← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فصل قصةٌ أُخرى شبيهةٌ بها قال البيهقيُّ (١): أنا أبو عبد اللَّه الحافظُ، أنا محمدُ بنُ صالحٍ، أنا الفضلُ بنُ محمدٍ الشّعرانيُّ، ثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عمران، حدّثني رفاعةُ بنُ يحيى، عن مُعاذ بن رفاعة بن رافعٍ، عن أبيه رفاعة بن رافع بن مالكٍ، عن أبيه قال: لمّا كان يومُ بدرٍ تجمّع الناسُ على أُميّة (٢) بن خلفٍ، فأقبلتُ إليه، فنظرتُ إلى قطعةٍ من درعه قد انقطعت من تحت إبطه. قال: فطعنتُه بالسيف فيها طعنةً قَطَعَتْهُ (٣)، ورُميتُ بسهمٍ يوم بدرٍ، ففُقئت عيني فبصق فيها رسولُ اللَّه ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيءٌ. وهذا غريبٌ من هذا الوجه، وإسنادُه جيّدٌ، ولم يُخرجُوه (٤). ورواه الطّبرانيُّ من حديث إبراهيم بن المُنذر. قال ابنُ هشامٍ (٥): ونادى أبو بكرٍ ابنه عبد الرحمن وهو يومئذٍ مع المشركين لم يُسلم بعدُ، فقال: أين مالي يا خبيثُ؟ فقال عبدُ الرحمن: [من الرجز] لم يبق إلا شكّةٌ ويعبُوبْ … وصارمٌ يقتُلُ ضُلّال الشّيبْ يعني لم يبق إلّا عُدّةُ الحرب، وحِصانٌ -وهو اليعبُوبُ- يقاتلُ عليه شيوخ الضلالة، هذا يقولُه في حال كفره. وقد روينا في "مغازي الأمويّ" أنّ رسول اللَّه ﷺ جعل يمشي يوم بدرٍ هو وأبو بكرٍ الصّدّيقُ بين القتلى، ورسولُ اللَّه ﷺ يقولُ: [من الطويل] نُفلّقُ هامًا. . . . … . . . . . . . . . . . . فيقولُ الصديقُ (٦): . . . من رجالٍ أعزّةٍ … علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

стр. 1577

ذكر طرح رؤوس الكفر في بئرٍ [يومَ] (١) بدرٍ قال ابن إسحاق (٢): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قال: لمّا أمر رسول اللَّه ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب (٣)، طرحوا فيه إلّا ما كان من أميّة بن خلفٍ، فإنّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل (٤) [لحمه] (٥)؛ فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة، فلمّا ألقاهم في القليب وقف عليهم [رسول اللَّه ﷺ ] (٦) فقال: "يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا". قال: فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه، أتكلّم قومًا موتى؟! فقال: "لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقٌّ". قالت عائشة: والناس يقولون: "لقد سمعوا ما قلت لهم". وإنما قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد علموا". قال ابن إسحاق (٧): وحدثني حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ، قال: سمع أصحاب النبيّ ﷺ رسول اللَّه من جوف الليل وهو يقول: "يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلفٍ، ويا أبا جهل بن هشامٍ -فعدّد من كان منهم في القليب- هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا". فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، أتنادي قومًا قد جيّفوا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني". وقد رواه الإمام أحمد (٨)، عن ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، فذكر نحوه، وهذا على شرط الشيخين. قال ابن إسحاق (٩): وحدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أهل القليب، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقًّا". قلت: وهذا ممّا كانت عائشة أمّ المؤمنين، ﵂، تتأوّله من الأحاديث -كما قد جمع ما

стр. 1578

كانت تتأوّله من الأحاديث في جزءٍ- وتعتقد أنّه معارضٌ لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وليس هو بمعارضٍ له، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم؛ للأحاديث الدّالة نصًّا على خلاف ما ذهبت إليه، ﵂ وأرضاها. وقال البخاريّ (١): حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ذكر عند عائشة، ﵂، أنّ ابن عمر رفع إلى النبيّ ﷺ : "إنّ الميّت يعذّب في قبره ببكاء أهله". فقالت: وَهَل (٢)، ﵀، إنّما قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه ليعذّب بخطيئته وذنبه، وإنّ أهله ليبكون عليه الآن". قالت (٣): وذاك مثل قوله: إنّ رسول اللَّه ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدرٍ من المشركين، فقال لهم ما قال، قال: "إنّهم ليسمعون ما أقول". وإنّما قال: "إنّهم الآن ليعلمون أنّ ما كنت أقول لهم حقٌّ". ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] تقول: حين تبوّؤوا مقاعدهم من النار. وقد رواه مسلم (٤) عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة به. وقد جاء التصريح بسماع الميّت بعد دفنه في غير ما حديثٍ (٥)، كما سنقرّر ذلك في كتاب الجنائز من "الأحكام الكبير" إن شاء اللَّه. ثم قال البخاريّ (٦): حدّثني عثمان، ثنا عبدة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن ابن عمر قال: وقف النبيّ ﷺ على قليب بدرٍ، فقال: "هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ ". ثم قال: "إنّهم الآن يسمعون ما أقول لهم". وذكر لعائشة فقالت: إنّما قال النبيّ ﷺ : "إنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي كنت أقول لهم هو الحقّ". ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية. وقد رواه مسلمٌ عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيعٍ، كلاهما عن هشام بن عروة (٧).

стр. 1579

وقال البخاريّ (١): حدَّثنا عبد اللَّه بن محمدٍ، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالكٍ، عن أبي طلحة، أنّ رسول اللَّه ﷺ أمر يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلًا من صناديد قريشٍ، فقذفوا في طويٍّ من أطواء (٢) بدرٍ خبيثٍ مخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدرٍ اليوم الثالث، أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثم مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلّا لبعض حاجته. حتى قام على شفة الرّكيّ (٣)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ يا فلان بن فلانٍ، ويا فلان بن فلانٍ: "أيسرّكم أنّكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ ". فقال عمر: يا رسول اللَّه، ما تكلّم من أجسادٍ لا أرواح فيها؟ فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة (٤): أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله؛ توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمةً، وحسرةً، وندمًا. وقد أخرجه بقية الجماعة إلّا ابن ماجه، من طرقٍ، عن سعيد بن أبي عروبة (٥). ورواه الإمام أحمد (٦)، عن يونس بن محمدٍ المؤدّب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال: حدّث أنس بنُ مالكٍ. فذكر مثله، فلم يذكر أبا طلحة، وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولكنّ الأول أصحّ وأظهر، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عفّان، ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ أنّ رسول اللَّه ﷺ ترك قتلى بدرٍ ثلاثة أيامٍ حتى جيّفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: "يا أميّة بن خلفٍ، يا أبا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقًّا". قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول اللَّه، أتناديهم بعد ثلاثٍ؟ وهل يسمعون؟ يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطعون أن يجيبوا".

стр. 1580

ورواه مسلم (١)، عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة به. قال ابن إسحاق (٢): وقال حسان بن ثابتٍ (٣): [من الوافر] عرفتُ ديار زينب بالكثيبِ … كخطّ الوحي في الورق القشيبِ تداولَها الرِّياح وكلُّ جَونٍ … من الوسميّ منهمرٍ سكوبِ فأمسى رسمها خلَقًا وأمست … يبابًا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكّر كلّ يومٍ … وردّ حرارة القلب (٤) الكئيب وخبّر بالذي لا عيب فيه بصدقٍ … غيرِ إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدرٍ … لنا في المشركين من النصيب غداة كأنّ جمعهمُ حراءٌ … بدت أركانه جُنْح الغروب فلا قيناهمُ منا بجمعٍ … كأسد الغاب مُرْدَانِ وشُيب أمام محمدٍ قد وازروه … على الأعداء في لفْح الحروب بأيديهمْ صوارم مرهفاتٌ … وكلّ مجرّبٍ خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارفُ وازرتْها … بنو النّجّار في الدّين الصّليب فغادرنا أبا جهلٍ صريعًا … وعتبةَ قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجالٍ … ذوي حسبٍ إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول اللَّه لمّا … قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقًّا … وأمر اللَّه يأخذ بالقلوبِ فما نطقوا ولو نَطقُوا لقالوا … صدقتَ وكنت ذا رأي مصيب قال ابن إسحاق (٥): ولمّا أمر رسول اللَّه ﷺ أن يلقوا في القليب، أُخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب، فنظر رسول اللَّه ﷺ ، فيما بلغني، في وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيبٌ قد تغيّر لونه، فقال: "يا أبا حذيفة (٦)، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيءٌ". أو كما قال رسول اللَّه ﷺ ، فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا،

стр. 1581

فكنت أرجو أن يهديَه ذلك للإسلام، فلمّا رأيتُ ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول اللَّه ﷺ بخيرٍ، وقال له خيرًا. وقال البخاريّ (١): حدّثنا الحميديّ، حدثنا سفيان، ثنا عمروٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم واللَّه كُفَّار قريشٍ. قال عمرو: هم قريشٌ، ومحمدٌ ﷺ نعمة اللَّه، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. قال: النار يوم بدرٍ. قال ابن إسحاق (٢): وقال حسّان بن ثابتٍ (٣): [من البسيط] قومي الذين همُ آووا نبيّهم … وصدّقوه وأهل الأرض كفّار إلّا خصائص أقوامٍ همُ سلفٌ … للصالحين من الأنصار أنصارُ مستبشرين بقسم اللَّه قولهمُ … لمّا أتاهم كريم الأصل مختار أهلًا وسهلًا ففي أمنٍ وفي سعةٍ … نعم النبيّ ونعم القَسم والجار [فأنزلوه بدارٍ لا يخاف بها … من كان جارهم دارًا هي الدار] (٤) وقاسموه بها الأموال إذ قدموا … مهاجرين وقسم الجاحد النار سرنا وساروا إلى بدرٍ لحينهمُ … لو يعلمون يقين العلم ما ساروا دلّاهمُ بغرورٍ ثم أسلمهمْ … إنّ الخبيث لمن والاه غرّار وقال إنّي لكم جارٌ فأوردهم … شرّ الموارد فيه الخزي والعار ثم التقينا فولّوا عن سَراتهمُ … من منجدين ومنهم فرقةٌ غاروا وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا يحيى بن أبي بكيرٍ (٦) وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل، [عن سماك بن حربٍ] (٧)، عن عِكْرِمَة (٨)، عن ابن عباسٍ قال: لمّا فرغ رسول اللَّه ﷺ من القتلى، قيل له: عليك العِير، ليس دونها شيءٌ. فناداه العباس وهو في الوثاق: إنّه لا يصلح لك. قال: "لم؟ " قال: لأنّ اللَّه وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك.

стр. 1582

وقد كان جملة من قتل من سَراة الكُفَّار يوم بدرٍ سبعين، هذا مع حضور ألفٍ من الملائكة، وكان قدر اللَّه السابق فيمن بقي منهم؛ أن سَيُسْلِمُ منهم بشرٌ كثيرٌ، ولو شاء اللَّه لسلّط عليهم ملكًا واحدًا فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلّيّة، وقد كان في الملائكة جبريل، الذي أمره اللَّه تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكنّ سبعًا، فيهن من الأمم والدوابّ والأراضي والمزروعات، ما لا يعلمه إلا اللَّه، فرفعهنّ حتى بلغ بهنّ عَنان السماء على طرف جناحه، ثم قلبهنّ منكَّساتٍ، وأتبعهنّ بالحجارة التي سوِّمت لهم، كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط فيما تقدم (١). وقد شرعِ اللَّه جهاد المؤمنين للكافرين، وبيّن تعالى حكمه في ذلك فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [محمد: ٤]. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [التوبة: ١٤ - ١٥]. فكان قتل أبي جهلٍ على يدي شابٍّ من الأنصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد اللَّه بن مسعودٍ، ويمسك بلحيته، ويصعد على صدره حتى قال له: لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رويعي الغنم، ثم بعد هذا حزّ رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول اللَّه، فشفى اللَّه به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صَاعِقةٌ، أو أن يسقط عليه سقف منزله، أو يموت حتف أنفه، واللَّهُ أعلم. وقد ذكر ابن إسحاق (٢) فيمن قتل يوم بدرٍ مع المشركين ممن كان مسلمًا، ولكنّه خرج معهم تقيّةً منهم؛ لأنّه كان فيهم مضطهدًا قد فتنوه عن إسلامه، جماعةً؛ منهم: الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، [وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة] (٣)، وعليّ بن أميّة بن خلفٍ، والعاص بن منبّه بن الحجّاج. قال: وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. وكان جملة الأسارى يومئذٍ سبعين أسيرًا، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء اللَّه، منهم من آل رسول اللَّه ﷺ ؛ عمّه العباس بن عبد المطّلب، وابن عمّه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وقد استدلّ الشافعيّ والبخاريّ (٤) وغيرهما بذلك، على أنّه ليس كلّ من ملَك ذا رحمٍ محرمٍ يعتق

стр. 1583

عليه، وعارضوا به حديث الحسن، عن سمرة في ذلك (١)، فاللَّه أعلم. وكان فيهم أبو العاص بن الرّبيع بن عبد شمس بن أميّة، زوج زينب بنت النبيّ ﷺ (٢). فصل وقد اختلف الصحابة في الأسارى؛ أيقتلون أو يفادون؟ على قولين، كما قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عليّ بن عاصمٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، وذكر رجلًا، عن الحسن قال: استشار رسول اللَّه ﷺ الناس في الأسارى يوم بدرٍ، فقال: "إنّ اللَّه، ، قد أمكنكم منهم". قال: فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه، اضرب أعناقهم. قال: فأعرض عنه النبيّ ﷺ ، ثم عاد النَّبيُّ ﷺ فقال: "أيها الناس، إنّ اللَّه قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس". [قال] (٤): فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ ﷺ ، ثم عاد النبيّ ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكرٍ الصّدّيق، فقال: يا رسول اللَّه، نرى (٥) أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول اللَّه ﷺ ما كان فيه من الغمّ، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨] انفرد به أحمد. وقد روى الإمام أحمد (٦) -واللفظ له- ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ وصحّحه، وكذا عليّ بن المدينيّ، وصحّحه من حديث عكرمة بن عمّارٍ، حدّثنا سماكٌ الحنفيّ أبو زُمَيلٍ، حدّثني ابن عباسٍ، حدّثني عمر بن الخطاب، قال: نظر رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه يوم بدرٍ، وهم ثلاثمئةٍ ونيّف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألفٌ وزيادةٌ، فذكر الحديث كما تقدّم إلى قوله: فقُتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا. واستشار رسول اللَّه ﷺ أبا بكرٍ وعليًّا وعمر، فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللَّه، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، وإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكُفَّارٍ، وعسى أن يهديهم اللَّه، فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما ترى يا بن الخطَّاب؟ " قال: قلت: واللَّه

стр. 1584

ما أرى ما رأى أبو بكرٍ، ولكن أرى أن تمكّنني من فلانٍ -قريبٍ لعمر- فأضرب عنقه، وتمكّن عليًّا من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلانٍ أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم اللَّه أنّه ليست في قلوبنا هوادةٌ للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهويَ رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يهوَ ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلمّا كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبيّ ﷺ وأبي بكرٍ وهما يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لِلّذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، قد عُرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشّجرة" -لشجرةٍ قريبةٍ- وأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تكون (١) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحلّ لهم الغنائم، وذكر تمام الحديث. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة (٣)، عن عبد اللَّه (٤) قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسول اللَّه ﷺ : "ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " قال: فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللَّه، قومك وأهلك، استبقهم واستأن بهم؛ لعلّ اللَّه أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول اللَّه، أخرجوك وكذّبوك، قرّبهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد اللَّه بن رواحة: يا رسول اللَّه، انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه (٥) عليهم نارًا. فقال العباس: قطعت رحمك. قال: فدخل رسول اللَّه ﷺ ولم يردّ عليهم شيئًا، فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي بكرٍ. وفال ناسٌ: يأخذ بقول عمر. وقال ناسٌ: يأخذ بقول عبد اللَّه بن رواحة، فخرج عليهم فقال: "إنّ اللَّه ليُلين قلوب رجالٍ فيه حتّى تكون ألين من اللّبن (٦)، وإنّ اللَّه ليشدّ قلوب رجالٍ فيه حتّى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكرٍ، كمثل إبراهيم، ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومثلك يا أبا بكرٍ كمثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وإنّ مثلك يا عمر كمثل نوحٍ، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وإنّ مثلك يا عمر كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أنتم عالةٌ، فلا يبقينَّ أحدٌ إلّا بفداءٍ أو ضربة عنقٍ. قال عبد اللَّه: فقلت: يا رسول اللَّه، إلا سهيل بن

стр. 1585

بيضاء (١)؛ فإنّي قد سمعته يذكر الإسلام. قال: فسكت. قال: فما رأيتني في يومٍ أخوف أن تقع عليّ حجارةٌ من السماء من ذلك اليوم، حتى قال: "إلّا سهيل بن بيضاء". قال: فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تكون (٢) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين، وهكذا رواه الترمذيّ، والحاكم من حديث أبي معاوية (٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه (٤) من طريق عبد اللَّه بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاريّ بنحوه (٥). وقد روى ابن مردويه، والحاكم في "المستدرك" (٦) من حديث عبيد اللَّه بن موسى، حدّثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر، قال: لمّا أسر الأسارى يوم بدرٍ أسر العباس فيمن أسر، أسره رجلٌ من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فقال: "إنّي لم أنم الليلة من أجل عمّي العبّاس، وقد زعمت الأنصار أنّهم قاتلوه". قال عمر: أفآتيهم؟ قال: "نعم". فأتى عمر الأنصار، فقال لهم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا واللَّه لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول اللَّه رِضًى؟ قالوا: فإن كان له رضًى فخذه. فأخذه عمر، فلمّا صار في يده، قال له عمر: يا عباس، أسلم فواللَّه لأن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطَّاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول اللَّه يعجبه إسلامك.

стр. 1586

قال: واستشار رسول اللَّه ﷺ أبا بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: عشيرتك؛ فأرسلهم، واستشار عمر، فقال: اقتلهم. ففادَاهم رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تكون (١) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. ثم قال الحاكم (٢): هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وروى الترمذيّ، والنّسائيّ، وابن حبان (٣) في "صحيحه" (٤) من حديث سفيان الثوري، عن هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن عليٍّ قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: خيّر أصحابك في الأسارى، إن شاؤوا الفِدَاء وإن شاؤوا القتل، على أن يقتل عامًا قابلًا منهم مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا، وهذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، ومنهم من رواه مرسلًا، عن عبيدة، واللَّه أعلم. وقد قال ابن إسحاق (٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: لولا أنّي لا أعذّب من عصاني، حتى أتقدّم إليه، لمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ. وهكذا روي عن ابن أبي نجيحِ، عن مجاهدٍ أيضًا (٦)، واختاره ابن إسحاق (٧) وغيره. وقال الأعمش (٨): سبق منه أن لا يعذّب أحدًا شهد بدرًا، وهكذا روي عن سعد بن أبي وقّاصٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعطاء بن أبي رباحٍ (٩). وقال مجاهدٌ والثّوريّ (١٠): ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لهم بالمغفرة. وقال الوالبي (١١)، عن ابن عباسٍ: سبق في أمّ الكتاب الأول، أنّ المغانم وفداء الأسارى حلالٌ لكم، ولهذا قال بعده: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].

стр. 1587

وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن مسعودٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعطاءٍ، والحسن، وقتادة، والأعمش، واختاره ابن جريرٍ (١). وقد ترجّح هذا القول بما ثبت في "الصحيحين" (٢) عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي؛ نصرت بالرّعب مسيرة شهرٍ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه، وبعثت إلى النّاس عامّةً". وروى الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "لم تحلّ الغنائم لسود الرّؤوس غيرنا" (٣). ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، فأذن اللَّه تعالى في أكل الغنائم، وفداء الأسارى. وقد قال أبو داود: حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشيّ (٤)، ثنا سفيان بن حبيبٍ، ثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشّعثاء، عن ابن عباسٍ، أن رسول اللَّه ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدرٍ أربعمئة (٥). وهذا كان أقل ما فودي به أحدٌ منهم من المال، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهمٍ. وقد وعد اللَّه من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧٠]. وقال الوالبيّ (٦)، عن ابن عباسٍ: نزلت في العباس، ففادى نفسه بالأربعين أوقيّةً من ذهبٍ. قال العباس: فآتاني اللَّه أربعين عبدًا -يعني كلّهم يتّجر له- قال: وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا اللَّه، جلّ ثناؤه. وقال ابن إسحاق (٧): حدّثني العباس بن عبد اللَّه بن معبدٍ (٨)، عن بعض أهله، عن ابن عباسٍ،

стр. 1588

قال: لمّا أمسى رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ، والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبيّ ﷺ ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول اللَّه؟ فقال: "سمعت أنين عمّي العباس في وثاقه" فأطلقوه، فسكت، فنام رسول اللَّه ﷺ . قال ابن إسحاق (١): وكان رجلًا موسرًا ففادى نفسه بمئة أوقيةٍ من ذهب. قلت: وهذه المئة كانت عن نفسه، وعن ابني أخويه عقيلٍ ونوفلٍ، وعن حليفه عتبة بن عمروٍ أحد بني الحارث بن فهرٍ، كما أمره بذلك رسول اللَّه ﷺ حين ادّعى أنّه كان قد أسلم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أمّا ظاهرك فكان علينا، واللَّه أعلم بإسلامك وسيجزيك" فادّعى أنّه لا مال عنده، قال: "فأين المال الَّذي دفنتَه أنت وأمّ الفضل، وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبنيّ، الفضل وعبد اللَّه وقثم؟ ". فقال: واللَّه إنّي لأعلم أنّك رسول اللَّه، إنّ هذا شيءٌ ما علمه إلا أنا وأمّ الفضل. رواه ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ (٢). وثبت في "صحيح البخاريّ" (٣) من طريق موسى بن عقبة، قال الزّهريّ: حدّثني أنس بن مالكٍ قال: إنّ رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول اللَّه ﷺ قالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال: "لا واللَّه لا تذرون منه درهمًا". قال البخارىّ (٤): وقال إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنسٍ، أنّ النّبيّ ﷺ أتي بمالٍ من البحرين، فقال: "انثروه في المسجد" فكان أكثر مالٍ أتي به رسول اللَّه ﷺ ؛ إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول اللَّه، أعطني؛ إنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال: "خذ". فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه، فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: "لا". قال: فارفعه أنت عليّ. قال: "لا". فنثر منه ثم ذهب يقلّه، فلم يستطع. فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: "لا". قال: فارفعه أنت عليّ: قال: "لا". فنثر منه، ثم احتمله على كاهله ثم انطلق، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا؛ عجبًا من حرصه، فما قام رسول اللَّه [ ﷺ ]، وثمّ منها درهمٌ. وقال البيهقيّ (٥): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمّ، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس، عن أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّيّ، قال: كان فداء العباس وابني أخويه؛ عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المُطَّلِبِ، كل رجل أربعمئة دينارٍ، ثم توعّد تعالى الآخرين، فقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١].

стр. 1589

فصلٌ والمشهور أنّ الأسارى يوم بدرٍ كانوا سبعين، والقتلى من المشركين سبعين، كما ورد في غير ما حديثٍ مما تقدّم، وسيأتي إن شاء اللَّه، وكما في حديث البراء بن عازب في "صحيح البخاريّ" (١) أنهم قتلوا يوم بدرٍ سبعين، وأسروا سبعين. وقال موسى بن عقبة: قتل يوم بدرٍ من المسلمين من قريشٍ ستةٌ، ومن الأنصار ثمانيةٌ، وقتل من المشركين تسعةٌ وأربعون، وأسر منهم تسعةٌ وثلاثون. هكذا رواه البيهقيّ عنه (٢). قال: وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين. ثم قال (٣): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمّ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بكيرٍ، عن محمد بن إسحاق، قال: واستشهد من المسلمين يوم بدرٍ أحد عشر رجلًا؛ أربعة من قريشٍ، وسبعةٌ من الأنصار، وقتل من المشركين بضعةٌ وثلاثون (٤) رجلًا. وقال في موضعٍ آخر: وكان مع رسول اللَّه ﷺ أربعةٌ وأربعون (٥) أسيرًا، وكانت القتلى مثل ذلك. ثم روى البيهقيّ (٦)، من طريق أبي صالحٍ كاتب اللّيث، عن اللّيث، عن عقيلٍ، عن الزّهريّ، قال: وكان أوّل قتيلٍ من المسلمين؛ مِهجعٌ مولى عمر، ورجلٌ من الأنصار، وقتل يومئذٍ من المشركين زيادةٌ على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. قال (٧): ورواه ابن وهبٍ، عن يونس بن يزيد، عن الزُّهري، عن عروة بن الزُّبير. قال البيهقيّ: وهو الأصحّ فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم. ثم استدلّ على ذلك بما ساقه هو (٨) والبخاري أيضًا من طريق أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ، قال: أمّر رسول اللَّه ﷺ على الرّماة يوم أحدٍ عبد اللَّه بن جبيرٍ، فأصابوا منا سبعين، وكان النبيّ ﷺ وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئةً؛ سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا.

стр. 1590

قلت: والصحيح أنّ جملة المشركين كانوا ما بين التّسعمئة إلى الألف، وقد صرّح قتادة (١) بأنّهم كانوا تسعمئةٍ وخمسين رجلًا، وكأنّه أخذه من هذا الذي ذكرناه، واللَّه أعلم. وفي حديث عمر المتقدّم (٢)، أنّهم كانوا زيادةً على الألف. والصحيح الأول؛ لقوله ﵇: "القوم ما بين التسعمئة إلى الألف" (٣). وأمّا الصحابة يومئذٍ فكانوا ثلاثمئةٍ وبضعة عشر رجلًا، كما سيأتي التنصيص على ذلك، وعلى أسمائهم، إن شاء اللَّه. وتقدّم في حديث الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ أنّ وقعة بدرٍ كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان. وقاله أيضًا عروة بن الزبير، وقتادة، وإسماعيل السّدّيّ الكبير، وأبو جعفرٍ الباقر (٤). وروى البيهقي (٥) من طريق قتيبة، عن جريرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد اللَّه بن مسعودٍ في ليلة القدر، قال: تحرَّوها لإحدى عشرة بقين؛ فإنّ صبيحتها يوم بدرٍ. قال البيهقي (٦): وروي عن زيد بن أرقم، أنّه سئل عن ليلة القدر، فقال: ليلة تسع عشرة. ما شكّ. وقال: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. قال البيهقي (٧): والمشهور عن أهل المغازي أنّ ذلك لسبع عشرة ليلةً مضت من شهر رمضان. ثم قال البيهقي (٨): أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدّثنا أبو عمرو بن السّمّاك، حدّثنا حنبل بن إسحاق، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا عمرو بن عثمان، سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب الأنصاريُّ عن يوم بدرٍ، فقال: إمّا لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة خلت أو لإحدى عشرة بقيت، وإما لسبع عشرة بقيت. وهذا غريبٌ جدًّا. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (٩) في ترجمة قُباث بن أشيم اللّيثيّ، من طريق الواقديّ وغيره بإسنادهم إليه، أنّه شهد يوم بدرٍ مع المشركين، فذكر هزيمتهم مع قلَّة أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال: وجعلت

стр. 1591

أقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلّا النساء، واللَّه لو خرجت نساء قريشٍ بأكمتها (١)، ردّت محمدًا وأصحابه، فلمّا كان بعد الخندق، قلت: لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمدٌ، وقد وقع في نفسي الإسلامُ. قال: فقدِمتها، فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظلّ المسجد في ملأ من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه، فسلّمت، فقال: "يا قباث بن أشيم، أنت القائل يوم بدرٍ: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلا النّساء؟ " فقلت: أشهد أنّك رسول اللَّه؛ فإنّ هذا الأمر ما خرج منّي إلى أحدٍ قطّ، ولا ترمرمت (٢) به إلّا شيئًا حدّثت به نفسي، فلولا أنّك نبيٌّ ما أطلعك اللَّه (٣) عليه، هلمّ أبايعك على الإسلام؛ فأسلمت. فصلٌ وقد اختلفت الصحابة، ﵃، يوم بدرٍ في المغانم من المشركين يومئذٍ؛ لمن تكون منهم، وكانوا ثلاثة أصنافٍ، حين ولّى المشركون؛ ففرقةٌ أحدقت برسول اللَّه ﷺ ، تحرسه خوفًا من أن يرجع أحدٌ من المشركين إليه، وفرقةٌ ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون، وفرقةٌ جمعت المغانم من متفرّقات الأماكن، فادّعى كلّ فريقٍ من هؤلاء أنّه أحقّ بالمغنم من الآخرين؛ لما صنع من الأمر المهمّ. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ، عن أبي أُمَامَة الباهليّ، قال: سألت عبادة بن الصّامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحابَ بدرٍ نزلت حين اختلفنا في النّفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللَّه من أيدينا، فجعله إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقسمه بين المسلمين عن بواءٍ، يقول: على السواء (٥). وهكذا رواه أحمد (٦)، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به. ومعنى قوله: على السواء. أي: ساوى فيها بين الذين جمعوها، وبين الذين اتّبعوا العدوّ، وبين

стр. 1592

الذين ثبتوا تحت الرايات، لم يخصّص بها فريقًا منهم ممّن ادّعى التخصيص بها، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه، كما قد يتوهّمه بعض العلماء؛ منهم أبو عبيدٍ (١) وغيره، واللَّه أعلم. بل قد تنفّل رسول اللَّه ﷺ سيفه ذا الفقَّار من مغانم بدرٍ. قال ابن جريرٍ (٢): وكذا اصطفى جملًا لأبي جهلٍ، كان في أنفه برةٌ (٣) من فضّةٍ، وهذا قبل إخراج الخمس أيضًا. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا معاوية بن عمروٍ، ثنا [أبو إسحاق] (٥)، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللَّه بن عيّاش (٦) بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلّامٍ، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصّامت قال: خرجنا مع النبيّ ﷺ ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم اللَّه العدوّ، فانطلقت طائفةٌ في آثارهم يهزِمون ويَقتُلون، وأكبّت طائفةٌ على العسكر (٧) يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفةٌ برسول اللَّه ﷺ ؛ لا يصيب العَدُوُّ منه غِرَّةً، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعضٍ، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها [وجمعناها] (٨) وليس لأحدٍ فيها نصيبٌ. وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ بها (٩) مِنَّا، نحن نفينا منها العدوّ وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول اللَّه ﷺ : خفنا أن يصيب العدوّ منه غِرَّةً؛ فاشتغلنا به. فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فقسمها رسول اللَّه ﷺ بين المسلمين، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أغار في أرض العدوّ نفّل الرّبع، فإذا أقبل راجعًا نفّل الثّلث، وكان يكره الأنفال. وقد روى التّرمذيّ وابن ماجه (١٠) من حديث الثوريّ، عن عبد الرحمن بن الحارث آخره. وقال الترمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ.

стр. 1593

ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث عبد الرحمن، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرجه (١). وقد روى أبو داود، والنّسائيّ، وابن حبّان، والحاكم (٢) من طرقٍ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: لمّا كان يوم بدرٍ، قال رسول اللَّه ﷺ : "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا". فتسارع في ذلك شبّان الرِّجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلمّا كانت الغنائم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشّيوخ: لا تستأثروا علينا؛ فإنّا كنّا ردءًا لكم، ولو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارًا أخر يطول بسطها ها هنا، ومعنى الكلام أنّ الأنفال مرجعها إلى حكم اللَّه ورسوله، يحكمان فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم ذكر ما وقع في قصة بدرٍ، وما كان من الأمر حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فالظاهر أنّ هذه الآية مبيّنةٌ لحكم اللَّه في الأنفال، الذي جعل مردّه إليه وإلى رسوله ﷺ ، فبيّنه تعالى، وحكم فيها بما أراد تعالى، وهو قول ابن (٣) زيدٍ (٤)، وقد زعم أبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ (٥)، ﵀، أنّ رسول اللَّه ﷺ قسم غنائم بدرٍ على السّواء بين الناس، ولم يخمّسها، ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخًا لما تقدّم، وهكذا روى الوالبيّ، عن ابن عباسٍ، وبه قال مجاهدٌ، وعكرمة والسّدّيّ، وفي هذا نظرٌ، واللَّه أعلم؛ فإنّ سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها، كلّها في غزوة بدرٍ، فيقتضي [أنَّ] (٦) ذلك نزل جملةً في وقتٍ واحدٍ غير متفاصلٍ بتأخّرٍ يقتضي نسخ بعضه بعضًا، ثم في "الصحيحين" (٧) عن عليٍّ، ﵁، أنّه قال في قصة شارفَيه اللَّذين اجتبّ أَسْنَمَتَهُما حمزة: إنّ

стр. 1594

إحداهما كانت من الخمس يوم بدرٍ. ما يردّ صريحًا على أبي عبيدٍ؛ أنّ غنائم بدرٍ لم تخمّس، واللَّه أعلم. بل خمّست كما هو قول البخاريّ وابن جريرٍ، وغيرهما، وهو الصحيح الراجح، واللَّه أعلم. فصلٌ في رجوعه، ﵇، من بدرٍ إلى المدينة، وما كان من الأمور في مسيره إليها مؤيّدًا منصورًا عليه من ربّه أفضل الصلاة والسلام وقد تقدّم أنّ الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة. وثبت في "الصحيحين" (١) أنّه كان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعرْصة ثلاثة أيامٍ، وقد أقام ﵊، بعرْصة بدرٍ ثلاثة أيامٍ كما تقدّم، وكان رحيله منها ليلة الإثنين، فركب ناقته ووقف على قليب بدرٍ، فقرّع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدّم ذكره، ثم سار، ﵊، ومعه الأسارى والغنائم الكثيرة، وقد بعث، ﵊، بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنّصر والظّفر على من أشرك باللَّه وجحده وبه كفر؛ أحدهما عبد اللَّه بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة إلى السّافلة. قال أسامة بن زيدٍ: فأتانا الخبر حين سوّينا [التّراب] (٢) على رقيّة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وكان زوجُها عثمان بن عفّان، ﵁، قد احتبس عندها يمرّضها بأمر رسول اللَّه ﷺ ، وقد ضرب له رسول اللَّه بسهمه وأجره في بدرٍ. قال أسامة: فلمّا قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقفٌ بالمصلّى، وقد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشامٍ، وزمعة بن الأسود، وأبو البختريّ العاص بن هشامٍ، وأُمَيَّةُ بن خلفٍ، ونُبَيهٌ ومنبّهٌ ابنا الحجّاج. قال: قلت: يا أبت، أحقٌّ هذا؟ قال: إي واللَّه يا بنيّ. وروى البيهقي (٣)، من طريق حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيدٍ: أنّ النبيّ ﷺ خلّف عثمان وأسامة بن زيدٍ على بنت رسول اللَّه ﷺ ، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة

стр. 1595

رسول اللَّه ﷺ بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيدٌ قد جاء بالبشارة، فواللَّه ما صدّقت حتى رأينا الأسارى، وضرب رسول اللَّه ﷺ لعثمان بسهمه. وقال الواقديّ (١): صلّى رسول اللَّه ﷺ مرجعه من بدرٍ العصر بالأثيل، فلمّا صلّى ركعةً تَبَسَّمَ، فسئل عن تبسّمه، فقال: "يُرى (٢) ميكائيل وعلى جناحه النّقع، فتبسّم إليّ، وقال: إنّي كنت في طلب القوم. وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدرٍ، على فرسٍ أنثى معقود الناصية، قد عصم ثنيّته (٣) الغبار، فقال: يا محمد، إنّ ربي بعثني إليك، وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: "نعم". قال الواقدي (٤): قالوا: وقدّم رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة وعبد اللَّه بن رواحة من الأُثيل، فجاءا يوم الأحد حين اشتدّ الضّحى، وفارق عبد اللَّه بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق، فجعل عبد اللَّه بن رواحة ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول اللَّه ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجّاج، وأبو جهلٍ، وقتل زمعة بن الأسود، وأميّة بن خلفٍ، وأسر سهيل بن عمروٍ. قال عاصم بن عديٍّ: فقمت إليه، فنحوته (٥)، فقلت: أحقًّا يا بن رواحة؟ فقال: إي واللَّه، وغدًا يقدم رسول اللَّه ﷺ بالأسرى مقرّنين. ثم تتبّع دور الأنصار بالعالية يبشّرهم دارًا دارًا، والصّبيان يشتدّون (٦) معه يقولون: قتل أبو جهلٍ الفاسق. حتى إذا انتهى إلى دار بني أميّة، وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول اللَّه ﷺ القصواء، يبشّر أهل المدينة، فلمّا جاء المصلّى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجّاج، وقتل أميّة بن خلفٍ، وأبو جهلٍ، وأبو البختريّ، وزمعة بن الأسود، وأسر سهيل بن عمروٍ ذو الأنياب، في أسرى كثييرٍ. فجعل بعض الناس لا يصدّقون زيدًا، ويقولون: ما جاء زيد بن حارثة إلا فلًّا (٧)، حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا، وقدم زيدٌ حين سوّينا على رقيّة بنت رسول اللَّه ﷺ التّراب (٨) بالبقيع، وقال رجلٌ من المنافقين لأسامة: قتل صاحبكم ومن معه. وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرّق أصحابكم تفرّقًا لا يجتمعون فيه أبدًا، وقد قتل علية أصحابه، وقتل (٩) محمدٌ، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيدٌ لا يدري ما يقول من الرّعب، وجاء فَلًّا. فقال أبو لبابة: يكذّب اللَّه

стр. 1596

قولك. وقالت اليهود: ما جاء زيدٌ إلّا فَلًّا. قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبي، فقلت: أحقٌّ ما تقول؟ فقال: إي واللَّه حقٌّ ما أقول يا بنيّ. فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت: أنت المرجف برسول اللَّه وبالمسلمين، لنقدّمنّك إلى رسول اللَّه إذا قدم، فليضربنّ عنقك. فقال: إنّما هو شيءٌ سمعته من الناس يقولونه. قالوا: فجيء بالأسرى، وعليهم شُقران مولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان قد شهد معهم بدرًا، وهم تسعةٌ وأربعون رجلًا، الذين أُحصوا. قال الواقديّ (١): وهم سبعون في الأصل، مجتمعٌ عليه، لا شكّ فيه. قال: ولقي رسول اللَّه ﷺ إلى الرّوحاء رؤوس الناس يهنّئونه بما فتح اللَّه عليه. فقال له أُسيد بن الحضير: يا رسول اللَّه، الحمد للَّه الذي أظفرك، وأقرّ عينك، واللَّه يا رسول اللَّه، ما كان تخلّفي عن بدرٍ وأنا أظنّ أنّك تلقى عدوًّا، ولكن ظننت أنّها عِيرٌ، ولو ظننت أنّه عدوٌّ ما تخلّفت. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "صدقت". قال ابن إسحاق (٢): ثم أقبل رسول اللَّه ﷺ قافلًا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيطٍ، والنّضر بن الحارث، وقد جعل على النّفل عبد اللَّه بن كعبٍ بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النّجّار، فقال راجزٌ من المسلمين -قال ابن هشامٍ: يقال: إنّه هو عديّ بن أبي الزّغباء-: [من الرجز] أقم لها صدورها يا بسبس … ليس بذي الطّلح لها معرَس ولا بصحراءِ غميرٍ محبس … إنّ مطايا القوم لا تحبَّسُ فحملها على الطريق أكيس … قد نصر اللَّه وفرّ الأخنس قال: ثم أقبل رسول اللَّه ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصّفراء نزل على كثيبٍ بين المضيق وبين النّازية، يقال له: سيَرٌ. إلى سرحةٍ به، فقسم هنالك النّفل الذي أفاء اللَّه على المسلمين من المشركين على السّواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون يهنّئونه بما فتح اللَّه عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقشٍ، كما حدّثني عاصم بن عمر، ويزيد بن رومان: ما الذي تهنّئوننا به؟ واللَّه إن لقينا إلا عجائز صُلعًا كالبدن المعقّلة فنحرناها، فتبسّم رسول اللَّه ﷺ ثم قال: "أي ابن أخي، أولئك الملأ". قال ابن هشامٍ (٣): يعني الأشراف والرُّؤساء.

стр. 1597

مقتل النّضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيطٍ لعنهما اللَّه قال ابن إسحاق (١): حتى إذا كان رسول اللَّه ﷺ بالصّفراء قتل النّضر بن الحارث، قتله عليّ بن أبي طالبٍ، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعِرق الظّبية (٢) قتل عقبة بن أبي معيطٍ. قال ابن إسحاق (٣): فقال عقبة حين أمر رسول اللَّه ﷺ بقتله: فمن للصّبية يا محمّد؟ قال: "النار". وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوفٍ، كما حدّثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسرٍ. وكذا قال موسى بن عقبة في "مغازيه" (٤)، وزعم أنّ رسول اللَّه ﷺ لم يقتل من الأسارى أسيرًا غيره. قال: ولمّا أقبل إليه عاصم بن ثابتٍ، قال: يا معشر قريشٍ، علام أُقتل من بين من ها هنا؟ قال: على عداوتك اللَّه ورسوله. وقال حمّاد بن سلمة (٥)، عن عطاء بن السّائب، عن الشّعبيّ، قال: لمّا أمر النبيّ بقتل عقبة، قال: أتقتلني يا محمد من بين قريشٍ؟ قال: "نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجدٌ خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفعها حتّى ظننت أنّ عينيَّ ستَنْدُران (٦)، وجاء مرّةً أخرى بسلا شاةٍ فألقاه على رأسي وأنا ساجدٌ، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي". قال ابن هشامٍ (٧): ويقال: بل قتل عقبة عليّ بن أبي طالبٍ، فيما ذكره الزّهريّ وغيره من أهل العلم. قلت: كان هذان الرجلان من شرّ عباد اللَّه، وأكثرهم كُفْرًا، وعنادًا، وبغيًا، وحسدًا، وهجاءً للإسلام وأهله، لعنهما اللَّه، وقد فعل. قال ابن هشامٍ (٨): فقالت قُتيلة بنت الحارث، أخت النّضر بن الحارث في مقتل أخيها: [من الكامل] يا راكبًا إنّ الأثيل مظنّةٌ … من صبح خامسةٍ وأنت موفّق أبلغ بها ميتًا بأنّ تحيّةً … ما إن تزال بها النّجائب تخفق

стр. 1598

منّي إليك وعبرةً مسفوحةً … جادت بوابلها وأخرى تخنقُ (١) هل يسمعنّ النّضر إن ناديته … أم كيف يسمع ميّتٌ لا ينطقُ أَمحمدٌ يا خير ضنءِ (٢) كريمةٍ … من قومها والفحل فحلٌ معرقُ ما كان ضرّك لو مننت وربّما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنقُ أو كنت قابل فديةٍ فلينفقن … بأعزّ ما يغلو به ما ينفقُ والنّضر أقرب من أسرت قرابةً … وأحقّهم إن كان عتقٌ يعتقُ ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه … للَّه أرحامٌ هنالك تشققُ صبرًا يقاد إلى المنيّة متعبًا … رسف المقيّد وهو عانٍ موثق قال ابن هشامٍ (٣): ويقال، واللَّه أعلم: إنّ رسول اللَّه ﷺ لمّا بلغه هذا الشّعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه". قال ابن إسحاق (٤): وقد تلقّى رسولَ اللَّه ﷺ بهذا الموضع أبو هندٍ مولى فروة بن عمرو البياضيّ حجّامه، ﵊، ومعه زقّ خمرٍ مملوءٌ حيسًا -وهو التَّمر والسّويق بالسّمن- هديةً لرسول اللَّه ﷺ فقبله منه، ووصّى به الأنصار. قال ابن إسحاق (٥): ثم مضى رسول اللَّه ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيومٍ. قال ابن إسحاق (٦): وحدّثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدَّار أنّ رسول اللَّه ﷺ حين أقبل بالأسارى فرّقهم بين أصحابه، وقال: "استوصوا بهم خيرًا". قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشمٍ أخو مصعب بن عميرٍ لأبيه وأمّه، في الأسارى، قال أبو عزيزٍ: مرّ بي أخي مصعب بن عميرٍ ورجلٌ من الأنصار يأسرني، فقال: شدّ يديك به؛ فإنّ أمّه ذات متاعٍ لعلّها تفديه منك. قال أبو عزيزٍ: فكنت في رهطٍ من الأنصار حين أقبلوا بي من بدرٍ، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز وأكلوا التَّمر؛ لوصية رسول اللَّه ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجلٍ منهم كسرة خبزٍ إلا نفحني بها، فأستحيي فأردّها فَيَرُدُّها عليّ ما يمسّها. قال ابن هشامٍ (٧): وكان أبو عزيزٍ هذا صاحب لواء المشركين ببدرٍ بعد النّضر بن الحارث، ولمّا قال

стр. 1599

أخوه مصعبٌ لأبي اليَسَرِ، وهو الذي أسره، ما قال، قال له أبو عزيزٍ: يا أخي، هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعبٌ: إنّه أخي دونك. فسألت أمّه عن أغلى ما فدي به قرشيٌّ، فقيل لها: أربعة آلاف درهمٍ. فبعثت بأربعة آلاف درهمٍ ففدته بها. قلت: أبو عزيزٍ هذا اسمه زرارة، فيما قاله ابن الأثير في "غابة الصحابة" (١)، وعدّه خليفة بن خيّاطٍ في أسماء الصحابة (٢). وكان أخا مصعب بن عميرٍ لأَبَوَيْهِ (٣)، وكان لهما أخٌ آخر لأبويهما، وهو أبو الرّوم بن عُمَيْرٍ، وقد غلط من جعله قتل يوم أحدٍ كافرًا، ذاك أبو عزّة، كما سيأتي في موضعه. واللَّه أعلم. قال ابن إسحاق (٤): حدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، أنّ يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: قدم بالأُسارى حين قُدم بهم، وسودة بنت زمعة زوج النبيّ ﷺ عند آل عفراء في مناحتهم على عوفٍ ومعوِّذٍ ابني عفراء. قال: وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب. قال: تقول سودة: واللَّه إنّي لعندهم إذ أُتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم. قالت: فرجعت إلى بيتي، ورسول اللَّه ﷺ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمروٍ في ناحية الحجرة مجموعةً يداه إلى عنقه بحبلٍ. قالت: فلا واللَّه ما ملكتُ نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كرامًا؟ فواللَّه ما أنبهني إلّا قول رسول اللَّه ﷺ من البيت: "يا سودة، أعلَى اللَّه وعلى رسوله تحرّضين"؟ قال: قلت: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحقّ ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعةً يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت، ثم كان من قصة الأسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من كيفية فدائهم وكمّيّته، إن شاء اللَّه. ذكر فرح النّجَاشيّ، ﵁، بوقعة بدرٍ قال الحافظ البيهقيّ (٥): أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد اللَّه الحرفيّ ببغداد، ثنا أحمد بن سلمان النّجّاد، ثنا عبد اللَّه بن أبي الدّنيا، حدّثني حمزة بن العباس، ثنا عبدان بن عثمان، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا عبدُ الرحمن بن يزيد بن (٦) جابرٍ، عن عبد الرحمن -رجلٍ من أهل صنعاء- قال:

стр. 1600

أرسل النّجاشيّ ذات يومٍ إلى جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيتٍ عليه خُلْقانُ ثيابٍ، جالسٌ على التراب، قال جعفرٌ: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلمّا أن رأى ما في وجوهنا قال: إنّي أبشّركم بما يسرّكم؛ إنّه جاءني من نحو أرضكم عينٌ لي، فأخبرني أنّ اللَّه قد نصر نبيّه، وأهلك عدوّه، وأُسر فلانٌ وفلانٌ، وقتل فلانٌ وفلانٌ، التقوا بوادٍ يقال له: بدرٌ. كثير الأراك، كأنّي أنظر إليه، كنت أرعى به (١) لسيّدي -رجلٍ من بني ضمرة- إبله. فقال له جعفرٌ: ما بالك جالسًا على التراب ليس تحتك بساطٌ، وعليك هذه الأخلاق (٢)؟ قال: إنّا نجد فيما أنزل اللَّه على عيسى: إنّ حقًّا على عباد اللَّه أنْ يحدثوا للَّه تواضعًا عندما يحدث لهم من نعمةٍ. فلمّا أحدث اللَّه لي نصر نبيّه ﷺ ، أحدثت له هذا التواضع. فصلٌ في وصول خبر مصاب أهل بدرٍ إلى أهاليهم بمكة قال ابن إسحاق (٣): وكان أول من قدم مكة بمصاب قريشٍ الحيسمان بن عبد اللَّه الخزاعيّ، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكَم بن هشامٍ، وأميّة بن خلفٍ، وزمعة بن الأسود، ونبيهٌ ومنبّهٌ، وأبو البختريّ بن هشامٍ. فلمّا جعل يعدّد أشراف قريشٍ، قال صفوان ابن أميّة: واللَّه إن يعقل هذا، فسلوه عنّي. فقالوا: ما فعل صفوان بن أميّة؟ قال: هو ذاك جالسًا في الحجر، قد واللَّه رأيت أباه وأخاه حين قتلا. قال موسى بن عقبة: ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحقّقوه قطّعت النساء شعورهنّ، وعقرت خيولٌ كثيرةٌ ورواحل. وذكر السّهيليّ (٤) عن كتاب "الدلائل" لقاسم بن ثابتٍ أنّه قال: لما كانت وقعة بدرٍ سمع أهل مكة هاتفًا من الجن يقول: [من الطويل] أزار الحنيفيّون بدرًا وقيعةً … سينقضّ منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالًا من لؤيٍّ وأبرزت … خرائد يضربن الترائب حسّرا فيا ويح من أمسى عدوّ محمدٍ … لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا

стр. 1601

قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباسٍ، عن عكرمة مولى ابن عباسٍ قال: قال أبو رافعٍ مولى رسول اللَّه ﷺ : كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، [وأسلمت] (٢) أمّ الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مالٍ كثيرٍ متفرّقٍ في قومه، وكان أبو لهبٍ قد تخلّف عن بدرٍ فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا؛ لم يتخلّف رجلٌ إلّا بعث مكانه رجلًا، فلمّا جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدرِ من قريشٍ، كبته اللَّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوةً وعزًّا. قال: وكنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فواللَّه إنّي لجالسٌ فيها أنحت أقداحي، وعندي أمّ الفضل جالسةً، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهبٍ يجرّ رجليه بشرٍّ، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالسٌ إذ قال الناس: هذا أبو سفيان -واسمه المغيرة- بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. قال: فقال أبو لهبٍ: هلمّ إليّ، فعندك لعمري الخبر. قال: فجلس إليه والناس قيامٌ عليه فقال: يا بن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: واللَّه ما هو إلّا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم اللَّه مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالًا بيضًا على خيلٍ بلقٍ بين السماء والأرض، واللَّه ما تليق شيئًا ولا يقوم لها شيءٌ. قال أبو رافعٍ: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك واللَّه الملائكة. قال: فرفع أبو لهبٍ يده فضرب وجهي ضربةً شديدة. قال: وثاورته (٣)، فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، وكنت رجلًا ضعيفًا، فقامت أمّ الفضل إلى عمودٍ من عمد الحجرة فأخذته، فضربته به ضربةً فلعت (٤) في رأسه شجّةً منكرةً، وقالت: أَستضعفته أن غاب عنه سيده؟ فقام مولّيًا ذليلًا، فواللَّه ما عاش إلا سبع ليالٍ حتى رماه اللَّه بالعدسة فقتلته. زاد يونس، عن ابن إسحاق (٥): فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثًا، ما دفناه حتى أنتن، وكانت قريشٌ تتّقي هذه العدسة كما تتّقى الطاعون، حتى قال لهما رجلٌ من قريش: ويحكما، ألا تستحيان! إنّ أباكما قد أنتن في بيته، لا تدفنانه؟! فقالا: إنّا نخشى عدوى هذه القرحة. فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه. فواللَّه ما غسّلوه إلّا قذفًا بالماء عليه من بعيدٍ، ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدارٍ ثم رضموا عليه بالحجارة.

стр. 1602

قال يونس، عن ابن إسحاق (١): وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين أنّها كانت لا تمرّ على مكان أبي لهبٍ هذا إلّا تستّرت بثوبها حتى تجوزَ. قال ابن إسحاق (٢): وحدثني يحيى بن عبّادٍ [بن عبد اللَّه بن الزُّبير، عن أبيه عَبَّاد]، عن أبيه (٣) قال: ناحت قريشٌ على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فَيَبْلُغَ محمدًا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم (٤)؛ لا يأرب عليكم محمدٌ وأصحابه في الفداء. قلت: وكان هذا من تمام ما عَذَّب اللَّه به أحياءهم في ذلك الوقت، وهو تركهم النّوح على قتلاهم؛ فإنّ البكاء على الميت مما يُبِلُّ فؤاد الحزين. قال ابن إسحاق (٥): وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثةٌ من ولده؛ زمعة، وعقيلٌ، والحارث، وكان يحبّ أن يبكي على بنيه. قال: فبينما هو كذلك إذ سمع نائحةً من الليل، فقال لغلامٍ له، وكان قد ذهب بصره: انظر هل أحلّ النّحب؟ هل بكت قريشٌ على قتلاها؟ لعلّي أبكي على أبي حكيمة -يعني ولده زمعة- فإنّ جوفي قد احترق. قال: فلمّا رجع إليه الغلام قال: إنّما هي امرأةٌ تبكي على بعيرٍ لها أضلّته. قال: فذاك حين يقول الأسود: [من الوافر] أتبكي أن أضلَّ لها بعيرٌ … ويمنعها من النوم السّهود فلا تبكي على بكرٍ ولكن … على بدرٍ تقاصرتِ الجدود على بدرٍ سراة بني هُصيصٍ … ومخزومٍ ورهط أبي الوليد وبكّي إن بكيت على عقيلٍ (٦) … وبكّي حارثًا أسد الأسود وبكّيهم ولا تَسَمي (٧) جميعًا … وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد سادَ بعدهمُ رجالٌ … ولولا يوم بدرٍ لم يسودوا (٨)

стр. 1603

فصل في بعث قريشٍ إلى رسول اللَّه ﷺ في فداء أسراهم قال ابن إسحاق (١): وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضُبيرة السّهميّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ له بمكَّة ابنًا كيّسًا تاجرًا ذا مالٍ، وكأنّكم به قد جاء في طلب فداء أبيه". فلمّا قالت قريشٌ: لا تعجلوا بفداء أسراكم؛ لا يأرب عليكم محمدٌ وأصحابه. قال المطّلب بن أبي وداعة -وهو الذي كان رسول اللَّه ﷺ عنى- صدقتم، لا تعجلوا، وانسلّ من الليل، وقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهمٍ، فانطلق به. قلت: وكان هذا أول أسيرٍ فُدي، ثم بعثت قريشٌ في فداء أسراهم، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرٍو، وكان الذي أسره مالك بن الدّخشم، أخو بني سالم بن عوفٍ، فقال في ذلك: [من المتقارب] أسرتُ سُهيلًا فلا أبتغي … أسيرًا به من جميع الأُممْ وخندف تعلم أن الفتى … فتاها سهيلٌ إذا يُظلمْ ضربت بذي الشفر حتى انثنى … وأكرهت نفسي على ذي العلَمْ قال ابن إسحاق (٢): وكان سهيلٌ رجلًا أعلَم (٣) من شفته السُّفْلى. قال ابن إسحاق (٤): وحدثني محمد بن عمرو بن عطاءٍ أخو بني عامرٍ بن لؤيٍّ، أنّ عمر بن الخطَّاب قال لرسول اللَّه ﷺ : دعني أنزع ثنيَّة سهيل بن عمروٍ يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطنٍ أبدًا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا أمثّل به فيمثّل اللَّه بي وإن كنت نبيًّا". قلت: وهذا حديثٌ مرسلٌ، بل معضلٌ. قال ابن إسحاق (٥): وقد بلغني أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لعمر في هذا: "إنّه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه". قلت: وهذا هو المقام الذي قامه سهيلٌ بمكة، حين مات رسول اللَّه ﷺ وارتدّ من ارتدّ من العرب، ونجم النّفاق بالمدينة وغيرها، فقام بمكة فخطب الناس، وثبّتهم على الدين الحنيف، كما سيأتي في موضعه.

стр. 1604

قال ابن إسحاق (١): فلمّا قاولهم فيه مكرزٌ وانتهى إلى رضائهم قالوا: هات الذي لنا. قال: اجعلوا رِجلي مكان رجله وخلّوا سبيله، حتى يبعث إليكم بفدائه. فخلّوا سبيل سهيلٍ وحبسوا مكرزًا عندهم. وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرًا (٢) أنكره ابن هشامٍ (٣)، فاللَّه أعلم. [قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ قال: وكان في الأسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب. قال ابن إسحاق (٥): وكانت أمّه بنت عقبة بن أبي معيطٍ. قال ابن هشام (٦): بل كانت أمّه أخت أبي معيطٍ. قال ابن هشام: وكان الذي أسره عليّ بن أبي طالبٍ] (٧). قال ابن إسحاق (٨): وحدثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، [قال]: فقيل لأبي سفيان: افد عمرًا ابنك. قال: أيجمع عليّ دمي ومالي؟ قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا؟! دَعُوه في أيديهم يُمْسِكُوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة، إذ خرج سعد بن النّعمان بن أُكّالٍ، أخو بني عمرو بن عوفٍ، ثم أحد بني معاوية معتمرًا، ومعه مريّةٌ (٩) له، وكان شيخًا مسلمًا في غنم له بالنّقيع (١٠)، فخرج من هنالك معتمرًا، [ولا يخشى الذي صنع به] (١١)، لم يظنَّ أنّه يحبس بمكة، إنّما جاء معتمرًا، وقد كان عهد قريشًا لا يعرضون لأحدٍ جاء حاجًّا أو معتمرًا إلّا بخيرٍ، فعدا عليه أبو سفيان بن حربٍ بمكة، فحبسه بابنه عمروٍ، وقال في ذلك: [من الطويل]

стр. 1605

أرهط ابن أُكّالٍ أجيبوا دعاءه … تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإنّ بني عمروٍ لئامٌ أذلّةٌ … لئن لم يفكّوا (١) عن أسيرهم الكبلا قال: فأجابه حسّان بن ثابتٍ يقول (٢): [من الطويل] لو كان سعدٌ يوم مكة مطلقًا (٣) … لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا بعضبِ حسامٍ أو بصفراءَ نبعةٍ … تحنّ إذا ما أُنبضت تحفز النّبلا قال: ومشى بنو عمرو بن عوفٍ إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكّوا به صاحبهم، فأعطاهم النبيّ ﷺ فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلّى سبيل سعدٍ. قال ابن إسحاق (٤): وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الرّبيع بن عبد العزّى بن عبد شمس بن أميّة، ختن رسول اللَّه ﷺ وزوج ابنته زينب. قال ابن هشامٍ (٥): وكان الذي أسره خراش بن الصّمَّة أحد بني حرامٍ. قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارةً، وكانت أمّه هالة بنت خويلدٍ أخت خديجة بنت خويلدٍ، وكانت خديجة هي التي سألت رسول اللَّه ﷺ أن يزوّجه بابنتها زينب، وكان لا يخالفها، وذلك قبل الوحي، وكان ﵇، قد زوّج ابنته رقيّة أو أمّ كلثومٍ من عتبة بن أبي لهبٍ، فلمّا جاء الوحي قال أبو لهبٍ: اشغلوا محمدًا بنفسه. وأمر ابنه عتبة فطلّق ابنة رسول اللَّه ﷺ قبل الدخول، فتزوّجها عثمان بن عفان، ﵁، ومشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوّجك بأيّ امرأةٍ من قريشٍ شئت. قال: لا واللَّه إذًا؛ لا أفارق صاحبتي، وما أحبّ أنّ لي بامرأتي امرأةً من قريشٍ. وكان رسول اللَّه ﷺ يثني عليه في صهره، فيما بلغني. قلت: الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابتٌ في "الصحيح" (٦) كما سيأتي. قال ابن إسحاق (٧): وكان رسول اللَّه ﷺ لا يُحلّ بمكة، ولا يحرّم مغلوبًا على أمره، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب ابنة رسول اللَّه ﷺ وبين أبي العاص، وكان لا يقدر على أن يفرّق بينهما.

стр. 1606

قلت: إنّما حرّم اللَّه المسلمات على المشركين عام الحديبية، سنة ستٍّ من الهجرة، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى. قال ابن إسحاق (١): حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: لمّا بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول اللَّه في فداء أبي العاص بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. قالت: فلمّا رآها رسول اللَّه ﷺ ، رقّ لها رقّةً شديدةً، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها الذي لها، فافعلوا". قالوا: نعم يا رسول اللَّه، فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها. قال ابن إسحاق (٢): فكان ممّن سمّي لنا ممّن منّ عليه رسول اللَّه ﷺ من الأسارى بغير فداءٍ؛ من بني أميّة أبو العاص بن الرّبيع، ومن بني مخزومٍ المُطَّلِبُ بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزومٍ، أسره بعضُ بني [الحارث] (٣) بن الخزرج، فترك في أيديهم حتى خلّوا سبيله، فلحق بقومه. قال ابن إسحاق (٤): وقد كان رسول اللَّه ﷺ قد أخذ عليه أن يخلّيَ سبيل زينب، يعني أن تهاجر إلى المدينة، فوفّى أبو العاص بذلك، كما سيأتي. وقد ذكر ذلك ابن إسحاق ها هنا فأخّرناه؛ لأنّه أنسب، واللَّه أعلم. وقد تقدّم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عمّ النبيّ ﷺ نفسه وعقيلًا ونوفلًا ابني أخويه بمئة أوقيّةٍ من الذهب. وقال ابن هشامٍ (٥): كان الذي أسره (٦) أبو أيوب خالد بن زيدٍ. قال ابن إسحاق (٧): وصيفيّ بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزومٍ، ترك في أيدي أصحابه، فأخذوا عليه ليبعثنّ لهم بفدائه، فخلّوا سبيله، ولم يف لهم، فقال حسّان بن ثابتٍ في ذلك (٨): [من الطويل]

стр. 1607

وما كان صيفيٌّ ليوفي أمانة (١) … قفا ثعلبِ أعيا ببعض الموارد قال ابن إسحاق (٢): وأبو عزّة عمرو بن عبد اللَّه بن عثمان بن أُهيب بن حذافة بن جمح، كان محتاجًا ذا بناتٍ، قال: يا رسول اللَّه، لقد عرفت ما لي من مالٍ، وإنّي لذو حاجةٍ وذو عيالٍ؛ فامنن عليّ. فمنّ عليه رسول اللَّه ﷺ ، وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا، فقال أبو عزّة يمدح رسول اللَّه ﷺ على ذلك: [من الطويل] مَن مبلغٌ عني الرسول محمدًا … بأنّك حقٌّ والمليك حميد وأنت امرؤٌ تدعو إلى الحقّ والهدى … عليك من اللَّه العظيم شهيد وأنت امرؤٌ بوّئت فينا مباءةٌ … لها درجاتٌ سهلةٌ وصعود فإنّك من حاربته لمحاربٌ … شقيٌّ ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذُكّرتْ بدرًا وأهله … تَأَوَّبَ (٣) ما بي حسرةٌ وقعود قلت: ثم إنّ أبا عزّة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، ولعب المشركون بعقله، فرجع إليهم، فلمّا كان يوم أحدٍ أسر أيضًا، فسأل من النبيّ ﷺ أن يمنّ عليه أيضًا، فقال النبيّ ﷺ : "لا أدعك تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمدًا مَرَّتَيْنِ". ثم أمر به، فضربت عنقه (٤)، كما سيأتي في غزوة أحدٍ. ويقال: إنّ فيه قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرّتين" (٥). وهذا من الأمثال التي لم تسمع إلّا منه، ﵊. قال ابن إسحاق (٦): وحدّثني محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عروة بن الزّبير قال: جلس عمير بن وهبٍ الجمحيّ مع صفوان بن أميّة في الحجر، بعد مصاب أهل بدرٍ بيسيرٍ، وكان عمير بن وهبٍ شيطانًا من شياطين قريشٍ، وممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، ويلقَون منه عنَاءً وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عميرٍ في أسارى بدرٍ. قال ابن هشامٍ (٧): وكان الذي أسره رفاعة بن رافعٍ، أحد بني زريقٍ. قال ابن إسحاق (٨): فحدّثني محمد بن جعفرٍ، عن عروة قال، فذكر أصحاب القليب ومصابهم،

стр. 1608

فقال صفوان: واللَّه إن (١) في العيش بعدهم خيرٌ. قال له عميرٌ: صدقت واللَّه، أما واللَّه لولا دَينٌ عليّ ليس عندي قضاؤه، وعيالٌ أخشى عليهم الضّيعة بعدي، لركبت إلى محمدٍ حتى أقتله، فإنّ لي فيهم (٢) علّةً؛ ابني أسيرٌ في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أميّة، فقال: عليّ دَينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أُواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيءٌ ويعجز عنهم. فقال له عميرٌ: فاكتم عنّي شأني وشأنك. قال: سأفعل. قال: ثم أمر عميرٌ بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفرٍ من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدرٍ، ويذكرون ما أكرمهم اللَّه به، وما أراهم من عدوّهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهبٍ، وقد أناخ على باب المسجد متوشّحًا السيفَ، فقال: هذا الكلب عدوّ اللَّه عمير بن وهبٍ، ما جاء إلّا لشرٍّ، وهو الذي حرّش بيننا، وحزرنا (٣) للقوم يوم بدرٍ. ثم دخل عمر (٤) على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبيّ اللَّه، هذا عدوّ اللَّه عمير بن وهبٍ، قد جاء متوشّحًا سيفه. قال: "فأدخله عليّ". قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول اللَّه ﷺ ، فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنّه غير مأمونٍ. ثم دخل به على رسول اللَّه ﷺ ، فلمَّا رآه رسول اللَّه، وعمر آخذٌ بحمالة سيفه في عنقه قال: "أرسله يا عمر، ادن يا عمير". فدنا ثم قال: أنعم صباحًا. وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول اللَّه: "قد أكرمنا اللَّه بتحيةٍ خيرٍ من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهلِ الجنة". قال: أما واللَّه يا محمد إن كنت بها لحديث عهدٍ. قال: "فما جاء بك يا عمير؟ " قال: جئت لهذا الأسيرِ الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: "فما بال السيف في عنقك؟ " قال: قبّحها اللَّه من سيوفٍ، وهل أغنت شيئًا؟ قال: "اصدقني، ما الذي جئت له؟ " قال: ما جئت إلّا لذلك. قال: "بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريشٍ، ثم قلت: لولا دَينٌ عليّ وعيالٌ عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا. فتحمّل لك صفوان بن أميّة بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، واللَّه حائلٌ بينك وبين ذلك". فقال عميرٌ: أشهد أنّك رسول اللَّه، قد كنا يا رسول اللَّه نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزّل عليك من الوحي، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان، فواللَّه إنّي لأعلم ما أتاك به إلّا اللَّه، فالحمد للَّه الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحقّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فقّهوا أخاكم في دينه، وعلّموه القرآن، وأطلقوا أسيره". ففعلوا. ثم قال: يا رسول اللَّه، إنّي كنت جاهدًا على إطفاء نور اللَّه، شديد الأذى لمن كان على دين اللَّه، وأنا أحبّ أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام؛ لعلّ اللَّه يهديهم، وإلّا آذيتهم في دينهم كما

стр. 1609

كنتُ أوذي أصحابك في دينهم. قال: فأذن له رسول اللَّه ﷺ فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهبٍ يقول: أبشروا بوقعةٍ تأتيكم الآن في أيامٍ، تنسيكم أيام (١) بدرٍ. وكان صفوان يسأل عنه الرّكبان، حتى قدم راكبٌ فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلّمه أبدًا، ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا. قال ابن إسحاق (٢): فلمّا قدم عميرٌ مكة، أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذًى شديدًا، فأسلم على يديه ناسٌ كثيرٌ. قال ابن إسحاق: وعمير بن وهبٍ، أو الحارث بن هشامٍ، هو الذي رأى عدوّ اللَّه إبليس، حين نكص على عقبيه يوم بدرٍ، وفرّ هاربًا، وقال: إنّي بريءٌ منكم، إنّي أرى ما لا ترون. وكان إبليس يومئذٍ في صورة سراقة بن مالك بن جعشمٍ أمير مدلجٍ. فصل ثم إنّ الإمام محمد بن إسحاق، ﵀، تكلّم على ما نزل من القرآن في قصة بدرٍ، وهو من أول سورة "الأنفال" إلى آخرها، فأجاد وأفاد (٣)، وقد تقصّينا الكلام على ذلك في كتابنا "التفسير" (٤) فمن أراد الاطّلاع على ذلك فلينظره ثمّ، وللَّه الحمد والمنّة. فصل ثم شرع ابن إسحاق في تَسْمِيَةِ من شهد بدرًا من المسلمين (٥)، فسرد أسماء من شهدها من المهاجرين أولًا، ثم أسماء من شهدها (٦) من الأنصار أوسها وخزرجها، إلى أن قال (٧): فجميع من شهد بدرًا من المسلمين؛ من المهاجرين والأنصار؛ من شهدها [منهم] ومن ضرب له بسهمه وأجره، ثلاثمئة رجلٍ وأربعة عشر رجلًا؛ من المهاجرين ثلاثةٌ وثمانون، ومن الأوس أحدٌ وستون رجلًا، ومن الخزرج مئةٌ وسبعون رجلًا. وقد سردهم البخاريّ في "صحيحه" (٨) مرتّبين على حروف

стр. 1610

المعجم، بعد البداءة برسول اللَّه ﷺ ثم بأبي بكرٍ، وعمر (١)، وعثمان، وعليٍّ، ﵃. وهذه تسمية من شهد بدرًا من المسلمين مرتّبين على حروف المعجم (٢)، وذلك من كتاب "الأحكام الكبير" للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المَقْدِسِيِّ، وغيره، بعد البداءة باسم رئيسهم وفخرهم وسيِّد ولد آدم محمدٍ رسول اللَّه ﷺ . حرف الألف أُبيّ بن كعبٍ النّجّاريّ سيِّد القُرّاء، الأرقم بن أبي الأرقم، وأبو الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزومٍ المخزوميّ. أسعد بن يزيد بن الفاكه بن يزيد بن خلدة بن عامر بن العجلان، أسود بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنمٍ. كذا قال موسى بن عقبة (٣). وقال الأمويّ: سوادٌ بن رزام بن ثعلبة بن عبيد بن عديّ. شكّ فيه. وقال سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق (٤): سواد بن زريق بن ثعلبة. وقال ابن عائذٍ: سواد بن زيدٍ (٥). أسير بن عمروٍ الأنصاريّ أبو سليطٍ. وقيل: أسير بن عمروٍ بن أميّة بن لوذان بن سالم بن ثابتٍ الخزرجيّ. ولم يذكره موسى بن عقبة. أنس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث الأوسيّ. كذا سماه موسى بن عقبة (٦). وسماه الأمويّ في "السيرة" أُنَيْسًا (٧). [قلت: وأنس بن مالكٍ خادم النبيّ ﷺ ، لما روى عمر بن شبّة النّميريّ (٨)، حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس قال: قيل لأنس بن مالكٍ: أشهدت بدرًا؟ قال: وأين أغيب عن بدرٍ لا أمّ لك؟!.

стр. 1611

وقال محمد بن سعدٍ (١): أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، ثنا أبي، عن مولًى لأنس بن مالكٍ، أنّه قال لأنسٍ: شهدت بدرًا؟ قال: لا أمّ لك، وأين أغيب عن بدرٍ؟! قال محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ: خرج أنس بن مالكٍ مع رسول اللَّه ﷺ إلى بدرٍ، وهو غلامٌ يخدمه. قال شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ في "تهذيبه" (٢): هكذا قال الأنصاريّ، ولم يذكر ذلك أحدٌ من أصحاب المغازي]. أنس بن معاذ [بن أنس] بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمروٍ بن مالك بن النّجار. أنسة الحبشيّ مولى رسول اللَّه ﷺ . أوس بن ثابت بن المنذر النّجاريّ. أوس بن خَوْلِيِّ بن عبد اللَّه بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن [الخزرج الخزرجيّ. وقال موسى بن عقبة: أوس بن عبد اللَّه بن الحارث] بن خوليٍّ. أوس بن الصّامت الخزرجيّ أخو عبادة بن الصّامت. إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكرٍ حليف بني عديّ بن كعبٍ. حرف الباء بجير بن أبي بجيرٍ حليف بني النّجّار. بحّاث بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمّارة البلويّ حليف الأنصار، بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد بن عمروٍ بن سعيد (٣) بن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهنيّ حليف بني ساعدة، وهو أحد العينين (٤) هو وعديّ بن أبي الزّغباء كما تقدّم. بشر ابن البراء بن معرورٍ الخزرجيّ الذي مات بخيبر من الشاة المسمومة، بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجيّ والد النّعمان بن بشيرٍ. ويقال: إنّه أول من بايع الصّدّيق. بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الأوسيّ، ردّه، ﵊، من الرّوحاء واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره. حرف التاء تميم بن يَعار بن قيس بن عديّ بن أميّة بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج. تميمٌ مولى خراش بن الصّمّة. تميمٌ مولى بني غنم بن السّلم. وقال ابن هشامٍ (٥): هو مولى سعد بن خيثمة.

стр. 1612

حرف الثاء ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عديّ بن العجلان. ثابت بن ثعلبة -ويقال لثعلبة هذا: الجذع- بن زيد بن الحارث بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة. ثابت بن خالد بن النّعمان بن خنساء بن عسيرة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النّجار النّجاريّ. ثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عديّ بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجّار النجّاريّ. ثابت بن عمرو بن زيد بن عديّ بن سَوادِ بن مالك بن غنم بن مالك بن النجّار النجّاريّ. ثابت بن هزّالٍ الخزرجيّ. ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الأوس. ثعلبة بن عمرو بن عبيد بن مالكٍ النجّاريّ. ثعلبة بن عمرو بن محصنٍ الخزرجيّ. ثعلبة بن عتمة بن عديّ بن نابي السّلميّ. ثقف بن عمروٍ، من بني حجر آل بني سليمٍ، وهو من حلفاء بني كثير بن غنم بن دودان بن أسدٍ. حرف الجيم جابر بن خالد بن مسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النّجّار النّجّاريّ. جابر بن عبد اللَّه بن رئاب بن النّعمان بن سنان بن عبيد بن عديّ بن غنم بن كعب بن سِلمة السّلميّ، أحد الذين شهدوا العقبة. [قلت: فأمّا جابر بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرامٍ السّلميّ أيضًا، فذكره البخاريّ فيهم في مسندٍ (١)، عن سعيد بن منصورٍ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ قال: كنت أميح (٢) لأصحابي الماء يوم بدرٍ. وهذا الإسناد على شرط مسلمٍ، لكن قال محمد بن سعدٍ (٣): ذكرت لمحمد بن عمر -يعني الواقديّ- هذا الحديث، فقال: هذا وهمٌ من أهل العراق. وأنكر أن يكون جابرٌ شهد بدرًا. وقال الإمام أحمد بن حنبلٍ (٤): حدثنا روح بن عبادة، ثنا زكريا بن إسحاق، ثنا أبو الزّبير، أنّه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ تسع عشرة غزوةً، ولم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي، فلمّا قتل أبي يوم أحدٍ، لم أتخلّف عن رسول اللَّه ﷺ عن غزاةٍ. ورواه مسلم (٥)، عن أبي خيثمة عن روحٍ] (٦).

стр. 1613

جبّار بن صخرٍ السلميّ. جبر بن عتيكٍ الأنصاريّ. جبير بن إياسٍ الخزرجيّ. حرف الحاء الحارث بن أنس بن رافعٍ الخزرجيّ. الحارث بن أوس بن معاذٍ، ابن أخي سعد بن معاذٍ الأوسيّ. الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أميّة بن زيد بن مالك بن الأوس، ردّه، ﵊، من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره. الحارث بن خزمة بن عديٍّ بن أبي غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرح، حليفٌ لبني زعورا بن عبد الأشهل. الحارث بن الصّمّة الخزرجيّ، ردّه ﵊؛ لأنّه كسر من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره. الحارث بن عرفجة الأوسيّ. الحارث بن قيس بن خالدٍ (١) أبو خالدٍ الخزرجيّ. الحارث بن النّعمان بن أميّة الأنصاريّ. حارثة بن سراقة النّجّاريّ، أصابه سهمٌ غربٌ وهو في النّظّارة، فرفع إلى الفردوس. حارثة بن النّعمان بن رافعٍ الأنصاريّ. حاطب بن أبي بلتعة اللّخميّ، حليف بني أسد بن عبد العزّى بن قصيٍّ. حاطب بن عمرو بن عبيد بن أميّة الأشجعيّ، من بني دهمان. هكذا ذكره ابن هشامٍ (٢) عن غير ابن إسحاق. وقال الواقديُّ (٣): حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودٍّ. وكذا ذكره ابن عائذٍ في "مغازيه". وقال ابن أبي حاتمٍ (٤): حاطب بن عمرو بن عبد شمسٍ. سمعته من أبي، وقال: هو رجل مجهولٌ. الحباب بن المنذر الخزرجيّ. ويقال: كان لواء الخزرج معه يومئذٍ. حبيب بن أسود مولى بني حرامٍ من بني سلِمة. وقال موسى بن عقبة (٥): حبيب بن سعدٍ. بدل "أسود". وقال ابن أبي حاتمٍ (٦): حبيب بن أسلم مولى آل جشم بن الخزرج. أنصاريّ بدريّ. حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربّه الأنصاريّ أخو عبد اللَّه بن زيد الذي أري النِّداء (٧). الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد منافٍ. حمزة بن عبد المطلب بن هاشمٍ عمّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 1614

حرف الخاء خالد بن البكير أخو إياسٍ المتقدّم. خالد بن زيدٍ أبو أيوب النّجّاريّ. خالد بن قيس بن مالك بن العجلان الأنصاريّ. خارجة بن الحميّر، حليف بني خنساء من الخزرج، وقيل: اسمه حمزة (١) بن الحميّر. وسمّاه ابن عائذٍ: أبا خارجة (٢)، فاللَّه أعلم. خارجة بن زيدٍ الخَزْرَجيّ صهر الصّدّيق. خبّاب بن الأرتّ، حليف بني زهرة، وهو من المهاجرين الأوّلين، وأصله من بني تميم، ويقال: من خزاعة. خبّابٌ مولى عتبة بن غزوان، من المهاجرين الأوّلين. خراش بن الصّمّة السّلميّ. خبيب بن إساف [بن عنبة] (٣) الخَزْرَجيّ. خريم بن فاتكٍ. ذكره البخاري (٤) فيهم. خليفة بن عديٍّ الخزرجيّ. خليد بن قيس بن النّعمان بن سنان بن عبيدٍ [الأنصاريّ السّلميّ] (٥). خنيس بن حذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهمٍ بن عمرو بن هصيصٍ بن كعب بن لؤيّ السّهميّ. قتل يومئذٍ فتأيّمت منه حفصة بنت عمر بن الخطاب. خوّات بن جبيرٍ الأنصاريّ، ضرب له بسهمه وأجره، ولم يشهدها بنفسه. خوليّ بن أبي خَوْلِيِّ! العجليّ حليف بني عديّ. من المهاجرين الأوّلين. خلّاد بن رافعٍ. وخلّاد بن سويدٍ. وخلّاد بن عمرو بن الجموح الخزرجيّون. حرف الذّال ذكوان بن عبد قيس الخزرجيّ. ذو الشّمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ، من خزاعة، حليفٌ لبني زهرة، قتل يومئذٍ شهيدًا. قال ابن هشامٍ (٦): واسمه عميرٌ، وإنّما قيل له: ذو الشّمالين؛ لأنّه كان أعسر. حرف الرّاء رافع بن الحارث الأوسيّ. رافع بن عُنجَدة. قال ابن هشامٍ (٧): هي أمّه. رافع بن المعلّى بن لوذان الخزرجيّ قتل يومئذٍ. ربعيّ بن رافع بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجدّ بن عجلان بن ضبيعة. وقال موسى بن عقبة: ربعيّ بن أبي رافعٍ. ربيع بن إياسٍ الخزرجيّ. ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن

стр. 1615

لكيز بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليفٌ لبني عبد شمس بن عبد منافٍ، وهو من المهاجرين الأوّلين. رخيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة الخزرجيّ. رفاعة بن رافعٍ الزّرقيّ، أخو خلّاد بن رافعٍ. رفاعة بن عبد المنذر بن زنبرٍ الأوسيّ أخو أبي لبابة. رِفاعةُ بن عمرو بن زيدٍ الخزرجيّ. حرف الزّاي الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيٍّ، ابن عمّة رسول اللَّه ﷺ وحواريّه. زياد بن عمروٍ. وقال موسى بن عقبة (١): زياد بن الأخرس بن عمروٍ الجهنيّ. وقال الواقديّ: زياد بن كعبٍ بن عمروٍ بن عديٍّ بن عمرو بن رفاعة بن كليبٍ بن مودوعة (٢) بن عديّ بن عمرو بن الرُّبْعي (٣) بن رشدان بن قَيْسِ بن جهينة. زياد بن لبيد الزّرقيّ. زيد (٤) بن المزيّن بن قيسٍ الخزرجيّ. زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عديّ بن عجلان بن ضبيعة. زيد بن حارثة شراحيل (٥) مولى رسول اللَّه ﷺ ، ﵁. زيد بن الخطَّاب بن نُفَيْلٍ أخو عمر بن الخطَّاب، ﵄. زيد بن سهل بن الأسود بن حرامٍ النّجّاريّ أبو طلحة، ﵁. حرف السّين سالم بن عميرٍ الأوسيّ. سالم بن عوفٍ الخزرجيّ. [سالم بن معقلٍ مولى أبي حذيفة (٦). السّائب بن عثمان بن مظعونٍ الجمحيّ. شهد (٧) مع أبيه. سبرة بن فاتكٍ. ذكره البخاريّ. سبيع بن قيس بن عيشة الخزرجيّ. سراقة بن عمروٍ النّجّاريّ. سراقة بن كعبٍ النّجّاريّ أيضًا. سعد بن خولة مولى بني عامرٍ بن لؤيٍّ، من المهاجرين الأوّلين. سعد بن خيثمة الأوسيّ، قتل يومئذٍ شهيدًا. سعد بن الرّبيع الخزرجيّ الذي قتل يوم أحدٍ شهيدًا. سعد بن زيد بن مالك الأوسيّ. [وقال الواقدي] (٨) سعد بن زيد بن الفاكه الخزرجيّ. سعد بن سهيل بن عبد الأشْهل النّجّاريّ. سعد بن عبيدٍ الأنصاريّ. سعد بن
следующие страницы →