← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقال مجاهدُ (١): أنزل عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، وتلبّدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. قلت: وكانت ليلة بدرٍ، ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول اللَّه ﷺ تلك الليلة يصلّي إلى جذم شجرةٍ هناك، ويكثر في سجوده أن يقول: "يا حيّ يا قيّوم". يكرّر ذلك ويلظّ به، ﵇ (٢). قال ابن إسحاق (٣): فخرج رسول اللَّه ﷺ يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ، نزل به. قال ابن إسحاق (٤): فحُدّثت عن رجالٍ من بني سلِمة، أنّهم ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه اللَّه، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرّأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: يا رسول اللَّه، فإنّ هذا ليس بمنزلٍ، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغوّر (٥) ما وراءه من القلب (٦)، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول اللَّه ﷺ "لقد أشرت بالرأي". قال الأمويّ (٧): حدّثنا أبي، قال: وزعم الكلبيّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ قال: بينا رسول اللَّه ﷺ يجمع الأقباص، وجبريل عن يمينه، إذ أتاه ملكٌ من الملائكة، فقال: يا محمد، إنّ اللَّه يقرأ عليك السلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو السّلام، ومنه السلام، وإليه السلام". فقال الملك: إنّ اللَّه يقول لك: إنّ الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا جبريل، هل تعرف هذا؟ ". فقال: ما كلُّ أهل السماء أعرف، وإنّه لصادقٌ، وما هو بشيطانٍ.

стр. 1542

فنهض رسول اللَّه ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماءٍ من القوم، نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماءً ثم قذفوا فيه الآنية. وذكر بعضهم أنّ الحباب بن المنذر لمّا أشار بما أشار به على رسول اللَّه ﷺ ، نزل ملكٌ من السماء، وجبريل عند النبيّ ﷺ ، فقال الملك: يا محمد، ربّك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنّ الرأي ما أشار به الحباب. فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى جبريل، فقال: ليس كل الملائكة أعرفهم، وإنّه مَلكٌ وليس بشيطانٍ. وذكر الأمويّ، أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل، وأنّهم نزلوا فيه، واستقوا منه، وملؤوا الحياض حتى أصبحت ملاءً، وليس للمشركين ماءٌ. قال ابن إسحاق (١): فحدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، أنّه حدّث أنّ سعد بن معاذٍ قال: يا نبيّ اللَّه، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا اللَّه وأظهرنا على عدوّنا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى؛ جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا (٢)، فقد تخلّف عنك أقوامٌ ما نحن بأشدّ حبًّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا، ما تخفلَّوا عنك، يمنعك اللَّه بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول اللَّه ﷺ خيرًا ودعا له بخيرٍ، ثم بني لرسول اللَّه ﷺ عريشٌ كان فيه. قال ابن إسحاق (٣): وقد ارتحلت قريشٌ حين أصبحت، فأقبلت، فلمَّا رآها رسول اللَّه ﷺ تَصوّب (٤) من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال: "اللهمّ هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللهمّ أحنهم (٥) الغداة". وقد قال رسول اللَّه ﷺ وقد رأى عثبة بن ربيعة في القوم، وهو على جملٍ له أحمر: "إن يكن في أحدٍ من القوم خيرٌ، فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا". قال (٦): وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة، أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاريّ، بعث إلى قريشٍ ابنًا له بجزائر (٧) أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاحٍ ورجال، فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه، أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري إن كنّا إنّما نقاتل الناس، ما بنا ضعفٌ عنهم، وإن كنا إنّما نقاتل اللَّه، كما يزعم محمدٌ، فما لأحدٍ باللَّه من طاقةٍ.

стр. 1543

قال (١): فلمّا نزل الناس، أقبل نفرٌ من قريشٍ حتى وردوا حوض رسول اللَّه ﷺ ، فيهم حكيمُ بنُ حِزَامٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوهم". فما شرب منه رجلٌ يومئذٍ إلّا قتل، إلّا ما كان من حكيم بن حزامٍ، فإنّه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجّاني يوم بدرٍ. قلت: وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يومئذٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلًا، كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم، إن شاء اللَّه. ففي "صحيح البخاريّ" (٢)، عن البراء قال: كنّا نتحدّث أنّ أصحاب بدرٍ ثلاثمئةٍ وبضعة عشر، على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النّهر، وما جاوزه معه إلّا مؤمنٌ. وللبخاريّ أيضًا (٣) عنه قال: استُصغرت أنا وابن عمر يوم بدرٍ، وكان المهاجرون يوم بدرٍ نيّفًا على ستين، والأنصار نيّفًا وأربعين ومئتين. وروى الإمام أحمد (٤)، عن نصر بن بابٍ (٥)، عن حجّاجٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ أنّه قال: كان أهل بدرٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلًا، وكان المهاجرون ستةً وسبعين، وكان هزيمة أهل بدرٍ لسبع عشرة مضين، يوم الجمعة، في شهر رمضان. وقال اللَّه تعالى (٦): ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ الآية [الأنفال: ٤٣]. وكان ذلك في منامه تلك الليلة. وقيل: إنه نام في العريش، وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم، فجعل الصدّيق يوقظه، ويقول: يا رسول اللَّه، دنوا منّا، فاستيقظ. وقد أراه اللَّه إياهم في منامه قليلًا. ذكره الأموى (٧). وهو غريبٌ جدًّا. وقال تعالى (٨): ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. فعندما تقابل الفريقان، قلّل اللَّه كلًا منهما في أعين الآخرين، ليجترئ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارضًا لقوله

стр. 1544

تعالى في سورة "آل عمران" (١): ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنّ المعنى في ذلك، على أصحّ القولين، أنّ الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة، على الصحيح أيضًا، وذلك عند التحام الحرب والمسايفة (٢) أوقع اللَّه الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولًا بأن أراهم إيّاهم عند المواجهة قليلًا، ثم أيّد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضِّعف منهم، حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال إسرائيل (٣)، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة (٤)، عن عبد اللَّه: لقد قُلّلوا في أعيننا يوم بدرٍ، حتى إنّي لأقول لرجلِ إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئةً. قال ابن إسحاق (٥): وحدّثني أبي إسحاق بن يسارٍ، وغيره من أهل العلم، عن أشياخٍ من الأنصار قالوا: لمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهبٍ الجمحيّ، فقالوا: احزر (٦) لنا القوم أصحاب محمدٍ. قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجلٍ، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر؛ أللقوم كمين أو مددٌ. قال: فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكن قد رأيت، يا معشر قريشٍ، البلايا (٧) تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت النّاقع، قومٌ ليس لهم منعةٌ ولا ملجأ إلّا سيوفهم، واللَّه ما ما أرى أن يقتل رجلٌ منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلمّا سمع حكيم بن حزامٍ ذلك، مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريشٍ وسيّدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخيرٍ إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ. قال: قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظليّه (٨) -يعني أبا جهل- فإنّي لا أخشى أن يشجُر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبًا، فقال: يا معشر قريشٍ، إنّكم واللَّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، واللَّه لئن أصبتموه؛ لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجلٍ يكره النظر إليه؛ قتل

стр. 1545

ابن عمّه، أو ابن خاله، أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا، وخلّوا بين محمدٍ وبين سائر العرب، فإن أصابوه، فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك، ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون. قال حكيمٌ: فانطلقت حتى جئت أبا جهلٍ، فوجدته قد نثل درعًا له، فهو يهنئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا. فقال: انتفخ واللَّه سحره (١) حين رأى محمدًا وأصحابه، فلا واللَّه لا نرجع حتى يحكُم اللَّه بيننا وبين محمدٍ، وما بعتبة ما قال، ولكنّه رأى محمدًا وأصحابه أكلة جزورٍ، وفيهم ابنه، فقد تخوَّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك (٢) ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه. قال: فحميت الحرب، وحقب (٣) أمر الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلمّا بلغ عتبة قول أبي جهلٍ: انتفخ واللَّه سحره. قال: سيعلم مصفّر استه (٤) من انتفخ سحره، أنا أم هو. ثم التمس عتبة بيضةً؛ ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضةً تسعه؛ من عظم رأسه، فلمّا رأى ذلك اعتجر (٥) على رأسه ببردٍ له. وقد روى ابن جريرٍ (٦)، من طريق مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم، إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزامٍ يستأذن. قال: ائذن له. فلمّا دخل قال: مرحبًا يا أبا خالدٍ، ادن. فحال له عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة، ثم استقبله فقال: حدَّثنا حديث بدرٍ. فقال: خرجنا حتى إذا كنّا بالجحفة رجعت قبيلةٌ من قبائل قريشٍ بأسرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدرًا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال اللَّه تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمدٍ إلّا دم ابن الحضرميّ، وهو حليفك، فتحمّل بديته، ويرجع الناس. فقال: أنت عليّ بذلك، واذهب إلى ابن الحنظليّة، يعني أبا جهل، فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعةٍ من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقفٌ على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمسٍ، وعقدي اليوم إلى بني مخزومٍ. فقلت له: يقول لك

стр. 1546

عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم [عن ابن عمّك] (١) بمن معك؟ قال: أما وجد رسولًا غيرك؟ قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عتبة لئلّا يفوتني من الخبر شيءٌ، وعتبة متّكئٌ على إيماء بن رحضة الغفاريّ، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشّرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك؟ فقال له عتبة: ستعلم. فسلّ أبو جهلٍ سيفه، فضرب به متن فرسه. فقال إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. فعند ذلك قامت الحرب. وقد صفّ رسول اللَّه ﷺ أصحابه وعبّأهم أحسن تعبئةٍ، فروى التّرمذيّ (٢)، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال: صفّنا رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ ليلًا. وروى الإمام أحمد (٣)، من حديث ابن لهيعة: حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ، أنّ أسلم أبا عمران حدّثه، أنّه سمع أبا أيوب يقول: صَفَفنا يوم بدرٍ، فبدرت منّا بادرةٌ أمام الصفّ، فنظر إليهم النبيّ ﷺ فقال: "معي معي" تفرّد به أحمد. وهذا إسنادٌ حسنٌ. وقال ابن إسحاق (٤): وحدّثني حَبّان بن واسع بن حبّان، عن أشياخٍ من قومه، أنّ رسول اللَّه ﷺ عدّل صفوف أصحابه يوم بدرٍ، وفي يده قدحٌ (٥) يعدّل به القوم، فمرّ بسواد بن غزيّة حليف بني عديِّ بن النّجّار، وهو مستنتلُ (٦) من الصفّ، فطعن في بطنه بالقدح وقال: "استوِ يا سواد". فقال: يا رسول اللَّه، أوجعتني، وقد بعثك اللَّه بالحقّ والعدل، فأقدني. فكشف رسول اللَّه ﷺ عن بطنه، فقال: "استقد". قال: فاعتنقه فقبّل بطنه، فقال: "ما حملك على هذا يا سواد؟ ". قال: يا رسول اللَّه، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك، أن يمسّ جلدي جلدك. فدعا له رسول اللَّه ﷺ بخيرٍ وقالة (٧). قال ابن إسحاق (٨): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول اللَّه، ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: "غمسه يده في العدوّ حاسرًا". فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه، فقاتل حتى قتل، ﵁.

стр. 1547

قال ابن إسحاق (١): ثم عدّل رسول اللَّه ﷺ الصّفوف، ورجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكرٍ، ليس معه فيه غيره. وقال ابن إسحاق وغيره (٢): وكان سعد بن معاذٍ، ﵁، واقفًا على باب العَرِيِش متقلّدًا بالسيف، ومعه رجالٌ من الأنصار يحرسون رسول اللَّه ﷺ خوفًا عليه من أن يدهمه العدوّ من المشركين. والجنائب النّجائب مهيّأةٌ لرسول اللَّه ﷺ ، إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة، كما أشار به سعد بن معاذٍ. وقد روى البزّار في "مسنده" (٣) من حديث محمد بن عقيل، عن عليِّ أنّه خطبهم فقال: يا أيّها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنّي ما بارزني أحدٌ إلّا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكرٍ؛ إنّا جعلنا لرسول اللَّه ﷺ عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول اللَّه ﷺ ؛ لئلّا يهوي إليه أحدٌ من المشركين؟ فواللَّه ما دنا منّا أحدٌ إلّا أبو بكرٍ، شاهرًا بالسيف على رأس رسول اللَّه ﷺ لا يهوي إليه أحدٌ، إلّا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وأخذته قريشٌ؛ فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فواللَّه ما دنا منّا أحد إلّا أبو بكرٍ، يضرب هذا ويجأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلًا أن يقول: ربّي اللَّه. ثم رفع عليٌّ بردةً كانت عليه، فبكى حتى اخضلّت لحيته ثم قال: أنشدكم اللَّه، أَمؤمن آل فرعون خيرٌ أم هو؟ فسكت القوم فقال عليٌّ: فواللَّه، لساعةٌ من أبي بكرٍ، خيرٌ من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون؛ ذاك رجلٌ يكتم إيمانه، وهذا رجلٌ أعلن إيمانه، ثم قال البزّار: لا نعلمه يروى إلّا من هذا الوجه. فهذه خصوصيّةٌ للصدّيق حيث هو مع الرسول ﷺ في العريش، كما كان معه في الغار، ﵁ وأرضاه، ورسول اللَّه ﷺ يكثر الابتهال والتضرّع والدّعاء، ويقول فيما يدعو به: "اللهمّ إنّك إن تَهلك هذه العصابةُ، لا تعبد بعدها في الأرض". وجعل يهتف بربّه، ، ويقول: "اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ نصرك". ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرّداء عن منكبيه، وجعل أبو بكرٍ، ﵁، يلتزمه من ورائه، ويسوّي عليه رداءه، ويقول مشفقًا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول اللَّه، بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك (٤). هكذا حكى السّهيليّ عن قاسم بن ثابتٍ أنّ الصدّيق إنّما قال: بعض مناشدتك ربّك. من باب الإشفاق؛ لما رأى من نصبه في الدّعاء والتضرّع، حتى سقط الرّداء عن منكجيه فقال: بعض هذا يا رسول اللَّه، أي؛ لم تتعب نفسك هذا التعب، واللَّه قد وعدك

стр. 1548

بالنصر، وكان، ﵁، رقيق القلب، شديد الإشفاق على رسول اللَّه ﷺ (١). وحكى السّهيليّ عن شيخه أبي بكر بن العربيّ (٢) أنّه قال: كان رسول اللَّه ﷺ في مقام الخوف، والصدّيق في مقام الرجاء، وكان مقام الخوف في هذا الوقت يعني أكمل. قال: لأنّ للَّه أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادةٌ. قلت: وأمّا قول بعض الصّوفيّة: إنّ هذا المقام، في مقابلة ما كان يوم الغار. فهو قولٌ مردودٌ على قائله؛ إذ لم يتدبّر هذا القائل عور (٣) ما قال، ولا لازمه، ولا ما يترتّب عليه، واللَّه أعلم (٤). هذا وقد تواجه الفئتان، وتقابل الفريقان، وحضر الخصمان، بين يدي الرحمن، واستغاث بربّه سيّد الأنبياء، وضجّ الصّحابة بصنوف الدّعاء، إلى ربّ الأرض والسماء، سامع الدعاء وكاشف البلاء، فكان أوّل من قتل من المشركين، الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ. قال ابن إسحاق (٥): وكان رجلًا شرسًا سيّئ الخلق فقال: أعاهد اللَّه لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فلمّا خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطّلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة، فأطنّ (٦) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد -زعم- أن يبرّ يمينه، واتّبعه حمزة، فضربه حتى قتله في الحوض. قال الأمويّ (٧): فحمي عند ذلك عتبة بن ربيعة، وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلمّا توسّطوا بين الصّفّين، دعوا إلى البراز، فخرج إليهم فتيةٌ من الأنصار ثلاثةٌ، وهم: عوفٌ ومعوّذٌ ابنا الحارث، وأمّهما عفراء، والثالث عبد اللَّه بن رواحة، فيما قيل، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهطٌ من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم من حاجةٍ. وفي روايةٍ (٨): فقالوا: أكفاءٌ كرامٌ، ولكن أخرجوا

стр. 1549

إلينا من بني عمّنا. ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبيّ ﷺ : "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ" (١). وعند الأمويّ، أن النّفر من الأنصار لمّا خرجوا، كره ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنّه أول موقفٍ واجه فيه رسول اللَّه ﷺ أعداءه، فأحبّ أن يكون أولئك من عشيرته، فأمرهم بالرّجوع، وأمر أولئك الثلاثة بالخروج. قال ابن إسحاق (٢): فلمَّا دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ وفي هذا دليلٌ أنّهم كانوا ملبّسين، لا يُعرفون من السلاح، فقال عبيدة: عبيدة. وقال حمزة: حمزة. وقال عليٌّ: عليٌّ. قالوا: نعم، أكفاءٌ كرامٌ. فبارز عبيدة، وكان أسنّ القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليٌّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة، فلم يمهل شيبة أن قتله، وأمّا عليٌّ، فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليٌّ بأسيافهما على عتبة، فذفّفا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، ﵁. وقد ثبت في الصحيحين (٣)، من حديث أبي مجلزٍ، عن قيس بن عبادٍ، عن أبي ذرٍّ أنّه كان يقسم قسمًا أنّ هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوْا فِى رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدرٍ. هذا لفظ البخاريّ في تفسيرها. وقال البخارى (٤): حدّثنا حجّاج بن منهالٍ، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، ثنا أبو مجلزٍ، عن قيس بن عبادٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ، أنّه قال: أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن، ، في الخصومة يوم القيامة. قال قيسٌ: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوْا فِى رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ؛ عليٌّ وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. تفرّد به البخاريّ. وقد أوسعنا الكلام عليها في "التفسير" (٥) بما فيه كفايةٌ، وللَّه الحمد والمنة. وقال الأمويّ: حدَّثنا معاوية بن عمروٍ، عن أبي إسحاق، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عبد اللَّه البهيّ قال: برز عتبة وشيبة والوليد، وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعليٌّ، فقالوا: تكلّموا نعرفكم. فقال حمزة، أنا أسد اللَّه، وأسد رسول اللَّه ﷺ ، أنا حمزة بن عبد المطّلب. فقال: كفءٌ كريمٌ.

стр. 1550

وقال عليٌّ: أنا عبد اللَّه، وأخو رسول اللَّه ﷺ . وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء. فقام كلّ رجلٍ إلى رجلٍ، فقاتَلوهم فقتلهم اللَّه. فقالت هند في ذلك: [من المتقارب] أعينيّ جودا بدمعٍ سَرِبْ … على خير خِندفَ (١) لم ينقلبْ تداعى له رهطه غدوة … بنو هاشمٍ وبنو المطّلبْ يذيقونه حدّ أسيافهم … يَعُلّونه بعد ما قد عطِبْ ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة. قلت: وعبيدة هذا، هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد منافٍ، ولمّا جاؤوا به إلى رسول اللَّه ﷺ أضجعوه إلى جانب موقف رسول اللَّه ﷺ ، فأفرشه (٢) رسول اللَّه ﷺ قدمه، فوضع خدّه على قدمه الشريفة وقال: يا رسول اللَّه، لو رآني أبو طالبٍ، لعلم أنّي أحقّ بقوله: [من الطويل] ونُسلِمه (٣) حتى نُصرّعَ حوله … ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل (٤) ثم مات، ﵁، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أشهد أنّك شهيدٌ". رواه الشافعيّ، ﵀. وكان أوّل قتيلٍ من المسلمين في المعركة، مِهجعٌ مولى عمر بن الخطاب؛ رمي بسهمٍ فقتله. قال ابن إسحاق (٥): فكان أوّل من قتل، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة، أحد بني عديِّ بن النّجّار، وهو يشرب من الحوض، بسهمٍ فأصاب نحره فمات. وثبت في "الصحيحين" (٦) عن أنسٍ، أنّ حارثة بن سراقة قتل يوم بدرٍ، وكان في النّظّارة (٧)، أصابه سهمٌ غربٌ فقتله، فجاءت أمّه فقالت: يا رسول اللَّه، أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنَّة صبرت، وإلّا فليرينّ اللَّه ما أصنع. يعني من النّياح، وكانت لم تحرَّم بعد (٨). فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ويحك، أهبلت، إنها جنانٌ ثمانٍ، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى". قال ابن إسحاق (٩): ثم تزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعضٍ.

стр. 1551

وقال (١): أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: "إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل". وفي "صحيح البخاريّ" (٢)، عن أبي أسيدٍ قال: قال لنا رسول اللَّه يوم بدرٍ: "إذا أكثبوكم -يعني المشركين- فارموهم واستبقوا نبلكم". وقال البيهقيّ (٣): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمّ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق، حدّثني [عمر بن] عبد اللَّه [بن عروة بن عروة] بن الزّبير، قال: جعل رسول اللَّه ﷺ شعار المهاجرين يوم بدرٍ: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد اللَّه. وشعار الأوس: يا بني عبيد اللَّه. وسمّى خيله: خيل اللَّه. قال ابن هشام (٤): كان شعار الصحابة يوم بدرٍ: أحدٌ أَحدٌ. قال ابن إسحاق (٥): ورسول اللَّه ﷺ في العريش، معه أبو بكرٍ، ﵁، يعني وهو يستغيث اللَّه، ، كما قال اللَّه تعالى (٦): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا أبو نوحٍ قرادٌ، ثنا عكرمة بن عمّارٍ، ثنا سماكٌ الحنفى أبو زُميلٍ، حدّثني ابن عباسٍ، حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لمّا كان يوم بدرٍ، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمئةٍ ونيّفٌ، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألفٌ وزيادةٌ، فاستقبل النبيّ ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: "اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلا تعبد بعد في الأرض أبدًا". قال: فما زال يستغيث ربّه ويدعوه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءَه فردّه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول اللَّه، كفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللَّه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وذكر تمام الحديث كما سيأتي.

стр. 1552

وقد رواه مسلمٌ، وأبو داود، والتّرمذيّ، وابن جريرٍ، وغيرهم (١)، من حديث عكرمة بن عمّارٍ اليمانيّ، وصحّحه عليّ بن المدينيّ، والتّرمذيّ. وهكذا قال غير واحدٍ عن ابن عباسٍ، والسّدّيّ، [وابن] جريج، وغيرهم؛ أنّ هذه الآية نزلت في دعاء النبيّ ﷺ يوم بدرٍ (٢). وقد ذكر الأمويّ وغيره، أنّ المسلمين عجّوا إلى اللَّه، ، في الاستغاثة بجنابه، والاستعانة به. وقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي؛ ردفًا لكم ومددًا لفئتكم. رواه العوفيّ عن ابن عباسٍ، وقاله مجاهدٌ، وابن كثيرٍ، وعبد الرحمن بن زيدٍ، وغيرهم (٣). وقال أبو كدينة، عن قابوسٍ، [عن أبيه] (٤)، عن ابن عباسٍ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: وراء كلّ مَلكٍ ملكٌ. وفي روايةٍ عنه بهذا الإسناد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بعضهم على أثر بعضٍ (٥). وكذا قال أبو ظبيان، والضّحّاك، وقتادة. وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبيّ، عن ابن عباسٍ قال: وأمدّ اللَّه نبيّه ﷺ والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، وكان جبريل في خمسمئةٍ مجنّبةٍ، وميكائيل في خمسمئةٍ مجنّبةٍ (٦)، وهذا هو المشهور. ولكن قال ابن جريرٍ (٧): حدّثني المثنّى، حدّثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمدٍ الزّهريّ، حدّثني عبد العزيز بن عمران، عن الزّمْعيّ (٨)، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبيرٍ، عن عليٍّ قال: نزل جبريل في ألفٍ من الملائكة عن ميمنة النبيّ ﷺ ، وفيها أبو بكرٍ، ونزل ميكائيل في ألفٍ من الملائكة عن ميسرة النبيّ ﷺ ، وأنا في الميسرة. ورواه البيهقيّ في "الدّلائل" (٩) من حديث محمد بن جبيرٍ عن عليٍّ، فزاد: ونزل إسرافيل في ألفٍ من الملائكة، وذكر أنّه طعن يومئذٍ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر (١٠) أنّه نزلت ثلاثة آلافٍ من الملائكة. وهذا غريبٌ، وفي إسناده ضعفٌ، ولو صحّ لكان فيه تقويةٌ لما تقدّم من

стр. 1553

الأقوال، ويؤيّدها قراءة من قرأ: بألفٍ من الملائكة مردَفين (١) بفتح الدال، واللَّه أعلم. وقال البيهقيّ (٢): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمّ، ثنا محمد بن سنانٍ القزّاز، ثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد أبو عليٍّ الحنفيّ، حدّثنا عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهبٍ، أخبرني إسماعيل بن عون بن عبيد اللَّه بن أبي رافعٍ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن عليٍّ بن أبي طالبٍ، عن أبيه عن جدّه، عن عليٍّ قال: لمّا كان يوم بدرٍ، قاتلت شيئًا من قتالٍ، ثم جئت مسرعًا لأنظر إلى رسول اللَّه ﷺ ما فعل. قال: فجئت فإذا هو ساجدٌ يقول: يا حى يا قيُّوم، يا حيّ يا قيُّوم. لا يزيد عليها، فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجدٌ يقول ذلك أيضًا، فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجدٌ يقول ذلك أيضًا، حتى فتح اللَّه على يده. وقد رواه النّسائيّ في "اليوم والليلة" (٣)، عن بندارٍ، عن عبيد اللَّه بن عبد المجيد أبي عليّ الحنفيّ به. وقال الأعمش (٤)، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعودٍ قال: ما سمعت مناشدًا ينشد أشدّ من مناشدة محمدٍ ﷺ يوم بدرٍ، جعل يقول: اللهمّ إنّي أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، ثم التفت وكأنّ شقّ وجهه القمر، وقال: كأنّي أنظر إلى مصارع القوم عشيّة. رواه النسائيّ من حديث الأعمش به (٥). وقال: لمّا التقينا يوم بدرٍ، قام رسول اللَّه ﷺ يصلّي، فما رأيت مناشدًا ينشد حقًّا له، أشدّ مناشدةً من رسول اللَّه ﷺ . . . وذكره. وقد ثبت إخباره، ﵊، بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدرٍ، في "صحيح مسلم" عن أنس بن مالكٍ، كما تَقَدّم (٦). وسيأتي في "صحيح مسلم" أيضًا عن عمر بن الخطاب. ومقتضى حديث ابن مسعودٍ، أنّه أخبر بذلك يوم الوقعة، وهو مناسبٌ. وفي الحديثين الآخرين عن أنسٍ وعمر، ما يدلّ على أنّه أخبر بذلك قبل ذلك بيومٍ، ولا مانع من الجمع بين ذلك، بأن يخبر به قبل ذلك بيوم وأكثر، وأن يخبر به قبل ذلك بساعةٍ يوم الوقعة، واللَّه أعلم.

стр. 1554

وقد روى البخاريّ (١)، من طرقٍ، عن خالدٍ الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيّ ﷺ قال وهو في قبّةٍ له يوم بدرٍ: اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا، فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول اللَّه، ألححت على ربّك. فخرج وهو يثب في الدّرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]. وهذه الآية مكيةٌ. وقد جاء تصديقها يوم بدرٍ، كما رواه ابن أبي حاتم (٢): حدّثنا أبي، ثنا أبو الرّبيع الزّهرانيّ، ثنا حمّادٌ، عن أيوب، عن عكرمة قال: لمّا نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أيّ جمعٍ يهزم؟! وأيّ جمع يغلب؟! قال عمر: فلمّا كان يوم بدرٍ، رأيت رسول اللَّه ﷺ يثب في الدّرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، فعرفت تأويلها يومئذٍ (٣). وروى البخاريّ (٤)، من طريق ابن جريجٍ، عن يوسف بن ماهان، سمع عائشة تقول: نزل على محمدٍ ﷺ بمكّة وإنّي لجاريةٌ ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. وقال ابن إسحاق (٥): وجعل رسول اللَّه ﷺ يناشد ربّه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم، لا تعبد. وأبو بكرٍ يقول: يا نبيّ اللَّه، بعض مناشدتك ربّك، فإنّ اللَّه منجزٌ لك ما وعدك. وقد خفق النبيّ ﷺ خفقةً وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكرٍ، أتاك نصر اللَّه، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع. يعني الغبار. قال: ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الناس فحرّضهم وقال: والّذي نفس محمدٍ بيده، لا يقاتلهم اليوم رجلٌ، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبرٍ؛ إلّا أدخله اللَّه الجنة. فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة، وفي يده تمراتٌ يأكلهنّ: بخٍ بخٍ أفما بيني وبين أن أدخل الجنّة إلّا أن يقتلني هؤلاء؟! قال: ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، ﵀. وقال الإمام أحمد (٦): حدّثنا هاشمٌ، ثنا سليمان، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بسبسة (٧) عينًا؛ ينظر ما صنعت عِير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحدٌ غيري وغير النبيّ ﷺ قال: لا أدري ما استثنى من بعض نسائه- قال: فحدّثه الحديث. قال: فخرج رسول اللَّه ﷺ فتكلّم فقال: إن لنا

стр. 1555

طلبةً، فمن كان ظهره حاضرًا، فليركب معنا. فجعل رجالٌ يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة، قال: لا، إلّا من كان ظهره حاضرًا. وانطلق رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدرٍ، وجاء المشركون، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يتقدّمنّ أحدٌ منكم إلى شيء، حتى أكون أنا أُوذنه". فدنا المشركون، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قوموا إلى جنّةٍ عرضها السماوات والأرض". قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاريّ: يا رسول اللَّه، جنّةٌ عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ؟ ". قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، إلّا رجاء أن أكون من أهلها. قال: "فإنّك من أهلها". قال: فأخرج تمراتٍ من قرَنه (١)، فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنّها حياةٌ طويلةٌ. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل، ﵀. ورواه مسلمة (٢)، عن أبي بكر بن أبي النّضر (٣)، وجماعةٍ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة به. وقد ذكر ابن جريرٍ (٤) أنّ عميرًا قاتل وهو يقول، ﵁: [من الرجز] ركضًا إلى اللَّه بغير زادِ … إلّا التّقى وعمل المعادِ والصّبر في اللَّه على الجهادِ … وكلّ زادٍ عرضة النّفادِ غير التّقى والبرّ والرّشادِ وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا حجّاجٌ، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّبٍ، عن عليٍّ قال: لمّا قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها، وأصابنا بها وعكٌ، وكان رسول اللَّه ﷺ يتخبّر عن بدرٍ، فلمّا بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول اللَّه ﷺ إلى بدرٍ، وبدرٌ بئرٌ، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم؛ رجلًا من قريش، ومولًى لعقبة بن أبي معيط، فأمّا القرشيّ فانفلت، وأمّا المولى فأخذناه (٦)، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم واللَّه كثيرٌ عددهم، شديدٌ بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: "كم

стр. 1556

القوم؟ ". قال: هم واللَّه كثير عددهم، شديدٌ بأسهم. فجهد النبيّ ﷺ أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إنّ النبيّ سأله: "كم ينحرون من الجزر؟ " فقال: عشرًا كلّ يومٍ. فقال النبيّ ﷺ : "القوم ألفٌ، كلّ جزورٍ لمئةٍ وتبعها". ثم إنّه أصابنا من الليل طشٌّ من مطرٍ، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف، نستظلّ تحتها من المطر، وبات رسول اللَّه ﷺ يدعو ربّه ويقول: "اللهمّ إنّك إن تهلك هذه الفئةُ؛ لا تعبد". فلمّا طلع الفجر نادى "الصلاة عباد اللَّه". فجاء الناس من تحت الشجر والحجَف، فصلّى بنا رسول اللَّه ﷺ ، وحرّض على القتال، ثم قال: "إنّ جمع قريشٍ تحت هذه الضّلع (١) الحمراء من الجبل". فلمّا دنا القوم منّا وصاففناهم، إذا رجلٌ منهم على جمل له أحمر، يسير في القوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عليٌّ، ناد لي حمزة -وكان أقربهم من المشركين- من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أنّي لست بِأَجْبَنكمِ. فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك؟ واللَّه لو غيرك يقوله؛ لأعضضته، قد ملأت رئتُك جَوفك رعبًا. فقال: إيّاي تعيّر يا مصفّر استه؟ ستعلم اليوم أيّنا الجبان. فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد؛ حميّةً، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتيةٌ من الأنصار شببةٌ (٢). فقال عُتْبةُ: لا نُريدُ هؤلاءِ، ولكنْ يُبارِزُنا مِن بني عَمِّنا مِن بني عبدِ المُطَّلِب. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : قُمْ يا عليُّ، وقُم يا حمزةُ، وقُم يا عُبيدة بن الحارث بن المُطّلب. فقتل اللَّه عُتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عُتبة، وجُرح عُبيدةُ، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، وجاء رجلٌ من الأنصار قصيرٌ بالعباس بن عبد المُطّلب أسيرًا، فقال العباسُ: يا رسول اللَّه، إنّ هذا واللَّه ما أسرني، لقد أسرني رجلٌ أجلحُ، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاريُّ: أنا أسرتُه يا رسول اللَّه. فقال: اسكُت، فقد أيّدك اللَّه بملكٍ كريمٍ. قال: فأسرنا من بني عبد المُطّلب؛ العباس، وعقيلًا، ونوفل بن الحارث. هذا سياقٌ حسنٌ، وفيه شواهدُ لما تقدّم ولما سيأتي. وقد تفرّد بطُوله الإمامُ أحمدُ. وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به (٣). ولمّا نزل رسولُ اللَّه ﷺ ، من العريش، وحرّض الناس على القتال، والناسُ على مصافّهم صابرين، ذاكرين اللَّه كثيرًا، كما قال اللَّه تعالى آمرًا لهم (٤): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]. وقال الأُمويُّ: حدّثنا معاويةُ بنُ عمروٍ، عن أبي إسحاق قال: قال الأوزاعيُّ: كان يُقالُ: قلّما ثبت

стр. 1557

قومٌ قيامًا، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس، أو يغُضّ طرفه، ويذكُر اللَّه، رجوتُ أن يسلم من الرِّياء. وقال عُتبةُ بنُ ربيعة يوم بدرٍ لأصحابه: ألا ترونهم، يعني أصحاب النبيّ ﷺ ، جُثيًّا على الرُّكب، كأنّهم حرسٌ يتلمّظُون كما تتلمّظُ الحيَّاتُ (١)، أو قال: الأفاعي. قال الأُمويُّ في "مغازيه": وقد كان النبيُّ ﷺ ، حين حرّض المُسلمين على القتال، قد نفل كُلّ امرئٍ ما أصاب، وقال: "والّذي نفسي بيده، لا يُقاتلُهم اليوم رجُلٌ [فيُقتلُ] صابرًا مُحتسبًا، مُقبلًا غير مُدبرٍ، إلّا أدخله اللَّه الجنة". وذكر قصّة عُمير بن الحُمام، كما تقدّم. وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالًا شديدًا ببدنه، وكذلك أبو بكرٍ الصدّيقُ، كما كانا في العريش يُجاهدان بالدُّعاء والتضرُّع، ثُم نزلا، فحرّضا وحثّا على القتال، وقاتلا بالأبدان؛ جمعًا بين المقامين الشريفين. قال الإمامُ أحمد (٢): حدَّثنا وكيعٌ، حدّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرّبٍ، عن عليٍّ قال: لقد رأيتُنا يوم بدرٍ، ونحنُ نلُوذُ برسول اللَّه ﷺ ، وهو أقربنُا إلى العدُوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأسًا. ورواه النّسائيُّ (٣)، من حديث أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليٍّ قال: كُنّا إذا حمي البأسُ ولقي القومُ، اتّقينا (٤) برسول اللَّه ﷺ . وقال الإمامُ أحمد (٥): حدّثنا أبو نُعيمٍ، حدّثنا مسعرٌ، عن أبي عونٍ، عن أبي صالحٍ الحنفيّ، عن عليٍّ قال: قيل لعليٍّ ولأبي بكرٍ، ﵄، يوم بدرٍ: مع أحدكما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ، وإسرافيلُ ملَكٌ عظيمٌ، يشهدُ القتال ولا يُقاتلُ، أو قال: يشهدُ الصّف. وهذا يُشبهُ ما تقدّم من الحديث؛ أنّ أبا بكرٍ كان في الميمنة، ولمّا تنزّل الملائكةُ يوم بدرٍ تنزيلًا، كان جبريلُ على أحد المُجنّبتين في خمسمئةٍ من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكرٍ الصدّيق، وكان ميكائيلُ على المُجنّبة الأُخرى في خمسمئةٍ من الملائكة، فوقَفُوا في الميسرة، وكان عليُّ بنُ أبي طالب فيها. وفي حديثٍ رواه أبو يعلى (٦)، من طريق محمد بن جُبير بن مُطعمٍ، عن علي قال: كنتُ أمتحُ (٧) على القليب يوم بدرٍ، فجاءت ريحٌ شديدةٌ، ثم أُخرى ثُم أُخرى، فنزل ميكائيلُ في ألفٍ من الملائكة،

стр. 1558

فوقف على يمين رسول اللَّه ﷺ وهناك أبو بكرٍ، وإسرافيلُ في ألفٍ في الميسرة وأنا فيها، وجبريلُ في ألفٍ. قال: ولقد طعنتُ يومئذٍ حتى بلغ [الدّمُ] (١) إبطي. وقد ذكر صاحبُ "العقد" (٢) وغيرُه، أنّ أفخر بيتٍ قالته العربُ، قولُ حسان بن ثابتٍ: [من الكامل] وبِبئر (٣) بدرٍ إذ يكُفُّ مطيّهُم (٤) … جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ وقد قال البخاريُّ (٥): حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حدّثنا جريرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن مُعاذ بن رفاعة بن رافعٍ الزُّرقيّ، عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدرٍ، قال: جاء جبريلُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ما تعُدُّون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: "من أفضل المُسلمين". أو كلمةً نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة. انفرد به البخاريُّ. وقد قال اللَّه تعالى (٦): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ يعني الرءُوس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. وفي "صحيح مسلمٍ" (٧) من طريق عكرمة بن عمّارٍ، عن أبي زُمَيلٍ، حدّثني ابنُ عباسٍ قال: بينما رجلٌ من المُسلمين [يومئذ] (٨) يشتدُّ في أثر رجلٍ من المُشركين أمامه، إذ سمع ضربةً بالسّوط فوقه، وصوت الفارس يقولُ: أقدم حيزُومُ. إذ نظر إلى المُشرك أمامه قد خرّ مُستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم [أنفُه] (٩) وشُقّ وجهُه كضربة السّوط، فاخضرّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدّث ذاك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثّالثة". فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسرُوا سبعين. قال ابنُ إسحاق (١٠): [و] حدّثني عبدُ اللَّه بنُ أبي بكر بن حزمٍ، عمّن حدّثه عن ابن عباسٍ، عن رجُلٍ من بني غفارٍ قال: حضرتُ أنا وابنُ عمٍّ لي بدرًا، ونحنُ على شِركنا، فإنّا لفي جبلٍ ننتظرُ الوقعة على من تكونُ الدّبرة (١١)، فننتهبُ، فأقبلت سحابةٌ، فلمّا دنت من الجبل، سمعنا منها حمحمة الخيل،

стр. 1559

وسمعنا فارسًا يقولُ: أقدم حيزومُ. فأمّا صاحبي فانكشف قناعُ قلبه، فمات مكانه، وأمّا أنا فكدتُ أن أهلك، ثُم انتعشتُ (١) بعد ذلك. وقال ابنُ إسحاق (٢): وحدّثني عبدُ اللَّه بنُ أبي بكرٍ، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أُسيدٍ مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بصرُه: لو كنتُ اليوم ببدرٍ ومعي بصري؛ لأريتُكم الشّعب الذي خَرَجَت منه الملائكةُ، لا أشُكُّ فيه ولا أتمارى. فلمّا نزلت الملائكةُ ورآها إبليسُ، وأوحى اللَّه إليهم (٣): ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. وتثبيتُهم أنّ الملائكة كانت تأتي الرّجُل في صورة الرجل يعرفُه، فيقولُ له: أبشرُوا فإنّهم ليسوا بشيء، واللَّه معكم، كُرُّوا عليهم. ولمّا رأى إبليسُ الملائكة، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وهو في صورة سُراقة، وأقبل أبو جهلٍ يُحرّضُ أصحابه ويقولُ: لا يهُولنّكم خذلانُ سُراقة إيّاكم، فإنّه كان على موعدٍ من محمدٍ وأصحابه. ثُم قال: واللّات والعُزّى، لا نرجعُ حتى نُفرّق محمدًا وأصحابه في الجبال، فلا تقتُلُوهم وخُذُوهُم أخذًا. وقال الواقديُّ (٤): حدّثني ابنُ أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: كان الملَكُ يتصوّرُ في صورة من يعرفُون، فيقولُ: إنّي قد دنوتُ منهم وسمعتُهم يقولون: لو حملُوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيءٍ، إلى غير ذلك من القول، فذلك قولُه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. وروى البيهقيُّ (٥)، من طريق سلامة، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ قال: قال أبو أُسيدٍ، بعدما ذهب بصرُه: يا بن أخي، واللَّه لو كنتُ أنا وأنت ببدرٍ، ثُم أطلق اللَّهُ بصري، لأريتُك الشّعب الذي خرجت علينا منه الملائكةُ، من غير شكٍّ ولا تمارٍ. وروى البخاريُّ (٦)، عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهّاب، عن خالدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال يوم بدرٍ: "هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسه، وعليه أداةُ الحرب".

стр. 1560

وقال الواقديُّ (١): حدّثنا ابنُ أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخبرني موسى بنُ محمد بن إبراهيم التّيميُّ، عن أبيه، وحدّثني عائذُ (٢) بنُ يحيى، عن أبي الحُويرث، عن عُمارة بن أُكيمة اللّيثيّ (٣)، عن عكرمة، عن حكيم بن حزامٍ، قالوا: لمّا حضر القتالُ ورسولُ اللَّه ﷺ رافعٌ يديه، يسألُ اللَّه النصر وما وعده، يقولُ: "اللهمّ إن ظهروا على هذه العصابة، ظهر الشّركُ، ولا يقُومُ لك دينٌ". وأبو بكرٍ يقولُ: واللَّه لينصُرنّك اللَّه، وليُبيّضنّ وجهك. فأنزل اللَّه ألفًا من الملائكة مُردفين، عند أكتاف (٤) العدُوّ، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أبشر يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ مُعتجرٌ بعمامة صفراء، آخذٌ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلمّا نزل إلى الأرض تغيّب عنّي ساعةً، ثُمّ طلع وعلى ثناياهُ النّقع (٥)، يقولُ: أتاك نصرُ اللَّه إذ دعوته". وروى البيهقيُّ (٦)، عن أبي أُمامة بن سهل، عن أبيه قال: يا بُنيّ، لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وإن أحدنا ليُشيرُ إلى رأس المُشرك، فيقعُ رأسُه عن جسده، قبل أن يصل إليه السيفُ. وقال ابنُ إسحاق (٧): حدّثني والدي، حدّثني رجالٌ من بني مازنٍ، عن أبي واقدٍ اللّيثيّ قال: إنّي لأتبعُ رجلًا من المشركين لأَضْرِبَهُ، فوقع رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفتُ أنّ غيري قد قتله. وقال يونس بنُ بُكيرٍ، عن عيسى بن عبد اللَّه التّيميّ، عن الرّبيع بن أنسٍ قال: كان الناسُ يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم، بضربٍ فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النَّار وقد أُحرق به (٨). وقال ابنُ إسحاق (٩): حدّثني من لا أتّهمُ، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ قال: كان سيما الملائكة يوم بدرٍ عمائمَ بيضًا قد أرخوها على ظهورهم، إلّا جبريل فإنّه كانت عليه عمامةٌ صفراءُ. وقد قال ابنُ عباسٍ (١٠): لم تُقاتل الملائكةُ في يومٍ سوى يوم بدرٍ من الأيام، وكانوا يكُونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا، لا يضربون.

стр. 1561

وقال الواقديُّ (١): حدثني عبدُ اللَّه بنُ موسى بن أبي أُميّة، عن مُصعب بن عبد اللَّه، عن مولًى لسُهيل بن عمروٍ، سمعتُ سُهيل بن عمروٍ يقولُ: لقد رأيتُ يوم بدرٍ رجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ (٢)، بين السماء والأرض مُعلِمين، يقتُلُون ويأسرُون، وكان أبو أُسيدٍ يُحدّثُ بعد أن ذهب بصرُه قال: لو كنتُ معكم الآن ببدرٍ ومعي بصري، لأريتُكم الشّعب الذي خرجت منه الملائكةُ، لا أشُكُّ ولا أمتري. قال (٣): وحدّثني خارجةُ بنُ إبراهيم، عن أبيه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ لجبريل: "مَن القائلُ يوم بدرٍ من الملائكة: أقدم حيزُومُ؟ ". فقال جبريلُ: "يا محمدُ، ما كُلّ أهل السماء أعرفُ". قلتُ: وهذا الأثرُ مُرسلٌ، وهو يرُدُّ قول من زعم أنّ حيزُوم اسمُ فرس جبريل، كما قاله السُّهيليُّ وغيرُه (٤)، واللَّه أعلمُ. وقال الواقديُّ (٥): حدّثني إسحاقُ بنُ يحيى، عن حمزة بن صُهيبٍ، عن أبيه قال: فما أدري كم يدٍ مقطُوعةٍ، وضربةٍ جائفةٍ لم يدم كلمُها، قد رأيتُها يوم بدرٍ. وحدثني (٦) محمدُ بنُ يحيى، عن أبي عُفَير (٧)، عن رافع بن خديجٍ، عن أبي بُردة بن نيارٍ قال: جئتُ يوم بدرٍ بثلاثة أرؤُس، فوضعتُهنّ بين يدي رسول اللَّه ﷺ فقلتُ: أمّا رأسان فقتلتُهما، وأمّا الثالثُ فإنّي رأيتُ رجلًا طويلًا قتله (٨)، فاخذتُ رأسه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ذاك فُلانٌ من الملائكة". وحدّثني (٩) موسى بنُ محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: كان السائبُ بنُ أبي حُبشٍ يُحدّثُ في زمن عُمر يقولُ: واللَّه ما أسرني أحدٌ من الناس. فيقالُ: فمن؟ يقولُ: لمّا انهزمت قُريشٌ، انهزمتُ معها، فأدركني رجلٌ أبيضُ (١٠) طويلٌ، فأوثقني رباطًا، وجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ فوجدني مربوطًا، فنادى في العسكر (١١): من أسر هذا؟ [فليس أحدٌ يزعم أنه أسرني] (١٢)، حتى انتهى بي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال:

стр. 1562

"من أسرك؟ ". قلتُ: لا أعرفُه. وكرهتُ أن أخبره بالذي رأيتُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أسرك ملَكٌ من الملائكة، اذهب يا بن عوفٍ بأسيرك". وقال الواقديُّ (١): حدثني عائذُ بنُ يحيى، حدثنا أبو الحُويرث، عن عُمارة بن أُكيمة، عن حكيم بن حِزامٍ قال: لقد رأيتُنا يوم بدرٍ، وقد وقع [بوادي خَلْصٍ] (٢) بجادٌ (٣) من السماء قد سدّ الأُفُق، فإذا الوادي يسيلُ نَمْلًا (٤)، فوقع في نفسي أنّ هذا شيءٌ من السماء أُيّد به محمدٌ، فما كانت إلّا الهزيمةُ، ولقي الملائكة. وقال إسحاقُ بنُ راهوية (٥): حدّثنا وهبُ بنُ جرير بن حازمٍ، حدثني أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني أبي، عن جُبير بن مُطعمٍ قال: رأيتُ قبل هزيمة القوم، والناسُ يقتتلون، مثل البجاد الأسود قد نزل من السماء مثل النمل الأسود، فلم أشُكّ أنّها الملائكةُ، فلم يكُن إلّا هزيمةُ القوم. ولمّا تنزّلت الملائكةُ للنصر، ورآهم رسولُ اللَّه ﷺ أغفى إغفاءةً ثم استيقظ، وبشّر بذلك أبا بكرٍ وقال: "أبشر يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ يقُودُ فرسه، على ثناياه النّقعُ". يعني من المعركة، ثم خرج رسولُ اللَّه ﷺ من العريش في الدّرع، فجعل يُحرّضُ على القتال، ويُبشّرُ الناس بالجنة، ويُشجّعُهم بنزول الملائكة، والناسُ بعدُ على مصافّهم لم يحملوا على عدوّهم، حصل لهم السكينة والطُّمأنينةُ، وقد حصل النُّعاسُ الذي هو دليلٌ على الطمأنينة والثبات والإيمان، كما قال (٦): ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ (٧) النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]. وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أُحُدٍ بنصّ القرآن، ولهذا قال ابنُ مسعودٍ (٨): النعاسُ في المصافِّ من الإيمان، والنعاسُ في الصلاة من النِّفاق. وقال اللَّه تعالى (٩): ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].

стр. 1563

قال الإمامُ أحمدُ (١): حدثنا يزيدُ بنُ هارون، ثنا محمدُ بنُ إسحاق، حدثني الزُّهريُّ، عن عبد اللَّه بن ثعلبة، أنّ أبا جهلٍ قال حين التقى القومُ: اللهمّ أقْطَعُنا للرّحم، وآتانا بما لا نعرفُ، فأحنه الغداة. فكان هو المُستفتح. وكذا ذكره ابنُ إسحاق في "السيرة" (٢). ورواه النسائيُّ (٣)، من طريق صالح بن كيسان، عن الزُّهريّ. ورواه الحاكمُ (٤)، من حديث الزُّهريّ أيضًا، ثم قال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه. وقال الأُمويُّ (٥): حدثنا أسباطُ بنُ محمدٍ القرشيُّ، عن مُطرّفٍ، عن عطية في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: قال أبو جهل: اللهم انصُر أعزّ الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين. فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. وقال عليٍّ بنُ أبي طلحة (٦)، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. قال: أقبلت عِيرُ أهل مكة تُريدُ الشام، فبلغ ذلك أهل المدينة، فخرجوا ومعهم رسولُ اللَّه ﷺ يُريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا إليها؛ لكيلا يغلب عليها النبيّ ﷺ وأصحابُه، فسبقت العيرُ رسول اللَّه ﷺ ، وكان اللَّه قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يُحبُّون أن يلقَوُا العير، وسار رسولُ اللَّه ﷺ بالمسلمين يُريد القوم، وكره القومُ مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبيُّ ﷺ والمسلمون، وبينهم وبين الماء رَملةٌ دِعصةٌ (٧)، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشيطانُ في قلوبهم الغيظ، يُوسوسُهم: تزعُمون أنّكم أولياءُ اللَّه وفيكم رسولُه، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم كذا؟! فأمطر اللَّه عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهَّروا، فأذهب اللَّه عنهم رجز الشيطان، فصار الرملُ لبدًا، ومشى الناسُ عليه والدوابُّ، فساروا إلى القوم، وأمدَّ (٨) اللَّه نبيّه ﷺ والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، فكان جبريلُ في خمسمئةٍ من الملائكة مُجنّبةً، وميكائيلُ في خمسمئةٍ من الملائكة مُجنّبةً، وجاء إبليسُ في جندٍ من الشياطين ومعه رايتُه (٩)، وهم في صورة رجالٍ من بني مُدلجٍ، والشيطانُ في

стр. 1564

صورة سُراقة بن مالكٍ بن جُعشُمٍ، وقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فلمّا اصطفّ الناسُ قال أبو جهلٍ: اللهم أولانا بالحقّ فانصُره. ورفع رسولُ اللَّه ﷺ يديه فقال: "يا ربّ، إن تهلك هذه العصابةُ فلن تُعبد في الأرض أبدًا". فقال له جبريلُ: خُذ قُبضةً من التراب. فأخذ قُبضةً من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحدٍ إلّا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه ترابٌ من تلك القُبضة، فولّوا مدبرين، وأقبل جبريلُ إلى إبليس، فلمّا رآه، وكانت يدُه في يد رجلٍ من المشركين، انتزع إبليسُ يده ثم ولّى مدبرًا وشيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ، أما زعمت أنّك لنا جارٌ؟ قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وذلك حين رأى الملائكة. رواه البيهقيُّ في "الدلائل". وقال الطّبرانيُّ (١): ثنا مسعدةُ بنُ سعدٍ العطّارُ، ثنا إبراهيمُ بنُ المُنذر الحزاميُّ، ثنا عبدُ العزيز بنُ عمران، ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن عبد ربّه بن سعيد بن قيسي الأنصاريّ، عن رفاعة بن رافعٍ قال: لمّا رأى إبليسُ ما تفعلُ الملائكةُ بالمشركين يوم بدرٍ، أشفق أن يخلُص [القتلُ] إليه، فتشبّث به الحارثُ بنُ هشامٍ وهو يظُنُّ أنّه سُراقةُ بنُ مالكٍ، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه فقال: اللهم إنّي أسألُك نظرتك إيّاي. وخاف أن يخلص القتلُ إليه. وأقبل أبو جهلٍ فقال: يا معشر الناس، لا يهُولنّكم (٢) خذلانُ سُراقة بن مالكٍ، فإنّه كان على ميعادٍ من محمدٍ، ولا يهُولنّكم قتلُ شيبة وعُتبة والوليد، فإنّهم قد عجّلُوا، فواللّات والعُزّى لا نرجعُ حتى نفرقهم بالجبال (٣)، فلا أُلفينّ رجلًا منكم قتل رجلًا، ولكل خُذُوهم أخذًا حتى تعرِّفوهم سوء صنيعهم، من مُفارقتهم إيَّاكم، ورغبتهم عن اللّات والعُزّى. ثم قال أبو جهل مُتمثّلًا: [من الرجز] ما تنقمُ الحربُ الشّمُوسُ منّي … بازلُ عامين حديثٌ سنّي لمثل هذا ولدتني أُمّي وروى الواقديُّ (٤)، عن موسى بن يعقوب الزّمْعيّ، [عن عمّه] (٥)، عن أبي بكر بن أبي سليمان بن (٦) أبي حثمة، سمعتُ مروان بن الحكم يسألُ حكيم بن حزامٍ عن يوم بدرٍ، فجعل الشيخُ يكرهُ

стр. 1565

ذلك، فألحّ عليه، فقال حكيمٌ: التقينا فاقتتلنا، فسمعتُ صوتًا وقع من السماء إلى الأرض، مثل وقع الحصاة في الطّست، وقبض النبيُّ ﷺ القبضةَ الترابَ، فرمى بها فانهزمنا. قال الواقديُّ (١): وحدّثنا إسحاقُ بنُ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعيرٍ، سمعتُ نوفل بن مُعاوية الدّيليّ يقولُ: انهزمنا يوم بدرٍ ونحن نسمعُ صوتًا كوقع الحصى في الكأس (٢)، في أفئدتنا ومن خلفنا، وكان ذلك من أشدّ الرعب علينا. وقال الأُمويُّ (٣): ثنا أبي، [ثنا ابنُ إسحاق]، حدّثني الزُّهريُّ، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعيرٍ، أنّ أبا جهل حين التقى القومُ قال: اللهم أقطعُنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفُ، فَأحِنْهُ الغداة. فكان هو المستفتح. فبينما هم على تلك الحال، وقد شجّع اللَّه المسلمين على لقاء عدوّهم، وقلّلهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسولُ اللَّه ﷺ خفقةً في العريش، ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريلُ مُعتجرٌ بعمامته، آخذٌ بعنان فرسه يقُودُه، على ثناياه النّقعُ، أتاك نصرُ اللَّه وعِدَتُه". وأمر رسولُ اللَّه ﷺ فأخذ كفًّا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم فقال: "شاهت الوجوهُ". ثُم نفخهم (٤) بها، ثم قال لأصحابه: "احملُوا". فلم تكُن إلّا الهزيمةُ، فقتل اللَّه من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم. وقال زيادٌ، عن ابن إسحاق (٥): ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ أخذ حَفنةً من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا ثم قال: "شاهت الوجوهُ". ثُم نفخهم بها، وأمر أصحابه فقال: "شُدُّوا". فكانت الهزيمةُ، فقتل اللَّه من قتل من صناديد قريشٍ، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال السُّدّيُّ الكبيرُ: قال رسولُ اللَّه ﷺ لعليٍّ يوم بدرٍ:، أعطني حصًى من الأرض". فناوله حصًى عليه ترابٌ، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشركٌ إلَّا دخل في عينيه من ذلك التراب شيءٌ، ثم ردفهم المسلمون يقتُلونهم ويأسرُونهم، وأنزل اللَّه في ذلك: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وهكذا قال عُروةُ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ، ومحمدُ بنُ كعبٍ، ومحمدُ بنُ قيسٍ، وقتادةُ، وابنُ زيدٍ، وغيرُهم؛ أنّ هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدرٍ. وقد فعل، ﵊، مثل ذلك في غزوة حُنينٍ، كما سيأتي في موضعه، إذا انتهينا إليه إن شاء اللَّه، وبه الثقةُ. وذكر ابنُ إسحاق (٦)، أنّ رسول اللَّه ﷺ لمّا حرّض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم به من التراب، وهزمهم اللَّه تعالى، صعِد إلى العريش أيضًا ومعه أبو بكرٍ، ووقف سعدُ بنُ مُعاذٍ ومن معه

стр. 1566

من الأنصار على باب العريش ومعهم السيوفُ؛ خيفة أن تكُرّ راجعةٌ من المشركين إلى النبيّ ﷺ . قال ابنُ إسحاق (١): ولمّا وضع القومُ أيديهم يأسرُون، رأى رسولُ اللَّه ﷺ ، فيما ذُكر لي، في وجه سعد بن مُعاذٍ الكراهية لما يصنعُ الناسُ، فقال له: "كأنّي بك يا سعدُ تكرهُ ما يصنعُ القومُ؟ ". قال: أجل واللَّه يا رسول اللَّه، كانت أول وقعةٍ أوقعها اللَّه بأهل الشرك، فكان الإثخانُ في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال. قال ابنُ إسحاق (٢): وحدثني العباسُ بنُ عبد اللَّه بن معبَدٍ، عن بعض أهله، عن عبد اللَّه بن عباسٍ، أنّ النبيّ ﷺ قال لأصحابه يومئذٍ: "إنّي قد عرفتُ أنّ رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجُوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشمٍ فلا يقتُله، ومن لقي أبا البَختريّ بن هشام بن الحارث بن أسدٍ فلا يقتُله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمّ رسول اللَّه ﷺ فلا يقتُله، فإنه إنّما خرج مستكرهًا". فقال أبو حُذيفة بنُ عُتبة بن ربيعة: أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترُكُ العباس، واللَّه لئن لقيتُه لألحمنّه بالسيف. فبلغت رسول اللَّه ﷺ فقال لعُمر: "يا أبا حفصٍ، قال عُمرُ: واللَّه إنّه لأولُ يومٍ كنّاني فيه رسولُ اللَّه ﷺ بأبي حفصٍ، أيُضربُ وجهُ عمّ رسول اللَّه بالسيف؟ ". فقال عمرُ: يا رسول اللَّه، دعني فلأْضربْ عنقه بالسيف، فواللَّه لقد نافق. فقال أبو حُذيفة: ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قُلتُ يومئذٍ، ولا أزالُ منها خائفًا إلّا أن تُكفّرها عنّي الشهادةُ، فقُتل يوم اليمامة شهيدًا، ﵁. مقتلُ أبي البختريّ بن هشامٍ قال ابنُ إسحاق (٣): وإنّما نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن قتل أبي البختريّ؛ لأنّه كان أكفّ القوم عن رسول اللَّه ﷺ وهو بمكة، كان لا يُؤذيه ولا يبلُغُه عنه شيءٌ يكرهُه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة، فلقيه المُجذّرُ بنُ ذيادٍ البلويُّ حليفُ الأنصار فقال له: إنّ رسول اللَّه ﷺ نهانا عن قتلك. ومع أبي البختريّ زميلٌ له خرج معه من مكة، وهو جُنادةُ بنُ مُليحة، وهو من بني ليثٍ. قال: وزميلي؟ فقال له المُجذّرُ: لا واللَّه، ما نحنُ بتاركي زميلك، ما أمرنا رسولُ اللَّه إلّا بك وحدك. قال: لا واللَّه، إذًا لأمُوتنّ أنا وهو جميعًا، لا يتحدّثُ عنّي نساءُ قريش مكّة أنّي تركتُ زميلي حرصًا على الحياة. وقال أبو البختريّ وهو يُنازلُ المُجذّر: [من الرجز]

стр. 1567

لن يَتْرُكَ (١) ابنُ حُرّةٍ زميلَهُ … حتى يمُوتَ أو يرى سبيلهُ قال: فاقتتلا. فقتله المُجذّرُ بنُ ذيادٍ، وقال في ذلك: [من الرجز] إمّا جهلتَ أو نسيت نسبي … فأثبتِ النّسبة أنّي من بلي الطّاعنين برماح اليزني (٢) … والطَّاعنين (٣) الكبش (٤) حتى يَنْحَني بشّر بيُتمٍ مَن أبوه البَختريّ … أو بشّرن بمثلها منّي بني أنا الذي يقالُ أصلي من بلي … أطعُنُ بالصّعدة (٥) حتى تنثني وأعبطُ القِرن بعضبٍ مشرفي … أُرزمُ للموت كإرزام المرِي فلا يَرى مُجذّرًا يفري فري ثم أتى المُجذَّرُ رسول اللَّه ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق، لقد جَهِدْتُ عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلّا أن يُقاتلني، فقاتلتُه فقتلتُه. فصل [في مقتل أُميّة بن خلفٍ] (٦) قال ابنُ إسحاق (٧): وحدّثني يحيى بنُ عبّاد بن عبد اللَّه بن الزُّبير، عن أبيه، وحدّثنيه أيضًا عبدُ اللَّه ابنُ أبي بكرٍ وغيرُهما، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال: كان أُميّةُ بنُ خلفٍ لي صديقًا بمكّة، وكان اسمي عبد عمروٍ، فسمِّيْتُ (٨) حين أسلمتُ: عبد الرحمن، فكان يلقاني إذ نحنُ بمكّة فيقولُ: يا عبد عمروٍ، أرغبتَ عن اسمٍ سمّاكه أَبُوك (٩)؟ قال: فأقولُ: نعم. قال: فإنّي لا أعرفُ الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعُوك به، أمّا أنت فلا تُجيبُني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرفُ. قال: وكان إذا دعاني: يا عبد عمروٍ، لم أُجبه. قال: فقلتُ له: يا أبا عليٍّ، اجعل ما شئت. قال: فأنت عبدُ الإله.

стр. 1568

قال: قلتُ: نعم. قال: فكنتُ إذا مررتُ به قال: يا عبد الإله. فأجيبُه فأتحدّثُ معه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ، مررتُ به وهو واقفٌ مع ابنه عليٍّ، وهو آخذ بيده. قال: ومعي أدراعٌ لي قد استلبتُها، فأنا أحملُها، فلمّا رآني قال: يا عبد عمروٍ. فلم أُجبه. فقال: يا عبد الإله. فقلتُ: نعم. قال: هل لك فيّ، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلتُ: نعم، ها اللَّه [ذا] (١). قال: فطرحتُ الأدراعُ من يدي، وأخذتُ بيده وبيد ابنه، وهو يقولُ: ما رأيتُ كاليوم قطُ، أما لكم حاجةٌ في اللَّبن (٢)؟ ثُم خرجت أمشي بهما. قال ابنُ إسحاق (٣): حدّثني عبدُ الواحد بنُ أبي عونٍ، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال: قال لي أُميّةُ بنُ خلفٍ وأنا بينه وبين ابنه آخذٌ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجلُ منكم، المُعلَمُ بريشة نعامةٍ في صدره؟ قال: قلتُ: حمزةُ. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبدُ الرحمن: فواللَّه إنّي لأقُودُهما إذ رآه بلالٌ معي؛ وكان هو الذي يُعذّبُ بلالًا بمكّة على [ترك] (٤) الإسلام، فلمّا رآه قال: رأسُ الكُفر أُميّةُ بنُ خلفٍ، لا نجوتُ إن نجا. قال: قلتُ: أي بلالُ، أسيريَّ؟. قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: ثُم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار اللَّه، رأسُ الكفر أُميّةُ بن خلفٍ، لا نجوتُ إن نجا. فأحاطُوا بنا حتى جعلُونا في مثل المَسَكَةِ (٥)، فأنا أذُبُّ عنه. قال: فأخلف رجلٌ السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أُميّةُ صيحة ما سمعتُ بمثلها قطُّ. قال: قلتُ: انجُ بنفسك ولا نجاء، فواللَّه ما أُغني عنك شيئًا. قال: فهبرُوهما (٦) بأسيافهم حتى فرغُوا منهما. قال: فكان عبدُ الرحمن يقولُ: يرحمُ اللَّه بلالًا، فجعني بأدراعي وبأسيريّ. وهكذا رواه البخاريُّ في "صحيحه" (٧) قريبًا من هذا السّياق، فقال في الوكالة: حدّثنا عبدُ العزيز، هو ابنُ عبد اللَّه -حدّثنا يوسفُ- هو ابنُ الماجشُون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبيه، عن جدّه عبد الرحمن بن عوفٍ قال: كاتبتُ أُميّة بن خلفٍ كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي (٨) بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلمّا ذكرتُ الرحمن قال: لا أعرفُ الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهليّة. فكاتبتُه عبد عمروٍ، فلمّا كان يومُ بدرٍ، خرجتُ إلى جبل لأُحرزه حين نام الناسُ، فأبصره

стр. 1569

بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلسٍ من الأنصار فقال: أميّةُ بنُ خلف؟! لا نجوتُ إن نجا أُميّةُ، فخرج معه فريقٌ من الأنصار في آثارنا، فلمّا خشيتُ أن يلحقُونا، خففتُ لهم ابنه لأشغلهم فقتلُوه، ثم أتوا حتى تبعُونا، وكان رجُلًا ثقيلًا، فلمّا أدركُونا قلتُ له: ابرُك. فبرك فألقيتُ عليه نفسي لأمنعه، فتخلّلُوه بالسُّيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدُهم رجلي بسيفه. فكان عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ يُرينا ذلك الأثر (١) في ظهر قدمه. سمع يوسفُ صالحًا، وإبراهيمُ أباه. تفرّد به البخاريُّ من بينهم كلّهم. وفي مُسند رفاعة بن رافعٍ (٢)، أنّه هو (٣) الذي قتل أُميّة بن خلفٍ. مقتلُ أبي جهلٍ، لعنه اللَّه قال ابنُ هشامٍ (٤): وأقبل أبو جهل يومئذٍ يرتجزُ [وهو يقَاتل] (٥) ويقولُ: [من الرجز] ما تَنْقِمُ الحربُ العوانُ منّي … بازلُ عامين حديثٌ سنّي لمثل هذا ولدتني أُمّي قال ابنُ إسحاق (٦): ولمّا فرغ رسولُ اللَّه ﷺ من عدُوّه، أمر بأبي جهلٍ أن يُلتمس في القتلى، وكان أوَّلُ من لقي أبا جهلٍ، كما حدّثني ثورُ بنُ زيدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، وعبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ أيضًا قد حدّثني ذلك، قالا: قال مُعاذ بنُ عمروٍ بن الجمُوح أخو بني سلمة: سمعتُ القوم، وأبو جهلٍ في مثل الحرجة (٧)، وهم يقُولون: أبو الحكم لا يُخلَصُ إليه. فلمّا سمعتُها جعلتُه من شأني، فصمدتُ (٨) نحوه، فلمّا أمكنني، حملتُ عليه فضربتُه ضربةً أطنّت قدمه بنصف ساقه، فواللَّه ما شبّهتُها حين طاحت، إلَّا بالنّواة تطيح من تحت مرضخة النّوى حين يُضربُ بها. قال: وضربني ابنُه عكرمةُ على عاتقي، فطرح يدي فتعلَقت بجلدةٍ من جنبي، وأجهضني القتالُ عنه، فلقد قاتلتُ عامّة يومي وإنّي لأسحبُها خلفي، فلمّا آذتني وضعتُ عليها قدمي، ثُم تمطّيتُ بها عليها حتى طرحتُها -قال ابنُ

стр. 1570

إسحاق (١): ثُم عاش بعد ذلك حتى كان زمنُ عثمان، ثُم مرّ بأبي جهلٍ، وهو عقيرٌ (٢)، مُعوّذُ بنُ عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمقٌ، وقاتل مُعوّذٌ حتى قُتل، فمرّ عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ بأبي جهلٍ، حين أمر رسولُ اللَّه ﷺ أن يُلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسولُ اللَّه ﷺ فيما بلغني-: "انظُرُوا، إن خفي عليكم في القتلى، إلى أثر جُرحٍ في رُكبته، فإنّي ازدحمتُ أنا وهو يومًا على مأدُبةٍ لعبد اللَّه بن جُدعان ونحنُ غُلامان، وكنتُ أشفّ منه بيسيرٍ، فدفعتُه فوقع على رُكبتيه فجُحش في إحداهما جحشًا لم يزل أثرُه به. قال ابنُ مسعودٍ: فوجدتُه بآخر رمقٍ فعرفتُه، فوضعتُ رجلي على عُنُقه، قال: وقد كان ضبث (٣) بي مرّةً بمكّة، فآذاني ولكزني، ثُم قلتُ له: هل أخزاك اللَّه يا عدُوّ اللَّه؟ قال: وبماذا أخزاني؟! قال: أعمَدُ من رجُلٍ قتلتُموه، أخبرني لمن الدّائرةُ اليوم؟ قال: قلتُ: للَّه ولرسوله. قال ابنُ إسحاق (٤): وزعم رجالٌ من بني مخزُومٍ، أنّ ابن مسعودٍ كان يقولُ: قال لي (٥): لقد ارتقيتَ مُرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم. قال: ثُم احتززتُ رأسه، ثُم جئتُ به رسول اللَّه ﷺ فقلتُ: يا رسول اللَّه، هذا رأسُ عدوّ اللَّه. فقال: "اللَّه الذي لا إله غيرُه؟ ". وكان يمينَ رسول اللَّه ﷺ ، فقلتُ: نعم، واللَّه الذي لا إله غيرُه. ثُم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول اللَّه ﷺ فحمد اللَّه. هكذا ذكر ابنُ إسحاق، ﵀. وقد ثبت في "الصحيحين" (٦)، من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشُون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال: إنّي لواقفٌ يوم بدرٍ في الصفّ، فنظرتُ عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غُلامين من الأنصار حديثةٍ أسنانُهما، فتمنّيتُ أن أكُون بين أَظلَعَ منهما، فغمزني أحدُهما فقال: يا عمّ، أتعرفُ أبا جهلٍ؟ فقلتُ: نعم، وما حاجتُك إليه؟ قال: أُخبرتُ أنّه يسُبُّ رسول اللَّه ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيتُه، لا يُفارقُ سوادي سوادَه حتى يموت الأعجلُ منا. فتعجّبتُ لذلك، فغمزني الآخرُ فقال لي أيضًا مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ وهو يجُولُ في الناس، فقلتُ: ألا تريان؟ هذا صاحبُكم الذي تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبيّ ﷺ فأخبراه فقال: "أيُّكما قتله؟ ". قال كُلٌّ منهما: أنا قتلتُه. قال: "هل مسحتُما سيفيكُما؟ ". قالا: لا. قال: فنظر النبيُّ ﷺ في السيفين فقال: "كلاكُما قتله". وقضى بسلبه لمُعاذ بن عمروٍ بن الجمُوح، والآخرُ مُعاذُ ابنُ عفراء.

стр. 1571

وقال البخاريُّ (١): حدّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن جدّه قال: قال عبدُ الرحمن: إنّي لفي الصّفّ يوم بدرٍ، إذ التفتُّ فماذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السّنّ، فكأنّي لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدُهما سرًا من صاحبه: يا عمّ، أرني أبا جهلٍ. فقلتُ: يا بن أخي، وما تصنعُ به؟ قال: عاهدتُ اللَّه إن رأيتُه، أن أقتُله أو أموت دونه. فقال لي الآخرُ سرًا من صاحبه مثله. قال: فما سرّني أنّي بين رجُلين مكانهما، فأشرتُ لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصّقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء. وفي "الصحيحين" (٢) أيضًا، من حديث سُليمان التّيميّ، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "من ينظُرُ ما صنع أبو جهلٍ؟ ". قال ابنُ مسعودٍ: أنا يا رسول اللَّه. فانطلق، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: فأخذ بلحيته. قال: فقلتُ: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجلٍ قتلتُموه. أو قال: قتله قومُه. وعند البخاريّ (٣)، عن أبي أُسامة، عن إسماعيل، عن قيسٍ (٤)، عن ابن مسعودٍ، أنّه أتى أبا جهلٍ فقال: قد أخزاك اللَّه؟ (٥) فقال: هل أعمَد من رجلٍ قتلتُموه. وقال الأعمشُ (٦)، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللَّه قال: انتهيتُ إلى أبي جهلٍ وهو صريعٌ وعليه بيضةٌ ومعه سيفٌ جيّدٌ، ومعي سيفٌ رديءٌ، فجعلتُ أنقُفُ رأسه بسيفي وأذكُرُ نقفًا كان ينقُفُ رأسي بمكّة، حتى ضعُفتْ يدُه، فأخذتُ سيفه، فرفع رأسه فقال: على من كانت الدّائرةُ؛ لنا أو علينا؟ ألستَ رُويعينا بمكّة؟ قال: فقتلتُه ثُم أتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلتُ: قتلتُ أبا جهل. فقال: "اللَّه الذي لا إله إلّا هو؟ ". فَاسْتَحْلَفني ثلاث مرّاتٍ، ثُم قام معي إليهم فدعا عليهم. وقال الإمامُ أحمدُ (٧): حدّثنا وكيعٌ، ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة قال: قال عبدُ اللَّه: انتهيتُ إلى أبي جهلٍ يوم بدرٍ وقد ضُربت رجلُه [وهو صريع] (٨)، وهو يذُبُّ الناس عنه بسيفٍ له، فقلتُ: الحمدُ للَّه الذي أخزاك اللَّه يا عدُوّ اللَّه. قال: هل هو إلّا رجلٌ قتله قومُه، قال: فجعلتُ

стр. 1572

أتناولُه بسيفٍ لي غير طائلٍ، فأصبتُ يده، فندر (١) سيفُه، فأخذتُه فضربتُه حتى قتلتُه. قال: ثُم خرجتُ حتى أتيتُ النبيّ ﷺ كأنّما أُقَلُّ من الأرض، فأخبرتُه فقال: "اللَّه الذي لا إله إلّا هو؟ ". فردّدها ثلاثًا. قال: قلتُ: اللَّه الذي لا إله إلّا هو. قال: فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال: "الحمدُ للَّه الذي قد أخزاك اللَّه يا عدُوّ اللَّه، هذا كان فرعون هذه الأُمّة". وفي رواية أُخرى: قال ابنُ مسعودٍ: فنفَلني سيفه. وقال أبو إسحاق الفزاريُّ (٢)، عن الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن ابن مسعودٍ قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ، فقلتُ: قد قتلتُ أبا جهلٍ. فقال: "اللَّه الذي لا إله إلّا هو؟ ". فقلتُ: اللَّه الذي لا إله إلّا هو. مرّتين أو ثلاثًا. قال: فقال النبيُّ ﷺ : "اللَّه أكبرُ، الحمدُ للَّه الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثُم قال: "انطلق فأرنيه". فانطلقتُ فأريتُه فقال: "هذا فرعونُ هذ الأُمّة". ورواه أبو داود، والنّسائيُّ. من حديث أبي إسحاق السّبيعيّ به (٣). وقال الواقديُّ: وقف رسولُ اللَّه ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال: "رحم اللَّه ابني عفراء، فهما شُركاءُ في قتل فرعون هذه الأُمّة ورأس أئمّة الكُفر". فقيل: يا رسول اللَّه، ومن قتله معهما؟ قال: "الملائكةُ، وابنُ مسعودٍ قد شرك في قتله" رواه البيهقيُّ (٤). وقال البيهقيُّ (٥): أخبرنا الحاكمُ، أخبرنا الأصمُّ، حدّثنا أحمدُ بنُ عبد الجبار، حدّثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن عنبسة بن الأزهر، عن أبي إسحاق قال: لمّا جاء رسولَ اللَّه ﷺ البشيرُ يوم بدرٍ بقتل أبي جهلٍ، استحلفه ثلاثة أيمانٍ باللَّه الذي لا إله إلّا هو، لقد رأيتَه قتيلًا؟ فحلف له، فخرّ رسولُ اللَّه ﷺ ساجدًا. ثُم روى البيهقيُّ (٦)، من طريق أبي نُعيمٍ، عن سلمة بن رجاءً، عن الشّعثاءٍ؛ امرأةٍ من بني أسدٍ، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، أنّ رسول اللَّه ﷺ صلّى ركعتين؛ حين بُشّر بالفتح، وحين جيء برأس أبي جهلٍ. وقال ابنُ ماجه (٧): حدّثنا أبو بشرٍ بكرُ بنُ خلفٍ، حدَّثنا سلمةُ بنُ رجاءٍ قال: حدّثتني شعثاءُ، عن

стр. 1573

عبد اللَّه بن أبي أوفى، أنّ رسول اللَّه ﷺ صلّى يوم بُشِّر برأس أبي جهلٍ ركعتين. وقال ابنُ أبي الدُّنيا (١): حدّثنا أبي، حدّثنا هُشيمٌ (٢)، أخبرنا مُجالدٌ، عن الشّعبيّ، أنّ رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ : إنّي مررتُ ببدرٍ فرأيتُ رجلًا يَخْرُجُ من الأرض، فيضربُه رجلٌ بمقمعةٍ معه حتى يغيب في الأرض، ثُم يخرُجُ فيفعلُ به مثل ذلك مرارًا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ذاك أبو جهل بنُ هشامٍ يُعذّبُ إلى يوم القيامة". وقال الأُمويُّ في "مغازيه": سمعتُ أبي، ثنا المُجالدُ بنُ سعيدٍ، عن عامرٍ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنّي رأيتُ رجلًا جالسًا في بدر، ورجلٌ يضربُ رأسه بعمودٍ من حديدٍ، حتى يغيب في الأرض. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ذاك أبو جهل، وُكّل به ملَكٌ يفعلُ به كلّما خرج، فهو يتجلجلُ (٣) فيها إلى يوم القيامة" (٤). وقال البخاريُّ (٥): حدّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيل، ثنا أبو أُسامة، عن هشامٍ، عن أبيه قال: قال الزُّبيرُ: لقيتُ يوم بدرٍ عُبيدة بن سعيدٍ بن العاص، وهو مُدجّجٌ لا يُرى منه إلّا عيناه، وهو يُكنى أبا ذات الكرش، فقال: [أنا] (٦) أبو ذات الكرش. فحملتُ عليه بعنَزةٍ، فطعنتُه في عينه فمات. قال هشامٌ: فأُخبرتُ أنّ الزُّبير قال: لقد وضعتُ رجلي عليه، ثُم تمطّيتُ فكان الجهد أن نزعتُها، وقد انثنى طرفاها. قال عُروةُ: فسأله إيّاها رسولُ اللَّه ﷺ فأعطاه [إيَّاها] (٧)، فلمّا قُبض رسولُ اللَّه ﷺ أخذها، ثُم طلبها أبو بكرٍ، فأعطاه، فلمّا قُبض أبو بكرٍ سألها إيّاه عمرُ، فأعطاه إيّاها، فلمّا قُبض عمرُ أخذها، ثُم طلبها عثمانُ منه، فأعطاه إيّاها، فلمّا قُتل عثمانُ وقعت عند آل عليٍّ، فطلبها عبدُ اللَّه بنُ الزُّبير، فكانت عنده حتى قُتل. وقال ابنُ هشامٍ (٨): حدّثني أبو عُبيدة وغيرُه من أهل العلم بالمغازي، أنّ عُمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومرّ به: إنّي أراك كأنّ في نفسك شيئًا، أراك تظُنُّ أنّي قتلتُ أباك، إنّي لو قتلتُه لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلتُ خالي العاص بن هشام بن المُغيرة، فأمّا أبوك فإنّي مررتُ به وهو

стр. 1574

يبحثُ بحث الثّور برَوقه (١)، فحِدتُ عنه، وقصد له ابنُ عمّه عليٌّ فقتله. قال ابنُ إسحاق (٢): وقاتل عُكّاشةُ بنُ محصن بن حُرثان الأسديُّ، حليفُ بني عبد شمسٍ، يوم بدرٍ بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسولَ اللَّه ﷺ فأعطاه جذْلًا من حطبٍ فقال: "قاتل بهذا يا عُكّاشةُ" فلمّا أخذه من رسول اللَّه ﷺ هزّه، فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللَّه على المسلمين، وكان ذلك السيفُ يُسمّى العون، ثُم لم يزل عنده يشهدُ به المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ حتى قتله طُليحةُ الأسديُّ أيام الرّدّة، وأنشد طُليحةُ في ذلك قصيدةً، منها قولُه: [من الطويل] عشيّة غادرتُ ابنَ أقرم ثاويًا … وعُكّاشةَ الغنميَّ عند مجال وقد أسلم بعد ذلك طُليحةُ، كما سيأتي بيانُه. قال ابنُ إسحاق (٣): وعُكّاشةُ هو الذي قال، حين بشَّر رسولُ اللَّه ﷺ أُمّته بسبعين ألفًا يدخُلُون الجنة بغير حسابٍ (٤) ولا عذابٍ: ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم. قال: "اللهمّ اجعله منهم". وهذا الحديثُ مُخرّجٌ في الصّحاح والحسان وغيرها (٥). قال ابنُ إسحاق (٦): وقال رسولُ اللَّه ﷺ فيما بلغني-: "منّا خيرُ فارسٍ في العرب". قالوا: ومن هو يا رسول اللَّه؟ قال: "عُكّاشةُ بنُ مِحصَنٍ" فقال ضرارُ بنُ الأزور الأسديُّ: ذاك رجلٌ منّا يا رسول اللَّه. قال: "ليس منكم ولكنّهُ منّا (٧) ". للحلف. وقد روى البيهقيُّ (٨) عن الحاكم، من طريق محمد بن عُمر الواقديّ، حدّثني عمرُ بنُ عثمان الجَحْشيُّ (٩) عن أبيه، عن عمّته قالت: قال عُكّاشةُ بنُ مِحصَنٍ: انقطع سيفي يومَ بدرٍ، فأعطاني رسولُ اللَّه ﷺ عُودًا، فإذا هو سيفٌ أبيضُ طويلٌ، فقاتلتُ به حتى هزم اللَّه المُشركين، ولم يزل عنده حتى هلك.

стр. 1575

وقال الواقديُّ (١): وحدّثني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن داود بن الحُصين، عن رجالٍ من بني عبد الأشهل عدّةٍ قالوا: انكسر سيفُ سلمة بن حريشٍ يوم بدرٍ، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسولُ اللَّه ﷺ قضيبًا كان في يده من عراجين ابن طابٍ، فقال: "اضرب به". فإذا هو (٢) سيفٌ جيّدٌ، فلم يزل عنده حتى قُتل يوم جسر أبي عُبيدٍ (٣). ردُّه، ﵇، عين قتادة قال البيهقيُّ في "الدلائل" (٤): أخبرنا أبو سعدٍ المالينيُّ، أخبرنا أبو أحمد بنُ عديٍّ، حدّثنا أبو يعلى، حدّثنا يحيى الحِمَّاني، ثنا عبدُ الرحمن بنُ سليمان، ابنُ الغسيل، عن عاصم بن عُمر بن قتادة، عن أبيه، عن جدّه قتادة بن النُّعمان، أنّه أُصيبت عينُه يوم بدرٍ، فسالت حدقتُه على وجنته، فأرادوا أن يقطعُوها، فسألوا رسول اللَّه ﷺ فقال: "لا". فدعاه فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أيُّ عينيه أُصيبت. وفي روايةٍ (٥): فكانت أحسن عينيه. وقد روينا عن أمير المؤمنين عُمر بن عبد العزيز، أنّه لمّا أخبره بهذا الحديث عاصمُ بنُ عمر بن قتادة، وأنشد مع ذلك: [من الطويل] أنا ابنُ الذي سالتْ على الخدّ عَيْنُهُ … فرُدّت بكفّ المُصطفى أيَّما ردّ (٦) فقال عمرُ بنُ عبد العزيز، ﵀، عند ذلك مُنشدًا قول أُميّة بن أبي الصّلت في سيف بن ذي يزن، فأنشده عمرُ في موضعه: حقًّا. [من البسيط] تلك المكارمُ لا قَعبان من لبنٍ … شيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا

стр. 1576

فصل قصةٌ أُخرى شبيهةٌ بها قال البيهقيُّ (١): أنا أبو عبد اللَّه الحافظُ، أنا محمدُ بنُ صالحٍ، أنا الفضلُ بنُ محمدٍ الشّعرانيُّ، ثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عمران، حدّثني رفاعةُ بنُ يحيى، عن مُعاذ بن رفاعة بن رافعٍ، عن أبيه رفاعة بن رافع بن مالكٍ، عن أبيه قال: لمّا كان يومُ بدرٍ تجمّع الناسُ على أُميّة (٢) بن خلفٍ، فأقبلتُ إليه، فنظرتُ إلى قطعةٍ من درعه قد انقطعت من تحت إبطه. قال: فطعنتُه بالسيف فيها طعنةً قَطَعَتْهُ (٣)، ورُميتُ بسهمٍ يوم بدرٍ، ففُقئت عيني فبصق فيها رسولُ اللَّه ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيءٌ. وهذا غريبٌ من هذا الوجه، وإسنادُه جيّدٌ، ولم يُخرجُوه (٤). ورواه الطّبرانيُّ من حديث إبراهيم بن المُنذر. قال ابنُ هشامٍ (٥): ونادى أبو بكرٍ ابنه عبد الرحمن وهو يومئذٍ مع المشركين لم يُسلم بعدُ، فقال: أين مالي يا خبيثُ؟ فقال عبدُ الرحمن: [من الرجز] لم يبق إلا شكّةٌ ويعبُوبْ … وصارمٌ يقتُلُ ضُلّال الشّيبْ يعني لم يبق إلّا عُدّةُ الحرب، وحِصانٌ -وهو اليعبُوبُ- يقاتلُ عليه شيوخ الضلالة، هذا يقولُه في حال كفره. وقد روينا في "مغازي الأمويّ" أنّ رسول اللَّه ﷺ جعل يمشي يوم بدرٍ هو وأبو بكرٍ الصّدّيقُ بين القتلى، ورسولُ اللَّه ﷺ يقولُ: [من الطويل] نُفلّقُ هامًا. . . . … . . . . . . . . . . . . فيقولُ الصديقُ (٦): . . . من رجالٍ أعزّةٍ … علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

стр. 1577

ذكر طرح رؤوس الكفر في بئرٍ [يومَ] (١) بدرٍ قال ابن إسحاق (٢): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قال: لمّا أمر رسول اللَّه ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب (٣)، طرحوا فيه إلّا ما كان من أميّة بن خلفٍ، فإنّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل (٤) [لحمه] (٥)؛ فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة، فلمّا ألقاهم في القليب وقف عليهم [رسول اللَّه ﷺ ] (٦) فقال: "يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا". قال: فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه، أتكلّم قومًا موتى؟! فقال: "لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقٌّ". قالت عائشة: والناس يقولون: "لقد سمعوا ما قلت لهم". وإنما قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد علموا". قال ابن إسحاق (٧): وحدثني حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ، قال: سمع أصحاب النبيّ ﷺ رسول اللَّه من جوف الليل وهو يقول: "يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلفٍ، ويا أبا جهل بن هشامٍ -فعدّد من كان منهم في القليب- هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا". فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، أتنادي قومًا قد جيّفوا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني". وقد رواه الإمام أحمد (٨)، عن ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، فذكر نحوه، وهذا على شرط الشيخين. قال ابن إسحاق (٩): وحدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أهل القليب، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقًّا". قلت: وهذا ممّا كانت عائشة أمّ المؤمنين، ﵂، تتأوّله من الأحاديث -كما قد جمع ما

стр. 1578

كانت تتأوّله من الأحاديث في جزءٍ- وتعتقد أنّه معارضٌ لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وليس هو بمعارضٍ له، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم؛ للأحاديث الدّالة نصًّا على خلاف ما ذهبت إليه، ﵂ وأرضاها. وقال البخاريّ (١): حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ذكر عند عائشة، ﵂، أنّ ابن عمر رفع إلى النبيّ ﷺ : "إنّ الميّت يعذّب في قبره ببكاء أهله". فقالت: وَهَل (٢)، ﵀، إنّما قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه ليعذّب بخطيئته وذنبه، وإنّ أهله ليبكون عليه الآن". قالت (٣): وذاك مثل قوله: إنّ رسول اللَّه ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدرٍ من المشركين، فقال لهم ما قال، قال: "إنّهم ليسمعون ما أقول". وإنّما قال: "إنّهم الآن ليعلمون أنّ ما كنت أقول لهم حقٌّ". ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] تقول: حين تبوّؤوا مقاعدهم من النار. وقد رواه مسلم (٤) عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة به. وقد جاء التصريح بسماع الميّت بعد دفنه في غير ما حديثٍ (٥)، كما سنقرّر ذلك في كتاب الجنائز من "الأحكام الكبير" إن شاء اللَّه. ثم قال البخاريّ (٦): حدّثني عثمان، ثنا عبدة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن ابن عمر قال: وقف النبيّ ﷺ على قليب بدرٍ، فقال: "هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ ". ثم قال: "إنّهم الآن يسمعون ما أقول لهم". وذكر لعائشة فقالت: إنّما قال النبيّ ﷺ : "إنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي كنت أقول لهم هو الحقّ". ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية. وقد رواه مسلمٌ عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيعٍ، كلاهما عن هشام بن عروة (٧).

стр. 1579

وقال البخاريّ (١): حدَّثنا عبد اللَّه بن محمدٍ، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالكٍ، عن أبي طلحة، أنّ رسول اللَّه ﷺ أمر يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلًا من صناديد قريشٍ، فقذفوا في طويٍّ من أطواء (٢) بدرٍ خبيثٍ مخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدرٍ اليوم الثالث، أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثم مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلّا لبعض حاجته. حتى قام على شفة الرّكيّ (٣)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ يا فلان بن فلانٍ، ويا فلان بن فلانٍ: "أيسرّكم أنّكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ ". فقال عمر: يا رسول اللَّه، ما تكلّم من أجسادٍ لا أرواح فيها؟ فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة (٤): أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله؛ توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمةً، وحسرةً، وندمًا. وقد أخرجه بقية الجماعة إلّا ابن ماجه، من طرقٍ، عن سعيد بن أبي عروبة (٥). ورواه الإمام أحمد (٦)، عن يونس بن محمدٍ المؤدّب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال: حدّث أنس بنُ مالكٍ. فذكر مثله، فلم يذكر أبا طلحة، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولكنّ الأول أصحّ وأظهر، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عفّان، ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ أنّ رسول اللَّه ﷺ ترك قتلى بدرٍ ثلاثة أيامٍ حتى جيّفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: "يا أميّة بن خلفٍ، يا أبا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقًّا". قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول اللَّه، أتناديهم بعد ثلاثٍ؟ وهل يسمعون؟ يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطعون أن يجيبوا".

стр. 1580

ورواه مسلم (١)، عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة به. قال ابن إسحاق (٢): وقال حسان بن ثابتٍ (٣): [من الوافر] عرفتُ ديار زينب بالكثيبِ … كخطّ الوحي في الورق القشيبِ تداولَها الرِّياح وكلُّ جَونٍ … من الوسميّ منهمرٍ سكوبِ فأمسى رسمها خلَقًا وأمست … يبابًا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكّر كلّ يومٍ … وردّ حرارة القلب (٤) الكئيب وخبّر بالذي لا عيب فيه بصدقٍ … غيرِ إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدرٍ … لنا في المشركين من النصيب غداة كأنّ جمعهمُ حراءٌ … بدت أركانه جُنْح الغروب فلا قيناهمُ منا بجمعٍ … كأسد الغاب مُرْدَانِ وشُيب أمام محمدٍ قد وازروه … على الأعداء في لفْح الحروب بأيديهمْ صوارم مرهفاتٌ … وكلّ مجرّبٍ خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارفُ وازرتْها … بنو النّجّار في الدّين الصّليب فغادرنا أبا جهلٍ صريعًا … وعتبةَ قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجالٍ … ذوي حسبٍ إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول اللَّه لمّا … قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقًّا … وأمر اللَّه يأخذ بالقلوبِ فما نطقوا ولو نَطقُوا لقالوا … صدقتَ وكنت ذا رأي مصيب قال ابن إسحاق (٥): ولمّا أمر رسول اللَّه ﷺ أن يلقوا في القليب، أُخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب، فنظر رسول اللَّه ﷺ ، فيما بلغني، في وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيبٌ قد تغيّر لونه، فقال: "يا أبا حذيفة (٦)، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيءٌ". أو كما قال رسول اللَّه ﷺ ، فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا،
следующие страницы →