← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

خيبر سنة ستّ، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حجّ أبو بكر سنة تسع، ثم حجّ رسول اللَّه ﷺ حجَّة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، قال: وكانت أول غزوة غزاها الأبواء. وقال حنبل بن إسحاق (١)، عن هلال بن العلاء (٢)، عن عبد اللَّه بن جعفر الرّقّيّ، عن مطرّف بن مازن اليمانيّ، عن معمر، عن الزّهريّ (٣) قال: أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩] بعد مقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فكان أول مشهد شهده رسول اللَّه ﷺ يوم بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من رمضان، إلى أن قال: ثم غزا بني النّضير، ثم غزا أحدًا في شوال -يعني من سنة ثلاث- ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع، ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ستّ، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان، وغزا رسول اللَّه ﷺ إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ الأبواء، ثم العشيرة، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة الأبواء (٤)، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة الصّفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة، ثم ذكر البعوث. هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر (٥)، وهو غريب جدًا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه مرتبًا. وهذا الفنّ مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتّهيّؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقديّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن عليّ، عن أبيه، سمعت عليّ بن الحسين يقول: كنا نعلَّم مغازي النبي ﷺ كما نعلَّم السورة من القرآن. قال الواقديُّ (٦): وسمعت محمد بن عبد اللَّه يقول: سمعت عمِّي الزّهريّ يقول في علم المغازي: علم الآخرة والدنيا. وقال محمد بن إسحاق (٧)، ﵀، في "المغازي" بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه، من تعيين

стр. 1507

رؤوس الكفر من اليهود والمنافقين، لعنهم اللَّه أجمعين، وجمعهم في أسفل سافلين: ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ تهيّأ لحربه، وقام فيما أمره اللَّه به من جهاد عدوّه، وقتال من أمره به ممن يليه [من المشركين]. قال: وقد قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة يوم الإثنين حين اشتدّ الضّحاء، وكادت الشمس تعتدل، لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول اللَّه ﷺ يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه اللَّه بثلاث عشرة سنة، فأقام بقية شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجماديين، ورجبًا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوّالًا، وذا القعدة، وذا الحجّة، وولي [تلك] الحجّة المشركون، والمحرّم. ثم خرج رسول اللَّه ﷺ غازيًا في صفر، على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق (١): حتى بلغ ودّان، وهي غزوة الأبواء. قال ابن جرير (٢): ويقال لها: غزوة ودّان أيضًا، يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ورجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا، فأقام بها بقية صفر وصدرًا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام (٣): وهي أول غزوة غزاها، ﵇. قال الواقديّ (٤): وكان لواؤه ﵇ مع عمّه حمزة، وكان أبيض. قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول اللَّه ﷺ في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عبد مناف بن قصيّ في ستين أو ثمانين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرة، فلقي [بها] جمعًا عظيمًا من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلَّا أنّ سعد بن أبي وقّاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل اللَّه في الإسلام، ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانيُّ حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنيّ حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنّهما خرجا ليتوصّلا بالكفار. قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل.

стр. 1508

وروى ابن هشام، عن أبي عمرو (١) بن العلاء، عن أبي عمرو المدنيّ أنّه قال: كان عليهم مكرز بن حَفْصٍ. قلت: وقد تقدّم عن حكاية الواقديّ قولان؛ أحدهما أنه مكرز، والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب، وأنه رجّح أنه أبو سفيان، فاللَّه أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق (٢) القصيدة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق في هذه السّريّة التي أولها: [من الطويل] أمن طيف سلمى بالبطاح الدّمائث … أرقتَ وأمرٍ في العشيرة حادثِ ترى من لؤيّ فرقة لا يصدّها … عن الكفر تذكير ولا بعثُ باعثِ رسولٌ أتاهم صادق فتكذّبوا … عليه وقالوا لستَ فينا بماكثِ إذا ما دعوناهم إلى الحقّ أدبروا … وهرّوا هريرَ المُجْحَرات اللواهثِ القصيدة إلى آخرها. وذكر (٣) جواب عبد اللَّه بن الزِّبعرى في مناقضتها التي أولها: [من الطويل] أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث … بكيتَ بعين دمعها غير لابثِ ومن عجب الأيام والدَّهر كلّه … له عجب من سابقات وحادث لجيش أتانا ذي عرام يقوده … عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكّة عكّفًا … مواريث موروث كريم لوارث وذكر تمام القصيدة، وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أنّ الإمام عبد الملك بن هشام، ﵀ -وكان إمامًا في اللغة- ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين. قال ابن إسحاق (٤): وقال سعد بن أبي وقّاص في رميته تلك فيما يذكرون: [من الوافر] ألا هل أتى رسول اللَّه أنّي … حميتُ صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلهم ذيادًا … بكلّ حزونة وبكلّ سهلِ فما يعتدّ رام في عدوٍّ … بسهم يا رسول اللَّه قبلي وذلك أنّ دينك دين صدق … وذو حقّ أتيتَ به وفضلِ ينجّى المؤمنون به ويخزى … به الكُفَّار عند مقام مهلِ فمهلًا قد غويتَ فلا تعبني … غويَّ الحيّ ويحك يابن جهلِ

стр. 1509

قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة -فيما بلغنا- أول راية عقدها رسول اللَّه ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين. وقد خالفه الزّهريّ وموسى بن عقبة (١) والواقديّ (٢)، فذهبوا إلى أنّ بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث، واللَّه أعلم. وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقّاص أن أول أمراء السترايا عبد اللَّه بن جحش الأسديّ. قال ابن إسحاق (٣): وبعض العلماء يَزْعُمُ أن رسول اللَّه ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، وهكذا حكى موسى بن عقبة، عن الزّهريّ (٤). فصل قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول اللَّه ﷺ في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر (٦) من ناحية العيص، في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بن هشام [بذلك الساحل] في ثلاثمئة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهنيّ، وكان موادعًا للفريقين جميعًا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال. قال ابن إسحاق (٧): وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول اللَّه ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا، فشبِّه ذلك على الناس. قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزّهريّ (٨)، أنّ بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونصّ على أنّ بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء، فلما قفل، ﵇، من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدّم. وقد تقدّم عن الواقديّ أنه قال: كانت سريّة حمزة في رمضان من السنة الأولى، وبعدها سريّة عبيدة في شوّال منها، واللَّه أعلم. وقد أورد ابن إسحاق (٩)، عن حمزة، ﵁، شعرًا يدلّ على أن رايته أول راية عقدت في

стр. 1510

الإسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال لم يكن يقول إلا حقًا، فاللَّه أعلم أيّ ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول، والقصيدة هي قوله: [من الطويل] ألا يا لقومي للتّحلّم والجهلِ … وللنقص من رأي الرجال وللعقلِ وللراكبينا بالمظالم لم نطأ … لهم حرمات من سوامٍ ولا أهلِ كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا … لهم غير أمر بالعفاف وبالعدلِ وأمر بإسلام فلا يقبلونه … وينزل منهم مثل منزلة الهزلِ فما برحوا حتى انتدبتُ لغارةٍ … لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضلِ بأمر رسول اللَّه أول خافقٍ … عليه لواء لم يكن لاح من قبلي لواء لديه النصر من ذي كرامةٍ … إلهٍ عزيزٍ فعله أفضل الفعل عشيّة ساروا حاشدين وكلّنا … مراجله من غيظ أصحابه تغلي فلمّا تراءينا أناخوا فعقّلوا … مطايا وعقّلنا مدى غرض النّبل وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا … وما لكمُ إلا الضلالة من حبل فثار أبو جهل هنالك باغيًا … فخاب وردّ اللَّه كيد أبي جَهْلِ وما نحن إلا في ثلاثين راكبًا … وهم مئتان بعد واحدة فضل فيال لؤيّ لا تطيعوا غواتكم … وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل فإني أخاف أن يصبّ عليكمُ … عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل قال (١): فأجابه أبو جهل بن هشام -لعنه اللَّه- فقال: عجبت لأسباب الحفيظة والجهل … وللشاغبين بالخلاف وبالبَطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا … عليه ذوي الأحساب والسّؤدُد الجَذْلِ ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام (٢): وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة ﵁ ولأبي جهل -لعنه اللَّه-. غزوة بواط من ناحية رضوى قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول اللَّه ﷺ في شهر ربيع الأول -يعني من السنة الثانية- يريد قريشًا.

стр. 1511

قال ابن هشام (١): واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الواقديّ (٢): استخلف عليها سعد بن معاذ، وكان رسول اللَّه ﷺ في مئتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقّاص، وكان مقصده أن يعترض لعير قريش، وكان فيه أمية بن خلف ومئة رجل، وألفان وخمسمئة بعير. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى. [غزوة العُشيرة] ثم غزا قريشًا. يعني بذلك الغزوة التي يقال لها: غزوة العشيرة، وبالمهملة، والعشير وبالمهملة، والعشيراء وبالمهملة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. قال الواقديّ (٣): وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب. قال: وخرج، ﵇، يتعرّض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام. قال ابن إسحاق (٤): فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخَبَار (٥)، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق، فصلّى عندها، فثمّ مسجده، فصنع له عندها طعام، فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم أثافيّ البرمه (٦) معلوم هنالك، واستقي له من ماء يقال له: المشيرب. ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبةَ عبد اللَّه، ثم صبّ لليسار حتى هبط يليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضّبوعة، ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بِصُخَيْراتِ اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مُدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا. وقد قال البخاريّ (٧): حدثنا عبد اللَّه، ثنا وهب، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب

стр. 1512

زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ ﷺ -من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قال: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزوة. قلت: فأيُّهنَّ كان (١) أول؟ قال: العشير، أو العسيرة. فذكرت لقتادة، فقال: العشيرة. وهذا الحديث ظاهر في أنّ أول الغزوات العشيرة، ويقال بالسين. وبهما مع حذف التاء. وبهما مع المد، اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبيّ ﷺ زيد بن أرقم؛ العشيرة، وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم، وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث، واللَّه أعلم. قال محمد بن إسحاق (٢): ويومئذ قال رسول اللَّه ﷺ لعلي ما قال، فحدّثني (٣) يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب القرظيّ، حدّثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، من بطن ينبع، فلما نزلها رسول اللَّه ﷺ أقام بها شهرًا، فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، فوادعهم، فقال لي عليّ بن أبي طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج، يعملون في عين لهم، ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه، فواللَّه ما أهبّنا (٤) إلّا رسول اللَّه ﷺ [يحرّكنا] بقدمه فجلسنا، وقد تترّبنا من تلك الدّقعاء، [فيومئذ] قال رسول اللَّه ﷺ لعليّ: "يا أبا تراب". لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا، فقال: "ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا: بلى يا رسول اللَّه. فقال: "أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والّذي يضربك يا عليّ على هذه -ووضع رسول اللَّه ﷺ يده على رأسه- حتى يبلّ (٥) منها هذه". ووضع يده على لحيته. وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وله شاهد من وجه آخر في تسمية عليّ أبا تراب، كما في "صحيح البخاريّ" (٦) أنّ عليًّا خرج مغاضبًا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه، فدخل رسول اللَّه ﷺ فسألها عنه، فقالت: خرج مغاضبًا، فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه، ويقول: "قم أبا ترابٍ، قم أبا تُرابٍ".

стр. 1513

غزوة بدر الأولى قال ابن إسحاق (١): ثم لم يقم رسول اللَّه ﷺ بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهريّ على سرح (٢) المدينة، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبه حتى بلغ واديًا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الأولى، وفاته كرز فلم يدركه. ودال الواقديّ (٣): وكان لواؤه مع عليّ بن أبي طالب. قال ابن هشام، والواقديّ: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة. قال ابن إسحاق (٤): فرجع رسول اللَّه ﷺ ، فأقام جمادى ورجبًا وشعبان، وقد كان بعث رسول اللَّه ﷺ بين يدي ذلك سعدًا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرّار من أرض الحجاز. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أنّ بعث سعد هذا كان بعد حمزة، ثم رجع ولم يلق كيدًا. هكذا ذكره ابن إسحاق مختصرًا، وقد تقدّم ذكر الواقديّ لهذه البعوث الثلاثة، أعني بعث حمزة في رمضان، وبعث عبيدة في شوال، وبعث سعد في ذي القعدة، كلّها في السنة الأولى. وقد قال الإمام أحمد (٥): حدّثني عبد المتعال بن عبد الوّهاب، حدثني يحيى بن سعيد. قال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد: وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، حدّثنا أبي، ثنا المجالد، عن زياد بن علاقة، عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، جاءته جهينة فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا، فأوثق حتى ناتيك وتؤمنّا. فأوثق لهم فأسلموا. قال: فبعثنا رسول اللَّه ﷺ في رجب ولا نكون مئة، وأمرنا أن نغير على حيّ من بني كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، وكانوا كثيرًا فلجأنا إلى جهينة، فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟! فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا: نأتي نبي اللَّه ﷺ فنخبره. وقال قوم: لا، بل نقيم ههنا. وقلت أنا في أناس معي: لا، بل نأتي عير قريش فنقتطعها. وكان الفيء إذ ذاك: من أخذ شيئًا فهو له. فانطلقنا إلى العير، وانطلق أصحابنا إلى النبيّ ﷺ ، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمرّ الوجه فقال: "أذهبتم من عندي جميعًا وجئتم متفرّقين؟ إنّما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثنّ عليكم رجلًا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش". فبعث علينا عبد اللَّه بن جحش الأسديَّ، فكان أول أمير في الإسلام.

стр. 1514

وقد رواه البيهقيّ في "الدلائل" (١) من حديث يحيى بن أبي زائدة، عن مجالد به نحوه، وزاد بعد قولهم لأصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟!: فقالوا: نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام (٢). ثم رواه (٣) من حديث أبي أسامة، عن مجالد، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك، عن سعد بن أبي وقّاص، فذكر نحوه، فأدخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك، وهذا أنسب، واللَّه أعلم. وهذا الحديث يقتضي أنّ أول أمراء السّرايا عبد اللَّه بن جحش الأسديّ، وهو خلاف ما ذكره ابن إسحاق، أنّ أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب (٤)، وللواقديّ (٥) حديث زعم أنّ أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب، واللَّه أعلم. باب سريّة عبد اللَّه بن جحش التي كانت سببًا لغزوة بدر العظمى، وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، واللَّه على كلّ شيء قدير قال ابن إسحاق (٦): وبعث رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن جحش بن رئاب الأسديَّ في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وهم؛ أبو حذيفة بن عتبة، وعكّاشة بن محصن بن حرثان، حليف بني أسد بن خزيمة، وعتبة بن غزوان، حليف بني نوفل، وسعد بن أبي وقّاص الزّهريّ، وعامر بن ربيعة الوائليّ، حليف بني عديّ، وواقد بن عبد اللَّه بن عبد منافٍ بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التّميميّ، حليف بني عديّ أيضًا، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف بني عديّ أيضًا، وسهيل بن بيضاء الفهريّ، فهؤلاء سبعة ثامنهم (٧) أميرهم عبد اللَّه بن جحش، ﵁.

стр. 1515

وقال يونس (١)، عن ابن إسحاق: كانوا ثمانية، وأميرهم التاسع، فاللَّه أعلم، وستأتي تسميتهم على خلاف ما قال ابن إسحاق. قال ابن إسحاق (٢): وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلمّا سار بهم يومين فتح الكتاب، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطّائف، فترصّد بها قريشًا وتعلّم لنا من أخبارهم". فلمّا نظر في الكتاب قال: سمعًا وطاعة. وأخبر أصحابه بما في الكتاب، وقال: قد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأمّا أنا فماضٍ لأمر رسول اللَّه ﷺ . فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران. أضلّ سعد بن أبي وقّاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا في طلبه، ومضى عبد اللَّه بن جحش وبقية أصحابه، حتى نزل نخلةً، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا (٣)، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرميّ. قال ابن هشام: واسم الحضرميّ عبد اللَّه بن عبّاد الصَّدفيّ. قال السّهيليّ (٤): وقيل غير ذلك في نسبه - وعثمان بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزوميّ، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلمّا رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكّاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمّار لا بأس عليكم منهم. وتشاور الصحابة فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقالوا: واللَّه لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردّد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد اللَّه التّميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد اللَّه والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد اللَّه فأعجزهم، وأقبل عبد اللَّه بن جحش وأصحابُه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، وقد ذكر بعض آل عبد اللَّه بن جحش أنّ عبد اللَّه قال لأصحابه: إنّ لرسول اللَّه ﷺ مما غنمنا الخمس. فعزله وقسم الباقي بين أصحابه، وذلك قبل أن ينزل الخمس.

стр. 1516

قال (١): لمّا نزل الخمس نزل كما قسمه عبد اللَّه بن جحش. كما قاله. قال ابن إسحاق (٢): فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلمّا قال ذلك رسول اللَّه ﷺ ، أسقط في أيدي القوم، وظنّوا أنّهم قد هلكوا وعنَّفَهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يردّ عليهم من المسلمين ممّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود، تفائل بذلك على رسول اللَّه ﷺ : عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد اللَّه؛ عمرو عمرت الحرب، والحضرميّ حضرت الحرب، وواقد بن عبد اللَّه وقدت الحرب. فجعل اللَّه ذلك عليهم لا لهم، فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل اللَّه تعالى على رسوله ﷺ (٣): ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] (٤) أي؛ إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل اللَّه مع الكفر به، وعن الصسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله، أكبر عند اللَّه من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند اللَّه من القتل، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ الآية. قال ابن إسحاق (٥): فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر وفرّج اللَّه عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق (٦)، قبض رسول اللَّه ﷺ العير والأسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا نفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقّاص، وعتبة بن غزوان- فإنّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم". فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول اللَّه ﷺ . فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول اللَّه ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد اللَّه فلحق بمكة، فمات بها كافرًا.

стр. 1517

قال ابن إسحاق (١): فلمّا تجلّى عن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول اللَّه، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل اللَّه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فوضعهم اللَّه من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق (٢): والحديث في ذلك عن الزّهريّ ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه"، عن الزّهريّ (٣)، وكذا روى شعيب (٤)، عن الزّهريّ، عن عروة نحوًا من هذا، وفيه: وكان ابن الحضرميّ أوّل قتيل بين المسلمين والمشركين. وقال عبد الملك بن هشام (٥): هو أوّل قتيل قتله المسلمون، وهذه أوّل غنيمة غنمها المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أوّل من أسره المسلمون. قلت: وقد تقدّم فيما رواه الإمام أحمد (٦)، عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: فكان عبد اللَّه بن جحش أول أمير في الإسلام. وقد ذكرنا في "التفسير" (٧) لما أورده ابن إسحاق شواهد [مسندة]. فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدّميّ حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدّثني الحضرميّ، عن أبي السّوّار، عن جندب بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح -أو عبيدة بن الحارث- فلمّا ذهب ينطلق بكى صبابة (٨) إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد اللَّه بن جحشٍ، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهنّ أحدًا على السّير معك من أصحابك". فلمّا قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعًا وطاعة للَّه ولرسوله. فخبّرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان ولقي بقيّتهم، فلقوا ابن الحضرميّ، فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال

стр. 1518

المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل اللَّه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّيّ الكبير في "تفسيره" (١): عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير﴾ وذلك أنّ رسول اللَّه ﷺ بعث سريّة، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد اللَّه بن جحشٍ، وفيهم عمار بن ياسرٍ، وأبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبي وقاصٍ، وعتبة بن غزوان، وسهل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد اللَّه اليربوعيّ، حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحشٍ كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل (٢)، فلمّا نزل بطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص؛ فإنّني موص وماض لأمر رسول اللَّه ﷺ ، فسار، وتخلّف عنه سعد وعتبة؛ أضلّا راحلة لهما، فاقاما يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بنِ كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعبد اللَّه بن المغيرة. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرميّ، ورجعوا بالغنيمة والأسيرين، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون، وقال المشركون: إن محمدًا يزعم أنّه يتّبع طاعة اللَّه، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. وقال المسلمون: إنّما قتلناه في جمادى. قال السّدّيّ: وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى الآخرة. قلت: لعل جمادى كان ناقصًا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رئي تلك الليلة، فاللَّه أعلم. وهكذا روى العوفيّ، عن ابن عباس أنّ ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب، ولم يشعروا (٣). وكذا تقدّم في حديث جندب الذي رواه ابن أبي حاتم. وقد تقدّم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب، وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة، دخل أولئك في الحرم، فيتعذر عليهم ذلك، فأقدموا عليهم عالمين بذلك.

стр. 1519

وكذا قال الزُّهريُّ، عن عروة. رواه البيهقيّ (١)، فاللَّه أعلم أيُّ ذلك كان. قال الزُّهريُّ، عن عروة: فبلغنا أنَّ رسول اللَّه ﷺ ، عقل (٢) ابن الحضرميِّ، وحرّم الشهر الحرام كما كان يحرّمه، حتى أنزل اللَّه "براءة" رواه البيهقيّ (٣). قال ابن إسحاق (٤): فقال أبو بكر الصدِّيق في غزوة عبد اللَّه بن جحش جوابًا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام. قال ابن هشامٍ (٥): هي لعبد اللَّه بن جحشٍ: [من الطويل] تعدّون قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرّشد راشدُ صدودكمُ عمَّا يقول محمد … وكفر به واللَّه راءٍ وشاهد وإخراجكم من مسجد اللَّه أهلَه … لئلا يُرى للَّه في البيت ساجد فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسدُ سقَينا من ابن الحضرميّ رماحنا … بنخلةَ لمّا أوقد الحرب واقد دمًا وابن عبد اللَّه عثمان بيننا … ينازعه غُلّ من القدّ عاند (٦) فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر قال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين. وبه قال قتادة وزيد بن أسلم، وهو رواية عن محمد بن إسحاق (٧). وقد روى أحمد (٨) عن ابن عباس ما يدلّ على ذلك، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي.

стр. 1520

واللَّه أعلم. وقيل: في شعبان منها. قال ابن إسحاق: بعد غزوة عبد اللَّه بن جحش. ويقال: صرفت القِبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة (١). وحكى هذا القول ابن جرير (٢)، من طريق السّدّيّ بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. [وبه] قال الجمهور الأعظم؛ إنّها صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة. ثم حكى (٣) عن محمد بن سعد، عن الواقديّ أنّها حوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان (٤)، وفي هذا التحديد نظرٌ، واللَّه أعلم. وقد تكلّمنا على ذلك مستقصى في "التفسير" (٥) عند قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (٦)﴾ [البقرة: ١٤٤] وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطّغام (٧) على ذلك؛ لأنّه أول نسخ وقع في الإسلام. هذا وقد أحال اللَّه قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النّسخ عند قوله (٨): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٩) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وفد قال البخاريّ (١٠): حدّثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء أنّ النبيّ ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا [أو سبعة عشر شهرًا]، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنّه صلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممّن كان معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد باللَّه، لقد صلّيت مع النبيّ ﷺ قِبَل مكة. فداروا كما هم قِبَل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل اللَّه:

стр. 1521

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٣٤]. ورواه مسلم (١) من وجه آخر. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا الحسن بن عطيّة، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول اللَّه ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحبّ أن يوجّه نحو الكعبة فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال السّفهاء من الناس، وهم اليهود: ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وحاصل الأمر أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يصلّي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، كما رواه الإمام أحمد (٣)، عن ابن عباس، ﵁، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما، فصلَّى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة، واستدبر الكعبة ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا. وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية. واللَّه أعلم. وكان ﵇، يحبّ أن تصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم، وكان يكثر الدعاء والتّضرّع والابتهال إلى اللَّه، ، فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلًا ذلك، فأنزل اللَّه (٤): ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. فلمّا نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول اللَّه ﷺ المسلمين وأعلمهم بذلك. كما رواه النَّسائيُّ (٥)، عن أبي سعيد بن المعلَّى، وأنّ ذلك كان وقت الظُّهر. وقال بعض الناس (٦): نزل تحويلها بين الصلاتين. قاله مجاهد وغيره. ويؤيّد ذلك ما ثبت في "الصحيحين" (٧)، عن البراء أنّ أول صلاة صلَّاها، ﵇، إلى الكعبة بالمدينة، العصر. والعجب أنّ أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصّبح من اليوم الثاني. كما ثبت في "الصحيحين" (٨)، عن ابن عمر قال: بينما النّاس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم

стр. 1522

آتٍ، فقال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنَ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وفي "صحيح مسلم" (١)، عن أنس بن مالك نحو ذلك. والمقصود أنّه لمّا نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به اللَّه تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس، طعن طاعنون من السفهاء والجهلة الأغبياء، وقالوا: ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أنّ ذلك من اللَّه؛ لما يجدونه من صفة محمد ﷺ في كتبهم؛ من أنّ المدينة مهاجره، وأنّه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال (٢): ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. وقد أجابهم اللَّه تعالى مع هذا كلّه عن سؤالهم، وتعنّتهم، فقاك (٣): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] أي؛ هو المالك المتصرّف الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، الذي يفعل ما يشاء في خلقه، ويحكم ما يريد في شرعه، وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويضلّ من يشاء عن الطريق القويم، وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرِّضا والتَّسليم. ثم قال تعالى (٤): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي؛ خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم، وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلِّي بها موسى فمن قبله من المرسلين، كذلك جعلناكم خيار الأمم، وخلاصة العالم، وأشرف الطَّوائف، وأكرم التَّالد والطَّارف (٥)؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس؛ لإجماعهم عليكم دماشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم، كما ثبت في "صحيح البخاريّ" (٦)، عن أبي سعيد مرفوعًا مِن استشهاد نوح بهذه الأمّة يوم القيامة. وإذا استشهد بهم نوح مع تقدّم زمانه، فمن بعده بطريق الأولى والأحرى. ثم قال تعالى مبينًا حكمته في حلول نقمته بمن شكّ وارتاب بهذه الواقعة، وحلول نعمته على من صدّق وتابع هذه الكائنة، فقال (٧): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.

стр. 1523

قال ابن عباس (١): إلّا لنرى ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقعِ كبيرة المحلّ شديدة الأمر ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي؛ فهم مؤمنون بها مصدّقون لها، لا يشكّون ولا يرتابون بل يرضون ويسلِّمون، ويؤمنون، ويعملون؛ لأنّهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم. وقوله (٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا يطول استقصاؤها، وذلك مبسوط في "التفسير" (٣)، وسنزيد ذلك بيانًا في كتابنا "الأحكام الكبير" (٤). وقد روى الإمام أحمد (٥): حدّثنا عليّ بن عاصم، حدّثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمر (٦) بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ يعني في أهل الكتاب-: "إنّهم لم يحسدونا على شيءٍ كما يحسدوننا على يوم الجمعة الّتي هدانا اللَّه لها (٧) وضلُّوا عنها (٨)، وعلى القبلة الّتي هدانا اللَّه لها وضلُّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين". فصل في فرضية صوم شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر (٩) قال ابن جرير (١٠): وفي هذه السنة فرض شهر رمضان. وقد قيل: إنه فرض في شعبان منها. ثم حكى (١١) أنّ رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عنه، فقالوا: هذا يومٌ نجّى اللَّه فيه موسى، فقال: "نحن أحقّ بموسى [منكم] " فصامه، وأمر الناس

стр. 1524

بصيامه. وهذا الحديث ثابتٌ في "الصحيحين" (١) عن ابن عباسٍ. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. وقد تكلّمنا على ذلك في "التفسير" (٢) بما فيه كفايةٌ من إيراد الأحاديث المتعلّقة بذلك، والآثار المرويّة في ذلك، والأحكام المستفادة منه، وللَّه الحمد. وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا المسعوديّ، حدّثنا عمرو بن مرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوالٍ، وأحيل الصيام ثلاثة أحوالٍ. فذكر أحوال الصلاة، قال: وأمّا أحوال الصيام، فإنّ رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ، وصام عاشوراء، ثم إنّ اللَّه، ، فرض عليه الصيام، وأنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه. ثم إنّ اللَّه، ، أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حولان. قال: وكانوا يأكلون، ويشربون، ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إنّ رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة كان يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء، ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول اللَّه ﷺ قد جهد جهدًا شديدًا، فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدً؟ " فأخبره. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء (٤) بعدما نام، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزل اللَّه، : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ورواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث المسعوديّ نحوه (٥).

стр. 1525

وفي "الصحيحين" (١) من حديث الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنّها قالت: كان عاشوراء يصام، فلمّا نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وللبخاريّ (٢) عن ابن عمر وابن مسعودٍ مثله، ولتحرير هذا موضعٌ آخر من "التفسير" (٣)، ومن "الأحكام الكبير" وباللَّه المستعان. قال ابن جريرٍ (٤): وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل: إن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيومٍ أو يومين، وأمرهم بذلك. قال: وفيها صلّى النبيّ ﷺ صلاة العيد، وخرج بالناس إلى المصلّى، فكان أوّل صلاة عيدٍ صلّاها، وخرجوا بين يديه بالحربة، وكانت للزّبير، وهبها له النّجاشيّ، فكانت تحمل بين يدي رسول اللَّه ﷺ في الأعياد. قلت: وفي هذه السّنة، فيما ذكره غير واحدٍ من المتأخرين، فرضت الزّكاة ذات النّصب، كما سيأتي تفصيل ذلك كفه بعد وقعة بدرٍ، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة، وعليه التّكلان، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه العليّ العظيم. غزوة بدرٍ العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (٥) قال اللَّه تعالى (٦): ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال اللَّه تعالى (٧): ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ

стр. 1526

الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٨] وما بعدها إلى تمام القصّة من سورة "الأنفال"، وقد تكلّمنا عليها هنالك (١)، وسنورد هاهنا في كلّ موضعٍ ما يناسبه. قال ابن إسحاق (٢)، ﵀، بعد ذكره سريّة عبد اللَّه بن جحشٍ: ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ سمع بأبي سفيان صخر بن حربٍ مقبلًا من الشام في عيرٍ لقريشٍ عظيمةٍ، فيها أموالٌ وتجارةٌ، وفيها ثلاثون رجلًا أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفلٍ، وعمرو بن العاص. قال موسى بن عقبة (٣)، عن الزّهريّ: كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرميّ بشهرين. قال: وكان في العير ألف بعيرٍ، تحمل أموال قريشٍ بأسرها إلّا حويطب بن عبد العزّى، فلهذا تخلّف عن بدرٍ. قال ابن إسحاق (٤): فحدّثني محمد بن مسلم بن شهابٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد اللَّه بن أبي بكرٍ، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير، وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كلٌّ قد حدّثني بعض الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدرٍ، قالوا: لمّا سمع رسول اللَّه ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشّام، ندب المسلمين إليهم وقال: "هذه عير قريشٍ فيها أموالهم، فأخرجوا إليها؛ لعلّ اللَّه ينفّلكموها" فانتدب الناس، فخففّ (٥) بعضهم وثقل بعضٌ؛ وذلك أنّهم لم يظنّوا أنّ رسول اللَّه ﷺ يلقى حربًا، وكان أبو سفيان، حين دنا من الحجاز، يتحسّس (٦) الأخبار، ويسأل من لقي من الرّكبان؛ تخوّفًا على أموال الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الرّكبان؛ أنّ محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكّة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرٍو سريعًا إلى مكّة. قال ابن إسحاق (٧): فحدّثني من لا أتّهم، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير، قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطّلب، قبل قدوم ضمضمٍ إلى مكة بثلاث ليالٍ، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطّلب، فقالت له: يا أخي، واللَّه لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبةٌ، فاكتم عليّ ما أحدّثك. قال لها: وما رأيت؟

стр. 1527

قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعيرٍ له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا، يالغدر (١)، لمصارعكم في ثلاثٍ. [فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله، مثل (٢) به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا، يا لغدر، لمصارعكم في ثلاثٍ]. ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيسٍ (٣)، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرةً فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقي بيتٌ من بيوت مكّة ولا دارٌ إلّا دخلتها منها فلقةٌ (٤). قال العباس: واللَّه إنّ هذه لرؤيا، وأنتِ فاكتميها، لا تذكريها لأحدٍ. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه إيّاها، فذكرها الوليد لأبيه (٥) عتبة، ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريشٌ. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهلٍ بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة، فلمّا رآني أبو جهلٍ قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. فلمّا فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهلٍ: يا بني عبد المطّلب [متى حدثت فيكم هذه النّبيّة؟! قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة. قال: قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطّلب] أما رضيتم أن يتنبّا رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم؟! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنّه قال: انفروا في ثلاثٍ. فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًا ما تقول، فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيءٌ، نكتب عليكم كتابًا؛ أنّكم أكذب أهل بيتٍ في العرب. قال العباس: فواللَّه ما كان منّي إليه كبير شيءٍ، إلّا أنّي جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا. قال: ثمّ تفرّقنا، فلمّا أمسيت لم تبق امرأةٌ من بني عبد المطلب إلّا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النّساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة [لشيءٍ] ممّا سمعت؟! قال: قلت: قد واللَّه فعلت، ما كان منّي إليه من كبيرٍ، وايم اللَّه لأتعرّضنّ له، فإذا عاد لأكفيكنّه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديدٌ مغضبٌ، أرى أنّي قد فاتني منه أمرٌ أحبّ أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فواللَّه إنّي لأمشي نحوه، أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللّسان، حديد النّظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ (٦). قال: قلت في نفسي: ما له، لعنه اللَّه، أكلّ هذا فرقٌ منّي أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم

стр. 1528

أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي، واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريشٍ، اللّطيمة اللّطيمة (١)، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عنّي ما جاء من الأمر، فتجهّز الناس سراعًا وقالوا: أيظنّ محمدٌ وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ؟! واللَّه ليعلمنّ غير ذلك. وذكر موسى بن عقبة (٢) رؤيا عاتكة، كنحوٍ من سياق ابن إسحاق. قال (٣): فلمّا جاء ضمضم بن عمروٍ على تلك الصّفة، خافوا من رؤيا عاتكة، فخرجوا على الصّعب والذّلول. قال ابن إسحاق (٤): فكانوا بين رجلين؛ إمّا خارجٍ وإمّا باعثٍ مكانه رجلًا، وأوعبت قريشٌ (٥)، فلم يتخلّف من أشرافها أحدٌ، إلّا أنّ أبا لهب بن عبد المطّلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، قد أفلس بها. قال ابن إسحاق (٦): وحدّثني ابن أبي نجيحٍ، أنّ أميّة بن خلفٍ كان قد أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عقبة بن أبي معيطٍ وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرةٍ يحملها، فيها نارٌ ومجمرٌ (٧)، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا عليٍّ، استجمر، فإنّما أنت من النّساء. قال: قبّحك اللَّه، وقبّح ما جئت به. قال: ثم تجهّز، وخرج مع الناس. هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصّة. وقد رواها البخاريّ (٨) على نحوٍ آخر، فقال: حدّثني أحمد بن عثمان، حدّثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، حدّثني عمرو بن ميمونٍ، أنّه سمع عبد اللَّه بن مسعودٍ حدّث عن سعد بن معاذٍ أنّه كان صديقًا لأميّة بن خلفٍ، وكان أميّة إذا مرّ بالمدينة، نزل على سعد بن معاذٍ، وكان سعدٌ إذا مرّ بمكّة نزل على أميّة، فلمّا قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، انطلق سعد بن معاذٍ معتمرًا، فنزل على أميّة بمكّة، فقال لأميّة: انظر لي ساعة خلوةٍ؛ لعلّي أطوف بالبيت. فخرج به قريبًا

стр. 1529

من نصف النّهار، فلقيهما أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ قال: هذا سعدٌ. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكّة آمنًا، وقد آويتم الصّباة (١)، وزعمتم أنّكم تنصرونهم وتُعينونهم، أما واللَّه، لولا أنك مع أبي صفوان، ما رجحت إلى أهلك سالمًا. فقال له سعدٌ، ورفع صوته عليه: أما واللَّه، لئن منعتني هذا، لأمنعنّك ما هو أشدّ عليك منه؛ طريقك على المدينة. فقال له أميّة: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم، فإنّه سيّد أهل الوادي، قال سعدٌ: دعنا عنك يا أميّة، فواللَّه لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّهم قاتلوك". قال: بمكّة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلمّا رجع إلى أهله قال: يا أمّ صفوان، ألم تري ما قال لي سعدٌ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنّ محمدًا أخبرهم أنّهم قاتليّ، فقلت له: بمكّة؟ قالا: لا أدري. فقال أمية: واللَّه لا أخرج من مكة. فلمّا كان يوم بدرٍ، استنفر أبو جهلٍ الناس فقال: أدركوا عيركم، فكره أميّة أن يخرج، فأتاه أبو جهلٍ فقال: يا أبا صفوان، إنّك متى يراك الناس قد تخلّفت وأنت سيّد أهل الوادي، تخلّفوا معك. فلم يزل به أبو جهلٍ حتى قال: أمّا إذ غلبتني (٢)، فواللَّه لأشترينّ أجود بعيرٍ بمكّة، ثم قال أمية: يا أمّ صفوان، جهّزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلّا قريبًا. فلمّا خرج أميّة، أخذ لا ينزلا منزلًا إلّا عقل بعيره، فلم يزل كذلك حتى قتله اللَّه ببدرٍ. وقد رواه البخاريّ في موضعٍ آخر (٣)، عن أحمد بن إسحاق، عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به نحوه. تفرّد به البخاريّ (٤). وقد رواه الإمام أحمد (٥)، عن خلف بق الوليد وعن أبي سعيدٍ، كلاهما عن إسرائيل، وفي رواية إسرائيل: قالت له امرأته: واللَّه إنّ محمدًا لا يكذب. قال ابن إسحاق (٦): ولمّا فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان (٧) بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنّا نخشى أن يأتونا من خلفنا. وكانت الحرب التي كانت بين قريشٍ وبين بني بكرٍ، في ابنٍ لحفص بن الأخيف من بني عامر بن لؤيٍّ؛ قتله رجلٌ من بنىٍ بكرٍ بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوّح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفصٍ، فقتل عامرًا وخاض بسيفه في

стр. 1530

بطنه، ثم جاء من الليل فعلّقه (١) بأستار الكعبة، فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم. قال ابن إسحاق (٢): فحدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير، قال: لمّا أجمعت قريشٌ المسير، ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكرٍ، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة [بن مالك] بن جعشمٍ المدلجيّ، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا لكم جارٌ من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيءٍ تكرهونه. فخرجوا سراعًا. قلت: وهذا معنى قوله تعالى (٣): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]. غرّهم -لعنه اللَّه- حتى ساروا، وسار معهم منزلةً منزلةً، ومعه جنوده وراياته، كما قاله غير واحدٍ منهم، فأسلمهم لمصارعهم، فلمّا رأى الجدّ والملائكة تنزل للنصر، وعاين جبريل، نكص على عقبيه، وقال: إنّي بريءٌ منكم، إنّى أرى ما لا ترون، إنّي أخاف اللَّه. وهذا كقوله [تعالى] (٤): ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. وقد قال [اللَّه] تعالى (٥): ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. فإبليس -لعنه اللَّه- لمّا عاين الملائكة يومئذٍ تنزل للنصر، فرّ ذاهبًا، فكان أوّل من هرب يومئذٍ، بعد أن كان هو المشجّع لهم، المجير لهم، كما غرّهم ووعدهم ومنّاهم، وما يعدهم الشّيطان إلّا غرورًا. وقال يونس (٦) عن ابن إسحاق: خرجت قريشٌ على الصّعب والذّلول، في تسعمئةٍ وخمسين مقاتلًا، معهم مئتا فرسٍ يقودونها، ومعهم الفيان يضربن بالدّفوف، ويغنّين بهجاء المسلمين، وذكر المطعمين لقريشٍ يومًا يومًا. وذكر الأمويّ (٧) أنّ أوّل من نحر لهم، حين خرجوا من مكّة، أبو جهلٍ نحر لهم عشرًا، ثم نحر لهم أميّة بن خلفٍ بعسفان تسعًا، ونحر لهم سهيل بن عمروٍ بقديدٍ عشرًا، ومالوا من قديدٍ إلى مياهٍ نحو

стр. 1531

البحر، فظلّوا فيها وأقاموا بها يومًا، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعًا، ثم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم يومئذٍ عتبة بن ربيعة عشرًا، ثم أصبحوا بالأبواء، فَنَحَر لهم نبيهٌ ومنبّهٌ ابنا الحجّاج عشرًا، ونحر لهم العباس بن عبد المطّلب عشرًا، ونحر لهم على ماء بدرٍ أبو البختريّ عشرًا، ثم أكلوا من أزوادهم. قال الأمويّ: [حدّثنا أبي] حدّثنا أبو بكرٍ الهذليّ قال: كان مع المشركين ستّون فرسًا وستّمئة درعٍ، وكان مع رسول اللَّه ﷺ فرسان وستّون درعًا. هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكّة، ومسيرهم إلى بدرٍ. وأمّا رسول اللَّه ﷺ فقال ابن إسحاق (١): وخرج رسول اللَّه ﷺ في ليالٍ مضت من شهر رمضان، في أصحابه، واستعمل ابن أمّ مكتومٍ على الصلاة بالناس، وردّ أبا لبابة من الرّوحاء، واستعمله على المدينة، ودفع اللّواء إلى مصعب بن عميرٍ، وكان أبيض، وبين يدي رسول اللَّه ﷺ رايتان سوداوان؛ إحداهما مع عليّ بن أبي طالب، يقال لها: العقاب. والأخرى مع بعض الأنصار. قال ابن هشامٍ (٢): كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذٍ. وقال الأمويّ: وكان معهم فرسان كانت مع الحباب بن المنذر. قال ابن إسحاق (٣): وجعل رسول اللَّه ﷺ على السّاقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النّجّار. وقال الأمويّ (٤): وكان معهم فرسان، على إحداهما مصعب بن عميرٍ، وعلى الأخرى الزّبير بن العوّام، ومرّةً سعد بن خيثمة، ومرةً المقداد بن الأسود. وقد روى الإمام أحمد (٥)، من حديث أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّبٍ، عن عليٍّ قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المقداد. وروى البيهقيّ (٦)، من طريق ابن وهبٍ، عن أبي صخرٍ، عن أبي معاوية البجليّ (٧)، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنّ عليًا قال له: ما كان معنا إلّا فرسان؛ فرسٌ للزّبير، وفرسٌ للمقداد بن الأسود. يعني يوم بدرٍ.

стр. 1532

قال الأمويّ (١): حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ عن البهيّ (٢) قال: كان مع رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ فارسان؛ الزّبير بن العوّام على الميمنة، والمقداد بن الأسود على الميسرة. قال ابن إسحاق (٣): وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقبونها (٤)، فكان رسول اللَّه ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثدٍ يعتقبون بعيرًا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة (٥) يعتقبون بعيرًا. كذا قال ابن إسحاق، رحمه اللَّه تعالى. وقد قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عفان، عن حمّاد بن سلمة، حدّثنا عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيشٍ، عن عبد اللَّه بن مسعودٍ قال: كنّا يوم بدرٍ كلّ ثلاثةٍ على بعيرٍ؛ كان أبو لبابة وعليٌّ زميلَي رسول اللَّه ﷺ . قال: فكانت عقبة (٧) رسول اللَّه ﷺ ، فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما". وقد رواه النّسائيّ (٨) عن الفلّاس، عن ابن مهديٍّ، عن حمّاد بن سلمة به. قلت: ولعلّ هذا كان قبل أن يردّ أبا لبابة من الرّوحاء، ثم كان زميلاه عليٌّ ومرثدٌ بدل أبي لبابة، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٩): حدّثنا محمد بن جعفرٍ، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى (١٠)، عن سعد بن هشامٍ، عن عائشة: أنّ رسول اللَّه ﷺ أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدرٍ. وهذا على شرط "الصحيحين". وإنّما رواه النّسائي (١١)، عن أبي الأشعث، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. قال شيخنا الحافظ المزّيّ في "الأطراف" (١٢): وتابعه سعيد بن بشيرٍ (١٣)، عن قتادة، وقد رواه

стр. 1533

هشامٌ، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هرير (١)، فاللَّه أعلم. وقال البخاريّ (٢): حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، ثنا اللَّيث، عن عقيل، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالكٍ، أنّ عبد اللَّه بن كعبٍ قال: سمعت كعب بن مالكٍ يقول: لم أتخلّف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوةٍ غزاها، إلّا في غزوة تبوك، غير أنّي تخلّفت عن غزوة بدرٍ، ولم يعاتب اللَّه أحدًا تخفف عنها، إنّما خرج رسول اللَّه ﷺ يريد عير قريشٍ، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوّهم على غير ميعادٍ، تفرّد به. قال ابن إسحاق (٣): فسلك رسول اللَّه ﷺ طريقه من المدينة إلى مكّة على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة، ثم على أولات الجيش، ثم مرّ على تُربان، ثم على ملَلٍ، ثم على غَميس الحَمام، ثم على صخيرات اليمامة، ثم على السّيالة، ثم على فجّ الرّوحاء، ثم على شنوكة، وهي الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظّبية، لقي رجلًا من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرًا، فقال له الناس: سلّم على رسول اللَّه ﷺ . قال: أوَفيكم رسول اللَّه ﷺ ؟ قالوا: نعم. فسلّم عليه ثم قال: لئن كنت رسول اللَّه، فأخبرني عمّا في بطن ناقتي هذه. قال له سلمة بن سلامة بن وقشٍ: لا تسأل رسول اللَّه ﷺ وأقبل عليّ، فأنا أخبرك عن ذلك؛ نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلةٌ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "مه، أفحشت على الرجل". ثم أعرض عن سلمة، ونزل رسول اللَّه ﷺ سجسج، وهي بئر الرّوحاء، ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف، ترك طريق مكّة بيسارٍ وسلك ذات اليمين على النّازية، يريد بدرًا، فسلك في ناحيةٍ منها، حتى إذا جزع واديًا (٤) يقال له: رُحْقَان (٥) بين النازية وبين مضيق الصّفراء، ثم على المضيق، ثم انصبّ منه، حتى إذا كان قريبًا من الصّفراء، بعث بسبس بن عمرٍو الجهني، حليف بني ساعدة، وعديّ بن أبي الزّغباء، حليف بني النّجار إلى بدرٍ، يتجسّسان له الأخبار عن أبي سفيان صخر بن حربٍ وعِيره. وقال موسى بن عقبة (٦): بَعَثَهما قبل أن يخرج من المدينة، فلمّا رجعا فأخبراه بخبر العير؛ استنفر الناس إليها، فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظًا، فقد بعثهما مرّتين، واللَّه أعلم.

стр. 1534

قال ابن إسحاق، ﵀ (١): ثم ارتحل رسول اللَّه ﷺ وقد قدّمهما، فلمّا استقبل الصّفراء، وهي قريةٌ بين جبلين، سأل عن جبليها: ما أسماؤهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما: مُسلحٌ. وللآخر: مُخرئٌ، وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو النار، وبنو حراقٍ، بطنان من غفارٍ. فكرههما رسول اللَّه ﷺ والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما، فتركهما والصّفراء بيسارٍ، وسلك ذات اليمين، على وادٍ يقال له: ذفران، فجزع فيه ثم نزل، وأتاه الخبر عن قريشٍ ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريشٍ، فقام أبو بكرٍ الصدّيق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرٍو فقال: يا رسول اللَّه، امض لما أراك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت ورثك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بِرك الغُماد (٢)، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول اللَّه ﷺ خيرًا ودعا له [به]. ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "أشيروا عليّ أيّها الناس". وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنّهم كانوا عدد الناس، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول اللَّه، إنّا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمّتنا، نمنعك ممّا نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول اللَّه ﷺ يتخوّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره، إلّا ممّن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم. فلمّا قال ذلك رسول اللَّه ﷺ قال له سعد بن معاذٍ: واللَّه لكأنّك تريدنا يارسول اللَّه. قال: "أجل". قال: فقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطَّاعة لك، فامض يا رسول اللَّه لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصبُر في الحرب، صدُقٌ عند اللقاء، لعلّ اللَّه يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة اللَّه. قال: فسرّ رسول اللَّه ﷺ بقول سعدٍ ونشطه، ثم قال: "سيروا وأبشروا، فإنّ اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، واللَّه لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم". هكذا ذكره ابن إسحاق، ﵀ (٣). وله شواهد من وجوهٍ كثيرةٍ، فمن ذلك ما رواه البخاريّ في "صحيحه" (٤): حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا

стр. 1535

إسرائيل، عن مخارقٍ، عن طارق بن شهابٍ قال: سمعت ابن مسعودٍ يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه، أحبّ إليّ ممّا عدل به؛ أتى النبيّ ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبيّ ﷺ أشرق وجهه وسرّه، انفرد به البخاريّ دون مسلمٍ، فرواه في مواضع من "صحيحه"، من حديث مخارقٍ به (١). ورواه النّسائيّ (٢) من حديثه، وعنده: جاء المقداد يوم بدرٍ على فرسٍ. . . فذكره. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عبيدة، هو ابن حميدٍ، عن حميدٍ الطويل، عن أنسٍ قال: استشار النبيّ ﷺ مخرجه إلى بدرٍ، فأشار عليه أبو بكرٍ، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقال بعض الأنصار: إيّاكم يريد رسول اللَّه يا معشر الأنصار. فقال بعض الأنصار: يا رسول اللَّه (٤)، إذًا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برْك الغُماد لاتبعناك، وهذا الإسناد ثلاثيٌّ صحيح على شرط الصحيح. وقال أحمد أيضًا (٥): حدّثنا عفان، ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكٍ أنّ رسول اللَّه ﷺ شاور حيث بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلّم أبو بكرٍ فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: إيّانا يريد رسول اللَّه ﷺ ، والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بِرك الغماد لفعلنا. فندب رسول اللَّه ﷺ الناس. قال: فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا (٦) قريشٍ، وفيهم غلامٌ أسود لبني الحجّاج فأخذوه، وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول: ما لي علمٌ بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل بن هشامٍ، وعتبة بن ربيعة، [وشيبة]، وأميّة بن خلفٍ. فإذا قال ذلك ضربوه، فإذا ضربوه، قال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه قال: ما لي بأبي سفيان علمٌ، ولكن هذا أبو جهلٍ وعتبة وشيبة وأُميّة [في الناس] (٧) فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول اللَّه ﷺ قائمٌ يصلي، فلمّا رأى ذلك انصرف فقال: "والذي نفسي بيده إنّكم لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم. قال: وقال

стр. 1536

رسول اللَّه ﷺ : "هذا مصرع فلان غدًا". يضعَ يده على الأرض هاهنا وهاهنا. فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول اللَّه ﷺ . ورواه مسلمٌ (١)، عن أبي بكرٍ، عن عفّان به نحوه. وقد روى ابن أبي حاتمٍ في "تفسيره"، وابن مردويه (٢)، واللفظ له، من طريق عبد اللَّه بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أسلم، عن أبي عمران، أنّه سمع أبا أيوب الأنصاريّ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ ونحن بالمدينة: "إنّي أخبرت عن عير أبي سفيان أنّها مقبلةٌ، فهل لكم أن نخرج قِبَل هذه العير، لعلّ اللَّه يغنمناها؟ ". فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلمّا سرنا يومًا أو يومين، قال لنا: "ما ترون في القوم، فإنّهم قد أخبروا بمخرجكم؟ ". فقلنا: لا واللَّه، ما لنا طاقةٌ بقتال القوم، ولكنّا أردنا العير. ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ ". فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمروٍ: إذًا لا نقول لك يا رسول اللَّه كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. قال: فتمنّينا معشر الأنصار لو أنّا قلنا مثل ما قال المقداد، أحبّ إلينا من أن يكون لنا مالٌ عظيمٌ. قال: فأنزل اللَّه، ، على رسوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]. وذكر تمام الحديث. وروى ابن مردويه أيضًا (٣)، من طريق محمد بن عمروٍ بن علقمة بن وقّاصٍ اللّيثيّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بدرٍ، حتى إذا كان بالرّوحاء، خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ ". فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللَّه، بلغنا أنّهم بكذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ ". فقال عمر مثل قول أبي بكرٍ، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ ". فقال سعد بن معاذٍ: يا رسول اللَّه، إيّانا تريد، فوالّذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قطّ، ولا لي بها علمٌ، ولئن سرت حتى تأتي بِرك الغماد من ذي يمنٍ، لنسيرنّ معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم متّبعون، ولعلّك أن تكون خرجت لأمرٍ وأحدث اللَّه إليك غيره، فانظر الذي أحدث اللَّه إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعدٍ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الآيات.

стр. 1537

وذكره الأمويّ في "مغازيه" (١)، وزاد بعد قوله: وخذ من أموالنا ما شئت: وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا ممّا تركت، وما أمرت به من أمرٍ، فأمرنا تبعٌ لأمرك، فواللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غُمدان (٢)، لنسيرنّ معك. قال ابن إسحاق (٣): ثم ارتحل رسول اللَّه ﷺ من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال لها: الأصافرُ، ثم انحطّ منها إلى بلدٍ يقال له: الدّبة (٤). وترك الحنّان بيمينٍ، وهو كثيبٌ عظيمٌ كالجبل العظيم، ثم نزل قريبًا من بدرٍ، فركب هو ورجلٌ من أصحابه. قال ابنُ هشامٍ: هو أبو بكرٍ. قال ابن إسحاق (٥): -كما حدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان-: حتى وقف على شيخٍ من العرب، فسأله عن قريشٍ وعن محمدٍ وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممّن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إذا أخبرتنا أخبرناك". فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: "نعم". قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به رسول اللَّه ﷺ وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به قريشٌ- فلمّا فرغ من خبره قال: ممّن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "نحن من ماءٍ". ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماءٍ؟ أمن ماء العراق؟ قال ابن هشامٍ: يقال لهذا الشيخ: سفيان الضّمريّ. قال ابن إسحاق (٦): ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه، فلمّا أمسى بعث عليّ بن أبي طالبٍ، والزّبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاصٍ، في نفرٍ من أصحابه إلى ماء بدرٍ، يلتمسون الخبر له، كما حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير (٧)، فأصابوا راويةً لقريشٍ، فيها أسلم غلام بني الحجّاج، وعريضٌ أبو يسارٍ غلام بني العاص بن سعيدٍ، فأتوا بهما، فسألوهما، ورسول اللَّه ﷺ قائمٌ يصلي، فقالوا: نحن سقاة قريشٍ، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان،

стр. 1538

فضربوهما، فلمّا أذلقوهم (١) قالا: نحن لأبي سفيان. فتركوهما، وركع رسول اللَّه ﷺ ، وسجد سجدتيه وسلّم، وقال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا واللَّه، إنّهما لقريشٍ، أخبراني عن قريشٍ". قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. والكثيب: العقنقل (٢). فقال لهما رسول اللَّه ﷺ : "كم القوم؟ " قالا: كثيرٌ. قال: "ما عدّتهم؟ ". قالا: لا ندري. قال: "كم ينحرون كلّ يومٍ؟ ". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "القوم ما بين التّسعمئة إلى الألف". ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريشٍ؟ ". قالا: عتبة بن رَبيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختريّ بن هشامٍ، وحكيم بن حزامٍ، ونوفل بن خويلدٍ، والحارث بن عامرٍ بن نوفلٍ، وطعيمة بن عديّ بن نوفلٍ، والنّضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشامٍ، وأميّة بن خلفٍ، ونبيهٌ ومنبِّهٌ ابنا الحجّاج، وسهيل بن عمروٍ، وعمرو بن عبد ودٍّ. قال: فأقبل رسول اللَّه ﷺ على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها". قال ابن إسحاق (٣): وكان بسبس بن عمروٍ، وعديّ بن أبي الزّغباء (٤) قد مضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تلٍّ قريبٍ من الماء، ثم أخذا شنًّا (٥) لهما يستقيان فيه، ومجديّ بن عمروٍ الجهنيّ على الماء، فسمع عديٌّ وبسبسٌ جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدًا أو بعد غدٍ، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجديٌّ: صدقت. ثم خلّص بينهما. وسمع ذلك عديٌّ وبسبسٌ، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول اللَّه ﷺ ، وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذرًا، حتى ورد الماء، فقال لمجديّ بن عمروٍ: هل أحسست أحدًا؟ قال: ما رأيت أحدًا أنكره، إلّا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التّلّ، ثم استقيا في شنٍّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه، فإذا فيه النّوى، فقال: هذه واللَّه علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها (٦) وترك بدرًا بيسارٍ، وانطلق حتى أسرع، وأقبلت قريشٌ، فلمّا نزلوا الجحفة، رأى جهيم بنُ الصّلت بن مخرمة ابن المطّلب بن عبد منافٍ رؤيا، فقال: إنّي رأيت (٧) فيما يرى النائم، وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجلٍ قد أقبل على فرسٍ، حتى وقف ومعه بعيرٌ له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشامٍ، وأميّة بن خلفٍ، وفلانٌ، وفلانٌ. فعدّ رجالًا ممّن قتل يوم بدرٍ من

стр. 1539

أشراف قريشٍ، ثم رأيته ضرب في لبّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباءٌ من أخبية العسكر إلّا أصابه نضحٌ من دمه. فبلغت أبا جهلٍ، لعنه اللَّه، فقال: هذا أيضًا نبيٌّ آخر من بني المطّلب، سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا. قال ابن إسحاق (١): ولمّا رأى أبو سفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها اللَّه، فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشامٍ: واللَّه لا نرجع حتى نرد بدرًا -وكان بدرٌ موسمًا من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوقٌ كلّ عامٍ- فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فامضوا. وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهبٍ الثّقفيّ، وكان حليفًا لبني زهرة، وهم بالجحفة: يا بني زهرة، قد نجّى اللَّه لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفلٍ، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جُبنها وارجعوا، فإنّه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعةٍ، لا ما يقول هذا. قال: فرجعوا، فلم يشهدها زهريٌّ واحدٌ؛ أطاعوه وكان فيهم مطاعًا، ولم يكن بقي بطنٌ من قريشٍ إلّا وقد نفر منهم ناسٌ، إلّا بني عديٍّ، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس، فلم يشهد بدرًا من هاتين القبيلتين أحدٌ. قال: ومضى القوم، وكان بين طالب بن أبي طالبٍ -وكان في القوم- وبين بعض قريشٍ محاورةٌ، فقالوا: واللَّه لقد عرفنا يا بني هاشمٍ، وإن خرجتم معنا، أنّ هواكم مع محمدٍ. فرجع طالبٌ إلى مكة مع من رجع، وقال في ذلك: [من الرجز] لاهُمّ إمّا يغزونّ طالبْ … في عصبةٍ محالفُ (٢) محاربْ في مِقنبٍ (٣) من هذه المقانبْ … فليكن المسلوب غير السّالبْ وليكن المغلوب غير الغالبْ قال ابن إسحاق (٤): ومضت قريشٌ حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي، وهو يليل، بين بدرٍ وبين العقنقل، الكثيب الذي خلفه قريشٌ، والقليب ببدرٍ، في العدوة الدّنيا من بطن يليل إلى المدينة. قلت: وفي هذا قال اللَّه تعالى (٥): ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي؛ من ناحية الساحل. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ

стр. 1540

مَفعُولًا﴾ الآيات [الأنفال: ٤٢]. وبعث اللَّه السماء، وكان الوادي دهسًا (١)، فأصاب رسول اللَّه ﷺ وأصحابه منها ماءٌ، لبّد لهم الأرض (٢)، ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشًا منها ماءٌ لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. قلت: وفي هذا قوله تعالى (٣): ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]. فذكر أنّه طهّرهم ظاهرًا وباطنًا، وأنّه ثَبّت أقدامهم، وشجّع قلوبهم، وأذهب عنهم تخذيل الشيطان، وتخويفه للنفوس ووسوسته للخواطر، وهذا تثبيت الباطن والظاهر، وأنزل النصر عليهم من فوقهم، في قوله (٤): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. أي: على الرءوس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. أي: لئلّا يستمسك منهم السلاح. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٤]. قال ابن جرير (٥): حدّثني هارون بن إسحاق، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا إسرائيل، ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: أصابنا من الليل طشٌّ من المطر (٦)، يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدرٍ، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف، نستظلّ تحتها من المطر، وبات رسول اللَّه ﷺ ، يعني قائمًا يصلّي (٧)، وحرّض على القتال. وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضربٍ، عن عليٍّ قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلّا نائمٌ، إلّا رسول اللَّه ﷺ تحت شجرةٍ يصلّي ويبكي حتى أصبح. وسيأتي هذا الحديث مطوّلًا. ورواه النّسائيّ (٩)، عن بندارٍ، عن غندرٍ، عن شعبة به.

стр. 1541

وقال مجاهدُ (١): أنزل عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، وتلبّدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. قلت: وكانت ليلة بدرٍ، ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول اللَّه ﷺ تلك الليلة يصلّي إلى جذم شجرةٍ هناك، ويكثر في سجوده أن يقول: "يا حيّ يا قيّوم". يكرّر ذلك ويلظّ به، ﵇ (٢). قال ابن إسحاق (٣): فخرج رسول اللَّه ﷺ يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ، نزل به. قال ابن إسحاق (٤): فحُدّثت عن رجالٍ من بني سلِمة، أنّهم ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه اللَّه، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرّأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: يا رسول اللَّه، فإنّ هذا ليس بمنزلٍ، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغوّر (٥) ما وراءه من القلب (٦)، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول اللَّه ﷺ "لقد أشرت بالرأي". قال الأمويّ (٧): حدّثنا أبي، قال: وزعم الكلبيّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ قال: بينا رسول اللَّه ﷺ يجمع الأقباص، وجبريل عن يمينه، إذ أتاه ملكٌ من الملائكة، فقال: يا محمد، إنّ اللَّه يقرأ عليك السلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو السّلام، ومنه السلام، وإليه السلام". فقال الملك: إنّ اللَّه يقول لك: إنّ الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا جبريل، هل تعرف هذا؟ ". فقال: ما كلُّ أهل السماء أعرف، وإنّه لصادقٌ، وما هو بشيطانٍ.

стр. 1542

فنهض رسول اللَّه ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماءٍ من القوم، نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماءً ثم قذفوا فيه الآنية. وذكر بعضهم أنّ الحباب بن المنذر لمّا أشار بما أشار به على رسول اللَّه ﷺ ، نزل ملكٌ من السماء، وجبريل عند النبيّ ﷺ ، فقال الملك: يا محمد، ربّك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنّ الرأي ما أشار به الحباب. فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى جبريل، فقال: ليس كل الملائكة أعرفهم، وإنّه مَلكٌ وليس بشيطانٍ. وذكر الأمويّ، أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل، وأنّهم نزلوا فيه، واستقوا منه، وملؤوا الحياض حتى أصبحت ملاءً، وليس للمشركين ماءٌ. قال ابن إسحاق (١): فحدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، أنّه حدّث أنّ سعد بن معاذٍ قال: يا نبيّ اللَّه، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا اللَّه وأظهرنا على عدوّنا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى؛ جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا (٢)، فقد تخلّف عنك أقوامٌ ما نحن بأشدّ حبًّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا، ما تخفلَّوا عنك، يمنعك اللَّه بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول اللَّه ﷺ خيرًا ودعا له بخيرٍ، ثم بني لرسول اللَّه ﷺ عريشٌ كان فيه. قال ابن إسحاق (٣): وقد ارتحلت قريشٌ حين أصبحت، فأقبلت، فلمَّا رآها رسول اللَّه ﷺ تَصوّب (٤) من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال: "اللهمّ هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللهمّ أحنهم (٥) الغداة". وقد قال رسول اللَّه ﷺ وقد رأى عثبة بن ربيعة في القوم، وهو على جملٍ له أحمر: "إن يكن في أحدٍ من القوم خيرٌ، فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا". قال (٦): وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة، أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاريّ، بعث إلى قريشٍ ابنًا له بجزائر (٧) أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاحٍ ورجال، فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه، أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري إن كنّا إنّما نقاتل الناس، ما بنا ضعفٌ عنهم، وإن كنا إنّما نقاتل اللَّه، كما يزعم محمدٌ، فما لأحدٍ باللَّه من طاقةٍ.

стр. 1543

قال (١): فلمّا نزل الناس، أقبل نفرٌ من قريشٍ حتى وردوا حوض رسول اللَّه ﷺ ، فيهم حكيمُ بنُ حِزَامٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوهم". فما شرب منه رجلٌ يومئذٍ إلّا قتل، إلّا ما كان من حكيم بن حزامٍ، فإنّه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجّاني يوم بدرٍ. قلت: وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يومئذٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلًا، كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم، إن شاء اللَّه. ففي "صحيح البخاريّ" (٢)، عن البراء قال: كنّا نتحدّث أنّ أصحاب بدرٍ ثلاثمئةٍ وبضعة عشر، على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النّهر، وما جاوزه معه إلّا مؤمنٌ. وللبخاريّ أيضًا (٣) عنه قال: استُصغرت أنا وابن عمر يوم بدرٍ، وكان المهاجرون يوم بدرٍ نيّفًا على ستين، والأنصار نيّفًا وأربعين ومئتين. وروى الإمام أحمد (٤)، عن نصر بن بابٍ (٥)، عن حجّاجٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ أنّه قال: كان أهل بدرٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلًا، وكان المهاجرون ستةً وسبعين، وكان هزيمة أهل بدرٍ لسبع عشرة مضين، يوم الجمعة، في شهر رمضان. وقال اللَّه تعالى (٦): ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ الآية [الأنفال: ٤٣]. وكان ذلك في منامه تلك الليلة. وقيل: إنه نام في العريش، وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم، فجعل الصدّيق يوقظه، ويقول: يا رسول اللَّه، دنوا منّا، فاستيقظ. وقد أراه اللَّه إياهم في منامه قليلًا. ذكره الأموى (٧). وهو غريبٌ جدًّا. وقال تعالى (٨): ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. فعندما تقابل الفريقان، قلّل اللَّه كلًا منهما في أعين الآخرين، ليجترئ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارضًا لقوله

стр. 1544

تعالى في سورة "آل عمران" (١): ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنّ المعنى في ذلك، على أصحّ القولين، أنّ الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة، على الصحيح أيضًا، وذلك عند التحام الحرب والمسايفة (٢) أوقع اللَّه الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولًا بأن أراهم إيّاهم عند المواجهة قليلًا، ثم أيّد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضِّعف منهم، حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال إسرائيل (٣)، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة (٤)، عن عبد اللَّه: لقد قُلّلوا في أعيننا يوم بدرٍ، حتى إنّي لأقول لرجلِ إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئةً. قال ابن إسحاق (٥): وحدّثني أبي إسحاق بن يسارٍ، وغيره من أهل العلم، عن أشياخٍ من الأنصار قالوا: لمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهبٍ الجمحيّ، فقالوا: احزر (٦) لنا القوم أصحاب محمدٍ. قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجلٍ، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر؛ أللقوم كمين أو مددٌ. قال: فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكن قد رأيت، يا معشر قريشٍ، البلايا (٧) تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت النّاقع، قومٌ ليس لهم منعةٌ ولا ملجأ إلّا سيوفهم، واللَّه ما ما أرى أن يقتل رجلٌ منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلمّا سمع حكيم بن حزامٍ ذلك، مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريشٍ وسيّدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخيرٍ إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ. قال: قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظليّه (٨) -يعني أبا جهل- فإنّي لا أخشى أن يشجُر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبًا، فقال: يا معشر قريشٍ، إنّكم واللَّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، واللَّه لئن أصبتموه؛ لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجلٍ يكره النظر إليه؛ قتل

стр. 1545

ابن عمّه، أو ابن خاله، أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا، وخلّوا بين محمدٍ وبين سائر العرب، فإن أصابوه، فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك، ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون. قال حكيمٌ: فانطلقت حتى جئت أبا جهلٍ، فوجدته قد نثل درعًا له، فهو يهنئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا. فقال: انتفخ واللَّه سحره (١) حين رأى محمدًا وأصحابه، فلا واللَّه لا نرجع حتى يحكُم اللَّه بيننا وبين محمدٍ، وما بعتبة ما قال، ولكنّه رأى محمدًا وأصحابه أكلة جزورٍ، وفيهم ابنه، فقد تخوَّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك (٢) ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه. قال: فحميت الحرب، وحقب (٣) أمر الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلمّا بلغ عتبة قول أبي جهلٍ: انتفخ واللَّه سحره. قال: سيعلم مصفّر استه (٤) من انتفخ سحره، أنا أم هو. ثم التمس عتبة بيضةً؛ ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضةً تسعه؛ من عظم رأسه، فلمّا رأى ذلك اعتجر (٥) على رأسه ببردٍ له. وقد روى ابن جريرٍ (٦)، من طريق مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم، إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزامٍ يستأذن. قال: ائذن له. فلمّا دخل قال: مرحبًا يا أبا خالدٍ، ادن. فحال له عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة، ثم استقبله فقال: حدَّثنا حديث بدرٍ. فقال: خرجنا حتى إذا كنّا بالجحفة رجعت قبيلةٌ من قبائل قريشٍ بأسرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدرًا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال اللَّه تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمدٍ إلّا دم ابن الحضرميّ، وهو حليفك، فتحمّل بديته، ويرجع الناس. فقال: أنت عليّ بذلك، واذهب إلى ابن الحنظليّة، يعني أبا جهل، فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعةٍ من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقفٌ على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمسٍ، وعقدي اليوم إلى بني مخزومٍ. فقلت له: يقول لك
следующие страницы →