إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ … فارْحَم الأنْصَارَ وَالمُهاجِرَهْ وذكر موسى بن عُقْبَة أنَّ أسعد بن زُرَارة عوَّضَهما منه نخلًا له في بني بَيَاضة، قال: وقيل ابتاعه منهما رسولُ اللَّه ﷺ . قلت: وذكر محمد بن إسحاق (٣) أن المِرْبَدَ كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عَفْراء وهما سهل وسُهيل ابنا عمرو، فاللَّه أعلم. وروى البيهقي (٤) من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا الحسن بن حماد الضبي، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما بنى رسولُ اللَّه ﷺ المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن، حتى اغبرَّ صَدْرُه، فقال: "ابنوهُ عَرِيشًا كعريشِ موسى" فقلت للحسن: ما عريشُ موسى؟ قال: إذا رفع يديه بلغ العريش -يعني السقف-. وهذا مرسل. ورَوَى (٥) من حديث حمَّاد بن سلمة، عن أبي سنان، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن عُبادة، أنَّ الأنصار جمعوا مالًا فأتَوْا به النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، ابنِ هذا المسجدَ وزَيِّنْه، إلى متى نصلِّي تحت هذا الجريد؟ فقال: "ما بي رغبةٌ عن أخي موسى، عريشٌ كعريشِ موسى".

стр. 1465

وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقال أبو داود (١): حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا عبيد (٢) اللَّه بن موسى، عن شَيْبَان (٣)، عن فراس، عن عطيَّة، عن ابن عمر، أنَّ مسجد النبيِّ ﷺ كانت سَوَاريه على عهد رسول اللَّه ﷺ من جُذوع النَّخْل، أعلاهُ مُظَلَّلٌ بجريدِ النخل، ثم إنها نَخِرَتْ (٤) في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع وبجريدِ النخل، ثم أنها نَخِرَتْ (٤) في خلافة عثمان فبناها بالآجُرّ، فلم تزَلْ (٥) ثابتةً حتى الآن. وهذا غريب. وقد قال أبو داودَ أيضًا (٦): حدَّثنا مجاهد بن موسى، حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثني أبي، عن صالح (٧)، حدثنا نافع عن ابن عمر أخبره، أنَّ المسجد كان على عهد رسولِ اللَّه ﷺ مبنيًّا باللَّبِن، وسقفُه الجَريد، وعمدُهُ خشب النخْل، فلم يزد فيه أبو بكرٍ شيئًا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللَّبن والجَرِيد، وأعاد عمده خشبًا؛ وغيَّرَهُ عثمان ﵁، وزاد فيه زيادةً كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة (٨) وجعل عمدَهُ من حجارةٍ منقوشة وسَقَفَهُ بالسَّاج (٩). وهكذا رواه البخاري (١٠) عن علي بن المَدِيني، عن يعقوب بن إبراهيم به. قلت: زاده عثمان بن عفان ﵁ متأوَّلًا قوله ﷺ "مَنْ بَنَى للَّهِ مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بنى اللَّه له بيتًا في الجنة" (١١) ووافقه الصحابةُ الموجودون على ذلك ولم يُغَيِّرُوه بعده، فيُستدل بذلك على

стр. 1466

الراجح من قول العلماء أنَّ حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشدِّ الرحال إليه؛ وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامعِ دمشق، زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبَهُ على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانُه في وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارتِ الرَّوضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم. قال ابن إسحاق (١): ونزل رسولُ اللَّه ﷺ على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، وعمل فيه رسولُ اللَّه ﷺ ليرغِّب المسلمين في العمل فيه؛ فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين: [من الرجز] لئنْ قَعدْنا والنبيُّ يعمَلُ … لذاك منَّا العمل المَضلِّلُ وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: [من الرجز] لا عيشَ إلا عيشُ الآخرَهْ … اللهم ارحمِ الأنصارَ والمُهاجرهْ (٢) فيقول رسولُ اللَّه ﷺ : "لا عيش إلا عيشُ الآخرة، اللهم ارحمِ المهاجرينَ والأنصار". قال: فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللَّبِن فقال: يا رسول اللَّه! قتلوني، يحملون عليَّ ما لا يحملون. قالت أمُّ سلمة: فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ينفُضُ وَفْرَتَهُ بيده -وكان رجلًا جَعْدًا- وهو يقول: "وَيْحَ ابنِ سُميَّة، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئةُ الباغية". وهذا منقطعٌ من هذا الوجه، بل هو مُعْضَلٌ بين محمد بن إسحاق وبين أمِّ سلمة، وقد وصله مسلم في صحيحه (٣) من حديث شعبة عن خالد الحذَّاء عن سعيد والحسن -يعني ابني أبي الحسن البصري- عن أمِّهما خيرة مولاة أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تقتلُ عمارًا الفئةُ الباغية". ورواه (٤) من حديث ابنِ عُلَيَّة عن ابن عَوْن، عن الحسن، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لعمار وهو ينقلُ الحجارة: "ويحٌ لك يا ابنَ سُمَيَّة، تقتُلكَ الفئةُ الباغية".

стр. 1467

وقال عبد الرزاق (١): أخبرنا معمر عن (٢) الحسن يحدِّث عن أمه، عن أمِّ سلمة قالت: لما كان رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابُه يبنون المسجد، جعل أصحابُ النبيِّ ﷺ يحمل كلُّ واحدٍ لَبِنةً لَبِنة، وعمار يحمل لَبِنتَيْن، لبنةً عَنه ولبنةً عن النبيِّ ﷺ فمسح ظهره (٣). وقال "ابنَ سُميَّة، للناسِ أجْر، ولك أجْرَان، وآخر زادِكَ شربةً من لبن، وتقتُلك الفئةُ الباغية". وهذا إسنادٌ على شرط الصحيحَيْن (٤). وقد أورد البيهقي (٥) وغيرُه من طريق جماعةٍ عن خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: كنا نحملُ في بناءَ المسجد لبنةً لبنة، وعمار يحمل لبنتَيْن لبنتَيْن، فرآه النبيُّ ﷺ ، فجعل ينفُض الترابَ عنه ويقول: "وَيْحَ عمار تقتلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار" قال: يقول عمار: أعوذُ باللَّه من الفِتَن. لكن روى هذا الحديث الإمامُ البخاري (٦) عن مُسَدَّد، عن عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذَّاء؛ وعن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهَّاب الثقفي، عن خالد الحذَّاء به؛ إلا أنه لم يذكر قوله "تقتلك الفئة الباغية" (٧).

стр. 1468

قال البيهقي (١): وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم (٢) من طريق عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد قال: أخبرَني مَنْ هو خيرٌ مني أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لعمار حين جعل يحفرُ الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: "بُؤْسَ ابنِ سُمَيَّة تقتُلكَ فئةٌ باغية". وقد رواه مسلمٌ أيضا (٣) من حديث شعبة عن أبي مَسْلَمة (٤)، عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد، قال: حدَّثني مَنْ هو خيرٌ منِّي -أبو قتادة- أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لعمارِ بن ياسر: "بؤسًا لك يا ابنَ سُمَيَّة تقتلك الفئة الباغية". وقال أبو داود الطَّيالسي (٥): حدَّثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لما حفر الخندق كان الناسُ يحملون لَبنةً لَبنة، وعمار -ناقِهٌ من وَجَعٍ كانَ به- فجعل يحملُ لبنتَيْن لبنتَيْن. قال أبو سعيد: فحدَّثني أصحابي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان ينفضُ الترابَ عن رأسه ويقول: "وَيْحَك ابنَ سُميَّة تقتلك الفئةُ الباغية". قال البيهقي (٦): فقد فرَّق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه. قال ويُشبه أن يكون قولُه الخندق وَهْمًا، أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق. واللَّه أعلم. قلت: حَمْلُ اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل واللَّه أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلواتُ اللَّه وسلامه عليه عن عمَّار أنه تقتُله الفئةُ الباغية، وقد قتله أهلُ

стр. 1469

الشام في وقعة صِفِّين وعمَّار مع علي وأهلِ العراق كما سيأتي بيانُه وتفصيلُه في موضعه. وقد كان عليٌّ أحقَّ بالأمر من معاوية. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بُغاةً تكفيرُهم كما يحاولُه جهلَةُ الفرقة الضالَّة من الشِّيعة وغيرهم، لأنهم وإنْ كانوا بغاةً في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطَوْه من القتال وليس كلُّ مجتهدٍ مصيبًا، بل المصيبُ له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - (لا أنالها اللَّه شفاعتي يوم القيامة) - فقد افترى في هذه الزيادة على رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنه لم يقلْها إذ لم تُنقل من طريقٍ تُقبل. واللَّه أعلم. وأما قولُه: يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإنَّ عمارًا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الأُلفة واجتماع الكلمة. وأهلُ الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون مَنْ هو أحقُّ به، وأن يكون الناسُ أوزاعًا على كلِّ قُطْرٍ إمامٌ برأسه، وهذا يؤدِّي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة، فهو لازمُ مذهبهم وناشئٌ عن مسلكهم، وإنْ كانوا لا يقصدونه. واللَّه أعلم. وسيأتي تقريرُ هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعةِ صفين من كتابنا هذا بحول اللَّه وفوته وحُسْنِ تأييده وتوفيقه، والمقصود ها هنا إنما هو قصة بناء المسجدِ النبوي على بانيه أفضل الصلاة والتسليم. وقد قال الحافظ البيهقي في "الدلائل" (١): حدَّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ إملاءً، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك أخبرنا حَشْرَج بن نُبَاتة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سَفينة مولى رسولِ اللَّه ﷺ ، قال: [لما بنى رسول اللَّه ﷺ المسجد] جاء أبو بكر بحجرٍ فوضعه، ثم جاء عثمان بحجرٍ فوضعه، ثم جاء عمر بحجرٍ فوضعه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هؤلاء ولاةُ الأمْرِ بعدي". ثم رواه (١) من حديث يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، عن حَشْرَج، عن سعيد، عن سَفينة. قال: لما بنى رسولُ اللَّه ﷺ المسجد وضع حجرًا. ثم قال: "ليضعْ أبو بكر حجرًا إلى جنب حجري، ثم ليضعْ عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمانُ حجره إلى جنب حجر عمر" فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هؤلاء الخلفاء من بعدي". وهذا الحديث بهذا السياق غريبٌ جدًا. والمعروف ما رواه الإمامُ أحمد (٢) عن أبي النَّضْر، عن حَشْرَج بن نُباتة العبسي؛ وعن بَهْز وزيد بن الحُبَاب؛ وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جُمْهان عن سفينة قال سمعت رسولَ اللَّه يقول: "الخلافة ثلاثون عامًا، ثم يكون من بعد ذلك المُلك" ثم قال سفينة: أمسك؛ خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتا عشر سنة، وخلافة علي ست سنين.

стр. 1470

هذا لفظ أحمد، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (١) من طرق عن سعيد بن جُمْهَان، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكًا عَضُوضًا" وذكر بقيته. قلت: ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بني مِنْبَرٌ يخطب الناس عليه، بل كان النبيُّ ﷺ يخطب الناس وهو مستند إلى جِذْعٍ عند مصلاهُ في الحائط القبلي، فلما اتُّخذ له ﵇ المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل إليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجِذْع خار ذلك الجذعُ وحَنَّ حنين النُّوق العِشَار لما كان يسمع من خُطَب الرسولِ ﵇ عنده، فرجع إليه النبي ﷺ فاحتضَنَهُ حتى سكن كما يسكنُ المولودُ الذي يسكت، كما سيأتي تفصيل ذلك من طرقٍ (٢) عن سهل بن سعدِ الساعدي، وجابر بن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وأنس بن مالك، وأمِّ سلمة ﵃. وما أحسن ما قال الحسنُ البصري: بعدَ ما روَى هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين، الخشبة تحنُّ إلى رسول اللَّه ﷺ شوقًا إليه، أو ليس الرجالُ الذين يرجونَ لقاءه أحقُّ أن يشتاقوا إليه؟! تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا يحيى، عن (٤) أنيس بن أبي يحيى، حدَّثني أبي قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخُدْرِيَّ قال: اختلف رجلانِ: رجلٌ من بني خُدْرَة، ورجلٌ من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال الخدري: هو مسجدُ رسولِ اللَّه ﷺ وقال العَمْرِي هو مسجدُ قُبَاء، فأتَيَا رسولَ اللَّه ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: "هو هذا المسجد" لمسجدِ رسول اللَّه ﷺ وقال: "في ذلك خيرٌ كثير" يعني مسجدَ قُباء. ورواه الترمذي (٥) عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به، وقال: حسنٌ صحيح. وروى الإمام أحمد (٦) عن إسحاق بن عيسى، عن الليث بن سعد، والترمذي والنسائي (٧) جميعًا عن

стр. 1471

قتيبة عن الليث عن عمرانَ بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، قال: تمارى رجلانِ في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى؛ وذكر نحو ما تقدَّم. وفي صحيح مسلم (١) من حديث حُميد الخرَّاط عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن، أنه سأل عبد الرحمن ابن أبي سعيد: كيف سمعتَ أباك يقول في المسجد الذي أُسِّس على التقوى؟ فقال: قال أبي: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسِّسَ على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حَصْبَاء، فضربَ بهِ الأرض، ثم قال: "هو مَسْجِدُكم هذا". وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التَيْمي (٣) عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد قال: اختلف رجلانِ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجدُ رسولِ اللَّه ﷺ وقال الآخر: هو مسجد قُباء، فأتَيَا رسولَ اللَّه ﷺ فسألاه فقال: "هو مسجدي هذا". وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أُبَيِّ بن كعب، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المسجد الذي أُسِّس على التقوى مسجدي هذا". فهذه طرقٌ متعدِّدة لعلها تقرِّب من إفادة القَطْع بأنه مسجدُ الرسولِ ﷺ ، وإلى هذا ذهب عمر وابنُه عبد اللَّه، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المُسَيِّب، واختاره ابنُ جرير. وقال آخرون: لا منافاة بين نزولِ الآية في مسجدِ قُباء كما تقدَّم بيانُه، وبين هذه الأحاديث، لأن هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك، لأنَّ هذا أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ الرِّحالُ إليها كما ثبت في الصحيحَيْن (٥) من حديث أبي هريرة قال قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". وفي صحيح مسلم (٦) عن أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد" وذكرها.

стр. 1472

وثبت في الصحيحَيْن (١) أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحَرَام". وفي مسند الإمام أحمد (٢) بإسناد حسن زيادةٌ حسنة وهي قوله "فإن ذلك أفضل". وفي الصحيحَيْن (٣) من حديث يحيى القطَّان، عن خُبَيْب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ بيتي ومنبري رَوْضَةٌ من رياضِ الجنَّة، ومنبري على حَوْضي". والأحاديثُ في فضائل هذا المسجدِ الشريف كثيرةٌ جدًا، وسنوردُها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إنْ شاء اللَّه، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان ولا حَوْلَ ولا قوةَ إلا باللَّه العزيز الحكيم. وقد ذهب الإمامُ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ مسجدَ المدينة أفضلُ من المسجد الحرام، لأنَّ ذاك بناهُ إبراهيم، وهذا بناه محمدٌ ﷺ ، ومعلومٌ أن محمدًا أفضلُ من إبراهيمَ ﵇. وقد ذهب الجمهورُ إلى خلاف ذلك، وقرَّروا أنَّ المسجد الحرام أفضلُ لأنه في بلدٍ حرَّمَهُ اللَّه يوم خلق السماواتِ والأرض، وحرَّمه إبراهيمُ الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، ولبَسْط هذه المسألة موضعٌ آخر وباللَّه المستعان. فصل وبُني لرسولِ اللَّه ﷺ حول مسجده الشريف حُجَرٌ لتكون مساكنَ له ولأهله، وكانتْ مساكنَ قصيرةَ البناء قريبةَ الفِناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري -وكان غلامًا مع أمه خيرة مولاة أمِّ سَلَمة- لقد كنتُ أنالُ أطولَ سقفٍ في حُجَرِ النبيِّ ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلًا ضَخْما طُوَالا ﵀. وقال السُّهيلي في "الرَّوض" (٤): كانت مساكنُه ﵇ مبنيَّةً من جَريد عليه طين، وبعضها من حجارةٍ مرضومة (٥) وسقوفها كلُّها من جَريد. ثم (٦) حكَى عن الحسن البصري ما تقدَّم.

стр. 1473

قال: وكانتْ حُجَرُه [أكسيةً] من شعرٍ مربوطةٍ بخشب من عَرْعَر (١). قال (٢): وفي تاريخ البخاري أنَّ بابه ﵇ كان يُقْرَع بالأظافير، فدلَّ على أنه لم يكن لأبوابه حَلَق. قال: وقد أُضيفت الحُجَر كلُّها بعد موت أزواج رسولِ اللَّه ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابنُ جَرير وغيرهما (٣): ولما رجع عبد اللَّه بن أُريقط الدُّئَلي إلى مكة بعث معه رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر زيدَ بن حارثة وأبا رافع موليا رسولِ اللَّه ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحِمْلَيْن وخمسمئة درهم ليشتروا بها إبلًا من قُدَيد؛ فذهبوا فجاؤوا ببنتي النبيِّ ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتَيْه سودةَ وعائشةَ، وأمِّها أمِّ رُومان وأهلِ النبيِّ ﷺ وآلِ أبي بكر صحبةَ عبد اللَّه بن أبي بكر، وقد شَرَّدَ بعائشة وأمِّها أمِّ رُومان الجمَلُ في أثناء الطريق، فجعلتْ أمُّ رُومان تقول: واعروساه! وابنتاه! قالت عائشة: فسمعتُ قائلًا يقول: أرسلي خِطامَه، فأرسلتْ خطامه فوقف بإذن اللَّه وسلَّمَنا اللَّه . فقَدِموا فنزلوا بالسُّنْح (٤). ثم دخل رسولُ اللَّه ﷺ بعائشةَ في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمتْ معهم أسماءُ بنتُ أبي بكر امرأةُ الزبيرِ بن العوَّام وهي حاملٌ مُتمٌّ بعبد اللَّه بن الزُّبير كما سيأتي بيانُه في موضعه من آخر هذه السنة. فصل فيما أصابَ المهاجرين من حُمَّى المدينة ﵃ أجمعين وقد سلم الرسول منها بحول اللَّه وقوته ودعا اللَّه فأزاحها عن مدينته. قال البخاري (٥): حدَّثنا عبد اللَّه بن يوسف (٦)، ثنا مالك عن (٧) هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسولُ للَّه ﷺ المدينة وُعِكَ (٨) أبو بكرٍ وبلال، قالت: فدخلتُ عليهما فقلت: يا أبةِ كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمَّى يقول: [من الرجز] كُلُّ امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ (٩) … والموتُ أدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ

стр. 1474

وكان بلال إذا أقلع عنه الحُمَّى يرفع عَقِيرَتَهُ ويقول: [من الطويل] ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتَنَّ ليلةً … بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجليلُ (١) وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجنَّةٍ … وهل يَبْدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفيلُ (٢) قالت عائشة: فجئتُ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرتُه فقال: "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أشدّ، وصحِّحْهَا، وباركْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفة". ورواه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن هشام مختصرًا. وفي رواية البخاري (٤) له عن أبي سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكره، وزاد بعد شعرِ بلال: ثم يقول بلال: اللهمَّ الْعَنْ عُتبةَ بن ربيعة، وشيبةَ بن ربيعة، وأُميَّة بن خَلَف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوَبَاء. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكةَ أو أشدّ، اللهمَّ بارِكْ لنا في صاعِها وفي مُدِّها (٥) وصحِّحها لنا، وانقُلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَة" قالت: وقدمنا المدينة وهي أوْبأ أرضِ اللَّه، وكان بُطْحانُ يجري نَجْلًا (٦) -تعني ماءً آجنًا-. وقال زياد عن محمد بن إسحاق (٧): حدثني هشام بن عروة وعمر (٨) بن عبد اللَّه بن عروة [عن عروة] بن الزبير عن عائشة قالت: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة قدمها وهي أوْبأ أرض اللَّه من الحُمَّى فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسُقْم، وصرف اللَّه ذلك عن نبيِّه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فُهَيرة وبلال موليا أبي بكر في بيتٍ واحد، فأصابَتْهُمُ الحُمَّى، فدخلتُ عليهم أعودهم وذلك قبل أن يُضرب علينا الحِجَاب، وبهم ما لا يعلمه إلا اللَّه من شدَّةِ الوَعْك، فدنَوْتُ من أبي بكرٍ فقلت: كيف تَجِدُك يا أبة؟ فقال: [من الرجز] كلُّ امرئٍ مصبِّحٌ في أهلِهِ … والموتُ أدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ

стр. 1475

قالت: فقلت: واللَّه ما يَدْري أبي ما يقولُ. قالت: ثم دنوتُ إلى عامر بن فُهيرة فقلت: كيف تَجِدُك يا عامر؟ قال: [من الرجز] لقد وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِهِ … إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ من فَوْقِهِ كلُّ امرئٍ مجاهدٌ بطَوْقِهِ … كالثورِ يَحْمي جِلدَهُ بِرَوْقِهِ (١) قالت: فقلت: واللَّه ما يدري عامرٌ ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أدركته الحُمَّى اضْطَجَعَ بفِناءِ البيت ثم رفع عَقِيرَتَه فقال: [من الطويل] ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً … بفَخٍّ وحَوْلي إذْخِرٌ وجَليلُ (٢) وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ … وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيلُ قالت عائشة: فذكرتُ لرسولِ اللَّه ﷺ ما سمعتُ منهم وقلت: إنهم ليَهْذُونَ وما يعقلون من شِدَّةِ الحُمَّى. فقال: "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة، كما حَبَّبْتَ إلينا مكة أو أشدّ، وباركْ لنا في مُدِّها وصاعها، وانقُلْ وباءَها إلى مَهْيَعَة" ومَهْيَعة هي الجُحْفَة. وقال الإمامُ أحمد (٣): حدَّثنا يونس، حدثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي بكر بن إسحاق بن يسار، عن عبد اللَّه بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة اشتكى أصحابُه واشتكى أبو بكر وعامرُ بن فُهيرة مولى أبي بكر وبلال، فاستأذنتْ عائشةُ رسولَ اللَّه ﷺ في عيادتهم فأذن لها، فقالت لأبي بكر: كيف تجدك؟ فقال: [من الرجز] كلُّ امرئٍ مصبِّحٌ في أهلِهِ … والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِهِ وسألت عامرًا فقال: [من الرجز] إني وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِهِ … إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ من فَوْقِهِ وسألتُ بلالًا فقال: [من الطويل] يا ليتَ شعري هل أبيتَنَّ ليلةً … بفَخٍّ وحولي إذْخِرٌ وجَليلُ (٤) فأتَتِ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرَتْه، فنظر إلى السماء وقال: "اللهم حَبِّبْ إلينا المدينة كما حبَّبْتَ إلينا مكة أو أشدّ، اللهم باركْ لنا في صاعها وفي مُدِّها، وانقُلْ وباءها إلى مَهْيَعَة". وهي الجُحْفَة فيما زعموا.
следующие страницы →