← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

قتيبة عن الليث عن عمرانَ بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، قال: تمارى رجلانِ في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى؛ وذكر نحو ما تقدَّم. وفي صحيح مسلم (١) من حديث حُميد الخرَّاط عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن، أنه سأل عبد الرحمن ابن أبي سعيد: كيف سمعتَ أباك يقول في المسجد الذي أُسِّس على التقوى؟ فقال: قال أبي: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فسألته عن المسجد الذي أسِّسَ على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حَصْبَاء، فضربَ بهِ الأرض، ثم قال: "هو مَسْجِدُكم هذا". وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التَيْمي (٣) عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد قال: اختلف رجلانِ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجدُ رسولِ اللَّه ﷺ وقال الآخر: هو مسجد قُباء، فأتَيَا رسولَ اللَّه ﷺ فسألاه فقال: "هو مسجدي هذا". وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أُبَيِّ بن كعب، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المسجد الذي أُسِّس على التقوى مسجدي هذا". فهذه طرقٌ متعدِّدة لعلها تقرِّب من إفادة القَطْع بأنه مسجدُ الرسولِ ﷺ ، وإلى هذا ذهب عمر وابنُه عبد اللَّه، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المُسَيِّب، واختاره ابنُ جرير. وقال آخرون: لا منافاة بين نزولِ الآية في مسجدِ قُباء كما تقدَّم بيانُه، وبين هذه الأحاديث، لأن هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك، لأنَّ هذا أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ الرِّحالُ إليها كما ثبت في الصحيحَيْن (٥) من حديث أبي هريرة قال قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". وفي صحيح مسلم (٦) عن أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد" وذكرها.

стр. 1472

وثبت في الصحيحَيْن (١) أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحَرَام". وفي مسند الإمام أحمد (٢) بإسناد حسن زيادةٌ حسنة وهي قوله "فإن ذلك أفضل". وفي الصحيحَيْن (٣) من حديث يحيى القطَّان، عن خُبَيْب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ بيتي ومنبري رَوْضَةٌ من رياضِ الجنَّة، ومنبري على حَوْضي". والأحاديثُ في فضائل هذا المسجدِ الشريف كثيرةٌ جدًا، وسنوردُها في كتاب المناسك من كتاب الأحكام الكبير إنْ شاء اللَّه، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان ولا حَوْلَ ولا قوةَ إلا باللَّه العزيز الحكيم. وقد ذهب الإمامُ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ مسجدَ المدينة أفضلُ من المسجد الحرام، لأنَّ ذاك بناهُ إبراهيم، وهذا بناه محمدٌ ﷺ ، ومعلومٌ أن محمدًا أفضلُ من إبراهيمَ ﵇. وقد ذهب الجمهورُ إلى خلاف ذلك، وقرَّروا أنَّ المسجد الحرام أفضلُ لأنه في بلدٍ حرَّمَهُ اللَّه يوم خلق السماواتِ والأرض، وحرَّمه إبراهيمُ الخليل ﵇، ومحمد خاتم المرسلين فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، ولبَسْط هذه المسألة موضعٌ آخر وباللَّه المستعان. فصل وبُني لرسولِ اللَّه ﷺ حول مسجده الشريف حُجَرٌ لتكون مساكنَ له ولأهله، وكانتْ مساكنَ قصيرةَ البناء قريبةَ الفِناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري -وكان غلامًا مع أمه خيرة مولاة أمِّ سَلَمة- لقد كنتُ أنالُ أطولَ سقفٍ في حُجَرِ النبيِّ ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلًا ضَخْما طُوَالا ﵀. وقال السُّهيلي في "الرَّوض" (٤): كانت مساكنُه ﵇ مبنيَّةً من جَريد عليه طين، وبعضها من حجارةٍ مرضومة (٥) وسقوفها كلُّها من جَريد. ثم (٦) حكَى عن الحسن البصري ما تقدَّم.

стр. 1473

قال: وكانتْ حُجَرُه [أكسيةً] من شعرٍ مربوطةٍ بخشب من عَرْعَر (١). قال (٢): وفي تاريخ البخاري أنَّ بابه ﵇ كان يُقْرَع بالأظافير، فدلَّ على أنه لم يكن لأبوابه حَلَق. قال: وقد أُضيفت الحُجَر كلُّها بعد موت أزواج رسولِ اللَّه ﷺ إلى المسجد. قال الواقدي وابنُ جَرير وغيرهما (٣): ولما رجع عبد اللَّه بن أُريقط الدُّئَلي إلى مكة بعث معه رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر زيدَ بن حارثة وأبا رافع موليا رسولِ اللَّه ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحِمْلَيْن وخمسمئة درهم ليشتروا بها إبلًا من قُدَيد؛ فذهبوا فجاؤوا ببنتي النبيِّ ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتَيْه سودةَ وعائشةَ، وأمِّها أمِّ رُومان وأهلِ النبيِّ ﷺ وآلِ أبي بكر صحبةَ عبد اللَّه بن أبي بكر، وقد شَرَّدَ بعائشة وأمِّها أمِّ رُومان الجمَلُ في أثناء الطريق، فجعلتْ أمُّ رُومان تقول: واعروساه! وابنتاه! قالت عائشة: فسمعتُ قائلًا يقول: أرسلي خِطامَه، فأرسلتْ خطامه فوقف بإذن اللَّه وسلَّمَنا اللَّه . فقَدِموا فنزلوا بالسُّنْح (٤). ثم دخل رسولُ اللَّه ﷺ بعائشةَ في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي، وقدمتْ معهم أسماءُ بنتُ أبي بكر امرأةُ الزبيرِ بن العوَّام وهي حاملٌ مُتمٌّ بعبد اللَّه بن الزُّبير كما سيأتي بيانُه في موضعه من آخر هذه السنة. فصل فيما أصابَ المهاجرين من حُمَّى المدينة ﵃ أجمعين وقد سلم الرسول منها بحول اللَّه وقوته ودعا اللَّه فأزاحها عن مدينته. قال البخاري (٥): حدَّثنا عبد اللَّه بن يوسف (٦)، ثنا مالك عن (٧) هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسولُ للَّه ﷺ المدينة وُعِكَ (٨) أبو بكرٍ وبلال، قالت: فدخلتُ عليهما فقلت: يا أبةِ كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمَّى يقول: [من الرجز] كُلُّ امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ (٩) … والموتُ أدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ

стр. 1474

وكان بلال إذا أقلع عنه الحُمَّى يرفع عَقِيرَتَهُ ويقول: [من الطويل] ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتَنَّ ليلةً … بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجليلُ (١) وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجنَّةٍ … وهل يَبْدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفيلُ (٢) قالت عائشة: فجئتُ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرتُه فقال: "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أشدّ، وصحِّحْهَا، وباركْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفة". ورواه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن هشام مختصرًا. وفي رواية البخاري (٤) له عن أبي سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكره، وزاد بعد شعرِ بلال: ثم يقول بلال: اللهمَّ الْعَنْ عُتبةَ بن ربيعة، وشيبةَ بن ربيعة، وأُميَّة بن خَلَف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوَبَاء. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكةَ أو أشدّ، اللهمَّ بارِكْ لنا في صاعِها وفي مُدِّها (٥) وصحِّحها لنا، وانقُلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَة" قالت: وقدمنا المدينة وهي أوْبأ أرضِ اللَّه، وكان بُطْحانُ يجري نَجْلًا (٦) -تعني ماءً آجنًا-. وقال زياد عن محمد بن إسحاق (٧): حدثني هشام بن عروة وعمر (٨) بن عبد اللَّه بن عروة [عن عروة] بن الزبير عن عائشة قالت: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة قدمها وهي أوْبأ أرض اللَّه من الحُمَّى فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسُقْم، وصرف اللَّه ذلك عن نبيِّه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فُهَيرة وبلال موليا أبي بكر في بيتٍ واحد، فأصابَتْهُمُ الحُمَّى، فدخلتُ عليهم أعودهم وذلك قبل أن يُضرب علينا الحِجَاب، وبهم ما لا يعلمه إلا اللَّه من شدَّةِ الوَعْك، فدنَوْتُ من أبي بكرٍ فقلت: كيف تَجِدُك يا أبة؟ فقال: [من الرجز] كلُّ امرئٍ مصبِّحٌ في أهلِهِ … والموتُ أدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ

стр. 1475

قالت: فقلت: واللَّه ما يَدْري أبي ما يقولُ. قالت: ثم دنوتُ إلى عامر بن فُهيرة فقلت: كيف تَجِدُك يا عامر؟ قال: [من الرجز] لقد وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِهِ … إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ من فَوْقِهِ كلُّ امرئٍ مجاهدٌ بطَوْقِهِ … كالثورِ يَحْمي جِلدَهُ بِرَوْقِهِ (١) قالت: فقلت: واللَّه ما يدري عامرٌ ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أدركته الحُمَّى اضْطَجَعَ بفِناءِ البيت ثم رفع عَقِيرَتَه فقال: [من الطويل] ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً … بفَخٍّ وحَوْلي إذْخِرٌ وجَليلُ (٢) وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ … وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيلُ قالت عائشة: فذكرتُ لرسولِ اللَّه ﷺ ما سمعتُ منهم وقلت: إنهم ليَهْذُونَ وما يعقلون من شِدَّةِ الحُمَّى. فقال: "اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة، كما حَبَّبْتَ إلينا مكة أو أشدّ، وباركْ لنا في مُدِّها وصاعها، وانقُلْ وباءَها إلى مَهْيَعَة" ومَهْيَعة هي الجُحْفَة. وقال الإمامُ أحمد (٣): حدَّثنا يونس، حدثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي بكر بن إسحاق بن يسار، عن عبد اللَّه بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: لما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة اشتكى أصحابُه واشتكى أبو بكر وعامرُ بن فُهيرة مولى أبي بكر وبلال، فاستأذنتْ عائشةُ رسولَ اللَّه ﷺ في عيادتهم فأذن لها، فقالت لأبي بكر: كيف تجدك؟ فقال: [من الرجز] كلُّ امرئٍ مصبِّحٌ في أهلِهِ … والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِهِ وسألت عامرًا فقال: [من الرجز] إني وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِهِ … إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ من فَوْقِهِ وسألتُ بلالًا فقال: [من الطويل] يا ليتَ شعري هل أبيتَنَّ ليلةً … بفَخٍّ وحولي إذْخِرٌ وجَليلُ (٤) فأتَتِ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرَتْه، فنظر إلى السماء وقال: "اللهم حَبِّبْ إلينا المدينة كما حبَّبْتَ إلينا مكة أو أشدّ، اللهم باركْ لنا في صاعها وفي مُدِّها، وانقُلْ وباءها إلى مَهْيَعَة". وهي الجُحْفَة فيما زعموا.

стр. 1476

وكذا رواه النَّسائي عن قُتيبة عن الليث به (١). ورواهُ الإمام أحمد (٢) من طريق عبد الرحمن بن الحارث عنها مثله. وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس الأصمّ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينةَ وهي أوْبأ أرضِ اللَّه، وواديها بُطحان نَجْل. قال هشام: وكان وباؤها معروفًا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وَبِيئًا فأشرف عليها (٤) الإنسان قيل له أن ينهقَ نَهيقَ الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضرَّهُ وباءُ ذلك الوادي. وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة: [من الطويل] لعمري لئنْ عَشَّرْتُ (٥) من خيفةِ الرَّدَى … نهيقَ الحمارِ إنني لَجزوعُ وروى البخاري (٦) من حديث موسى بن عُقْبة، عن سالم، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "رأيتُ كأنَّ امرأةً سوداءَ ثائرةَ الرأس، خرجَتْ من المدينة حتى قامت بمَهْيَعَة -وهي الجُحْفَة- فأولتُها أنَّ وباءَ المدينة نُقل إلى مَهْيَعَة -وهي الجُحْفَة-". هذا لفظ البخاري ولم يخرِّجْه مسلم، ورواه الترمذي وصحَّحه، والنَّسائي وابنُ ماجَه (٧) من حديث موسى بن عقبة. وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، [عن أبيه]، عن عائشة قالت: قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة وهي وبيئة (٨)، فذكر الحديث بطوله إلى قوله: "وانقل حُمَّاها إلى الجُحْفَة". قال هشام: فكان المولود يولد بالجُحْفَة فلا يبلغُ الحلم حتى تصرَعَهُ الحُمّى. رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٩).

стр. 1477

وقال يونس عن ابن إسحاق: قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة وهي وبيئة (١)، فأصاب أصحابَهُ بها بلاءٌ وسُقْم حتى أجهدهم ذلك، وصرف اللَّه ذلك عن نبيِّه ﷺ . وقد ثبت في الصحيحَيْن (٢) عن ابن عباس قال: قدم رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابه [صبيحة رابعة -يعني مكة- عام عمرة القضاء] (٣)، فقال المشركون: إنه يقدمُ عليكم وَفْدٌ قد وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِب؛ فأمرهم رسولُ اللَّه ﷺ أن يَرْمُلوا وأن يمشوا ما بين الرُّكْنَيْن، ولم يمنَعْهُ أن يرملوا الأشواطَ كلها إلا الإبقاءُ عليهم. قلت: وعمرة القضاء كانت في سنةِ سبعٍ في ذي القَعْدَة، فإما أن يكون تأخَّر دعاؤه ﵇ بنقل الوباء إلى قريب من ذلك، أو أنه رُفع وبقي آثَارٌ منه قليل. أو أنهم بَقُوا في خُمَارِ ما كان أصابهم من ذلك إلى تلك المُدَّة. اللَّه أعلم. وقال زياد عن ابن إسحاق (٤): وذكر ابنُ شهاب الزُّهري عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابُه أصابَتْهُمُ حُمَّى المدينة حتى جهدوا مرضًا، وصرف اللَّه ذلك عن نبيِّهِ ﷺ حتى كانوا وما يصلُّون إلا وهم قعود، قال فخرج رسولُ اللَّه ﷺ وهم يصلُّون كذلك فقال لهم: "اعلموا أنَّ صلاة القاعد على النِّصْفِ من صلاة القائم". فتجشَّمَ المسلمونَ القيامَ على ما بهم من الضعف والسُّقْم التماسَ الفَضْل. فصل في عقده عليه الصلاة السلام الألْفَة بين المهاجرين والأنصار بالكتاب الذي أمر به فكتب بينهم والمؤاخاة التي أمرهم بها وقرَّرهم عليها وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة وكان بها من أحياء اليهود بنو قَيْنُقَاع وبنو النَّضِير وبنو قُرَيظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام بُخْت نَصَّر حين دوَّخ بلادَ المَقْدِس فيما ذكره الطَّبَري (٥). ثم لما كان سيل العرم وتفرَّقَتْ سَبَأ شَذَر مَذَر نزل الأوسُ والخزرج المدينةَ عند اليهود، فحالفوهم وصاروا يتشبَّهون بهم لما يرَوْن لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء، لكن مَنَّ اللَّه على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والإسلام وخَذَلَ أولئك لحسَدهم وبَغْيهم واستكبارهم عن اتِّباع الحقّ.

стр. 1478

وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عفَّان، حدثنا حمَّاد بنُ سَلَمة، حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك، قال: حالَفَ رسولُ اللَّه ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارِ أنس بن مالك. وقد رواه الإمام أحمد أيضًا والبخاري ومسلم وأبو داود (٢) من طُرقٍ متعدِّدة عن عاصم بن سليمان الأحول عن أنس بن مالك، قال: حالف رسولُ اللَّه ﷺ بين قريش والأنصار في داري. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا نصر بن باب، عن حجاج -هو ابنُ أرطاة- قال: وحدَّثنا سُريج، حدثنا عبَّاد عن حجَّاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار أن يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُم (٤)، وأن يَفْدوا عانِيَهُم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين. قال أحمد: وحدَّثنا سُريج، حدثنا عبَّاد عن حجَّاج، عن الحكم عن مِقْسَم (٥) عن ابن عباس مثله. تفرَّد به الإمام أحمد. وفي صحيح مسلم (٦) عن جابر: كتب رسولُ اللَّه ﷺ على كل بَطْنٍ عُقُولَة (٧). وقال محمد بن إسحاق (٨): كتب رسول اللَّه ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادَعَ فيه اليهود وعاهدهم، وأقرَّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم "هذا كتابٌ من محمد النبيِّ ﷺ (٩) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويَثْرِب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أُمَّةٌ واحدةٌ من دون الناس، المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم، يتعاقَلُونَ بينهم وهم يَفْدُونَ عانِيَهُمْ بالمعروف والقِسط، وبنو عوف على رِبْعَتِهم يتعاقلون مَعَاقِلهُم الأولى، وكلُّ طائفة تَفْدي عانِيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين.

стр. 1479

ثم ذكر كلَّ بَطْنٍ من بطونِ الأنصار، وأهلَ كلِّ دارِ بني ساعدة، وبني جُشَم، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النَّبيت، إلى أن قال: وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا (١) بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فِدَاءٍ وَعَقْل (٢)، ولا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمنٍ دونه، وإن المؤمنين المتقين على مَنْ بَغَى منهم أو ابتغَى دَسِيعَة (٣) ظُلْم أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديَهُمْ عليه جميعهم ولو كان ولدَ أحدِهم، ولا يقتل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر، ولا يُنصر كافر على مؤمن، وإنَّ ذِمَّة اللَّه واحدة، يُجير عليهم أدناهم، وإنَّ المؤمنين بعضُهم مواليَ بعض دون الناس، وإنَّ مَنْ تبعنا من يهود فإنَّ له النَّصْر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرَ عليهم، وإنَّ سِلْمَ المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمنٌ دون مؤمن في قتالٍ في سبيل اللَّه إلا على سواءٍ وعَدْل بينهم؛ وإنَّ كلَّ غازيةٍ غزَتْ معنا يَعْقُبُ بعضُها بعضا (٤)، وإن المؤمنين يُبِيء (٥) بعضُهم بعضًا بما نال دماءهم في سبيل اللَّه، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هَدْي وأقْوَمِه، وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعْتَبَط (٦) مؤمنًا قَتْلًا عن بَيِّنةٍ فإنَّه قَوَدٌ به إلى أن يرضى وليُّ المقتول، وإنَّ المؤمنين عليه كافة، ولا يحلُّ لهم إلا قيامٌ عليه، وإنه لا يحل لمؤمنٍ أقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن باللَّه واليوم الآخر أن ينصر مُحدِثًا ولا يُؤويه، وأنه من نَصَره أو آواه فإنَّ عليه لعنة اللَّه وغضَبَه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صَرْفٌ ولا عَدْل؛ وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيءٍ فإنَّ مرده إلى اللَّه ، وإلى محمد ﷺ وإنَّ اليهود يتفقونَ مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإنَّ يهودَ بني عَوف أمَّة مع المؤمنين، لليهود دينُهم وللمسلمين دينُهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظَلَم وأَثِم فإنه لا يُوتِغُ (٧) إلا نفسَه وأهلَ بيته، وإنَّ ليهود بني النجَّار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جُشَم وبني الأوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشطنة (٨) مثل ما ليهود بني عوف، وإنَّ بطَانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن

стр. 1480

محمد [ ﷺ ]، ولا يَتَحَجَّرُ (١) على ثأرٍ جُرْح، وإنه مَنْ فَتَكَ فبنفسه، إلا من ظُلم، وإن اللَّه على أثر (٢) هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتُهم، وإن بينهم النصرَ على من حارب أهلَ هذه الصحيفة، وإنَّ بينهم النصحَ والنَّصيحة والبرَّ دون الإثم، وإنَّه لم يأثم امرؤ بحَلِيفه، وإنَّ النصرَ للمظلوم، [وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين] وإنَّ يثرب حرام جَوْفُها (٣) لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَثٍ أو اشتجارٍ (٤) يُخاف فسادُه فإن مرَدَّه إلى اللَّه وإلى محمدٍ رسولِ اللَّه، وإن اللَّه على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرِّه، وإنه لا تُجارُ قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النَّصْر على مَنْ دَهِم يثرب، وإذا دُعُوا إلى صلْح يصالحونه ويَلْبَسونه فإنهم يصالحونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا مَنْ حارب في الدين على كل أناس (٥) حصَّتهم من جانبهم الذي قِبَلهم، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالمٍ أو آثم، وإنه من خرج آمنٌ، ومن قعد آمنٌ بالمدينة إلا من ظَلَم أو أثم، وإنَّ اللَّه جارٌ لمن برَّ واتَّقى". كذا أوردهُ ابنُ إسحاق بنحوه. وقد تكلَّم عليه أبو عُبيد القاسمُ بن سلام ﵀ في كتاب الغَريب وغيره (٦) بما يطول ذكره. فصل في مؤاخاة النبيِّ ﷺ بين المهاجرين والأنصار ليرتفق المهاجريُّ بالأنصاريّ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (٧) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣].

стр. 1481

قال البخاري (١): حدَّثنا الصَّلْتُ بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: وَرَثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قَدِموا المدينة يَرِثُ المهاجريُّ الأنصاريّ دونَ ذوي رَحِمه للأخوَّةِ التي آخى النبيُّ ﷺ بينهم، فلما نزلتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النَّصرِ والرِّفَادةِ والنَّصِيحة، وقد ذهب الميراثُ، ويوصي له. وقال الإمام أحمد (٢): قُرئ على سفيان، سمعتُ عاصمًا عن أنس قال: حالف النبيُّ ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال سفيان: كأنَّه يقول آخى. وقال محمد بن إسحاق (٣): وآخَى رسولُ اللَّه ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: -فيما بلغنا ونعوذ باللَّه أن نقول عليه ما لم يقل-: "تآخُوا في اللَّهِ أخوَيْنِ أخوين" ثم أخذ بيد عليِّ بن أبي طالب فقال: "هذا أخي" فكان رسولُ اللَّه ﷺ سيِّدُ المرسلين، وإمامُ المتقين، ورسولُ ربِّ العالمين، الذي ليس له خَطيرٌ (٤) ولا نَظير من العباد، وعليُّ بن أبي طالب أخوَينِ؛ وكان حمزةُ بنُ عبد المطلب أسَدُ اللَّه وأسدُ رسولِه وعمُّ رسولِ اللَّه ﷺ وزيدُ بن حارثة مولى رسولِ اللَّه ﷺ أخوَيْن، وإليه أوْصَى حمزةُ يومَ أُحُدٍ [حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت]؛ وجعفرُ بن أبي طالب ذو الجناحَيْنِ [الطيَّار في الجنة] ومُعاذُ بن جَبَل أخوَيْن -قال ابنُ هشام: كان جعفر يومئذٍ غائبًا بأرضِ الحبشة- قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر، وخارجةُ بن زيد الخزرجي أخوَيْن؛ وعمر بن الخطاب، وعِتْبان بن مالك أخوَيْنَ؛ وأبو عبيدة، وسعد بن معاذ أخوين؛ وعبدُ الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع أخوين؛ والزبير بن العوَّام، وسلَمَةُ بنُ سَلامة بن وَقْش أخَوَيْن، ويقال: بل كان الزُّبير وعبدُ اللَّه بن مسعود أخَوْين؛ وعثمانُ بن عفان، وأوس بن ثابت بن المنذر النجَّاري أخوين؛ وطلحة بن عُبيد اللَّه، وكعب بن مالك أخوَيْن؛ وسعيد بن زيد، وأُبَيُّ بن كعب أخَوَين؛ ومُصْعَب بن عُمير، وأبو أيُّوب أخَوَيْن؛ وأبو حُذَيْفة بن عتبة، وعبَّاد بن بِشْر أخوَين؛ وعمَّار، وحُذيفة بن اليَمَان العَبْسي حليف بني عبدِ الأشْهَل أخوين؛ ويقال: بل كان عمَّار وثابت بن قيس بن شمَّاس أخوَيْن. قلت: وهذا السند (٥) من وجهين. قال: وأبو ذر بُرَيْر بن جُنَادة (٦) والمنذر بن عمرو

стр. 1482

المُعْنِقُ (١) ليموت أخَوَيْن، وحاطب بن أبي بَلْتَعة وعُويم بن ساعدة أخوَيْن؛ وسلمان، وأبو الدرداء أخوين؛ وبلال، وأبو رُوَيْحة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الخَثْعَمي ثم أحد الفَزَع (٢) أخوين. قال: فهؤلاء ممن سُمِّي لنا ممن كان رسولُ اللَّه ﷺ آخى بينهم من أصحابه ﵃. قلت: وفي بعض ما ذكره نظر؛ أمَّا مؤاخاة النبيِّ ﷺ وعلي فإنَّ من العلماء من يُنكر ذلك ويمنع صحته؛ ومستندُه في ذلك أنَّ هذه المؤاخاة إنما شُرعت لأجل ارتفاق بعضِهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاةِ النبيِّ ﷺ لأحدٍ منهم، ولا مهاجريّ لمهاجريٍّ آخر، كما ذكره من مؤاخاةِ حمزةَ وزيد بن حارثة، اللهمَّ إلا أن يكون النبيُّ ﷺ لم يجعل مصلحةَ عليٍّ إلى غيره، فإنه كان ممن يُنفق عليه رسولُ اللَّه ﷺ من صغره في حياة أبيه أبي طالب كما تقدَّم عن مجاهد وغيره. وكذلك يكونُ حمزة قد التزم بمصالحِ مولاهم زيدِ بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار. واللَّه أعلم. وهكذا ذِكْرُه لمؤاخاةِ جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر كما أشار إليه عبد الملك بن هشام، فإنَّ جعفر بن أبي طالب إنما قدِم في فتح خيبر في أول سنة سبعٍ كما سيأتي بيانُه، فكيف يؤاخي بينه وبين معاذ بن جبل أولَ مقدَمه ﵇ إلى المدينة؟ اللهم إلا أن يقال: إنه أرصد لإخوته إذا قدم حين يقدم، وقوله: وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين يخالف لما رواهُ الإمام أحمد (٣): حدثنا عبدُ الصمد، حدثنا حمَّاد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ آخى بين أبي عبيدةَ بن الجرَّاح وبين أبي طلحة. وكذا رواه مسلم (٤) منفردًا به عن حجَّاج بنِ الشَّاعِر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وهذا أصحُّ مما ذكره ابنُ إسحاق من مؤاخاةِ أبي عُبيدة وسعد بن معاذ. واللَّه أعلم. وقال البخاري (٥) باب كيف آخى النبيُّ ﷺ بين أصحابه؛ وقال عبدُ الرحمن بن عوف: آخى النبيُّ ﷺ بيني وبين سعد بن الرَّبيع لما قدِمنا المدينة. وقال أبو جُحَيْفة: آخى النبيُّ ﷺ بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء ﵄. حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن حُميد، عن أنس قال: قدم عبدُ الرحمن بن عوف فآخَى النبيُّ ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعَرَض عليه أنْ يُناصِفَه أهلَهُ وماله. فقال عبدُ الرحمن: بارك اللَّهُ لكَ في أهْلِكَ ومالك، دُلَّني على السُّوق. فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبيُّ ﷺ بعد أيام

стр. 1483

وعليه وضرٌ من صُفْرَة (١)، فقال النبيُّ ﷺ : "مَهْيَم يا عبد الرحمن؟ " (٢) قال: يا رسول اللَّه! تزوجْتُ امرأةً من الأنصار. قال: "فما سُقْتَ فيها؟ " قال: وَزْنَ نواةٍ من ذَهَب، فقال النبيُّ ﷺ : "أوْلمْ ولو بشاة". تفرَّد به من هذا الوَجْه. وقد رواهُ أيضًا في مواضعَ أخر، ومسلم من طرقٍ عن حُميد به (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت وحُميد عن أنس، أنَّ عبد الرحمن بنَ عوف قدم المدينة فآخى رسولُ اللَّه ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أي أخي أنا أكثرُ أهلِ المدينة مالًا، فانظُرْ شَطْرَ مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظُرْ أيُّهما أعجبُ إليك حتى أُطَلِّقها. فقال عبدُ الرحمن: بارَكَ اللَّهُ لك في أهلك ومالك، دُلُّوني على السُّوق. فدلُّوه، فذهب فاشترى وباعَ فربح، فجاء بشيءٍ من أقطٍ وسَمن؛ ثم لبث ما شاء اللَّه أنْ يَلْبَث فجاء وعليه رَدْعُ زَعْفَران (٥) فقال رسول اللَّه ﷺ : "مَهْيَمْ؟ " فقال: يا رسول اللَّه! تزوجتُ امرأةً، قال: "ما أصدقتَها؟ " قال: وزنَ نَوَاةٍ من ذهب. قال: "أوْلِمْ ولو بشاة". قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوتُ أن أصيبَ ذهبًا وفضة (٦). وتعليقُ البخاري هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف غريبٌ، فإنه لا يُعرَفُ مسندًا (٧) إلا عن أنس اللهم إلا أن يكون أنس تلقَّاه عنه. فاللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا يزيد، أخبرنا حُميد عن أنس، قال: قال المهاجرون: يا رسول اللَّه! ما رأينا مثل قومٍ قدِمْنا عليهم أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسنَ بَذْلًا من (٩) كثير! لقد كفوْنا المؤونة

стр. 1484

وأشركونا في المَهْنأ، حتى لقد خشينا (١) أن يذهبوا بالأجر كُلِّه. قال: "لا! ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللَّه لهم". هذا حديثٌ ثلاثيُّ الإسناد على سْرط الصحيحَيْن ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وهو ثابتٌ في الصحيح من (٢). وقال البخاري (٣): أخبرنا الحكم بن نافع أخبرنا شُعيب، حدثنا أبو الزِّنَاد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار [للنبيِّ ﷺ ]: اقْسِمْ بيننا وبين إخواننا النَّخيل. قال: "لا" قالوا: تكفونَنا المؤونة (٤) ونَشْرَكُكُم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسولُ اللَّه ﷺ للأنصار: "إنَّ إخوانَكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم" فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أو غيرَ ذلك؟ ". قالوا: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونَهم وتقاسمونهم الثَّمَر" قالوا: نعم (٥). وقد ذكرنا (٦) ما ورد من الأحاديث والآثار في فضائل الأنصار وحُسْن سجاياهم عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية. فصل في موت أبي أُمامة أسعد بن زُرَارة بن عُدَس بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجَّار أحد النقباء الاثني عشر ليلةَ العقبة على قومه بني النجار، وقد شهد العقباتِ الثلاث وكان أولَ مَنْ بايع رسولَ اللَّه ﷺ ليلةَ العقبة الثانية في قول، وكان شابًّا، وهو أول من جَمَّع بالمدينة في نقيع الخَضِمات في هزم النَّبيت كما تقدَّم (٧). قال محمد بن إسحاق (٨): وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زُرَارة والمسجد يُبنى، أخَذَتْهُ الذّبحة -أو الشَّهْقَة (٩) -.

стр. 1485

وقال ابنُ جرير في "التاريخ" (١): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن معمر، عن الزُّهري، عن أنس أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَوَى أسعد بن زُرارة في الشَّوْكة. رجاله ثقات. قال ابن إسحاق (٢): حدّثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "بئس الميتُ أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب، يقولون لو كان نبيًّا لم يَمُتْ صاحبُه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من اللَّه شيئًا". وهذا يقتضي أنه أول مَنْ مات بعد مقدَم النبيِّ ﷺ ، وقد زعم أبو الحسن بنُ الأثير في "أسد الغابة" (٣): أنه مات في شوال بعد مقدم النبي ﷺ بسبعة أشهر. فاللَّه أعلم. وذكر محمد بن إسحاق (٤) عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنَّ بني النجَّار سألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يقيمَ لهم نقيبًا بعد أبي أمامة أسعد بن زُرارة؛ فقال: "أنتم أخْوَالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبُكم" وكره أن يخصَّ بها بعضهم دون بعض. فكان من فضل بني النجَّار الذي يعتدُّون به على قومهم أنْ كان رسولُ اللَّه ﷺ نقيبَهم. قال ابن الأثير (٥): وهذا يردُّ قول أبي نعيم وابن مَنْدَه في قولهما أنَّ أسعد بن زرارة كان نقيبًا على بني ساعدة، إنما كان على بني النجار، وصدق ابن الأثير فيما قال. وقد قال أبو جعفر بن جرير في "التاريخ" (٦): كان أولَ مَنْ تُوفِّي بعد مقدمه ﵇ المدينة من المسلمين -فيما ذُكر- صاحب منزله كلثومُ بنُ الهِدْم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرًا حتى مات. ثم توفِّي بعده أسعدُ بن زُرارة وكانت وفاتُه في سنة مقدمِهِ قبل أن يَفْرُغَ بناءُ المسجد بالذّبْحَة أو الشَّهْقَة. قلت: وكلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأَوْسي وهو من بني عمرو بن عوف وكان شيخًا كبيرًا أسلم قبل مقدم رسولِ اللَّه ﷺ المدينة، ولما قدم رسولُ اللَّه ﷺ المدينة ونزل بقُبَاء نزل في منزل هذا في الليل، وكان

стр. 1486

يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الرَّبيع ﵄ إلى أن ارتحل إلى دارِ بني النجَّار كما تقدَّم. قال ابن الأثير (١): وقد قيل إنه أولُ مَنْ مات من المسلمين بعد مقدَم رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم بعده أسعد بن زُرارة. ذكره الطبري (٢). فصل في ميلاد عبد اللَّه بن الزبير في شوال سنة الهجرة فكان أولَ مولود ولد في الإسلام من المهاجرين كما أنَّ النعمان بن بشير أولُ مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ﵄. وقد زعم بعضُهم أنَّ ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرًا قاله أبو الأسود (٣). ورواهُ الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمَة عن أبيه عن جده. وزعموا أنَّ النعمان ولد قبل ابن الزبير بستة أشهر على رأس أربعةَ عشرَ شهرًا من الهجرة، والصحيحُ ما قدَّمنا. قال البخاري (٤): حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء أنَّها حملَتْ بعبدِ اللَّه بن الزُّبير، قالت: فخرجتُ وأنا مُتِمٌّ، فأتيتُ المدينة، فنزلتُ بقُباء، فولدْتُهُ بقباء، ثم أتيتُ به رسولَ اللَّه ﷺ فوضعه في حَجْره، ثم دعا بتمرةٍ فمضَغَها ثم تفل في فيه، فكان أولَ شيءٍ دخلَ جوفَه ريقُ رسولِ اللَّه ﷺ ثم حنَّكه بتمرة، ثم دعا له وبرَّكَ عليه. فكان أولَ مولودٍ ولد في الإسلام. تابعَهُ خالد بن مَخْلَد عن عليِّ بن مُسْهِر، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء أنها هاجرَتْ إلى النبيِّ ﷺ وهي حُبْلى. حدثنا (٥) قُتيبة عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أوَّلُ مولودٍ وُلد في الإسلام عبدُ اللَّه بن الزُّبير، أتَوْا به النبيَّ ﷺ فأخذ النبيُّ ﷺ تمرةً فلاكَها ثم أدخلها في فيه، فأولُ ما دخل بطنَهُ ريقُ النبيِّ ﷺ . فهذا حُجَّةٌ على الواقدي وغيره لأنه ذكر أنَّ النبيَّ ﷺ بعث مع عبد اللَّه بن أُرَيْقط لما رجع إلى مكة

стр. 1487

زيدَ بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيالِ أبي بكر، فقدِموا بهم إثر هجرةِ النبيِّ ﷺ وأسماء حامل مُتِمّ، أي مُقْرِبٌ قد دَنَا وَضْعُها لولدها، فلما ولدَتْه كبَّر المسلمون تكبيرةً عظيمة فرحًا بمولده، لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب اللَّه اليهود فيما زعموا. فصل وبنى رسولُ اللَّه ﷺ بعائشة في شوال من هذه السنة قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُميَّة، عن عبد اللَّه بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوَّجني رسولُ اللَّه ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأيُّ نساءِ رسولِ اللَّه ﷺ كان أحظى عنده مني؟! وكانت عائشةُ تستحبُّ أن تُدخل نساءها في شوال. ورواهُ مسلم والترمذي والنسائي وابنُ ماجَهْ من طرق عن سفيان الثوري به (٢). وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري. فعلى هذا يكون دخولُه بها ﵇ بعد الهجرة بسبعةِ أشهر -أو ثمانية أشهر- وقد حكى القولين ابنُ جرير (٣)، وقد تقدَّم في تزويجه ﵇ بسَوْدَة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة وأن دخوله بها كان بالسُّنح نهارًا (٤)، وهذا خلاف ما يعتادُه الناسُ اليوم، وفي دخوله ﵇ بها في شوال ردٌّ لما يتوهَّمُه بعضُ الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء لما قالَته عائشة رادَّةً على من توهَّمه من الناس في ذلك الوقت: تزوَّجني في شوَّال، وبنى بي في شوال -أي دخل بي- في شوال، فأيُّ نسائه كان أحْظَى عنده مني؟ فدلَّ هذا على أنها فهمَتْ منه ﵇ أنها أحبُّ نسائِهِ إليه، وهذا الفهم منها صحيح، لما دلَّ على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إلا الحديثُ الثابتُ في صحيح البخاري (٥) عن عمرو بن العاص، قلت يا رسول اللَّه: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها".

стр. 1488

فصل قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة -يعني السنة الأولى من الهجرة- زيد في صلاة الحَضَر -فيما قيل- ركعتان، وكانت صلاةُ الحضر والسفرِ ركعتين، وذلك بعد مقدم النبيِّ ﷺ المدينة بشهرٍ في ربيع الآخر لمُضِيِّ ثنتي عشرةَ ليلة منه (٢). وقال (٤): وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه. قلت: قد تقدم (٣) الحديث الذي رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ورُوي من طريق الشعبي عن مسروق عنها. وقد حكى البيهقي (٤) عن الحسن البصري أن صلاة الحضر أول ما فُرضت فُرضت أربعًا. واللَّه أعلم. وقد تكلَّمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية. فصل في الأذان ومشروعيته عند مقدمه ﵇ المدينة النبوية قال ابن إسحاق (٥): فلما اطمأنّ رسولُ اللَّه ﷺ بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع الأنصار استحكم أمرُ الإسلام، فقامت الصلاة وفُرضت الزكاة والصيام، وقامتِ الحدود وفُرض الحلالُ والحرام وتبوَّأ الإسلامُ بين أظهرهم، وكان هذا الحيُّ من الأنصار هم الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمان وقد كان رسولُ اللَّه ﷺ حين قدِمها إنما يجتمع الناسُ إليه للصلاة لحين مواقيتها بغيرِ دَعْوة، فهمَّ رسولُ اللَّه ﷺ أن يجعل بُوقًا كبوقِ يهود الذي يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالنَّاقوس فنُحت ليُضرب به للمسلمين للصلاة؛ فبينا هم على ذلك رأى عبدُ اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو بَلْحارث بن الخَزْرَج النداءَ، فأتى رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنه طاف بي هذه الليلةَ طائف، مرَّ بي رجلٌ عليه ثوبان أخضران يحملُ ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد اللَّه أتَبيعُ هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: ألا أدلُّكَ على خيرٍ من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن

стр. 1489

محمدًا رسول اللَّه، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه. فلما أخبر بها رسول اللَّه ﷺ قال: "إنها لرؤيا حق إنْ شاء اللَّه، فقمْ مع بلال فألقِها عليه فليؤذِّن بها، فإنه أنْدَى صوتًا منك" (١). فلما أذَّن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسولِ اللَّه ﷺ وهو يجرُّ رداءَه وهو يقول: يا نبيَّ اللَّه، والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثلَ الذي رأى. فقال رسولُ اللَّه: فلله الحمد. قال ابنُ إسحاق (٢): حدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه. وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجَهْ وابنُ خزيمة (٣) من طرق عن محمد بن إسحاق به. وصحَّحه الترمذي وابنُ خزيمة وغيرُهما. وعند أبي داود أنه علمه الإقامة قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أنَّ محمدًا رسول اللَّه، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ قد قامتِ الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه. وقد (٤) روى ابنُ ماجَهْ هذا الحديث عن أبي عُبيد محمد بن عُبيد بن ميمون عن محمد بن سَلَمة الحرَّاني عن ابنِ إسحاق كما تقدَّم، ثم قال (٥): قال أبو عُبيد: وأخبرني أبو بكر الحَكَميّ أنَّ عبد اللَّه بن زيد الأنصاري قال في ذلك: [من الخفيف] أحمدُ اللَّه ذا الجلالِ وذا الإكْـ … ـرام حَمْدًا على الأذانِ كثيرا (٦) إذْ أتاني به البشيرُ من اللَّهِ … فأَكرِمْ به لديَّ بَشيرا في ليالٍ والَى بهنَّ ثلاثٍ … كلَّما جاء زادني توقيرا

стр. 1490

قلت: وهذا الشعر غريب، وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاثَ ليالٍ حتى أخبر به رسولَ اللَّه ﷺ فاللَّه أعلم. ورواه الإمام أحمد (١) من حديث محمد بن إسحاق، قال: وذكر الزُّهري عن سعيد بن المُسَيِّب عن عبد اللَّه بن زيد به، نحو روايةِ ابنِ إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يذكر الشعر. وقال ابنُ ماجَه (٢): حدَّثنا محمد بن خالد بن عبد اللَّه الواسطي، حدثنا أبي عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهري، عن سالم عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ استشار الناسَ لما يهمُّهُمْ من الصلاة (٣)، فذكروا البوق فكَرِهَهُ من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوسَ فكرِهَهُ من أجل النَّصارى. فأري النداء تلك الليلة رجلٌ من الأنصار يُقال له عبد اللَّه بن زيد وعمرُ بن الخطاب، فطرَقَ الأنصاريُّ رسولَ اللَّه ﷺ ليلًا، فأمر رسولُ اللَّه ﷺ بلالًا فأذَّن به. قال الزُّهري: وزادَ بلالٌ في نداءِ صلاةِ الغَداة، الصلاةُ خيرٌ من النَّوْم. مرَّتَيْن (٤). فأقرَّها رسولُ اللَّه ﷺ فقال عمر: يا رسول اللَّه، رأيت مثلَ الذي رأى ولكنَّه سبقني. وسيأتي تحريرُ هذا الفصل في باب الأذان من كتاب الأحكام الكبير إن شاء اللَّهُ تعالى وبه الثقة. فأما الحديث الذي أورَدَهُ السُّهيلي بسنده (٥) من طريق البزَّار: حدّثنا محمد بن عثمان بن مخلد، حدثنا أبي، عن زياد بن المنذر، عن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليِّ بن أبي طالب، فذكر حديث الإسراء وفيه: فخرج ملكٌ من وراء الحِجاب، فأذَّن بهذا الأذان، وكلما قال كلمةً صدَّقَهُ اللَّه تعالى، ثم أخذ الملَكُ بيد محمد ﷺ فقدَّمه فأمَّ أهلَ (٦) السماء وفيهم آدَمُ ونوح. ثم قال السُّهيلي: وأخلِقْ بهذا الحديثِ أنْ يكون صحيحًا لما يعضُدُه ويُشَاكِلُه من حديث الإسراء. فهذا الحديث ليس كما زعم السُّهيلي أنه صحيح بل هو مُنْكر، تفرَّد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تُنسب إليه الفِرْقَةُ الجاروديَّة وهو من المُتَّهمين (٧). ثم لو كان هذا قد سمعه رسولُ اللَّه ﷺ ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهِجْرَة في الدعوةِ إلى الصلاة. واللَّه أعلم.

стр. 1491

قال ابن هشام (١): وذكر ابنُ جريج قال: قال لي عطاء: سمعتُ عُبيد بن عُمير يقول: ائتمر النبيُّ ﷺ وأصحابُه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يُريد أن يشتريَ خشبَتَيْن للناقوس إذْ رأى عمرُ في المنام: لا تجعلوا الناقوسَ، بل أذِّنوا للصلاة. فذهب عمرُ إلى النبيِّ ﷺ ليُخبره بما رأى وقد جاء النبيَّ ﷺ الوحيُ بذلك، فما راعَ عمرَ إلا بلالٌ يؤذِّن؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ حين أخبره بذلك "قد سبقك بذلك الوَحْي". وهذا يدلُّ على أنه قد جاء الوحيُ بتقريرِ ما رآه عبدُ اللَّه بن زَيْد بن عبد ربه، كما صرَّح به بعضُهم. واللَّه تعالى أعلم. قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأةٍ من بني النجَّار قالت: كان بيتي من أطول بيتٍ حول المسجد، فكان بلال يؤذِّنُ عليه للفجر كلَّ غَدَاة فيأتي بسَحَر، فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطَّى ثم قال: اللهمَّ [إنِّي] أحمدك وأستعينك على قريش أن يُقيموا دينك. قالت: ثم يؤذِّن؛ قالت: واللَّه ما علمتُه كان تركها ليلةً واحدة - يعني هذه الكلمات. ورواه أبو داود من حديثه منفردًا به (٢). فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ قال ابنُ جرير (٣): وزعم الواقديّ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ عقَدَ في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجَرِه لحمزة بن عبد المطَّلب لواءً أبيض في ثلاثينَ رجلًا من المهاجرين ليعترض لِعَيراتِ قُريش (٤)، وأنَّ حمزة لقي أبا جهل في ثلاثمئة رجلٍ من قريش، فحجز بينهم مَجْديُّ بن عمرو، ولم يكن بينهم قتال. قال: وكان الذي يحمل لواءَ حمزةَ أبو مرثد الغَنَويّ. فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قال ابنُ جرير (٣): وزعم الواقديُّ أيضًا أنَّ النبيَّ ﷺ عقَدَ في هذه السنة على رأسِ ثمانيةِ أشهر في

стр. 1492

شوال، لعُبيدة بن الحارث لواءً أبيض وأمرَهُ بالمسير (١) إلى بطن رابغٍ. وكان لواؤه مع مِسْطَح بن أُثَاثة، فبلغ ثنيَّة المَرَة وهي بناحيةِ الجُحْفَة (٢) في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاريّ، وأنهم التقوْا هم والمشركين على ماءٍ يُقالُ له أحياء، وكان بينهم الرَّمي دون المُسَايفة (٣). قال الواقدي: وكان المشركون مئتين عليهم أبو سفيان صَخْر بن حَرْب وهو الثابت (٤) عندنا؛ وقيل: كان عليهم مِكْرَز بن حَفْص. فصل قال الواقدي (٥): وفيها -يعني في السنة الأولى في ذي القَعْدَة- عقد رسولُ اللَّه ﷺ لسعدِ بن أبي وقَّاص إلى الخرَّار لواءً أبيض يحملُه المقدادُ بن الأسود؛ فحدَّثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد [عن أبيه]. قال: خرجتُ في عشرين رجلًا على أقدامنا -أو قال أحد وعشرين رجلًا- فكنا نكمُنُ النهارَ ونسير الليل حتى صبَّحنا الخرَّار صُبْح خامسة، وكان رسولُ اللَّه ﷺ قد عهد إليَّ أن لا أجاوز الخرَّار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم. قال الواقدي: كانت العير ستين، وكان مَنْ مع سعد كلُّهم من المهاجرين. قال أبو جعفر بن جرير (٦) ﵀ وعندَ ابنِ إسحاق ﵀ أنَّ هذه السرايا الثلاث التي ذكرها الواقدي كلُّها في السنة الثانيةِ من الهِجْرَة من وقت التاريخ. قلت: كلام ابنِ إسحاق ليس بصريح فيما قاله أبو جعفر ﵀ لمن تأمَّله كما سنوردُه في أول كتابِ المغازي في أولِ السنةِ الثانيةِ من الهجرة وذلك تِلْو ما نحنُ فيه إنْ شاء اللَّه تعالى، أو يحتمل أن يكون مرادُه أنها وقعت هذه السرايا في السنة الأولى، وسنزيدُها بسطًا وشرحًا إذا انتهينا إليها إن شاء اللَّه تعالى. والواقدي ﵀ عنده زياداتٌ حسنة، وتاريخٌ محرَّرٌ غالبًا فإنه من أئمةِ هذا الشأن الكبار وهو صدوقٌ في نفسه مِكْثار كما بسطْنَا القولَ في عدالته وجَرْحِه في كتابنا الموسوم "بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" وللَّه الحمدُ والمِنَّة. فصل وممن ولد في هذه السنة المباركة -وهي الأولى من الهجرة- عبدُ اللَّه بن الزُّبير، فكان أولَ مولودٍ ولد

стр. 1493

في الإسلام بعد الهجرة كما رواه البخاري عن أمه أسماء وخالته عائشة أمِّ المؤمنين ابنتَي الصدِّيق ﵄، ومن الناس من يقول: ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، فعلى هذا يكون عبد اللَّه بن الزبير أولَ مولودٍ ولد بعد الهجرة من المهاجرين، ومن الناس من يقول إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة والظاهر الأول، كما قدَّمنا بيانه وللَّه الحمد والمِنَّة (١)، وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني إن شاء اللَّه تعالى. قال ابنُ جرير (٢): وقد قيل: إنَّ المختارَ بن أبي عُبيد وزياد بن سُمَيَّة وُلدا في هذه السنة (٣). فاللَّه أعلم. وممن توفي في هذه السنة الأولى من الصحابة؛ كلثوم بن الهِدْم الأوسي الذي نزل رسول اللَّه ﷺ في مسكنه بقُباء إلى حين ارتحل منها إلى دارِ بني النجَّار كما تقدَّم، وبعده -فيها- أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيبُ بني النجَّار، توفي ورسولُ اللَّه ﷺ يبني المسجد كما تقدَّم ﵄ وأرضاهما. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة -يعني الأولى من الهجرة- مات أبو أُحَيحة بمالِهِ بالطائف، ومات الوليد بن المغيرة والعاصُ بن وائل السَّهْمي فيها بمكة. قلت: وهؤلاء ماتوا على شِرْكهم لم يُسلموا للَّه (٥).

стр. 1494

البداية والنهاية «السيرة النبوية من السنة ٢ هـ - إلى ٩ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمود عبد القادر الأرناؤوط راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الرابع

стр. 1495

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾

стр. 1496

ذكر ما وقع في السَّنة الثانية من الهجرة من الحوادث وقع فيها كثير من المغازي والسّرَايا، ومن أعظمها وأجلّها بدر الكبرى، التي كانت في رمضان منها، وقد فرَّق اللَّه بها بين الحقّ والباطل، والهدى والغيّ. وهذا أوان ذكر المغازي والبعوث، فنقول وباللَّه المستعان: كتاب المغازي قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب "السيرة" (١)، بعد ذكره أحبار (٢) اليهود، ونصبهم العداوة للإسلام وأهله، وما نزل فيهم من الآيات: فمنهم؛ حييّ بن أخطب، وأخواه أبو ياسر، وجديّ، وسلّام بن مشكم، وكنانة بن الرَّبيع بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع الأعور، تاجر أهل الحجاز، وهو الذي قتله الصحابة بأرض خيبر -كما سيأتي- والرّبيع بن الرّبيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، وهو من طيّئ، ثم أحد بني نبهان، وأمّه من بني النّضير -وقد قتله الصحابة قبل أبي رافع، كما سيأتي- وحليفاه الحجّاج بن عمرو، وكردم بن قيس، لعنهم اللَّه، فهؤلاء من بني النّضير. ومن بني ثعلبة بن الفطيون (٣)؛ عبد اللَّه بن صوريا، ولم يكن بالحجاز أحد أعلم بالتوراة منه - قلت: وقد قيل: إنّه أسلم. وابن صلوبا، ومخيريق -وقد أسلم يوم أحد كما سيأتي- وكان حَبْرَ قومه (٤). ومن بني قينقاع؛ زيد بن اللّصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن شيحان (٥)، وعزيز بن أبي

стр. 1497

عزيز، وعبد اللَّه بن صيف (١)، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضا، ويحريّ بن عمرو، وشأس (٢) بن عديّ، وشأس (٢) بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو (٣)، وسكين بن أبي سكين، وعديّ بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وخا لد، وأزار بن أبي أزار. قال ابن هشام: ويقال: آزر بن آزر (٤). ورافع بن حارثة [ورافع بن حريملة] (٥) ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد اللَّه بن سلام. قلت: وقد تقدّم إسلامه (٦)، ﵁. قال ابن إسحاق: وكان حبرهم (٧) وأعلمهم، وكان اسمه الحصين، فلمّا أسلم سمّاه رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه (٨). قال ابن إسحاق (٩): ومن بني قريظة؛ الزّبير بن باطا بن وهب، وعزّال بن شمويل، وكعب بن أسد -وهو صاحب عقدهم الذي نقضوه عام الأحزاب- وشمويل بن زيد [وجبل بن عمرو بن سكينة، والنحّام بن زيد، وكردم (١٠) بن كعب، ووهب بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وعديّ بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا. قال: ومن بني زريق؛ لبيد بن أعصم، وهو الذي سحر رسول اللَّه ﷺ (١١).

стр. 1498

ومن يهود بني حارثة؛ كنانة بن صوريا. ومن يهود بني عمرو بن عوف؛ قردم بن عمرو. ومن يهود بني النجّار؛ سلسلة بن برهام. قال ابن إسحاق (١): فهؤلاء أحبار يهود، أهل الشرور والعداوة لرسول اللَّه ﷺ وأصحابه، ﵃، وأصحاب المسألة الذين [كانوا] (٢) يكثرون الأسئلة لرسول اللَّه ﷺ ، على وجه التّعنّت والعناد والكفر. قال: وأصحاب النّصب لأمر الإسلام ليطفئوه، إلّا ما كان من عبد اللَّه بن سلام، ومخيريق. ثم ذكر إسلام عبد اللَّه بن سلام، وإسلام عمّته خالدة (٣)، كما قدّمناه، وذكر إسلام مخيريق يوم أحد (٤)، كما سيأتي، وأنّه قال لقومه، وكان يوم السبت: يا معشر يهود، واللَّه إنّكم لتعلمون أنّ نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إنّ اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه وخرج [حتى أتى رسول اللَّه] (٥)، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد ويصنع فيها ما أراه اللَّه (٦)، وكان كثير الأموال، ثم لحق برسول اللَّه ﷺ فقاتل حتى قتل، ﵁، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ يقول فيما بلغني: "مخيريق خير يهود" (٧). فصل ثم ذكر ابن إسحاق (٨) من مال إلى هؤلاء [الأضداد] من اليهود، من المنافقين من الأوس والخزرج، فمن الأوس؛ زويّ بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصَّامت الأنصاريّ، وفيه نزل: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] وذلك أنّه قال حين تخلّف عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقًا، لنحن شرّ من الحمير (٩). فنماها ابن امرأته عمير بن سعد

стр. 1499

إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأنكر الجلاس ذلك وحلف ما قال، فنزل فيه ذلك. قال (١): وقد زعموا أنّه تاب وحسنت توبته، حتى عرف منه الإسلام والخير. قال: وأخوه الحارث بن سويد، وهو الذي قتل المجذّر بن ذياد البلويّ، وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين، وكان منافقًا، فلمّا التقى الناس، عدا عليهما فقتلهما، ثم لحق بقريش. قال ابن هشام (٢): وكان المجذّر قد قتل أباه سويد بن الصّامت في بعض حروب الجاهلية، فأخذ بثأر أبيه منه يوم أحد. كذا قال ابن هشام. وقد ذكر ابن إسحاق أنّ الذي قتل سويد بن الصَّامت إنّما هو معاذ بن عفراء، قتله [غيلةً] في غير حرب، فبل يوم بعاث، رماه بسهم فقتله. وأنكر ابن هشام أن يكون الحارث قتل قيس بن زيد، قال: لأنّ ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول اللَّه ﷺ أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة؛ ليرجع إلى قومه، فأنزل اللَّه، فيما بلغني عن ابن عباس: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] (٣). إلى آخر القصة قال: وبِجَادُ بن عثمان بن عامر، ونبتل بن الحارث، وهو الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "من أحبّ أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا" (٤). وكان جسيمًا، أدلم (٥)، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدّين، وكان يسمع الكلام من رسول اللَّه ﷺ ، ثم ينقله إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنّما محمد أذن؛ من حدّثه بشيء صدّقه. فأنزل اللَّه فيه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الآية [التوبة: ٦١] (٦). قال: وأبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى مسجد الضّرار، وثعلبة بن حاطب، ومعتِّب بن قشير، وهما اللَّذان عاهدا اللَّه ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] (٧)، ثم نكثا، فنزل فيهما ذلك. ومعتِّب هو الذي قال يوم أحد: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فنزل فيه

стр. 1500

الآية (١)، وهو الذي قال يوم الأحزاب: كأنّ محمدًا يعدنا أنّا نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فأنزل اللَّه فيه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] (٢). قال ابن إسحاق (٣): والحارث بن حاطب. قال ابن هشام: ومعتّب بن قشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب -وهما من بني أميّة بن زيد- من أهل بدر، وليسوا من المنافقين، فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم. قال: وقد ذكر ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أميّة بن زيد، في أسماء أهل بدر. قال ابن إسحاق (٤): وعبّاد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف وبَحْزَج، وكان ممن بنى مسجد الضّرار، وعمرو بن خذام (٥)، وعبد اللَّه بن نبتل، وجارية بن عامر بن العطّاف، وابناه يزيا (٦) ومجمّع ابنا جارية، وهم ممن اتخذ مسجد الضّرار، وكان مجمّع غلامًا حدثًا، قد جمع أكثر القرآن، وكان يصلّي بهم فيه، فلمّا خرّب مسجد الضّرار -كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك- وكان في أيام عمر، سأل أهل قباء عمر أن يصلّي بهم مجمّع، فقال: لا واللَّه، أو ليس إمام المنافقين في مسجد الضّرار؟ فحلف باللَّه ما علمت بشيء من أمرهم. فزعموا أنّ عمر تركه فصلّى بهم. قال: ووديعة بن ثابت، وكان ممن بنى مسجد الضّرار، وهو الذي قال: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] فنزل فيه ذلك. قال: وخذام بن خالد، وهو الذي أخرج مسجد الضّرار من داره. قال ابن هشام مستدركًا على ابن إسحاق في منافقي بني النّبيت من الأوس: وبشر ورافع ابنا زيد. قال ابن إسحاق (٧): ومربع بن قيظيّ، وكان أعمى، وهو الذي قال لرسول اللَّه ﷺ حين أجاز في حائطه (٨) وهو ذاهب إلى أحد: لا أحلّ لك، إن كنت نبيّا، أن تمرّ في حائطي. وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: واللَّه لو أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك لرميتك بها. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال

стр. 1501

رسول اللَّه ﷺ : "دعوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر" (١). وقد ضربه سعد بن زيد الأشهليّ بالقوس فشجّه. قال: وأخوه أوس بن قيظيّ، وهو الذي قال: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. قال اللَّه: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] (٢). قال: وحاطب بن أميّة بن رافع، وكان شيخًا جسيمًا، قد عسا (٣) في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسملمين يقال له: يزيد بن حاطب. أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بني ظفر، فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت، فجعلوا يقولون: أبشر بالجنّة يا بن حاطب. قال: فنجم (٤) نفاق أبيه، فجعل يقول: أجل، جنّة من حرمل، غررتم واللَّه هذا المسكين من نفسه. قال: وبشير بن أبيرق [وهو] (٥) أبو طعمة، سارق الدّرعين، الذي أنزل اللَّه فيه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآيات [النساء: ١٠٧] (٦). قال: وقزمان، حليف لبني ظفر، الذي قتل يوم أحد سبعة نفر، ثم لمّا آلمته الجراحة، قتل نفسه، وقال: واللَّه ما قاتلت إلّا حميّة على قومي، ثم مات، لعنه اللَّه (٧). قال ابن إسحاق (٨): ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة يعلم، إلّا أنّ الضخاك بن ثابت كان يتهم بالنِّفاق وحبّ يهود. فهؤلاء كلّهم من الأوس. قال ابن إسحاق (٩): ومن الخزرج؛ رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، [وعمرو بن قيس]، وقيس بن عمرو بن سهل، والجدّ بن قيس، وهو الذي قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] (١٠)

стр. 1502

وعبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، وكان رأس المنافقين - ورئيس الخزرج والأوس أيضًا، كانوا قد أجمعوا على أن يملّكوه عليهم في الجاهلية، فلمّا هداهم اللَّه للإسلام قبل ذلك، شرق اللعين بريقه (١)، وغاظه ذلك جدًّا - وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (٢). وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدًّا، وفيه وفي وديعة -رجل من بني عوف- ومالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس، وهم من رهطه، نزل [قوله تعالى]: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الآيات [الحشر: ١٢] (٣). حين مالوا في الباطن إلى بني النّضير. فصل ثم ذكر ابن إسحاق (٤) مَنْ أسلم من أحبار اليهود على سبيل التّقيّة، فكانوا كفارًا في الباطن، فأتبعهم بصنف المنافقين، وهم من شرّهم؛ سعد بن حنيف، وزيد بن اللّصيت، وهو الذي قال حين ضلّت ناقة رسول اللَّه ﷺ : يزعم محمد أنّه يأتيه خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه لا أعلم إلّا ما علّمني اللَّه، وقد دلّني اللَّه عليها، فهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها". فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك (٥). قال: ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، ورافع بن حُرَيملة، وهو الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ يوم مات -فيما بلغنا-: "قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين". ورفاعة بن زيد بن التابوت، وهو الذي هبّت الريح الشديدة يوم موته، عند مرجع رسول اللَّه ﷺ من تبوك، فقال: "إنّها هبّت لموت عظيم من عظماء الكُفَّار" فلمّا قدموا المدينة، وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم (٦). وسلسلة بن بِرهام، وكنانة وابن صوريا. فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود. قال (٧): فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد، ويسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون

стр. 1503

ويستهزئون بدينهم، فاجتمع في المسجد يومًا منهم أناس، فرآهم رسول اللَّه ﷺ يتحدّثون بينهم، خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا، فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس، أحد بني النّجّار، وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية، فأخذ برجله، فسحبه حتى أخرجه [من المسجد] (١)، وهو يقول، لعنه اللَّه: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة؟ ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجّاريّ فلبّبه بردائه، ثم نتره (٢) نترًا شديدًا، ولطم وجهه، فأخرجه من المسجد وهو يقول: أفّ لك منافقًا خبيثًا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته، وقاده بها قودًا عنيفًا، حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعًا، فلدمه (٣) بهما لدمة في صدره خرّ منها. قال: يقول: خدشتني يا عمارة. فقال عمارة: أبعدك اللَّه يا منافق، فما أعدّ اللَّه لك من العذاب أشدّ من ذلك، فلا تقربنّ مسجد رسول اللَّه ﷺ . وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجّار -وكان بدريًا- إلى قيس بن عمرو بن سهل -وكان شابًّا، وليس في المنافقين شابّ سواه- فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه [من المسجد]. وقام رجل من بني خدرة إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو -وكان ذا جمّة- فأخذ بجمّته، فسحبه بها سحبًا عنيفًا على ما مرّ به من الأرض حتى أخرجه، فجعل يقول المنافق: قد أغلظت يا أبا الحارث (٤). فقال: إنّك أهل لذلك أي عدوّ اللَّه؛ لما أنزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول اللَّه ﷺ ؛ فإنّك نجس. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زويّ بن الحارث، فأخرجه إخراجًا عنيفًا وأفّف (٥) منه، وقال: غلب عليك الشيطان وأمرُه. ثم ذكر ابن إسحاق (٦) ما نزل فيهم من الآيات (٧) من سورة "البقرة"، ومن سورة "التوبة"، وتكلّم على تفسير ذلك، فأجاد وأفاد، ﵀.

стр. 1504

ذكر أول المغازي، وهي غزوة الأبواء، ويقال لها: غزوة ودّان وأول البعوث، وهو بعث حمزة بن عبد المطلب، أو عبيدة بن الحارث، كما سيأتي في [المغازي]. قال البخاريّ (١): كتاب المغازي، قال ابن إسحاق: أول ما غزا رسول اللَّه ﷺ الأبواء، ثم بواط، ثم العشيرة. ثم روى (٢) عن زيد بن أرقم، أنّه سئل: كم غزا رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: تسع عشرة. شهد منها سبع عشرة، [أوّلهن] العسيرة، أو العشيرة، وسيأتي الحديث بإسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة، إن شاء اللَّه وبه الثقة (٣). وفي "صحيح البخاريّ" (٤)، عن بريدة، قال: غزا [مع] (٥) رسول اللَّه ﷺ ستّ عشرة غزوة. ولمسلم عنه (٦)، أنّه غزا مع رسول اللَّه ﷺ ستّ عشرة غزوة. وفي رواية له عنه (٧)، أنّ رسول اللَّه ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان منهنّ. وقال الحسين بن واقد (٨)، عن ابن بريدة، عن أبيه أنّ رسول اللَّه ﷺ غزا سبع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان؛ يوم بد ر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين، وبعث أربعًا وعشرين سريّة. وقال يعقوب بن سفيان (٩): حدّثنا محمد بن عثمان الدّمشقيّ التّنوخيّ، ثنا الهيثم بن حميد، أخبرني النّعمان، عن مكحول، أنّ رسول اللَّه ﷺ غزا ثماني عشرة غزوة، قاتل في ثمان غزوات؛ أولهن بدر، ثم أحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكَّة، ثم حنين والطائف.

стр. 1505

قوله: بئر معونة، بعد قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أحد، كما سيأتي. قال يعقوب (١): حدّثنا سلمة بن شبيب، ثنا عبد الرزاق، أخيرنا معمر، عن الزّهريّ، سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول اللَّه ﷺ ثماني عشرة غزوة. وسمعته مرة أخرى يقول: أربعًا وعشرين. فلا أدري أكان ذلك وهمًا، أو شيئًا سمعه بعد ذلك. وقد روى الطّبرانيّ، عن الدّبريّ (٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ قال: غزا رسول اللَّه ﷺ أربعًا وعشرين غزوة. وقال عبد بن حميد في "مسنده" (٣) حدّثنا سعيد بن سلّام، ثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزّبير، عن جابر، قال: غزا رسول اللَّه ﷺ إحدى وعشرين غزوة. وقد روى الحاكم (٤) (من طريق هشام، عن قتادة أنّ مغازي رسول اللَّه ﷺ وسراياه كانت ثلاثًا وأربعين، ثم قال الحاكم) (٥): لعلّه أراد السّرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في "الإكليل" على الترتيب، بعوث رسول اللَّه ﷺ وسراياه زيادة على المئة. قال: وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى، أنه قرأ في كتاب أبي عبد اللَّه محمد بن نصر السّرايا والبعوث دون الحروب نيّفًا وسبعين، وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدًّا، وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر. وقد روى الإمام أحمد (٦)، عن أزهر بن القاسم الراسبيّ، عن هشام الدّستوائيّ، عن قتادة أنّ مغازي رسول اللَّه ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون؛ أربع وعشرون بعثًا، وتسع عشرة غزوة، خرج في ثمانٍ منها بنفسه؛ بدرٍ، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، وفتح مكة، وحنين. وقال موسى بن عقبة (٧)، عن الزّهريّ: هذه مغازي رسول اللَّه ﷺ التي قاتل فيها؛ يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق -وهو يوم الأحزاب وبني قريظة- في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان من سنة خمس، ثم قاتل يوم

стр. 1506

خيبر سنة ستّ، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حجّ أبو بكر سنة تسع، ثم حجّ رسول اللَّه ﷺ حجَّة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، قال: وكانت أول غزوة غزاها الأبواء. وقال حنبل بن إسحاق (١)، عن هلال بن العلاء (٢)، عن عبد اللَّه بن جعفر الرّقّيّ، عن مطرّف بن مازن اليمانيّ، عن معمر، عن الزّهريّ (٣) قال: أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩] بعد مقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فكان أول مشهد شهده رسول اللَّه ﷺ يوم بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من رمضان، إلى أن قال: ثم غزا بني النّضير، ثم غزا أحدًا في شوال -يعني من سنة ثلاث- ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع، ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ستّ، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان، وغزا رسول اللَّه ﷺ إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ الأبواء، ثم العشيرة، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة الأبواء (٤)، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة الصّفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة، ثم ذكر البعوث. هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر (٥)، وهو غريب جدًا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه مرتبًا. وهذا الفنّ مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتّهيّؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقديّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن عليّ، عن أبيه، سمعت عليّ بن الحسين يقول: كنا نعلَّم مغازي النبي ﷺ كما نعلَّم السورة من القرآن. قال الواقديُّ (٦): وسمعت محمد بن عبد اللَّه يقول: سمعت عمِّي الزّهريّ يقول في علم المغازي: علم الآخرة والدنيا. وقال محمد بن إسحاق (٧)، ﵀، في "المغازي" بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه، من تعيين

стр. 1507

رؤوس الكفر من اليهود والمنافقين، لعنهم اللَّه أجمعين، وجمعهم في أسفل سافلين: ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ تهيّأ لحربه، وقام فيما أمره اللَّه به من جهاد عدوّه، وقتال من أمره به ممن يليه [من المشركين]. قال: وقد قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة يوم الإثنين حين اشتدّ الضّحاء، وكادت الشمس تعتدل، لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول اللَّه ﷺ يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه اللَّه بثلاث عشرة سنة، فأقام بقية شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجماديين، ورجبًا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوّالًا، وذا القعدة، وذا الحجّة، وولي [تلك] الحجّة المشركون، والمحرّم. ثم خرج رسول اللَّه ﷺ غازيًا في صفر، على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق (١): حتى بلغ ودّان، وهي غزوة الأبواء. قال ابن جرير (٢): ويقال لها: غزوة ودّان أيضًا، يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ورجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا، فأقام بها بقية صفر وصدرًا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام (٣): وهي أول غزوة غزاها، ﵇. قال الواقديّ (٤): وكان لواؤه ﵇ مع عمّه حمزة، وكان أبيض. قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول اللَّه ﷺ في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عبد مناف بن قصيّ في ستين أو ثمانين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرة، فلقي [بها] جمعًا عظيمًا من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلَّا أنّ سعد بن أبي وقّاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل اللَّه في الإسلام، ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانيُّ حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنيّ حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنّهما خرجا ليتوصّلا بالكفار. قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل.

стр. 1508

وروى ابن هشام، عن أبي عمرو (١) بن العلاء، عن أبي عمرو المدنيّ أنّه قال: كان عليهم مكرز بن حَفْصٍ. قلت: وقد تقدّم عن حكاية الواقديّ قولان؛ أحدهما أنه مكرز، والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب، وأنه رجّح أنه أبو سفيان، فاللَّه أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق (٢) القصيدة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق في هذه السّريّة التي أولها: [من الطويل] أمن طيف سلمى بالبطاح الدّمائث … أرقتَ وأمرٍ في العشيرة حادثِ ترى من لؤيّ فرقة لا يصدّها … عن الكفر تذكير ولا بعثُ باعثِ رسولٌ أتاهم صادق فتكذّبوا … عليه وقالوا لستَ فينا بماكثِ إذا ما دعوناهم إلى الحقّ أدبروا … وهرّوا هريرَ المُجْحَرات اللواهثِ القصيدة إلى آخرها. وذكر (٣) جواب عبد اللَّه بن الزِّبعرى في مناقضتها التي أولها: [من الطويل] أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث … بكيتَ بعين دمعها غير لابثِ ومن عجب الأيام والدَّهر كلّه … له عجب من سابقات وحادث لجيش أتانا ذي عرام يقوده … عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكّة عكّفًا … مواريث موروث كريم لوارث وذكر تمام القصيدة، وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أنّ الإمام عبد الملك بن هشام، ﵀ -وكان إمامًا في اللغة- ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين. قال ابن إسحاق (٤): وقال سعد بن أبي وقّاص في رميته تلك فيما يذكرون: [من الوافر] ألا هل أتى رسول اللَّه أنّي … حميتُ صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلهم ذيادًا … بكلّ حزونة وبكلّ سهلِ فما يعتدّ رام في عدوٍّ … بسهم يا رسول اللَّه قبلي وذلك أنّ دينك دين صدق … وذو حقّ أتيتَ به وفضلِ ينجّى المؤمنون به ويخزى … به الكُفَّار عند مقام مهلِ فمهلًا قد غويتَ فلا تعبني … غويَّ الحيّ ويحك يابن جهلِ

стр. 1509

قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة -فيما بلغنا- أول راية عقدها رسول اللَّه ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين. وقد خالفه الزّهريّ وموسى بن عقبة (١) والواقديّ (٢)، فذهبوا إلى أنّ بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث، واللَّه أعلم. وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقّاص أن أول أمراء السترايا عبد اللَّه بن جحش الأسديّ. قال ابن إسحاق (٣): وبعض العلماء يَزْعُمُ أن رسول اللَّه ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، وهكذا حكى موسى بن عقبة، عن الزّهريّ (٤). فصل قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول اللَّه ﷺ في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر (٦) من ناحية العيص، في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بن هشام [بذلك الساحل] في ثلاثمئة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهنيّ، وكان موادعًا للفريقين جميعًا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال. قال ابن إسحاق (٧): وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول اللَّه ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا، فشبِّه ذلك على الناس. قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزّهريّ (٨)، أنّ بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونصّ على أنّ بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء، فلما قفل، ﵇، من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدّم. وقد تقدّم عن الواقديّ أنه قال: كانت سريّة حمزة في رمضان من السنة الأولى، وبعدها سريّة عبيدة في شوّال منها، واللَّه أعلم. وقد أورد ابن إسحاق (٩)، عن حمزة، ﵁، شعرًا يدلّ على أن رايته أول راية عقدت في

стр. 1510

الإسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال لم يكن يقول إلا حقًا، فاللَّه أعلم أيّ ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول، والقصيدة هي قوله: [من الطويل] ألا يا لقومي للتّحلّم والجهلِ … وللنقص من رأي الرجال وللعقلِ وللراكبينا بالمظالم لم نطأ … لهم حرمات من سوامٍ ولا أهلِ كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا … لهم غير أمر بالعفاف وبالعدلِ وأمر بإسلام فلا يقبلونه … وينزل منهم مثل منزلة الهزلِ فما برحوا حتى انتدبتُ لغارةٍ … لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضلِ بأمر رسول اللَّه أول خافقٍ … عليه لواء لم يكن لاح من قبلي لواء لديه النصر من ذي كرامةٍ … إلهٍ عزيزٍ فعله أفضل الفعل عشيّة ساروا حاشدين وكلّنا … مراجله من غيظ أصحابه تغلي فلمّا تراءينا أناخوا فعقّلوا … مطايا وعقّلنا مدى غرض النّبل وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا … وما لكمُ إلا الضلالة من حبل فثار أبو جهل هنالك باغيًا … فخاب وردّ اللَّه كيد أبي جَهْلِ وما نحن إلا في ثلاثين راكبًا … وهم مئتان بعد واحدة فضل فيال لؤيّ لا تطيعوا غواتكم … وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل فإني أخاف أن يصبّ عليكمُ … عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل قال (١): فأجابه أبو جهل بن هشام -لعنه اللَّه- فقال: عجبت لأسباب الحفيظة والجهل … وللشاغبين بالخلاف وبالبَطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا … عليه ذوي الأحساب والسّؤدُد الجَذْلِ ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام (٢): وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة ﵁ ولأبي جهل -لعنه اللَّه-. غزوة بواط من ناحية رضوى قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول اللَّه ﷺ في شهر ربيع الأول -يعني من السنة الثانية- يريد قريشًا.
следующие страницы →